Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
كان فيه على ما هو عليه أو مكسورًا منعه من جنس المنافع المطلقة، ولم يكن غنيًا يجيبه، فالبيع فيه ماض إلا أنه من المشرك مكروه، ولا يبتع المسلم من الكافر عصيرًا يرى أنه يجده خمرًا ولا من الكافر سلاحًا، فإن فعل فالبيع مفسوخ. ولا ينبغي لمسلم أن يقود أباه الأعمى إلى الكنيسة أو البيعة أو موقد النار. فإن كان أبوه في بعض هذه الأماكن، وأراد الرجوع فله أن يقوده إلى بيته ومنزله. وهذا إذا قاده إلى هذه المواضع، فيعمل ما يرون أنه صلاة وعبادة. فإن كان له فيها شغل يحل الذهاب إليه، فله أن يقوده ليبيع فيه حاجته.
ولا ينبغي للمسلم أن يؤاجر نفسه أو دابته كافرًا في حمل خمر أو خنزير أو عنب يعصر خمرًا فإن أجره نفسه فيما يحل، وهو محتاج إلى ذلك فلا بأس وإن كان له مندوحة عنه فليجتنبه، وبعض ذلك شر من بعض. فإنه إن أجره نفسه مشاهدة أو مشابهة، فذلك أحق بالكراهية من أن يؤجره نفسه في عمل يعمل له يومًا أو يومين أو أقل، ثم يتركه. وإن أجره نفسه في سياسة دوابه، فهو خير من أن يؤاجره نفسه في خدمة بدنه، لأن دابة الكافر خير من الكافر. ومن هذا الباب مجانبة الظلمة.
وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بعث الله ﵎ من نبي إلا كان بعده خلفًا، يقولون ما يفعلون، ويفعلون ما يؤمون، وسيكون بعدي أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
قالوا. كيف نصنع يا رسول الله؟ قال: من اعتزلهم سلم منهم ونجا، ومن كان معهم هلك).
وعن ﷺ قام خطيبًا، فقال: (ألا أني أوشك أن أدعى فأجيب، وليأتكم بعدي عمال يقولون ما يفعلون، ويعملون ما يعرفون، فطاعة أولئك طاعة، فيلبثون بذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون: ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك الذين هلكوا وأهلكوا. قالوا: فصف
стр. 1437
لنا ما نصنع إن أدركنا ذلك؟ قال: خالطوهم بأجسادكم، وقاتلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن منهم أنه محسن، وعلى المسيء منهم إنه سيء والله أعلم).
ولا ينبغي للمسلم أن يقبل هدية مشرك، لأن النبي ﷺ رد هدية مشرك، وقال: (أنا لا نقبل زبد المشركين). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن الهدية تعلق بالقلب فتميله نحو المهدى، ولأنها في الثروة تقتضي المكافأة. فإذا وقع التهادي بين المسلم والكافر صار ذلك من جوالب الردة، ولا ينبغي للمسلم أن يواد كافرًا.
ويحتمل أن يكون الزبد اسمًا للعطية أن يصدر من المعطى عن ظاهر لا حقيقة له، فيكون كالزبد على ظاهر الماء لا أصل له. وإنما هو طاف فوقه. وسمعت من يسمي الكلام الذي لا حاصل له زيدًا، ويذهب به إلى قول الله : ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ أي أنه لا فائدة فيه ولا معنى له.
ولا ينبغي للمسلم أن يفشي إلى كافر سرًا لأنه عدو الله تعالى، وأنه خائن لله ورسوله ولنفسه، فلا ينبغي له أن يأمنه. فإن كان ذلك من أمر دار الإسلام أو جيش المسلمين، أو إمامهم، أو عامتهم، فهو أدهى وأمر. ولا ينبغي للمسلمة أن تنكشف للكافرة، فترى منها ما لا يحل للرجل الأجنبي أن يراه، لأن الله يقول: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ ولا أن يضمن عن ذمي جزية، ليخفف عنه بضمانه، أو يدفع به صغارًا عنه، ولا أن يكفل نفسه لئلا يحتسب. فأما إن دفع عنه ظلمًا يراد به، فذلك من حقوق العهد، وليس من الود والإشفاق بسبيل. وإذا أراد المسلم نزول سكة أو حانوت، فليعلم جيرانه، ويتحرى أن لا يكون جاره كافرًا، وينأى عنه ما أمكنه. لقول النبي ﷺ : (لا تراءى ناراهما). فإن حدث له جار كافر فلا بأس عليه أن أقام موضعه. ولا ينبغي لفعله المسلمين وصناعهم أن يعملوا للمشركين كنيسة أو بيعة، أو صليبًا أو منبرًا. فأما غزل الزنار ونسجه فلا بأس به، لأن ذلك صغار لهم.
стр. 1438
ولا ينبغي للإمام أن يأذن لذمي في إحياء شيء من موات دار الإسلام، ولا أن يقطعه معدنًا من معادنها. فإذا اتخذ الإمام سيافًا أو جلادًا، فلا يجعلنه من المشركين، ثم يسلطه على المسلمين، فإنه يتشفى منهم بما ينالهم به، وذلك صغار بالمسلمين. فينبغي لإمامهم أن يصرفهم عنه، ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم، فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ ، ففيهم نزل قول ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله، إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾. وقوله تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما. يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله وهو معهم، إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾. معنى قوله ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ والنهي عن المجادلة والمخاصمة في هذه الآية، وإن كان للنبي ﷺ لفظًا، فالمراد به: الذين كانوا يفعلونها من المسلمين دونه، لوجهين: أحدهما أنه إبان ذلك بما ذكره بعد، بقوله ﴿هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾. والآخر: أن النبي ﷺ كان يتيمًا بينهم حكمًا فكان من يعتد، يعتذر إليه، وهو لا يعتذر لحد إلى غيره. فصح أن الذمي وإن كان له لفظًا فليس له قصدًا، لكن لغيره والله أعلم.
ولا ينبغي للمسلم أن ينظر في كتب المشركين، وما الفوه من آرائهم، وأبدوا به من مقالاتهم، وهجنوا به مذاهب غيرهم، قبل أن تحكم قواعد دين الله تعالى، ويرسخ في علمه، ويستبصر بأصوله وحججه. فيكون نظره في أعدائه، وأعداء رسله صلوات الله عليهم، بعد ذلك مقرونًا بما يريه الله تعالى عند الهجم عليها من فضائحه وعوراتها وقبائحها، فيميز المناقضات، ويبين الشبهات، ولا يترك دعاويهم وشرحهم أقوالهم منازل الحجج، فيعتمدها اعتماد ما قد يرى وضح الحق فيه، وقام دليله. ولا يقبل تشيعهم على من يخالفهم قبول من يرى أنهم هم المحقون وغيرهم المبطلون. فإن أكثر من اغتر بقول الفلاسفة وهلك بكتبهم، إنما أتي من قبل أنه افتتح بها، فسمع ما يسمع من آرائهم قبل أن يكون
стр. 1439
له بدين الله تعالى علم قليل، أن كثير، أو بآياته وبيناته وحججه الباهرة القاهرة. وبغير يسيره وخطيرة، فلا تسموا بالحكمة وسماهم الناس بها، وظهرت لهم في علم الأبدان وغيرها آثارها كثيرة، يأتون فيها بالفضل والبراعة، فظن أن منازلهم في علم النبأ العظيم الذي هم عنه معرضون. وللأمر الكاتف الجسيم الذي هم فيه متحيرون كمنازلهم فيما أدركوه ووفقوا له فأصابوه، فقبلوا قولهم تقليدًا بلا استبصار، وتعظيمًا لهم من غير نظر واعتبار، فضلوا عن الصواب، وأخطأوا سبل الرشاد. وهو عليهم قول الله تعالى ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. وأيما مسلم جلس إلى بعض من حقت عليه الضلالة، فسمعه يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله، فحرام عليه أن يقضي عنه ويسامحه بترك الإنكار عليه، بأن كان لذلك أهلًا. فإن كان يقصر عن ذلك، فإن يرفعه إلى الأمام. أما الوالي والقاضي وأكبر علماء المسلمين في بلده ليزجره، يعمل به ما يستحقه. وإن لم يقدر على شيء من ذلك فليفارقه، ولا يقم عنده، وهو غمه في طغيانه، وتأبيط بالباطل لسانه، قال الله : ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفره بها﴾ الآية إلى آخرها. وقال:﴾ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.
وهذه الآية مكية. وكان النبي ﷺ بمكة لا يطيق مدافعة المشركين، فلهذا- والله أعلم- قصر فرضه عن الإعراض دون ما زاد عليه، ومن لم يفعل شيئًا مما ذكرنا، ولا هو أنكر ولا رفع الأمر إلى من يغيره، ولا قام فاعتزل، بل لزم مكانه يسمع ما يجري فيه من الباطل فلا يعتني به، لا يجد في قلبه منه ما يهزه ويزعجه، كان ممن قال الله ﴿إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾. ونعوذ بالله من هذه الحال، وبالله التوفيق.
