Полный текст (1 512 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فإن قال الرجل: أرأيت من قال من أصحابك هذا، لم يقل أن زيادة الإيمان زيادة ثوابه، كما قال أن نقصان الإيمان نقصان ثوابه.
قيل: بل يلزمه عند هذا، وهو أن الإيمان إذا كان لا ينقص ثوابه إلا بفعل ضده وهي المعصية التي هي من فروع الكفر، لم يرد إلا بفعل مثله وهو الطاعة، التي هي من فروع التصديق، فتزداد الطاعة المتقدمة بالطاعة المتأخرة، ويتضاعف الثواب. فأما أن يزداد ثواب الإيمان لا بإيمان يحدث بعده، فذلك محال، كما أن نقصانه لا بخلاف إيمان يحدث بعده محال، والله أعلم وبالله التوفيق.
وأما من قال: إن نقصان الإيمان إنما يزداد به نقصانه عن حد الكمال المبين له أو نقصانه، بالإضافة إلى ما هو أكمل منه، وأنه لا يقول: المعاصي تنقص الشهادة. لأن معنى نقصان الإيمان عنده انقطاع أضداده عنه، فيقال: المعاصي نقصت إيمانه فعل ما تركه إلى ضده لكان ذلك إيمانا منه، ولكثرت به أجزاء إيمانه. فلما كان خلاف ذلك منه أنه وعالجوا الموجود من الإيمان، فكان إيمانه ناقصا بالإضافة إلى ما كان يكون لو لم ينفرد بالإضافة إلى إيمان غيره ممن لم يجن مثل جنايته، ونقصان الإيمان من هذا القول كنقصان المال، وزيادته كزيادة المال، أو نقصان كنقصان بعض الأعضاء وزيادته لتكامل الأعضاء، أو نقصانه كنقصان المال وزيادته كزيادة على مقداره.
قال الرجل أيضا: فإن الزيادة في الإيمان إنما ذكرت عند زيادة الإيمان والسور، فمعناها الثبات على الإيمان والقرار عليه والصلابة فيه، لأن الآيات تظهر الحجج، وتزيل الشبهة فيزداد المؤمن بذلك قوة وثباتا على الإيمان. والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا﴾.
فالذي وصفه بالزيادة في تلك الآيات وصفه بالتثبت قي هذه الآية، فدل أن معناها القرآن، والقرآن عليه وكذلك ضرب الله تعالى مثل الإيمان بشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء وصفه بالثبات والقرار عليه، ووصف الكفر بضد ذلك فقال: ﴿اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾. فيقال له: أن الإيمان الزائد للمؤمنين بنزول السور: هو أن
стр. 107
يؤمنوا بالتأويل أولا، فيعتقدوا أنه من عند الله تعالى، ثم أن يعملوا إن كان فيه فرض سبيله أن ينفذ. فإن السورة التي قيل فيها: ﴿وإذا ما أنزلت فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. هي التي قيل فيها: ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين﴾. فعلمنا أن قوله : (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) إنما أريد بها أنها إذا أنزلت بالجهاد مع رسول الله ﷺ جاهدوا ولم يتحققوا عنه مستأذنين ولا غير مستأذنين.
ألا ترى أنه قال: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا على رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾. إنما أراد به أهل الطول من المنافقين الذين لا يكون لهم عذر مقعدهم ومع ذلك يقولون للنبي ﷺ : ﴿ذرنا نكن مع القاعدين﴾ كل ذلك فعل يحدثونه فيحدث لهم به زيادة إيمان أو زيادة رجس، فصح أن المراد بالآية ما قلنا والله أعلم.
وأما قوله: أن المراد بالآية أن الآيات إذا أنزلت أظهرت الحجج وأزالت الشبهة، فيزاد المؤمن بذلك قوة في الإيمان!
فجوابه: أن تلك القوة ليست إلا فضل تصديق ما كان يحدث منه زيادة إيمان، فقد بينا أن كل طاعة تصديق، فليكن حدوثها زيادة إيمان، هذا ومن قوله: إن ما كان قبل نزول الآية فهو إيمان تام ولا معنى للزيادة على التمام ثم ينقصه على نفسه، ويزعم أن فضل التصديق الواقع بنزول آيات يتضمن على الحق دلالات زيادة حادثة على ما تقدم من الإيمان.
