← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ومما يدخل في هذا الباب تسليم الناس بعضهم على بعض عند الدخول عليهم، وقد ورد بذلك القرآن، ورويت فيه وفي آدابه وأحواله أخبار. قال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾. فيحتمل معنى تستأنسوا: تستبصروا التي يكون دخولكم على بصيرة، فلا يوافق دخولكم الدار حالًا يكره صاحبها أن تطلعوا عليها. وهذا كقوله في خبر الفاسق: ﴿فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾. أي لا تعتمدوا خبر الفاسق، واطلبوا البيان من وجه آخر، لئلا تصيبوا قومًا بجهالة فتندموا. ثم جاء عن قتادة وعكرمة في قوله ﴿تستأنسوا﴾ بأن تسلموا على أهلها. وبهذا جاء الخبر. روى أن رسول الله ﷺ زار سعد بن عبادة، فقال: السلام عليكم، فرد سعد السلام، خافضًا به صوته. فقال قيس بن سعد أيأذن له رسول الله فقال: (دعه يكثر علينا من السلام. ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم، فرد سعد خافضًا صوته، ولكني أحببت أن يكثر علينا من السلام فرجع معه، فدعا رسول الله ﷺ بغسل فاغتسل، ثم أتى بملحفة مصبوغة بورس وزعفران، فاشتمل بها، ورفع يديه فقال: (اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل سعد بن عبادة). وذكر الحديث، وفي رواية أخرى أنه ﷺ كان سلم ثلاثًا ثم انصرف. ويروى أن أعرابيًا استأذن على النبي ﷺ فقال: ادخل فقال رسول الله ﷺ : (ليأذن أهل البيت مرة فليسلم. فسمعه الأعرابي فسلم، فأذن له). وروى أن امرأة يقال لها ريحانة قالت: قمت على باب عمر ﵁، فقلت: ادخل. فأذن لها بعض أهل البيت. فلما رآني عمر ﵁ قال: ارجعي، فقولي: السلام عليكم، وإذا قالوا: وعليكم، فقولي: ادخل. فهذا على أن صاحب الدار إن رد السلام وقال: ادخل، استغنى عن استئذان آخر وإن اقتصر على الرد احتيج إلى استئذان بعده. ومن أتى باب

стр. 1402

قوم فليسلم، فإن أذن له فليدخل، وإن صرف فلينصرف، وإن لم يجب فليسلم ثلاثًا، فإن لم يؤذن له فلينصرف، فلا يرد على ثلاث، هذا هو السنة. روى أبو سعيد الخدري ﵁ وأبو موسى، أن النبي ﷺ قال: (من استأذن ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع). وعن أبي موسى الشعري ﵁ قال: استأذنت على عمر ﵁ ثلاثًا، فلم يأذن لي فرجعت. فلما رجعت بعث في أثري، فقال: ما الذي ردك؟ فقلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع). وعن يزيد بن أسلم ﵁ قال: جئت ابن عمر ﵄، فقتل: ادخل وأنا حينئذ غلام أعرابي، فنشأت مع أبي بالبادية في ماشية، فكأنه عرف صوتي، فنال: ادخل: فقال: يا ابن أخي، إذا جئت فوقفت على الباب فقل: السلام عليكم. فإذا ردوا: عليك السلام. فقل: أدخل. فإن أذنوا لك فادخل وإلا فارجع. فإن كان الذي يريد الدخول ضريرًا، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (قد جعل الاستئذان من أجل البصر) وهذا يدل على أن لم يكن له بصر يبقى، فلا حاجة به إلى الاستئذان. وهذا إذا كان دخوله على رجل فإن أراد الدخول على امرأة، فهو والبصير سواء. دخل ابن أبي مكتوم ﵁ على النبي ﷺ بعدما وضع الحجاب، فقال: رسول الله ﷺ (أفعميا بأن أنتما ألستما تبصرانه). وإذا دعا رجل رجلين يا رسول الله، فجاء فله أن يدخل من غير استئذان. روى أن رسول الله ﷺ قال: (رسول الرجل أذنه) وعن عبد الله قال: إذا دعوت الرجل فقد أذنت له. والاستئذان مع هذا أحسن، لأن الأحوال قد تتغير. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الحق أهل الصفة، فادعهم إلي. فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا) وإن حضر على الباب جماعة، فإنه

стр. 1403

يروى عن الحسن ﵁ أنه قال: إذا جاء قوم فاستأذن رجل منهم، فقد أذن لهم. وهذا على أن المستأذن قال: يدخل. فقال: نعم، إذا قال ادخلوا. فأما إذا قال: ادخل. فقال: أدخل لم يكن ذلك إذنًا للآخر والله أعلم. وإذا حضر المسلم باب ذي عهد، فقد روى عن الحسن أنه يقول: أأدخل. وأما بعد الدخول، فقد روي عن قتادة ﵁ أنه يقال: السلام على من اتبع الهدى. وقال ابن عوف: قلت لمحمد يعني ابن سيرين-: كيف تقول إذا دخلت على أهل الكتاب؟ فسكت، ثم قال: إن شئت قلت: السلام على من اتبع الهدى. والأصل في أن المسلم لا يدخل دار المعاهد إلا بإذن، ما روى أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت المعاهدين إلا بإذن). وإذا استأذن الرجل على قوم فقيل: من هذا؟ فيذكر ما يعرف به، ولا يقل: أنا فإن قولة أنا لا تعرفه. وروى عن جابر ﵁ قال: استأذنت على النبي ﷺ في دين كان على أبي، فقال: (من هذا؟ فقلت: أنا فقال: أنا أنا) فكأنه كره ذلك. وروى عن بعض السلف أنه قال: إن قال: أنا أنا والدق واحد. وأما من يدخل بيته فإن الزهري وقتادة قالا في قول الله ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: إذا دخلت على أهلك فسلك، فقل: السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة. فإن لم يكن في البيت أحد: فقل: السلام علينا من ربنا. وقال إبراهيم في قوله : ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: إذا دخلتم بيتًا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وروى عن ابن عمر ﵄، أنه كان يقول ذلك إذا دخل بيتًا ليس فيه أحد. وقال جابر بن عبد الله رضي الله: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. ومن دخل المسجد فإنه يروى عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: هو المسجد إذا دخلته، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعن إبراهيم قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله.

стр. 1404

ومما جاء في إفشاء السلام وفضله، قال رسول الله ﷺ : (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام). وقال مجاهد في قوله ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ قال: يقول: السلام عليكم. وقال أبو بكر الصديق ﵁: السلام أمان من الله في الأرض. وقال معاذ ﵀: ما من مسلمين يلتقيان، يسلم كل واحد مهما على صاحبه ويأخذه بيده، إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إن السلام اسم من أسماء الله فأفشوه بينكم، فإن الرجل إذا سلم على الرجل كتبت له عشر حسنات، فإن رد عليه كتبت له مثلها. وكان للبادئ درجة. فإن سلم على قوم جميعًا فردوا عليه، كتبت لكل رجل منهم عشر حسنات، فإن ردوا عليه، وإلا رد من هو خير منهم. قال أبو هريرة ﵁: إذا سلم الرجل على قوم فلم يردوا عليه ردته الملائكة. وقال الحسن: السلام تطوع والرد فرض. وفي من أحق بالسلام: جاء رسول الله ﷺ في أحاديث متفرقة، يسلم الفارس على الماشي، والماشي على القائم، والأقل على الأكثر. وصاحب البعير على صاحب الحمار، فمن أجاب السلام كان له، ومن لم يجب فلا شيء له. وفي فضل من يبدأ بالسلام: قال رسول الله ﷺ : (من بدأ بالسلام فهو أولى بالله ورسوله). وروى أن ابن عمر ﵄، كان قل ما يسبقه أحد بالسلام، وكان إذا رد قال مثل ما قال الرجل: السلام عليكم. وفي تخصيص الواحد من الجماعة السلام: قال خرج ابن مسعود ﵁ في رجال، فلقي رجلًا فسلم على ابن مسعود. فقال ابن مسعود: أن من أشراط الساعة أن يجني على المعرفة، وهو الرجل في المسجد لا يركع لله فيه ركعة، ويتطاول العراة الحفاة دعاء الشاة في بيوت، ويسبوا الشيخ وتداس الخافقين للغلام.

стр. 1405

وفي الراكب والماشي إذا التقيا: فلا ينبغي الماشي أن يبدأ الراكب بالسلام، ولا القاعد على المار، لما روى أن عمر بن الخطاب ﵁ مر على عثمان وهو جالس، فبدأه عثمان بالسلام، فقال له عمر: يا أبا عمر، ولم تنكس السنة، أنا كنت أحق أن أسلم عليك، إنما يسلم المار على الممرور عليه. فإن بخل الراكب فالماشي بالخفاء. فقد روي عن الحسن ﵁ أن رجلًا سأله فقال: يمر بي الراكب فلا يسلم علي، أأسلم عليه؟ قال: نعم، إن بخل بالسلام فسلم عليه، وعن الشعبي ﵁ أنه لقي راكبًا فسلم عليه. وقال: إن شريحًا كان يفعل ذلك في السلام على قرب العهد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون، فتحول بينهم الشجرة، فإذا التقيا سلم أحدهما على صاحبه. في الأسماع قال ابن عمر ﵄: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله مباركة طيبة. في التخصيص: كان ابن سيرين ﵁ يكره أن يقول: السلام عليك حتى يقول: السلام عليكم. ورأى عبد المؤمن العبدي رجلًا مع مسلم بن يسار، فقال: السلام عليك. فنهاه مسلم عن ذلك. فقال: إني عرفته. فقال مسلم: ليس في نفسي أن معه حفظة ولكن قل: السلام عليكم. وقال إبراهيم: إذا سلمت فلا تخص، وإذا رددت فلا تخص، وإذا سمعت فلا تخص. في كيفية السلام وكيفية الرد: روى أبو تميمة العجيمي عن رجل من قومه قال: طلبت النبي ﷺ فوجدته يصلح بين قوم، فلما قام معه بعضهم فقال: يا رسول الله، فلما رأيت ذلك، قلت: عليك السلام يا رسول الله ثلاثًا. فقال: (إن عليك السلام تحية الميت، إن عليك السلام تحية الميت، إن عليك السلام تحية الميت. ثم أقبل علي فقال: وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله). وقال عطاء: قام علينا ابن عباس، فسلم علينا، فقلت: وعليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: من هذا؟ فقال: عطاء بن أبي رباح. قال فأتاه إلى مكانه، ثم تلا: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد﴾.

