← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

بشرته، ويكون له من الجماعات والأعياد غير دخول الوفد عليه غير ما يلبسه في سائر الأيام، وعند دخول العامة عليه غير ما يلبسه مع الخاصة، وعند خلوته غير ما يلبسه مع الناس، وبالليل غير ما يلبسه بالنهار. إلا أنه يتحرى في كل ذلك يكون قصدًا لا طغيان فيه ولا اختيال. ويقتني من الخدم من تقع له الكفاية ويعد لنفسه ولهم الأسلحة والدواب، ويحلي مراكبه بأدنى ما يعرف به تجملًا، وكذلك سفيه ومنطقته، ويقيم لخدمه معايشهم، ويزيح فيما يحتاجون إليه عللهم وإن اقتنى أحرارًا يعملون له بالأجرة فذلك جائز، وإذا كان هذا هكذا، فينبغي له أن يتخذ دار تسعة وخدامه وخزائنه التي يخزن فيها وأسلحته، وحارسًا، إن كان له، وأن يرتب بالباب من لا يدخل عليه في غير وقت البروز للناس إلا بإذنه وهذا كله من بيت المال، وإذا قام بحفظ المسلمين وقصر أيدي العدوان بعضهم عن بعض وتعهد السبل ونقصها عن الدعاء والجواب، ووفى المسلمين كل حق يلزمه لهم لأنه العامل لهم، وما يأخذه فمنزلة الأجر، وإنما يستحق العامل الأجر إذا وفى العمل. فإن قيل: إن الذي كتبتموه من وظائف الإمام يخالف المعهود من أمر رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين لأنهم لم يبسطوا في مال المسلمين هذا التبسط، فهلا قلتم إن سئل الأئمة أن يقتصروا على ما روي عن رسول الله ﷺ وخلفائه أنهم اقتصروا عليه؟ فالجواب: لأن النبي ﷺ ساس الناس بسلطان النبوة وكان الله أخبره أنه يعصمه من الناس وألهمه الرأفة والرحمة بأمته، فكان يحب السكينة تواضعًا لله وتسلية للمساكين، حتى إذا نظروا إلى رسول الله ﷺ وهو يكابد مثل ما يكابدون خف عنهم ما يجدون، وطابوا نفسًا بما يقلون، وكانت هيبته ممكنة في صدور الناس متسلطة على نفوسهم بمجرد ما كان مقدر من مكانه ومنزلته عند الله تعالى، ويخشوه من وجوب النار عليهم إن عصوه وازدروا أو ضيعوا حقًا من حقوقه فلم يؤدوه. فلم يحتج مع ذلك كله أن يحمل على أعينهم بشيء مما سبق ذكره. ولا أن يكثر بمتاع الدنيا مع علمهم بتوفر حظه من نعيم الآخرة. وأما ولاة الأمر بعده فلم يحتاجوا إلى التكليف الذي وصفناه لقرب عهد الناس بزمان النبوة ولأن تلك الرعية لم تكن شاهدت قبل ذلك سلطانًا مباينًا

стр. 1262

للعامة في نفسه وحاله وطعامه ولباسه وفرشه وآلاته، فيحتاج ولاة أمورهم لذلك إلى أن يتكلفوا في هذه الأبواب، ما يضاهي حال من شاهدوا خيلًا توازي لهم رعاياهم، فلا يصير ذلك سببًا لفروغهم من طاعته واتباع أمره وإنما كان أمرًا مستأنفًا والحال غيره، ويستوجبه إلى الزيادة على ما كانوا عليه، فلما تبدلت العادات، وصار الإمام محتاجًا إلى سياسة الرعية بأكثر مما كان أولئك يسوسونهم كما ساسهم النبي ﷺ بالهيبة، ثم أبو بكر ﵁ بالكلام، ثم عمر ﵁ بالدرة، ثم عثمان ﵁ بالسوط، ثم علي ﵁ بالسيف، فكذلك لما تفاقم الأمر بعد وأثناء أداء الشغل، فاحتيج إلى أن يسوس الإمام الناس بالانقباض عنهم وترك التواضع والتطاعن لهم، وكان ذلك لا يكون إلا بالارتفاع في المطعم والملبس والمسكن والمركب عن حد ما يسمونه، فله أردناه أو صنعه كان له من ذلك مالا يجحف بمال بيت المال، ولا يلتحق بحدود السيف والطغيان. وأما ولاة الإمام بقدر كفاياتهم من بيت المال كما يراه ويؤديه إليه اجتهاده والله أعلم. ذكر أحكام المتغلبين: وإذا غفل الناس عن نصب الإمام فتغلب رجل بقوة كانت له على بلد، رضي أهل ذلك البلد بإمارته، وإن كان في ذلك البلد ممن يتم بهم نصب إمام بينهم أو خارجًا منهم، وأمكنهم ذلك فلم يفعلوه، واحتفظوا على أمير يخصهم فحكمهم وحكم أميرهم حكم البغاة، وإن لم يكونوا بهذه المنزلة فحكم أميرهم في عامة الأشياء حكم التخمين، فإن كان بنفسه عدلًا تولى وولي، وإن كان عدلًا ولم يكن عالمًا ولي بالمشورة ولم يتول وهذا، لأنه لو كان للناس إمام لكان أخطأ لهم به، أن يبعث عليهم أميرًا ينوب عنه في رعايتهم. فإذا لم يكن إمام، قاموا بإيصال هذه الحطة إلى القيام بأنفسهم مقام الإمام، أو كان كما أنه إذا مات ميت ببلد ولم يخلف وارثًا، لم يجز لأحد أن يتصرف في ماله فيجهزه ويقوم بكفايته إلى (أن) يدفن إلا إذن الحاكم. ولو مات في بادية حاكم بها يتولى ذلك من يحضره من المسلمين، ولم يكن عليه عزم، لأن الحاكم لو حضر لكان عليه أن يطلق ذلك له من ماله، فإذا لم يقدر عليه لم يسع إهماله وتضييعه، فكان من يحضره قائمًا فيه مقام الحاكم. وهكذا الرجل يكون له على آخر دين، فإن نكره وكانت عليه بينة واستحلفه فحلف ووجد له مالًا لكان له أن يأخذ من جنس

стр. 1263

حقه بقدره، فيقتضيه بدينه، وأن يأخذ من غير جنسه فيبيعه بمثل ماله عليه ثم يقتضيه بدينه، لأن حقه لو ثبت عند الحاكم لكان على الحاكم أن يوصله إلى حقه من أحد هذين الوجهين، وإذا لم يقدر على أخذ حقه، فالحاكم لم يبطل بذلك حقه، فيتولى ذلك بنفسه ما يقدر عليه فكذلك أهل كل بلد، فإنما حقهم أن يكون عليهم عامل للإمام يرعاهم، ويقوم بمصالحهم، فإذا لم يصلوا إلى حقوقهم من الرعاية والولاية من قبل إمام يكون لهم، لم يمهلوا أنفسهم، ولكنهم يتولون نصب من يرعاهم ما كان الإمام يتولاه لو كان موجودًا والله أعلم. فصل وإذا نصب أهل البلد في الحال الذي ذكرنا أن لهم النصب أميرًا، ثم قام بأمر المسلمين قائم، وتثبت إمامته كان على هذا الأمير أن يسمع له ويطيع، لأن طاعة الإمام تعم ولا تخص فإن لم يفعل كان باغيًا عليه، ولم يسمع أهل البلد طاعته بعدما استعمل الإمام عليهم غيره، وهو على عمله إلى نبذ للإمام عزله عنه فعزله، لأنه في أول أمره كمن ولاه الإمام فكذلك يكون في آخره والله أعلم. فصل فإن لم يرض أهل البلد بإمارة من ذكرنا، ولكنه قهرهم وحملهم على طاعته فلم يستطيعوا مخالفته، فإن كانت كراهتهم له لأجل أنه لا يصلح للإمارة ولا يقوم بشروطها، فهم معذورون وحكمه بينهم كحكم الباغي. فإن يصلح لها وإنما يكرهونه مثلًا إلى التشبيب والخلاعة فقهرهم ليكف بعضهم عن بعض، ويأخذ من بعض ويقوم بحدود الله تعالى وحقوقه بينهم، كان حكمه حكم من ينفق أهل البلد عليه ويرضون إعادته، والله أعلم. فصل وإذا كان للناس إمام، فتغلب رجل على بلد وقهر أهله على طاعته، فأخذ من مسلميهم الصدقات، ومن ذميهم الجزية، وزوج الأيامى الإناث لا بأمر أوليائهن، ونصب القوام

стр. 1264

على الأيتام، وقضى بين المختصمين، فألزم وأسقط وبرأ وحرم، فما فعل ذلك فهو رد وليس شيء منه بنافذ والله أعلم. وإن كان المتغلبون لما كثروا طعنوا في الإمام العادل بأمر كان منه، نصبوا بآرائه إمامًا آخر مختلفًا، فإن لم يكن لهم مع هذا قوة بالإمام العادل وأنصاره، فلا حكم لتأويلهم. فإن تساوت قوتهم قوة الإمام العادل أو قارب، فقد ثبت لهم التأويل، فلا يرد من تصرفات إمامهم وعماله إلا ما يرد من تصرفات الإمام العادل وعماله. فإن قيل: فهذا يدل على أن الإمام لا يكون إمامًا، وأن تكون له قوة، وفيه منعه ولولا ذلك لاستوى أن يكون الإمام العادل قويًا على دفع الباغي، أو ضعيفًا عنه. قيل: لا يدل! لأنا لا نقول: أن الإمام العادل يعدل بقوة الباغي، لكنا نقول: إنه إمام. فإن كان ضعيفًا وليس الباغي إمامًا، فإن كان قويًا. وهذا قول الجميع. وفيه الحجة إذًا لنا لا علينا. وإنما اعتبرت قوة الإمام وضعفه في إجازة التصرفات للباغي وردها، لا في إثبات الإمامة له بغلبته أو دفعها. فإذا أجزناها منه في حال ضعف الإمام وعجزه عن مقاومة. وإنما تلك الإجازة عن أن شبهتهم بترك حجته كما يترك النكاح الفاسد منه منزلة النكاح الصحيح، والشراء الفاسد منزلة الشراء الصحيح، لا على أن لهم حجة بقوتهم تعادل حجة الإمام العادل. وفي هذا سقوط هذا الإلزام، وبالله التوفيق. فإن قيل: فهلا كانت شبهتهم كحجة غيرهم، فإن لم يكن لهم شوكة: قيل: إنما شبهتهم إمامهم لأنهم وإن كثروا ولم يكن لهم إمام لم يكن قولهم شبهة، غير أنه يحتاج إلى أن يكون إمامهم متبعًا حتى يكون له تأويل. وذلك أنه إذا لم يكن له رهط وأشياع، ولم يتصور بصورة الإمام، إذ الإمام من يؤتم به. وذا صار له رهط وأشياع، تصور بصورة الأئمة، فصار ذلك له شبهة. إلا أن الضرورة إن ثبتت، فإن الحقيقة لا تثبت. فإن إمام أهل العدل لم يكن إمامًا، لأن له أشياعًا، وإنما كل الصحة للعقد الواقع له، وسلامته في وقته. ألا ترى من وجد في ظلمة الليل في فراشه امرأة فأصابها درئ الحد عنه للشبهة، وهي تصور الأجنبية له صورة امرأته، وذلك لا يوجب أن يقال: أن حقيقة الزوجية مضاجعة

стр. 1265

الزوج في فراشه. ولو اشترى رجل جارية، فوطئها ثم استخفت، لم يكن عليه حد لتصورها عنده بأمته، وذلك لا يوجب أن يقال: إن حقيقة الملك الشراء فقط، حق يكون الوكيل بالشرى مالكًا ما اشترى لغيره، بل حقيقة الملك بنقل حقوق البائع إلى المشتري، فحقيقة الزوجية تبطل حق المرأة في تصنعها إلى الزوج. وكذلك ينوب التأويل للباغي عند كثرة جمعه يتصور في تلك الحال تصوره للأمة، ولا يوجب أن تكون حقيقة الإمامة كثرة الأتباع والأشياع، لكن الحقيقة صحة العقد بعد استحقاقه إياه وسلامته. وهذا مما وجد الإمام العادل، ولم يوجد للذي يناصبه، لأن العقد له وقع لهما رضاء بما تقدمه من العقد للإمام العادل، فلم تثبت له حقيقة الإمامة، وأن تثبت صورة الأئمة من طريق كثيرة الاتباع والله أعلم.