فيقال له: إما أن لا يكون الأول تاما بالإطلاق فيكون، تعوض الزيادة، أو إن كان تاما فقد يكون تمام فوق تمام. فلا ينكر أن يرد عليه من الطاعات ما يزيده تماما وبالله التوفيق.
وكذلك ما قاله في الثبات على الإيمان لأنه إن كان أراد أن السور إذا أنزلت أراد بها نفيهم حتى يصير ذلك سببا للثبات لولاه لكان لا يقع منهم، فهو تأويله الأول، وإذا
стр. 108
كان كذلك، فكل طاعة تحدث فهو تصديق حادث، فوجب أن تكون زيادة إيمان وبالله التوفيق.
قال الرجل: ووجه آخر يحتمل أن يكون المراد بالإيمان نوره في القلوب، وضياؤه فيها، لا نفسه، لأن الله تعالى وصف الإيمان بالنور والضياء لقوله تعالى: ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾. وقوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾. وقال: ﴿كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة﴾. وقد سمى هو الشمس شمسا، ونور القمر قمرا، فلذلك يجوز أن يسمي الإيمان نورا، فالنور لا نور له، وإنما النور البين وعندك أن الله سمى الإيمان نورا، فإذا لم يكن للنور نور، لم يكن لك أن تحمل الوارد بزيادة إيمان على النور.
فإن زعم أن الإيمان نور وأن له نورا، لم يمكنه أن يرجع في إثبات ذلك إلى هذه الآيات، ويسأل عن نور الإيمان: الإيمان ما هو؟ فلا يمكنه أن يشير إلى معنى سوى أنه يدعو إلى الطاعات ويحول عليها، ويزجر عن المعاصي والميل إليها.
وذلك نفس قولنا، لأن كل ما حول عليه إيمان فهو إيمان، فإن بدء الإيمان الاعتقاد بالقلب فلما كان إيمانا كان ما يحول عليه من الإقرار إيمانا. ولما كان الإقرار إيمانا. كان ما يحول الإقرار عليه من قبول الشرائع إيمانا. كذلك قبول الطاعات إيمان. فوجب أن يكون ما يحول للقبول من الأفعال إيمانا قبول الإيمان هو أن اعتقاده يهدي إلى الإقرار ويقبل الأمر والنهي، والتقبل يهدي ولا يعقل له معنى سوى هذا وبالله التوفيق.
قال الرجل: وروي عن بعض السلف في تأويل الآيات، أن معناها: أنهم كانوا آمنوا بالله ورسله وبجميع ما يأتي من الله، فإذا أتى فرض بعد فرض ازداد إيمانهم بالتفسير مع إيمانه بالجملة. وقال أهل التفسير بأجمعهم في تأويلها: أنه التصديق أي زادهم تصديقا إلى تصديقهم، ويقينا إلى يقينهم، ولا أحد منعم صرف تأويلها إلى الصلاة والزكاة، ولا إلى شيء من القرب، فمن صرفه إليها فقد خالف أهل التفسير.
стр. 109
فيقال له: أن الذي حكيته عن بعض السلف صحيح، ولكن ليس إذا كان ذلك زيادة إيمان امتنع أن يكون غيره وهو العمل بذلك المتقبل إيمانا، فقبول ما يحدث بعينه إيمان، لأنه طاعة، فكذلك ينبغي أن يكون العمل به إيمانا لأنه طاعة ويثبت بزيادة الإيمان بكل حال.
وأما المفسرون في إجماعهم على تأويل الآية: هو التصديق. فمرحبا بهم. ومن خالفهم فإنه لا يخالفهم، ويقول كما قالوا: إن زيادة الإيمان ليست إلا زيادة التصديق، لكن كل طاعة تصديق، فحدوثها كحدوث فضل اليقين أو الثبات وبالله التوفيق.
قال الرجل: واحتجوا بما روي عن بعض الصحابة: أن القبلة لما حولت خشي كثير من الصحابة على من مات منهم ضياع صلاتهم، فنزل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.
قيل لهم: أن هذا الخبر لا يصح عن الصحابة لأنه لا يجوز أن يسبق إلى فهم أحد أن الله ﵎ يضيع عملا عمل بأمر رسول الله ﷺ . ولأن ذلك يوجب شكا في خبر رسول الله ﷺ ، ولو كان ذلك كما ذكروا، لكان خوف الصحابة على أنفسهم من ذلك أوجب من الخوف على من مات منهم، والسؤال عن إعادة تلك الصلوات ألزم لهم من غيرهم، ولم يرو عنهم في ذلك شيء. فدل أن هذا التأويل باطل، ولأن الآية جاءت بذكر من بقي من الصحابة دون من مات منهم لقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ولم يقل إيمانهم. وإذا بطلت القصة التي هي دلالة تسميتهم الصلاة إيمانا بطل التأويل.