стр. 1406

في الجماعة إذا سلم أحدهم أو رد: قال النبي ﷺ : يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير. وإذا مر بقوم فسلم منهم واحد أجزى عنهم، وإذا رد من الآخرين واحد منهم أجزى عنهم). في موقف المسلم قال رسول الله ﷺ لسعد بن عبادة- ﵁ وقد استأذن مستقبل الباب: (لا تستأذن وأنت مستقبل الباب) وأمره أن يستأذن وهو غير مستقبل الباب. في السلام عند الخروج: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخلتم بيتًا فسلموا على أهله، وإذا خرجتم فادعوا أهله السلام). وعنه ﷺ قال: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس. وإن قام عنهم فليسلم الأولى بأوجب من الآخرة). وعنه ﷺ : (من قصد فليسلم، من قام فليسلم. ثم قام رجل ولم يسلم، فقال له رسول الله: ما أسرع ما نسي هذا). في التسليم على المشرك والرد عليهم: قال النبي ﷺ لأصحابه: (إني راكب غدًا إلى يهود، فلا تبدأوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم). روى الحديث أبو نصرة العفاري. وقال أنس ﵁: نهينا، أو أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب على عليكم في مقابلة أهل الكتاب. قال عمر ﵁: سموهم ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم- يعني أهل العهد-. في رد السلام على المشرك إذا عرف إسلامه: قال أبو بردة: كتب رجل من المشركين إلى النبي ﷺ ، فكتب في أسفل كتابه: سلام عليك فأمر النبي الكاتب أن يرد ﵇ في الكتاب.

стр. 1407

كتب النبي ﷺ إلى قيصر: (السلام على من اتبع الهدى) وبذلك جاء القرآن في استرجاع السلام. قال: سلم ابن عمر ﵄ على رجل فقالوا: إنه كافر. فقال: رد لي ما سلمت عليك: قال: فرد عليه فقال: أكثر الله مالك. والتفت إلى أصحابه فقال: هو أكثر المحرمة مع استرجاع السلام إن أسلم عليه فإذا قال: رددت إسلامك، لم يستجب فيه سلام المسلم. فإن رجلًا لو قال لآخر: غفر الله لك فقال: لا أريد دعاءك. أو قال: لا غفر الله لي بدعائك، أو لا أجاب الله دعاءك. لم ينتفع بدعاء من دعا له كما لو دعا لنفسه بخير ثم كرهه، فقال: اللهم لا تفعل ذلك بي. أو اللهم اردد دعائي. أو قال: رجعت في دعائي. لم ينتفع بما قدم من الدعاء، فيصير المسلم كأن لم يسلم حين يطلب على من سلم عليه فائدة دعائه. وإن استرجع المسلم سلامه فلم يرجعه المسلم عليه وضربه فله ذلك. لأنه يرجو خيره وبركته. وفي الرد جزاؤه على الله. فلا يجبر أحد عليها. وإن رجع المسلم من سلامه من غير أن يسترجعه من المسلم عليه، وقد تعمد السلام عليه لم يبطل بذلك سلامة وإن كان سلم عليه غلطًا فرجع في سلامه بطل سلامه. وإنما قال ابن عمر ﵄ للكافر الذي سلم عليه ولم يعرفه أردد سلامي. ليصغره بذلك كما أكرمه وأعزه بالسلام أولًا. لأن سلامه عليه كن لا يبطل باعتذاره إلى الله تعالى من ابتدائه بالسلام، وسؤاله أن لا يسلم عليه ولا يجيبه، والله أعلم. وفي التسليم على النساء: قال رسول الله ﷺ في المسجد يومًا وعصبة من النساء قعود، فأومأ يده إليهن بالسلام. ومعنى هذا- والله أعلم- أنه سلم عليهن إشارة ولم يتكلم. ولعل ذلك ليرددن إشارة، ولا يتكلمن في المسجد، فتسمع أصواتهن. ورأى عطاء وقتادة: التسليم على القواعد دون الشواب. وسئل الحسن ﵁ عن ذلك فقال: طأطئ برأسك وامضه. فأما المحارم فإنهم يسلمون، وليس التسليم عليهن بأكثر من الخلوة بهن. فقد يحتمل أن يقال: أن النبي ﷺ لم يكن يخشى الفتنة، فلذلك سلم عليهن كما قيل وهو صائم، فقالت عائشة ﵂ كان أملككم لأدائه، فمن وثق من

стр. 1408

نفسه بالتماسك فليسلم، ومن لم يأمن نفسه فلا يسلم، فإن الحديث ربما جر بعضه بعضًا والصمت أسلم. وفي التسليم على الصبيان: قال أنس ﵁: مر بنا رسول الله ﷺ ونحن صبيان نلعب فسلم علينا، فدعاني فأرسلني لحاجة. وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم. وحدث أن رسول الله ﷺ مر على صبيان فسلم عليهم وهو معه. وكان ابن عمر يخرج إلى السوق فلا يمر بصغير ولا كبير إلا سلم عليه: السلام عليكم السلام عليكم. متى يسلم صاحب المجلس إذا دخل، قال: كان أبو قتادة ﵁ لا يسلم حتى يدنو مجلسه الذي يجلس فيه ويقول: ذكر لي أن الرجل إذا سلم ثم جلس استغفرت له الملائكة أو قال: صلت عليه الملائكة، ثم يقول أو يحدث. وإذا أرسل رجل إلى رجل سلامه فعليه أن يرده كما يرد عليه إذا ساقه. قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: (هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: عليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته) وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي يقرئك السلام، فقال: (عليك وعلى أبيك السلام). والسلام على الأمير، أن يقال له: السلام عليك أيها الأمير وكان يقال للنبي ﷺ : السلام عليك يا رسول الله. وإذا سقط التعميم، ها هنا الحاجة إلى الاعتراف للمسلم عليه بحاله ومكانته، وهي للنبي ﷺ الرسالة. ولولاة الأمر من بعده الإمارة. وإذا قال الرجل لأخيه: حياك الله، فإن قاله في غير موضع السلام فلا بأس، فكأنه قال له: عمرك الله، وأبقاك الله. وإن قاله في موضع السلام فليقل حياك الله بالسلام. فإن الله قال فيما ذم به الكفار: ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾. أي أن الله حياك بالسلام وهم يقولون غيره. وجاء عن الشعبي ﵁ أنه كثير ما كان يقول للذين يأتونه: حياك الله بالسلام. وإذا دخل على رجل فلا يريدن منه القيام له من مقامه حتى إن لم يفعل خبر عليه أو شكاه أو عاتبه. فإنه يروى عن عبادة بن

стр. 1409

الصامت قال: جاء رسول الله ﷺ فقال أبو بكر ﵁: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق- يعني ابن أبي سلول- فقال رسول الله ﷺ : (إنه لا يقام لي إنما يقام لله) يحتمل أن يكون أراد قول الله ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ وقيام المسلمين لله في الصلاة. ويحتمل أن يكون لم ينكر القيام، وإنما أنكر غرضهم، أي إذا قمتم إلى تريدون حكم الله، فلا تستشعرون أن قيامكم إلي، واعلموا أن قيامكم إلى الله تعالى إذ كان حكمه هو الذي تبغون وأنه لأجله تقومون. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم على رؤوس أكاسرتها). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من سره أن يقوم له الرجال صفوفًا فليتبوأ مقعده من النار). وجاء عن أصحابه قال: لم يكن وجه أكرم من وجه رسول الله ﷺ وما كانوا يقومون إذا رأوا إلى ما يعرفونه من كراهته. في أهل الخيام والحوانيت: قال ابن عون: كنا مع مجاهد بالكوفة، فإذا خيام متقابلة، فقال: كان ابن عمر ﵄ يستأذن في مثل هذه يقول: السلام عليكم، ألج، ثم يلج. كما هو قبل أن يؤذن له. ويحتمل أنه كان يستأذن استطابة لنفس صاحب الخيمة التاجر، ولو رأى أن عليه استئذانًا لمريض حتى يؤذن له. وقال الشعبي ﵀، إذا فتح بابه وأخرج بره فقد أذن لك. وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يلج طلال أهل السوق حتى يستأذن وهذا جعل السوق بمنزلة البيت لأهله، إذا لم يكن فيها ممر. فإن كان فيها ممر فهي كسائر الطرق. ولا معنى فيها للاستئذان والله أعلم. ومن وجوه المقاربة والمواصلة: إطعام الطعام، وهو مذكور في الحديث الذي رويناه، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد به الضيافة، كان الموسعون

стр. 1410

يدنون إلى أن لا ينفردوا بالطعام، بل يجتمعون عليه في أكثر الأوقات، لأن ذلك في جميعها لعلة لا يعرف ويتعذر، فإنهم إذا فعلوا ذلك تحابوا وتآلفوا وفعلت قلوبهم من الأمن وكانوا لنفس واحدة. فإن جرت الدعوة بهم لم يتفرقوا ولم يخذل بعضهم بعضًا، وكانوا يدًا واحدة على استقبال الأمر فيه بواحدة. وهذا أعظم الفوائد، فما دعا إليه وحرك عليه حرض أن يكون مستحبًا، والنوب إليه واقعًا، والله أعلم. والوجه الآخر أن يكون المراد به إطعام المجاويع من أهل الملة، والبدأة فيه بذي القربى. قال الله : ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسبغة، يتيمًا ذا مقربة أو مسكينًا ذا متربة﴾. وأثنى جل ثناؤه على أقوام آثروا على أنفسهم غيرهم بطعامهم، وهم محتاجون إليه. فقال: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. إنما نطعمه لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا. إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا﴾. ثم أخبر أنه قبل منهم ما تقربوا به إليه. وأمنهم بما خافوه، فقال: ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا﴾ الآيات إلى آخرها. فدل ذلك على فضل الإطعام لوجه الله تعالى. ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى جعله كفارة وفدية للنفوس وعدله بتحرير الرقبة التي جاء الخبر فيه، بأن من أعتق النسمة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه (من) النار. فقال في كفار اليمين: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإقامة في سائر الكفارات مقام الصيام الذي هو بدل العتق، وشرع في زكاة الفطر الإطعام. وأقام الإطعام لمن لا يستطيع صيام شهر رمضان مقام الصيام، فدل ذلك على أنه من أعلى ما يتقرب به إلى الله . وفي الباب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان) وبالله التوفيق. ويدخل في هذا الباب ما قاله أبو هريرة ﵁: إذا قرب إليك المسلم طعامًا فكله ولا تسأله عنه. وإذا قرب إليك شرابًا فاشربه ولا تسأله عنه.