فصل
والفساق في كثير من المعاني التي سبق شرحها كالكفار، فلا ينبغي لعدل أن يلاين فاسقًا، لأن ملاينة العدل الفاسق، تجسر الفاسق وتخذل العدل. فلا ينبغي له أن يذل
стр. 1440
نفسه ويعز فاسقًا، كما لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ويعز كافرًا، ولأن العدل إذا لاين فاسقًا لا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق العدالة لا في حق نفسه، وليس له هذا كما أن المسلم إذا لاين كافرًا، لا عن عذر أو ضرورة إلا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق الإسلام لا في حق نفسه، ولم يجز ذلك له ولا وسعه. ومن ملينة العدل الفاسق أن يراه مجاهرًا بفسقه وهو يقدر على ردعه فلا يردعه لحرمة عنده، أنه يرعاها له. وهذا كثير، لأنه يبع بالدنيا ورفض الأمانة، ودخول في جملة أهل الخيانة، والله يقول: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾، وما بقي من القول في هذا فسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فصل
فأما ما جاء عن بعض المتقدمين أن المسلم يعزي المسلم إذا مات أبوه النصراني، فيقول له: أعظم الله أجرك وخلف عليك. ويقول للنصراني إذا مات ابنه: اخلف الله عليك ولا نقص عددك. فإن وجه قوله في تعزية المسلم بالأب النصراني بين، لأنه إن لم يحزن عليه حزن له، وحزنه له إيمان بالله . فيجوز أن يقال له: أعظم الله أجرك لهذا. ويقال: خلف الله عليك. فمعناه: رزقك الله ولدًا مكان الذي سلبك، ولا نقص لك عددًا. أي فعل بك ما سألت فلا ينقص عددك بالذي أخذه. وهذا ليس دعاء أن يكثر الكفار، لأن وفور عدده ليس يكون بأن يكون ولده على دينه. ومعنى هذا القول أن يكون الدعاء له، على رتبة الدنيا. فإن أصل التعزية إنها دعاء. فإذا لم يكن أن يدعي للكافر بحسن المآب دعي له بشيء من متاع الدنيا، فيكون حق جواره، أو حق آخر، إن كان له قد قضى بذلك، والله أعلم.
стр. 1441
السابع والستون من شعب الإيمان
وهو باب في إكرام الجار
قال الله : ﴿وبالوالدين إحسانًا، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾. فقيل في التفسير: الجار ذا القربى، الجار الملاصق. والجار الجنب البعيد عن الملاصق. والصاحب بالجنب الرفيق في السفر. فقال النبي ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى خشيت أنه يورثه). وروى (حتى ظننت أنه سيورثه).
وقال ﷺ : (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). والنبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. وإذا عملت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك).
وقال ﷺ : (لا يشبع الرجل دون جاره). وقال: (يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ومن هذا الباب إكرام الجليس، قال ابن عباس ﵄: إكرام الناس على جليسي. وقال عمر بن العاص: من إكرام الناس على من جليسي الذي يتخطى الناس إلى سيجبرني وكان لا يرفع ركبتيه عن جليسه، ولا يخص
стр. 1442
بوجهه أحد يعطي كل رجل منهم وجهًا. وقال ابن شهاب: كنت مع سعيد بن جبير، فأتاه ناس حتى عظمت الحلقة، فبدا له أن يقوم. فقال: أنكم جلستم إلي، وبدت لي حاجة، أفتأذنون لي أن أقوم إليها؟ قالوا: نعم. قال: ولو كنت أنا الذي جلست إليكم لم أستأذنكم. وروى عنه ﷺ أنه قال: (من أغلب بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس بمؤمن. وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه. أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنه، وإذا استقرضك أقرضه، وإذا افتقر تحدث إليه. وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته. وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطيل عليه بالبناء ولا تحجب عنه الريح إلا بإذنه. وإذا اشتريت فاكهة فاهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرًا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده. ولا تؤذه بقتار قدرك، إلا أن تعرف له منها. أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده، لا يبلغ حق الجار إلا قليل ممن ﵀، فما زال يوصيهم بالجار حتى ظنوا أنه سيورثه).
ثم قال رسول الله ﷺ : (الجيران ثلاثة: منهم من له ثلاثة حقوق ومنهم من له حقان، ومنهم من له حق واحد. فأما الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة. وأما الذي له حقان، فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام. وأما الذي له حق واحد، فالجار الكافر له حق الجوار. قالوا: يا رسول الله، أتطعمهم من لحوم النسك؟ قال: لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين). فهذا الحديث قد أتى على إنابة أكثر حقوق الجار، وما ذكر فيه من النهي من طعام المشركين من نسك المسلمين. قد يحتمل أن يكون أريد به النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه، ولا أن يطعمه الأغنياء. فأما ما لم يكن واجبًا في الذمة، فجاز أن يأكل منه بنفسه ويطعم منه الأغنياء، فجائز له أن يطعمه أهل الذمة.
وجاء في ذلك عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها عند تفريق لحم الأضحية: (ابدئي بجارنا اليهودي) فدل ذلك على أن معنى الحديث ما ذكرته.
стр. 1443
وروي أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي، ثلاث مرات. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وقال ﷺ : (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره). ومما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب قوله: (الجار أحق بسقبه) وقيل معناه: أنه أحق بشرًا ما يباع من جيرته من الرجل الأجنبي. وجاء أن سعد بن أبي وقاص ﵁ عرض داره للبيع وطلب منه ثمانمائة درهم، فما زادها أبو رافع بأربع مائة فقال له: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول (الجار أحق بسقبه) لما بعتكما بأربعمائة. فلقد طلب مني ثمانمائة درهم، فحمله الصحابي السامع له من رسول الله ﷺ ، على هذا المعنى، وإياه فهم منه. وقيل معناه: أنه أحق شفعة بإتباع، إذ كانت الشفعة لا تنيب إلا فيما يمكن. قلت: الشركة فيه جوار بالقسم، فلما أخصت بما يكون فيه الجوار أشبه أن يستحق بالجوار والله أعلم.
وقيل: أراد بالجار الشريك لأن الأغلب أن الشريكين في الدار يشتركان في سكناها فيكون متجاورين بأبدانهما. ولذلك قيل لامرأة الرجل جارته. لأن الأغلب أن الزوجين يتعاشران فيتجاوران بأبدانهما والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى الذي عظم الجوار، هو أن كل واحد من المتجاورين لائذ بصاحبه، آمن بأمانه، لأن أحدًا لا يمكنه أن يسكن أرضًا وحده، فإنه لا يأمن أن يسلب ويجرب فتقتله المجاعة والعري، أو تفترسه السباع، وإذا كثر الناس واجتمعوا على سكنى ببلد اعتقد بعضهم ببعض، فأحرز بكل واحد منهم ماله وأهله وولده، بجيرانه ورفقائه دفع بعضهم عن بعض. وكل من كان ألصق بآخر، كانت هذه الفائدة له من منه أوفر. وكان به من قبلها أخص. فلما فات أن يصل إلى القيام بهذا الحق على جميع أهل
стр. 1444
البلد. أمر بأن يقوم على الأحضين به منهم وهم الجيران. ولهذا كانت الزكاة موضوعة في جيران المال، ولم يجز أن يعدل بها عنهم ما دام يوجد فيهم من يكن وضعها فيه منهم، والله أعلم.
وحد الجوار من كل وجه من البيت إلى أربعين بيتًا. وروى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني نزلت محلة قرم، وإن أقربهم إلي جوار أشدهم لي أبدًا. فبعث النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا يصيحون على أبواب المساجد: إلا أن أربعين دارًا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. وأما قول النبي ﷺ (ليس بمؤمن من لا يأمن بوائقه لأن الجوار سبب الأمن كما يثبت، فإذا أخاف الجار الجار، كان كمن أمنه رجل فعدا عليه فقتله، فيكون قد جازى الحسنة بالسيئة، ولذلك ملوم في الطبائع ومذموم في الشرائع.
فصل
وأما الرفيق في السفر، فإنه جار لأنه والرفيق يتجاوران بدنًا ومكانًا، ولكل واحد منهما في صاحبه من الفائدة والمنفعة مثل ما ذكرنا منها في المتجاورين، في المتجر أو القرية، ولذلك وقعت من الله التوصية به، والله أعلم.
* * *
стр. 1445
الثامن والستون من شعب الإيمان
وهو باب في إكرام الضيف
جاء فيه عن النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
وروى أنه ضاف رسول الله ﷺ ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشربه، حتى شرب حلاب سبع شباه. ثم أصبح الغد فأسلم. فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : (المؤمن يشرب من معاء واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء).
وينبغي لمن نزل به ضيف أن يعجل له ما يقدر عليه، فيقدمه في الوقت إليه، لأن الأغلب توقان نفسه إلى الطعام. قال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس عندي فيهن أناة، الضيف إذا نزل بي أعجل له ما كان، والجنازة أن لا أحبسها، والأيم إذا عرضت لي رغبة أن أزوجها. وجاء أن رجلًا دخل على سلمان فدعا له بخبز وملح فأكل. قال سلمان: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أولًا، أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفت لك. ومعنى هذا فيما نرى أنه نهاهم أن يرفضوا الضيف إلى أن يدرك ما يتكلف به. ولم ينههم عن التكلف أصلًا، لأنه قد قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
وليس من الإكراه أن يكون الذي في المنزل مما لا يكرم أحد فيه، فقد يمد إليه فيقتصر الضيف عليه ولا يتكلف له غيره. فثبت أن معنى الحديث ما قلت. وفيه من المعنى أن الضيف ألصق جوارًا من الجار المطلق، لأن ذلك جار بالبدن، فأي إحسان أوجب لأبعد الجارين، فهو لأقربهما أوجب. وفيه أن من نزل به ضيف ثقة، وإحسان
стр. 1446
ظن به فقبله، أو كان استضافه، فإن استضافه أمانة، ويدخل في عهده، لأن قبول الضيف لا يكون إلا للقرى، وإذا لم يقره ولم يكرمه كان كمن قبل أمانة ثم ضيعها.
