Полный текст (1 512 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
القسم السادس
باب القول فيمن يكون مؤقتا بإيمان غيره ولا يكون
نقول- وبالله التوفيق- أن ما ولد أبوين مسلمين فهو في عامة الأحكام مسلم. وإن كان أبواه كافرين فهو في عامة الأحكام كافرا مثلهما. فإن أسلما أو أسلم أحدهما وهو صغير، صار مسلما. وإن أسلم الجد فقد قبل. وإن أسلم قبل إسلامه كإسلام الأب- وقيل: يفارقه. فإذا سبي الصغير من دار الحرب مع أبويه فدينه دينهما، وكذلك أن سبي ومعه أحدهما فدينه دينه، وإن لم يكن معه واحد من أبويه، فدينه دين سابيه.
وما يقال من هذا في الصغير، والقول في الكبير المعتوه مثله، ثم نذكر وجوه هذه الفصول بإذن الله وتوفيقه فنقول: أما إتباع ولد المسلمين أباهما فلأن الأمل في طلب النسل أنه طريق إلى استبقاء الجنس، والغرض من استبقاء الجنس إكبار المؤمنين بالله، والعابدين له، إذ كان الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه.
وقال النبي ﷺ : "تناكحوا تكثروا، فأني أباهي بكم الأمم". وإذا كان هذا هكذا، صح وقوع الإذن من الله في طلب النسل، فحكم الولد بحكمها في الدين أيضا، لأنهما إلى غرضهما من الزيادة في عدد المؤمنين به، ولم يتأخر ذلك إلى أن يبلغ المولود فتوجد حقيقة الإيمان والعبادة منه إذا كان يمكن أن يحترم قبل البلوغ، ويمكن أن يلغ أن يخالف الأبوين، فحكم له بحكمها عادلا لما ذكرت والله أعلم.
وإنما ولد الكافر فإنما اتبعهما لان غرضهما أيضا من طلب النصل إكبار أهل الدين، إلا أن الدين عندهما فإنهما عليه فألحق بهما، كما يقر أهل الكتاب على ما هم عليه بالجزية، لأن عندهم: إن ما هم عليه هو الحق وإن كان الأمر بخلافه والله أعلم.
وأيضا فإن الأبوين المسلمين إذا اكتسبا الإيمان وفشا، فأدامه الله تعالى لهما بعد في سائر الأوقات وإن كان الإيمان لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا بالكفر كذلك عداه عنهما إلى
стр. 142
الولد الذي هو جزء منهما، فكان الولد مؤمنا من غير سبب إيمان، كما كان الأبوان طول عمرهما مؤمنين من غير كسب منهما في جميعه.
والكافر أيضا إنما اكتسب الكفر وقتا، فأدام الله حكمه لها بعد، في سائر الأوقات، وإن كان ذلك لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثنا إيمانا كذلك عداه فيهما إلى الولد الذي هو جزء منهما. فكان الولد كافرا من غير كسب الكفر كما كان للأبوان طول عمرهما كافرين من غير كسب يكون منهما في جميعه والله أعلم.
وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وقد اختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: أن المراد بالفطرة الدين الذي شرعه الله للخلق الأول الذي هو أصل هذا النسل، هو أبونا آدم ﵇. وهو التوحيد الذي لا تشريك فيه ولا تشبيه، وإنما قيل على الفطرة لأنه أريد على الدين الذي كان عند ابتداء الفطرة وهي الخلقة والبنية.
وقيل: أن المعنى- أن كل مولود يولد خاليا من كل دين لكنه لا يترك كذلك بل يتبع أبويه، فيكونان البساه دين أنفسهما وأدخلاه فيه.
فمن ذهب إلى الوجه الأول احتج بحجج أحدهما قول الله : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليهما﴾. قال فقد أخبر أنه فطر الناس كلهم على الدين فثبت أن معنى قول النبي ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" هو أنه يولد على الحق حتى يكون أبواه هما اللذان يرفعانه عنه، ويمثلان به إلى الباطل.
ودل على صحة هذا أنه لم يقل: حتى يكون أبواه يسلمانه، كما قال يهدوانه وينصرانه. فلو كان معنى يولد على الفطرة فيولد خاليا من كل دين، ومعنى يهودانه أن يجعل تابعا لأبويه في الدين إذ لم يكن له في نفسه دين لذكر الإسلام كما ذكرت أصناف الكفر. ولما لم يذكر، بان أن معنى الفطرة الدين الأول الذي شرع لأول فطور من البشر.
والحجة الثانية: أن الله قال في كتابه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألبت بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم
стр. 143
القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾.
ووردت الأخبار بأن الله لما خلق آدم صلوات الله عليه اخرج كل من علم أنه كائن من صلبه أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق ما لم يحدث خلافه.
فإن قيل: قال الناس لا يذكر أحد منهم أنه أعطى من نفسه هذا الميثاق لا حقيقة ولا ظنا، ولئن كان هذا مما أخذ عليهم فهم في هذه الدار اخذ عهدان منهم في الدار الآخرة، فكيف لا يذكرونه في أقرب الأوقات من وقت هذه الكائنة، ويذكرونه في أبعدها؟
قيل: إن هذا الميثاق لما أخذ عليهم مخرجين من صلب آدم، لا شرك أنه أخذ وقد ركب فيهم الحركة والنطق والعقل، فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما كانوا، فردوا به من هذه المعاني فزال العلم الذي كان متعلقا به، ولما عادوا يخرجون من صلبه واحدا بعد واحد على سبيل التوالد، انسوا ذلك الميثاق لأن الدار كانت دار ابتلاء وامتحان وتعبد، فلو ذكر كل واحد ما كان فيه فيها خلال حقه وصدقه يجري الإيمان مجرى الضرورات، وارتفعت المحنة واقتضت الحكمة انساءهم إياه، وابتداءهم بالخطاب والتكليف مقرونين بإرسال الرسم وتأييدهم بالأعلام بعد تركيب العقل فيهم وتمكينهم من التمييز بين الحق والباطل ليكون منهم ما يكون، حتى إذا كان يوم القيامة ذكروا من ذلك ما كانوا نسوه، لاحتجاج به عليهم ما أمدوا به على ألسنه الرسل من التنبيه والوعظ والعد والوعيد وبالله التوفيق.
والحجة الثالثة: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله خلقت عبادي حنفاء فأحلتهم الشياطين عن دينهم". وهذا يدل على أن أصل الناس في دينهم الأيمان وأنهم في ذلك بمنزلة الماء والثوب والأرض التي أصلها الطهارة ما لم يرد عليه راد ينجسها.
ومن قال بالقول الآخر دفع هذه المقالة، فإن الدين كسب لا حيلة، لأن الله تبارك
стр. 144
وتعالى يثيب ما حسن منه ويعاقب على ما قبح منه، ويأمر بالحسن وينهي عن القبيح، وما كان بابه باب الحيلة، فإنه لا ثواب ولا عقاب لأحد عليه، فإن الله تعالى لا يثيب البصير على بصره ولا يعاقب الأعمى على عماه، وكذلك كل من جرى مجراه. وهو يثيب المسلم بإسلامه، ويعاقب المبطلين على باطلهم، فثبت بذلك: أن الدين من باب الاكتساب لا من باب الجبلة والبنية، وإذا كان كذلك، والمولد بين الكافرين لم يكسب دين الحق ولم يكسبه له أبواه فإني كان مسلما!
وأيضا فإن الله لو خلقه مسلما، لم يرع إتباعه الأبوين الكافرين في كفرهما لوجهين: احدهما لأنه ليس من دينه أن يقبل من أحد كفرا بعد الإيمان، والآخر أن كل من اتبع غيره في شيء فإنما يتبع فيما لا يكون له بنفسه، فيكون محتاجا، فلو كان له بنفسه دين لم يتبع في الدين أبويه.
فأما قول الله : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ فطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام، لكن ما يتوصل به إلى الإسلام هو الحق من دلالة العقل، وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها، فإن ذهب عنها ذاهب كانت هي مجالها حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم، وبالله التوفيق.
وأما النبي ﷺ لما لم يقل حتى يكون أبواه يسلمانه، دل على أن المراد بالفطرة الإسلام، فلا دلالة له فيه لأنه أراد بين أن فساد الدين ضرر يلحق الأولاد من قبل آبائهم وأمهاتهم. فذكر الأديان الفاسدة، ولم يذكر الدين الصحيح ولأن بنوته للولد بابوية نفع وصلاح له وتأس من الضرر، فإنما سكت عنه لهذا: لا لأن ثبوت الدين الحق له من قبل الخلقه- فإنا قد بينا أن الدين لا يجري مجرى الخلق- ولكنه من باب الاكتساب. وفي ذلك ما يمنع أن يكون المراد بالفطرة الدين.
وأما قول الله : ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقا، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم
стр. 145
على أنفسهم، لأنه لو خاطبهم وأمرهم، ونهاهم من غير أن يعطيهم عقلا يدركون به مراده لم يكن عليه سؤال ولا عيب، وإذا أعطاهم آلة التمييز والمعرفة نوجه عليهم العيب والسؤال، ولم يكن لهم أن يقولوا كنا عما يلزمنا غافلين، ولا نوجه لاختلافهم أن يجبلوا على إسلامهم.
فالميثاق إذا هو العقل لا غيره، وبيت فساد تعلق من خالف هذا بالآية أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، وإنما قال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ فظاهر ذلك أنه أراد توكيد بعضهم من بعض على ممر الأزمان، وباشهادهم على أنفسهم، أعطاهم عقلا يدلهم على صانعهم ووحدانيته وقدسه والله أعلم.
وأيضا فإنه إن كان أخرج من صلب آدم صلوات الله عليه جميع ذريته وسألهم عن نفسه، فاعترفوا بأنه ربهم، ولا شك في أنه ركب فيهم الخبرة والعقل والنطق وسألهم، لأن ما لا يدري مالا يقال هل فلا معنى لسؤاله، وإن كان فعل ذلك بهم فلا يخلو من أن يكون قولهم "بلى شهدنا" اضطرارا واستدلالا، فما بالهم لم تتفرق بهم السبل، ولم تضطرب آراؤهم، وكان كأمثال الذر وحبوبهم ومعارفهم، وقواهم بحسب أبدانهم أن تكون على الإصابة بعد ما أكمل خلقهم، وأغرزت عقولهم وقويت معاني الخير فيهم أقدر وله أخلق. وإن كان ذلك وقع منهم اضطرابا فلهم من الحجة يوم القيامة أن يقولوا: لا نكث لعهد منا ولا نقص لميثاق، لأنا شهدنا اضطرارا، فلما زال علم الضرورة عنا، وكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب ومنا من أخطأ. كما كان ذلك يكون المجلون وآراؤهم في كل شيء.
وهكذا أن قال قائل: كان إقرارهم عن استدلالهم ولكنهم عصموا عنده من الخطأ ووفقوا للإصابة.
قيل لهم: فلهم إذا كان يوم القيمة أن يقولوا: أيدنا يوم شهدنا على أنفسنا بتوفيق وعصمة حرمناها من بعد، ولم أمددنا بها أبدا لكانت شهادتنا في كل وقت وحال كشهادتنا في أول الأمر، ولم يختلف. فقد بان المقصود الذي يدعيه أهل هذا القول، ولا يحصل بالأهل الذي يصفونه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾.