стр. 1411

وفي مقاربة أهل الدين، قال رسول الله ﷺ : (أطعموا الطعام وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله). ومما جاء في تواصل المسلمين قوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتبارهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء تداعى له الجسد بالسهر والحمى). ومما جاء في مقاربة أهل الدين قول ابن عمر ﵄: ليست المعرفة أن تعرف وجه أخيك، ولكن المعرفة أن تعرفه واسمه واسم أبيه ومنزله، فإن مرض عدته، وإن غاب سلمت عليه، وإن مات مشيت مع جنازته. وفي مقاربة أهل الدين سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام وتقرأ السلام من عرفت ومن لم تعرف). وقيل في مقاربة أهل الملة، عن محمد بن علي قال: ألقيت لعلي ﵁ وسادة فجلس عليها وقال: لا تأتي الكرامة إلا الخمار. وقال النبي ﷺ : (إذا رأى أحدكم القوم، فأوسع له أخوه فليقعد، فإنها كرامة أكرمه الله بها). ولا ينبغي لأحد أن يجلس وسط الحلقة، فإن أبا مخلد روى أن رجلًا قد وسط الحلقة، فقال حذيفة ﵁: ملعون على لسان محمد، أو لعن الله على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة. * * *

стр. 1412

الثاني والستون من شعب الإيمان وهو باب في رد السلام قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا، فارجعوا هو أزكى لكم﴾ فأبان أنه أمر به لأنه أفضل. وقال: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾. يعني يسلم بعضكم على بعض، فمن سلم فإنما يتأدب بأدب الله تعالى، وحبى إخوانه المسلمين بما أمره الله تعالى أن يحثهم به. ثم أنه قال في الود: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾. فأمر أن يقال التحيي بأحسن من تحية. وليس معنى ردوها، إسقاطها عن نفسه، وإعادتها إليه كمن يهدى إليه شيء فلا يقبله ويرده. وإنما معناه أن يدعوا له مثل ما دعا، فيقول: وعليكم السلام. وهذا في الرد على المؤمنين. فأما الكافر يسلم على المسلم. فإنه يقول له: عليكم ولا يزيد لأنه لا يأمن، لعل سلامه كان مدلسًا. فقد كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : عليكم، فوهم إنها تقول: السلام فعرف النبي ﷺ ذلك. فلا زيد أن يقول: عليكم. والمعنى: عليكم ما تقولون. فأما المؤمن يقال له: وعليكم فالمعنى: علينا سلامكم وعليكم سلامنا.

стр. 1413

وأما للزيادة في رد السلام: فهي أن المسلم إذا قال: السلام عليكم. قيل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وهذا حد السلام ورده في الشريعة. قال علي ﵁: دخلت المسجد: فإذا أنا بالنبي ﷺ في عصبة من أصحابه فقلت: السلام عليكم. قال: (وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي، وعشر لك. قال: فدخلت الثانية، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله. فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك. فدخلت الثالثة، فقتل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثلاثون لي وثلاثون لك، أنا وأنت في السلام سواء. ثم قال: من مر على مجلس فسلم عليهم كتب الله له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات). فأبان أن الابتداء بالسلام فضيلة، فأما الرد ففرض، فما ذكرت، ولقول الله : ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾. فإذا كان السلام إحسانًا كان جزاؤه الرد كما ثبت. وجاء في السلام، عن اليهود أنها قالت لرسول الله ﷺ ، وقد دخلوا عليه: السأم عليك، فسمعت ذلك عائشة ﵂ فقال: عليكم السامة واللعنة يا إخوان القردة والخنازير. فقال لها رسول الله ﷺ : (مهلا يا عائشة، متى رأيتني فحاشًا فقالت: ألم تسمع هذا، إنهم إذا دخلوا عليك، فقال. ألم تسمعي قلت: عليكم). فهذا رفق النبي ﷺ وحسن خلقه واحتماله الأذى في ذات الله بتوفيقه. فإن سلم يهودي على مسلم فقال له: عليكم السلام أو عليكما أو عليك، فلا شيء عليه إن عرف منه أنه أحسن السلام عليه، وإن لم يكن تحقق سلامه، فقد أساء إلى نفسه من وجهين: أحدهما مخالفة نبيه ﷺ ومفارقته أذنه، والأخذ بتركه، للاحتياط والنظر إلى نفسه، فإنه لا يدري أن الذي خاطبه كيف دعا، وبماذا دعا له. وإنما أمرنا أن نقول لليهودي، إذا تحقق سلامه: عليكم السلام. لأن لذلك وجهًا وهو أن يجزيه بأن يدعو له بالسلامة في ماله وصغار ولده، إن كان حربيًا، أو بالسلامة له في نفسه من آفات الدنيا

стр. 1414

إن كان ذميًا. وله أن يدعوا له بالسلامة على معنى أن يؤمن فيسلم كما كتب الله تعالى للمؤمنين السلامة منه، ويكون قوله عليكم السلام، كقوله له هداك الله. ولا ينبغي للمؤمن أن يبدأ كافرًا بالتسليم عليه، لأن التسليم تحية، والتحية تعظيم. ولا ينبغي للمسلم أن يعظم كافرًا، فإنه بقدر ما يرفعه تعظيمه إياه يضع من نفسه إذ ليس من يعظمه مستحقًا للتعظيم. وإذا دخل رجل على قوم، فكلمهم ولم يسلم عليهم، فإن وجدوا من إجابته بدًا فينبغي لهم أن لا يجيبوه لأنه استخف بهم بأن منعهم حقهم من السلام الذي سن لهم أن يبدأهم به، فأقل ما يستحقه أن يستخفوا به بأن يمنعوه جواب كلامه. وجاء عن النبي ﷺ : (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) وهذا يحتمل وجهين: لا تجيبوه عن كلامه الذي بدأ به. والآخر لا تجيبوه عن سلامه الذي قدم الكلام عليه. فيكون هذا إسقاطًا لفرض الرد إذا قدم على السلام كلام من غير جنسه. فإن كان هذا هو المعنى، فوجهه أن السلام تحية اللقاء، فإذا كان اللقاء وتبعه خطاب بكلام سوى السلام، فقد انقضى وقت السلام. فإذا وجد بعد، فإنما وجد في غيره وقته، فلا يقع موقع التحية، ولا يجب الرد والله أعلم. فإن عرض له ما يعجله ويدعوه إلى القيام، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان في مجلس يرجو فيه- يعني خيرًا- فأعجلته حاجة فقام إليها، فليسلم على القوم، فإنهم شريكه فيما أصابوا من خير بعده، فقام رجل فلم يسلم، فقال النبي ﷺ : سبحان الله، ما أسرع ما نسي هذا). والسلام في هذا الحال ليس بتحية، إنما هو دعاء لهم بالسلامة بعده. فإن كانت لهم السلامة، فقد أصابوا خيرًا، وكان لأجل دعائه الذي دعا لهم في ذلك الخير. فأما السلام لأجل التحية وإكرام الوجه عند اللقاء عن أن يسكت ولا يحيا، فلا يكون إلا عند الدخول. ولا ينكر أن يكون السلام كلامًا واحدًا لم يختلف حكمه لأجل اختلاف الحال، ألا ترى أن السلام على النبي ﷺ عند لقائه كان يكون تحية لوجهه إذا رأوه، وتكريمًا له، وفي الصلاة دعاء له لا تحية لأنهم يسلموا عليه، وهو لا يسمع سلامهم. ومثل

стр. 1415

هذا لا يكون تحية، فكذلك السلام عند الدخول على القوم تحية، وعند القيام إذا أعجلت الحاجة إليه دعاء غير تحية، والله أعلم. فإن كان التسليم على جماعة كان الرد عليهم واجبًا، إلا أن أحدهم إن رد سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يرد عليه أحد منهم، فالكل حرجون. ولا ينبغي إذا بدأ رجل رجلًا بالسلام أن يقول له: عليك السلام، لكن يقول: السلام عليكم، فيبدأ بذكر السلام. فقد جاء في هذا عن النبي ﷺ أن رجلا قال له في شعر أنشده: عليك السلام أبا القاسم. فقال له: (عليك السلام تحية الموتى). فاجتمع في هذا شيئان: أحدهما أن الأحياء لا يسلم عليهم هكذا، بل يقال لهم: السلام عليكم. والآخر: أن من حضر أجودهم يجود بنفسه فله إذا قاظ أن يقول له: عليك السلام على سبيل التوديع له ليفارق، سلام الوداع سلام التحية. وينبغي للمسلم إذا سلم أن يجمع ولا يفرد، وإن كان المسلم عليه واحدًا فيقول: السلام عليك، لأن مع السلام عليه ملكين فلا يخصه دونهما بالسلام. ويقول الراد: وعليكم السلام، لأنه يريده، وملكيه. فإن قال المبتدئ: السلام عليك بحصر، فقال الراد وعليكم السلام، لأنه يريد وملكيه، يمنعه أفراد المبتدئ من الجمع. وإن قال المبتدئ: السلام عليكم بجمع، فقال الراد: وعليك السلام. فهذا له وجه، لنه يحمل المسلم في جواب الملكين عليهما. وهذا روينا عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁، وقد قال له: السلام عليكم، وعليك السلام، وكذلك في الثانية والثالثة والله أعلم. فإن قال قائل: لم يكن رد السلام فرضًا، وإن كان تحية وبرًا. فقد أجمع المسلمون على أن من أهدى إلى مسلم هدية فقبلها لم يكن فرضًا عليه أن يجزيه بها خيرًا منها ولا مثلها. وإن كان يستحب له أن يجزى، فلم لا كان رد السلام كذلك. قيل: لأن الأصل في السلام أنه كان إيمان، فإذا دعا الآخر بالسلامة، فقد أعلمه من نفسه أنه لا يريد به شرًا، والأمان لا يتفرق حكمه بين اثنين. فإن كل اثنين كان أحدهما آمنًا من الآخر. فواجب أن