стр. 1266

الخمسون من شعب الإيمان وهو باب في التمسك بما عليه الجماعة قال الله : ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾. وجاء عن النبي ﷺ : (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام). وأنه قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية حمية أو يدعو إلى عصبية فقتل، فقتلته جاهلية, ومن خرج على أمتي بضرب برها وفاجرها لا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي لذي عهد بعهده فليس مني ولست منه). وقال سماك بن الوليد: قلت لابن عباس ما تقول في سلطان علينا يظلمنا ويشتمنا ويتعدى علينا: ويأخذ صدقاتنا فلا يؤدون منها حقها بمنعهم، قال: لا، أعطوهم. قلت: إنهم يظلموننا ويحرموننا ويشتموننا، أنقاتلهم؟ قال: لا يا حنفي، إن أتاك أهدل الشقين متنفس المنخرين، فأعطه صفقتك، فلنعم القلوص قلوص يأمن المرء من عرسه ووطئه. ثم أخذ بذراعي فغمزها، ثم قال: يا حنفي، الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتعدمها. أما سمعت قول الله : ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾. وجاء عن عمر بن العاص ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة من أهل السنة: الصلاة مع كل إمارة، والجهاد مع كل خلافة لك جهاده وعليه شره، والصلاة على من مات من أهل القبلة).

стр. 1267

وعن النبي ﷺ قال: (ثلاثة أن تجامعوا عليهم أمراءكم فهي الهلكة: الجمعة تجمعون معهم، وهذا النسك ينسكون معهم، وهذا العدو تجاهدون معهم). وقال رسول الله ﷺ : (من مات مفارقًا للجماعة مات ميتة جاهلية). وعنه ﷺ في حديث آخر: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية). وعنه ﷺ : (إن الله كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة، فمن تركها جحودًا أو استخفافًا بها (في) حياتي أو موتي، وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا أتم له أمره). وعنه ﷺ أنه قال: (أطيعوا أمراءكم ما كان، فإن أمروكم بما حدثتكم به فإنهم يؤجرون عليه ويؤجرون بطاعتكم، وإن أمروكم بشيء مما لم آتكم به فهو عليهم، وأنتم منه براء، ذلك بأنكم إذا لقيتم الله جل وعلا، قلتم: ربنا لا ظلم فيقول: لا ظلم. فتقولون: ربنا أرسلت إلينا رسلًا فأطعناهم بإذنك، واستخلفت علينا خلفًا فأطعناهم بإذنك، وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك. فيقول: صدقتم هو عليهم وأنتم منه براء). وعنه ﷺ أنه قال: (يا أبا ذر كيف تصنع إن أدركت أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال فقلت له: كيف تأمرني أن أصنع؟ قال: صل الصلاة لوقتها واجعل صلواتك معهم نافلة). فبان بهذه الأخبار وجوب التمسك بالجماعة وترك الشذوذ والمحالفة. فهذا باب يتسع ويتشعب، وتلحق شعبة منه بالباب الذي قبله، لأنا كتبنا فيه، وجوب طاعة الإمام، وفصلنا من جميع العلماء على إمامته. ومن يختلفون في إمامته، وكان المقصود منه إثبات الإمامة والأمارة ووجوب الطاعة لأولي الأمر في الجملة.

стр. 1268

فأما هذا الباب، فإنه يذكر فيه الحكم في ولاة الجور والمجاهرين بالفسق والحال التي ينبغي أن يصاروا فيها. والحال التي ينبغي أن يجاهدوا فيها، ثم سائر ما يشتمل عليه معنى هذا الباب مما لا يتصل بأحكام الولاة ولا يرجع إليهم، فيقول: أما الإمام العادل الثابت إمامته من بعض الوجوه التي تقدم ذكرها فطاعته واجبة ومخالفته حرام، والثبات على عهده وعقده فرض. قال النبي ﷺ : (فمن نكث صفقته فلا حجة له يوم القيامة، ومن مات وهو مفارق الجماعة فموتته موتة جاهلية). وهذا لا يختص به من عقد الإمام، فأعطى بها صفقته بيمينه، لأن الذين لم يعقدوا لما لزمهم عقد الذين عقدوا صاروا في الحكم عاقدين، فمن خالف منهم الإمام ورفض إمامته واعتزل طاعته، فقد نكث صفقته، فالجائز ذكرنا الاختلاف فيه، وفي كل فاسق، سواء كان فسقه بالجور أو بغيره، فمن قال: إن الفسق لا يناقض الإمامة احتج بظواهر هذه الأخبار، وقال: إنها نطقت بإيجاب الطاعة للعادل والجائر وتسميتها جميعًا إمامًا، ويصلي الصلاة لوقتها ومخرجها عن وقتها وإخراجها عن وقتها بلا ضرورة فيق. فصح أن الفاسق إمام، كما أن العادل إمام، وإذا كان إمامًا وجب من طاعته ما يجب من طاعة الإمام العادل. ومن قال أن الفسق يناقض الإمامة، قال: إن ذكر الإمام الجائر منفردًا عن الإمام العادل، ليس إلا لأن الجائر إمام في صورة أمره وظاهر حاله ومن إثبات أن يكون إمامًا بالإطلاق كالعادل، وخرجوا عن طاعته، ونبذ طاعته إذا كانت لا تكون إلا لنقض الجماعة، وجبت الطاعة. وفي ذلك دليل على أن مفارقته إذا أمكنت بغير نقض الجماعة وجبت مفارقته. ومعنى مفارق الجماعة: أن الجمهور إذا كانوا يريدون أن فسقه لا يناقض إمامته، وكان نفر يرون أن يناقضها، فهؤلاء النفر ليس لهم أن يتوخوا بما في نفوسهم لأن الجمهور يخالفونهم، ويردونهم عن رأيهم. فأما أن ينفع الفرقة، وأما أن تصيبهم من الإمامة المعرة استظهارًا فيه بالجمهور، فيكونون قد تعرضوا من البلاء ما لا يطيقونه، وذلك ما قد نهو عنه. وهكذا إن كان أهل الرأي اضطربوا وماجوا، وثارت الفتنة، واضطرب الحبل فسألهم أن يسكنوا ويلزموا الجماعة. ومعنى لزوم الجماعة في هذه الحال الثبات على

стр. 1269

الأمر الجامع، وهو احتساب صاحبهم إمامًا، والتزام طاعته وترك الخوض فيما يفرقه فواجب السكوت عنه، فأقام الصلوات وجب إثباتها وإقامتها. فإذا سأله الصدقات، فاعتدى فيها وأراد فوق الواجب ولم يكن رده أعطى، ويكون قول رسول الله ﷺ (ومن سئل فوقها فلا يعطه) خارجًا عن ما يمكنه أن يمتنع من الزيادة، أو دلالة على أن الإمام وإن طالت بها، فليست الزيادة بصدقة تلزم لزوم الأصل. وهكذا إن علم منه أنه يأخذ الصدقات فلا يضعها مواضعها أعطي، إذا المصدق إن لم يكن أن يعطي ويكتم وتسقط الصدقة بذلك عن طالب المال كما يسقط حد الإمام الباغي إذا ثبت تأويله، وهكذا إن نصب قاضيًا وجب الترافع إليه إذا وقعت الضرورة ووجبت طاعته. فأما إن استقروا واستبصروا فإن ذلك يختلف. فإن كان في جهاد وجبت طاعته، وإن كان في دفع واحد مثله عن نفسه، أو قصد جائر قتله ليقمعه أو يلحقه بجملته أعين، وليكن بينه من يعينه يوهن المدفوع والمقصود، وكسر شوكته وإبطال أمره عليه لفسقه وفساده، لا أعلمه من هو خارج معه لتقوى يده وتشتد شوكته. وإن كان في دفع جنده وقصدوه بالحق، ليزيلوه عن مكانه ويجلسوا فيه من هو أهدى سبيلًا وأقوم طريقًا منه، فإن أبصر الناس فيه قوة، وكانت غلبتهم له أظهر، وألهم في رأيهم من خلافها، لم يكن لهم أن يعينوا صاحبهم، فكان عليهم أن يواصلوا الجند القاصرين له، ويسألوا الله تعالى أن يكفيهم جميعًا أمره، وإن كان بهم ضعف ووهن فيما يريدون ويخشون أن لا يثبتوا ولا يطيعوا صاحبهم، وإن أجابوهم ابتلوا معهم، كان على من يعذر في القعود أن يتعدوا إن رادوا صاحبهم عن الخروج معه، ولم يقبل له عذرًا خرج معه، وينكث للرمي والضرب والطعن ما أطاق. فإن حمل على كل شيء من ذلك رمى رميًا ضعيفًا لا يبلغهم بمثله سهمه، أو قويًا يتجاوزهم، ولا يسكن بينه وبينهم حموه، وإشارة بالرمح ولم يطعن، وبالسيف ولم يضرب، وأكل مما يرميهم به لو يشير به نحوهم نعتًا له. وإن قدر على تحذير الناس من حيث لا توقف على أمره فعلت، فإن هموا بالانصراف كان أول منصرف وبالله التوفيق. فإن قيل: ليس شيء من هذا بطاعة قلنا: ولا قلنا إن طاعته واجبة بالإطلاق. وإنما