стр. 146
فلو كان الناس قد أخذ عليهم بالإيمان ميثاق ما يقولونه- الذي جلبنا قولهم- لما كانت لهم على الله حجة وأن لم يرسل إليهم الرسل، وقد أخبر الله : أنها كانت تكون، فثبت أن أخذ الميثاق عليهم من الوجه الذي يقولونه، لم يكن، والله أعلم.
فلو قيل: لو امتنع أن يكون المراد بالآية: أعطاهم العقول، لنفس هذه الآية أيضا، قيل: ولا سواء، لأن ما وضع في العقل من المعارف فهو مختلف: فمنه ما ليس فيه إلا وجه واحد، ومنه ما له وجهان أو أكثر، ومنه ما يدرك البديهة، وفيه ما يدرك بالاستدلال والناس في العقول وسائر القوى مختلفون: فمنهم التام عقله، الساكن نفسه، الجيد طبعه، ومنهم: الناقص عقله، المضطرب نفسه، الركيك طبعه. ومنهم: ذو الشغل الواحد، فهمه مقصور عليه. وفيهم ذو الأشغال الكثيرة، فهمه متوزع بينهما، منقسم عليها. مختلف استدل المستدلين بحسب اختلاف أحوالهم، فيكمل من واحد وينقص من آخر، ويضعف رأي واحد، ويقوى رأي آخر. فاحتاجوا لذلك إلى الإمداد بالرسل ليقووا عزائمهم ويحدوا سرائهم، فيأمنوا مكانهم الوقوع في الغلط والخطأ، وإنما الإقرار وان كان وقع عن الجماعة فشئ قد مضى، ولا يتغير عن حاله- كان بعده رسول أو لم يكن- وأكثر ما يمكن أن ينسوه أو ينكروه عند أهل هذا القول أنهم غير معدودين بما عرض لهم فيه، وإن الإقرار محتج به عليهم يوم القيامة، فلا حاجة مع هذا إلى الرسل إذا! وإذا أخبر الله أنه أرسل الرسل لقطع الحجة صح أن هذا الإقرار الذي يصفونه على الوجه الذي يذكرونه غير واضع من الجماعة والله أعلم.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ من قوله: "يقول الله : خلقت عبادي حنفاء فاحالتهم الشياطين عن دينهم"، أنه خلق آدم وحواء صلوات الله عليهما، وجعلهما مسلمين وذرا أولادهم على الإسلام، فكذلك كانوا إلى أن ألقى الشيطان فيهم حدث الكفر، فحال به عن ذلك حال عما كان عليه الأصل، وليس المعنى أن كل مولود فإنه يكون مسلما، ثم يكفر منهم من يكفر.
ويقال: لمن زعم أن أصل الناس الإسلام كما أن أصل الماء والتراب والثياب الطهارة:
стр. 147
قد علمنا أن كل شيء من هذا، حكم بأنه طاهر في أصله، فإن تلك الطهارة تظهر عليها ما بانها، وللإسلام في أهله آيات. فما أنه الإسلام في أولاد المشركين وهم كما يتفضلون عن أمهاتهم يمكن لها بحكم المشركين أو حين يكونون اجنة في بطون أمهاتهم كذلك أيضا، وإذا لم يكن للإسلام فيهم انه قط علم أن الإسلام فيهم وانه لا دين لهم من قبل أنفسهم إذا الدين كسب ولا كسب لهم فهم كذلك يتبعون آباءهم وأمهاتهم ويجعل ما كسباه من الدين ككسبه لعلة الحرونة والله أعلم.
فصل
ثم القول في الأطفال وما هم صائرون إليه من الجنة والنار، يتبع الأصل الذي سبق ذكره وتقديره. فمن قال: أن كل مولود فإنما يولد على الحق، حتى يكون أبواه ينقلانه إلى الباطل. قال: أن الطفل المولود بين مشركين إذا مات ولم يبلغ مبلغ الاختبار، فيختار الدين الحق أو الذي عليه أبواه، زالت عنه ولاية أبويه فزال ما كان فيهما من تغيير دينه، فرجع إلى أصل أمره، فكان بذلك من أهل الجنة.
ومن قال: بالقول الآخر قال لا يقطع في أمرهم بشيء، وقد يجوز أن يكون مع آبائهم وأمهاتهم في النار، لأن الله قد اتبعهم إياهم في الدنيا، فيمكن أن يتبعهم إياهم في الآخرة. قال: قد يجوز أن يوردوا النار وإن لم يدينوا، لأن من أورد النار، فلأنه خلق لها، ومن أدخل الجنة، فلأنه خلق لها. واحتج بقول الله : ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنس والأنس﴾. ويجوز أن يصاروا إلى الجنة في هذا القول.
فيدل ذلك على أنهم خلقوا لها وإن لم يكونوا كسبوا في الدنيا خيرا. وقد قيل: أنهم يصاروا إلى الجنة ليكونوا خدام أهلها، لا تكون الجنة ثوابا لهم. فإن الثواب يقابل الطاعة، وهم لا طاعة لهم. فيكونون لأهل الجنة في الجنة كخدام الملوك في قصورهم وبساتينهم. ومعلوم أنهم بأن ينعموا بها يلبسوا فيها كسادتهم.
فكذلك هؤلاء الأطفال وأن ينعموا بالجنة فليسوا فيها كالذين جعلت الجنة ثواباً لهم.
стр. 148
والله أعلم. وقد قيل: إن كل من علم الله منه أنه أن بلغه الكبر آمن به وعده أدخله الجنة، وكل من علم منه أنه بلغه كفر وفخر، أدخله النار. ومن ذهب إلى هذا احتج بما روى أن النبي ﷺ ، سئل عن أطفال المشركين. فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وقد يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر غير هذا المعنى، وهو أن الله أعلم بما هم صائرون إليه، وما هو كائن من أمرهم. ويجوز أن يكون سئل عن هذا قبل أن يتبين له ما بهم، فقد كان ﷺ بمكة قبل ما كتب بدعاء الرسل، وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم، ولم يكشف له عن عاقبة أمره وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ ثم أنزل عليه: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، أنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾، وأنزل عليه، ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾.
فاعلم أن الذي يفعل به أن يظهره عليهم، والذي يفعل بهم أن يقهروا أو يذلوا، إلا أن يدخلوا في دين الحق، وكذلك يجوز أن يكون لم يعلم خبر الأطفال عند حدوث هذا السؤال فيوقف، وقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين، أيدخلون الجنة آمنين أم يكونوا في النار معذبين".
ولم يرد بذلك أن كل واحد منهم يعامل في الآخرة بما علم الله أنه لو خلاه في الدنيا فعله، لأن ذلك لو كان جزاء، فالجزاء لا يكون بما لو وجد ليجزي إليه سبيل لفعل أو إذا يكون بما قعد فعل، ألا ترى أن أحدا من العصاة لا يعذب على معصية كانت تقع منه لو أمهل وترك في الدنيا، أكثر مما كان بها واحدا من الفقراء لا يعذب على منع زكاة كان يكون منه، لو أولي مالا، فالأطفال الذين هم أضعف منه وأقل قوة أولى أن لا يعاملوا بمثل هذه المعاملة وبالله التوفيق.
وقد قيل أن أمرهم يجري على ما ورد به الخبر عن النبي ﷺ : "من أنه تؤجج لهم نار يوم القيامة، ويؤمرون بدخولها، فمن هم اصرف بها إلى الجنة، ومن أبي أمر به إلى
стр. 149
النار، وقال الله : إياي عصيتم، فكيف لو رسلي بالغيب أتتكم". وليس هذا لحديث ثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان. فإن المعرفة بالله فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، لأن الأطفال هناك لا لهول من أن يكونوا عقلاء. فإن كانوا عقلاء كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق باحوالهم المحنة. وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد.
فإن قيل: لوم، إذا كانوا مضطرين إلى المعرفة لم يجز أن يكونوا ممتحنين ما وراء المعرفة.
قيل: لأن سائر الطاعات تقع بالمعرفة، فإذا وقع الامتحان وقع ما وراءها، وإذا سقط الامتحان بها لم يثبت فيما وراءها. ولولا أن هذا هكذا لجاز أن يؤمر الكفار إلى الآخرة بأمر، بعد أن عرفوا الله ضرورة واعترفوا به، فإذا انتهوا إليه ادخلوا الجنة. وأن يمتحن الفقراء بأن يؤتوا في الآخر مالا، ثم يؤمر قوم أن سلوهم منه شيئا، فمن أعطى أدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار وعذاب عذاب مانع الزكاة. فإذا لم يجز هذا لم يجز مثله، وعليه أن مرجع هذا الحديث إلى أنهم يقدمون على كفر، لو كفروا في الدنيا لكان يقع منهم، وقد بينا أن التعذيب على مثله لا يكون. وأيضا فإن دلائل الشرع قد استقرت على أن التخليد في النار لا يكون إلا على الشرك، وامتناع الصغار في الآخرة من دخول النار المؤججة ليس بشرك، فكيف يجوز أن يخلدوا لأجله نار جهنم.
فإن قيل إذا لا يخلد المسلم بمعاصيه لأنه مؤمن، فهؤلاء لا إيمان لهم مكتسبا. قيل: والكفار إنما يخلدون لكفرهم، وهؤلاء لا كفر منهم أصلا. فثبت بهذا كله أن هذا الحديث مخالف لأصول المسلمين، ولا يجوز إثباته، وبالله التوفيق.
فصل
وأما ولدان المسلمين، فقد توقف فيهم من توقف في ولدان المشركين، فقال: إذا كان كل منهم معامل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين.
стр. 150
واحتج بما روى أن صبيا مات لرجل من المسلمين فقالت عائشة ﵂: "يا رسول الله، طوباه، عصفور من عصافير الجنة لم يدرك شرا، ولم يعمل به. فقال النبي ﷺ أو غير ذلك يا عائشة! أن الله تعالى خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم. وخلق للنار أهلا، وجعلها لهم وهم في أصلاب آبائهم".
فيما مضى أن ما يروى عن قول النبي ﷺ في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يحتمل أن يكون معناه غير ما يقول المحتج به.
وأما هذا الحديث الأخير، فيحتمل أن يكون إنكار النبي ﷺ على التي قطعت: إن الصبي في الجنة، لأن القطع في ذلك بإيمان أبويها، وقد كان يحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافر. فيخرج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار، وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء، ثم أنزل قوله : ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾. فأخبر : أن الذين آمنوا في الحياء الدنيا وجعل ذرياتهم إتباعا لهم في الإيمان، فإنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة. فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة.
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "سألت ربي أن يريني أهل الجنة أهل النار، فجاءني جبريل وميكائيل في اليوم فقال: انطلق يا أبا القاسم، وذكر الحديث إلى أن قال: وأنا أسمع لغط الصبيان، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم، تكفل بهم إبراهيم صلوات الله عليه حتى يلحق بهم آباؤهم". ففي هذا الحديث أيضا بيان أنهم في الجنة، والله أعلم.
فصل
وإذا سبى الصبي من دار الحرب ومعه أبواه أو أحدهما، فدينه دين من معه من أبويه لأنهما يبقيان على كفرهما بعد السبي، فكان في ذلك تابعا لهما كما كان عند الولادة تابعا لهما
стр. 151
والله أعلم، فإن سبى وحده فدينه دين السابي لأنه وليه الذي لا أولى به منه كفالة وحمل مؤونة وغيرهما. فقام في دينه مقام أبويه كما قام في الولاية والكافلة مقامها والله اعلم.