стр. 1416

يكون الآخر آمناً منه. فلا يجوز إذا سلم واحد على الآخر أن يسكت عنه فيكون قد أخافه وأوهبه الشر من نفسه. ولذلك وجب عليه الرد، وليس هذا في الهدية هكذا، لأنها للألفة واستجلاب المودة. وفي تعجيل المثوبة، دليل على التضجر والميل إلى إبطال ما عسى أن يتوهم وجوبه من النية. فكان ذلك بالكراهية أولى منه بالوجوب والله أعلم. فأما رد مثلها أو خير منها في وقت آخر مستحب، ولكنه لا تجب الآن الأولى كانت لاستجلاب المودة، وقد حصل ذلك حكم العادة، مضار الهادي أحب إلى المهدى إليه مما كان من قبل زمان المهدي أيضًا لكان ما أخرجه من ماله إلى من أهداه إليه، أسعف به مما كان من قبل. فحصل الحب بين الجانبين واستغنى بذلك من المجازاة، فإن لم تكن لم تضر والله أعلم. وأيضًا أن رد السلام فرض من فروض الكفاية، فلأن السلام من البادئ به واحد. فإذا رد أحد القوم عليه، فقد وصل إليه سلام مثل سلامه جزاءا للسلام الذي كان منه. فقضى ذلك حقه، ولا زيادة له عليه. فإن قيل: فإنه إذا سلم عليهم كان له سلام على كل واحد منه، وإذا رد عليه أحدهم فكان كل واحد منهم رده عليه. لأنه إنما يريد بقوله فيه: عليكم السلام، أي وعليك مثل سلامك. فإذا كان سلامه على عشرة كان ﵇ يوازي سلامه والله أعلم. فصل وأما معنى قول القائل: السلام عليكم فهو قضى الله علكم بالسلامة مما تكرهون، والسلام والسلامة كالمقام والمقامة، والملام والملامة. وأما قيل عليكم ولم يقل (لكم) لأن المراد القضاء. والقضاء للعبد بالخير قضاء من الله عليه. لأنه يناله، أراده أو لم يرده. وقد يناله وهو لا يشعر به. وقد قيل معناه: اسم السلام عليكم، أي اسم الله عليكم (أي كانت فيكم البركة ولكم اليمن والسعادة: كما يكون فيما ذكر اسم الله عليه، والله أعلم.

стр. 1417

فصل وينبغي للمسلم أن يقول لمن يسلم عليه: السلام عليكم، لأنه سنة السلام المحلل من الصلاة. هذا فدل على أن سنة السلام خارج الصلاة مثلها. فأما وجوب الصلاة، فإنما قال: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى على عباد الله الصالحين. لأن ذلك السلام في موضع الذكر والثناء لله ، في حال بقاء عقد الصلاة المحرم لكلام الناس. فصار لوقوعه بأمر الله كأنه سلام من الله تعالى جده على المذكورين وتسليم الله تعالى على عباده سلام، سلام بلا ألف ولام. فكان حق هذا التسليم أن يكون كذلك. فأما السلام في آخر الصلاة، فإن عقد الصلاة لا يبقى معه، وهو واقع لا في وقت الذكر لأن الحال بحال القطع، فلم يكن كالواقع من الله . فمن هذا الوجه، فأرى السلام الواقع في جوف الصلاة والله أعلم. وإذا سلم الإمام في الصلاة توقى لكل واحدة من التسليمتين الملائكة والناس الذين في تلك الجهة. وإذ سلم القوم، نووا بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الحفظة، والناس والإمام. وبالثانية من عن يساره من الحفظة والناس. وإن لم يكن من أحد جانبيه أحد لم ينو إلا الحفظة دون الناس. ومن قال يسلم المصلي تسليمة واحدة قال يسلم بلقاء وجهه، لأن السلام صلاة فيستقبل به القبلة كما يستقبل الناس الأركان. ومن قال يسلم تسليمتين عن اليمني وعن الشمال، فلأنه محلل. وقد كان من قبل ممنوعًا محرمًا، فهو يشعره من الالتفات إلى من يسلم عليهم بما لم يكن لائقًا منه بالصلاة. كما يستحله نفسه في هذا الوقت، ولم يكن من قبل حلالا في الصلاة، وبالله التوفيق. ولا ينبغي إذا سلم رجل على آخر أن يشير إليه بيده، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من تشبه بغيرنا فليس منا). وقال: (لا تسلموا تسليم اليهود بالأكف، وتسلم النصارى بالإشارة). فلا ينبغي لأحد إذا سلم على أحد أن ينحني له، ولا أن يقبل

стр. 1418

مع السلام يده، لأن الانحناء على معنى التواضع، لا ينبغي إلا لله . وسئل رسول الله ﷺ عن الرجل يلقى الرجل، أينحى له؟ قال: لا. قال: فيعانقه، قال: لا. قيل: فيصافحه؟ قال: نعم. وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم فلا يبتغون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبريائهم. قال النبي ﷺ : (لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها) فهذا مثله. والله أعلم. وإذا مر رجل بمصلي، فلا ينبغي له أن يسلم عليه حتى يفرغ، فإن سلم فهو بالخيار. فإن شاء رد إليه إشارة بإصبعيه، وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد ﵇، وهذا أولى. وإذا ورد على الإمام وهو يخطب فلا يسلم، وإن سلم لم يرد عليه إلا إشارة. وإن رد لم يفسد ذلك خطبته. ولا ينبغي لمن مر برجل وهو يقضي حاجته أن يسلم عليه، فإن فعل لم يلزمه أن يرد عليه. سلم رجل على النبي ﷺ في مثل هذه الحال فقال له: (إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال، فلا تسلم علي، فإنك إن سلمت لم أردد عليك). ومن ورد على رجل وهو يقرأ القرآن فلا يقطعه عنه بالسلام عليه حتى يفرغ، ثم يسلم عليه. فإن سلم عليه وهو يقرأ، فهو بالخيار، إن شاء رد، وإن شاء أمسك حتى يفرغ، ثم يرده. وإن رد عليه وهو يناجي أخاه فلا يسلم عليه حتى يفرغ من نجواه، ثم يسلم عليه، فإن سلم عليه وهو معرض له فله، إن يرد، وإن سلم عليه وهو مقبل نحوه، فينبغي له أن يرد عليه لأنه حياه. وإذا دخل المسلم مقبرة من مقابر المسلمين، أو انتهى إلى قبر مسلم، فينبغي أن يسلم فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. كما روى عن رسول الله ﷺ أنه أتى بقيع العرق، فقال ذلك. ومن دخل على قوم الحمام أو نزل حوضًا، فوجد فيه رجلا قد نزله قبله، أو خاض واديًا، فانتهى فيه إلى قوم، فمن كان منهم كاشفًا عما يلزمه ستره من بدنه لم يسلم عليه. ومن كان مشغولًا عنه بالأمر الذي نزل المسلم يسلم عليه أيضًا ومن كان يخالف ذلك سلم عليه.

стр. 1419

الثالث والستون من شعب الإيمان وهو باب في عيادة المريض وقد ذكرها النبي ﷺ فيما ذكره من حق المسلم على المسلمين لأنه روى عنه ﷺ أنه قال: (للمسلم على المسلم ست خصال واجبة، فمن ترك منها خصلة ترك حقًا واجبًا عليه: أن يجيبه إذا دعاه، ويسلم عليه إذا لقيه، ويشتمه إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته إذا مات، وينصحه إذا استنصحه). وقال النبي ﷺ : (عائد المريض يمشي على مخارف الجنة) حتى يرجع إذا أراد، والله أعلم أنه يثاب بما يهتم به من أمر أخيه المسلم أن ينعم غدًا بحل منار الجنة. وقال النبي ﷺ : (إذا رأيتم المرء يعجكم حاله، فاسأل عن اسمه واسم أبيه وقبيلته، فإن مرض عدتموه، وإن مات شهدتموه). وقال ﷺ : (من أصبح صائمًا وعاد مريضًا وشيع جنازة وأطعم سائلًا وجبت له الجنة). وقال ﷺ : (ضامن على الله: في سبيل الله، وفي المسجد الجامع، وعند مريض في بيته، وعند إمام يعذره ويوقره لله . وقال ﷺ : (إن الرجل إذا عاد أخاه المسلم لم يرفع قدمًا إلا كتب له بها حسنة وحطت عنه بها سيئة، ورفع له

стр. 1420

بها درجة. وخاض في الرحمة حتى إذا جلس إليه غمرته الرحمة، وجرت فيما بينه وبين المريض، وكان المريض والعائد في ظل العرش). وأول ما في عيادة المريض إظهار الاكتراث بما مسه، وإطلاله عنه على ما هو من مركز في القلب من محبته، والتوجع بوجعه، ويسأل الشمتة إن كان في صدره، وبعث له على أن يكون غذاء إن مسه شفاء. كما وجده اليوم عليه لنفسه، ثم إن ترك العيادة لطول بمرض الأخ المسلم، ولا ينبغي للمسلم أن يأتي منه ذلك. لأن المريض إن كان مرض الموت، والموت ناقص من العدد وقاطع للعدد، فإن لم يكن مرض الموت فهو حائل دون الاجتماع على الصلاة والجهاد. وذلك وهو عاجل. وإن كانت السلامة تبيعه في الأجل واهنًا، فإن المريض قد يحب له أصدقاؤه ببعض ما في نفسه، ويشاورهم في مر وصيته، ويستوصيهم بولده وأهله عنايته. فإذا انقضوا عنه وهو جفاء منه بمكانة، فلا ينبغي لهم أن يفعلون. ومن العيادة أن لا يكرر العيادة كل يوم، لأن ذلك إذا كان لا يستحب في الزيارة لما يخشى فيه من الإملال. كما قال النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁: زرغبًا تردد حبًا). فأولى أن لا يستحب في العيادة، فإن أنس المريض أقل حملًا للأثقال من نفس الصحيح. وفي أدب العيادة قال: كان رسول الله ﷺ لا يعود أصحابه إلا بعد ثلاثة أيام وقال: (اغبوا في عيادة المريض، فأربعوا أن لا يكون المريض مغلوبًا). وينبغي للعائد إذا دخل أن يتأمل حال المريض، فإن رآه قلقًا أو ضعيفًا، لا يتفرغ لمكالمته، لم يلح عليه بمسألة، ولم يملله بكلام ويدعو له وينصرف. وإن رآه منشرح الصدر فلا بأس أن يسأله عن حاله ويعرفه ما يجده في نفسه من الاهتمام بعلته، ويدعو إليه وينصرف عنه قبل أن يمله. فقد جاء في دعاء المريض والدعاء له قال علي ﵁: وجعت وجعًا كان يقتلني

