← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

عندي، أو لأنه أقر بذلك عند، وقال المدعي: ما قامت علي بينة ولا أقررت، لم يقبل قول القاضي، وكان عليه العزم إلا أن يقيم بينة على ما يدعيه من العدل قياسًا على المسألة قبلها. وإن قضى القاضي بشهادة من لا تجوز شهادته خطأ ثم ظهر له ذلك، رد حكمه وضمن عين الدم في حاله، وضمنت الدية لعائلته نفسًا كان أو جرحًا. فصل ويستحب للقاضي إذا أراد نصب قيم في تركة، أو حبس أو بعث قسامًا أن لا يستعمل قرابته لما يلحقه في ذلك من التهمة، ويبسط في عرضه من الألسن. وقال أهل العلم: إن أبا بكر وعمر ﵄ لم يول أحد منهما من قومه أحدًا، ولا استعمله على عمل قط. وقال عمر لعثمان وعلي ﵃: وإن كان قومكما لم يؤمروا غيركما، فاتق الله يا عثمان إن وليت شيئًا من أمور المسلمين، فلا تحل من بني أمية على رقاب الناس. وقال لعلي مثل ذلك. قال ابن عمر ﵄: لما دخل الرهط على عمر قبل أن تنزل به قال: اتق الله يا عثمان إن وليت شيئًا من أمور المسلمين، فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، واتق الله يا علي، إن وليت شيئًا من أمور الناس، فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس. إلا أن عثمان وعليًا ﵄ خالفا رأي عمر في ذلك. فروى عن عثمان ﵁ أنه قال: إن عمر كان يحترم قرابته لله، وأنا أعطي قرابتي لله. وولى علي ابن عباس، وهو ابن عمه، ولم يرو عنه أنه أنكر قول عمر لأنه كان يحرم قرابته الولاية لله. وذلك رأي سديد لأنه لا يؤمن أن يدل بأنه قرابة أمير المؤمنين فيكون ذلك منه ما يذم ما لا يكون من غيره، ولم يكن يحرمهم الفيء، ولا ما يخرج حرمانه إياهم إلى قطعه الرحم. وأما قوله: أنا أعطي قرابتي لله، فجوابه أنه إذا أعطى قرابته لله، وجب أن يعطيهم ما وصاه الله تعالى به فيهم بقوله: ﴿فآت ذا القربى حقه﴾. فأما تسليطهم

стр. 1297

على أموال المسلمين وعملهم على رقابهم، فليس مما وصاه الله تعالى به فيهم. ويحمله ذلك أن فعله إن كان محمودًا وعلى صلة الرحم محمولًا، فينبغي أن يكون فعل عمر مذمومًا وعلى قطع الرحم محمولًا، وفي إجماع المسلمين على أن عمر بما رأى وما فعل كان ناظرًا للرعية محتاطًا لنفسه ما دل على سقوط معارضة عثمان عنه، وبالله التوفيق. فصل وذا رزق الإمام القضاة، فينبغي أن يرزقهم من خمس الخمس سهم النبي ﷺ ، ومما يفضل من أربعة أخماس الفيء من المقابلة والكراع والسلاح وسبل الله، ومن بركات المسلمين التي مرجعها إلى جماعتهم. وإن عمل القاضي متطوعًا إذا لم يكن محتاجًا إلى معونة الإمام، فذلك أولى به وأحسن. والأصل في هذا الباب أن الله قطع لرسوله ﷺ أربعة أخماس الفيء وخمس خمس الغنيمة، فكان يأخذ منها قوته وكفايته وكفاية عياله في كل سنة. ويصرف ما يفضل عن ذلك في سبيل الله. ثم الإمامان من بعده أبو كبر وعمر ﵄، فإنهما قد افترقا شيئًا، وإن كان ما أخذه أحدهما أولى مما يأخذه الآخر. وروى سليمان بن غلانة قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا سليمان، ادخل علي قومًا من الفقهاء اسألهم عن سيدة هذين الرجلين: أبي بكر وعمر، اسألهم ما استحلا لأنفسهما من الفيء حين، وإنما قال فأتاه من نحو عشرين رجلًا، فقال عمر بن عبد العزيز: مرحبًا بكم، فأنتم ورثة الأنبياء، أن الأنبياء لا يورثوا ذهبًا ولا فضة، إنما يورثوا العلم. أخبروني عن هذين الرجلين اللذين عوقبا. قالوا: أما أبو بكر فإن المسلمين رأوا بأجمعهم أن يستخلفوه. وقالوا: أن نبي الله قد استخلفه علينا وهو حي، ما أصابته سكرات الموت إلا أمره أن يصلي بنا، ودنيانا تابعة لديننا، فاستخلفوه وإنه لكاره. فأصبح الغد قائمًا في السوق يشتري ويبيع، وعلى منكبيه أثواب مطوية، ففزع المسلمون من ذلك وقالوا: أصبح خليفة رسول الله ﷺ يبيع ويشتري لن يبلغ ذلك أحدًا من عظماء الفرس، ولا ملوك العجم إلا أخبروا عليكم، واحتقروا آمركم وأمر خليفتكم. فقاموا إليه بأجمعهم فكلموه كلامًا سديدًا، فقال:

стр. 1298

إنما أنا كاسب أهلي فإن ضيعتهم فأنا لما وراءهم أضيع. قالوا: فخذ لهم من مال الله أو من أموالنا أكثر ما ينالون من كسبك. قال: اعهد عهدة رسول الله ﷺ إليكم؟ قالوا: لا. قال: أفتأمرونني أن أحد بدعة، وقد كان يأتيه الفيء العظيم فيسمى ما ينويه أصفر. ما أدخلها حلوًا ولا مرًا. فلما الحوا عليه، قال: فأني فارض لنفسي إذا اشتغلت نفسي، فإنما هم كأهل بيت منكم، ينوبهم ما نابكم. ففرض لنفسه مدًا بمد النبي ﷺ أو مدين وإدامة، وبناء وسخلتين، أو ربما تيس أو هجرتين وإزار لطيف، وإن دخل الشتاء فجبة من فراء، أو طاق تكريتي، وكان هذا الذي أخذ حتى مضى لسبيله، وظهر بعير إن حج وبعير آخر لفقير من فقراء المسلمين، ضرورة تمسكه أحدهما للآخر إن طافا أو سعيا. وأخذ بهذا عمر بن الخطاب ﵁ حتى افتتح الأمصار، وفاض على الناس المال، حتى هم أن يجعل نفسه أدناهم. وكان ربما كتب إلى بعض عمال الأمصار أني وجهت إليك فلانًا وهو فقير عربي، فأوص به التجار الذين يشترون الغلات، يدخلونه معهم في الأرباح بطيب من أنفسهم عسى أن يجيره الله بهم فيؤجروا، واستوصوا بهم خيرًا، وادخل عليهم ما استطعت من سعة، فربما رجع الرجل وقد أصاب خمسة عشر ألفًا ونحو ذلك فكان رجال من أهل بيته يقولون: اكتب لنا ما كتبت لفلان فيقول: إذًا يقول من بعدكم، قد كان عمر يكتب لأهل بيته، فيتخذوا بذلك حدرة فيتخذوا بها عدوة، فيرتقوا بها إلى غير ذلك. ولا أحب أن نكون أنا وأنتم حجة لمن سلك شتات الطريق. فلما أدوه كلمه المسلمون وقالوا: اخلطهم بإخوانهم. قال: فعملوا في عماله أنفعهم بها، قالوا: نعم نعملك أربعين ألفًا في السنة. فقال عمر: يا رسول الله، يا أبا بكر أن عمر ابن الخطاب يعمل أربعين ألفًا، فكيف من بعده؟ قال: لا ولكن هما ألفان في رأس السنة. فكان يأخذهما ثم يقول: مال عندي، هذا ما يملك عمر! فإن أحببتم استنكم به، وإن أحببتم فاستأثروا به ما طلبتم مني مما وراء ذلك فرؤوسكم الحجارة. قال: فبكر عمر بن عبد العزيز حين أخبر بهذا الخبر حتى ألصق بطنه بالأرض ثم قال: اللهم لولا أني أعلم أنك تعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، لظننت أنك تغضب علي غضبًا لا يرتد عني أبدًا، لسؤالي عن عمل أبي بكر وعمر، فأني لأرجو أن أشبههما، ولكني أسأل عن أهل الخير أحاشي بهم. فقال عمر: إني جاعل نفسي من هذا المال ككافل اليتيم

стр. 1299

من كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، ولا أكل حلوًا ولا مرًا، ما كان من شيء، فلم يأكل منه شيئًا حتى سلك لسبيله. وبعث عمر بن الخطاب ﵁ عمار بن ياسر على الصلاة والحرب وابن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل بينهم شاة كل يوم، شعرها وبطنها لعمار، وربعها لابن مسعود، وربعها لعثمان بن حنيف. ووالله ما أرى أرضًا تؤخذ منها كل يوم شاة سيسارع ذلك في خرابها. وقال نافع: استعمل عمر ﵁ زيدًا على القضاء، ورزقه على ذلك، فعرض له ألفًا، وكتب عمر إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل حين بعثها إلى الشام: انظروا رجالًا صالحين من قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وارزقوهم واسبغوا عليهم واعفوهم من مال الله. وقال عامر بن شريح ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يرزق في كل شهر ماية درهم. وقال ابن أبي ليلى: بلغني أن عليًا رزق شريحًا خمسماية درهم. فصل وإذا ارتزق القاضي لم يسعه أن يصيب وراء ذلك من رعيته شيئًا. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه عليه شيئًا، فما أصاب بعد ذلك أو فما سوى ذلك فهو سحت). وإن أهدى إليه شيء لم يكن له قبوله، فإن كان المهدي من قبل خصومه فأهدى ليحكم له، أو لئلا يحكم عليه، فهذا هو الرشوة، وهي سحت. لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. فالراشي وهو الذي يمشي بينهما. وإن أهدى إليه المحكوم بعد الحكم شكرًا لم يقبل، لأن ما فعل كان واجبًا عليه. فصل وإذا تحاكم إلى حاكم المسلمين موادعون، كان بالخيار بين أن يحكم بينهم وبين أن