стр. 1270

قلنا: إنها تجب تقية له، ووجوب التقية في الظاهر لا تمنع من الاحتياط الذي في الباطن والله أعلم. وأيضًا فقد قلنا: إن أمكن عزله بلا فتنة وجب، وإذا أمكن ترهين أمره سرًا بلا شر يحدث، فكيف لا يجب أو لا يجوز؟ والله أعلم. فصل وأما ما لا يتصل بأمر السلطان من هذا الباب، فهو أن أهل البلد إذا أخرجوا للجهاد، فينبغي لهم أن يخرجوا معًا ولا ينقصوا، فيتبدد عقبة ويخرج عصبه. ولا ينبغي إذا أقيمت الصلاة أن يأتيها فريق ويشذ عنها فريق بشيء في نفوسهم، إما من الصلاة، وإما من طريق آخر، ولا ينبغي لهم إذا تفرقت بهم مذاهب الاجتهاد في أحكام الدين أن يتهاجروا ويتباينوا ويتعادوا ويتباغضوا، لاختلاف مقالاتهم، بل يعذر بعضهم بعضًا، ويعلموا أن الاجتهاد لا يؤدي المجتهد إلى ما يحبه ويهواه، ولكن إلى ما جعل طريقًا إليه، ود ألا يأذن الله عليه، فلا يحسبوا اختلاف الرأي خلافًا ولا إفراقًا، ويقتدوا في بالصحابة ﵃، فإنهم كانوا يختلفون ثم لا يتباغضون ولا يتهاجرون. معنى لزوم الجماعة في هذا لزوم الأمر الجامع، وترك الخوض فيما يفرقه، إتيان أبدى كل واحدة من الفرق وإعجازهم عن القيام بنصرة الدين وأطماع الأعداء أو المخالفين. وكفر أن نعمة الله تعالى التي أنعمها على النبي ﷺ إذ يقول وقوله الحق: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾. وقال: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعً ما ألفت بينهم، ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾. وأنهم إذا ساروا بعد النبي ﷺ إلى ما كانوا عليه قبلت قلوبهم منعه من التخريب والتفريق واستحبوا العادة الجاهلية على العادة الشرعية، فلا يؤمن إذا أسكنت نفوسهم ذلك وضربوا

стр. 1271

عليه أن يبتغوا أشكالها من الأمور القديمة المكروهة شيئًا فشيئًا، حتى ينسلخوا من الدين، ولعل ذلك هو الذي أشفق النبي ﷺ منه عليهم حين قال: (ألا لا تعودون ضلالًا) أو قال: (كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض). وما نزل هذه المنزلة فينبغي أن يحسم الشيء المؤدي إليه في أوله. هذا وقد قال الله : ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. وقال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾. وجاء عن النبي ﷺ : (لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا). فهكذا ينبغي أن يكونوا وليس التفرق من ذلك. وبالله التوفيق.

стр. 1272

الحادي والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في الحكم بين الناس وما يتشعب فيه من الكلام قال الله : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾. وقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ وقال: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تبتع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾. وقال في صفة نفسه جل ثناؤه ﴿قائمًا بالقسط﴾. وقال: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ وقال: ﴿واقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾. وقال: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى﴾. وقال: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وقال: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾. يعني آلة العدل. ثم قال : ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾. وقال: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾. وقال: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾. وقال: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾. وقال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾. وقال: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام. وقال: ﴿على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

стр. 1273

فوصف جل ثناؤه نفسه بالقسط وهو العدل، وأمر عباده به، ووصاهم فيما يتعاملون به بملازمته وبالانتهاء إلى ما يوجبه العدل الموضوعة بينهم من المكيال والميزان فثبت بهذا كله أن العدل بين الناس في الأحكام وعامة المعاملات من فرائض الدين. فأما ما اتصل منه بغير الحكم، والناس كلهم مأمورون بأن يتصف بعضهم بعضًا من نفسه، فلا الطالب بطلب ما ليس له، ولا المطلوب تبع بما عليه بعد أن يكون قادرًا على أن يعفوه. وأما ما اتصل منه بالحاكم، فجملته أن الحاكم ينبغي أن لا يتبع هواه ولا يتعدى الحق إلى ما سواه، كما قال لداود ﵇: ﴿يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾. فإن الحاكم ليس رجلًا خص من بين الناس، فقيل له احكم بما شئت، فإن هذا لم يكن لملك مقرب ولا نبي مرسل. فإنما اؤتمن على حكم الله تعالى ليفصل بين عباده به، ويحمل المختلفين عليه، فكل ما قاله بين الخصمين بما ليس بحكم الله فهو مردود عليه، وهو فيه أسوأ حالًا ممن قاله وهو غير حاكم. لأنه اؤتمن فخان، وكذب على الله جل ثناؤه واختيان الأمانة نفاق والكذب على الله شقاق، والله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾. ويقول يوم القيامة: ﴿ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾. وينبغي للإمام أن لا يولي الحكم بين الناس إلا من جمع العلم السكينة والتثبت، وإلى الفهم الصبر والحلم، وكان عدلًا أمينًا نزهًا عن المطاعم الدنية، وربما عن المطاعم الردية، شديدًا قويًا في ذات الله، متيقظًا متحققًا من سخط الله، أمينًا بالتمكين، الجوار ما لا يهاب، ولا المتعظم الجبار فلا ينتاب، لكن وسطًا خيارًا، ولا يدع الأمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته، والتصرف بحاله وطريقته. ويقابل منه بحب تغييره بعاجل التغيير، وما يجب تقريره بأحسن التقرير، ويرزقه من بيت المال إن لم يجد من يعمل بغير رزق ما يعلم أنه يكفيه ولا تقصير به عن كفايته، فيتطلع إلى أموال الناس، ويشتغل عن أمورهم بطرف من الاكتساب يجبر به ما نقصه الإمام. ويحتل بذلك منه، بما إليه القيام،

стр. 1274

ويقوى فيما ولاه يده، ويشد أزره، ويكف مجاورته من العمال وغيرهم عن معارضته ومزاحمته، ويأمرهم جميعًا بطاعته، ولا يرخص لأحد في الامتناع عليه إن دعاه، والخروج عن مقاله إن أمره أو نهاه، فيما يتصل بالانقياد للحكم وحسن التسليم، أو يعود عليه بالتفخيم والتعظيم. ويتوقى أن يقال في ولايته: هذا حكم الله، هذا حكم الديوان فإن هذا من قائله إشراك بالله، إذ لا حكم إلا الله. قال الله جل ثناؤه في كتابه: ﴿ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين﴾. وكما قال تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ فمن أثبت بالحكم لغيره، فهو ومن ثبت الحق، وإلا هو كغيره سواء. وقال: ﴿ولا يشرك في حكمه أحدًا﴾. وقال: ﴿لا معقب لحكمه﴾. وقال: ﴿لا مبدل لكلماته﴾. فمن قال: هذا حكم الله، وهذا حكم الديوان، فقد أشرك، فإن سمع بذلك وإليه، فأقره عليه واعتبر طاعته وتعظيمًا له، كان مثله. قال الله : ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله، يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم﴾. فإذا كان هذا في القعود هكذا، فما الظن بالإقرار والاستحسان؟ وقال النبي ﷺ : (إن أنجع الأسماء عند الله أن يسمى الرجل باسم ملك الأملاك). فإذا كان التسمي باسم الله ناجعًا، أفلا يكون التعرض في الشرك في حكمه دامغًا باختيان. فإذا كان هذا هكذا فينبغي للإمام وكل وال أن يعز أمر الله ليعزه الله، ويعلم أن الأجياد وثبوت المال والمعادن كلها والسلطان نفسه إنما يحتاج إليها وإليه، ليكون حكم الله تعالى بين عباده جاريًا وأمره غالبًا ودينه ظاهرًا، والمصلح للمفسد فاقرًا، فإنه إذا علم هذا، وقر في قلبه، كان نعمة على أمر الحاكم معًا فعدله، وينظم إساءته مقصورًا، ونصره لمن يوليه ويعطيه حسنًا موفورًا، ويحسب ما يجعل من محل الحكم وقدره بأخذ

стр. 1275

ماله نبا في أمره، فيصير ذلك سببًا لانحلال عقده وانفصام عزله، حتى لا يرى بعد اسمه شيء سواه. وما أخلق بذلك من لا يراقب ربه، ولا يعرف حقيقة مجلسه الذي أجلسه، والاسم الذي سمى بنفسه، ﴿ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾. فصل فإذا دعا الإمام رجلًا إلى القضاء، فينبغي له أن ينظر في حال نفسه، وحال الناس الذين يدعى إلى النظر في مظالمهم. فإن وثق من نفسه بالاستقلال والكفاية والاقتدار على أداء الأمانة، وعلم أنه لم يقبل صار الأمر إلى من لا يكون من المسلمين مثله، فأولى به أن يجيب إلى ما يدعى إليه ويقبله، ويحسن إليه في مثوله، ليكون ما يعمله من تعبد لوجه الله تعالى بأجره به في الأخرى، وإن كان يرزق عليه في الدنيا وإن كان إذا امتنع وجد من يقوم مقامه ويسد مسده، فهو بالخيار والتمسك أفضل. فأما إن لم يعلم من نفسه الاستغلال، أو لم يأمن أن يكون منه سوى التمسك وقلة التمالك، فلا ينبغي له أن يجيب. وهكذا إن كان هناك خير منه علما وعقلًا وخلقًا، وإن عرض الأمر عليه، فلا ينبغي له أن يتسارع إلى ما يدعى إليه لينظر ما الذي يكون من الآخر، فإن المستصلح للحكم فقيرًا لا يهتدي إلى كسب ولا يجب أن يقبض من العلم الذي عنده بعمل دنيء يعمله، فيعرض للحكم ليرزق من بيت المال كفايته فيستغني به ثم لا يجزى ولا يعمل ولا يرشي، فلا بأس عليه من ذلك. وينبغي للإمام أن ينظر في أمره، فإن كان محتاجًا إلى مثله ولاه. ويجوز له أن يصرف عناء عن العمل لأجله. وإن اقتناه وأنفق عليه من بيت المال إلى أن يحتاج إليه، فذلك أحسن. فأما أن يصرف محتاجًا مثله وأحوج منه، فلا ينبغي أن يفعله، وإذا ظهر له من حاكم العدل والأمانة، ووقفت لأهل عمله إليه الإساءة، وبدت في أمورهم مكانة الاستقامة، فلا ينبغي له أن يصرفه عن عمله إلا بظاهر فضله من كل باب عليه، فأما بمثله أو بمن يقارنه، فإن ذلك غض منه وسوء نظر للرعية. وإزالة الأمر عن نظامه الذي لا يدري أنه يعود بالتالي إليه أو لا يعود، وإن كان التعرض للحكم والخاطب له غير محتاج