فيقال له: الذي ذكرت أنه لم يرو وقد روي، وجاء أن هذه الآية كما نزلت سألوا رسول الله ﷺ عن صلاتهم إلى بيت المقدس، ومعنى هذا أنهم سألوا: أهل عليهم إعادتها؟ وروي أنهم سألوا عن إخوانهم الذين قتلوا قبل تحويل القبلة. ومعنى هذا أنهم لما سألوا عن أنفسهم فأخبروا أن لا إعادة عليهم، ظنوا أن سقوط الإعادة عنهم إنما هو لأنهم أدركوا القبلة الجديدة. فلما صلوا إليها لم يتبعوا فيما صلوا قبلها إلى غيرها.
وأما إخوانهم الذين ماتوا من قبل فعسى أن تضيع صلواتهم فسألوا عنهم. وهذا كما روي: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف فمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله عز
стр. 110
وجل: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. وأخبروا أن الأحياء الذين شربوا قبل التحريم والذي سبق موتهم نزول التحريم سواء في سقوط التبعة عنهم في ذلك. فكذلك أخبروا بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أن الأحياء من المصلين إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة والأموات سواء، في صلواتهم محتبسة.
وقد يجوز أن يكون السائلون عن هذا قوما سوى فقهاء الصحابة، فكان لا يحضرهم عند هذا السؤال قول الله : ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ ولأن العمل إذا أدى بأمر الله وأمر رسوله ﷺ يبطل على عامله وإن لحقه بعد ذلك نهي عنه وتبديل له. هذا وقد كان الزمان زمان الشرع، وقد كان يمكن أن ينوبهم فقهاؤهم إن كانوا هم السائلين.
إن العمل إذا نسخ بطل ووجبت إعادته على منهاجه المستأنف دون ما مضى، فإن هذا مما كان يجوز أن يشرع ثم كان يكون، فنزل الله : ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ محمولا على العمل إذا أسلم. وتكون إحدى شرائطه سلامته، أن لا يلحقه نسخ ولا تبديل. وإذا كان هذا جائزا ومتوهما مظنونا، لم ينكر أن يصير سببا للسؤال عن الصلوات المقدمة، فجابوا عنها بما أجيبوا به، ولم يجز أن يتسرع إلى إنكار رواية لا تعدلها في الشهرة والاستقاصة رواية، وما خلا منها كتاب مفسر ولا أحد تكلم في معاني القرآن، والله أعلم.
قال الرجل: تأويل الآية عندنا خرج على وجهين:
أحدهما: أن تكون الصلاة مضمرة عند الإيمان كأنه قال: وما كان الله ليضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس، وإنما سألوا عن الصلاة نفسها. فدل ذلك على أنها في الإيمان المذكور في الآية. ألا ترى أنه لما نزل تحريم الخمر لم يسألوا عن إيمان من شربها مستحلا لها، وإنما سألوا عن الشرب نفسه.
ويقال له: إن كانت الصلاة سميت إيمانا لأنه سببها، فهو سبب كل طاعة فليسم إيمانا، وهذا مما ذكرنا من نقصه في بعض الأوقات على نفسه.
стр. 111
قال الرجل: احتجوا بقول الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ قيل لهم: لا يصح هذا التأويل، لأنه يوجب وصف الدين بالنقصان، ولا يجوز أن يقال أن الدين غير كامل في وقت من الأوقات. لأنه يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدرا وبايعوا رسول الله ﷺ البيعتين جميعا، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهمم من أنواع المحن. على دين ناقص، وكذلك كان رسول الله ﷺ في ذلك، وكان يدعو الناس إلى دين ناقص. ومعلوم أن النقص عيب دين الله فيتم. كما قال: ﴿دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا﴾ ولو كانت الآية على ما توهموا من أن الدين كان غير كامل لقوله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ لوجب أن يكون قوله: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ يدل على أنه كان لا يرضى به بعد ذلك.