وإذا أسلم أب الطفل أو أحدهما كان الطفل مسلما، فأما إذا أسلم الأبوان معا فلان دينه دين الأبوين وكذلك كان في حال كفرهما كافرا، فوجب أن يكون في حال إسلامهما مسلما، وبأن أسلم أحدهما صار مسلما، لأن الجمع بين الاسم والكفر له غير ممكن. فكان الإسلام اغلب لأنه أحق والكفر باطل ولن يغلب الباطل حقا. قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فإذا فيدمغه هو زاهق﴾.
وإن أسلم الجد فقد قيل: يكون الولد مسلما وقيل: لا يكون، والأولى أن أب الصغير إن لم يكن حيا، وكان جده يكفله، فإسلامه له إسلام، وإن لم يكن الجد عليه ولاية، فليس إسلامه بإسلام، لان المعتبر هو الولاية والكافلة، ألا ترى أنه لو سبي دون أبويه لكان دينه دين السابي دون الأبوين، وكذلك إذا صادف الولاية للجد يموت الأب أو عتقه أو رقه، وجب أن يكون إسلامه كإسلام الأب، وإذا كان الأب حيا، والولاية له، فإسلام الجد غير معتبر كم يعتبر إسلام السابي إذا كان مع الصغير أبواه أو أحدهما، والله أعلم.
فإن قيل: إن كان دين الصغير دين وليه، فينبغي أن يكون دينه دين السابي، وإن كان معه أبواه، لأنه لا ولية لهما عليه وإنما هي السابي. وينبغي إذا أسلم الأبوان وهما رقيقان أو أحدهما أن لا يصير بذلك مسلما.
فالجواب: أن الأصل في هذا الباب أن الولد تابع في الدين لأبويه، فإذا ولد بين كافرين كان كافرا بكفرهما، لأنه جزء منهما، على السياق الذي تقدم تقريره في الباب الأول. وإذا سبوا جميعا كان حكمه حكمهما، لأن السبي لم يوجب تغير دين الأبوين، فكان الولد تابعا لهما في أن يبقى على دينه لبقائهما، وأمكن بهذا الإتباع بعد أن كان سبي الواحدة قد ضمهم فكانوا في الإجماع بعد السبي كما كانوا قبله.
وأما إذا سبي وحده فهذا المعنى غير موجود لأنه لا سبى في الأبوين، فيقال: إن سبيهما إذا لم يوجب تغيير دينهما، كان الولد في ذلك بمنزلتهما، وإذا لم يتهيأ إتباعه إياهما
стр. 152
وكانت ولايته وكفالته قد صارت إلى السابي، ولم يكن للصغير يد من دين، كان السابي أولى بأن يجعل دين الصغير دينه، فكانت الولاية لترجع السابي بها على غيره بعد أن فات إتباع الصغير أبويه، وذلك لا يوجب أن يكون دينه دين السابي مع وجود أبويه.
فإن قيل: فلم لا تركتموه تبعا لوالديه في دينهما، وإن كان منفردا عنهما، وما أنكرتم أنه إذا سبي معها كان تابعا لهما في دينهما لأنه صغير، فكذلك يتبعهما. وإن سبي وحده لأنه صغير وليس سبيه وحده أكثر من موت أبويه، ولو ماتا لم ينقطع بذلك إتباعه إياهما في الدين، فلم لا كان سبيه وحده كذلك؟
قيل: أن السبي إذا كان يقطع حقوق المسبي ولم يغير دينه إذا كان بالغا عاقلا صار ذلك إقرارا مبتدأ له على دينه، فنزل ذلك منزلة عقد الذمة، ألا ترى أن المسبي لا يقبل على الكفر الذي كان يقبل عليه حين حزبيا، كما لا يقبل الذمي على الكفر الذي كان عليه حين كان حزبيا، ومعلوم أن الصغير يتبع في الذمة أباه، وكذلك يتبع ولد المسبي أبويه.
وإذا كان هذا هكذا لم يجز إذا أسبي وحده ومات الأبوين هذا المعنى أن يثبت الولد فيعود أصلا في كفره بعد ما كان تابعا، وإذالم يثبت ذلك له وهو لا يحل قبله ولا يمكن إجباره على تغيير الدين فليس إلا أن سلبي كفر أبويه ويجعل دينه دين غيره. ثم كان السابي أولى الناس به فجعل تابعا له في دينه، وكان هذا هو الذي يقتضيه صغره، وإلا أبقاء على كفر أبويه والله أعلم. وأما إذا مات أبواه وهو صغير، فإن الكفر استقر منهما بالموت، واستحال أن يوجب ذلك زواله عنه، وهو تابع لهما فيه.
فإن قيل: فلم لا يستقر فيه تابع. قيل: لم يستقر حكم، إن المستقر لعجزهما بعد الموت عن تعبير الدين، ولو كان الاستقرار حكما لتبعهما فيه والله أعلم.
فأما إذا سبي بواه فالسبي أيضا لم يضمهم حتى إذا صار أبواه مقرين على كفرهما صار مقرا مثلهما، فبقي في الكفر أسوة بأهل داره كما لو سبي وحده لكان في الدين أسوة بابيه والله أعلم.
وأما إذا أسلم أبو الصغير وهما عبدان، فإنهما إن كانا سبيا معه ثم أسلما عند السابي أو عند من باعه السابي إياهما أو وهبهما له، كان بذلك مسلما. وإن سبي الصغير دونهما ثم أسبيا، سواء سبيناهما من سبي الصغير أو غيره، ثم أسلما لم يصير الصغير مسلما بإسلامهما،
стр. 153
لأن السبي إذا جرى عليهم معا، فقد حدث لهما إقرار على كفرهما بالسبي، ولست أعني بالإقرار في هذا الموضع أكثر من أن دينهما لم يتبدل بالسبي كما تبدل ذهابهما فأوجب ذلك أن يكون الصغير تابعها لهما في التقاء على ذلك الكفر، كما كان تابعا لهما في نفس الكفر حين حدث بينهما.
وأما إذا سبي وحده، سبى الأبوان، فإن انفراده بالسبي قد أوجب تغيير دينه، فلا يعود تابعا لهما بسبي يحدث عليهما، لأن حال الإتباع حال يحقق الولد مع أبويه كالملوق الذي هو حال يحدث له مع أبويه، والسبي الذي هو حال له مع أبويه. فإذا فات إمكان الإتباع لانفراده بوقوع السبي عليه، لم يعد هذا الحكم، بل ينس أبواه بعده فيجتمع معهما قياسا على أن الميراث إذا كان يستحق باستفاق الدينين عند الموت، فإن كان ذلك إذا فات عند الموت لم يعد بإسلام يحدثه الولد الكافر بعد موت الأب، وكذلك هذا، وإذا لم يعد تابعا لأبويه- إذا سبيا بعده- في الدين، فسبوا، أأسلما بعد ذلك أو لم يسلما.
وأيضا فإنه إذا سبي وحده لم يخل سابيه من أن يكون مسلما أو كافرا: فإن كان مسلما فمن المحال أن يعود الصغير الذي صار مسلما بإسلام سابيه إلى الكفر، إذا لحق به أبواه، لأن الله لا يقبل الكفر بعد الإسلام ولا يقر أحدا عليه، وإذا كان كفرا غير كفر الأبوين، والانتقال من كفر إلى كفر غير مقبول من أحد أيضا أن كان كفره كفر الصغير وأبويه والعلة فيما ذكرت بها، وهي تجمع الأحوال كلها من أن حال الإتباع حال يتجدد للولد مع أبويه، فلما فات أمكان الإتباع إلى الحل التي تحدث وهي السبي دون أبويه، لم يعد هذا الحكم بان يلحق به أبواه من بعد فيجتمعوا، وإذا كان الأمر على وصفنا لم يصير مسلما بإسلام أبويه لأن كفر ولم يكن من قبلهما، فيزول بزواله عنهما والله أعلم.
فصل
وإذا حكمنا للمولود بين كافرين بأنه كافر، فإن غاية هذا الحكم أن يبلغ الصغير، فإذا بلغ فله حكم نفسه. فإن اختار دين أبويه، كافرا من ذلك الوقت بكفر نفسه،
стр. 154
وإن مات على ذلك لم يدخل الجنة أبدا. وإن اختار الإسلام كان مسلما، فإن قتله قاتل قبل أن يمكنه اختيار دين أبويه، والإسلام ضمنه لأنه على جملة الدين المتقدم إلى أن يختار تركه فيسلم، وإن عمل قبله وهو كافر عليه القصاص، وإن أمكنه الاختيار فلم يفعل ولم يسلم بذلك كان مختارا لدين أبويه وترك، فإن قتله قاتل في هذه الحالة ضمنه.
وإذا أسلم أبواه أو احدهما وهو صغير كان مسلما فإن بلغ بقلبه أن يجدد الإسلام، فإن غفل عن ذلك ولم يعلمه أصلا فهو على حكم الدين المقدم إلى أن يمكنه الإسلام أو غيره، ولا إمكان مع الجهل ولا مع السهو والغفلة، فإن قتله على ذلك قاتل عمدا فعليه القصاص إلا أن يكون مسلما، فلا يقبض منه للشبهة، وهي أنه بالغ، لم تثبت له حكم الإسلام بنفسه، وإن أمكنه الاختبار فأسلم، كان كسائر المسلمين، وإن كفروا بالإسلام فإن اختار كفرا سوى دين أبويه الذي كان له لم يترك، وإن أراد الرجوع إلى دين أبويه قبل أن يسلما، فقد قيل: يترك، لأنه وإن كان كافرا بكفرهما في بدء أمره، ثم أزيل الكفر عنه بما عدم من اتفاق أبويه على الكفر، فلما صار له علم نفسه زال حكم الإتباع عنه، فإن عاد إلى ذلك الكفر فكان ما بينهما لم يكن.
وقيل: لا يقر عليه لأنه كفر ببعد إيمان وهذا أولى. والأول مبني على أنه صار مسلما تبعا لأبويه لما اسلما. والثاني مبني على أنه كافر بكفرهما تبعا لهما، فلما اسلما وهو صغير زالت عليه كفره، فلم يجز أن يكون كافرا مع زوال علة الكفر.
وكل كافر زال كفره فلا يزول إلا إلى الإسلام، لأنه لا ضد له سواه. وإن كان المولود بين المسلمين فهو مسلم ما دام صغيرا، فإذا بلغ كان عليه إن يحدد الإيمان، فإن غفل عنه ولم يعلم ذلك أصلا فهو على حكم الإسلام، وإذا علم أن عليه التجديد فلم يجدد الإسلام وهو يمكنه، فلا يقر على كفره، بل يكون كسائر المرتدين والله أعلم.
стр. 155
القسم السابع
باب القول فيمن يصح إيمانه ولا يصح
أجمع المسلمون على أن البالغ العاقل من الكفار إذا أسلم طائعا صح إسلامه. وأجمعوا على أن الطفل إذا لقن شهادة الحق فقالها متلقنا وهو لا يميزها ولا يعرف ما يراد بها لم يكن ذلك منه إسلاما.