стр. 1276

إليه، وكان الحاكم بالبلد الذي يطلب هذا عمله. قد أظهر ما يوجب عزله، فأراد هذا: يعرض نفسه الاحتساب في صرفه، فذلك عذر يجوز أن يجاب إلى مراده لأجله. وهكذا إن كان أمر القضاء ضائعًا، فيتعرض له ليحيه أو ليتشرف به مدينًا، وكان من أهله استحق أن يجاب. فقد خطب إبراهيم صلوات الله عليه لأمانة لذريته شرفًا بها. وخطب يوسف ﵇ الخزائن نظرًا للمسلمين واحتياطًا لهم. فلم ينكر الله تعالى ذلك عليهما، وإن كان المتعرض إنما يطلب الحكم شرفًا وطمعًا، واستطالة على الناس وبذخًا، فلا ينبغي للإمام أن يوليه، وكل ما ظهر للإمام قصوره في العلم عما يحتاج إليه أو فيه أو تهوره فحرام عليه أن يستقصيه. فصل وقد وردت في تقلد القضاء آثار تزهد فيه، بل توجب التحرز والفرار منه. من ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين). وعنه ﷺ (ما من أحد يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة وملك أخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم. فإن أمر به هوى به في النار سبعين خريفًا). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سنة أيام، أعقل أبا ذر، ما أقول لك! ثم كان اليوم السابع، قال: أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسأل أحدًا شيئًا، وإن سقط سوطك فلا تؤمن أمانة، ولا تولين يتامى، ولا تقض بين اثنين). وقال عثمان لابن عمر ﵄: اذهب فكن قاضيًا! قال: أو تعفينني يا أمير المؤمنين! قال: فإني أعزم عليك. قال: لا تعجل علي، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1277

(من عاذ بالله فقد عاذ معاذًا). قال: نعم. قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان قاضيًا يقضي بجور كان من أهل النار، ومن كان قاضيًا يقضي بجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيًا عالمًا يقضي بالعدل فبالحري أن يتفلت كفافًا، فما أصنع بهذا؟). وقال بعضهم ذكرنا أمر القضاء عند عائشة ﵂ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يجيء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في غرم قط). وقال صعصعة بن صولان: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ بذي قار وعليه عمامة سوداء قال: أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه ليس من قائل ولا قاضي إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله تعالى على صراط، ثم ينشر الملك سيرته، فيقرأها على رؤوس الخلائق. فإن كان عدلًا نجاه الله بعدله. وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مائة سنة، ثم ينخرق به الصراط، فما يتلقى قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه). وجاء مثل ما دلت عليه هذه الأخبار عن الصحابة والتابعين. روى عبد الرحمن ابن الأزرق- ﵀ قال: كنت جالسًا عند ابن مسعود الأنصاري، فدخل رجلان المسجد، فقالا: من يتناقد بيننا ﵀؟ فقال رجل من خلفه: إلي جئني أنا. فأخذ أبو مسعود قبضة من حصى فرماه، وقال: لا تسارع إلى الحكم. وقال أبو بردة ﵁: لقينا ابن عمر، فقال: لقي أبي أبا بكر في بعض ما كانا يلتقيان، فقال له: أني أبشرك، إن عملك علي عشرة تكون كفافًا ولا أجر، ولا وزر، ويخلص لك عملك مع رسول الله ﷺ ، فقال له أبو موسى: والله لقد دخلت البصرة ولحقني بها ناس فعلمتهم القرآن والسنة، وغزوت بهم في سبيل الله فإني لأحتسب فضل ذلك عند الله. فقال له عمر: ثكلتك أمك يا أبا موسى، لكني- والله- لوددت أن أنجو

стр. 1278

منها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر، ويخلص لي عمل مع رسول الله ﷺ قال: فقلت له: إن أباك كان خيرًا من أبي. وقال ابن عباس: دخلت أنا والمسور بن محرمة على عمر ﵁ حين طعن، فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين، قد مصر الله بك الأمصار، ودفع بك النفاق، وأفشى بك الرزق. فقال عمر ﵁: أفي الإمارة شيء علي يا ابن عباس؟ فوالله لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها، لا علي ولا لي. وقال محمد بن سيرين: كنا عند أبي عبيدة بن حذيفة في فئة له، وبين يديه كانون فيه نار. فجاء رجل، فجلس معه على فراشه، فساره بشيء ما ندري ما هو. فقال له أبو عبيدة: أتبخل علي بإصبع من أصابعك في نار الدنيا، وتسلني أن أضع جسدي كله في نار جهنم! قال: فظننا أنه دعاه إلى القضاء. وقال أبو السائب: قال مكحول: ما أحرص ابن أبي مليكة على القضاء؟ لو خيرت بين القضاء وبين ضرب رقبتي، لاخترت ضرب رقبتي. قال: فلما قدم علينا الأوزاعي، وقد بعث إليه ليتولى القضاء، وذكرت له قول مكحول، ثم لقيته بعد ذلك- رزق العافية- فقال لي: إن كنت أن سددت لي رأيي، وقال عمرو بن دينار كتب الحكم بن أيوب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال لي: أبو الشعثاء جابر بن زيد: أن الحكم كتب يذكرني في هؤلاء وما أملك من الدنيا إلا حماري، هذا ولو أرسل إلي لركبت ثم هربت في الأرض، وقال مالك بن أنس ﵁: دعا أمير البصرة أبا بكر بن عبد الله بن هرمز ليوليه القضاء فتصام عليه، فتركه فسماه الأصم، وما كان به صمم، فهرب من القضاء. وقال أبو أيوب السجستاني: ذكر أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى التهامة، فلقيته بعد ذلك فقال: ما وجدت مثل القاضي العالم الأمثل، رجل شاخ، وقع في بحركم أن يسبح حتى يغرق. قال مكحول: لأن أقدم فليضرب عنقي أحب إلي من أن أولى القضاء. ولآتي إلى القضاء أحب إلى من آتي إلى بيت المال. ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص: لتجعل كعب ابن حنبة على القضاء. فأرسل إليه عمرًا فأقرأه كتاب أمير المؤمنين فقال: لعبد الله،

стр. 1279

لا ينجي الله في الجاهلية وما كان فيها من الهلكة أحدًا ثم يعود فيها بعد إذ نجاه الله منها، فأبى أن يقبل القضاء فتركه. فصل ورويت في العدل ومن يقوم به أخبار وآثار، منها: ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه متعلق بالمسجد، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وتفرقا على ذلك، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). وعنه ﷺ : (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم). وعنه ﷺ : (أهل الجنة ثلاثة: عفيف يتصدق، وذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم). وعنه ﷺ : (أرفع الناس درجة يوم القيامة إمام عادل، وأوضعهم درجة إمام غير عادل). وعنه ﷺ : (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيب المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الخافي فيه ولا الخافي عنه وذي سلطان مقسط). وعنه ﷺ : (ما من أحد أفضل منزلة من إمام إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا استرحم رحم). وعنه ﷺ : (ستة مجالس المرء فيها ضامن على الله حتى يفارقها: إذا كان في سبيل الله، أو في مسجد جماعة، أو عند مريض، أو في جنازة، أو في بيته، أو عند إمام مقسط، تعززه

стр. 1280

وتوقره لله . وعن النبي ﷺ : (الله مع القاضي ما يم يجر، فإذا جار تخل عنه ولزمه الشيطان). وأما الآثار فمنها ما روي عن قيس بن عباد لقوم: إمام عادل أفضل في نفسي من عبادة رجل في ست وستين سنة. وقال ابن مسروق: لأن أقضي يومًا واحدًا بعدل أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله. وقال الحسن: نعم أمة تدخل في عدل في ذلك على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا. وقال ابن عباس: بلغني أن حاكمًا يعدل في بلد فأفرج بذلك، وما نال به أهل ولا مال. ثم من المعلوم إن شاء بينه لله تعالى عباده في أرضه، إنما هي أحكامه وحدوده، وإن ظلت علمها في الوجوب كعلم العبادات، وإن العلم إنما يحتاج إليه للعمل، فلولا وجوب العمل لم يجب العلم، وإذا كان كذلك لم يجز إذا كانت الأحكام من الله تعالى واقعة، والحدود على أهلها واجب، وطلب العلم الذي به يهتدي إلى ما شرع الله تعالى منها فرضًا لازمًا أن يكون القائم بهما مذمومًا أو متوعدًا، والقيام بهما مكروهًا أو مقبحًا. فصح أن كل ما جاء بخلاف ما رويناه في هذا الباب فمحمول على تعظيم أمر القضاء، والدلالة على حظره ورفعة قدره، لا على الكراهية أن فيه قبحًا أو متاعًا، أو سقاطة، وأن من نفر منه فلا سفاقة من أن لا يقوم بحقه، ولذلك ينفر من نفر عنه، هو على معنى الإشارة للأحواض إذا كان من الحظر بحيث لا ينبغي أن يأمن كل أحد نفسه عليه. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يتولاه بنفسه، وبذلك بعثه الله تعالى، وبعث عليًا ومعاذًا وغيرهما قضاة، فلا كان القضاء مكروهًا، والقاضي ملومًا لما شرع الله تعالى القضاء، ولا أمر به أنبياءه ورسله صلوات الله عليهم، ولا يولي رسله ﷺ القضاء أحدًا، ولا كان القضاء ولاية بل كان سفهًا وسفاهة، وفي القول بهذا هدم للإسلام ودفع للأحكام، وما دعا إلى ذلك فهو من أعظم الفساد، وقد قيل: أن النبي ﷺ قال: (العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى

стр. 1281

يرجع) فإذا كان العامل على الصدقة كالغازي إذا لم يجر ولم يعتد. والقاضي أشرف منه عملًا، فهو بأن يكون كالمعاهد في سبيل الله إذا عدل أولًا. وقال ﷺ : (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يسمع). فماذا كان لطالب العلم هذا الفضل، فمن ضم إلى طلبه العمل به فهو للفضل أولى، والعمل يصلح الأحكام ويفسدها، وحمل الناس عليها وأخذهم بها. فلذلك شبهه السلف بالعبادة، وفضله بعضهم عليها والله أعلم. فصل وإذا دعا الإمام رجلا إلى عمل من أعماله، قضاء أو غيره، والرجل ممن يصلح له فأبى فإن وجد الإمام من ينوب في ذلك أعفاه، وإن لم يجد أحدًا يقوم مقامه فيه أجبره عليه دعا عمر بن الخطاب ﵁ سعيد بن عامر الجمحي، فقال: إني مبعثك على ارض كذا وكذا، فقال: لا تعيني، قال: والله لا أدعكم، قلدتموها عنقي ثم تتر كونني. وقد يحتمل هذا تفصيلا هو أن الإمام إذا كان ولى أعماله القريبة منه رجلا ونفى عليه عمل بعيد، فلم يجد إلا رجلا واحدًا يصلح له وأراده عليه فامتنع منه. فإن كان الرجل يصلح لبعض الأعمال الدانية، والتي يتولى ذلك العمل يصلح للعمل البعيد، وكان أن أمره أجاب، فلا كراهية، والكاره له إن ولي العمل القريب كان ذلك أخف على قلبه فينبغي للإمام أن يترقى بالأدنى فيعد إلى البعيد غيره، ويولي هذا مكانه لئلا يكون قد أجلاه بلا ذنب أحدثه. وإن كان يكره القريب كما يكره البعيد، ولا يكره البعيد لأجل النأي والغربة، نظر الإمام في أمره بما يريه الله . فصل وإذا كان عند الرجل أنه يصلح للقضاء، فأراد أن يطلبه أو دعاه الإمام إليه، فأراد أن يجيبه، فلا ينبغي له أن يستحي بما في نفسه من طلب أو إجابة حتى يسأل أهل العلم