فيقال له: لم قلت أن كل نقصان فهو عيب؟ وما دليلك على هذا؟ فإنا لدعواك جاحدون. ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر! هل يكون عيبا له؟ ونقصان صلاة المسافر، أهو عيب لها؟ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره﴾ أهو عيب له بكل حال؟ ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان أيام الحمل أهو عيب؟ ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غريق، إذا لم يفتقر به صاحبه أهو عيب له؟
فإذا كانت هذه الوجوه من النقصان وما يشبهها غير عيب! فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في زمان الشرع قبل أن يلحق بها الأجزاء الباقية في علم الله تعالى ليس بشين ولا عيب. ولا أنكرت أن معنى قول الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ يخرج على وجهين:
أحدهما أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد. فيقال له: إنه كان ناقصا عما كان عند الله، أنه ملحقه به وضامه إليه، كالرجل يبلغه الله مائة سنة. فيقال: أكمل الله عمره، ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان من
стр. 112
سنين، كان ناقصاً نقص قصور وخلل. فإن النبي ﷺ قال: "من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر". ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد، فيقال: كان ناقصا عما كان عند الله، أنه مبلغه إياه معمره إليه، وقد بلغ الله، فالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات. فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا، ولا يجب عن ذلك أنها كانت- حين كانت ركعتين- ناقصة بعض قصور وخلل.
ولو قيل: كانت ناقصة عمل عبد الله انه ضامه إليها، وزائدة عليها لكان ذلك صحيحا، فهذا هكذا في شرائع الإسلام، وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أنه أنهى الله تعالى: أن الدين منتهاه الذي كان له عنده، والله أعلم.
والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أنه وفقهم الحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره. فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه، وقياما بفرائضه. فإنه ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
وقد كانوا شهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي ﷺ ، أنزل الله تعالى وهم الموقف عشية عرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ فإنما أراد به أنه أكمل وضعه لهم، وفي ذلك دلالة على أن أعمال البر كلها دين وإيمان وإسلام. ومن قال بالوجه الأول ذهب إلى أنه أكمل الدين وصفا، واحتج بما روي من أن هذه الآية لما نزلت استقرت الفرائض فيما غير منها شيء إلى أن قبض رسول الله ﷺ ، وفي ذلك دليل على أن الطاعات كلها دين كما الاعتقاد والإقرار دين والله أعلم.
وأما قول الله : ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ فإنما معناه ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا لكم إلى آخر الأبد. فلا أغير شيئا منه ولا أزيد
стр. 113
ولا أنقص، فأما من قبل ذلك فإنه كان يرضى شيئا من دينهم لهم وقتا ثم لا يرضاه لهم بل رضي خلافه فلما أكمل الدين أخبر أنه قد رضي لهم جميع ما هم عليه لهم دينا فلا يغيره أبدا. فهذا معنى الآية وهو بعيد مما ظنه الرجل وبالله التوفيق.
قال الرجل: وعلى أنه لا سبيل إلى إكمال الدين على مذهبهم، لأن الدين عندهم اسم لا حد له من الخيرات، ولا يقدر أحد على القيام بإنفاقه، فلا تمام للدين على هذا المذهب ويبطل امتنان الله على العباد بإكمال الدين.
فيقال له: إن الخيرات لا حد لها من ناحية العباد وأفعالهم، وإلا فشعب الإيمان محدودة معلومة، فما دخل في جملتها فإيمان وجماعها جماع إيمان. وهذا كما أن الصلاة عبادة محدودة معلومة، ولكن لا حد لما يفعله الناس منها ولا مقدارا. والمأكول والمشروب بين معلوم، ولكن أكل الناس وشربهم لا حد لها ولا مقدار. فهكذا الإيمان محدود في حكم الله تعالى معلوم، ولكن فعل العباد له عودا على بدء لا حد لها، وإنما وصف الله تعالى بالإكمال وضعه وشرعه لا أفعالهم والله أعلم.
قال الرجل: ويحتمل أن يكون معنى الآية، أظهرت دينكم فقدرتم على إعلانه في كل موضع، ويئس عدوكم من أين يتركون دينكم لقوله : ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ وكما قال: ﴿والله متم نوره﴾ ليس إن نوره كان غير تام حتى يتمه، وإنما أراد إظهاره الخلق. ألا ترى أنه قال: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله﴾ فلو كان نوره ناقصا، فدل أنه كان تاما.