стр. 1421

فأتاني النبي ﷺ يعودني فقال: (اللهم إني أسألك تعجيل العافية، أو صبرًا على البلية، وخروجًا من الدنيا إلى رحمتك) فقال لي: (نم يا علي وقام يصلي ثم انصرف من صلاته. وقال لي: ابن أبي طالب، لا بأس عليك، قد برأت إن شاء الله. ما سألت الله (من) الأشياء إلا سألت لك مثله. وما سألت مثله، وما سألت الله شيئًا إلا أعطانيه، إلا أنه أوحى إلي إنه لا نبي بعدي). وقال ﵇: سلوا الله العافية فإنه ما أوتي عبد أفضل من العافية). وعاد رسول الله صلى الله علي وسلم امرأة من الأنصار وهي مريضة فقال: (كيف تجدينك يا أم فلانة؟ قالت: بخير يا رسول الله، وقد برحت عن أم ملدم- تريد الحمى- فقال النبي ﷺ : اصبري فإنها تذهب من خبث الناس كما يذهب الكير خبث الحديد) وقال ﷺ : (ما من رجل يعود مريضًا لم يحضر أجله يقول سبع مرات: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي). قال: كان رسول الله ﷺ إذا عاد مريضًا وضع يدعه على المكان الذي يشتكي منه ثم يقول: (بسم الله، اذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي فإنه لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا). قالت: عائشة ﵂ لما مرض النبي ﷺ ، وضعت يدي عليه لأقول هؤلاء الكلمات، فنزع يدي عنه فقال: (اللهم الرفيق الأعلى). وإن علم به حاجة فعرض عليه ما عند وسأله الانبساط به فحسن، فإن كان ذلك منه إليه بلا مسألة فهو أحسن، وكذلك إن كان معه حين يدخل عليه بخفة تليق بحاله. ولا ينبغي إذا رأى به ضعفًا أن يخوفه، ويخبره بما يخبر به، ولا أن يظهر على عينه أنه

стр. 1422

شاهد منه ما غصه، بل يكلمه بما يبسط عليه ويقوي أمله. فإن ذلك من معادن الثبات، فهو كالمداومة والمعالجة، ولا بأس مع ذلك أن يعرض له بالتوصية إن علم أنه أغفلها. وإن دخل عليه وهو محتضر، قرأ عنده سورة (يس) لما جاء في الحديث فيها، قال رسول الله ﷺ : (اقرأوا يس على موتاكم). ولقنه الشهادة من غير أن يلح عليه، ولكنه يستعملها عندها من حيث أن يسمعها، فعسى أن يتلقنها. فإن النبي ﷺ قال: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله). ويروى عنه ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله مخلصًا بها من قبله، دخل الجنة). * * *

стр. 1423

الرابع والستون من شعب الإيمان وهو باب في الصلة على من مات من أهل القبلة قال النبي ﷺ : (صلوا على من قال: لا إله إلا الله) وكان يصلي على من مات من أصحابه، ومن لم يعلم به حتى قبر، صلى على قبره. قوال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمًا حتى أصلي عليها). وقال: (حق المسلم على المسلم خمس فذكر منها، أن يشيع جنازته إذا مات). وليس في التشييع غرض إلا الصلاة. ومعناها التوجع لفراق الميت وإظهار الشح به، والتصور بصورة من كان لا يخليه بل يرده وجعه لو كان له إلى ذلك سبيلًا، ثم الفرع إلى الدعاء له عند وقوع التسليم الذي لابد منه. وتأييد ذلك الدعاء بتقديم القرآن والصلاة على النبي ﷺ قبله، رجاء أن ذلك إذا تقبل لم يجز الدعاء له عنه بل يجاب. وهذا نهاية الشفقة والرأفة والغاية، وهو الأمر الذي لا يمكن في تلك الحال غيره. وكل ذلك مما يقتضيه التشارك في الدين، والاجتماع في حال الحياة، على التناصر والتظاهر فيه، وبالله التوفيق. وينبغي لمن ولي أمر المسلمين في بلد، أن لا يتخلف عن جنازتهم ولا عن عيادة مرضاهم، إلا أنه إذا حضر كان ولي الميت من طريق النسب أولى بالصلاة عليه منه. فلا يتقدم إلا أن يقدمه الولي، لأن الصلاة على الميت من حقوقه الخاصة فهو كفيله، وتكفينه وإدخاله القبر ولا مدخل للولاة في ذلك، فكذلك الإمامة في الصلاة عليه. فإن قيل: وأي حق للميت في إمامة من فضل عليه قيل: حقه في ذلك أن الإمام كلما كان أحنى عليه وأشد تحرقًا وتائبًا، وما نزل به، كان دعاؤه له أخلص وأجمع. فيسري ذلك الكمال من صلاته إلى صلاة من خلفه لينبئهم الاقتداء به والله أعلم.

стр. 1424

والصلاة على الميت أربع تكبيرات، أولها تكبيرة تتلوها قراءة الفاتحة، ثم تكبيرة تتلوها الصلاة على النبي ﷺ ، ثم تكبيرة يتلوها الدعاء للميت، ثم تكبيرة التسليم. وكل شيء من ذلك يتفرع وكتابة في حكم الأحكام. وقد قيل: إن آدم صلوات الله عليه لما حضرته الوفاة أمر جبريل نبينا ﵉ أن يتقدم فيصلي عليه، وإنه كبر عليه ثلاثين تكبيرة، وقيل كبر عليه ألفًا، ومن الناس من ذهب إلى أن التكبيرات خمس، فاعتد بأن هذه التكبيرات كلها أركان، فهي في تقدير فواتح الصلاة، والصلوات المكتوبات كلها خمس. فوجب أن تكون التكبيرات خمس ليكون تقديرها أن الميت لما عجز عن الصلاة بنفسه أقيمت عليه الصلاة يوم وليلة، إذ كانت هذه المدة تستفرغ الصلوات كلها. ولم يكن إلى مجاوزتها سبيل. وقد يجاب عن هذا، أن هذا المعنى يحصل، وإن كانت التكبيرات أربعًا، ويكون ذلك أولى، لأن أربع تكبيرات تكون في تقدير أربع صلوات، والتسليم الذي هو ركن الخاتمة مكان الصلاة الخامسة، فتصير الصلوات الخمس مستوفاة من هذا الوجه. وسنة من شهد الجنازة أن يتقدمها، وهي المروي عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وهو الأشبه بحال الشفعاء وعادتهم بأنهم أبدًا يتقدمون من يشفعون له، ولا يتأخرون عنه، ولأنهم إذا تقدموا ثم حمل، عجلوا الصلاة عليه ودفنوه. وقد جاء في الحديث من كرامة الميت تعجيل دفنه. فكان ذلك أولى من أن يتأخروا عنه، فيحتاج في الصلاة عليه إلى انتظاره، والله أعلم. وأما ما عدا هذا من صفة الصلاة عليه وما يتعلق بها من المسائل موضعها كتب الأحكام، وهي مبينة فيها، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها. وحسن إذا صلى عليه وانصرف منه، أن لا ينس، ويزار قبره أحيانًا، ويذكر بالدعاء الصالح، فإن النهي عن زيارة القبور منسوخ، روى عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نهيت عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجدًا). وقال: (زوروا إخوانكم وسلموا عليهم وصلوا فإن لكم فيهم عبرة).

стр. 1425

الخامس والستون من شعب الإيمان وهو باب في تشميت العاطس روي ذلك في الحديث الذي قيل له (حق المسلم خمس) فذكر منها أن تشميته إذا عطس ونص بالتشميت بالآخر. فسئل عن ذلك فقال: إن هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله. ويقال: أن الأصل في ذلك ما ذكره وهب في كتابه في بدء الخلق: إن أبانا آدم صلوات الله عليه كان مصورًا من فخار، فلما نفخ الله تعالى فيه الروح وجعله بشرًا عطس. فقال له: قل الحمد لله. فقالها. فقال له: يرحمك الله، أو يرحمك ربك. ومعنى حمد الله عند العطاس، أن العطاس دفع للأذى من الدماغ الذي فيه قوة الذكر والفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس والحركة وسلامتها تكون سلامة الأعضاء، والتواصل بكل شيء منها إلا ما خلق له. فإن تيسر ذلك فإنما هو نعمة جليلة، وفائدة عظيمة. فلا تقل من أن نعرف قدرها بالحمد لله . وفيه مع ذلك اعتراف له بالخلق والتدبير وإضافة ما يقدر منه إليه، لا إلى الطباع كما يقوله الملحدون. فكان مما تحق المحافظة عليه هذا المعنى. وإذا عطس فحمد الله ، فإن اتبع ذلك، الصلاة على المصطفى ﷺ فحسن. لأنه لو يعلم سنة الحمد عند العطاس إلا من جهته وعلى لسانه. فإن قضى حقه في ذلك الموضع بالصلاة عليه كان ذلك أحسن، وأولى به من أن يغفل عنه. وإذا حمد العاطس ربه كان تشميته أن يقال: يرحمك الله. فإذا قيل له ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ إنه كان إذا عطس، فقيل له: يرحمك الله قال: يهديكم الله. وجاء: يهديكم الله