ألا ترى أن لوطًا النبي ﵇ كيف شرح صدرًا بأن يقري الذين قدرهم لضيافة ببناته، فقال: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي﴾. وقال: ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون﴾. لو رأى أن الأضياف أمانات لما التزم في بناته ما لا شيء أشد على قلوب الرجال منه.
وفيه أن التقصير في حق الضيف لوم وخشية، والله بعث لرسول الله ﷺ بمكارم الأخلاق، وقال: أن يحب معالي الأخلاق وينقص بسفسافها. فدل ذلك على أن معاملة الضيف بغير الإكرام ليست من أخلاق هذا الدين والله أعلم. ثم قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الضيافة ثلاثة أيام فإن جاوزها فهو صدقة) وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فهو دين عليه إن شاء اقتضاه).
وقال ﷺ : (الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة له ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يخرجه). فبان أن الضيف إذا لم يوجد بعد ثلاث لم يكن له الإخلال بحقه في الكراهية له، لو وقع في الثلاث، لأن الصدقة تكون بحسب رأي المتصدق، وكما يمكن ويتسر. وإكرام الضيف أن يلقاه صاحب البيت بالطلاقة والبشر، ويحضر ما يحتاج إليه قبل الوقت الذي يتوقعه فيه، وأحسن وأوفر بما جرت به عادته مع أهله وولده. ويثويه أوسع ما عنده من الأماكن وأنزهها وأشرحها لصدره، وأسنحها في الشتاء، وأدوجها في الصيف، ويفرش مجلسه ومرقده أحسن وأنعم مما يفرشه لنفسه. ويحتمل عنه من مؤن من يصحبه من خدامه ودوابه ما يحمل من مؤونة نفسه. وإذا خرج زوده ما يكفيه يومه، وشيعه ميلًا إن كان عليه خوفًا، فقدر على أن يمده بمن يأمن بمرافقتهم إلى المنازل، وفعل ذلك حسن والله أعلم.
стр. 1447
التاسع والستون من شعب الإيمان
وهو باب في الستر على أصحاب القروف
قال الله : ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾.
وقال ﷺ لهزال: (هلا سترت عليه ولو بثيابك!). وقال ﷺ : (من أتاه على مسلم عورة ليشينه بها بغير حق شانه بها في النار يوم القيامة). وقال ﷺ : (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض إلى الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رجله). وهذا قدر يلتحق بالباب الذي قبل هذا، لأن أحدًا لا يحب أن تهتك ستره، فينبغي أن لا يهتك ستر أخيه. وقد يزيد عليه بأن في إشاعة الفاحشة على واحد من المسلمين خيفة أن يفتدى به فيها من أهل الملة من يسمع مواقعته لها. وفيها أيضًا إشمات أعداء الملة بأهلها، ويمكنهم من القدح فيهم والثلب لهم، ونسبهم إلى أنهم غير معتقدين ما يظهرون. فمن هذين الوجهين ينبغي الستر على أصحاب المعاصي والقروف، كما ينبغي من الوجه الذي سبق في الباب الذي قبل هذا شرحه.
ومنها تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه، لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره ولا يرجع إلى ما قارفه أو يستغل منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه
стр. 1448
عادة، فيعسر بعدها عليه النزوع عنها، وهذا إضرار به. فينبغي أن يتقي من هذا الوجه الرابع، كما وجب أن يتقي من الوجوه المتقدمة.
ومنها إسقاط جاهة وحرمته بين الناس، لأنه لا ينظر إليه بعدما عرف منه كما كان ينظر إليه من قبل بتطليق الألسنة بالسب والشتم، وهذا أيضًا نوع من الإضرار به. فينبغي أن يصان عنه.
فإن قيل: فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أترغبون عن ذكر الفاجر أو الفاسق، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس).
قيل: هذا في الفاسق المجاهر المعلق بذكر ما فيه، لأنه لا يبالي بذلك، ليحذره من لم يبلغه حديثه، فلا يعقد نكاحًا بشهادته، ولا يقتصر على إشهاده في الحقوق التي يجب توثيقها بالشهود.
فأما من بدرت منه زلة في خفية، وظاهره عند الناس جميل، فهو خارج عن حكم هذا الحديث، وملتحق بالجملة الأولى، وبما جاء عنه ﷺ من قوله: (أقبلوا ذوي الهنات عثراتهم أو زلاتهم). فالإمساك عنه وعن كل مستر أولى، والله أعلم.
ومنها معنى سادين، وهو أنه إذا لم يكن للمتحدث بالفاحشة عن غيره غرض صحيح بالتحدث، فلا ضرورة إليه، فإنما ينعته عليه الدغل، ورداءة الطبع وسوء النية، وكل ذلك مذموم. فكان ما يدعو إليه من الإساءة مذموم.
قال علي ﵁، وذكر آخر الزمان والفتن، قال: خير أهل ذلك الزمان كل الفوقه أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمسابيح ولا المذابيع البذر والفوقة الحامل والمذياع المسمع بالفواحش عمن يراها فيه، والتشيع لها، والساح الذي يسح في الأرض بالشهر والنميمة، والإفساد بين الناس والبذر جمع الباذر، وهو الذي يبذر الكلام بين الناس. كما لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر غيره من إخوانه المسلمين فأولى به وألزم أن لا يهتك
стр. 1449
ستر نفسه. جاء عن النبي ﷺ : (من أتى منكم من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من تبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله). فأمر كل واحد بالستر على نفسه. وجاء عنه ﷺ في هذا الحديث، وهو أن قال: (إياكم والمجاهرة! قيل: وما المجاهرة؟ قال: يبيت أحدكم يذنب ذنبًا قد ستر الله عليه، ثم يصبح فيحدث به الناس، فيخرج سترًا ستره الله عليه).
وعلة هذا أن من فعل فاحشة ثم تحدث بها، فقد جمع إلى مواقعة الذنب الجرأة عليه، وقلة المبالاة، وذلك أغلظ من أسراره، وإخفائه. لأن الأسرار لا تكون إلا من الخوف والوجل. ألا ترى أن جرم المحارب إذا قتل وأخذ المال، أغلظ من جرم القتال السارق وسمى الله ذلك محاربة الله ورسوله. فما جرى مجراه فهو في الغلظ والقبح مثله. وإذا رأى رجلًا فلا يرى، ولم ير معه غيره، وفيه إذا هتك ستره معنى سابع وهو أنه يعرض نفسه للحد مع معرفته بصدقه.
وهذا القرار منه بنفسه، فلا ينبغي له أن يفعله. وكذلك إذا رأيت أربعة من الفساق الأخلاط رجلًا له امرأة على الزنا الكامل، أو فاسقًا رجلًا يشرب أو يسرق، فيسألهم سئل الواحد، فأما إذا رأيت أربعة من العدول رجلًا وامرأة على زنا كامل. أو رأى هذان رجلًا يشرب الخمر أو يسرق. فليس هذا موضع الأمر بالستر لما فيه من تفصيل حدود الله تعالى. وينبغي لهم أن يشهدوا القيام الحد الذي وجب، فيكون فيه طهارة للحدود، وردع له ولغيره عن مثل فعله، لأن الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : (ادرأوا الحدود ما استطعتم) والشهود يستطيعون درأه لئلا يشهدوا! قيل: بل لا يستطيعون ذلك، لأن على الشهود إذا خافوا أن يتأول حق ويضيع، بتركهم إقامة الشهادة، أن يشهدوا ويحيوا الحق. فصح أنهم لا يستطيعون
стр. 1450
الدواء بعد ما عاينوا أو عرفوا. وإنما هذا خطاب للآية في الحد إذا تردد من وجه إقامة، ووجه دفع، ليغلبوا وجه الدفع على وجه الإقامة. فأما غيرهم فهم من هذا بمعزل، وبالله التوفيق.
وكل ما سبق ذكره فهو في الفواحش التي لا تخرج عن الملة. فأما إذا سمع رجل رجلًا أظهر الإسلام وقال: إني مسلم، يتكلم بكلام الكفر فعرف به أنه من المنافقين فلا ينبغي له أن يستر عليه. فإن الله لم يستر على المنافقين، لكنه أنزل على نبيه ﷺ سورة ينبئهم بما في قلوبهم، ويقرر عنده كذبهم، فكانت تلك السورة وهي التوبة، تسمى في الصحابة الفاضحة والتأدب بأدب الله تعالى في من ظهر بفاقة أن يفضح ولا يستر عليه، لمعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولا يغيروا بما يظهروه لهم، فينكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، إن كان كفره كفرًا. فحرم ذباح أهله، ولا تقدموا للصلاة، فيصلوا خلفه، أو يرضى أحد منهم بأطفاله ولاية ماله. وإن كان كذلك واقعًا منه على سبيل الارتداد عن دين الحق بعدما كان يعتقده، دعي إلى الرجعة، فإن أجاب، وإلا قتل والله أعلم.
وهذا لأن من أظهر للكفر، فقد زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا فيما تقدم ستره، إنما كان لدين المتعاطي له فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 1451
السبعون من شعب الإيمان
وهو باب في الصبر على المصائب، وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة
قال الله : ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾. فقيل: أراد بالصبر والصوم. لأن فيه صبرًا عن الطعام والشراب المعتادين بالنهار مع تحرك الطبع نحوهما، ونزوع النفس إليها. ولهذا قيل لشهر رمضان شهر الصبر.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صوم شهر الصبر رمضان، وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن كثيرًا من وحي الصدر).