стр. 1300

يدعهم. وإن جاءه أحد الخصمين يستعدي على الآخر لم يعده كما يعدي المسلم. وقال: إن جئتما متراضين بحكمي، حكمت بينكما. وإن كان المستعدي مسلمًا أعداه، فإن رضيا بحكمه، فلم يحكم حتى يرجعا، تركهما. وإن حكم بينهما ثم أتى المطلوب أجرته، وإن احتاج إلى قتاله فأمكنه، وإن تحاكم إليه ذميان، فقولان: أحدهما أنهما كالموادعين. والآخر أنهما كالمسلمين. وإذا حكم بين ذميين أو بين موادعين لم يحكم إلا بحكم الإسلام، لم يسعه غير ذلك. فصل ولا ينبغي للقاضي المرتزق من بيت المال أن يشغل نفسه عن أهل المظالم بالتجارات ونحوها، ولا لقاض مرتزق أو غير مرتزق أن يتولى البيع والشراء لنفسه، لئلا يتقرب إليه بالشراء بأكثر من الثمن إذا باع، والبيع بأقل من الثمن إذا اشترى. ولا يتخلف عن الوليمة إذا دعاه إليها من لا خصومة له عنده، ولا يجيب بعضًا ويدع بعضًا، بل يعم ولا يخص، أجاب أو رد بعينه. ويسأل أن يحلل ويعود المرضى ويشهد الجنائز ويأتي الغائب عند قدومه، ومن يريد السفر عند مخرجه. وإن دعاه ذو رحمة وقرابة فليجب، وليس منزلته في ذلك كمنزلة الأجانب من أهل العلم، والله أعلم. * * *

стр. 1301

الثاني والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله : ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون﴾. فأمر في هذه الآية، حضًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وقال في الآية التي وصف بها المؤمنين الذين اشترى الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ الآية. فجعل من أوصافهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ووصف قومًا لعنهم من بني إسرائيل، فذكر أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. أي لم يكن ينهى بعضهم بعضًا. فروى في ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما ظهر النقص في بني إسرائيل جعل الرجل يلقى أخاه على الذنب. فلا يمنعه ذلك من أن يصبح جليسه وأكيله وشريبه ومدعيه، فضرب بقلوب بعضهم على بعض ونزل فيهم القرآن: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ ثم قال ﷺ : (كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يد الظالم، فتأطروه على الحق أطرًا). وقوله ﷺ (كلا) يحتمل أن يكون معناه: كاد لا يكونوا مؤمنين مستوجبين، كتب الله تعالى ومدحهم حتى يفعلوا كذا.

стр. 1302

وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم). أي أنهم إذا خافوا على أنفسهم من هذا القول فتركوه، كانوا مما هو أشد منه وأعظم من القول. والعمل أخوف، وكانوا أن يدعوا جهاد المشركين خوفًا على أنفسهم وأموالهم أقرب. وإذا صاروا كذلك، فقد ودع منهم واستوى وجودهم وعدمهم. وجاء عن أبي بكر ﵁ أنه قال: أيها الناس أنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها بأنها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أن القول إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا، أوشك أن يعمهم الله بقضائه). فثبت بالكتاب والسنة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم أن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما بين المؤمنين والمنافقين، لأنه جل ثناؤه قال: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف﴾. فثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمن وأقواها دلالة على صحة عقدهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسهما الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. وإنما أفرد هذا الباب عن أبواب الجهاد، لأن الجهاد فرض حدود معلومة وأحكام مخصوصة، وقد جاءت فيه بانفراده آيات وأخبار معروفة، وأما ما عداه فليس بموجب، وإنما هو على ما يكفي ويقتضيه الحال، ويؤدي إليه الاجتهاد، فذلك الذي دعي إلى إفراد بهذا الباب. ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس يليق بكل أحد ولا يجب أيضًا على كل أحد، وإنما هو من المفروض التي ينبغي أن يقوم سلطان المسلمين (بها)، إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزيز موكل إلى رأيه، والحبس والإطلاق له دون غيره، والنفي والتعذيب مطلقًا إن رآه في سياسته، فينصب في كل بلد، وفي كل قرية رجلًا صالحًا قويًا عالمًا أمينًا، ويأمره بمراعاة الأحوال التي تجري. فلا يرى ولا يسمع منكرًا إلا غيره، ولا يبقى

стр. 1303

معروفًا محتاجًا إلى الأمر به إلا أمر به. وكل ما أوجب على فاسق حدًا أقامه ولم يعطله، فإنه لا شيء أردع للمعطلين من إقامة حدود الله عليهم. وكما لا ينبغي تعطيل حد بعدما وجب، فكذلك لا ينبغي أن يجلد أحد أو يقطع أو يقتل من غير وجوب، فإن السرف في ذلك تنقلب حياته ولا يحصل فيها غرض الحد. وليس يمكن أن يكون أحد أعلم بعباد الله وطريق سياستهم منه، فلو علم أن الحدود التي شرعها لا تكفي لزاد فيها حتى تكفي هذا وقال رسول الله ﷺ : (لعن الله من يبلغ حدًا في غير حد، ومن بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين). وكل من كل من علماء المسلمين الذين يجمعون من فضل العلم وصلاح العمل فعليه أن يدعو إلى المعروف، ويؤخر عن المنكر بمقدار طاعته. فإن كان يطبق إبطال المنكر ودفعه، وردع المتعاطي له عنه فعله. فإن كان يطيق بنفسه، ويطيقه بمن يستعينه عليه فعله، إلا ما كان طريقه الحد والعقوبة. فإن ذلك ليس إلا للسلطان دون غيره. وإن كان لا يطيق إلا القول قال. فإن لم يطق إلا الإنكار بالقلب أنكر. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكرًا فاستطاع أن يغيره بيه فليفعل، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان). والأمر بالمعروف في مثل هذا النهي عن المنكر إن امتنع العالم المصلح أن يدعو إليه ويأمر به، فيكون منه ما يأمر به فعل. وإن احتاج إلى الاستعانة بغيره استعان، وإن لم يقدر إلا على القول قال. وإن لم يقدر إلا على الإرادة بقلبه أراده، ويشاؤه على الله فلعله يسعفه به. ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يتعجل به، ومنه ما لا يحتمل التعجيل لأن من رأى أحدًا قد غصب من آخر مالًا أو حال بينه وبين أهله أو ولده، فلم يعاجله بالنصح لمن يأمن أن يعرف الأمر ويتعذر ملاقيه. فأما لمن رأى شرب الخمر وقد بلغ به حد السكر، فإن قدر على أن يأخذ ما عنده منها فيريقه فعل. أو كان عنده جماعة من أهل اللهو والباطل فقدر على أن يصرفهم عنه فعل. ولكنه لا ينبغي له أن يكلمه حتى يفيق فيعلم

стр. 1304

ما يقال له. فإنه إن كلمه وهو زائل عن العقل لم يأمن أن يفرط عليه، فيكون قد جمع بين تضييع النصيحة وبين التعرض للشر. وينبغي أن يكون الأمر بالمعروف مميزًا يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع العنف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم، أنه أليق بهم وأنجع فيهم. ولا يخاطب أحدًا لفضل من الكلام لا يحتاج إليه فينفره بذلك عن قبول موعظته، ولا يدخل عليه مدخلًا يصير سببًا لرد نصيحته، أن لا يكون سلطانًا فله الأمر والنهي، ولا حاجة إلى استجلاب الطاعة من رعيته بالتآلف، إلا أن يكون السلطان ضعيفًا يعلم أنه يطاع رغبة ولا تدعى له رهبة. فإن كان كذلك على سبيله فيما ذكرنا سبيل أحد العلماء المصلحين، وبالله التوفيق. وكما لا ينبغي لمن يقوم بهذا الأمر أن يعنف في موضع الرفق، فكذلك ينبغي له أن يرفق في موضع التعنيف، لئلا يستخف قدره ويقضي أمره. وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، غير محابي ولا مداهن يتعرض لواحد ويعفى غير واحد. فإنه بذلك يجعل على نفسه سبيلًا، كما إذا قام بذلك من ليس يصلح. لأنه كما يقال: أدرك نفسه وغير حالك، فكذلك يقال للآخر: ابدأ بجارك وقريبك، وأصلح من حاشيتك. فينبغي أن يكون القائم بهذا الأمر ممن لا يتوجه عليه لأحد حجة. قال الله : ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾. فدل ذلك على أن سبيل المرء أن يصلح نفسه أولًا ويقومها، ثم يقبل على إصلاح غيره وتقويمه. قيل لبعضهم: ألا تذكر؟ فقال: ما أنا عن نفسي براض ما يفرغ من ذمتها إلى ذم الناس، أن الناس خافوا الله في ذنوب الناس وأمنوه على أنفسهم. وأيضًا فإن كل واحد من الذي يحابي ويداهن، والذي يتعاطى المنكر بنفسه، مستحق لأن يؤمر بغيره ما هو عليه، ونهى عما هو عليه. فكيف يجوز أن يأمر غيره بشيء أو ينهى عن شيء؟ ذكر أنس ﵁: أن جبريل ﵇ عرج بالنبي ﷺ ، فمر بقوم تقرض شفاههم بالمقاريض، فقال: (من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك الذين