فأما المراهق الذي يدري ويميز ويعرف من كلمة الإخلاص لفظها وتفسيرها أو يعلم في الجملة أنها شهادة الحق، فقد اختلفوا فيه: إذا تكلم بها مريدا للإسلام فكان أشبه قول المختلفين عندنا أن إسلامه لا يصلح لأنه غير مخاطب في كتاب ولا سنة، فكان كالمعتوه لأن الإسلام شهادة أو إقرار والصبي ليس من أهل واحد منهما، فثبت انه ليس من أهل الإسلام بنفسه، ولأنه لو أسلم أبواه وأمه صار مسلما بإسلامه، ومن ثبت له ذلك الإسلام بغيره لا يثبت له بنفسه كالطفل الصغير إذا لقن والمعتوه، ولأنه لم يسلم لم تجب النار عليه ما لم يكفر وهو بالغ. فدل على أنه لا يصح إسلامه بنفسه كالطفل لأنه ليس عليه جهاد المشركين في ماله لصغره، فدل ذلك على أن الإسلام له بنفسه كالطفل، ولأن عقد الإسلام عقد لازم، والصبي ليس من أهل العقود اللازمة بنفسه كالبيع والنكاح والطلاق. ولأن الإسلام ضمان، وضمان الصبي لا يصح كما لو ضمن دين رجل، ولأن ردته ليست بردة، فكذلك إسلامه ليس بإسلام.
والدليل على أن ردته ليست بردة أنه لا يعاقب عقوبة المرتدين وهو صغير، وكل قول لم يؤخذ الصبي بعقوبته لصغره، فإن ذلك القول موضوع عنه أصلا وهو في حكم الساكت عنه كالقذف. وإذا كان كذلك ثبت أن ردته موضوعة عنه، ولان من لا ردة له لا إسلام له كالمجنون. ولأن الموجب لكفره كفر ولييه وكافليه، أعني أبويه، وإسلامه لا يزيل كفرهما. فاستحال أن لا يثبت له الإسلام، فإن الحكم لا يرتفع مع بقاء علته.
стр. 156
فإن قيل: بل العلة في كفره، عدم الإسلام منه بعد وقوع المعرفة له به. قيل: هذا باطل، لأنه لو كان بين أبوين مسلمين لم يكن قبل البلوغ كافرا. إذا لم يعقد الإسلام بنفسه بعد وقوع المعرفة له به، فثبت أنه إذا كان بين أبوين كافرين، فإنما ألحقه حكم الكفر من قبل أبويه لا لما وصفت والله أعلم.
فإن قال قائل: ليس إذا كان الصبي كافرا لكفر أبويه، وكان إسلامه لا يزيل كفرهما، وجب أن لا يصح إسلامه. فإن الصبي المسبي إنما يكون كافرا لكفر أبويه، وإذا سباه مسلم دونهما، صار مسلما، وإن كان سبيه إياه لا يزيل كفر أبويه.
فالجواب: أن إسلام السابي يجعله مسلما إذا سباه وحده دون أبويه، فإنه نزل منه منزلة أبويه. لما يقل حق الولاية والكفالة عنها إليه، فصار كان أسلما، ولو أسلما لصار مسلما بإسلامها. فكذلك إذا سباه مسلم وحده صار مسلما بإسلامه.
فإن قيل: فقولوا أنه يصير مسلما إذا سباه مع أبويه، لأنه وإن كان سباه مع أبويه، فإن حق الولاية يكون له عليه وعلى أبويه جميعا.
قيل: وإن سباه مع أبويه فإن حق الولاية والكفالة يحتاج إليها الصغير في تربيته، وتنشئته تكون لأبويه. ولا يكون للسابي أن يحول بينهما ولا بينه، ولا يجوز بيعه إياه دونهما ولا بيعهما دونه، وإن كانت أمه ترضعه لم يكن له أن يحول بينهما وبين إرضاعه، وللأب فيه من حق الكفالة التي يتبع لها الرجال مباشرة، وإشارة بها على الأم ما كان يكون له من قبل، فلذلك كان تابعا لهما في الدين. وأما إذا سبي وحده فقد بطل عليهما ما كان لهما فيه من ولاية وكفالة، وصار للسابي، فلذلك صار دينه دينه والله أعلم.
فإن قيل: أليس ولد الأمة يكون رقيقا لرق أمه، ثم قد يعتق وأمه رقيق بحالها فيعتق، ولا يدفع عن الحرية لأجل أن رقع كان حكما لرق الأم ورقها دائم. فكذلك الشاة إذا ماتت نجس جلدها لموتها، ثم يدمغ فيظهر والموت قائم فيه، ولم يرتفع بالدفاع عنه. فلم لا أجزتم أن يكون الصغير كافرا بكفر أبويه، فإذا عقل وميز واسلم صح إسلامه. فإن كان الكفر في أبيه فإنما الجواب: أن رق الأم بشرائطه علة لعلوق الولد رقيقا، فأما دوام رقه فليس معلولا برق الأم.
وكذلك الموت بشرائطه علة لتنجيس الجلد، فأما دوام نجاسته فليس معلولا بالموت،
стр. 157
لكن علة دوام الرق تمسك المولي بحقه منه، وعله دوام النجاسة إهمال الجلد وإخلاؤه من الدباغة، وأما علة كفر الصغير في حال العلوق وبعدها فكفر الوالدين اللذين هما ولياه وكافلاه بأنفسهما لا غير، وذلك لا يرتفع بإسلامه، فلم يجز أن يكون مسلما مع بقاء ما يوجب كفره.
فإن قال: فإني أقول علوق الولد كافرا لكفر أبويه ودوام كفره إنما هو لتمسكه به وامتناعه من الإسلام.
قيل: لو كان كذلك لم يصير مسلما بإسلام أبويه، كما لا يعتق الولد المنفصل بعتق أمه، وفي وقوع الإجماع على أنه يصبر مسلما ما دل على أن كفره من قبل أبويه. وأيضا فالمولود بين مسلمين يلزمه إذا بلغ أن يتشهد شهادة الحق ويجدد الإيمان ولا يلزمه ذلك قبل البلوغ وإن كان يدري ويميز لزوما لو تركه لكفر، فكذلك المولود بين كافرين كان يلزمه الإيمان إذا بلغ فلا يلزمه قبل البلوغ، لزوما إذا تركه كفر. فصح أن كفره من قبل أبويه اللذين ما وليا وكافلاه بأنفسهما والله أعلم.
قالوا: روينا أن عليا ﵁ أسلم وهو صغير لم يبلغ وإن حكمه، فدل ذلك صحة الصغير.
فالجواب: أن الخبر ورد بأن النبي ﷺ دعاه يومئذ إلى الإسلام والصلاة فاسلم وصلى، فصح إسلامه وصحت صلاته. وأنت تقول: لا صلاة للصغر، فالحديث حجة عليك. وأما أنا فأقول إنما أمره رسول ﷺ بالإسلام والصلاة، فهو أحد شيئين: أما أكون يكون خصه بالخطاب لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فلما توجه عليه الخطاب والدعوة فلا يصح منهم الإسلام.
أو يكون خطاب النبي ﷺ إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه بالغ عنه، لأن البلوغ بالسنين ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء. فالظاهر أن الناس كانوا يحرون في ذلك على رأيهم وما تعارفوه وتوارثوه: من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له، والرجل من يمكن أن يولد له. وكان علي ابن عشر سنين لما أسلم. وظاهر من قال: أنه ابن عشر أنه استكمل عشرا ودخل في الحادي عشر، ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له، ولهذا قلنا أن امرأة
стр. 158
ابن العشر إذا جاءت بولد كان لاحقا به حتى يبلغ، فينفيه باللعان.
وإن كان هذا هكذا فلا به أن عليا ﵁ كان في حكم يومئذ بالغا، فلذلك صح إسلامه، وتوجه الخطاب عليه. فلما شرع البلوغ بعد ذلك بالسنين، ونظر إلى السن الذي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن الذي يندر ممن بلغها للإيلاد، كان من قصرت سنوه عن ذلك الحد صغيرا في الحكم، ولم يجب أن يصح إسلامه، وهذا أولى ما يقال في هذه القصة والله أعلم.
قال القائل: الإيمان من موجبات العقول، فإذا عقل الصبي الإيمان الزمه عقله أن يؤمن فإذا آمن وجب يعتد بإيمانه لأنه فعل ما التزمته الحجة بفعله.
فالجواب: أن الذين يذهبون إلى أن الوجوب والسقوط يدركان في بعض الأشياء بالعقل، وإن الإيمان بالله جل ثناؤه حسن علينه، والكفر به قبيح لعينه، لا يزيدون في الإيمان على ما أصف، وهو أن العاقل إذا استدل فعرف أن يعتقد- ومعنى يعتقد أن يوطن القلب على أن ما ظهر له صحيح، ثم أن يحدث بما عرف فأخبر عنه صدق ولم يكذب. فأما أن يكون عليه في قضية العقل أن يخبره عما اعتقده، ويتحدث به فلا، وليس ما يلزمه أن يصدق أو يحدث خاصا لما عرفه من الله تعالى، ولكنه عام لكل ما عرفه وأدركه.
وأجمعنا على أن الإيمان لا يتم بمجرد الاعتقاد ولكنه يحتاج معه إلى الإقرار باللسان، وإذا لم يكن إضافة وجوب الإقرار إلى العقل لم يجز أن يقال: أن إقرار الصبي إيمان لأجل انه يعقل والإيمان من موجبات العقول. ويدل على ما قلنا أن العقلاء اختلفوا في أن الإقرار من كمال الإيمان حتى لا يتبقى الكفر إلا به، أو هو من شرائعه وفروعه، وليس من شرطه كماله، ولم يختلفوا في وجوب الاعتقاد بعد حصول المعرفة، فلو كان الإقرار من موجبات العقول لم يختلفوا في وجوبه كما لم يختلفوا في الاعتقاد، وكما لم يختلفوا في أنه أن قصد الإخبار معتقده كان عليه أن يصدق ويخبر بالحق والله أعلم.
وأيضا فإن الإيمان الذي يشاق وجوبه إلى العقل، هو الإيمان بعد المعرفة الناشئة عن الاستدلال، والصبي لا يكمل لمثل هذه المعرفة، فلم يكمل لوجوب الإيمان عليه بالعقل. ويدل على ما قلنا أن الكفار الذين تقع لهم معرفة الباري جل جلالة لما يرون أن الإيمان به
стр. 159
واجب، وإن كانوا بأنفسهم عقلاء مميزين، بل كان ذلك عندهم داخلا في أبواب المحال.
وإنما رأى أن الإيمان واجب بالعقل من حصلت له المعرفة، فثبت أن الإيمان الناشئ عن المعرفة هو الذي يضاف وجوبه إلى العقل والمعرفة في قصة العقل له أن يكون اضطرارا، وليس ذلك قولنا. وأما أن يكون استدلالا- وهو قولنا- والصبي لا يتكمل الإستدلال المؤدي إلى المعرفة فلم يمكن أن يضاف وجوب الإيمان عليه إلى العقل والله أعلم.
وأيضا فأن الإيمان بالله لا يتجرد على الإيمان بالنبي ﷺ ، ووجوب الإيمان بالنبي ﷺ يقع لدعوته، ودعوته خطاب يذيع بالسمع، فلما لم يكن الصبي حط في الخطاب المسمعي، دل ذلك على أن حجة النبوة، إنما تقوم عليه، فتلزمه إذا بلغ، وفي ذلك دليل على أنه لا يكون مسلما- وأن آمن بالله- ما لم يبلغ مؤمن برسوله ﷺ .
فإن قيل: أرأيت إن قلنا إن المقدار الذي يلزمه بالعاقل من الإيمان يصح منه إلى أن يصير من أهل الزيادة عليه.