стр. 1282

والفضل والأمانة، فمن خبره وينظر حاله وأمر على نفسه، ويقول إني أريد القضاء فما ترون في أمري؟ وهل تعرفوني صالحًا أو لا؟ فإن هذا من المشورة التي وصى الله تعالى بها نبيه ﷺ فقال: ﴿وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله﴾. ومدح الذين يتشاورون، فقال: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وإن لم يسأل الجماعة سأل عنه واحدًا يثق به، فإن عرفه بعض ما فيه، ما كان غافلا عنه، فقدر أن زكي، مضى لما هم به، وهذا أيضًا بين الوجه والمعنى، لأن المرتجية نفسه، قد لا ينظر من أحواله وأوصافه إلى ما يحسن ويحمل، فإن منزلته من ولده إذا كانت بهذه المنزلة، فلذلك قيل: زين في عين والد ولده، فلأن تكون منزلة نفسه منه، هكذا أقرب. وإذا كان ذلك معقولًا وجب على كل أحد زكته نفسه له أن يتشكك فيها ويسبب ذلك من غيره، فيعلم أن نفسه صدقته أو ليست عليه. وإذا سأل ما يسأل بعيدًا لا يعلم منه إلا ظاهره، وإنما يسأل عنه الغريب الذي يخبره، ويتحقق من أمره، فإن الله يقول: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ وإذا سأل عن نفسه غيره، فينبغي المسئول أن ينصح له ويصدقه. قال النبي ﷺ : (ألا إن الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله! قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولأن المستشار مؤتمن). ولا ينبغي للمؤمن أن يخان، قال الله : ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته، وليتق الله ربه﴾. وقال: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ وقال ﷺ : (من غشنا فليس منا). وقال مالك بن أنس ﵁: ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم مني، هل تراني موضعًا لذلك! سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، فقيل له: فلو نهوك قال: كيف أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء، يعني يسأل من هو أعلى

стр. 1283

منه، وإذا أراد التولية فليبرأ، فليستخر الله وليسأله التوفيق والتسديد، وليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب. اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي في آخرتي ودنياي فيسره لي، ووفقني له، وإن كان شرًا لي في دنياي وآخرتي فاصرفه عني وباعد بيني وبينه. فإنه يروى هذا أو معناه عن النبي ﷺ . وإذا تقلد فينبغي أن يوكل المتميزين، التميز الثقات الأمناء من إخوانه، وأهل العناية بنفسه، ويسلهم أن يتفقدوا أحواله وأموره. فإن رأوا منه غيره نهوه عليها ليتداركها يروى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: وليتكم ولست بخيركم، فإن الشيطان يعتريني. وقد كان بعض الناس يحمل قوله: ولست بخيركم على أنه أراد خيرهم نسبًا، وهذا السياق يدل على غيره، وهو أنه أراد: وليس بخيركم كالنبي ﷺ فلا أزيغ ولا أزل، ولست بمعصوم إنما كانت العصمة للنبي ﷺ ، فإن زغت أي اجتهدت فأخطأت فراجعوني ودلوني على خطأي. فإن الخطأ جائز علي لأرجع إلى الحق ولا أتمادى في الباطل، وإن عصيت فراعوني أي إن أمرت في حال الغضب بشيء فانظروا في أمري، فإن الشيطان علي من السلطان ماله منه على أمثالي فلا آمن أن يسعدني الغضب فيفسد علي رأيي، ويقرب علي البعيد ويحسن إلى القبيح. فإن ظهر شيء من ذلك لكم فأعلموني ولا تمنعني مكاني من مطالعتي فيما تنكرونه من قولي وفعلي. وهذا كله إشارة إلى السوي من العصمة إذا كان الناس إذا شاهدوا قبله نبيًا معصومًا مات كيلا يظن ظان أنه إذا كان إمامًا من بعده كان معصومًا مثله والله أعلم. فصل وكما ينبغي في الراغب في الحكم ما ذكرنا، فكذلك الإمام الذي يريد أن يولي غيره من الحكم ما ولاه الله ، ينبغي له أن لا يقتصر على تعرض الخاطب لما تعرض له لكي يسأل عنه أهل العلم والدراية والفطنة. والثقة والأمانة، فإن زكوه له ولاه وإن لم يزكوه تركه. وإن كان الإمام من أهل العلم والفهم، فينبغي له أن يمتحنه بمسائل بلغتها عليه

стр. 1284

من المظالم الخاصة، فينظر كيف يكون جوابه عنها، وقيام هبها. وإن أمر بذلك غيره فيتولاه بمشهد فلا بأس. فصل وإنما حاكم نصب بين ظهراني قوم فينبغي لهم أن يسمعوا ويطيعوا ويترافعوا إليه إذا اختلفوا وتنازعوا ليفصل بينهم، وإذا فصل انقادوا لفصله، واستسلموا لحكمه، قال الله : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. وقال فيما ذم به قومًا امتنعوا من الحكم: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون﴾. وقال على أثر هذا فيما مدح به المحبين إلى الحكم إذا دعوا إليه: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون. ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه، فأولئك هم الفائزون﴾. وقال: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾. وقال: ﴿ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ووما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا﴾. فينبغي للمشارعين أن لا يرتفعوا للفصل بينهم إلا إلى حكام المسلمين، وإذا ترافعوا أن يسمعوا ويطيعوا أمره ويقبلوا حكمهم. وإذا ارتفع أحد المشارعين إلى حاكم وسأل إحضار خصمه، فدعاه أن يجيبه ولا يتمرد عليه. وإذا حضره سمع الحاكم كلامه أن لا يخرج ولا صاحبه من أمره، فإنهما عصاة، فإنما يعصي ربه . وللحاكم أن يؤديه بما يؤديه اجتهاده وإنما حاكم أو والي، دعا رجلا من رعيته ولم يعلم لما يدعوه، فعليه

стр. 1285

إجابته. وإن علم أنه يدعوه لدعوى وقعت عليه من مدع، فإن كان ذلك المدعي حضر مع رسول القاضي فأرضاه، سقط الذهاب إلى الحاكم عنه، وإن كان لم يحضر ولا وكيل أو نائب في قبض الحق عنه فليذهب وليجب ولا يسعه التخلف مع ترك الدفع إلا في حالة واحدة، وهو أن يكون المدعي كاذبًا وقد أعد شهودًا زورًا، ولا يتأتى له أن يجاهر بحرجهم ولا يجد من يبوح بذلك، ويصرح به في وجوههم، ولا يقدر على دفع لشهادتهم ولا مخرج منها. فيخشى إذا حضروا أقيمت الشهادة عليه أن يحبس ويؤخذ منه المال قهرًا ويفرق بينه وبين امرأته، وبينه وبين جاريته، فينتزع منه. فله في هذه الحال أن يهرب أو يتوارى أو يخفى ماله وما يدعى قبله، فلا يقدر عليه، وهذا موضع عذر وضرورة، فلا يقاس عليه والله أعلم. فصل وإذا أقبح القاضي عمله واحتاج إلى أعوان يعملون له من كاتب، وأصحاب مسائل، ولا يتخذن إلا كاتبًا مسلمً عدلًا أمينًا فطنًا متيقظًا لا يطابيه ولا يغيب عنه من أمره وأمر المترافعين إليه شيء، وأمينه وأمين المتخاصمين على ما يثبته ويحطه. ولا يجوز أن يكون من غير أهل الدين، قال الله : ﴿لا تتخذوا بطانته من دونكم، لا يألونكم خيالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر﴾. وجاء عن عمر ﵁ أنه قيل له: أن هاهنا رجلا نصرانيًا من أهل الحيرة لم نر غلامًا أكتب منه، فلو اتخذته كاتبًا فقال: وقد اتخذا إذًا ربًا دون المؤمنين. وقدم أبو موسى الأشعري على عمر ومعه كاتب له فرفع حسابه فأعجز عمر. وجاء عمر بكتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك؟ يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال له: أنه لا يدخل المسجد، فقال: أجنب هو؟ قال: إنه نصراني قال: فانتهره فقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله. وعن عمر ﵁ أنه قال: لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشاء. وعنه أنه قال لأبي موسى الأشعري: استعن على الأمين، فلا أمين إلا من خشي ربه.

стр. 1286

وعنه أنه كتب إلى عماله: أن استعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله. وعنه أنه قال لأبي موسى: أيتني برجل ينظر في حسابنا. فأتاه بنصراني، فقال: لو كنت تقدمت إليك لفعلت وفعلت، سألتك رجلا أشركه في أمانتي فجئتني بمن خالف دينه وديني، وهكذا القاسم ينبغي أن يكون أمينًا بصيرًا بالفرائض والحساب، لأن القاسم شعبة من شعب الحكم، فينبغي أن يكون من يتولاه في العدالة والأمانة والعلم الذي يحتاج إليه، كمن يتولى جميع شعبه. وهكذا أصحاب المسائل هم أمناء القاضي على الشهادات التي تتعلق بها حقوق المسلمين، فلا ينبغي له أن يأمن عليها إلا المستحق لأن يؤتمن، ولا يثق فيها إلا بمن يستوجب بحسن أحواله والثقة به. وينبغي أن ينزه القاضي نفسه ومن حوله ويشدد عليهم ولا يرخص لهم في أمر ينقم منه، أو يخشى أن يتطرقوا به إلى غيره، ويرتقوا إلى ما فوقه. قال سالم بن عبد الله: كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم النئ، وأقسم بالله، لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة. وروى أبو الحصين أن عمر قال: إني كنت لما وليت هذا لأمر لم يكن يحضرني أخوف عندي أن يشركني فيه، من امرأة كانت لها عندي منزلة فطلقتها، فلما وليت وعصمني الله، منعتها نفسي، فكتبت فيها فوجدتها قد ماتت. فقلت: ما قضى الله خير. وكانت المرأة بالشام. وذكر لعمر وقت الاستخلاف عثمان ﵄، فقال: كلف بأقاربه ومن ذلك أتى فقتل. فلا ينبغي للإمام أن يقدم أقاربه على عامة المسلمين ولا يستوفهم ما لا يسوغ غيرهم، ولا ينظر لهم بما لا ينظر به لغيرهم ولا يستعملهم ويوليهم، ويدع الناس سواهم والله أعلم. فصل وإذا أراد حاكم الجلوس للحكم فليجلس وهو فارغ القلب لا يهمه إلا النظر في أمور المتظلمين، وإن تغيرت حاله بغضب أو غم أو سرور مفرط أو وجع أو ملالة، أو إغراء يوم أو جو غم، فليقم إلى أن يزول ما به، ويتمكن من رأيه وعقله، ثم يجلس.