стр. 1305

يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون). وقال ﷺ : (يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتنذلق النار بطنه، فيدور بها (كما يدور) الحمار بالرحى. فيقال: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا أنتهي، وأنهى عن المنكر وآتيه). فإن قيل: فالسلطان أن يكون ممن يتعاطى الفواحش أيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قيل: نعم لأن السلطنة هي هذا. فلو انقطعت يده عنه لم يكن سلطانًا وليس من دونه في هذا مثله، لأن القيام بهذا الأمر إنما يصير له عند إمساك السلطان لعلمه وصلاحه، فإذا أخل صلاحه، فقد صار مستحقًا للتغاضي عليه، ولا يكون مع ذلك معتزًا على غيره، وإنما ينبغي للآمر المعروف والنهي عن المنكر، إذا ظهر المنكر إلا يصار للأسماع، ورفع المتعاطي قناع الحشمة. فأما إذا كان يستره ويجتهد في أن لا يوقف عليه، فإنه لا يهتك ستره. وإن أجرى ذكر ذلك المنكر بمشهده، ووصف ما فيه من عظيم الإثم من غير أن يخاطب فيه بشيء فيسمعه، فعسى أن يتيقظ فذلك حسن. وإن أرسل إليه على لسان من يرى أنه لا يخفى أمره عنه ووعظ سرًا، فذلك أيضًا حسن. ومما جاء في النهي عن المنكر، قال رسول الله ﷺ : (لا يحقرن أحدكم نفسه إن يرى أمر الله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له: ما منعك أن تقوم في كذا وكذا. فيقول مخافة الناس. قال: فإياي كنت أحق أن تخاف). وقال رسول الله ﷺ : (ما من نبي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويعقدون بأمره، ثم يخلف من بعدهم خلف يقولون ما لا يفعلون، فلا يؤمرون فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). وهذا شبيه بما يروى عنه ﷺ في قوله (من رأى منكرًا أو استطاع أن يقصر بيده

стр. 1306

فليفعل، وإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فإن قيل: جعل هذا آخر درجات الإيمان في هذين الحديثين، وقال في الحديث المشهور: (الإيمان بضع وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فما وجه اجتماع الحديثين؟ قيل له: الأدنى غير الأضعف، فإن الأدنى: اسم لما يتباعد عن معاني القرب، وإن كان مرجعه في العقبى إليها، والأضعف: اسم لما يظهر وجه القربة فيه ويخلص له، ولكن يكون من نوعه ما هو أقوى وأبلغ منه. ألا ترى أن إنكار المنكر بالقلب هو الذي جعل أضعف الإيمان. وذلك لأن إنكاره قد يكون باللسان من طريق الزجر عنه، وقد يكون باليد من طريق إبطال المنكر، ومعاقبة المتعاطى عنه. فلما كان كل واحد من هذين أقوى من الإنكار بالقلب، كان القلب أضعف للإيمان الذي هو إنكار المنكر لا أضعف الإيمان الذي يتشعب سبعًا وسبعين شعبة. وأما إماطة الأذى عن طريق فأمر يبتعد من معاني القرب، لأن وجه القربى فيه لأن لا يضر مسلمًا أو يؤذيه، فيكون هذا من باب الاشتقاق على أهل الدين. ومعلوم أنه لو تركه لأمكن أن تكون لعامة المسلمين منه السلامة. (وأن إماطة الأذى)، فليس يكون الأمر فيه للمسلمين خاصة، لكن لهم ولكل من مر بذلك الطريق، مسلمًا كان أو كافرًا. فلا يمكن أن يقطع بأن ما حصل منه وقع موقع النفع لإخوانه المسلمين. أو إن كان لهم دون أعدائهم وهو في نفسه أمر خفيف الكلفة لا يتوهم أن يكون في القرآن أخف كلفة منه. فلهذا كان أدنى شعب الإيمان أقل من أضعف الإيمان الذي هو إنكار المنكر بالقلب. لأن ذلك إنما يرجع إلى تعظيم أمر الله والتهيب له، وهو فرض مكتوب عليه، لا يسعه الإخلال به. فكيف يتوهم أن تكون إماطة الأذى مثله والله أعلم. وجاء أن النبي ﷺ خطب يومًا فأثنى على طوائف المسلمين خيرًا ثم قال: (ما بال أقوام لا يعلمونهم ولا يفقهونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم! ما بال أقوام لا يتعلمون من

стр. 1307

جيرانهم ولا يتفقهون، والذي نفسي بيده، ليعلمن قومًا جيرانهم وليفقهنهم وليأمرنهم ولينهينهم، وليعلمن مؤمن من جيرانهم وليفقهن أو لتعاجلنهم العقوبة في دار الدنيا) ثم نزل النبي ﷺ فقال الناس: من يعني بهذا؟ فقالوا: أما ترى إلى هؤلاء الأشعريين، قوم فقهاء لهم جيران حفاة من الأعراب وأهل الشاة. فلما سمع ذلك الأشعريون، جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذكرت طوائف من المسلمين يخبرون لدسائس قال: لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهينهم، وإلا عاجلتكم بالعقوبة في الدنيا. قالوا: يا رسول الله، فأمهلنا إلى سنة نعلمهم، فأمهلهم إلى سنة تمر، قرئ لعثمان: ﴿الذين كفروا﴾ إلى قوله ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وفي النهي عن المنكر قال عبد الله بن مسعود: من رأى منكم منكرًا فلم يستطيع فليقل: اللهم أني أكره هذا. في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قيل لعلي ﵁: لما قاتلت أهل القبلة؟ قال: لم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ، إن الله لم يرض للمؤمنين أن يعص في الأرض، لا يأمر بالمعروف ولا ينهوا عن المنكر. قال رسول الله ﷺ : (أيمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه). في مداهنة الأمراء: قال عروة بن الزبير لابن عمر: إنا لندخل على الوالي ليقضي بالقضاء، نعرف أنه حق، فنقول: وفقك الله، وعسى بعضنا يخرج فيثني عليه. فقال: يا معشر أصحاب رسول الله، كنا نعد ذلك نفاقًا. قال مالك بن دينار- ﵀ اصطلحنا على حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضًا، ولا ينهى بعضنا بعضًا ولا يدان بالله على هذا، فليت شعري أي عذاب يترك. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال رسول الله ﷺ : كلام بني آدم عليه، لا له، إلا أمر

стр. 1308

بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله . وفي الأمر بالمعروف قال النبي ﷺ : (يوشك أن تهلك هذه الأمة إلا ثلاث نفر: رجل أنكره بيده ولسانه وبقلبه، فإن جبن بيده فبلسانه وبقلبه، وإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه). قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهين عن المنكر، أو ليوشك أن الله يسلط عليكم شراركم، فتدعوا خياركم فلا يستجاب لهم). وقال رسول الله ﷺ : (مثل القائم على حدود الله أو المداهن فيها، كمثل قوم أستهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعم تصعدون فتؤذينا. فقال الذين في أسفلها: فإنا نثقبها من أسفلها، فنسقي منه. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا). وإن لم يكن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من العلماء المبرزين، إلا أنه كان من صلحاء المسلمين، ينهى عن المنكر، لا يخفي على العامة حاله، فحكمه في حكم العالم المفتي، والقول فيهما ما ذكرت والله أعلم. ومتى ظهر الفساد في الحد، وعجز القوام بالدين عن استصلاح المفسدين أو ردعهم بالخروج من بينهم إن أمكن أولى، قال الله : ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾. قال سعد بن جبير: يقول: إذا عمل بالمعاصي فاخرجوا. ووقعت زلزلة على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فقال: لئن عادت لأخرجن

стр. 1309

من بين أظهركم. وإنما قال ذلك لأنه حمل الأمر على أنهم يحدثون في السر أحداثًا، أي كانوا لا يجاهدون بها خيفة له. فلذلك يخوفهم الله تعالى بآياته. فكذلك إذا ظهر الفساد وشاع حق لم يستطع تغييره، فليس إلا الخروج من بين المفسدين والله أعلم. وينبغي للمصلحين في عامة الأوقات أن يكونوا مجانبين للمفسدين لا يخالطونهم ولا يضيفونهم ولا يشاورونهم في أمورهم ولا أمور العامة، فإن ذلك نوع من الاستدلال يرجى أن يردهم عن الباطل الذي هم فيه، إلى الحق الذي هو أولى بهم. وفي حربهم على خلاف هذا، يحشرهم وتجريبهم في السكوت عنهم إن أظهروا المنكر أعزاء وهم به، ويستقبل سبيلهم إليه، فلا ينبغي أن يصار إلى واحد منهما والله أعلم. * * *

стр. 1310

الثالث والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في التعاون على البر والتقوى قال الله : ﴿وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ومعنى هذا الباب في المعاونة على البر والتقوى، إذا عدمت مع وجود الحاجة إليه يوجد البر، وإذا وجدت البر. فبان أنها في نفسها بر ثم إنها من المنزلة ما ليس البر الذي ينفرد به الواجد، لأن الواحد إذا نزل أن يفعل برًا فإنما من همته بر واجد، والبر الذي يحتاج في إقامته إلى عشرة أو مائة إذا لم يتعاونوا عليه، فقد عدم من جهة كل واحد منهم بر كثير، لأنه يترك المعاونة ويترك حظه من البر، ويحول بين أصحابه وحظوظهم، لأنهم إذا كانوا لا يستطيعون الانفراد عنه فيه، فهو إذا لم يوافقهم عليه، ولم يغثهم. كان هو السبب لتعطيل الأمر عليهم، فبان المعدوم منهم معدوم من كل واحد منهم فكان التخلف عن المعاونة على البر إذا أغلط من يخلف الواحد عن بر لو فعله، ليأتي ووجد به وحده والله أعلم. وأيضًا فإن في المعاونة على البر شيئين: أحدهما موافقة أهل الدين وأن يترك كل واحد منهم صاحبه فينهاهم به من الخير منزلة نفسه. والآخر: الحرص على البر والإسراع إلى الخير، وكل واحد من هذين محمود مأمور به أو مندوب إليه. وأيضًا فإن الطاعات أكثرها مبنية على الاشتراك، لأن الإيمان فرض على الجماعة والصلاة لم توقت إلا لتيقن الناس على إقامتها، ولا يتباهوا فيها، ثم قصر بهم على الأمر بالجماعة فيها. والصيام إنما جعل وقته للجميع واحدًا، والحج كذلك. فلما كان مبنى كل طاعة