قيل: ليس لك أن تقول هذا، لأنك قبل منه الإيمان بالله ورسوله، وتنزله في غاية الأحكام الشرعية منزلة الكبير. فلو كنت صححت منه ما يوجبه العقل دون غيره، لوجب أن لا يلبسه الإيمان كله، وهو إنما يلبس ببعضه.
وأما من يخالف هذا الرأي فإنه يقول: العقل يدرك به الحسن حسنا والقبح قبيحا، أو المتحسن والمقبح غيره. كما أن البصر يدرك به الأسود أسود والأبيض أبيض، والمسود والمبيض غيره.
والدلائل على الباري جل ثناؤه ووحدانيته وقدسيته قائمة ظاهرة متجلية للعقول.
فأما أن ذلك المعروف المدل يجب اعتقاده، ويقبح أغفاله، ويجب الإقرار به ويقبح كتمانه، فهذا من فرائض الأمر والنهي المسموعين، وليس واحد منهما حسنا لعينه ولا قبيحا لعينه. وكذلك الصدق والكذب والعلم والعدل وشكر المنعم وكفرانه.
ولولا أن هذا هكذا لوجب إذا بلغ الصبي حد من يعقل ويميز، واستدل بأدنى ما يقدر عليه أو بما ينبهه عليه غيره، فحدثت له عنه المعرفة، فعرق واعتقد وأخبر عن النبي ﷺ إعلامه، ووجد ذلك متتابعا في الناس فحدثت له المعرفة به واعتقده أن
стр. 160
يكون مؤمنا لم يلزمه إذا قررت عنده الشرائع العامة المتوارثة، ووقعت له المعرفة بها أن يؤديها، لأن إفادة العقل صاحبه، المعرفة بما يوجبه الإخبار العامة لا يتأخر لأجل أن الصبيان غير مخاطبين، وإذا وقعت المعرفة وجب الاعتقاد، ثم إذا كان المعقد أمرا فطاعة الله واجبة بالعقل عندهم. فينبغي أن يجب التقيد فلا يبقى شيء من الشرائع سوى ما جاءت به الأخبار الخاصة، ألا يلزم الصبي العاقل، وفي هذا بعض الشرع المتفق عليه وإزالته عن سنته، فصح وثبت أن المعول في الفرائض كلها على الأمر، والأمر غير متوجه على الصبي، فلم يكن له بنفسه إيمان ولا كفر والله أعلم.
فإن قال: لا يلزم ما ذكرت الصبي وإن أفاده عقله: المعرفة بما توجبه الأخبار العامة عن أمر ونهي، فإن تلك الأوامر والنواهي إنما هي على البالغين، فلا يلزم الصبي بتنفيذها، لأن معرفة الواحد فرض على غيره، لا يلزمه تنفيذه بنفسه.
قيل له: أما علمت أن أهل هذا القول يقولون: وكذلك الصبي وإن عرف ربه بعقله، فلا يعرف أن فرضا عليه توحيده والإيمان به، وإنما يعرف ذلك بالأمر، وهو أن عرف أن أمرا بذلك واضع من الله تعالى لم يلزمه امتثاله، لان الأمر للبالغ دونه، وليس عليه بتنفيذ ما أمر به غيره، والإيمان والشرائع في قولهم سواء والله أعلم.
وأيضا فلو كان في العقل وجوب شيء وحسنه وسقوطه ضده وقبحه، لم يجز أن يتأخر عن الصبي العاقل الخطاب الشرعي، لأن المعرفة بما يخاطب تقع له المعرفة بما تركت في عقله، فإذا صار محجوبا بموجب العقل وجب أن يصير محجوبا بموجب السمع، لأن الخطاب يقرع سمعه، كما المعقول يخطر بقلبه، وصغره لا يدفعه عن المعرفة بواحد من الأمرين.
ولما كان من قول لأمة أنه غير محجوج بخطاب سمعي دل ذلك على أمه غير محجوج بدليل عقلي، ولو كان في العقل الدليل الذي يقولون، لم يجز إلا أن يكون محجوبا به. ولو جاز أن ما يحدث له من بالمعقول فلما أجمعوا على أن حجة لا يقوم عليه بالسمع وهو صغير، دل على أنها لا تقوم عليه بالعقل. فيثبت أنه ليس في العقل هذه الدلالة التي يدعونها، وإنما فيه إحداث الحسن حسنا والقبيح قبيحا، فأما أن يكون حسن لعينه أو قبيح لعينه
стр. 161
ولا يكون، وإنما يحسن ما ينبغي فعليه الأمر به، ويصح مالا ينبغي فعليه بالنهي عنه وبالله التوفيق.
ويقال لهذا القائل: قال الله : ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ ومعلوم أن العقول لا تعدم حينئذ ولكن تكون بحالها دالة على ما كانت تدل عليه من قبل، ولكن خطاب السمع لما زال، لم تعتد بعد ذلك بإيمان أحد ولا بتوبته، وكذلك الكفار في القيامة تكون عقولهم معهم لا يعدمون منها شيئا، ولكن خطاب البعيد لما كان زائلا عنهم لم يعتد بإيمانهم، وأحسنوا أن الصبي المراهق عاقل مميز لحب الإيمان في عقله حسنا والكفر قبيحا، أليس خطاب البعيد غير متوجه عليه! فما أنكرتم أنه لا إيمان له وبالله التوفيق.
وقال قائل: في الاعتراض على ما استشهدت به من العقول: ليس إذا كان الصبي لا يعقد النكاح والطلاق على نفسه، بطل أن يعقد الإنسان على نفسه، فإن أمه لا تعقد النكاح والطلاق عليه، ثم لا يدل ذلك على أنها لا تعقد الإسلام عليه لعقده على نفسها.
فالجواب: أن الصبي لا يعقد شيئا من العقود من نفسه، فلذلك لا يعقد الإسلام الذي هو أشرف العقود وأعلاها، وجواز أن تعقد الأم عليه الإسلام لعقده على نفسه، مع عجزها عن عقد سائر العقود عليه، لا يدل على جواز أن يعقد بنفسه الإسلام على نفسه، مع عجزه عن سائر العقود على نفسه، لأنه تابع في الدين لغيره في الجملة، والتابع يمنع أصلا مرة وأصلا سواه أخرى، وذلك لا يوجب أن يستقل بنفسه فلا يتبع أصلا. ألا ترى أن الولد يتبع في الحرية والرق أمه مرة وأباه أخرى، ولا يمكن أن يكون أصلا في الواحد منهما، فيعلق جزءا وأبواه مملوكان، لا غرور بينهما أو رقيقا وأبواه حران. فكذلك الصغير قد يتبع في الإسلام أمه مرة وأباه أخرى، ولا يمكن أن يكون أصلا في الدين فيسلم فيكون مسلما وأبواه كافران.
وأيضا فإن هذه المعارضة غير صحيحة لأن المرأة لا تلي على ولدها الصغير نكاحا
стр. 162
ولا طلاقا، لا تلي عليه إسلاما وإنما يسلم بنفسها فيصير الولد في الحكم مسلما، فلم يظهر بين الإسلام والنكاح والطلاق من الوجه الذي أراده السائل فرق، والله أعلم وبه التوفيق للصواب.
فصل
وإذا أسر الحزبي وهو من المعطلة أبو عبدة الأوثان فقيل له: لتسلم أو لنقتلنك، فاسلم، صح إسلامه في ظاهر الحكم. فإن لم يؤمن من قلبه فهو عند الله تعالى منافق، وإنما كان إسلامه صحيحا في الظاهر، لأن إكراهه عليه كان حقا إذا لم يكن بدين الله تعالى دينا، فإن الله ﵎ لا يرضى من قادر على التدين والتعطل، ولا يسوغ أحدا أن يشرك به شيئا إذا كان لا الإكراه لحق لم يكن هو المكره والمختار فرق في الحكم كمن أكره على طلاق لحق، أو تفسير إقرار محمل، فإن طلاق ذلك وتفسير هذا كالواقع من المختار.
فإن قيل: ولم يكره أحد على الإيمان، والإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد، والإكراه على الاعتقاد لا يتأتى لأنه معيب.
قيل له: لأنه ليس وراء الإكراه إلا الإمساك والتجافي عنه مكان الإكراه أعدل، لأنه قد ينتبه على الإكراه على قبح الكفر وضيعته، فيحدث له ميل إلى الإسلام ورغبة فيكون إيمانه إيمان مختار، ولو ترك لتمادى في كفره، فيكون الإكراه أشبه باستفتاح الكفر واستحبابه من الإمساك والله أعلم.
وأيضا فإن الكافر إذا كان قد سمع دين الإسلام ودعوة النبي ﷺ وبعض ما جاء به من الإعلام، فالأغلب أن امتناعه من الإسلام عناد وليس عن شبهة واقعة له. فإذا حمل على الإسلام بالوعد فاسلم، فالظاهر إن إسلامه لتبين الحق له، وإن كان أخره إلى أن يوعد عليه، وإنما الإكراه إنما اثر في إزالة عناده لا في تقرير صحة الإسلام.
كما أن المريض الذي يعرض عليه الدواء فيمتنع من شربه إذا حمل عليه بوعيد فتناوله لم يخل من أن يكون مستشفيا بالدواء وإن كان أخر تناوله إلى أن يوعد عليه، وكان
стр. 163
اثر الإكراه إزالة الامتناع لا تحقيق شفعة الدواء عنده. فلهذا جعل مسلما في ظاهر الحكم وإن كان إسلامه عن إكراه والله أعلم.
مسأله وأما الذمي إذا استكرهه المسلمون على الإسلام فأسلم، لم يلزمه الإسلام إلا بأن يقر بأن رأيه تغير وأسلم مختارا لأنه لم يكن لهم أن يستكرهوه بعد ثبوت الذمة له، فكان ذلك كاستكراه الكفار المسلم على الفر. ومعلوم أنه أن تكلم بالكفر غر مختار لم يكفر. فكذلك الذمي إذا استكره على الإسلام فكلم بالحق غير مختار لم يسلم.
فإن قيل: الإكراه على الحق ينبغي أن يكون بحق حتى يصير المكره كالمختار. فأما إذا كان ما يقع الإكراه عليه حقا في نفسه، ألا أن الإكراه عليه غير مملوك، للمكره فيه حكم المختار.
ألا ترى أن رجلا من عرض الناس لو استكره رجلا على بيع شيء من ماله في دين عليه في بلد فيه سلطان أو قاض لم يلزمه ذلك البيع. ولو استكرهه عليه الحاكم فباع لزمه، وما افرقا إلا لأن الحاكم يملك والأجنبي لا يملكه، والبيع إذا لم يوصل إلى البعد إلا به حق في الحالين، فكذلك إكراه الذمي على الإسلام غير مملوك للمسلم، وإن كان الإسلام حقا، فواجب أن لا يكون المكره عليه كالمختار والله أعلم.
فإن قيل: لم لا قلتم أنا لمسلمين إذا استكرهوا الذمي ساروا بذلك ناقضين عهده، فإذا أسلم كان ذلك كإسلام من لا عهد له.
قيل: عهده لا ينتفض، فنقض من المسلمين من غير جناية بحدثها أو اختلاف شرط أن يكون منه، وليس نقضهم عهده كنقضه، لان العهد له وهو المحتاج إليه، فإذا نقضه انتقض، لأنه لا يضر بذلك إلا نفسه، وإذا نقضه المسلمون من غير عذر لم ينتقض لأنه إنما عقد له دفعا لما يخشاه من الضرر من جنايتهم، فلو لم يلزمهم وكان ينتقض أو ينقضوه لم يكن فيه فائدة واستوي وجوده وعدمه والله أعلم.