стр. 1426

ويصلح بالكم. وجاء أنه أمر العاطس والمشمت بما قلنا. وقيل: إنما قال ذلك ليهودي فأسلم، فما قيل بعد ذلك. وجاء عن ابن مسعود- ﵁: يغفر الله لك أو لكم. وتقدير العاطس، إذا شمت كتقدير من دخل مجلس رجل فسلم عليه. فكما أنه يؤمن لا السلام عليه فكذلك المشمت يؤمن بأن يجيب عن التشميت بمثله. فإن قيل: فإن رد السلام سلام، فلم لا كان جواب التشميت كالتشميت؟ قيل: لأن السلام كلام الإيمان وجواب الإيمان إيمان. وتشميت العاطس دعاء له، ومن دعاء له بدعاء فأجاب، لم يؤخذ عليه أن يدعو بنفس ما دعي له به. وإنما كان دعاء التشميت ما ذكروا، كان أنواع البلاء والآفات كلها مؤخذات يؤاخذ الله تعالى بها عباده. وإنما تكون المؤاخذة بالذنوب. فإذا حطت مغفورة، وأدركت العبد رحمة الله تعالى، لم تقع المؤاخذة، فلهذا قيل للعاطس: يرحمك الله، أو يغفر الله لك. أي جعل ذلك لك لقدوم السلامة والصحة لك. وقد يحتمل أن يكون التشميت وجوابه كالسلام ورده. ويحتمل أن يكونا جميعًا سنتين، لأن التشميت دعاء، فهو كالدعاء للمريض، ودعاء التهنئة بالولد. وليس جواب ذلك بفرض. والسلام كلام إيمان فاقتضى ردًا، لأن ترك الجواب عنه يوهم المخالفة. وإذا عطس رجل في الصلاة فقال: الحمد لله جاز. فإن سمعه من ليس في صلاة قال: اللهم ارحمه، ولا يقول: يرحمك الله. لأن هذا خطاب، ولا يخاطب من لا يخاطب. فأي واحد من هذين قال له. فإذا فرغ أجابه. وإذا سمع من هو في صلاة سكت عنه حتى يفرغ ثم يشمته. وإن قال وهو في الصلاة: اللهم ارحمه، أو اللهم اغفر له، جاز. وإن قال: يرحمك الله وعلم أن ذلك لا يصلح في الصلاة فسدت صلاته. وإن ظن أنه يصلح فيها لم يفسد، ويشمت العاطس إذا حمد الله تعالى ثلاث. فإذا جاوزها لم يشمت وذلك من الزكام. وقال عبد الله بن عمر ﵄ لرجل شمت عاطسًا عنده ثلاث مرات فلما أراد أن يشمته في الرابعة قال له: دعه، فإنه مصوك.

стр. 1427

فإن قيل: فلم لا كان المزكوم بالدعاء له أولى؟ قيل له: هو بالدعاء أولى، إلا أن دعاء المرضى شفاك الله وعافاك الله. وأما تشميت العاطس فهو دعاء لدوام الصحة، لا دعاء لدفع المرض. فلذلك لم يكن المزكوم فيه نصيب والله أعلم. ولا ينبغي للعاطس إذا عطس بحضرة قوم أن يخفي حمد الله ، لأن نعمة الله تعالى عليه ظهرت لهم، فلا يحس أن يخفي عنهم شكره، ولأنه يحرم بذلك نفسه دعاءهم له. فإن كان إنما يخفي الحمد لئلا يشمت، فذلك أسوأ وهو نظير من يدخل على قوم فلم يسلم عليهم أو يخفي السلام لئلا يسمع فيرد عليه. روي أن رسول الله ﷺ قال: (يحب الله العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله، فحق على من سمعه أن يقول: يرحمك الله). فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع. فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان. ومعنى هذا أن الشيطان يعجبه التثاؤب لأنه أمارة الكسل وثقل الأعضاء. فإذا رأى الشيطان ذلك من أحد طمع في أن يكون منه النوم أو ترك العبادة، فذلك ضحكه والله أعلم. وروى أن رجلًا عطس عند رسول الله ﷺ : الله أكبر. فقال النبي ﷺ : الله أكبر وعطس آخر فقال: الحمد لله على كل حال. فقال رسول الله ﷺ : يرحمك الله. قال يحيى بن أبي كثير يدل أن شمت ذلك له، لأنه لم يوافق السنة، وشمت هذا لأنه وافق السنة. عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين وليقل له: يرحمنا الله وإياك، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم. وكان ابن عمر ﵁ إذا شمت يقول: يرحمنا الله وإياك وإياكم. وهذا إذ قيل له: يرحمك الله، فيقول: يرحمنا الله وإياك. وقال سالم: لا تدع لإنسان بدعوة إلا بدأت بنفسك، فإذا حمد الله عند العطاس، قيل: يرحمنا وإياك.

стр. 1428

وقال إبراهيم: إذا عطس أحدكم فليسمعنا الحمد حتى نشمته. وقال: إذا شمت أخاك فقل: يرحمك الله تعالى. فإن معه الحفظة كما أنك لو سلمت على رجل لقلت: السلام عليكم، كان أحسن من أن تقل: السلام عليك، وقد يفترقان لأن التشميت للعاطس، ولاحظ للملك فيه، والتسليم للصلاة، والملك من أهل الصلاة، وتستحب الصلاة على رسول الله ﷺ عند العطاس. عطس رجل عند ابن عمر ﵁، فقال: الحمد لله رب العالمين فقال ابن عمر: لو أتممتها، فقلت: والسلام على رسول الله. ولا يشمت المزكوم، لن رجلًا عطس عند النبي ﷺ فقال له: رحمك الله. ثم عطس الثانية فقال النبي ﷺ : (هذا رجل مذكوم). وإذا لم يشمت المزكوم فالمنعكس كذلك، بل أولى، وإنما تشميت من عطس، لأن عله، ومن غير اختلاف لأن الأخبار في ذلك جاءت. وفي أدب العطاس: روى أن رسول الله ﷺ كان إذا عطس حمر وجهه. وروى خفض صوته. وقال أبو موسى كان اليهود يأتون النبي ﷺ فيتعاطسون عند رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فيقول: يهنيكم الله ويصلح بالكم. فإن قيل: قد شمتهم وهم يتعاطسون، قل: قد يخفى عليه أنهم تعاطسوا، وقد يعلم ذلك، فلا يحب إظهاره لهم بترك التشميت تألفًا لهم. ولأن يقولوا: إنما لم يشمتنا لأنا لم نكن من أهل دينه. وعن الزهري ﵁ يكره شدة عطاس الرجل ورفع صوته في تثاؤبه في المسجد. ونهى مجاهد ﵁ عن الإعلان بالتثاؤب والعطاس. وقال عبد الكريم بن أبي مالك يكره أن يرفع الصوت عند العطسا، والتثاؤب والتنخم ومطه بقوله يا غلام، وهو الذي جاء في العطاس من خفض الصوت، يحتمل أنه كان شمته، ولم يكن عمدًا، والناس في ذلك متفاوتون. وقد يجوز أن يفضل الباب،

стр. 1429

فيقال: من كان في رأسه ثقل وشدة، فعطس، فشدد عطاسه، ورفع صوته ليعين بذلك عن انتفاخ شدقه لم يكن في ذلك ما يكره. وإن أراد برفع الصوت التلعب، وإرعاب بعض السامعين كره ذلك. في العاطس إذا حمد الله: عن ابن عباس ﵄ قال: إذا عطس الرجل فقال: الحمد لله، قالت الملائكة: رب العالمين. وإذا قال: رب العالمين. قالت الملائكة: يرحمك الله. في التثاؤب: قال رسول الله ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل). ومعي هذا أنه أعلم أنه إذا مد النفس فقد فغر فاه لم يؤمن أن يمتد معه شيء يكون في الهواء، فيدخل فيه فيتأذى بذلك. فسمي ما كان من ذلك شيطانًا، لأنه مؤذي، يدخل على الإنسان منه ما يكره كالشيطان، كما يقال للرجل الحسن الكريم ملك. وقال النبي ﷺ (يطلع من هذا الفج رجل بوجهه مسحة ملك) فأطلع جرير. وإنما قال بوجهه مسحة، ذلك لأنه كان حسنًا صبيحًا، إلا أنه كان هناك مسح بالحقيقة والله أعلم. وينبغي إذا عطس العاطس أن يتأنى حتى يسكن بما به ثم يشمتوه، ولا يعاجلوه بالتشميت. وإذا عطس الخاطب وقال: الحمد لله ومر في خطبته لم يشمت، وإن وقف شمتوه. وإذا عطس أحد القوم فحمد الله تعالى جده، شمت إشارة. وقيل يشمت بكلام. وإذا علم من رجل يكره أن يشمت، ويرفع نفسه أن يتأسف، بذلك لم يشمت لا إجلالًا له بل إجلالًا للتشميت عن أن يرهل له من يكرهه، قال الله فيما حكاه عن نوح النبي صلوات الله عليه أنه قال لقومه: ﴿أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده، فعميت عليكم، أفلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾. فإن قيل: إذا كان التشميت سنة، فلم تترك السنة بكراهية من يكرهها؟

стр. 1430

قيل: هي سنة لمن أحبها، وليس بسنة لمن كرهها. لأن من يرغب عن الخير رغب الخير عنه. وإن كره رجل أن يسلم عليه عند اللقاء لم يسلم عليه لما وصفنا. كما أنه إذا مرض فكره أن يعاد لم يعد. وإن أوصى محتضر بأن لا يصلي عليه إذا مات صلى عليه، لأن الصلاة عليه شفاعة له. وهو إذا أسرف على أنفسه بأن أوصى أن لا يصلي عليه أحوج إلى الشفاعة له منه إذا لم يوص به. وأما السلام فتحية، والتشميت مثله. ومن كره التحية لم يحيى، كما أن من كره الزيارة لم يزر والله أعلم. ولأن الصلاة عليه ودفنه واجبان بإيجاب الله تعالى وفرضه، فلا يعمل بوصيته في إبطالها والله أعلم. * * *