وقيل: أريد بالصبر على ما يعرض من المسلمين من قبل أعدائهم المشركين ثم قال جل اسمه ﴿وإنها لكبيرة﴾ فقيل رجعت الكناية إلى الصلاة وحده، وقيل رجعت إلى كل واحد منهما بمعنى الخصلة أو بمعنى الطاعة، أو بمعنى القربة، أو بمعنى العبادة، أو بمعنى الفعلة. كأنه قال: وأن كل واحدة من الخصلتين أو الطاعتين أو القربتين أو العبادتين أو الفعلتين لكبيرة، أي لشاقة. إلا على الخاشعين الذي يكثرن في كل وقت، أنهم ملاقوا ربهم في ذلك الوقت. فهم يحبون أنهم يردون على الله صائمين مصلين، ولا يدعون طول الأمد إلى المدافعة بالعبادات واستقبالها في حيث ما هو أحب إليهم وآثر عليهم من إتباع الشهوات وغيرها والله أعلم.
وقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين﴾.
стр. 1452
والأشبه بالصبر في هذه الآية، الصبر على الشدائد، لأنه اتبع مدح الصابرين بقوله: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.
فضرب الأمر بالصبر بالنهي عن أن يقال للشهداء أنهم أموات. وليس المراد القول وحده لأنهم لو كانوا أمواتًا بالحقيقة لم ينهوا عن أن يسموا بأسمائهم ويوصفوا بأوصافهم ولكن المراد، لا تعلموهم أمواتًا. أي لا تعتقدوا فيهم أنهم أموات وأنهم أحياء حيث أصارهم الله إليه وأعده لهم. والمعنى أنهم ليسوا بموتى فلا تجزعوا عليهم كما يجزع على الموتى. على أن الجزع على الموت ليس مما ينبغي بل الصبر على المصيبة لهم ألزم وأولى، فإن الله مع الصابرين، أن يوفقهم للصبر لينبئهم به خيرًا، من المعاني التي سلبوها بقبض من قبضه من بينهم. وقد يتموها ما كانت من نفقة كانوا ينفقونها عليهم. أو معونة في النوائب كانوا يبذلونها، أو أنس وبهجة كانا فهم في لقائهم، أو قوة وكثر كانتا لهم بمكانهم. أو علم وتبصرة كانوا يستفيدونها منهم، وانقطعت مادتها عنهم بموتهم، فالله تعالى ينسيهم بما أخذه منهم إذا صبروا ما يجبر كثيرهم ويزيدهم درجات فيما أعد لهم من الكرامة في الجنة، ثم قال ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ أي من قبل الأعداء، والجوع أي نبتليكم بالقحط ونقص من الأموال أي الآفات التي تجتاح الأموال وهي كثيرة. وتحتمل الأنفس الأمراض والأحزان، وما يعرض للناس في إعطائهم وجوارحهم من العمي والصم والتأمل وذهاب الأطراف والثمرات.
قيل: أراد بها الثمرات التي هي دون الأقوات، وقيل: أولاد الأولاد. وأولاد الأولاد بمنزلة الثمرات من وجهين: أحدهما أن الثمرة من زوائد الأصل، فكذلك الولد من زوائد الوالدين. والآخر أن الثمرة تستأنس بها وتقر العين برؤيته إلى أن يبلغ فتكون منه العوائد المقصودة بابتغائه والله أعلم.
стр. 1453
ثم قال : ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. وأكثر الإشارة في ذلك إلى أن يقولوا في نفوسهم أو يخطروا بقلوبهم. وإذا كانوا له، كان ما ينسبونه إلى أنفسهم من المال والولد أيضًا لله. فإن أخذ عنهم شيئًا فإنما أخذ ما كان له، فليس لهم أن يصبوا بذلك درعًا. فإن المعير إذا استرجع عاريته لم يكن للمستعير أن يتأسف ويحزن ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ أي أنه نازل بهم في أنفسهم ما نزل ممن يهتمون له، فأولى بهم أن يهتموا لأنفسهم، ويقدموا قبلهم ما يفرحون به إذا وردوا عليه. فإن رجلين لو خرج أحدهما إلى بلد متنقلًا إليه، وأراد الآخر الخروج بعده للانتقال إليه، وهو يعلم أن ذلك نازل، لا يجد القادم فيه إلا ما قم، فكان اهتمامه لنفسه، وتقديمه إلى ذلك البلد ما يكون معدًا فيه حتى إذا قدم وجده فيه، أولى به عنده العقلاء من أن يصرف جميع همه إلى التفكر في مفارقة الآخر إياه.
ثم قال : ﴿أولئك﴾ يعني: القائلين بما حكينا، والمعتقدين لما بينا، عليهم صلوات من ربهم للانبيه الحسنة والمدائح الفخمة التي يعظمون لأجلها في عباد الله ﴿ورحمته﴾ يعني: كشف الكربة وقضاء الحاجة ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ هم المستبصرون بالأحق والألزم المجتنبون للأطغى والأظلم.
جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في هذا: نعم العدلان، ونعمت العلاوة. يعني بالعدلين: الصلاة والرحمة والعلاوة ﴿أولئك هم المهتدون﴾. وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم﴾ وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾. فأمره أن يصبر على أذى قومه، كما صبر إخوانه من النبيين الذين تقدموه، وكانوا أولي حد في أمر الله ويوهن القلب على احتمال ما يستقبلهم من قومهم. وأن يستعجل بما لهم عنده الله من الجزاء بكفرهم وشقاقهم وأبدانهم أتاهم، وزادهم توصية في الآية الأخرى على الأمرة بالتصبر أن اذكره أنه لا يستطيع الصبر إلا بإعانة الله تعالى إياه عليه، وتوفيقه له، ليرجع إليه ، فيسلمه إياه أن يصبره وينبئه.
стр. 1454
ثم قال: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي فلا تحسر على ما يفوتك كثرة، ووفور عدة بهم لو كثروا بل فإن الله تعالى ناصرك ومكثرك بغيرهم، ومبدل أترابك فيهم خيرًا منهم وهذا على أن المراد بالآية، الذين كانوا يؤذونه من قريش، ﴿ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ أي لا تستشعر من الحزن ما يضيق به صدرك لأجل ما تسمعه، أو تظن أنهم يمكرونه بمكانك، فإن الله تعالى ﴿مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾. وأنت رأسهم والذين اتبعوك كلهم بهذه الصفة ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾. ومكرهم بشيء فهو عائد عليهم وغير متجاوزهم إلى غيرهم.
وأما قوله : ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. فقد قيل نزل في قتل حمزة ﵁. قال النبي ﷺ لما رآه قد مثل به قال: (لئن أظهرني الله عليهم لأضعن بثلاثين منهم مثل الذي صنعوا بحمزة). فأنزل الله : ﴿فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ثم قال: ﴿ولئن صبرتم﴾ عن المجازاة والمماثلة ﴿لهو خير للصابرين﴾ ولم يقل: فهو خير لكم. لأن الصبر ليس بمستحب لهم، ولكن لكل مصاب بظلم، فالصبر على الانتقام والتشفي من ظالمه في الدنيا، فذلك أشفى لصدر المظلوم، من أن يفعل في الدنيا به مثل ما فعل. لأن أدنى ما يمسه من وهج النار أعظم وأكثر من كل ما يمكن أن يفعل بالظالم، ويأتيه بمكافئه في الدنيا.
وأما أن يكون الظالم وقد صار إلى ما يوجب له مغفرة الله تعالى في الآخرة فالله تعالى يعوض المظلوم ما أصابه من الظلم الذي لحقه، ما هو أعلى قدرًا وأجل خطرًا وأعظم نفعًا منه. فإذا كان كذلك بان بأن الصبر خير للمظلوم من التشفي والانتقام، وقال : ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. فأخبر أن ما
стр. 1455
يصيب الناس من زوال نعمة عنهم، فإنما سببه حادث وقع منهم. أما ترك الشكر، وأما ارتكاب معصية بعد إحسان الله تعالى بالخوف. وقد يجوز أن يكون هذا الكلام خارجًا عن الأغلب الأكثر، أي فإذا كان هذا هكذا، فلا تحزنوا من المصيبة إذا وقعت، وارجعوا باللوم على أنفسهم، ويحفظوا من الأسباب المؤدية إلى المصائب قبل أن تقع لئلا تقع. وهذا فإن المصيبة بما يمكن بحكم العادة أن تدوم كالصحة والثروة والذكر الحسن والعلم والحكمة ونحوها والله أعلم.
وأما قول الله : ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب﴾ يحتمل- والله أعلم- ما أصاب من مصيبة عامة ولا خاصة إلا وقد كتبها الله في اللوح المحفوظ من قبل أن يرفعها وينزلها، فقد أعلمكم ذلك، وبينه لكم لكيلا تأسوا على ما فاتكم، وتعلموا أن الغبطة كانت مقدرة بالوقت الذي جاوزتكم فيه. ومن أعطى شيئًا إلى وقت لم يمنع إذا استرجع منه بعد ذلك أن يحزن. ولا تفرحوا بما أتاكم، أي لا تسروا به وتنظروا به وتتكبروا به، على من لم يؤت مثله ما أتيتم، لأنه عارية عندكم وليست بملك. فإن حقيقة الملك لله ، وليس للمستعير أن يتبذخ بالعارية، لأنه لا يأمن في كل لحظة أن يسترجعها منه صاحبها، فنعم الدنيا هكذا والله أعلم.