стр. 164
فصل
وإذا ارتد المسلم عن دينه وهو سكران أخذ به، لأنه فيها عليه بمنزلة الصاحي إلا ترى أنه لو أقر بدين أو طلق امرأته أو أعتق عبده لزمه، وهو في وجوب الصلاة بدخول الوقت كالصاحي. فكذلك الردة عليه، فكان فيها كالصاحي. فإن رجع إلى الإسلام وهو سكران صح إسلامه لأنه إقرار وعدل ويلزم نفسه به حقوقا. فهو كنكاحه وطلاقه وعتاقه وإقراره بالديون والجنايات، فلما كان تلك يلزمه فالإسلام أولى أن يلزمه والله أعلم.
стр. 165
القسم الثامن
باب القول فيمن لم تبلغه الدعوة
إن كان في ناحية من الأرض قوم لم تبلغهم الدعوة فالقول فيهم: أن من كان منهم عاقلا مميزا متمكنا من الرأي والنظر، إلا أنه لا يدين دينا، ولا يعرف لنفسه خالقا ولا يعتقد رأيا من الآراء، وإنما يعيش عيش البهائم، فهو كافر، إن قتله قاتل فلا شيء عليه. وإن كان يعتقد دينا نظر فإن كان يعتقد دينا مستقيما في أصله كالنصرانية قبل أن يبدل إلا أنه لم يتحول عنه لأن دعوة نبينا ﷺ لم تبلغه، فهذا مسلم، إن قتله قاتل فعليه دية مسلم.
وسمعت بعض أصحابنا يقول: عليه القود، فإن كان يعتقد دينا كان مستقيما في الأصل إلا أنه يدل على سببه بما خلط من الباطل فليس مسلم وينظر فإن كان ذلك نصرانية أو يهودية مبدأه ففيه ثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيا ففيه ديه أهل دينه، وإن كانوا عبدة أو ثان أو معطلين فهم كافر لا حرمة لهم، ولا شيء علم من قتلهم.
وإنما قلنا إن كان منهم عاقل مميز، إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر، لأنه وإن لم يكن يسمع دعوة نبينا ﷺ ، فلا شك أنه سمع دعوة أحد الأنبياء الذين كانوا قبله صلوات الله عليه على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم، والذين كفروا بهم، وخالفوهم فإن الخبر قد يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع أية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها، وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر والله أعلم.
وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها، ولا يرى أن ذلك يكون فإذ كان، فأمره على الاختلاف: فمن ذهب إلى أن للعقول أحكاما من نحو القطع، فحسن الشيء أو قبحه أو سقوطه، فإنه يقول: أن على هذا أن
стр. 166
ينظر في حال نفسه ويتكعر في أنه وجوده على أي وجه كان أو يقسم ذلك ثوابه وفهمه ثم يستدل على الصواب منها بالدلائل الواضحة اللائحة بالحق المستنير بالصدق، وإذ كان ذلك واجبا عليه فأغفله وأعرض عنه كان حكمه حكم المعرض عن الدعوة بعد أن بلغته والله اعلم.
وأما من لا يرى هذا الرأي فإنه يقول: العقل وإن كان طريقا إلى المعرفة، فينبغي أن يأتي الأمر بالاستدلال فيلزم، أو يرد الأمر بالإيمان فيجب. وإنما إمكان معرفة الله تعالى بالعقل كإمكان معرفة ما وعد الله به، وإمكان سائر الأعمال التي تصلح لها الأعضاء والجوارح، وإذا كان شيء من ذلك لا يلزم إلا بأمر، فكذلك هذه المعرفة. وإذا كان كذلك- وقد أخبر الله تعالى: ﴿أنه لا يرضى لعباده الكفر﴾ - صح أن لا يؤخر عنهم الأمر بالإيمان، فلا يمكن إذا وجود من تبلغهم الدعوة إلى الإيمان، ولا معنى لوضع هذه المسألة فيه، والبحث أنه كافر أو مؤمن، والله أعلم.
فصل
وأما من كان منهم متمسكا بدين مستقيم كان حقا في وقت لم يبلغه الخبر عن غيره فهو مسلم، لأنه لا يصير محجوجا بغيره ما لم يبلغه خبره. ألا ترى أن أهل قباء لم تلزمهم الحجة بتحويل القبلة إلى الكعبة ما لم يبلغهم الخبر، ولذلك استداروا فبنوا ولم يستأنفوا، وقد قال الله : ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. بمعنى الرسول للتبليغ، فمن "لم" تبلغه دعوة الرسل فكمن لم يرسل إليه.
ألا ترى أن الرسول إذا أوحي إليه وهو في بيته لم يصد قومه محجوجين بما أنزل عليه قبل أن يبلغهم، فكذلك البعداء منه هذا حكمهم. وروى أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أنن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، وكان إذا بعث سرية يقول لأميرهم: إذا لقيت العدو فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله. فلما لم يأمر بالقتال إلا بعد الدعوة فلمنا أن الحجة لا تلزم من لم يسمع الدعوة إلا بأن
стр. 167
يبلغها أمام القتال، وهذا هو الذي لا يجوز غيره، لأن القتال إنما هو على الدين فيستحيل أن يتقدم الإعلام بالدين لمن ينبغي أن يتقدم الدعوة والإعلام. فإن وقفت الإجابة وإلا كان القتال بعد الإصرار والله أعلم.
وإذا كان الأمر على ما وصفت، وجب إذا قيل من ذكرت أن يكون فيه ديته مسلم لأنه مسلم هذا ما قاله غيه غيري، وقائل هذا القول- وإن كان من أهل الفتيا- فيحتمل أن يكون غير ما قال: وهو أن يكون نصف الدية لأنه ناقص الإيمان، والنبي ﷺ لما وصف المرأة بنقصان الدين، من حيث أنه لم يسمع بمحمد ﷺ ، فرسول خاتم النبيين وسيد المرسلين أول من يكمل دينه، وإنه إن كان غير آثم وخرج لقصور الدعوة عنه، فالمرأة أيضا بما تدعه من الصلوات غير آثمة ولا حرجة، ولم يمنع ذلك من حط ديتها عن دية الرجل.
ثم إذا لم تكمل الدية، وجب نصفها قياسا على المرأة، لأنه لا أصل له يرد إليه غيرها، ولا يقصر عن الثلث قياسا على أن أهل الذمة لأنه لا إيمان لهم وهذا مؤمن إلا أنه ناقص الإيمان كالمرأة.
وفي هذا القول لا قود على قاتله، وإن كان الرجل يقبل بالمرأة لأن النقصان في أصل إيمانه، ونقصان دين المرأة في أحد فروع الإيمان لا في أصله، فلما تساوى المسلم والمسلمة في أصل الإيمان، وكان التباين بينهما في بعض الفروع، تساويا في القصاص الذي هو أصل فاصل، وتباينا في الدية التي هي بدل وفرع. وأما من لم تبلغه الدعوة فإنه لا يساو المسلم في أصل الإيمان ولا في فروعه، فوجب أن لا يساويه في النفس ولا في الدية والله أعلم.
فإن قيل: أو كان من ينقص دينه تنقص ديته؟
قيل: لا! ولكن الصلاة تأتي الإيمان التام، والإيمان بالرسول يأتي الإيمان بالله، فمن كان مسلما بمجرد إيمانه بالله، وكان ناقص الدين من حيث لم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ فيؤمن به، كان كالتي تم إيمانها بالله ورسوله أو كانت ناقصة الدين من حيث أنها تحيض شطر أيامها في الأغلب، فلا يمكنها أن تصلي، والله أعلم.
وأما من كان متمسكا بدين مبدل، فحكمه حكم أهله في الضمان ومقدار الدية. لأن ضمان الكتابي إنما يسقط بمناصبة المسلمين، الا ترى أنه إذا اعتصم بذمة أو أمان ضمن،
стр. 168
والذي لم تبلغه الدعوة ليس بمناصب ولا مخالف، فوجب أن يكون مضمونا.
فإن قيل: بل ضمان الجاني إنما يجب إذا اعتصم بذمة أو أمان! ألا ترى أن الناصب منهم لا يضمن، والذي لم تبلغه ليس معتصما بواحد منهما، فوجب أن لا يضمن.
قيل له: أن الذي قلناه أولى، لأن أصل الكتابين من حسن، كانوا مقرين على أديانهم الضمان، وسقوط الضمان حادث بحدوث الخلاف والمناصبة، والخلاف لا يظهر إلا بعد وجود الدعوة، فمن لم تبلغه الدعوة فلا خلاف منه، فوجب أن يكون مردودا إلى أصل أمره، والله أعلم بالصواب.
стр. 169
القسم التاسع
باب فيمن مات مستدلا بقول
-وبالله التوفيق- من بلغ عاقلا مميزا، أو عرف الدعوة وسمع بعض إعلام النبي ﷺ المطبق الذي لا يمكن أن يكون كذبا ولا غلطا، فلم يذعن له، ودافع بالإيمان ليستدل وينظر، فهو كافر، وإن مات مستدلا مات كافرا، لأن إعلام الأنبياء صلوات الله عليهم باهرة للعقول، فكما أن من شاهدها ولم يؤمن بها، وشكك فيها نفسه وزعم أنه يستدل وينظر لم يكن معذورا.
فكذلك من بلغه خبر هذا البلاغ الذي وصفت، فلم يؤمن لم يكن معذورا. فأما من كان في طرف من الأرض بعيد، لا يبلغه إلا الإفراد في الإفراط، فسمع خبر النبي ﷺ وبعض إعلامه، فتوقف عن الإيمان به لينظر: أيصدق الخبر به أو يكذب، واعتقد أن الأخبار إن تظاهرت بمثل ذلك، آمن ألا أنه لم يبرح من موضعه ليخشى الأخبار، والبراح يمكنه فهو كافر، لأنه رضي لنفسه بالشك بدلا من اليقين، وغرر مع ذلك بالدين، وإن كان البراح لا يمكنه ولم يكن عنده إلا هبر من يمكن الكذب منه، لم يكن محجوجا به.
ولا يشبه هذا، الواحد كان يبعثه رسول الله ﷺ إلى أحد الملوك بكتابه ليدعوه إلى الإسلام لأنه لم يغفل ذلك إلا بعد انتشار خبره وتطاير الركبان بذكره، وما غافص أحدا برسول أو كتاب، فكان يخلص كتابه إذا ورد على المكتوب إليه لدعوة دون التعريف، فلذلك كان من ورد عليه الكتاب على يد واحد، محجوجا بدعوته والله أعلم.
وإذا سمع سامع بدعوته ولم يسمع بشيء من إعلامه لم يكن محجوجا بما سمع، إلا
стр. 170
أنه ينبغي له أن يتوقف، فإن سارع إلى تكذيبه كفر، وإن لم يسمع بشيء من إعلام نوبته إلى القرآن، وقوله: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ وكان من عليه أهل البلاغة، وأخذ يمتحن نفسه لينظر: هل يتهيأ له بمعارضته، وهو يعتقد أنها لم تستوله واعتاصت عليه آمن به وانفضت مدة لو كانت المعارضة مؤاتيه في ممكنته لواته فيها وأمكنته، فلم يقدر على شيء وآخر الإيمان به كفر. فإن قبل أن يمكنه معرفة حاله وهو يراود نفسه فربما طبع، وربنا يئس، ولم يظهر له من حال نفسه ما يمكنه القطع به. وكان من قبل هذا البلاغ متمسكا بدين حق مات مؤمنا بإيمانه المتقدم.