стр. 1311

يمكن فيها الاشتراك، إن يقع الاشتراك من الناس فيها، فما بر يعوض، وخير يبدوا، فيحتاج فيه على التعاون والاشتراك إلا وذلك مندوب إليه، مأمور به لتكون العوارض معتبرة بالأصول الثابتة المبينة، وبالله التوفيق. وكل ما قلته في التعاون على البر والتقوى، فهو في ترك التعاون على الإثم والعدوان مثله، لأن كل الناس إذا تركوا التعاون على الإثم والعدوان، فلم يوجد ذلك الإثم، صار كل واحد منهم كأنه ترك إمامًا، لأنه لم يأثم بنفسه، وقال بترك المعاونة بين أصحابه وبين الإثم، ولأنه وافق غيره من أهل الدين على ما رواه من جسم مادة الإثم من وخامة العاقبة فقعد عنه، ولم يشرع فيه. ولأنهم إذا لم يتعاونوا على الإثم والعدوان، فقد خالفوا بين الإثم والبر، بأن صانوا الدين عن أن يشيع في أهله ما يخالفه، كما إذا تعاونوا على البر والتقوى، فقد ظاهروا الدين حتى وجد من أهلها ما يليق به ويوافقه، فلم يرضوا الإثم بأن يظهر كما لم يرضوا اللين بأن بتكتم والله أعلم. والتي تلي الآية التي صدرنا بها الباب، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقيل: يا رسول الله، هكذا ينصره مظلومًا فكيف ينصره ظالمًا؟ فقال: يكفه عن الظلم). ومعنى هذا أن نفس الظالم مظلوم له من جهته، كما قال : ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه﴾ فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ليدفع الظلم عنه. لذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه. وإذا أمر كل واحد بنصر أخيه المسلم إذا رآه يظلم وقد علا نصرة لأن الإسلام إذا جمعهما صارا كالبدن الواحد. كما أن أخوة السبب لو جمعتهما لكانا كالبدن الواحد، إذ الدين أقوى من القرابة، وأولى بالمحافظة عليه منها. وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله : ﴿إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم﴾. وجاء عن النبي ﷺ : (مثل المسلمين في تراحمهم وتواصلهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره

стр. 1312

بالسهر والحمى). وكما يجتهد المظلوم من دفع الظلم عن نفسه، فكذلك ينبغي لأخيه المسلم أن ينصره ويعينه على دفع الظلم عنه والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب إعانة اللهفان). ومعلوم أنه أراد: اللهفان مما مسه من الظلم وإعانته، إذًا يكون بنصره، ورجع الحديث إلى معنى واحد والله أعلم. فصل وإذا رأى رجل رجلًا غصب ماله أحد واختلسه وانتهبه، فقدر على استرجاعه منه، أو رآه حين يفعل ذلك، فقدر على منعه، أو رآه يهم بقتل رجل أو بأخذه أو بحبسه، وعلم أنه ظالم من فعله، وقدر على تخليصه فعليه أن يبلغ في كل واحد منهما أقصى ما يقدر عليه. وإذا أسر المشركون أسيرًا من المؤمنين فعليهم إذا قدروا على تخليصه أن يخلصوه، وكذلك إن أخذوا من المسلم مالا. وإن كان الكف عن الظلم في هذه المسائل لا يتم إلا ببذل مال، فالأولى بذله إلا ذلك لا يلزم، لأن النبي ﷺ أبان بقوله من قبل (دون ماله) فأولى أن لا يلزمه أن يفدى بعشر غيره، أو ماله بماله. ولكن لو لقى رجل مسلمًا قد أشرف على الهلاك من جوع أو عطش أو عري تداركه، وذلك لا يكون إلا بالمال وهو يجده، فعليه أن يتداركه به. فإن سمحت نفسه بالبر فيه فذلك أزكى له. فإن قصد العوض، فقد قيل له: أن يرجع به عليه. والفرق بينهما أن الذي هم ظالم بقتله، له أن لا يفتدي، فإن قدر على الافتداء، لأن القتل له شهادة، وكذلك لغيره أن لا يفديه وأما الجائع، فلو وجد طعامًا لنفسه يأكله لم يجز له أن لا يأكل حتى يموت. وكذلك غيره، إذا رأوه مشرفًا على الهلاك من الجوع وعنده فضل طعام، لم يكن له أن يحبسه عنه حتى يموت. ولو رأى رجل عدوًا أخذ ماله، كان له أن يفتديه بشيء دونه فيسترده، فكذلك لا يلزم غيره هذا في ماله والله أعلم.

стр. 1313

وفيما ينبغي من التعاون على البر والتقوى، وقال ابن عمر قال رسول الله ﷺ : (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد صار الله في أمره ومن أعان على خصومة فقد باء بغضب من الله حتى ينزع). وفي إعانة المسلم قال أبو ذر: يا رسول الله، أخبرني عن عمر أدخل به الجنة؟ قال: (إيمان بالله قلت: إن مع هذا لغيره؟ قال: ترجح، فما أجرى الله عليك. قلت: فإني فقير، ليس عندي ما أرجح. قال: تعين مغلوبًا. قلت: فإن كنت ضعيفًا، قال: تصنع لأخرق، قلت: فإن كنت أخرق منه قال: يا أبا ذر، ما تريد أن تكون فيك من خصال الخير شيء من هذه الخصال إلا جاءتك يوم القيامة بأحسن صورة فتأخذ بيدك ولا تفارقه حتى يدخلك الجنة). وفي النصرة قال النبي ﷺ : (من رد عن عرض أخيه رد الله وجهه عن النار يوم القيامة). وعنه ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضًا، وسبل بين أصابعه) وعن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه سائل أو طالب حاجة أقبل إلينا بوجهه، فقال: (اشفعوا فلتؤجروا، أو ليقضي الله بلسان نبيه ما شاء). ودخل في هذا الباب إن إعانة اللهفان ونصرة المظلوم والسؤال للمحتاج ما فرعنا منهما وما شكينا عنه، وكل ما نجز ذاكره فيما يتلو هذا الباب من أبواب البر. فإن ما عجز الواحد عن القيام به، فاستعان بإخوانه من المسلمين، فحقهم في ذلك أن لا يتواتر ويعيبوه ولا يكلوه إلى نفسه فيخذلوه، فيجمعوا بذلك عنده أشياء: أحدها مفارقة الأخ المسلم وخذلانه. والآخر: إعانة الشر حتى عاد بقعودهم عن إماطته. والثالث: وهو هم في البر والخير يخلفهم عن إقامته، وكل ذلك مخالف لمقتضى الإيمان إن شاء الله. قال رسول الله ﷺ : (من أغاث ملهوفًا

стр. 1314

كتبت له ثلاثة وسبعون مغفرة، واحدة منها صلاح أمره كله، وثنتان وسبعون درجات يوم القيامة). قال رسول الله ﷺ : (من فرج عن أخيه المسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن ستر على أخيه المسلم في الدنيا ستر الله عليه يوم القيامة. فقال رجل يا رسول الله، من أهل الجنة؟ قال: هين لئن قربت سهل). قال رسول الله ﷺ : (إن من موجبات المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم بإشباع جوعته، بتيسير كربته). قال علي ﵁: سبحان الله ما أعجز كثير من الناس عن الخير، أعجب للرجل يأتيه أخوه المسلم في الحاجة، فلو كان لا يرجو ثوابًا ولا يخشى عقابًا، لقد كان يحب أن يسارع إلى مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاة. قيل له: يا أمير المؤمنين، أهذا شيء قلته من نفسك، أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ وما هو أحسن منه، لما رأيت سبايا طيء، وقفت جارية فتبعتها فقالت: يا محمد، رأيت أن تمن علي ولا تفضحني في قومي. فإني بنت سيدهم. إن أبي كان يطعم الطعام ويحفظ الجوار، ويرعى الذمام، ويفك العاني، ويكسو العريان، ولم يرد طالب حاجة أنا ابنة حاتم طيء. فقال النبي ﷺ : (هذه مكارم الأخلاق حقًا، وإن مات أبوك مسلمًا لترحمت عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وإن الله تعالى يحب مكارم الأخلاق). فقام أبو بردة فقال: الله عليك يا رسول الله، إن الله يحب مكارم الأخلاق، ولا دخل الجنة سيء خلق. وعن النبي ﷺ : (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) قال

стр. 1315

النبي ﷺ : (لا تقدس أمة لا يقضي فيها بالحق ولا يؤخذ لضعيفها من قويها وهو غير مضطهد). وعن رسول الله ﷺ أنه قال (ما أنعم الله على عبد نعمة إلا جعل حوائج الناس إليه. فاقضوا حوائجهم، ولا تعرضوا نعمة الله للزوال. وعن رسول الله ﷺ : (كل معروف صدقة). ومعناه في هذا الموضع- إن شاء الله- أن الصدقة قد تكون من المال، وقد تكون من العرض. فإذا بدل الرجل جاهه في حاجة أخيه المسلم كان ذلك صدقة عرضه، كما إذا أعانه بماله كان ذلك صدقة ماله. وفي كتاب إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه: أيها الملك المسيء المغرور، إني لم أبعثك لجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولا لرفع البنيان بعض على بعض، إنما بعثتك لترد عن دعوة المظلوم، فإني لم أردها وإن كانت من كافر.

стр. 1316

الرابع والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في الحياء بفصوله قال النبي ﷺ (الحياء من الإيمان). وقال: (لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء). وقال: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار). وقال: (ما كان الفحش في شيء إلا شأنه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه). وعنه ﷺ : (لو كان الحياء رجلًا لكان رجلًا صالحًا، وإن الفحش إن كان رجلًا لكان رجل سوء). وروي أن رسول الله ﷺ وجد رجلًا من الأنصار يعظ أغشاه في الحياء، فقال له رسول الله ﷺ : (دعه فإن الحياء من الإيمان). ويشبه أن يكون الحياء خوف الذم والتوقي من الاستكبار، وقالة السوء، لأن من استحى، فإنما ترك لأجل استحيائه ما يوجب فعله ذمًا. أو ما ترى أنه يجلب إليه ذمًا سواء كان الذم لقبح الفعل في نفسه أو لمخالفته عادة الناس في مثله. أو لأن المتوقع من فاعله كان خلافه، فأما خوف العقوبة، فإسلام البدن دون ثلب العرض، فلا يسمى حياء، وإنما يسمى خضوعًا واستسلامًا ونحو ذلك.