стр. 1287

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان). وعنه ﷺ : (لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان) وروى أن شريحًا كان إذا غضب قام وترك القضاء. وقال عمر بن عبد العزيز لما استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة: لا تقضين بين الناس على سآمة ولا غضب ولا حاجة إلى مطعم. وكان ابن أبي ليلى والشعبي يطعمان ثم يخرجان إلى مجلس الحكم ويقول الشعبي: آخذ حكمي. ومن الأصل في هذا الباب ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا نعس أحدكم في صلاته فلينصرف، فلينصرف فليقم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيثيب نفسه) فعلى هذا إذا نعس الحاكم في مجلس حكمه لم يأمن أن يسمع من أحد الخصمين أو الشهود شيئًا فيراه غيره أو يرد الحكم بشيء، فيقول غيره. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ليصلين أحدكم وهو ريان، ولا يصلين أحدكم وهو يدافع الأجنبين) وما ذلك إلا لأن رأيه لا يكل في مثل هذه الحال، فلا يمكنه أن يوفي الصلاة حقها من الخشوع، كذلك رأي القاضي لا يكل في مثلها ولا يتسع للاجتهاد، ولا يسلم نظره سلامة تسكن القلب الدهاء وتقع الثقة بها. فلا ينبغي له أن يقضي عندها. وجاء عن رسول الله ﷺ قال: (غزا نبي من الأنبياء ﷺ بأصحابه فقال: لا يتبعني رجل بنى دارًا لم يسكنها أو تزوج امرأة لم يبن بها، أو له حاجة في رجوعه). فتأول العلماء ذلك على أنه أراد أن يكون لقاؤه العدو بأصحابه، لا يشغل في قلوبهم بعطفهم عن قتال أعدائهم. وينبغي للحاكم أن لا يطيل الجلوس إذا كان ذلك يمله، ويجلس للخصوم ساعات من

стр. 1288

النهار ومن ثم يقوم أو يجلس لهم طرفي النهار أو يكون معه في مجلس من أهل العلم من يخلفهم ويذاكرهم وقتًا، فيستأنس بذلك، ثم يشتغل بالنظر في المظالم وقتًا، وكل ذلك قد فعله الناس، وقال ﵀ سألني صاحب السوق في شغله بأمور الناس وقضائه بينهم، فقال: إن ما أكاد أفرغ. فقلت له: ما ذلك عليك، ليعقد للناس ساعات من النهار، فإني أخاف عليك أن تكثر فتخطئ. وقال مالك: كان أبو خالد الأنصاري قاضيًا، وكان يجلس مع ربيعة في أناس من أهل العلم فيأتيه الخصوم، فيختصمون إليه، فيقولون له: أدنيتنا خصماءك هؤلاء فيقول: دعوني أتحدث معكم، فإذا جاءني الخصوم حولت وجهي إليهم. قال: فكان إذا جاءه الخصم وهو في المجلس حول وجهه عنهم حتى يفرغ. قال مالك: ومن كان في المجلس يومئذ من حوله كان يرفع لمن يجلس فيه. قال مالك: وكان الناس يومئذ أيسر شأنًا. وقال الضحاك بن عثمان، إن أبا بكر بن محمد كلمه والي المدينة في شيء فأغضبه فلم يقعد للناس شهرًا. فأرسل إليه والي المدينة: ما يمنعك من الجلوس للناس؟ فأرسل إليه: أردت أن يذهب ما بي من الغضب. وذكر عبيد الله بن عائشة، قال: كان شبيب ابن شيبة رجلًا متربعًا وكان يفرغ أهل البصرة إليه في حوائجهم، فكان يغدو عن كل يوم فإذا أراد الكوب، دعا من الطعام بشيء عرفه، فنال منه. ثم يركن في حوائج الناس. فقيل له: إنك لتباكر الغداء. قال: أجل، أطفئ فورة جوعي، وأقطع به خلوف فمي، وأبلغ قضاء حوائجي، فإني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام تقطع الحكم عن بلوغ حاجته. فصل والقاضي في جلوسه بالخيار إن شاء أن يخرج بالغداة إذا طلعت الشمس، فيجلس. فإن كان جاء من له حاجة عنده تقدم، ثم كذلك كلما جاء صاحب تقدم، فلا يزدحم الناس على بابه، فعل. وإن شاء أقام في بيته يتأهب ويستعد بمطالعة بعض الكتب أو بالاجتهاد والتأمل إلى أن يجمع الخصوم ثم يخرج، فعل. وإذا خرج، فإن كان هناك

стр. 1289

قوم سلم على جميعهم. وإن كان مجلسه في مسجد فدخله سلم ثم لم يجلس حتى يصلي ركعتين فإذا سلم سأل الله التسديد والتوفيق والعصمة، واستعاذ به من الميل والحيف وسوء الفهم والجهل والنسيان والكسل، وحرم على العدل والرفق وتحسين الخلق والصبر ثم جلس مجلسه، وليبدأ عمله. وينبغي للحاكم أن يكون عنده من يحفظ نوب الناس، فيقدم الأول فالأول ويجلسهم مجالسهم، وإذا اشتد على خصم إحضار خصم أنفذ من يحضره، ويكون الحاكم قد أطلق له ذلك كله، وأن تحضره جماعة أن احتاج إلى إنقاذ وأخذ في حاجة أو شغل أنفذ أحدهم، ويكونون تقاة مرضيين، روى أنه ﷺ كان معه عشرون شابًا من الأنصار يلزمونه بحوائجه وإذا أراد أمرًا بعثهم فيه. وإن كان الحاكم مع علمه متلبدًا يحتاج على من يعينه، فينبغي أن يحضر مجلسه جماعة من أهل العلم واحد أو أكثر حتى يعيناه بالأمر، أمده جليسه، وإن كان نافذًا في الأمر فحسن أن يحضر مجلسه جماعة من أهل العلم يشاورهم فيما يحتمل وجهين فأكثر. وإذا كان لا يفتي بالحكم فليفرد ولا يحضر أحدًا، ثم ليدع في غير مجلس الحكم من يشاوره ويستعين برأيه. وإذا شاور في مجلس الحكم، فلا يشاور في مظلمة الخصمين بمشهدهما لئلا يقفا على ما يجري فلا يجد واحد منهما في بعض ما يسمع عليه فيلجأ إليها في مدافعة خصمه. قال عبد الرحمن بن سعيد: رأيت عثمان بن عفان ﵁ جالسًا في المسجد فإذا جاءه خصمان، قال لهذا: ادع عليًا، وقال للآخر ادع طلحة والزبير ونفرًا من أصحاب النبي ﷺ . فإذا جاءوا وجلسوا، قال لهما: تكلما، فإذا تكلما أقبل عليهم فيقول: ماذا تقولون؟ فإذا قالوا ما يوافق قوله أمضاه. وإلا نظروا بعد، فيقومان وقد سلما. ومعنى هذا أنه إذا كان لم تظهر له صحة قول من يشاوره في المجلس لم يحبس الخصمين على المناظرة والمقابلة بين الأقوال. أما أن الرأي في أول أمره غير موثوق به، فلو ناظرهم فبدا له في أحد الاكراء رجحان، فعجل وقضى به لم يأمن أن يرى إذا أنعم النظر غيره أرجح منه بدلالة أقوى من التي عاد بها رجحان الأول. فإذا كان كذلك فالأشبه أن يصرفهم إلى أن ينعم النظر ثم يعود إليه في وقت آخر، فيقضي بينهما به، وأما أنهما غير مختصمين بالخصومة، ووراءهم أناس غيرهما، فلو حبسهما عن المناظرة في أمرها لتضرر بذلك غيرهما، ولعل النظر لا يتناها في الأمد ارتفاع النهار وانتصافه، وذلك وقت القيام، ويفرق الناس فيكون الإثنان قد استأثرا بالقاضي ومجلسه يومهما ذلك، وهذا غير جائز.

стр. 1290

وقال بعض العلماء: أن عثمان إنما كان يستشير على أعين الخصوم، لأن الناس لم يكونوا فسدوا، ولم يعلموا وجوه المرافعات والمغالبات، وكان الصلاح والإنصاف غلب عليهم، فأما اليوم مع فساد الناس وسوء الدجل والنيات، فلا ينبغي أن تكون مشاورة القاضي غير الأسرار من الخصوم والله أعلم. وقال إسماعيل بن أبي خالد: رأيت شريكًا جالسًا في المسجد على القضاء، معتمًا بعمامة بيضاء، قد ألقى طرفيها من كتفيه، عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء، منهم أبو عمر الشيباني، والشعبي. وقال إدريس الأودي: رأيت مخلوق بن دينار يقضي وحماد والحكم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ينظر إلى حماد مرة والحكم مرة، والخصوم بين يديه. وكان أياس بن معاوية لما ولي القضاء يحضر مجلسه زياد بن محرق وهشام بن حسان وغيرهما من شيوخ البصرة. وقال أيوب: كان الحسن يحضر منصور إذا كان مجلسه، إذا جلس للقضاء، وحميد بن عبد الرحمن الحميدي، وكان حماد بن أبي سليمان يحضر مجلس الشعبي للقضاء. وقال ربيعة: ما أدركت قضاة هذا البلد إلا وهم يحضرون مجالسهم إذا جلسوا للقضاء خيار المسلمين. وفعل ذلك عبيد الله بن عمر. وجاء عن عمر ﵁ أنه قال لرجل: قاضي ما أنت؟ قال: قاضي دمشق. قال: فإذا جلست، فقل: اللهم أني أفتي بعلم، وأني أقضي بحكم، وأسلك العدل في الغضب والرضا. وقال الحسن بن عبد الله الغبي، لما ولي محارب بن دينار القضاء أتيته وقد دخل المسجد، فصلى قبل أن يجلس أربع ركعات، ثم رفع يده يدعو فقال: اللهم إن هذا مجلس لم أحبه قط ولم أسلكه، اللهم ابتليتني به، فسلمني منه وأعني عليه، بكى حتى بل بدموعه خرقة كانت في يده، ثم قال لي: أمسلم أنت أم معز؟ قلت: بل جئت مسلمًا، قال: ثم ولي ابن سيرين فأتيته، فلما دخل المسجد صلى أربع ركعات قبل أن يجلس فلما سلم قال: اللهم إن هنا مجلس كنت أشتهيه وأتمناه عليك، اللهم فكما ابتليتني