فإن قيل: لم كفرتموه إذا يئس من إمكان المعارضة، وهو يقول: الست أنا الناس كلهم؟ ولعل غيري يقدر على ما عجزت عنه، وأما أنا واحد من الجمع!
قيل: لأن مباينة القرآن سائر الكلام المنظوم، إنما هي من قبل خروج نظمه عن معارف الناس، فإنه ليست له طريقة تدرك فيحافظ عليها، كما للشعر الذي إذا أجاب طبع الواحد إليه والأقدر على تعلمه والتوصل إليه بأسبابه، وإذا كان كذلك، فكل من كان من أهل البلاغة والنظم وجاهد نفسه في معارضة سورة من القرآن فلم يقدر عليها، لأن معرفته لم تحط بنظمه ولم تقف له على هيئة مطردة وطريقة منسقة صار محجوبا لعجزه. وكان علمه بما ظهر له من حاله علما باحوا لمن كان في مثل معناه.
ألا ترى أنه لو بلغه فمكان القرآن أنه يقول الدلالة على نبوتي، ولزوم أن أحدا لا يسمع كلامي وقولي إلا وينسينا اسمه، فلا يذره ولا غيره إلا أن اذكره، فنسي هذا المبلغ اسمه عند هذا البلاغ ونسبه مبلغه وجهد جهده في تذكره ولم يذكر لصار محجوجا بما بلغه. وإن لم يكن له أن يتوقف عن الإيمان معتلا بأن يقول: إن كنت نسيت اسمي ولم أذكره فلعل غيري لا ينساه أو يذكره، لأن لم ينس اسمه لعارض من العوارض التي تحدث للطباع فينسى ويغفل. فقال: لعل الناس يتباينون في ذلك، فعسى أن يعرض لواحد ولا يعرض لغيره، وإنما نسي لأمر خارج من الطباع فهو وغيره فيه سواه، وليس إلا التصديق والتسليم، فكذلك هذا في العجز عن معارضة القرآن والله أعلم.
فإن سأل سائل: عن امرأة ولدت ولدا على رأس جبل إلى أن يعيش وحده، ماتت أمه
стр. 171
وبقي وحده فكبر وعقل ولم ير أنسانا قط، ولا يسمع خبرا إلا أنه يفكر في أمره أول ما اتسع للرأي والنظر ليعلم ما هو وما هذه المحسوسات التي يراها وهل يجب أن يكون لها فاعل؟ أو هي قديمة؟ فلم يزل ينظر ويستدل ولا يغفل عن النظر وقتا إلى وقت تدفعه عنه ضرورة، فمات قبل أن ينتهي استدلاله، فيظهر له ما يطلب، أيموت كافرا أو يموت مسلما؟
قيل له: هذا ينبغي أن ينظر فيه من أصول سبق ذكرها:
أحدها: القول بالميثاق. فمن أثبته زعم أن الناس كلهم مولودون على حكم الميثاق المأخوذ عليهم. فمن نقصه بالكفر زال عنه حكمه، ومن لم ينقصه بحدث يحدثه ثبت له حكمه. فقال في هذا الذي مات مستدلا أنه مات مؤمنا ومآبه الجنة.
وهكذا من لم يقل بالميثاق ويزعم أن الله تعالى جعل أصل الناس الاستقامة، كما جعل أصل الماء الطهارة، فكذلك يقول أيضا. ومن قال: أصل الناس انه لا يدن لأحد منهم بنفسه، ولكن يجعل في صغره تابعا لأبويه، وإذا بلغ كان له حكم نفسه، قال أن الذي وقع السؤال عنه لا يمكن أن يكن لأنه لو كان، لا يمكن أن يقطع بأنه يموت كافرا، ولا بأنه يموت مسلما.
وقد قسم الله عباده قسمين، فقال: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، ولما قسمهم في الآخرة جعلهم بين وعد ووعيد، فقال: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ وقال: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ فثبت أن أحدا ألا يخرج من هذين القسمين. وصح أن المسألة بنفسها فاسدة، وجوابها أن المولود الذي سئل عنه إن كان بلغ حد الاستدلال. فإن الله تعالى يمهله إلى ينهي استدلاله حقا فيصيب، أو ينهيه وعند نفسه باطلا فيخطئ فيحق له الوعد أو يحق عليه الوعيد ولا يعاجله بالاحترام قبل أحد هذين والله أعلم.
فإن قيل: أرأيتم إذا استدل أو عرف الحق فآمن بالله كان إيمانه ذلك فرضا أداه، وكان استدلاله وإيمانه حسنين عند الله تعالى أولا. فإن قلتم: لم يكونا حسنين لزمكم أن تقولوا كانا قبيحين. وإن قلتم: كانا حسنين فقد اعترفت بأن الإيمان حسن لعينه، وإن
стр. 172
ذلك مدرك بالعقل من حلمه، وليس يحتاج في تحسينه إلى أمر يرد به.
فالجواب: أن من قال أن من الأشياء أشياء حسنة لأعيانها، وأشياء قبيحة لأعيانها، والعقل فارق بين الصنفين، فإنه يقول: كان إيمانه واستدلاله حسنين واجبين، وتركهما- لو تركهما- قبيحين محظورين. ومن خالف هذا الرأي قال: السؤال محال! لأن الله تعالى اخبر أنه لا يرضى لعبادة الكفر، وإذا لم يرضه لهم نهاهم عنه وأمرهم بضده، فلا يمكن أحد المستعين لإدراك الأمر ومعرفته يحكى عن الأمر بالإيمان، فيحتاج إلى أن يتكلم عليه إذا خلا عنه واستدل بعقله على الإيمان. واعتقده، كان ذلك منه حسنا أو غير حسن وواجبا له غير واجب ويعتبر هذه المسائل بعد معرفة الأصل لا وجه له لأن ذلك إنما يراد به المغالطة وليست من فعل أهل الدين إنما فعلهم النصح للمسلمين، وبالله التوفيق.
***
стр. 173
القسم العاشر
باب القول في شعب الإيمان
أولها: باب في الإيمان بالله تعالى .
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق﴾. وهذه الشهادة فرض تجمع الاعتقاد بالقلب والاعتراف باللسان، والاعتقاد والإقرار وإن كانا عملين يعملان بجارحتين مختلفتين فإن نوع العمل واحد، وما مثلها إل امثل من قال شيئا وكتبه، فإنه وإن عمل عملين بجارحتين مختلفتين فإن نوع العمل واحد، وهو الإبانة عما حصل مبينا باليد واللسان من قرآن أو شعر أو حديث أو مثل أو قصص أو ما كان من أصناف الكلام أو مثل من مد يديه ورجله إلى شيء فحركه، فإنه وإن كان عم عملين بجارحتين مختلفين، فإن نوع العمل واحد وهو تحريك شيء بعينه.
فكذلك الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان عملان يعملان بجارحتين، إلا أن نوع العمل واحد، والمنسوب إلى القلب منه هو المنسوب إلى اللسان والمنسوب إلى اللسان هو المنسوب إلى القلب، كما أن المكتوب مما جمع بين كتبه وقوله هو المنقول، والمنقول هو المكتوب.
فإن قيل: فما العمل للحاصل بالاعتقاد والإقرار؟ قيل: مجموع عدة أشياء: أحدها: إثبات الباري جلاله ليقع به مفارقة التعطيل. والثاني: إثبات وحدانيته ليقع به البراءة من الشرك. والثالث: إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه. والرابع: أن وجود ما سواه كان من قبل إبداعه واختراعه إياه لتقع به
стр. 174
من قول يقول بالصلة والمعلول. والخامس: إثبات أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما شاء لتقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة.
فأما البراءة بإثبات الباري والاعتراف له بالوجود من ماعين التعطيل، فإن ثوما ضلوا عن معرفة الله وكفروا وألحدوا وزعموا أنه لا فاعل لهذا العالم، وأنه لم يزل على ما عليه، ولا موجود إلا المحسوسات، وليس وراءها شيء، وإن الكوائن والحوادث إنما تكون تحدث من قبل الطبائع التي في العناصر وهي الماء والنار والهوى والأرض، ولا مدبر للعالم يكون ما يكون باختياره وصنعه. فإذا أثبت المثبت للعالم إلها ونسب الفعل والصنع إليه، فقد فارق الإلحاد والتعطيل، وهذا أحسن مذاهب الملحدين والعاملين يسميهم غيرهم من أهل الإلحاد الفرقة المتجاهلة وقد يدعونهم غير الفلاسفة.
وأما البراءة من الشرك إثبات الوحدانية، فلأن قوما ادعوا فاعلين، وزعموا أن أحدهما يفعل الخير والأخير يفعل الشر، وزعم قوم أن بدء الخلق كان من النفس، إلا انه كان يقع منها لا على سبيل السداد والحكمة، وأخذ الباري على يدها، وعمد إلى مادة تدعمه كانت موجودة معه لا تزل، فركب منها هذا العالم على ما هو عليه من السداد والحكمة، وإذا ثبت المثبت أن لا إله إلا الله واحد، وأن لا خالق سواه، ولا قديم غيره، فقد انتفى عن قوله الشريك الذي هو في البطلان، ووجوب اسم الكفر لقائله كالإلحاد والتعطيل.
وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا الباري جل ثناؤه ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: أنه جوهر، ومنهم من قال: أنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرض كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك.
فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث أنها جواهر كالتآلف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث أنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء.
стр. 175
وأما البراءة من التعليل بإثبان أنه مبدع كل سواه، فلأن قوما من الأوائل خالفوا المعطلة ثم خذلوا عن بلوغ الحق فقالوا: أن الباري موجود، غير أنه علة لسائر الموجودات وسبب لها، بمعنى أن وجوده اقتضى وجودها شيئا فشيئا على ترتيب لهم يذكرونه، وأن المعلول إذا كان لا يفارق العلة، فواجب إذا كان الباري لم يزل أن يكون مادة هذا العالم لم يزل به، فمن أثبت له المبدع الموجود المحدث لكل ما سواه من جوهر وعرض باختياره وإرادته المخترع لها لا من الأصل فقد انتفى عن قوله التعليل الذي هو في وجوب الكفر لقائله كالتعطيل.
وأما البراءة من التشريك في التدبير بإثبات أنه لا مدبر لشيء من الموجودات إلا الله، فلان قوما زعموا أن الملائكة تدبر العالم وسموها آلهة. وزعم قوم أن الكواكب تدبر ما تحتها وإن كل كائنة وحادثة في الأرض، فإنها هي من آثار حركات الكواكب واحتراقها، واتصالها وانفصالها وغير ذلك من أحوالها.
فمن أثبت أن الله هو المدبر لما أبدع ولا مدبر سواه، فقد انتفى عن قوله التشريك في التدبير الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله، كالتشريك في القدم أو في الخلق، وكان معنى من هذه المعاني معقده، ولهذا لم يكن الاعتقاد إحدى شعب الإيمان أو الاعتراف شعبة ثانية، بل كانا معا شعبة واحدة إذا كان المحصل بعقد القلب هو المحصل بلفظ اللسان.
فصل
ثم أن لله جل ثناؤه ضمن هذه المعاني كلها كلمة واحدة وهي لا إله إلا الله، وأمر المأمورين بالإيمان لأن يعتقدوها ويقولها، فقال : ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ وقال فيما ذم به مستكبري العرب: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون: "أأنا لتاركوا إلهتنا لشاعر مجنون"﴾ والمعنى أنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله استكبروا ولم يقولوا، بل قالوا مكانها أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون.