وقال : ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ إلى قوله: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة﴾. وقال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. وقال: ﴿نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾. والصبر في هذه الآيات ينتظم معاني: أحداهما: الصبر على كلف العبادات، وما يلحق النفس في إقامتها من المشقة. والآخر: الصبر على المصائب المؤلمة الكارثة. والثالث: الصبر على أذى المخالفين وما يفرغ للأسماع من قولهم السوء، واستهزائهم وسبهم وما يتصل بذلك من أمرهم. والرابع: الصبر على الشهوات ومجاهدة النفس في وقعها عما يهم به منها حلالها وحرامها. وجملة ذلك الصبر عما لا ضرورة
стр. 1456
إليه ونزل عليه. وقد يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة بهذه الآيات، لأنه لا ينافي بينها حتى إذا كان أحدها من إذا امتنع أن يكون للآخر مرادًا.
وقد قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. فقيل معنى قوله ﴿اصبروا﴾ أي على ما كلفتم، ولا تخلوا بشيء منه ولا تقصروا فيه. ومعنى قوله ﴿وصابرون﴾ أي صابروا العدو واثبتوا لهم كما يثبتون لكم. وقال قبل هذا ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ فأخبرهم أن نسخ الشرائع المتقدمة وانبعاث نبي فله جريده، والأمر مع ذلك بقتال من خالف. فعرضهم لأن يبتلوا في أموالهم وأنفسهم. أما في أموالهم بأن ينفقوها في نصرة دين الله، وبأن يذهب منهم أن ظهر أمر العدو عليهم، والأنفس بأن يمتهن ويبتذل ويجوع ويعطش وينصب ويجهد في نصرة دين الله. وأن يعرض للقتل، فيطاب نفسًا عنها ويعوضها أن لا يسمعوا من أهل الملل المرفوعة، ومن المشركين أدى كثيرًا. فإن هم ضاقوا صدرًا بكل مكروه يلحقهم فليعلموا أن لا قوام لدينهم في التضجر بما يصيب فيه ولأجله. وإن وطنوا قلوبهم على الصبر واتقوا عذاب الله ﵎ فلم يعرضوا دينهم للذهاب، باستشعار القلق والضجر ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾. أي من فعل الحازم العازم، وهو الثابت في الأمر الجاد فيه. وهكذا حكمه عن لقمان بعدما وصفه بالحكمة أنه قال فيما وعظ به ابنه: ﴿واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. وبالله التوفيق.
وأما الصبر على المصائب، فقد تقدم القول فيه، وقد قال فيما يتصل منه بالصبر عن محازاة الظالم: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. فكان معنى قوله ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾
стр. 1457
أي ينتصرون جميعًا أي يتناصرون، لا يخذل بعضهم بعضًا. وهذا مدح لهم بالتناصر إذا قصد المبغي عليه أن ينتصر. ثم بين بعده إن كان الانتصار مملوكًا، فالعفو خير له لأنه يستحق به إذا أراد وجه الله تعالى أجرًا هو خير له، وأعود عليه من الانتصار. ثم زاد نعتًا على العفو وندبًا إليه، فقال: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. أي من فعل العازم وهو الثابت الجاد في الأمور.
وفي الصبر على البلاء: روى عن رسول الله ﷺ أنه قال في الخصي: (من ابتلى بمثل ما ابتلي هذا فصبر، فله الجنة). وهذا- والله أعل- إذا صبر فلم يجزع، ولم يقل بلسانه ما يقول المصاب مما يشتد عليه، ولم يضق ذرعًا بما يحس في نفسه من شهوة لا يستطيع قضاءها. ورغب فيما عند الله من ثوابه، فهون المصيبة على قبله واستخفها في حب ما يرجوه من فضل ربه . فأما الصبر لا على هذا الوجه فصبر ومره وليس هذا المراد بالحديث والله أعلم.
وفي الصبر على المصيب: قال النبي ﷺ : (إذا اشتد حزن أحدكم على هالكه فليذكرني، وليعلم إني قد هلكته). وفي الصبر على البلاء عن الأصبع بن ببامه قال: خلنا مع علي ﵁ على الحسن بن علي ﵄ نعوده، فقال له علي: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبحت بحمد الله بارئًا. فقال علي ﵁: كذلك إن شاء الله. ثم قال: اسندوني. فأسنده علي إلى صدره، فقال: سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: (عليكم بالقنوع تكن أغنى الناس، وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني، إن في الجنة شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبًا). وقرار رسول الله ﷺ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. ومن ذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله (سلبته كريمته فوضعه بينهما الجنة).
стр. 1458
وفي الصبر على ما يشق: قال رسول الله ﷺ : لا يصبر على لأواها وجهدها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة). وقد ينبغي الصبر من وجه آخر، وهو ما روى أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية من يعمل شرًا سخزيه؟ قال (يرحمك ربك يا أبا بكر، ألست بمرضي؟ ألست تحزن حينما يصيبك اللأو أو الجهد، فهذا ما يجاوز به). وإن المصائب إذا كانت قد تكون جزاء، ولا وجه لترك الصبر عليها، فينقلب الجزاء ذنبًا، بل الإيمان هو الصبر، وإن كان ما أصاب خيرًا عفى عن الذنب الذي هو جزاؤه، وكان احتمالك ذلك أهون من النار.
وفي الصبر على المصيبة قال النبي ﷺ لإبراهيم ابنه ﵇، وهو لما به تدمع العين ويحزن القلب، ولا يقول بما يسخط الرب تعالى، ولو أنه مقضي وسبيل يأتي فإن الآخر لا حق بالأول، لكان وجدنا عليه أشد من وجدنا، (وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون) ومن هذا الباب ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (لا يموت لمؤمن ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا يخله القاسم). وهذا على ما أصيب بهم فصبر واحتسب.
وفي الصبر على العوارض والمصائب: قال النبي ﷺ : (إن الله إذا أراد بعبد خيرًا عجل له العقوبة، وإذا أراد بعبد شرًا أمسك عليه حتى توفاه يوم القيامة).
وفي الصبر على الأمراض، قال رسول الله ﷺ : (ما وصب العبد المسلم من وصب ولا سقم ولا حزن ولا أذى حتى الهم، إلا الله يكفر به عنه خطاياه).
وقيل لرسول الله ﷺ : من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم المثل فالأمثل، فيبتلى العبد على حسب ذنبه، فما برح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة). وقال عائشة ﵂: هذا مثابة الله للعبد بما يصيبه من الحمى
стр. 1459
والنكبة والشوكة حتى البضاعة أبضعوا في لمه ففقدها، فيفزع منه، ويشد عليه، فيجدها في صبره، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير.
وفي الصبر على الشدة قال رسول الله ﷺ : (من أسلم وكان رزقه كفافًا وقنع ثم صبر عليه). وفي الصبر على سوء الحال قال: كانت لرجل امرأة تقول كلما دخل عليها: مرحبًا يا سيدي، وسيد أهل بيتي، إن همك لآخرتك فزادك الله همًا، وإن كان همك لدنياك فإن الله سيرزقك، ويحسن إليك. فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بقول المرأة. فقال رسول الله ﷺ : (لها نصف أجر المجاهد في سبيل الله، وهي عامل من عمال الله في الصبر على الأمراض). قال رسول الله ﷺ : (أيكم يحب أن يصح ولا سقم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله. قال: أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات! والذي بعثني بالحق، أن العبد لتكون له الدرجة في الجنة ما يبلغنا بشيء من عمله). وقال رسول الله ﷺ : (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة). وقال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا كان طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه وألقيه إلي). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول الله : ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ قال: البأساء الحاجة، والصبر المرض.
وفي الصبر على البلاء: قال رسول الله ﷺ : (ليتعهد العبد المؤمن بالبلاء من المرض والمصائب في الدنيا، كما يتعاهد الوالد ولده. وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي أهل المريض مريضهم من الطعام).
стр. 1460
وقال ﷺ : (ما من سقم ولا وجع يصيب المؤمن إلا كان كفارة لذنبه حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها). وقال ﷺ : (إن الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار).
وعنه ﷺ أنه قال: (من كنوز البر كتمان الأمراض والمصائب) ويشبه أن يكون المراد بالحديث أن الله جعل الصبر في البأساء والضراء في كتابه من البر. ومن ذلك ما روى عنه صلى الله عيله وسلم أنه قال: (يقول الله: إن عبدًا من عبيدي ابتليته ببلاء على فراشه، فلم يشك إلى عواده، أبدلته لحمًا خير من لحمه، ودماء خير من دمه، فإن قبضته قال: رحمتي، وإن عاقبته وليس له ذنب. قيل: يا رسول الله، لحم خير من لحمه! قال: لحم لم يذنب. قيل: ودم خير من دمه! قال: دم يدمي).
وأما الصبر على الشهوات حلالها وحرامها، وعن كل ما لا ضرورة به إليه، فإن من أطاقه كان سيدًا، كما وصف الله تعالى به يحيى بن زكريا صلوات الله عليه، فقال: ﴿وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين﴾ لأن اسم الحصور كاسم الصبور، فإن الصبر والحصر جميعًا هما الحبس، فصار حابسًا نفسه عن الشهوات حلالها وحرامها، وإنه ما لم يخطأ ولا هم يخطئه.