стр. 1431

السادس والستون من شعب الإيمان وهو باب في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم قال الله : ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾. وقال: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم، فأولئك هم الظالمون﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾. وقال: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾. وقال: ﴿المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. وقال: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾. إشارة أن لا ولاية بين المؤمن والمنافق. وقال النبي ﷺ : (لا تراءى ناراهما- يعني المسلم والمشرك) أي لا ينبغي أن

стр. 1432

يكون المسلم بقرب الكافر فيرى هذا نار ذاك نار هذا. وقال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: اجتنبوا أعداء الله اليهود والنصارى في عيدهم يوم جمعهم. فإن السخط ينزل عليهم فأخشى أن يصيبكم، ولا تعلموا رطانتهم فتخلقوا بخلقهم. وقال الله : ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك، فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ وقال: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثله﴾. وقال: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾. وقال: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ وقال: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا﴾ وقال: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا﴾. وقال: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ إلى آخر السورة. فدلت هذه الآيات وما في معناها، على أن المسلم لا ينبغي له أن يواد كافرًا ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه. ولا يقاربه ولا يجزيه في الخلطة والصحبة مجرى مسلم منه وإن بعد. ويجتهد في أن لا يكون من قلبه ولحظة ولفظة بالميل إليه نصيب، ويكون عليه أشد منه على قاتل أبيه أو وليه. فإنه إن كان ممن يؤمن بالله ورسوله فبالحري أنه إذا فكر في أنه متكلم في الله بما لا يرضاه الله تعالى، ويكذب رسوله ويتكلم فيه بما أجل الله قدره عنه أن يكون ذلك أشد عليه من أن يناله في نفسه أو في والده، أو في ولده بما

стр. 1433

يكره، فالله تعالى أولى به من نفسه، ومن أبيه وأمه وولده، والتي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ولهذا قال عز اسمه: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فينبغي له إذا كان الأمر على ما وصفت أن لا يزور الكافر إلا أن يألفه بذلك على الإسلام. وذلك بعد أن ظهرت له أمارات مثله إليه، ولا يعوده إذا مرض إلا أن يرجو تآلفه على الإسلام. كما جاء عن النبي ﷺ أنه عاد يهوديًا فوجده يماته، فدعاه إلى الإسلام فقال له أبواه أبلغ أبا القاسم فأسلم، فقام رسول الله ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) أو يكون له جار فيكون بينه في عيادته مراعاة حق الجار الذي عظمه رسول الله ﷺ ، لا يشغل القلب به والتوجع له فيما حل به. وإذا دخل عليه لم يدع له بالعافية إلا أن يقر به بالهدى فيقول: شفاك الله وهداك وأقامك مهديًا في عافية. وما أشبه ذلك. ولم يشر عليه بما يرى أنه ينفع إلا أن سأله عنه. فإن سأله عنه لم يغشه. وأخبره بما عنده لا على أن يتخير عليه، ولكن على أنه ائتمنه، فلا يجوز له أن يخونه، لأن الله يقول: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾. وقال النبي ﷺ : (علامات المنافق ثلاث: فذكر منها إذا اؤتمن خان) وحرام عليه أن يشهد جنازته أو يقوم على قبره إذا لم يكن ذا قرابة منه. قال الله في المنافق: ﴿ولا تصل على أحد منهم أبدًا، ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله﴾. ولا ينبغي له إن مت وهو ضعيف الحال أن يعين في جهازه إلا أن تكون له صنيعة بمكانه قدمها في حياته أو لوراثة فيعنه بما يعلم أنه محتاج إليه، لإسقاط المسنة فيما مضى عن نفسه، فأما على الوجه البر والصلة فكلا. وإذا أعلا فلا ينبغي له أن يعطيه من لباسه وكسوته. فإن فعل فلا ينزع له ثوبه الذي هو لابسه.

стр. 1434

فأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه أعطى عبد الله بن سلول رداءه ليكفن فيه أباه، فغير هذا. لأن ابن عبد الله كان مسلمًا. فلما مات أبوه حضر النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أعطني رداءك أكفن فيه أبي. فأعطاه رعاية لحقه أو استطابة لقلبه، وتأكيدًا في الإسلام لنبيه. وقيل فعل ذلك لحق كان لأبيه قبل، فأراد أن يجزيه بعد موته وإن كان من ذكرنا المريض أو الميت ذا قرابة منه. فجائز له أن يشهده على أن تعظيم من حق الرحم ما عظمه الله تعالى جده لجل وجه سؤاله ويغسله ويكفنه ويواريه. وينجي عن قلبه. وجد إن أحسن به عليه، ويذكر أنه كان عدوًا لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وقد نقصه الله وأجازه إلى ما يستحقه. أذن رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ في غسل أبي طالب لما مات، ومواراته. ولا يقعد عليه ما شاء. وأما إذا افتقر في حياته، فاحتاج إلى أن يعوضه غيره، فعلى ولده المسلم أن ينفق عليه إن كان قادرًا على ذلك. وكذلك على الوالد المسلم هذا في ولده الكافر. وأيهما ملك الآخر عتق عليه. وإن قتل الكافر ولده المسلم لم يقتل به. وإن قذفه لم يجلد له. وهذه حكام وفرائض وحدود شرعها الله تعالى تعظيمًا لحق الولاد والرحم، فهي مقام طاعة لا شفقة على من يرجع نفعها إليه. فأما ما نهى عنه، أو لم يفرضه، فاجتنابه أولى، لأنه إذا أوقع لم يقع إلا وداد أو شفقة. وقد بينا أنه ليس لمسلم أن يواد كافرًا. ولا ينبغي لمسلم إذا لقي كافرًا في طريقه أن يتنحى عن الطريق بل يضيق الطريق عليه وينحيه إلى أرذله وأشده. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام، واضطروهم إلى ضيقه). ولا بتدأوه بالسلام ولا تصافحنه. فإن مد الذي يده إليك، أعطاه يده في كمه. فإن مدها عارية لم يطل حبسها في يده. ولم ينتظر من أن يكون هو الشارع ليده ما ينتظره في مثل ذلك من المسلم.

стр. 1435

وإن رأى على وجه كافر كافر أو ثوبه قذاة لم يمطها ولا يقدمه على نفسه في طريق ولا مدخل ولا مخرج، ولا يرفع مجلسه، ولا يلقي له وسادة بيده، ولا يرفع له مسعرًا، ولا يعينه على الركوب ولا يقوم له في مجلسه إذا رآه تهيئًا له، ولا يخاطبه إلا بما يخاطب به من لا يهاب، إلا أن يكون أتاه في هذا كله. ولا يشمته إذا عطس، وإن حمد الله، إلا أن يقول له هداك الله وأصلح الله حالك، أو أصلحك الله. ولا يهدى إلى الكافر ما إلا جزاء أو تآلفًا، ولا يضيفه فيطعمه من طعامه، ولاسيما إذا كان جائعًا، وليس ذلك كالتصدق عليه من النسك، لأن ذلك شيء أخرج من الملك لوجه الله. والإضافة يراد بها وجه الضيف، فإن قدم إليه شيئًا وهو شبعان لا يحتاج إليه فذلك أخف، وإن قدمه إليه وهو جائع من صومه، ففطره عليه وأكله ليصوم عليه، فذلك يغلظ، وبالكراهية حق لأنه إعانة على الباطل. ولا يعيره ثوبًا ليشهد الكنيسة منه أو البيعة، أو موقد النار، أو يقرأ فيه المحرف من كتاب الله، أو المفترى عليه. ويعمل ما عنده أنه صلاة، ولا قلمًا ولا مدادًا ليكتب به الباطل. وإن استضافه الكافر فلم يحسن منه مكانه، فهو بالخيار. وإن أجابه ليأكل من طعامه فيقتص بذلك من ماله فجائز. وإن رده لئلا يكون باسطه، فذلك جائز. وإن دعاه الكافر إلى وليمة، فإن كان جارًا نظر. فإن كان النكاح نكاحًا يقر عليه إذا أسلم، فله أن يحضر وليمته. وإن كان نكاحًا لا يقر عليه إذا أسلم فلا يحضر وليمته، وإن كان تعبدًا فلا بأس إن لم يحضره بحال. ولا ينبغي للمسلم أن يزور الكافر إذا قدم من سفره إلا أن يكون جاره ولا أن يهنئه بفصحه بحال، ولا بالنيروز والمهرجان، ولا أن يتابعهم على تعظيم ما يعظمونه من هذه الأوقات. ولا ينبغي للإمام أن يسامح أهل الذمة في الزنانير، ولا يعقدوها على أوساطهم. ولا في الخيل فيركبوها أعرابها وعجمها سواء. ولا في الرقيق المسلمين فيفتنوهم وينهاهم عن أن يتزيوا بزية المسلمين في ملابسهم، ولا يجعل لهم إلى إفشاء كفرهم، وإسماعهم المسلمين مقالاتهم سبيلًا، وينهى المسلمين عن الإصغاء إليهم والاستماع إلى ذلك مهم، إلا أن يحتاج مسلم مشركًا، ويجادله رغبة في إسلامه، ولا يمنع من ذلك. ولا ينبغي لمسلم أن يتبع من مشرك خمرًا ولا خنزيرًا، ولا كتابًا فيه كفرًا أو يتحرف وكتابًا محرف من كتب الله . والبيع في ذلك باطل مفسوخ، إلا الوبر فإنه إن