ووصف الله تعالى نفسه بما في هذه الكلمة في غير موضع من كتابه فقال: ﴿الله لا
стр. 176
إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال: ﴿هو الحي لا إله إلا هو﴾. وأضاف هذه الكلمة في بعض الآيات إلى إبراهيم الخليل صلوات الله عليه فقال بعد أن اخبر عنه أنه قال لابنه وقومه: ﴿إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾.
وقيل: الكلمة لا إله إلا الله، ومجاز قوله: إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني إلا الله. فيحتمل أن يكون أولاده المؤمنون أخذوا هذه الكلمة عنه، فكانوا يقولون: لا إله إلا الله.
ثم إن الله جددها بعدد رسوها بالنبي ﷺ إذا بعثه لأنه كان من ذرية إبراهيم صل الله عليهما، وورثه من هذه الكلمة ما ورثه البيت والمقام وزمزم والصفا والمروة وعرفه والمشعر ومنا والكلمات التي ابتلاه بها فأتمها والقربان. فقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". في هذا بيان أن هذه الكلمة يكفي الإسلام بها من جميع أصناف الكفر بالله .
وإذا تأملناها وجدناها بالحقيقة كذلك. لأن من قال: لا إله إلا الله، فقد اثبت الله ونفى غيره، فخرج بإثبات ما أثبت من التعطيل، وبما ضم إليه من نفي غيره عن التشريك وأثبت باسم الإله الإبداع معا إذا كانت الإلهية لا تصير مثبتة له تعالى بإضافة الموجودات إليه على ومعنى انه سبب لوجودها دون أن يكون فعلا وصنعا، ويكون لوجودها بإرادته واختياره تعلق، وبإضافته فعل يكون منها فيها سوى الإبداع إليه مثل التركيب والنظم والتأليف. فإن الأبوين قد يكونان سببا لولد على بعض الوجوه، ثم لا يستحق واحد منها اسم الإله.
والنجار والصانع ومن يجري بجراهما، كل واحد منهم يركب ويهيئ ولا يستحق اسم الإله، فعلم بهذا أن اسم لإله لا يجب إلا للمبدع، وإذا وقع الاعتراف بالإبداع، فقد وقع بالتدبير، لأن الإيجاد تدبير ولأن تدبير الموجود إنما يكون بإثباته أو بإحداث
стр. 177
أعراض فيه أو إعدامه بعد إيجاده، وكل ذلك أن كان فهو إبداع وإحداث، وفي ذلك أنه لا معنى لفصل التدبير عن الإبداع وتميزه عنه، وإن الاعتراف بالإبداع ينتظم وجميع وجوهه زعامة ما دخل في بابه. هذا هو الأمر الجاري على سنن النظر ما لم يناقض قوله مناقض، فيسلم أمرا ويجحد مثله، أو يعطي أصلا ويمنع فرعه.
فأما التشبيه فإن هذه الكلمة أيضا تأتي على نفيه، لأن اسم الإله إذا ثبت بكل وصف يعود عليه بالابطال وجب أن يكون متيقنا بثبوته، والتشبيه من هذه الجملة لأنه إذا كان له من خلقه شبيه، وجب أن يجوز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على شبهة، وإذا جاز ذلك عليه لم يستحق اسم الإله كما لا يستحقه خلقه الذي شبهه به، فتبين بهذا أن اسم الاله والتشبيه لا يجتمعان كما أن اسم الإله ونفي الإبداع عنه لا يأتلفان وبالله التوفيق.
فمن أراد التدين بدين الحق وأطلق لسانه بهذه الكلمة قد استجمعت له هذه المعاني التي سبق سرحها وتلخيصها ما لم يخطر بقلبه عند التفصيل شيء يخالف الجملة، فإن خطر احتاج إلى أن يعتقد الحق فيه مفصلا، ولم ينفعه الأجمال مع دخول الشبهة عليه في التفصيل. ثم إذا انضم إلى ما ذكرته من شهادة الحق ما يذر في باب الشعبة الثانية من شعب الإيمان من اعتقاد نبوة النبي ﷺ ، والاعتراف بها، فصل الإيمان بعامة أسماء الله وصفاته لاقتضاء العقائد التي سبق وصفها وتعديدها بمعانيها، واثبات الرسول ﷺ بالألفاظ الدالر عليها، فإن تصديقه في الرسالة تأتي على قبولها منه وتسمية الله جل ثناؤه بها. وبالله التوفيق.
فصل
ثم أن أسماء الله تعالى التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها مقسمة بين العقائد الخمس التي سبق ذكرها وتعديدها. فيلتحق بكل واحد منهما بعضها وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في ما بين، أو أكثر ثم تنتظمها جميعا شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا شرح ذلك وتفصيله:
стр. 178
١ - ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الباري جل ثناؤه والاعتراف بوجوده منها القديم:
وذلك مما يوثر على النبي ﷺ ولم يأت به الكتاب نصا، وإن كان قد جاء فيما تقتضيه.
ومعناه: الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، والموجود الذي لم يزل في أصل القديم في الناس، لأن القديم هو القادم. قال الله فيما أخبر به عن فرعون: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾. فقيل الله قديم بمعنى أنه سابق للموجودات. ولم يجز إذا كان كذلك أن يكون لوجوده ابتداء. لأنه لو كان لوجوده ابتداء لاقتضى ذلك أن يكون غير له أو جده، ويوجب أن يكون ذلك الغير موجودا قبله. فان لا يصح حينئذ أن يكون هو سابقا للموجودات. فبان أنا إذا وصفناه بأنه سابق للموجودات فقد أوجبنا أن لا يكون لوجوده ابتداء، وكان القديم في وصفه جل ثناؤه عبارة عن هذا المعنى وبالله التوفيق.
ومنها الأول ومنها لآخر: وقد ورد القرآن بهذين الاسمين.
والأول: هو الذي لا قبل له. والآخر: هو الذي لا بعد له، قبل وبعد نهايتان، فتقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للوجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر.
ومنها الباقي: قال الله : ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. وهذا أيضا من لواحق قولنا: قديم، لأنه إذا كان موجودا لا عن أول ولا لسبب، لم يجز عليه الانقطاع بسبب وجوده، فلما لم يكن لوجود القديم بسبب، يتوهم أن ذلك السبب أن أرتفع عدم، علمنا أنه لا انقطاع له.
ومنها الحق: قال الله : ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾، والحق مالا يسع أفكاره ويلزم إثباته والاعتراف به، ووجود الباري تعالى أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يسع جحده. إذا لا مثبت يتظاهر عليه من الدلائل البينة الظاهرة ما تظاهرت على وجود الباري ﷻ .
стр. 179
ومنها المبين: وهو الذي لا يخفى ولا يتكتم. والباري جل ثناؤه لبس بخاف ولا منكتم، لأن له من الأفعال الدالة عليه ما يستحيل معها أن يخفى، فلا يوقف عليه ولا يدري.
ومنها الظاهر: ومعناه البادي بأفعاله وهو جل ثناؤه بهذه الصفة، فلا يمكن معها أن يجهد وجوده وينكر ثبوته.
ومنها الوارث: لان معناه الباقي بعد ذهاب غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة لأنه يبقى بعد ذهاب الملاك الذي أمتعهم في هذه الدنيا بما أتاهم، لأن وجودهم وجود الأملاك كان به ووجوده ليس بغيره. وهذا الاسم مما يؤثر عن النبي ﷺ وليس له في الكتاب ذكر والله أعلم.
٢ - ذكر الأسماء التي تتبع إثبات وحدانيته عن اسمه:
أو لها الواحد: فهو واحد من حيث أنه ليس له شريك، فيجري عليه لأجله حكم العدد، وتبطل به وحدانيته. والآخر: أنه واحد، هي أن ذاته ذات لا يجوز عليه التكثر لغيره، والإشارة فيه إلى أنه ليس بجوهر ولا عرض، له قوام له إلا بغير يحله، والقديم فرد لا يجوز عليه حاجة إلى غيره، ولا يكثر بغيره، ولا هذا لو قيل أن معنى الواحد انه القائم بنفسه لكان ذلك صحيحا ولرجع المعنى إلى انه ليس بجوهر ولا عرض، لأن قيام الجوهر بفاعله ومثبته، وقيام العرض بجوهر يحله.
والثالث: أن معنى الواحد: القديم. فإذا قلنا الواحد، فإنما يريد به الذي لا يمكن انه يكون أكثر من واحد، والذي لا يمكن أن يكون أكثر من واحد هو القديم، لان القديم بالإطلاق السابق للموجودات، ومهما كان قديما كان كل واحد منهما غير سابق بالإطلاق، لأنه أن سبق غير صاحبه فليس بسابق لصاحبه وهو موجود وجوده، فيكون إذا قديما من وجه غير قديم من وجه، ويكون القدم وصفا لهما معا، ولا يكون وصفا لهما معا، ولا يكون وصفا لكل واحد منهما. فثبت أن القديم بالإطلاق لا يكون إلا واحدا. فالواحد إذا هو القديم الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا.
فإن قال: إذا كان القديم هو السابق للموجودات، والبادي إذا لم يستحق هذا الإسم
стр. 180
إلا بعد وجود الموجودات، لأنه من قبل وجودها لم يكن موصوفا بسبقها.
قيل: أن الموجودات لما كانت بإيجاده وإبداعه كان سابقا لها بوجوده القديم، فإن وجوده لا يكون عرضا، وإذا كان وجوده بعدما أبدع هذا الوجود الذي كان موصوفا به قبل الإبداع، فهو إذا استحق به الوصف بالسبق استحقه قديما لا استحقاقا حادثا.
كما أن القدرة وإن كانت لا تكون إلا على مقدور، فإنه إذا استحق به الوصف بالقدرة استحقه استحقاقا قديما لا حادثا، لأنه إنما يوجد المقدور بالقدرة التي كانت له قبل أن يوجده، وليست قدرته عرضية، فتكون قدرته الآن غير قدرته قبل الآن، فكذلك الوجود والله أعلم. وقد ورد الكتاب بهذا الاسم، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قل إنما إنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾.
ومنها الوتر: لأنه إذا لم "يكن" قديم سواه، لا إله ولا غير إله، لم ينبغي لشيء من الموجودات أن يضم إليه فيعد معه، فيكون والمعدود معه شفعا، لكنه واحد فرد وتر.
ومنها الكافي: لأنه إذا لم يكن له في الإلوهية شريك، صح أن الكفايات كلها واقعة به وحده فلا ينبغي أن تكون العبادة إلا له، ولا الرغبة إلا إليه، ولا الرجاء إلا منه. وقد ورد الكتاب هذا أيضا، قال الله : ﴿أليس الله بكاف عبده﴾، وجاء ذلك أيضا عن رسول الله ﷺ .
ومنها العلي: قال الله : ﴿وهو العلي العظيم﴾ ومعناه الذي ليس فوقه بما يجب له من معاني الجلال احد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه، لكنه العلي بالإطلاق، والرفيع في هذا المعنى. قال الله : ﴿رفيع الدرجات﴾.
ومعناه هو الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهو أصنافها وأبوابها لا يستحق لها غيره.
٣ - ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الابتداع والاختراع له.
أولها: الله، ومعناه إله، وهذا أكثر الأسماء واجمعها للمعاني، والأشبه أنه كأسماء
следующие страницы →