стр. 1317

والحياء اسم جامع يدخل فيه الاستحياء من الله ، لأن ذمة فوق كل ذم، ومدحه فوق كل مدح. والمذموم بالحقيقة من ذمه ربه، والمحمود من حمده ربه. قال النبي ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء واحفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، واذكروا المقابر والبلى، من فعل ذلك، فله جنة المأوى). وجاء في الحديث: (استحى الله استحياء من رجلين من صالحي قومك وعشيرتك). والحياء من الله تعالى طريق إلى إقامة كل طاعة واجتناب كل معصية لأنه إذا خاف الذم من الله إياه، وإنكاره ما يبدو منه من القبيح لم يرفض له طاعة ولم يقرب له معصية لعلمه كان ذلك منكم، فيقوم عنده فإذا هو فاز باستكمال الإيمان لحيائه. فصح بذلك قوله النبي ﷺ (الحياء من الإيمان) وخلق هذا الدين الحياء. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (قلة الحياء كفر). وقد يجوز أن يكون معناه: أنه ربما يؤدي إلى الكفر، لأنه إذا لم ير أنه عليه في نفي الخالق وجحده ذمًا لم يعبأ به، فصرح به، ودعا إليه وجادل عليه، وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن الله مبدع كل شيء سواه ومدبره ما لم يحفل به، فأطلقه وسماه مرة علة ومرة شيئًا، وما يشبه ذلك تحصنًا من الاختراع أن يعرف به. وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن يكون رزقه بيد الله إن شاء بسطه وإن شاء قدره لم ينل به، وأضاف ما نال عنه من ذلك إلى الكواكب وتدبرها. وأما من علم أنه على الإطلاق هذه الأقوال مذموم، وهي منه منكرة ومستقبحة، فإنه يتوقاها ويتجنبها، فصح إذًا أن عدم الحياء هو الذي سل السبيل إلى الكفر. وإن وجوب الحياء ووقوره هو الذي دعا إلى لزوم الإيمان، فصح بذلك قول رسول الله ﷺ (الحياء من الإيمان)، (وقلة الحياء كفر). ويدخل في جملة الحياء استحياء الناس بعضهم من بعض، وقد يجوز ذلك مما يتصل

стр. 1318

بحقوق الله ، وفيما يتصل بما بين الناس خاصة. فأما الأول فكمحافظة الواحد على الجماعات حياء من الناس وهي على وجهين: أحدهما أن يخاف ذم الجيران إياه، وإن تقبح صورته عندهم، فلا يفارق المسجد ليحمدوه ويثنوا عليه خيرًا، فيكون ذكره فيما بينهم جاريًا بالخير لا بالشر، فهذا رياء، إذا لم يتجاوز قصده أمر الناس، وليس بمحمود وسنذكره في بابه. والآخر أن يكون حياء من الله تعالى بالحقيقة، يخشى أنه إن فارق الجماعة كان من عاجل مؤاخذة الله تعالى إياه، أن يبسط المسلمون فيه ألسنتهم بالذم. وإن كان معها كان من عاجل ما يثنيه الله تعالى أن يطلق المسلمون ألسنتهم فيه بالمدح، فيكون خوفه ذم الناس، وحبه مدحهم متعلقًا بالله لا بغيره، فهذا محمود. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وفي معنى هذا قولان: أحدهما أن المراد به الدلالة على أن عدم الحياة يدل على أن الشد بأن الذي لا يؤمن أن الاستحياء فتنة، وأن أعظم الموانع من القبائح عند العقلاء الذم وهو فوق عقوبة البدن، فمن طاب نفسًا بالذم ولم يخشه، لم يردعه عن قبيح ما هو رادع فلا نال شيئًا حتى ترك نفسه مهتوك الستر، مثلوب العرض، ذاهب ماء الوجه لا وزر له ولا قدر، قد ألحقه الناس بالبهائم وأدخلوه في عدادها، بل صار عندهم أسوأ حالًا بهذا القول، على ما في ترك الاستحياء من الضرر ولينتهي عيبه، ويستشعر من الحياء ما يردع عن إتيان القبيح فهو من يعينه. والآخر: أن معناه إذا لم يفعل ما يستحي من مثله فلا حرج بعد ذلك فاصنع ما شئت. وكلاهما حسن وحق، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ . وأما الحياء فيما يتصل بحقوق الناس، فكحياء الولد من والده، والمرأة من زوجها والجاهل من العالم والصغير من الكبير، والواحد من الجماعة وإنما يكون ذلك إذا أراد الأدون أن يعمل على عين الأكمل عملًا يحق مثله للأكمل، فيخاف أن يقع منه عنده على وجه يذمه فيدعه. فذاك استحياؤه. وهذا أيضًا محمود. لأن فيه مراعاة الناقص حق الكامل، وإدمانه له لأجل الفضل

стр. 1319

الذي يعمل له على نفسه. وقد يدخل في هذا الباب حياء الناس بعضهم من بعض، حياء البكر من الإفصاح بالرغبة في النكاح، وليس هذا خوفًا لذم يلحقها على إرادة النكاح وإنما هو خوف ذم على ما يخشى أن يستبدل بإظهارها الرغبة في النكاح عليه. وهو حب الرجل وقلة الصبر. فإنها إذا تصورت في القلوب في هذه الصورة لم يؤمن أن يظن بها غير الجميل. فالذم على ذلك هو الخوف لا على النكاح نفسه. والحياء من هذا، ليس أنه الحقيقة وإنما هو مما يخاف أن يكون وراءه وبالله التوفيق. ويدخل في جملة الحياء من الله ثم من الناس، ستر العورة لأن الشريعة كما جاءت بالأمر بستر العورة، فكذلك الناس بحكم طبائعهم يعد من كشفها شقاء عليه، وسفاهة خلاعة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (استر عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك) يعني الإماء. قيل له: أرأيت إذا كان أحدنا خاليًا بنفسه، قال: (الله أحق أن يستحى منه). فدل ذلك على أن ستر العورة تجمع العبادة والمروءة. فإن قال قائل: ما معنى قول النبي ﷺ (أحق أن يستحي منه) اللبس لا يحجب عن الله لأنه يرى المستور كما يرى المكشوف. قيل: هو هذا، ولكنه يرى المكشوف مكشوفًا قد ترك أدبه من الستر فيه. ويرى المستور مستورًا أقيم أدبه من الستر فيه، فصح الاستحياء منه باللبس والستر فيه، وبالله التوفيق. فإن قيل: أولًا يحل كشف العورة في البيت الخالي؟ قيل: يحل، وليس معنى قوله ﷺ (أحق أن يستحي منه) أن التكشف مع الخلوة لا يحل وإنما هو معنى أن المتكشف يرى نفسه كما كان غيره يراه لو كان حاضرًا والأحسن أن لا ينظر إلى عورته من غير أدب، وأن يستر عن نفسه ما يستره عن غيره. ألا ترى أنه لا يحترم عليه أن ينظر إلى فرج امرأته وجاريته، ولكن الأحسن والأشبه بالمروءة أن لا ينظر. فكذلك هذا في نفسه. فمعنى قوله (الله أحق أن يستحى منه) أن يتحمل على عيبته بالستر، لئلا يرى العبد

стр. 1320

ناظرًا إلى عورة نفسه لا يرى عورة عبده، فإن الاحتجاب عن الله غيره ممكن، وبالله التوفيق. والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات: من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم، ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن﴾ فأمر المؤمنين أن لا يتكشفوا للمماليك ولا للصغار المراهقين، فينظروا إليهم وهم غير متسترين، لئلا تقع أبصارهم على عوراتهم. وأمرهم أن يحتجبوا عنهم، فلا يدخلوا عليهم في هذه الأوقات، إلا بعد الاستئذان، فيستترون إذا سمعوا الاستئذان، ثم ينادون ولو جاز الإذن لهم على ما هم عليه من التكشف لم يكن لغرض الاستئذان، ففي هذا ما أبان أن ترك الاستحياء بالتكشف مذموم، وإن النظر إلى التكشف الذي رفض الحياء جانبًا مذموم مثله، والله أعلم. قال أنس بن مالك ﵁، كنت خادمًا للنبي ﷺ ، فكنت أدخل عليه بغير استئذان، فجئت يومًا فقال: (كما أتيتني يا بني، فإنه قد حدث بعدك أمرًا، لا تدخلن إلا بإذن). وهذا على أنه جاءه في بعض هذه الساعات الثلاث، فلذلك منعه من أن يدخل إلا بإذن. ولو جاءه في غيرها لم يمنع من الدخول بعد استئذان، لأنه كان خادمًا، وخادم الرجل قريب المعنى من مملوكه ومن الذي لم يبلغ الحلم. فإذا كان لهؤلاء أن يدخلوا في غير الساعات الثلاث من غير استئذان إن كان ذلك للخير الكبير إذا كان خادمًا لم ينه والله أعلم. وأما الدخول على النساء، فإن النساء في عامة الأوقات بمنزلة الرجال في هذه الساعات الثلاث، لأن المرأة في بيتها خالية بنفسها أو بزوجها أو بقرابتها، وصغير ببابها فكان عنقها وبعض صدرها وقدماها متكشفة، ولعل شعرها أو بعضه لذلك يكون، فلا يجوز إلا لمن لا يحل له النظر إلى هذه الأشياء منها، فله أن يدخل من غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن. ولا يدخل في هذه الأوقات الثلاثة إلا بإذن، لأنه قد تكون وضعت جميع

стр. 1321

ثيابها، ولا يجوز أن يطلع على ما دون الإزار منها إلا الزوج. وأما غير هذه الأوقات فليس أوقاتها للتجرد في العادة، وإن كان قائمًا وضع الخمار ونحوه. وللخادم النظر إلى الصدر والشعر بالاتفاق. ولهم النظر عندما إلا ما لا يكون مثله عورة من الرجل من شعرها وبشرها، فلذلك لم يمنعوا من الدخول بغير إذن. وجاء أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله، أأستأذن على أمي؟ فقال: نعم. فقال الرجل: أني معها في البيت، فقال رسول الله صلى الله: استأذن عليها. فقال الرجل: إني خادمها. فقال رسول الله ﷺ : أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها) وهذا- والله أعلم- على الساعات الثلاث التي هي أوقات التجرد دون ما عداها، الذي ليس في العادة وقتًا للتجرد الكامل والله أعلم. وقال : ﴿والقواعد من الناس اللاتي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾. وذلك يحتمل معنيين: أحدهما: ليس عليهن أن يضع ما يعلو ثيابهن من الأردية أو الأكسية، ويدعن ما تحتها من الدروع والخمر. والآخر: أن تكون التجرد. فإن كان التجرد هو المراد، والعجوز إذًا كالرجل فيما جعل لها من التجرد في هذه الساعات الثلاث، فمن لا يجوز له أن يدخل على الرجل ويراه متكشفًا، لم يجز له أن يدخل على العجوز فيراها منكشفة. وإن كان المراد بنزع الرداء أو اللحاف والكساء. فقد بان بأن العجوز لا يحل لها أن تنكشف لأعين الرجال. واجتمع الوجهان في أن نظرة الأجنبي، أن العجوز هي منكشفة غير جائزة. وعن مجاهد قال: لا ينبغي للمرأة أن تجلس عند الرجل من الناس ليس بمجرد في أقل من أربعة أثواب: جلباب وردع وخمار وإزار. فأما العجوز التي صارت من القواعد، فلا بأس أن تضع جلبابها وتقتصر الدرع والخمار والإزار.