стр. 1291

به فسلمني منه وأعني عليه، ثم بكى حتى بل بدموعه خرقة كانت في يده، فجئت مسلمًا عليه فقال: أمهنئًا جئت أم مسلمًا؟ قلت: بل مسلم. وروى أن زرارة بن أوفى وأياس بن معاوية كانوا إذا دخلوا المسجد للقضاء صلوا ركعتين قبل أن يجلسوا مجالسهم ويرفعون أيديهم يدعون. فصل إن رأى الحاكم أن تحضر مجلسه درة تطرح على أيمن الناس لينصتوا بها، فإن استوجب أحد من الخصوم تعزيزًا ليهم بها عليه فعل. روى عن عمر ﵁ أن درته كانت تكون معه. وقد روى عن جماعة من قضاة السلف أكثر من هذا. وروى عن شريح، أنه كان على رأسه شرطي بيده سوط. وقال مالك بن ربيعة: رأيت أبا بكر بن حزم وهو يقضي في المسجد وعن يمينه حرس وعن شماله حرس، وسياط موضوعة، ما عنده أحد من الناس. فقلت: يا مالك، ما شأن السياط؟ قال: يؤدبون بها الناس. وقد كان من الحكام من يصفح في موضع التعزيز، وليس بمروري عن أحد من السلف. واللطم مثله. وهما جميعًا بمنزلة الشتم وثلب العرض وليسا بمنزلة الضرب. ألا ترى أن الصفعة الواحدة واللطمة الواحدة بافتراء ونسيان، فيكون وراءهما فضل وزيادة، والضربة الواحدة لا تؤلم إيلام العشر والعشرين، ولا يعمل في الردع عملهما. فكما لم يكن للحاكم أن يسب ويتناول عرض الخصم وإن عصاه وأساء أدبه، لم يكن أن يصفع ولا أن يلطم والله أعلم. فصل وينبغي للقاضي أن يعدل بين الخصمين من حين يتقدمان إليه إلى أن يقضي خصومتهما في مدخل عليه وجلوسهما عنده، وقيامهما بين يديه، سواء كانا فاضلين في أنفسهما أو ناقصين. أو أحدهما فاضلًا والآخر ناقصًا. قال الله : ﴿كونوا قوامين

стр. 1292

بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا، فالله أولى بهما﴾ أي هو خالقهما ورازقهما، وأعلم بما هو خير لهما، فاحكموا أنتم بينهما. فإن نال المحكوم عليه من ذلك شيء فإنما ناله بأمر الله وهو أولى به لأنه خالقه ورازقه ومالكه. قال ابن عباس في هذه الآية: هما الرجلان يقعدان عند القاضي فيكون لي القاضي لأحد الرجلين على الآخر. وجاء عن النبي ﷺ : (من ابتلي بالقضاء بالمسلمين فليعدل بينهم في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر) وفي رواية أخرى: (من ولي قضاء المسلمين فليعدل بينهم في مجلسه وكلامه ولحظه) ورواه بعضهم: (إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو سهم في المجلس والإشارة والنظر لا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر). وقال علي ﵁: كان النبي ﷺ لا يصف الخصم إلا خصمه معه. وقال الحسن: يصف عليًا رجل فأولى بخصومه، فقال: تحول فإن النبي ﷺ نهانا أن نصف الخصم إلا وخصمه معه. وفي رسالة عمر ﵁ إلى أبي موسى: لا تبن بين الناس بوجهك ومجلسك حق لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وقال الشعبي: كان بين عمر وأبي خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخل عليه، أشار لعمر إلى وسادة. فقال عمر: هذا أول جورك، أجلسني وإياه مجلسًا واحدًا، فجلسا بين يديه. وقال ابن عباس: إنما ابتلي سليمان بن داود ﵉ لأنه تقدم خصمان، فهوى أن يكون الحق لأحدهما. وجاء عن عمر ﵁: أنه تقدم إليه خصمان فأقامهما ثم عاد، فأقامهما ثم

стр. 1293

عاد، فأقامهما ثم عاد فقضى بينهما. فقيل له! فقال: إني وجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فعادا، وقد ذهب بعض ذلك، ولم يذهب كله، ثم عاد وقد ذهب ذلك، ففصلت بينهما. وعن إبراهيم قال: جاء ابن عصفير، فخاصم رجلًا إلى شريح، فجاء حتى جلس معه على الطنفسة. فقال له شريح: قم فاجلس مع خصمك، إني لا أدع النظرة وأنا عليها قادر. وقال شريح: ما شددت على غصة خصم ولاقيت خصمًا عجه. وذكر الشعبي: أنه كان بين عبد الله بن شريح وبين رجل خصومة، فقال لأبيه: إن بيني وبين فلان خصومة، فإن كان الحق لي فاعلمني- يعني أخاصمه إليك- وإن كان علي لم أخصمه. قال له: خاصمه، فخاصمه فقضى عليه. فلقيه بعدما انصرف، فقال: ما رأيت مثلك، ولولا أني تقدمت إليك لعذرتك. قال: يا بني، لما عرضت علي أمرك كان القضاء عليك، فكرهت أن أخبرك به، فتذهب إلى خصمك فتصالحه، فيقطع من ماله شيئًا لا يحل لك، فلذلك لم أخبرك. وإنما حاكم ثبت عزمه على العدل، فلا يقبلن من خصم هدية. وليعتبر بما يروى أن رجلًا أهدى إلى عمر رحل جزور، ثم جاء يخاصم إليه، فجعل يقول: أمير المؤمنين، أفصل بيننا كما تفصل رحل جزور. وعمر لا يفهم، ثم فهم. فذكر ذلك للناس، فقال: ما زال يكررها على حتى كدت أقضي له، وإنما أراد بذلك أن الشيطان كان يوسوس إليه أن اقضي له، وإلا فقد كان أصلب دينًا وأقوى عزمًا من أن يهم بالجور، وبالله التوفيق. وينبغي أن يكون جلوس الخصمين بين يدي القاضي، ليمكنه أن ينظر إليهما نظرًا واحدًا، ولو أجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ولم يمكنه إلا أن يلتوي نحو كل واحد منهما إذا أراد أن يكلمه، وجلوسهما بين يديه، أقدم وأعدل، وإلى تعظيم حكم الله أقوى. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر). وروى أنه كان بين عبد الله بن الزبير وعمرو بن الزبير خصومة،

стр. 1294

فدخل عبد الله على سعيد بن العاص وعمرو معه على السرير. فقال له سعيد: ها هنا. فقال عبد الله: لا. قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم. فصل وإذا اختصم اثنان إلى القاضي، فينبغي أن يأمرهما بالاصطلاح، فإن لم يتفقا على من يصلح بينهما، اختار لهما أحد الثقات وأمرهما أن يأتياه فينظر في أمرهما ويصلح بينهما. كتب عمر إلى أبي موسى ﵄: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهما الضغائن، فإن لم يقبلا وألحا على الحاكم فطلبا حكمه حكم بينهما بما يثبت عنده. وأعلى ما يثبت به قول المدعي عند القاضي: إقرار الخصم، أو على وقوع القاضي بعيان أو سماع ثم إشهاده الشهود، ثم الشهادة واليمين في الأموال، ثم النكوث ورد اليمين في كل ما يستخلف المنكر عليه جهات بثبوت قول المدعي عند القاضي. فإن كان ادعى على الخصم عقدًا أو فعلًا يلتمس منه حقًا، نظر الحاكم فيه، فإن كان يجب له بذلك العقد أو ذلك الفعل ما يطلبه أعطاه ذلك منه إذا ثبت العقد أو الفعل وإنما يثبت ذلك بما تقدم ذكره. فأما وجب الحق الذي يطلبه بذلك العقد وبذلك الفعل، فإنما يثبت عند الحاكم بكتاب الله، أو بسنة رسول الله ﷺ أو إجماع الأمة أو القياس على أحد هذه الأصول. وروى عن رسول الله ﷺ ، أنه لما بعث معاذًا- ﵁ إلى اليمن قال: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيًا. قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله). والقياس قياسان: أحدهما أن يكون الفرع يشبه أصلًا واحدًا، أو لا يشبه أصلًا آخر مخالفًا في حكمه من وجه، فيرد إلى ما أشبه. والآخر: أن يشبه أحد الأصلين من وجه آخر إلا أنه أخطأ. فإن كان أخطأ نصًا

стр. 1295

جليًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو قياسًا لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا نقض الحكم على نفسه، ونقضه عليه غيره. وإن كان أخطأ نصًا محتملًا وقياسًا محتملًا لم ينقضه، ويستأنف الحكم بالقياس الذي رآه ثانيًا إن كان أرجح عنده فيما رأى به أولًا، فلا يستأنف الحكم بالنص المحتمل الذي خالفه بحكمه الأول، لأن القياس بين منزلته، ودل على أن المراد به ما خرج عن دلالته. وإذا رأى الحاكم رأيًا، ورأى غيره من العلماء رأيًا، ولم يظهر له رجحان رأي غيره، فلا يحل له أن يقبل منه ويحكم به. وهكذا إن استمر بالحاكم الإشكال فأشار عليه غيره من العلماء برأي ولم يبن له وجهه، ولا ظهرت لديه صحته، فليس له أن يقلده ويحكم به. فإن حكم به أو ترك رأيه الذي استبان صحته لرأي غيره الذي لم يستبن صحته، وصرح بذلك عندما ينفذ الحكم، لم يجز حكمه. وإن قال ذلك بعدما نفذ الحكم، فإن كان عرف أنه من الحكام الذين يرون هذا جائزًا صدق. وإن كان لم يعرف منه هذا، وإنما عرف خلافه، إلا أنه ادعى أن رأيه يغير بحكم هذا الحكم بقول غيره، لم يقم عند الدليل عليه تقليدًا، لم يصدق على المحكوم له، ولم يرد حكمه والله أعلم. ولا يجوز حكم الحاكم لنفسه ولا لولده ولا لوالده. وإذا خوصم القاضي ارتفع إلى من ولاه، فأما قضي بينهما، وأما ولى نائبًا فقضى بينهما. ولا يجوز حكم من يصطلحان على حكمه بغير أمر من وال يوليه الحاكم والنظر في أمور المسلمين. ولا يجوز للحاكم أن يستخلف لمرض ولا لغيبة ولا لكثرة شغل في المصر ولا في أطرافه، إلا أن يكون الذي ولاه جعل ذلك له. وإذا مات الإمام أو الوالي الذي يعمل القاضي من يده، لم ينعزل القاضي وليس في ذلك كالوكيل ينعزل بموت موكله، لأن الوكيل يعمل برأي الموكل ورأيه يقطع ويفوت بموته. وإذا عزل القاضي عن عمله فقضى قبل أن يبلغه خبر عزله كان قضاؤه جائزًا، وأقل البلاغ أن يخبره به عدل واحد. ألا ترى أن أهل قباء لما بلغهم في الصلاة أن القبلة حولت استداروا وبنوا، ولم يستأنفوا، وما صلوا قبل البلاغ كان مجزيًا عنهم. وإذا عزل القاضي فقال: كنت قضيت لفلان على فلان بكذا، لم يقبل عزله، ولو ادعى رجل أنه جائر عليه فأخذ منه، وإلا فدفعه إلى فلان، وقال القاضي أحدثه ببينة قامت لخصمه