стр. 1436

كان فيه على ما هو عليه أو مكسورًا منعه من جنس المنافع المطلقة، ولم يكن غنيًا يجيبه، فالبيع فيه ماض إلا أنه من المشرك مكروه، ولا يبتع المسلم من الكافر عصيرًا يرى أنه يجده خمرًا ولا من الكافر سلاحًا، فإن فعل فالبيع مفسوخ. ولا ينبغي لمسلم أن يقود أباه الأعمى إلى الكنيسة أو البيعة أو موقد النار. فإن كان أبوه في بعض هذه الأماكن، وأراد الرجوع فله أن يقوده إلى بيته ومنزله. وهذا إذا قاده إلى هذه المواضع، فيعمل ما يرون أنه صلاة وعبادة. فإن كان له فيها شغل يحل الذهاب إليه، فله أن يقوده ليبيع فيه حاجته. ولا ينبغي للمسلم أن يؤاجر نفسه أو دابته كافرًا في حمل خمر أو خنزير أو عنب يعصر خمرًا فإن أجره نفسه فيما يحل، وهو محتاج إلى ذلك فلا بأس وإن كان له مندوحة عنه فليجتنبه، وبعض ذلك شر من بعض. فإنه إن أجره نفسه مشاهدة أو مشابهة، فذلك أحق بالكراهية من أن يؤجره نفسه في عمل يعمل له يومًا أو يومين أو أقل، ثم يتركه. وإن أجره نفسه في سياسة دوابه، فهو خير من أن يؤاجره نفسه في خدمة بدنه، لأن دابة الكافر خير من الكافر. ومن هذا الباب مجانبة الظلمة. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بعث الله ﵎ من نبي إلا كان بعده خلفًا، يقولون ما يفعلون، ويفعلون ما يؤمون، وسيكون بعدي أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. قالوا. كيف نصنع يا رسول الله؟ قال: من اعتزلهم سلم منهم ونجا، ومن كان معهم هلك). وعن ﷺ قام خطيبًا، فقال: (ألا أني أوشك أن أدعى فأجيب، وليأتكم بعدي عمال يقولون ما يفعلون، ويعملون ما يعرفون، فطاعة أولئك طاعة، فيلبثون بذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون: ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك الذين هلكوا وأهلكوا. قالوا: فصف

стр. 1437

لنا ما نصنع إن أدركنا ذلك؟ قال: خالطوهم بأجسادكم، وقاتلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن منهم أنه محسن، وعلى المسيء منهم إنه سيء والله أعلم). ولا ينبغي للمسلم أن يقبل هدية مشرك، لأن النبي ﷺ رد هدية مشرك، وقال: (أنا لا نقبل زبد المشركين). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن الهدية تعلق بالقلب فتميله نحو المهدى، ولأنها في الثروة تقتضي المكافأة. فإذا وقع التهادي بين المسلم والكافر صار ذلك من جوالب الردة، ولا ينبغي للمسلم أن يواد كافرًا. ويحتمل أن يكون الزبد اسمًا للعطية أن يصدر من المعطى عن ظاهر لا حقيقة له، فيكون كالزبد على ظاهر الماء لا أصل له. وإنما هو طاف فوقه. وسمعت من يسمي الكلام الذي لا حاصل له زيدًا، ويذهب به إلى قول الله : ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ أي أنه لا فائدة فيه ولا معنى له. ولا ينبغي للمسلم أن يفشي إلى كافر سرًا لأنه عدو الله تعالى، وأنه خائن لله ورسوله ولنفسه، فلا ينبغي له أن يأمنه. فإن كان ذلك من أمر دار الإسلام أو جيش المسلمين، أو إمامهم، أو عامتهم، فهو أدهى وأمر. ولا ينبغي للمسلمة أن تنكشف للكافرة، فترى منها ما لا يحل للرجل الأجنبي أن يراه، لأن الله يقول: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ ولا أن يضمن عن ذمي جزية، ليخفف عنه بضمانه، أو يدفع به صغارًا عنه، ولا أن يكفل نفسه لئلا يحتسب. فأما إن دفع عنه ظلمًا يراد به، فذلك من حقوق العهد، وليس من الود والإشفاق بسبيل. وإذا أراد المسلم نزول سكة أو حانوت، فليعلم جيرانه، ويتحرى أن لا يكون جاره كافرًا، وينأى عنه ما أمكنه. لقول النبي ﷺ : (لا تراءى ناراهما). فإن حدث له جار كافر فلا بأس عليه أن أقام موضعه. ولا ينبغي لفعله المسلمين وصناعهم أن يعملوا للمشركين كنيسة أو بيعة، أو صليبًا أو منبرًا. فأما غزل الزنار ونسجه فلا بأس به، لأن ذلك صغار لهم.

стр. 1438

ولا ينبغي للإمام أن يأذن لذمي في إحياء شيء من موات دار الإسلام، ولا أن يقطعه معدنًا من معادنها. فإذا اتخذ الإمام سيافًا أو جلادًا، فلا يجعلنه من المشركين، ثم يسلطه على المسلمين، فإنه يتشفى منهم بما ينالهم به، وذلك صغار بالمسلمين. فينبغي لإمامهم أن يصرفهم عنه، ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم، فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ ، ففيهم نزل قول ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله، إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾. وقوله تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما. يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله وهو معهم، إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾. معنى قوله ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ والنهي عن المجادلة والمخاصمة في هذه الآية، وإن كان للنبي ﷺ لفظًا، فالمراد به: الذين كانوا يفعلونها من المسلمين دونه، لوجهين: أحدهما أنه إبان ذلك بما ذكره بعد، بقوله ﴿هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾. والآخر: أن النبي ﷺ كان يتيمًا بينهم حكمًا فكان من يعتد، يعتذر إليه، وهو لا يعتذر لحد إلى غيره. فصح أن الذمي وإن كان له لفظًا فليس له قصدًا، لكن لغيره والله أعلم. ولا ينبغي للمسلم أن ينظر في كتب المشركين، وما الفوه من آرائهم، وأبدوا به من مقالاتهم، وهجنوا به مذاهب غيرهم، قبل أن تحكم قواعد دين الله تعالى، ويرسخ في علمه، ويستبصر بأصوله وحججه. فيكون نظره في أعدائه، وأعداء رسله صلوات الله عليهم، بعد ذلك مقرونًا بما يريه الله تعالى عند الهجم عليها من فضائحه وعوراتها وقبائحها، فيميز المناقضات، ويبين الشبهات، ولا يترك دعاويهم وشرحهم أقوالهم منازل الحجج، فيعتمدها اعتماد ما قد يرى وضح الحق فيه، وقام دليله. ولا يقبل تشيعهم على من يخالفهم قبول من يرى أنهم هم المحقون وغيرهم المبطلون. فإن أكثر من اغتر بقول الفلاسفة وهلك بكتبهم، إنما أتي من قبل أنه افتتح بها، فسمع ما يسمع من آرائهم قبل أن يكون

стр. 1439

له بدين الله تعالى علم قليل، أن كثير، أو بآياته وبيناته وحججه الباهرة القاهرة. وبغير يسيره وخطيرة، فلا تسموا بالحكمة وسماهم الناس بها، وظهرت لهم في علم الأبدان وغيرها آثارها كثيرة، يأتون فيها بالفضل والبراعة، فظن أن منازلهم في علم النبأ العظيم الذي هم عنه معرضون. وللأمر الكاتف الجسيم الذي هم فيه متحيرون كمنازلهم فيما أدركوه ووفقوا له فأصابوه، فقبلوا قولهم تقليدًا بلا استبصار، وتعظيمًا لهم من غير نظر واعتبار، فضلوا عن الصواب، وأخطأوا سبل الرشاد. وهو عليهم قول الله تعالى ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. وأيما مسلم جلس إلى بعض من حقت عليه الضلالة، فسمعه يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله، فحرام عليه أن يقضي عنه ويسامحه بترك الإنكار عليه، بأن كان لذلك أهلًا. فإن كان يقصر عن ذلك، فإن يرفعه إلى الأمام. أما الوالي والقاضي وأكبر علماء المسلمين في بلده ليزجره، يعمل به ما يستحقه. وإن لم يقدر على شيء من ذلك فليفارقه، ولا يقم عنده، وهو غمه في طغيانه، وتأبيط بالباطل لسانه، قال الله : ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفره بها﴾ الآية إلى آخرها. وقال:﴾ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾. وهذه الآية مكية. وكان النبي ﷺ بمكة لا يطيق مدافعة المشركين، فلهذا- والله أعلم- قصر فرضه عن الإعراض دون ما زاد عليه، ومن لم يفعل شيئًا مما ذكرنا، ولا هو أنكر ولا رفع الأمر إلى من يغيره، ولا قام فاعتزل، بل لزم مكانه يسمع ما يجري فيه من الباطل فلا يعتني به، لا يجد في قلبه منه ما يهزه ويزعجه، كان ممن قال الله ﴿إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾. ونعوذ بالله من هذه الحال، وبالله التوفيق. فصل والفساق في كثير من المعاني التي سبق شرحها كالكفار، فلا ينبغي لعدل أن يلاين فاسقًا، لأن ملاينة العدل الفاسق، تجسر الفاسق وتخذل العدل. فلا ينبغي له أن يذل

стр. 1440

نفسه ويعز فاسقًا، كما لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ويعز كافرًا، ولأن العدل إذا لاين فاسقًا لا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق العدالة لا في حق نفسه، وليس له هذا كما أن المسلم إذا لاين كافرًا، لا عن عذر أو ضرورة إلا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق الإسلام لا في حق نفسه، ولم يجز ذلك له ولا وسعه. ومن ملينة العدل الفاسق أن يراه مجاهرًا بفسقه وهو يقدر على ردعه فلا يردعه لحرمة عنده، أنه يرعاها له. وهذا كثير، لأنه يبع بالدنيا ورفض الأمانة، ودخول في جملة أهل الخيانة، والله يقول: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾، وما بقي من القول في هذا فسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فصل فأما ما جاء عن بعض المتقدمين أن المسلم يعزي المسلم إذا مات أبوه النصراني، فيقول له: أعظم الله أجرك وخلف عليك. ويقول للنصراني إذا مات ابنه: اخلف الله عليك ولا نقص عددك. فإن وجه قوله في تعزية المسلم بالأب النصراني بين، لأنه إن لم يحزن عليه حزن له، وحزنه له إيمان بالله . فيجوز أن يقال له: أعظم الله أجرك لهذا. ويقال: خلف الله عليك. فمعناه: رزقك الله ولدًا مكان الذي سلبك، ولا نقص لك عددًا. أي فعل بك ما سألت فلا ينقص عددك بالذي أخذه. وهذا ليس دعاء أن يكثر الكفار، لأن وفور عدده ليس يكون بأن يكون ولده على دينه. ومعنى هذا القول أن يكون الدعاء له، على رتبة الدنيا. فإن أصل التعزية إنها دعاء. فإذا لم يكن أن يدعي للكافر بحسن المآب دعي له بشيء من متاع الدنيا، فيكون حق جواره، أو حق آخر، إن كان له قد قضى بذلك، والله أعلم.
следующие страницы →