стр. 1322

وروي عن عبد الله في قوله ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ قال: الجلباب. وعن الحسن ﵁ قال: تمشي وتصلي في خمار ودرع. وأما نظر المحرم إلى الشعر، ولمس البنفقة أو التعظيم، فقد جاء عنه: أن الحسن والحسين رحمة الله عليهما دخلا على أم كلثوم أختهما وهي تمشط. وأن عبد الله بن الزبير دخل على عائشة ﵂ تزين عذرها. قبل أبو بكر ﵁ رأسها فقالت: يا أبت ألا عذرتني، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا قلت ما لا أعلم. ولا ينبغي للمرأة المسلم أن تبدي للمرأة الكافرة، ما جعل لها إبداؤه من رتيبها لأهل دينها، أن الله قال: ﴿أو نسائهن﴾. وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل دينها. وسئل عبادة بن أنس عن اليهودية والنصرانية تقبل ولد المسلمة فكره ذلك. وقال سليمان بن موسى: هذا مكروه. وقال أبو بكر ﵁ لابنه له إذا أحضر شارب الغلام، فلا تجلسي عنده ولا تضعي جلبابك، ولا تسوكي عنده، ولا تضعي سواكك إليه، ولا تكتحلي عنده، ولا تضعي كحلك، ولا تتحمي عنده، ولا تضعي خاتمك عنده، ولا تضحكي إليه، ولا يضحل إليك، وامري نساءك بهذا. يحتمل معنى ولا سواكك ولا كحلك ولا خاتمك أي عند الغلام بعدما بلغ لئلا يلبس جلبابها ولا يتختم بخاتمها ولا يتسوك بسواكها، ولا يكتحل بمرودها من كحلها. والنظر إلى الوجه والكفين من الأجنبية وإن كان مباحًا لا لشهوة، فإن لمس السبابة والتعظيم ليس إلا لمحرم دون الأجنبي. فإن رسول الله ﷺ روى عنه أنه كان لا يصافح النساء في البيعة. وروى أنه أجابه: كانت توضع وقتها ماء فيدخل النبي ﷺ في يده، فإذا أخرجها أدخلت المرأة يدها مكان ذلك منه لهن، كالمصافحة للرجال. رأيت امرأة جلس إليها من لا يحل له النظر إلى شعرها ولا إليها غير مختمرة، فلا ينبغي أن تجلس عنده في خمار رقيق وجلباب رقيق ما تحتاجه، فإنه روى أن النبي ﷺ استيقظ ليلة

стр. 1323

فقال: (سبحان الله، فإذا أنزل الله الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخير، أين من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسيه في الدنيا عارية في الآخرة). وروى أن دحية الكلبي لما رجع من عندهن قد أعطاه رسول الله ﷺ قبطية، فقال: (اجعل خديعًا لك قميصًا، واعط صاحبك صديعًا يختمر به- والصديع النصف وهو كالشقيق والشق- ثم قال له: مرها تجعل تحتها شيئًا لئلا تصف). وذكر أبو هريرة ﵁ ربة ثياب النساء، فقال: الكاسيات العاريات الناعمات السنيات. ورحل نسوة من بني تيم ابن مرة على عائشة ﵂، عليهن ثياب رقيقة. فقال عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا لباس المؤمنات. وإن لم تكن مؤمنات فتمنعنه. وأدخلت امرأة عروس على عائشة ﵂، وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم يوص بسورة البقرة أمراء لبسوا هذا؟ وإنما أنكرت عائشة أفراد الرقيق الذي تصف ما تحته باللبس، ولو كان تحته غيره لم يكره، لأنه ليس في زنة الثوب ما يحرمه. ولا ينبغي للمرأة أن يطيل ذيلها أكثر ما يحتاج إليه ليستر قدميها، وكان رسول الله ﷺ حد لذيل المرأة شبرًا، فقالت أم سلمة: لا يكفيهن، فقال: (ذراع). وليس هذا إن شاء الله بوقتنا لازمًا، وإنما المراد ما تقع به الكفاية. ولا تخرج بالنهار إلا عن ضرورة، فإن عمر ﵁ كان لا يدع امرأة تخرج نهارًا. وقال الحسن: إن كانت المرأة لتنخرق خصرها ومجلسها منه أخصر، وإن كانت المرأة لتخرج من الحاجة فترى الرجل فيخر فيقع. وعن الحسن قال: إن كان الرجل ليخرج من منزله أول النهار فما يرجع حتى يرتفع النهار،- وذكر: وسط النهار-، فما يرى امرأة في الطريق. وقالت امرأة عبد الله بن مسعود لابن مسعود: اكسي جلباب الله الذي جلبك،- يعني بيتك-. ولا ينبغي للمرأة أن تخرج إن خرجت من بيتها متطيبة ولا لابسة شهرة من الثياب، لا إلى مسجد ولا إلى سوق، ولا إلى بيت جارة. قال رسول الله ﷺ للنساء: (إذا خرجتن إلى مساجد الله فأخرجن بغلات وألصقن بالخدرات ولا تمسسن طيبًا).

стр. 1324

وقال عمر ﵁: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كان لها حاجة أن تخرج في اطمارها أو اطمار جارتها مستخفية لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها. وقال ابن مسعود: أن المرأة تلبس ثيابها، فقال لها: أين تذهبين، فتقول: أعود مريضًا، أشهد جنازة، آتي المسجد فأصلي فيه. فقال لها: ما تريدين إلى ذلك؟ فتقول: أريد وجه الله، ولا والذي لا إله غيره ما طلبت وجه الله بمثل ذلك إلا أن تتقي الله وتقعد في بيتها. ولا يحل لامرأة أن تصل شعرها بشعر إنسان، ولا شعر ما لا يؤكل لحمه، فإن وصلته بشعر ما يؤكل لحمه لزوجها فلا بأس وكذلك الوشم. لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. ولا ينبغي لها أن تدع الخضاب فإنه يروى أن رسول الله ﷺ رأى امرأة لا تختضب فقال: (تدع إحداكن يدها حتى كأنها يد رجل، فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت). ودخلت امرأة على عائشة ﵂ وهي مبيضة أظفارها فقالت: مال هذه التجارة، غيري أظفارك. وأرسلت أم الفضل بين يزيد بن المهلب إلى أنس بن مالك ﵁ تسأله عن الخضاب، فنهانا عن النقط وأمرها بالعشر. ويروى عن عمر ﵁ قال: يا معشر النساء، إياكم والنقش والتظاريف، وإذا اختضبت إحداكن فلتخضب إلى هذه- وأشار إلى الكوع-. ويتسحب للمرأة أن لا تتعطل، وتكون في عنقها قلادة من سير في خرز. فإن ذلك يروى عن رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: لا ينبغي للمرأة أن تكون بغير قلادة أما بخيط أو بسير. وقال أنس ﵁: يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سير. وقيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، كيف ترين في حق المرأة عن حبيبها، فقالت: أميطي عنك للأخرى وتتصنع المرأة لبعلها بما شاءت. وقيل لها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والصباغ والتماغر، والقرطين، والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا. وسألت امرأة عائشة

стр. 1325

رضي الله عنها عن كلف بوجهها: هل تداويه؟ فقالت: إن كنت ولدت وهي بلك فلا تحركيه وإن كان شيء حدث فداويه. وعندها ابن أخت لها وبوجهه أثر الجدري، فقالت: وددت أني وجدت من يذهب عنه هذا عن وجهه. ولا ينبغي للرجل إذا أقرب أهله أن يكشفها، فإنه يروى عن رسول الله ﷺ قال: (إذا جامع الرجل أهله فليلقين عليها ثوبًا، ولا يتعريا فعل الحمارين، فإنه إذا فعلا كذلك خرجت الملائكة من بيوتهما). وفي رواية أخرى، قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم أهله فليستر، ولا يتجرد تجرد البعيرين). وسئل الحسن عن الرجل يكون له جاريتان في بيت فيطأ إحداهما، فكره ذلك. أو قال: كرهوا ذلك. فقيل له: ما يكره من ذلك؟ قال: الفحشى. وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ أنه نهى عن دخول الحمامات، ثم أذن للرجل أن يدخلوها بالمئزر، ونهى النساء عن دخولها بالإطلاق. وذلك لما بنى عليه أمرهن من المبالغة في الستر، ألا ترى أن الواحدة منهن لا تخرج عطرة من بيتها كما يخرج الرجل. وأن النساء إذا اجتمعن على الصلاة تقوم أمامهن وسطهن ولا تتقدمهن كما يتقدم أمام الرجال. وأن المرأة إذا صلت لا ترفع صوتها بالقراءة في صلاة قط، وإنها لا تؤذن كما يؤذن الرجال. فكذلك لا تدخل الحمام متغطية، وإن دخل الرجل بعد أن تستر. وروى أن نساء دخلن على عائشة ﵂ من أهل الشام قالت لهن: أتين من اللائي يدخلن الحمامات، ما من واحدة تضع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت الستر فيما بينها وبين الله. فإن قيل: قد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بالاستحياء، فقال: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم﴾ الآية. فلو كان حد الحياء خوف الذم لما استحى النبي ﷺ ، لأنه لم يكن يخاف من أحد ذمًا، وقد جاء في صفته: إنه كان أشد حياء من العاتق في