وقد أباح الله نكاح الأمة لمن خشي العنت، ثم قال: ﴿وإن تصبروا خير لكم﴾ وندب إلى الصبر عما أباح. وأباح في الأول الأمر لمن شهد الشهر وهو صحيح مقيم أن يفطر في الشهر ثم يقضي ويفتدى، فقال مع ذلك ﴿ون تصوموا خير لكم﴾ فندب إلى الصيام الذي هو صبر عن الطعام والشراب، وإن كان قد أباح الفطر، ثم نسخ بقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه فثبت فرض الصوم على الصحيح المقيم، ولم يجعل الإفطار إلا للمريض والمسافر.
стр. 1461
فأما الصبر على المحارم فهو من فروض الدين، وقد ذكرنا المحارم تامة في مواضعها والله أعلم. ومما وجدنا في فضل الصبر على كلف العبادات، إن الله أرى إبراهيم صلوات الله عليه في منامه أن يعالج ذبح ابنه تقريبًا إلى الله . فلما استيقظ وقع له من تأويل ذلك أنه أمر بالذبح فأخبر ابنه بذلك. فقال الابن له: ﴿افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾. فاستسلم كل واحد منهما لأمر الله تعالى جده، وصبر على شدته، وتجرع من مرارته، فما أوجبه عزمه وقوة دينه ويقينه، والله يقول: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾. فينبغي لكل مؤمن في الصبر على كلف العبادات مثله، ومثل ولده ﷺ .
فصل
ومما يدخل في الصبر على الشهوات، ومما لا ضرورة بالعبد إليه، إن الله ، وإن كان قد أباح لعباده الطيبات، فإنه ذم الذين استمتعوا بالطيبات في هذه الدنيا ولم يروا شيئًا منها لوجهه، رجاء أن يعوضهم منه، ما هو خير منه من طيبات الآخرة. فقال: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾. واحتج عمر ﵁ بهذه الآية مع علمه بأنها نزلت في الكفار، فقال لو شئت أن يذهبن لي لفعلت ولكني وجدت الله تعالى ذم قومًا، فقال: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتم بها﴾. فقد يحتمل أنه فهم عن الله أنه أنكر عليهم توسعهم في لذات الدنيا، كما أنكر عليهم كفرهم، ثم جزاهم النار ببعضها لا بجميعها ومما حرم منها على المؤمنين كما حرمه على الكافرين، فقال : ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، إلا من تاب﴾ وهذه كالصلاة قبلها، والشهوات اسم للمشهيات وهي قسمان: حلال وحرام. فالصبر على الحرام واجب، والصبر عن الحلال التي لا ضرورة إليه مستحب، إذا كان إنما يقع عنه لئلا يصبر النزوع إلى الطيبات الدنيا ولذاتها عادة، فيعمى القلب ويميل بالعبد عن طريقة التعبد،
стр. 1462
وتذليل النفس وقمعها إلى خلاف ذلك. فتعسر عند ذلك العبادة، وتستعصي عليه النفس فيكون الصبر عن الحلال لوجه الله تعالى جده، فيرجى أن يعوضه الله تعالى عما صبر عنه ما هو أطيب وألذ وأنعم وأكثر مما ترك. مع أن المتروك من جنس المنقطع الفاني والموعود من جنس الدار الباقي، وبالله التوفيق.
قال الله : ﴿ما عندكم ينفذ، وما عند الله باق، ولتجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. فيدخل في هذا الصبر عن الحرام، والصبر عن الحلال على الوجه الذي يثبت. وقال في صفة أهل الجنة: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار﴾. وهذا أيضًا يصلح لانتظام الصبر عن الحرام والصبر عن الحلال. وقال لنبيه ﷺ : ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى﴾. فبشره بأنه إذا لم يتطلع إلى زهرة الحياة الدنيا لئلا يشغله عن عبادة الله تعالى عوضه الله منها، ما هو خير وأدوم منها. وقال : ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾. فيحتمل أن يكون أعطينا بعضًا وحرمنا بعضًا ليمتحن المحروم بالمعطى. ﴿أتصبرون﴾ أي تظنون أيها المحرومون نفسًا بما حرمتم وتعلمون أن ذلك عدل من الله ﷻ ، وليس يجوز، وتصبرون عن التطلع إلى من أعطى غيركم راضين، بأن تعرضوا عنه في دار الجزاء خيرًا منه. أي إن صبرتم فهو خير لكم، وإن يكن فإنه ثناء من الله على الصابرين الذين ذكرناهم آنفًا، وهم الصابرون على شدة الفقر والفاقة، لأن البأساء هي الشدة. فمدح الله وأخبر أن صبرهم بر وألحقه بسائر الخصال المقرونة بالإيمان. فقال : ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله ﴿المتقون﴾.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (انتظار الفرج بالصبر عبادة). فدخل في ذلك الصبر في البأساء وفي كل حال يكره ويرجى زوالها. وعنه ﷺ أنه قال: (إنما مثل
стр. 1463
المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يفنيه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق مثل شجرة أرز لا تهتز حتى تستحصد). وأما قوله ﴿وحين البأس﴾ فمعناه عند القتال. أي من صبر في موطن القتال فلم يهرب من العدو. ومن هذا الصبر ما يجب ويحرم تركه. ومنه ما لا يجب ويجوز تركه. ونذكر ذلك في باب الجهاد إن شاء الله.
ومما يلتحق بالصبر عند المصائب أن لا يشق المصائب ثوبه ولا يلطم وجهه ولا تنخدش بشرته. ولا المصابة تفعل شيئًا من ذلك، ولا تقطع شعرها ولا ترفع صوتها بالبكاء ولا تنوح ولا تقيم النوح. قال النبي ﷺ : (ليس منا من حلق وسلق وشق) وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).
وفي ذم النياحة: قال رسول الله ﷺ : (ما من نائحة تموت قبل أن تتوب إلا ألبسها الله سروالًا من نار ودرعًا من جرب).
وفي البكاء على الميت: قيل لعمر ﵁: إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساء بن المغيرة أن يسفكن دموعهن على أبي سفيان ما لم يكن يقع لأوليائه. قيل: هما جميعًا الصوت السديد. وقيل: النقع صنعة الطعام الذي هو البقيعة.
روى أن أبا بكر الصديق ﵁ لما توفي أقامت عائشة النوح، فأقبل عمر حتى قام ببابها، فنهاهن عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينهين، فقال عمر ﵁ لهشام بن الحارث أو علي فاخرج إلى بيت أبي قحافة، فقالت عائشة لهشام: اخرج عليك يا بني. قال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك. فدخل فأخرج أم فروة بنت أبي قحافة، فعلاها بالدرة ضربات فتخرس النوائح حين سمعت ذلك. فقال عمر ﵁: أردتن
стр. 1464
أن يقذف أبو بكر ببكائكن عليه، إن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه). وقال: (ثلاث من الجاهلية: النياحة، والطعن في الأنساب، وشق الجيب).
ولأن النياحة فيها مشابهة من الشناعة التي يستعملها الآدميون فيما بينهم، كأن النياحة تقول فيما تذكره من مدائح المفقود والفوائد التي كانت لأهله فيه: أيها الناس إن هذا المستجمع لهذه الصفات أحفاد إياه سلبنا، أي أن الإساءة، فمن عمل هذا بمكاننا شديدة، وإضراره بناء عظيم. وفي دون هذا ما يحيط الآخر، ويعظم الوزر.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لما توفي إبراهيم صلوات الله عليه قال: (القلب يحزن والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون) فبان بذلك أن التسليم لأمر الله تعالى إذا وقع هو الواجب، وما خالف ذلك فحرام.
* * *
стр. 1465
الحادي والسبعون من شعب الإيمان
وهو باب في الزهد وقصر الأمل
قال الله : ﴿فهل ينظرون إلى الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها﴾ وقال النبي ﷺ . (بعثت والساعة كهاتين). فعلمنا بخبر الله ، ثم خبر رسول الله ﷺ ، أن أجل الدنيا قريب، وإذا كان أجل الجماعة قريبًا، قبح من الواحد أن يطيل أمله، ثم لقد جاء الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من شبابك لهرمك ومن صحتك ليوم سقمك، ومن غناك ليوم فقرك) وفي رواية أخرى: (اغتنم خمسًا: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه). فاستقصر من دافع بالوصية يومين واستكثرهما له. وكل ذلك يدل على أن الاحتياط قصر الأجل، وإن إطالته عشرون، وخداع من المرء لنفسه، وسوء نظر لأمره وأهله وولده وسائر من يعينه شأنه، لأنه لا ساعة إلا ويمكن أن يكون فيها انقضاء أجله، ويدعى فيها ولا يجده بدًا من أن يجيبه. وإذا كان كذلك، فلا معنى لأن من متاع
стр. 1466
الدنيا من يرى أنه مخلد غير منقول أبدًا عنها. فإن في ذلك إذا تمكن من قبله لها، استغل عن عبادة الله وطغى، وكأنه بجديته آخرته بقدر عمارته دنياه. فإن الله يقول: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى﴾ وإذا نجى بما يمثل طبعه إليه وقصر أمله صار همه للاستعداد للآخر والانقطاع عن الدنيا وذلك أحوط. لأنه إن احتضر قريبًا كما يظن كان ساهيًا عن ربه مقدمًا (ما) يحتاج إليه منقلبه، وإن أمهل فكلما ازداد مهلة ازداد طاعة وبرًا وقربة، فكان ذلك أنظر له من أن ينهمك في الدنيا مطيلًا أمله، فإن احتضر قريبًا من حيث لم يظنه، فكان كمن عافصه سفر لا يجد منه بدًا، وهو لا زاد عنه، ولا راحله له، فيلزمه المشي على قديمه، وأسوأ حال وأقبحها. وإن أمهل لم يزدد على الأيام للدنيا إلا حبًا وعلى عمارتها والاستكناف منها إلا حرصًا. فإن مثله مثل الخمر يدعو قليلها إلى كثيرها، ويسرق القصير منها إلى ما فوقها، فمن علم هذا ثم كان منه في عامة أحواله على ما ذكر كما جاءت الوصية به. فقبل أكثروا ذكرها ذم اللذات لم يدع النظر لنفسه بترك الاحتياط إلى الخطأ إن شاء الله. وقد جاء في هذا الباب من الأخبار والآثار ما لا يمكن انتقاؤها لكثرتها، وقد أوردنا منها ما لابد للكاتب من ذكره.