стр. 1296

عندي، أو لأنه أقر بذلك عند، وقال المدعي: ما قامت علي بينة ولا أقررت، لم يقبل قول القاضي، وكان عليه العزم إلا أن يقيم بينة على ما يدعيه من العدل قياسًا على المسألة قبلها. وإن قضى القاضي بشهادة من لا تجوز شهادته خطأ ثم ظهر له ذلك، رد حكمه وضمن عين الدم في حاله، وضمنت الدية لعائلته نفسًا كان أو جرحًا. فصل ويستحب للقاضي إذا أراد نصب قيم في تركة، أو حبس أو بعث قسامًا أن لا يستعمل قرابته لما يلحقه في ذلك من التهمة، ويبسط في عرضه من الألسن. وقال أهل العلم: إن أبا بكر وعمر ﵄ لم يول أحد منهما من قومه أحدًا، ولا استعمله على عمل قط. وقال عمر لعثمان وعلي ﵃: وإن كان قومكما لم يؤمروا غيركما، فاتق الله يا عثمان إن وليت شيئًا من أمور المسلمين، فلا تحل من بني أمية على رقاب الناس. وقال لعلي مثل ذلك. قال ابن عمر ﵄: لما دخل الرهط على عمر قبل أن تنزل به قال: اتق الله يا عثمان إن وليت شيئًا من أمور المسلمين، فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، واتق الله يا علي، إن وليت شيئًا من أمور الناس، فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس. إلا أن عثمان وعليًا ﵄ خالفا رأي عمر في ذلك. فروى عن عثمان ﵁ أنه قال: إن عمر كان يحترم قرابته لله، وأنا أعطي قرابتي لله. وولى علي ابن عباس، وهو ابن عمه، ولم يرو عنه أنه أنكر قول عمر لأنه كان يحرم قرابته الولاية لله. وذلك رأي سديد لأنه لا يؤمن أن يدل بأنه قرابة أمير المؤمنين فيكون ذلك منه ما يذم ما لا يكون من غيره، ولم يكن يحرمهم الفيء، ولا ما يخرج حرمانه إياهم إلى قطعه الرحم. وأما قوله: أنا أعطي قرابتي لله، فجوابه أنه إذا أعطى قرابته لله، وجب أن يعطيهم ما وصاه الله تعالى به فيهم بقوله: ﴿فآت ذا القربى حقه﴾. فأما تسليطهم

стр. 1297

على أموال المسلمين وعملهم على رقابهم، فليس مما وصاه الله تعالى به فيهم. ويحمله ذلك أن فعله إن كان محمودًا وعلى صلة الرحم محمولًا، فينبغي أن يكون فعل عمر مذمومًا وعلى قطع الرحم محمولًا، وفي إجماع المسلمين على أن عمر بما رأى وما فعل كان ناظرًا للرعية محتاطًا لنفسه ما دل على سقوط معارضة عثمان عنه، وبالله التوفيق. فصل وذا رزق الإمام القضاة، فينبغي أن يرزقهم من خمس الخمس سهم النبي ﷺ ، ومما يفضل من أربعة أخماس الفيء من المقابلة والكراع والسلاح وسبل الله، ومن بركات المسلمين التي مرجعها إلى جماعتهم. وإن عمل القاضي متطوعًا إذا لم يكن محتاجًا إلى معونة الإمام، فذلك أولى به وأحسن. والأصل في هذا الباب أن الله قطع لرسوله ﷺ أربعة أخماس الفيء وخمس خمس الغنيمة، فكان يأخذ منها قوته وكفايته وكفاية عياله في كل سنة. ويصرف ما يفضل عن ذلك في سبيل الله. ثم الإمامان من بعده أبو كبر وعمر ﵄، فإنهما قد افترقا شيئًا، وإن كان ما أخذه أحدهما أولى مما يأخذه الآخر. وروى سليمان بن غلانة قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا سليمان، ادخل علي قومًا من الفقهاء اسألهم عن سيدة هذين الرجلين: أبي بكر وعمر، اسألهم ما استحلا لأنفسهما من الفيء حين، وإنما قال فأتاه من نحو عشرين رجلًا، فقال عمر بن عبد العزيز: مرحبًا بكم، فأنتم ورثة الأنبياء، أن الأنبياء لا يورثوا ذهبًا ولا فضة، إنما يورثوا العلم. أخبروني عن هذين الرجلين اللذين عوقبا. قالوا: أما أبو بكر فإن المسلمين رأوا بأجمعهم أن يستخلفوه. وقالوا: أن نبي الله قد استخلفه علينا وهو حي، ما أصابته سكرات الموت إلا أمره أن يصلي بنا، ودنيانا تابعة لديننا، فاستخلفوه وإنه لكاره. فأصبح الغد قائمًا في السوق يشتري ويبيع، وعلى منكبيه أثواب مطوية، ففزع المسلمون من ذلك وقالوا: أصبح خليفة رسول الله ﷺ يبيع ويشتري لن يبلغ ذلك أحدًا من عظماء الفرس، ولا ملوك العجم إلا أخبروا عليكم، واحتقروا آمركم وأمر خليفتكم. فقاموا إليه بأجمعهم فكلموه كلامًا سديدًا، فقال:

стр. 1298

إنما أنا كاسب أهلي فإن ضيعتهم فأنا لما وراءهم أضيع. قالوا: فخذ لهم من مال الله أو من أموالنا أكثر ما ينالون من كسبك. قال: اعهد عهدة رسول الله ﷺ إليكم؟ قالوا: لا. قال: أفتأمرونني أن أحد بدعة، وقد كان يأتيه الفيء العظيم فيسمى ما ينويه أصفر. ما أدخلها حلوًا ولا مرًا. فلما الحوا عليه، قال: فأني فارض لنفسي إذا اشتغلت نفسي، فإنما هم كأهل بيت منكم، ينوبهم ما نابكم. ففرض لنفسه مدًا بمد النبي ﷺ أو مدين وإدامة، وبناء وسخلتين، أو ربما تيس أو هجرتين وإزار لطيف، وإن دخل الشتاء فجبة من فراء، أو طاق تكريتي، وكان هذا الذي أخذ حتى مضى لسبيله، وظهر بعير إن حج وبعير آخر لفقير من فقراء المسلمين، ضرورة تمسكه أحدهما للآخر إن طافا أو سعيا. وأخذ بهذا عمر بن الخطاب ﵁ حتى افتتح الأمصار، وفاض على الناس المال، حتى هم أن يجعل نفسه أدناهم. وكان ربما كتب إلى بعض عمال الأمصار أني وجهت إليك فلانًا وهو فقير عربي، فأوص به التجار الذين يشترون الغلات، يدخلونه معهم في الأرباح بطيب من أنفسهم عسى أن يجيره الله بهم فيؤجروا، واستوصوا بهم خيرًا، وادخل عليهم ما استطعت من سعة، فربما رجع الرجل وقد أصاب خمسة عشر ألفًا ونحو ذلك فكان رجال من أهل بيته يقولون: اكتب لنا ما كتبت لفلان فيقول: إذًا يقول من بعدكم، قد كان عمر يكتب لأهل بيته، فيتخذوا بذلك حدرة فيتخذوا بها عدوة، فيرتقوا بها إلى غير ذلك. ولا أحب أن نكون أنا وأنتم حجة لمن سلك شتات الطريق. فلما أدوه كلمه المسلمون وقالوا: اخلطهم بإخوانهم. قال: فعملوا في عماله أنفعهم بها، قالوا: نعم نعملك أربعين ألفًا في السنة. فقال عمر: يا رسول الله، يا أبا بكر أن عمر ابن الخطاب يعمل أربعين ألفًا، فكيف من بعده؟ قال: لا ولكن هما ألفان في رأس السنة. فكان يأخذهما ثم يقول: مال عندي، هذا ما يملك عمر! فإن أحببتم استنكم به، وإن أحببتم فاستأثروا به ما طلبتم مني مما وراء ذلك فرؤوسكم الحجارة. قال: فبكر عمر بن عبد العزيز حين أخبر بهذا الخبر حتى ألصق بطنه بالأرض ثم قال: اللهم لولا أني أعلم أنك تعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، لظننت أنك تغضب علي غضبًا لا يرتد عني أبدًا، لسؤالي عن عمل أبي بكر وعمر، فأني لأرجو أن أشبههما، ولكني أسأل عن أهل الخير أحاشي بهم. فقال عمر: إني جاعل نفسي من هذا المال ككافل اليتيم

стр. 1299

من كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، ولا أكل حلوًا ولا مرًا، ما كان من شيء، فلم يأكل منه شيئًا حتى سلك لسبيله. وبعث عمر بن الخطاب ﵁ عمار بن ياسر على الصلاة والحرب وابن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل بينهم شاة كل يوم، شعرها وبطنها لعمار، وربعها لابن مسعود، وربعها لعثمان بن حنيف. ووالله ما أرى أرضًا تؤخذ منها كل يوم شاة سيسارع ذلك في خرابها. وقال نافع: استعمل عمر ﵁ زيدًا على القضاء، ورزقه على ذلك، فعرض له ألفًا، وكتب عمر إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل حين بعثها إلى الشام: انظروا رجالًا صالحين من قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وارزقوهم واسبغوا عليهم واعفوهم من مال الله. وقال عامر بن شريح ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يرزق في كل شهر ماية درهم. وقال ابن أبي ليلى: بلغني أن عليًا رزق شريحًا خمسماية درهم. فصل وإذا ارتزق القاضي لم يسعه أن يصيب وراء ذلك من رعيته شيئًا. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه عليه شيئًا، فما أصاب بعد ذلك أو فما سوى ذلك فهو سحت). وإن أهدى إليه شيء لم يكن له قبوله، فإن كان المهدي من قبل خصومه فأهدى ليحكم له، أو لئلا يحكم عليه، فهذا هو الرشوة، وهي سحت. لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. فالراشي وهو الذي يمشي بينهما. وإن أهدى إليه المحكوم بعد الحكم شكرًا لم يقبل، لأن ما فعل كان واجبًا عليه. فصل وإذا تحاكم إلى حاكم المسلمين موادعون، كان بالخيار بين أن يحكم بينهم وبين أن

стр. 1300

يدعهم. وإن جاءه أحد الخصمين يستعدي على الآخر لم يعده كما يعدي المسلم. وقال: إن جئتما متراضين بحكمي، حكمت بينكما. وإن كان المستعدي مسلمًا أعداه، فإن رضيا بحكمه، فلم يحكم حتى يرجعا، تركهما. وإن حكم بينهما ثم أتى المطلوب أجرته، وإن احتاج إلى قتاله فأمكنه، وإن تحاكم إليه ذميان، فقولان: أحدهما أنهما كالموادعين. والآخر أنهما كالمسلمين. وإذا حكم بين ذميين أو بين موادعين لم يحكم إلا بحكم الإسلام، لم يسعه غير ذلك. فصل ولا ينبغي للقاضي المرتزق من بيت المال أن يشغل نفسه عن أهل المظالم بالتجارات ونحوها، ولا لقاض مرتزق أو غير مرتزق أن يتولى البيع والشراء لنفسه، لئلا يتقرب إليه بالشراء بأكثر من الثمن إذا باع، والبيع بأقل من الثمن إذا اشترى. ولا يتخلف عن الوليمة إذا دعاه إليها من لا خصومة له عنده، ولا يجيب بعضًا ويدع بعضًا، بل يعم ولا يخص، أجاب أو رد بعينه. ويسأل أن يحلل ويعود المرضى ويشهد الجنائز ويأتي الغائب عند قدومه، ومن يريد السفر عند مخرجه. وإن دعاه ذو رحمة وقرابة فليجب، وليس منزلته في ذلك كمنزلة الأجانب من أهل العلم، والله أعلم. * * *
следующие страницы →