стр. 1326

خدرها. وهذا يدل على معنى الحياء غير ما ذكرتم. وقد يرى أن الصبيان الذين لا يدرون الحمد والذم يستحيون، فلو كان معنى الحياء ما ذكرتم لم يوجد الحياء إلا من عارف بالذم. فالجواب أن استحياء النبي ﷺ هو أن لا يفعل ما يمنع خوف الذم غيره من فعله، ولا شك أن غير النبي ﷺ لو يبرم بضيف، قد فرغ من الطعام والرياء، لكان الذي يمنعه من أن يخرجه من المنزل أو يقول: أبرمت لكم خوف الذم، وأن يقال: كان أول هذا الذم دعاء وآخره جفاء. فإذا وقع هذا النبي ﷺ وهو من البشر، كان من هذا في قلبه ما يدور في قلب غيره فذلك حياؤه. وأما الصبيان فإن وجود الحياء فهم لا يبطل أن يكون حقيقة الحياء ما قلنا، لأن الحياء ما جبل الناس عليه في كثير من الأشياء فهم يستحون، وإن كانوا لا يدرون ما الحياء، كما يجوعون ولا يدرون ما حقيقة الجوع ويعطشون ولا يدرون ما أحقية العطش، وينامون ولا يدرون ما حقيقة النوم، فكذلك يستحون وإن لم يدروا ما حقيقة الحياء. على معنى يمنعون من فعل ما لا يمنع من مثله إلا خوف الاستنكار والذم، وإن كانوا لا يخشون بذلك من نفوسهم، لكنهم لا يخلون من نفور يجدونه في قلوبهم، وذلك النفور حيلة، كما أن كراهية الذم حيلة، وحب المدح حيلة فما الصبي بنفور قلبه ولم يدر علة النفور حتى إذا عقل أدرك، سيكون الفعل من جنس ما يذم فاعله، أو ما يخشى أن يكون كذلك. وفي هذا بيان أن وجود الحياء من الصبيان لا يبطل ما حددنا به والله أعلم.

стр. 1327

الخامس الخمسون من شعب الإيمان وهو باب في بر الوالدين قال الله : ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا، حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا، وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي، أني تبت إليك وأني من المسلمين﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن، وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالدي إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم، فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لئن يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه). وإنه قال: (رضاء الله مع رضاء الوالدين، وسخط الله مع سخط الوالدين). ولن تختلف الأخبار في أن عقوق الوالدين من الكبائر. وفي حديث

стр. 1328

شهر رمضان: أن جبريل صلوات الله عليه قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له، فقال النبي ﷺ : (آمين). وبالجنين أن يكون لحق الوالدين هذا التغليظ، فإنهما سبب لكون الولد ووجوده، والفضائل كلها تعقب الوجود. فما صار سببًا له فهو سبب لها، وكفى بهذا حقًا عظيمًا وذمًا أكيدًا. ثم الأم أعظمها حقًا وأوجبها حرمة لأن شغلها للولد أكثر، فإنه من الرحم يحدث، ثم يكون فيه إلى أن يتم خلقه، وينفخ فيه الروح. وتقاسي الأم في ولادته وتربيته ما لا خفاء به. والوالد خلي هذا كله. فوجب إذًا (أن يكون حق الأم أعظم وحرمتها أكد. فأما نسبة الولد، فإنما كانت إلى الأذن دون الأم لأن المراد منها الشهر والتعريف، وأمر النساء مبني على الستر فلم تقع الإضافة إلى الأم ما هو المراد من الشهر، والتعريف إذا كانت العادة أن الأم بنفسها غير معروفة ولا مشهورة، ويستحيل أن يقع تعريف المجهول بإضافته إلى مجهول مثله، أو أشد جهالة منه، فلذلك أنهي بذكر الأب وصف ذكر الأم عند الدعوة، ومما يبين حق الأم أنها أخص بالولد من الأب، لأن الولد لابد له من الأم. فأما الأب فله منه يد، لأن الله قد خلق عيسى ﵇ من أب منخلق، وكونه فتكون. فلما كان الذي طرق وجوده الولادة تقتضي الأم وتنبغي بها، ولا تقتضي الأب. علمنا أن الأم أخص بالولد من الأب. فإذا كان للأبوين من الحق ما لا يكون لغيرهما، كان للأم من الحق ما لا يكون للأب. وبين ذلك أيضًا أن الأبوين يشتركان في الولد ثم يكون من الأم الرضاع الذي لو وقع من أجنبي لأوجب قربًا وألزم حقًا، فصار للأم في الولد سببان ولأبيه سبب واحد. فعلمنا أن حق الأم أوجب وأعظم. وجاء في بعض الأخبار أن امرأة أبي الأسود الدؤلي خاصمته إلى بعض القضاة في ابن لها منه أراد أن يأخذه منها، فقالت المرأة: أيها القاضي، إن هذا الصبي كان بدني له غذاء، وحجري له وقاء، وجوفي له وعاء، فالآن لما كبر، قد عزم أن يفجعني به، فقال أبو الأسود: إن كان كذاك فقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت المرأة: حملته خفًا وحملته ثقلًا، ووضعته حياء ووضعته كرهًا. فقال القاضي: قد خصمتك، خذي ولدك.

стр. 1329

فصل وقد اختلفت الدلائل في كون الجنين، فذهب بعضهم إلى أن يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد في الدم الذي يكون فيه. وذهب غيرهم إلى أنه يكون من ماء الرجل والمرأة معًا. ومن قال بالقول الأول، قال: إنما نسب إلى الأب ولم ينسب إلى الأم لأنه خلق من ماء الأب ولم يخلق من ماء الأم. وذهب إلى أن حق الأب ألزم وأعظم لأنه جزء منه منسول من بدنه وليس بسلالة من الأم، واحتج بقول الله ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾. وقوله: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى﴾ فدل ذلك على أن الخلق كان من ماء واحد. ومن قال بالقول الثاني: قال: إنما ينسب إلى الأب دون الأم لما سبق بيانه ولأن القيام بصالحه كلها من النفقة وغيرها عليه. أما الخلق فإنه منهما. وذهب إلى أن حق الأم أعظم وأوجب، واحتج بقول الله : ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ وقوله: ﴿خلق من ماء دافق يخرج بين الصلب والترائب﴾. وقال: أراد به أصلاب الرجال وترائب النساء. ولأن المرأة تمني كما يمني الرجل، ولو لم يكن منها خلق لم يكن لها شيء. وبأن النبي ﷺ سألته امرأة عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها الغسل. فقالت لها أم سلمة: فضحت النساء وهل ترى المرأة ذلك؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، يكون شبه الخؤول والعموم، إذا علا ماء الرجل أشبه الولد الرجل، وإذا علا ماء المرأة شبه الولد المرأة) ثم قال النبي ﷺ : (إذا رأت إحداكن الماء الدافق فلتغتسل). ومن ذهب إلى هذا، قال: ذكر الله أنه خلق الإنسان من السلالة والنطفة ولكنه لم يصفه إلى أحد الأبوين دون الآخر كالسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة قوله : ﴿خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾. وقد

стр. 1330

قال في قصة الطوفان: ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾. وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لأن الالتقاء لا يكون إلا من اثنين، فلا ينكر أن يقول: ﴿خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ ويريد ماءين والله أعلم. فصل ثم أن الله ﵎ كما وصى بالوالدين الإحسان وكرر من حقوقهما ما عسى يعقل الأولاد عنه، كذلك للأحكام بين الوالدين والمولودين على ما يقتضيه الأصل الذي سبق وصفه، فمن ذلك أنه نهى عن انتهار الوالدين وأمر بالتواضع والذلة لهما من الرحمة وقيل في الرحمة: أنها صفة مركبة من الحب والجزع، وهذا من الآدميين، فلا يجوز مثل هذا على الله، فأمر الولد أن يحب والديه، وأن يكون قلبه لهما بحيث لا يحتمل أن يصيبهما أذى أو يمسهما سوء بألم من أدنى مكروه يصل إليهما. فإذا كان من الحب لهما بهذه المنزلة، فذلك هو الرحمة، وهو إذا وجدها في قلبه لهما، لم يكن منه انتهار لهما ولا مفارقة لطاعتهما إلا أن يكونا كافرين، ويأمر الوالد بالكفر، أو يكونا فاسقين، فيدعو الولد إلى الفسق فيحرم عليه أن يطيعهما، لأن الله أولى به منهما، وحقه أولى وأعظم من حقهما، وهو يأمره بخلاف ما يأمرانه به، فطاعته أولى من طاعتهما، ومن ذلك أنه أبطل القصاص عن الأبوين إذا قتلا أو أحدهما الولد. ومعنى ذلك أنهما كانا سبب وجود الولد، فإنهما قبلة قضى الله تعالى عن الوالد حقه، لأن القتل لأجله، فيكون بقاؤه بعدما قتل ولده حرًا لكونه سببًا لوجود الولد في الابتداء. وكذلك إذا قتل ولد والده لم يقتله ولده قصاصًا لهذا المعنى بعينه. ومن ذلك أنه إذا قذف ولده لم يجلد، لأنه كان سببًا لكل فضيلة من فضائل الأحياء نالها الولد، فجعل ترك الجلد عليه لئلا ينادي به، ولا يألم منه قضاء بحق الولد عنه، فيما كان للولد سببًا لوصوله إليه من نعمة الحياء وغيرهما. ومن ذلك أن الولد إذا ملك أبويه عتقًا عليه لأنهما كانا سببًا لوجوده، وكل ما تبع الوجود من الفضائل فلم يسلط عليهما