فمنها ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعًا من خبر بر حتى مضى لسبيله. وروى الحسن ﵁ قال: كان النبي ﷺ : يركب الحمار ويلبس الصوف ويأكل على الأرض ويلعق أصابعه ويقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد). وعن أبي مسلم الخولاني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن أسبح بحمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وعن زياد بن جبير ﵁ قال: ثبت أن النبي ﷺ قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا، وخير الرزق الكفاف)
стр. 1467
وعن الحسن ﵁ قال: دخل عمر ﵁ على النبي ﷺ وهو على سرير موصول، فبكى فقال له النبي ﷺ (ما يبكيك؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر، واعلم أنك أكرم على الله منهما، أو تريد الشيء لتنفقه في سبيل الله فما تقدر عليه. فقال: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى. قال: فإنه كذلك). وعن عطاء ﵁ قال: بلغنا أن عمر ﵁ دخل على النبي ﷺ ، فرآه مضطجعًا على ضجاع من أدم، محشو من النثار في البيت إهاب لم تدبغ ملقاة بعضها على بعض، فبكى عمر، فقال النبي ﷺ : (ما يبكيك يا عمر قال: أبكي لأن كسرى عدو الله في الخز والبز والديباج، وقيصر مثل ذلك. وأنت يا رسول الله، أمين الله، وخيرته على هذه الأمة. فقال النبي ﷺ : (اسكت يا عمر، فلو شاء أن يسير الجبال الراسيات معي ذهبًا لسارت). وعن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيًرا ولا أوصى شيئًا).
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (كيف أنعم، وصاحب الصور التقم القرن وحتى صيحته تسمع متى تؤمر أن أنفخ فينفخ. قال أصحاب رسول الله ﷺ : فكيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (ما فعلت الذهب؟ قال: قلت هذه هي عندي يا رسول الله، وهي بين التسعة والخمسة فأخذها فجعلها في كفه، ثم قال: ما ظن محمد بالله، لو لقى الله وهذه عنده، أنفقيها).
وعن عائشة ﵂ أنها صنعت للنبي ﷺ فراشين فأبى أن يضطجع إلى على أحدهما: وعن عبيد بن عمير قال: كان عيسى بن مريم ﵉ يأكل من الشجر، ويبيت حيث أمسى، لم يكن له ولد فيموت ولا بنت فتجرب ولا يجبي لغد شيئًا. وعن عروة ﵁ قال: كان دادود النبي صلوات الله عليه يصنع القفف من الخوص وهو
стр. 1468
على المنبر ويرسل فيبيعها ويأكل ثمنها. وقال سليمان بن داود صلوات الله عليهما: كان العيش قد جربناه بلينه وشديده، وجدناه يكفي منه أدناه.
وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف وكمه صوف، ونعليه من جلد حمار غير ذكي). وعن عطاء ﵁ قال: بلغنا أن موسى النبي ﷺ صلوات الله عليه طاف بين الصفا والمروة وعليه جبة قطوانية وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، يجيبه ربه لبيك يا موسى وها أنا معك.
وعن مجاهد ﵁ قال: حج البيت سبعون نبيًا، فمنهم موسى صلوات الله عليه، عليه عمامتان قطوانيتان وهو يهل. ومنهم يونس صلوات الله عليه، وهو يقول: لبيك كاشف الضر لبيك.
وعن عبد الله ﵁ قال: كانت للأنبياء قبلكم لا يستخبون، يلبسون الصوف ويركبون الحمر ويحلبون الغنم. وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليًا- ﵃ أجمعين- لما دخل بفاطمة- ﵂ كان فراشها إهاب كبش إذا أرادا أن يناما قلباه على صوفه ووسادتها من أدم حشوها ليف.
وفي قصر الأمل: قال رسول الله ﷺ : (أكثرون من ذكر هادم اللذات، وما ذكره عبد قط وهو في سعة إلا ضيق عليه، ولا ذكره وهو في ضيق إلا وسع عليه). أم الدرداء ﵂ قالت لأبي الدرداء ﵁: مالك لا تطلب كما يطلب فلا سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمامكم عقبه كؤود لا يجوزها المثقلون، فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة).
وقال حذيفة ﵁: إن أقر أيامي، يوم أرجع فيه إلى أهلي فيشكون لي
стр. 1469
الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ليتعهد عبده بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده، وإن الله ليحمي عبده الدنيا، كما يحمي المريض الطعام.
وقال النبي ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، أفسد لهما من حرص المرء على المال والسرف لدينه). قال الحسن ﵁: أدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم ما طوى لأحد منهم ثوب قط، ولا أمر في بيتهم صنعة الطعام قط، إن كان أحدهم ليخرج فيعزم على أهله أن لا يردوا سائلًا. وأدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم إن كان أحدهم ليدعى إلى الميراث، هي لك لا حاجة لي به. وأدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم إن كان أحدهم لدينه أبصر منكم لدنياكم بقلوبكم وأبصاركم.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من أحد غني أو فقير يوم القيامة إلا ود أن أوتي في الدنيا إلا قوتًا). وقال النبي ﷺ (من أصبح أكبر همه غير الله فليس من الله).
ونهى النبي ﷺ عن التبقر في الأهل والمال إلى التوسع، وقال ابن مسعود ﵁: إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاهم. قالت عائشة ﵂: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرًا. وقد قبض رسول الله ﷺ وإن درعه لمرهونة عند رجل من اليهود بأصوع من تمر. قال: دخل علي على أبي هاشم بن عيينة بن ربيعة وهو مريض يبكي. قال: ما يبكيك؟ أوجع بشرك أو حرص على الدنيا؟ قال: كلا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا لم آخذ به. فقال: يا أبا هاشم سترى أموالًا يرميها أقوام، وإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله وأراني اليوم قد جمعت.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (أن أغبط أوليائي عندي مؤمن ذو حظ من صلاة،
стр. 1470
غامض في الناس لا يشار إليه بالأصابع، أطاع الله وأحسن عبادته في السر، وكان عيشه كفافًا، فأعجلت منيته، وقلت بواكيه وقل تراثه).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: هل تدرون ما يقيم وجوهكم عند ربكم؟ قالوا: ما؟ قال: بالورع عما نهاكم الله عنه في كتابه وبحسن نياتكم فيما عند الله. وقال أبو الدرداء ﵁: لولا ثلاث ما باليت أو لا أبقى في الأرض ساعة، لولا أني أعفر جنبي ساجدًا وأن أصوم يومًا طويل ما بين الطرفين وأن يغير وجهي في سبيل الله. وقال رسول الله ﷺ : (كيف أنتم إذا أشبعتم من ألوان الطعام؟ قالوا: ويكون ذلك يا رسول الله، قال: نعم، فإنكم أدركتموه، ومن أدركه منكم؟ فكبر القوم. ثم قال: كيف أنتم إذا سيرتم كما تسير الكعبة، فرق القوم وقالوا: رغبة يا نبي الله عن الكعبة. قال: لا ولكن من فضل تجدونه. قالوا: نحن يا نبي الله يومئذ خير أم نحن اليوم؟ قال: أنتم اليوم أفضل).
وروى أن بعض الصحابة أهدى له هدية فالتمس الرسول في بيت رسول الله ﷺ وضعها فيه، فلما وجد، قال: (ضعها بالجصص، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما يبقى كافر منها شربة من ماء).
وعنه ﷺ أنه قرأ: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ فقال: (إن النور إذا دخل القلب انشرح وانفتح. قالوا: وهل لذلك من علم يا نبي الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت). وقال أبو هريرة ﵁: انطلقنا مع رسول الله ﷺ ، فمررنا بزقاق من أزقة المدينة، فإذا فيه عناق ميتة، فقال: والله الدنيا أهون على الله من هذه العناق على أهلها حين ألقوها).
стр. 1471
وقال رسول الله ﷺ : (إن شراب أمتي الذين غدوا بالنعيم ونبت منهم أجسادهم). وقال ﷺ : (يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم الجنة بأربعين سنة). وقال ﷺ : (لا تكلوا فوق شبعكم، وأطعموا فقراءكم، فوالذي نفس محمد بيده ما شبعت ثلاثة أيام متواليات منذ بعثني الله نبيًا من الحبة السمراء).
وعن عيسى بن مريم صلوات الله عليه قال: يا معشر الحواريين اعبروا الدنيا ولا تعمروها، إني لم أجد لكم فيها مسكنًا، واتخذ مساجد الله بيوتًا، واتخذوا بيوتكم مساجد ذلك مأوى.