стр. 1331

بالاسترقاق، لأن حقهما عليه يقتضي أن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة. والاسترقاق استصغار واستذلال، فاستحال يستذل من أمر بالذلة لهما، ومن ذلك وجوب النفقة لهما عليه عند الحاجة ليكون سببًا لبقائهما عند حاجتهما إلى معونته، كما كانا سببًا لوجوده. ومن ذلك أن على الابن أن يعف أباه إذا عاد وبصق. وقدر الإبن على إعفائه ليصونه عن الرجم والجلد فلا يناله واحد منهما من قبله، قياسًا على أنه لو قتله لم يضل لأجله، ولو قذفه لم يجلد لأجله. فكذلك لا ينبغي أن يناله في بدنه رجم ولا جلد من قبله، ولو لم يعفه وهو قادر على إعفائه، حتى أوقعه السبق في أحد الحدين لكان ذلك قد أصابه من قبله، لأنه قادر على دفعه عنه بالاعقاف ولم يفعل. فثبت بذلك أن عليه إعقافه. وذكر بعض العلماء أن الأب لا يحبس في دين الابن، ولم يختلفوا في أنه لا تقطع إذا سرق مال الولد. ومعناه ما مضى، أن ابن الأب سبب لوجود الولد على ما هو عليه من كمال خلقه وتمام إعطائه، فجري عنه بأن لا ينقص شيء منه لأجله، ومن ذلك أن أحد الأبوين إذا وهب لولده شيئًا وسلمه إليه، كان له أن يراجعه إن بدا له. قال النبي ﷺ : (لا يحل لأحد أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده). ومعنى ذلك أن الوالد لا يعطي ولده ماله إلا استزاده به من بره. ولا يرجع عطيته في الغالب إلا لعقوق يظهر منه. فإذا كانت العطية لاستزاده إليه فكانت فيهما عقوق، كانت كما لو وقعت شرط ثواب، فلم يوصل إلى الثواب. وإذا كانت أحكام الله تعالى موضوعة على ما وضعت، فواجب على الولد أن ينهج في تعظيم الأبوين وطاعتهما المنهج الذي يليق بهذا الموضوع. فإذا أصبح تقدم إلى الأبوين تقدم العبد إلى سيده وسلم عليهما، أو حياهما بأحسن ما تكون التحية، وانتظر ما يأمرانه به ويمثلانه به، فيبلغ فيه ما يسرهما ويرضيهما عنه إن قدر ولم يحل دونه حائل. فإن كان له عذر أخبرهما به غير متضجر من أمرهما ولا مستقل إياه على أرفق وجه وأقربه إلى أن يستوحشا عنه ولا يظنا به خلاف ما عنده، وكان في عامة الأوقات لهما كما يحبان ويرضيان. فإن احتاجا إلى ماله لم يبخل به عليهما. وإن لم يكن له مال، وكان له كسب واحتاجا

стр. 1332

إليه كسب عليهما كما يكسب على نفسه، ووفاهما كل ما يفيه نفسه. وإن أراد الجهاد متطوعًا ولم يكن فقيرًا، فمعناه قعد، لأن النبي ﷺ قال للذي يريد الجهاد: (هل لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما الجهاد). وإذا كان هذا مما يؤمر به إذا كان له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، فهما إذا صرحا بالنهي كان ذلك ألزم له وأوجب عليه. وإن خرج إلى الجهاد وهما لا يعلمان، أو علما ولم يتهيآ، أو أذنا ثم بدا لهما فأرادا رده، فواجب عليه أن يرجع ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا لم يجز له أن يرجع. وهكذا إذا منعاه من حجة التطوع، وإن خرج بإذنهما أو بغير إذنهما، فأراد رده، وجب عليه أن يرجع ما لم يحرم، فإذا أحرم لم يرجع حتى يكمل نسكه. وإذا كان للولد سوق يتجر فيها، فأراد أبواه أن يقيم عندهما ولا يفارقهما، فينبغي له، إن لم يكن له إلى التجارة حاجة، أن ينصب في السوق من ينوب عنه، أو يقارض ماله رجلا ويقعد عند أبويه. وإن كانت له إلى الكسب حاجة، فإن قدر على كسب لا يحتاج إلى مفارقتهما إلا آثر ذلك الكسب على غيره، وأقام عندهما. وإن احتاج إلى الكسب ولم يجد بدًا من الخروج، خرج أقل ما يكفيه ولم يشقق عليهما، عيفا وقته، ثم عاد إليهما واعتذر، وسأل أن يعفوا عنه ويستغفر له والله أعلم. وإذا احتاج الأبوان إلى خدمة يصلح الولد لها، فينبغي له أن يفيهما ولا يكلهما إلى غيره، وإن لم يصلح لها بنفسه، وقدر على ما يصلح لها بملك وأجاره وتحمل من دين ما يقضي به الحاجة، وتنزاح العلة. وينبغي له أن تكون عامة ما يؤديه من حقوق والديه ويتقلد مكانهما من إحسان مقرونًا باليسر والطلاقة والسلاسة، لا يريان منه تكرهًا وضجرًا ببغضه عليهما. ويجتهد في أن لا يمر به زمان وإن قل وهما عنه غير راضين فيه. وكلما ازداد لهما برًا وإكرامًا، فإن الله تعالى حقق هذه الحال بالذكر فقال: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف﴾. إنما فعل ذلك- والله أعلم- لأن قلوبهما عند ذلك تكون أرق وأخلاقهما أضيق فكان استرضاؤهما على الولد أشق. فكذلك زاده الله تعالى وصية بهما في هذه الحالة فوق ما وصاه بهما في عامة الأحوال.

стр. 1333

وفيه وجه آخر وهو أن الأبوين إذا كبرا فقد أشرفا على المفارقة، فينبغي أن يكون الولد في ذلك الوقت أرأف بهما وأشد ولوعًا وكلفًا بهما، وأن يزودهما من بره وشفقته وحسن طاعته ما يقدر عليه. ويتزود من رضاهما عنه ودعائهما له ما يرجى أن يكون سببًا لنجاته في الآخرة، أو لزيادة درجات الثواب في الجنة والله أعلم. فأما الذي قال النبي ﷺ فيمن أدرك أبويه الكبر أو أحدهما، فلم يغفر له، فإنما أراد به أن من وسع الله تعالى له المهلة من مجاورة أبويه، فكانا معه إلى أن كبرا، ثم لم يكن منه في جميع الأيام ما يقضى عنه حقهما، ووجب له رضاهما، ويحملهما على أن يدعو له بخير فلا غفر الله له. وهذا على الحقيقة عظيم. ومما ينبغي للولد أن يشكر به والديه أن يديم الدعاء لهما بالاستغفار، وسؤال كل خير يسأله الله تعالى لنفسه من عاقبته وصحته وغيرهما. فإن الله قد قال: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغير﴾. وحكي عن إبراهيم صلوات الله عليه أنه قال لأبيه: سأستغفر لك ربي، وأنه لما يبين له أنه عدو لله، كان يستغفر له ويقول: لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء تصديقًا منه بوعده الذي كان وعده بربه بذلك، إن هذا القضاء ما يقدر عليه له، وللإجابة بيد الله تعالى. فإن لم تكن في حكمته أن يجيب، فليس علي من ذلك شيء. فثبت بهذا أن الاستغفار للوالدين من أعظم ما يقضي به حقوقهما، وكل دعاء يدعو به المرء لنفسه ما يريد به صلاح دين أو دنيا، فهو نظر للاستغفار والله أعلم. ومن جملة حقوق الوالدان لا يرغب الولد عنه وينتسب إلى غيره. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) وفي رواية أخرى: (من رغب عن أبيه فقد كفر). ومعنى هذا أنه فعل ما كان أهل الجاهلية يترجعوا فيه لكفرهم. فإذا قد جاء الإسلام ووقع الحكم بأن لا ينقل النسب ولا يحول، فليس لأحد أن يرغب عن أبيه الذي ولده، فإنه وإن انتسب إلى غيره لم يضر ذلك

стр. 1334

الأجنبي أبًا بانتسابه إليه. ولا ينفك الذي ولده أن يكون أباه وإن لم ينتسب إليه، ولا تحصل من ذلك إلا على جفاء الأب وبخسه حقه وإبخاسه من نفسه، وذلك من أعظم الحقوق، والعقوق من الكبائر. ومن حق الوالد، قيل. إن رجلًا قام إلى ابن عمر ﵄ فسأله، فألقى إليه عمامته، فقال: بعض القوم لو أعطيته درهمًا لأجزاه، فقال ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ : (إن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه). وإن هذا كان من أهل ود عمر. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آذى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض). وفي حديث (لعن الله من عتق والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه). وعنه ﷺ : (إياكم وعقوق الوالدين، فإنه ما تنسم ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم). وفي بر الوالدين قال رجل لرسول الله ﷺ : من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب) وقال ابن مسعود ﵁ سأل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله). وقال النبي ﷺ : (رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد). وقال رسول الله ﷺ : (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر: قال: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين). وروى أن رجلا أتى

стр. 1335

النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: (هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل من خالة؟ قال: نعم! قال: فبرها). وقال النبي: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده). ومن بر الوالدين قال النبي ﷺ قال: (لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر). معنى لا يرد القضاء إلا الدعاء أي القضاء الذي صدر من الله تعالى عامًا لقوم. فإذا استعصم أحدهم بالدعاء دفعه الله عنه، فيصير مخصومًا من بينهم، ويكون ذلك ردًا للقضاء العام عند الله، كان إلا شمله في الظاهر، ثم يكون ذلك دعاء الواحد لنفسه، وقد يكون دعاء غيره له. وذلك مثل أن يأمر الملائكة بتغريق قوم أو بهدم بيت على قوم أو إرسال نار على قوم ونحو ذلك. وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني إلى الله. قال: (هل لك والدة ووالد؟ قال: نعم. قال: فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل اليسير). وجاء في حق الوالدين أنه ﷺ قال: (من البر أن تصر صديق أبيك). وجاء عنه ﷺ قال: (لا تبغض والديك، وإنما أمراك أن تخرج من الدنيا كلها فاخرج). وعنه ﷺ : (من أحب أن يمد له في عمره ويزداد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه). وعنه ﷺ : (لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منان). وفي رواية
следующие страницы →