وعنه ﷺ قال: يا معشر الحواريين، كلوا خبز الشعير بالملح الجريش، ولا تأكلوا الإبل شهوة وألبسوا مسرح الشعر، وأخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، حق أقول لكم: أن حلاوة الدنيا مرارة في الآخرة. وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
فإن قال قائل: ما وجه التقرب إلى الله بالامتناع مما أباحه الله وأحله، ولم يخلقه إلا لمنقعة عباده من المطاعم الشهية، والملابس الناعمة البهية، والمساكن النزهة، والفرش اللينة؟ فإن قلتم: تتركها في الدنيا لئلا تنقص لأجلها حظوظنا من نعم الآخرة. قيل لكم: النقص من نعيم الآخرة حرمان، والحرمان عقوبة، ولا عقاب على من استحل حلالًا واستباح مباحًا. فلم قلتم أن التنعم بنعيم الدنيا ينقص من نعيم الآخرة أن يفوته؟
فالجواب- وبالله التوفيق-: أن الذي يظهر من وجه التقرب إلى الله بترك التنعيم من نعيم الدنيا أمران: أحدهما إن المقيم في الدنيا غير عالم بما هو صائر إليه، وهو يتمثل بين أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار. وإذا كان كذلك لم يكن في حاله محمل للتلذذ والتنعم، لأن النعمة لا تكون نعمة حتى يهيئ صاحبها، ولا تهيؤ للنعمة مع الخوف، ولا خوف أشد من خوف النار. ومعلوم فيما بينا أن من كان من سلطانه على رجل من وعيد وقع له منه فلا يتهيأ معه بنعمة، ولم تمل نفسه إلى شيء من الشهوات ما لم يأمن
стр. 1472
جانبه، ويفرغ من ذلك الوعيد قلبه. فالوعيد الواقع من الله أحق أن يشغل عن اللذات ويلهي عن الطيبات، إذ وعيده واقع بما لا طاقة لأحد به، ولا صبر لبدن عليه والله أعلم.
والآخر: أن النعم المباحة مقتضية ممن ينعم بها شكرًا يقضي حقها، ولا شك في قوى العباد عن مقابلتها عن الشكر بما يكون لها توًا، فكان الاستمتاع بها مع قلة الحمل بحقها استهانة لها، وإعفاء عن حق موليها المنعم بها وذلك خيانة. فإنما روى أهل البصائر والإعراض عنها لئلا ينقلب النعمة عليهم نقمة، ولا تتبدل المنحة محنة. وذلك رأي لاحق لا يلام من وقع له فعمل به والله أعلم.
قال عمر بن الخطاب ﵁: سلوا الله أن يرزقكم يومًا بيوم ولا عليكم أن يكثر لكم.
ومما جاء في قصر الأمر: قال النبي ﷺ : (إن آدم ﵇ قبل أن يصيب الخطيئة كان أجله بين عينية وأمله خلف ظهره، فلما أصاب الخطيئة جعل أمله بين عينيه، وأجله خلف ظهره). وعن ثوبان ﵁ قال: قلت يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا قال: (ما سد جوعك، ووارى عورتك، ومنزل يظلك وإن كانت لك دابة تركبها) وفي رواية أخرى (وإن كان لك خادم يخدمك فذلك).
سئل الزهري ﵁ عن الزهد في الدنيا فقال: أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره. أي لا يقصر في شكر الحلال إذا أصابه ويصير عن الحرام إذا أشبهناه ولا نواقعه. وقال أبو عبيدة الباهي دخلنا على الحسن نعوذه في مرضه قال: مرحبًا بكم وأهلًا، حباكم الله بالسلامة، وحبتنا وإياكم دار السلام، هذه علانية إن صبرتم وصدقتم واتقيتم، لا يكونن حظكم من هذا الخير، رحمكم الله أن تسمعوه بهذا الأذى. ويخرج من هذا الأذن، فإنه من رأى محمد ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا لا يضع لبنة على لبنة ولا فضة على فضة، ولكن رفع له علم فشمر إليه الوجاء الوجاء، ثم النجاء النجاء على ما
стр. 1473
تعرجون، أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا. وعن طارق بن شهاب ﵁ قال: لما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالتك هذه فقال: إنا أعزنا الله بالإسلام، فلن يلتمس العز بغيره.
وعن شفيق بن سلمة ﵁ قال: خرجنا في ليلة مخوفة، فمررنا برجل نائم في أجمة، قد مد حرسه وهي ترعى عند رأسه، فأيقظناه وقلنا له: أتنام في هذا المكان؟ فرفع رأسه وقال: إني لأستحيي من ذي العرش أن يعلم إني أخاف شيئًا دونه، ثم ضرب برأسه فنام. وعن وكيع ﵁ قال: كان عامر بن عبد قيس يربي السباع فيقول: إني لأستحي أن أخاف شيئًا غير الله.
وعن إبراهيم اليتمي ﵁ أن أباه كان يلبس الرداء يباع إليه من خلفه ويديه من بين يديه فقلت: يا أبت لو اتخذت رداء أو تبع من رداءك هذا قال: يا بني، لم تقول هذا، فوالله ما على الأرض لقمة لقمتها إلا وددت أنها في أبغض الناس إلي. قال عمر بن ذر ما رأيت على عطاء قميصًا قط، ولا رأيت عليه ثوبًا يساوي خمسة دراهم.
وعن علي ﵁، قال: اشتكت فاطمة ﵂ محل يديها من الطحن، فأمرتها أن تأتي النبي ﷺ وتسأله خادمًا، فأتته فقال: هل لكل حاجة قالت: لا، فرجعت. قلت: ما صنعت؟ قالت: أتيته فقال: هل لك حاجة قلت: لا. فاستحيت. قال: قلت ارجعي إليه. فأتيته، فوجدته قد رقد فرجعت. فلما استيقظ أتانا وعليه قطيفة إن لبسناها طولًا خرجت جنوبنا، وإن لبسناها عرضًا خرجت أقدامنا ورؤوسنا. فقالوا: لم أتيتنا أنك جئت، فهل لك من حاجة؟ قالت: لا. قلت: بلى، اشتكت محل يديها، فأمرتها أن تسألك خادمًا. فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من الخادم فأمر بأربع وثلاثين وثلاث وثلاثين مرتين تكبر وتحمد وتسبح.
وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ مر على سخلة ميتة ملقاة على ظهر الطريق، فقال: ترون هذه هينة على أهلها، الدنيا على الله أهون من هذه على أهلها.
وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح
стр. 1474
ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئًا). وعن قتادة ﵁ قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال: ألا أن الدنيا حلوة خضرة، وأن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعلمون. ألا فاتقوا الدنيا واتقوا فتنة النساء). وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).
وعن سفيان ﵁ قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق يغرقها فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها، وحشوها إيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، فلعلك أن تنجو، وما أدراك بناج. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها بجمع من لا علم له. وعن أبي حازم ﵁ قال: وجدت الدنيا تشير بشيء منها هو لي، فلن أتعجله قبل أجله، ولو طلبت بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فذاك ما لم أنله فيما مضى، ولن أرجوه. فيما بقى، منع الذي لي من غيري، كما منع الذي لغيري مني، ففي أثني هذين أدى غيري، ووجدت ما أعطيت من الدنيا يشير بشيء يأتي أجله قبل أجلي، فأغلب عليه، وشيء منها يأتي أجلي قبل أجله فأموت أتركه لغيري، ففي اثني هذين أعصي ربي.
وعن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أما أنا والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها). قال: ودخل سعد ابن أبي وقاص ﵁ على سلمان يعوده فبكى سلمان. فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن، توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وتلقى أصحابك وترد عليه الخوص، فقال سلمان: إني لا أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا فقال: (ليكون بلاغ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب وحولي هذه الأساود). فقال سعد: يا أبا عبد الله، أعهد إلينا عهدًا نأخذ به بعدك. فقال: يا سعد، اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند برك إذا قسمت.
стр. 1475
وعن الحسن ﵁ قال: إن الذي كانوا من قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغًا ويتسارعون بالفضل أنفسهم من الله رحمة، رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدة، فأكل كسرة، ولبس خلقًا، ولزق بالأرض واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة وهرب من العقوبة، وأبقى الرحمة حتى يأتي أجله، وهو كذلك.
وعن الحسن ﵁ قال: المؤمن في الدنيا كالغريبة من دلها ألا تنجزع، ولا تنافس أهلها، في عزها لأهلها حال. وله حال أخرى فداهمته نفسه، والناس منه في راحة، ونفسه منه في شغل. وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يوم القيامة غني ولا فقير، إلا ود أن ما كان له من الدنيا قوتًا) وعن محمد بن كعب القرطبي ﵁ قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا أزهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبه. ومن أوتيهن، فقد أوتي خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة.
قال وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا. وعن جعفر بن ثوبان ﵁ قال: بلغني أن وهب ابن منبه قال: أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا، وأوشك ردعًا إتباع الهوى. ومن إتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة في الدنيا حب المال، ومن حب المال والصرف استحلال المحارم، ومن استحلال المحارم غضب الله، الداء لا دواء له، إلا رضوان الله، ورضوان الله الدواء الذي لا يضر معه داء، فمن يرد أن يرضي ربه يسخط نفسه ومن لا يسخط نفسه يرضي الله. وقال رجل للحسن ﵁: أن فقهاءنا يقولون: وقال الحسن: وهل رأيت فقيهًا؟ الفقيه الزاهد في دنياه، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه.
وعن سفيان ﵁ قال: كان بعض أهل العلم يقول: إذا رأيتم الرجل يزهد في الدنيا، فأدنوا منه، فإنه يلقي الحكمة. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت امرأة متعبدة باليمن، فإذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك، لا ليلة لك غيرها. فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك، لا يولك لك غيره، فاجتهدت.
следующие страницы →