فيقال له: إن الإظهار لا يسمى إكمالا، وقد يكون الشيء كاملا غير ظاهر، وظاهرا غير كامل. ولا يجوز مع هذا أن يكون بالإكمال في الآية الإظهار، وأيضا فإنه لم يقع يوم نزلت هذه الآية للدين إظهار لم يكن من قبل، وعلى تأويلنا قد وقع له كمال لم يكن من قبل. فنحن إذا أجريناها على ظاهرها اعتدل لنا ظوارها.
وأنت إذا تأولتها امتنع عليك ما ينحلها فسيان ما القولان. وأيضا فكيف يجوز أن يكون المراد إظهار الدين الذي وعده بقوله : ﴿ليظهره على الدين كله﴾.
стр. 114
وقد كان ما بقي من مشارق الأرض ومغاربها غير مفتوح أكثر من المفتوح، وفي ذلك ما يبين أن المراد بالآية ما قلنا وبه وردت الآثار فلا معك عنها إل الهواجس التي تشبه الوساوس.
وأما قوله : ﴿والله متم نوره﴾ فالمراد به دينه الذي هدى به عباده، وإنما أتمه شيئا فشيئا ثم أكمله، فقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ ومن ظن أن لله نورا سوى هدايته فهو إلى الإيمان أحوج منه إلى الكلام في الإيمان.
ويقال له: أحسبت أن الدين في كل وقت كان كاملا، فما الذي منع من أن يكون الكمال درجات، فيكون كامل أكمل من كامل. وقد قال الله : ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فقلت: هذا كمال، ووراءه ما هو أبلغ منه وهو ثلاثون شهرا. وقال النبي ﷺ : (من وقف بعرفة فقد تم حجه). وأجمعنا على أن وراءه تماما آخر. فلم أحلت أن يكون للدين في الكمال متأول، ثم يكون لها آخر إذا انتهى إليه قبل الإطلاق، وقد كمل الدين وبالله التوفيق.
قال الرجل: فإن احتجوا بقول الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا﴾. قيل لهم: أن المراد بالجهاد مجاهدة نفسه.
فيقال له: قد ثبت أن جهاد المسلم نفسه إيمانا، وأنت لا تقول ذلك، فسواء خالفت الآية بإنكار أن يكون هذا الجهاد إيمانا، وإنكار أن يكون جهاد المشركين إيمانا، وعلى أنه قيل في الآية: ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ فصح أن المراد بها جهاد الكفار والله أعلم.
قال الرجل: وإن كان المراد جهاد الكفرة، فالمراد هو القبول دون الفعل، لأن الفعل لو كان شرط الإيمان، لكان سائر ما ذكر من صفات المؤمنين، مثل قوله: ﴿يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ ومثل قوله: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ ﴿وتواصوا بالحق﴾ شرطا في الإيمان. فبطل أن يون على وجه الأرض مؤمنا، فسقط الخطاب الذي جاء المؤمنين. فثبت أن المراد هو القبول، فيقال: أن الله لما
стр. 115
قال: ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ علمنا أن المراد هو الفعل لأن القبول لا يكون بالمال. فإنه من فرائض الإيمان.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿أولئك هم الصادقون﴾ أي المحققون قولهم بفعلهم، والصدق لا يظهر في القبول وإنما يظهر الفعل، والذي يقول ولا يفعل ليس بصادق, فبان أن الآية في الفعل، وكل ما عداه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والتواصي بالصبر والمرحمة والحق فكله إيمان، والقول فيه وفي الجهاد واحد من الفعلة أن يتكلف الرجل هذه الفعول كلها لينفي أن تكون الطاعات إيمانا كما قلنا، ثم يذهب عليه أن هذه الأمور كلها طاعات والقول فيها كالقول في غيرها. وما أشبهه أن يكون معجبا فيغفله إعجابه، أو لم يجاوز في هذا الباب أحدا، وإنما تكلم على ما وجده في بعض الكتب والله حسبه.
وأما قوله: لو كان كذلك لم يكن على وجه الأرض مؤمن، فجوابه: إنه عن لم يكن على وجه الأرض من يستوفي شعب الإيمان، فلم يكن كذلك في الأرض مؤمن كامل الإيمان، لم يلزمنا لأجل ذلك أن ينقص من شعب الإيمان. أو يقول: أنها ليست شعب الإيمان، كما أنه لو لم يكن في الأرض من يزيد على التوحيد شيئا ويأبى الإقرار بالنبوة والرسالة والملائكة واليوم الآخر، لم يلزمنا أن نقول: إن مجرد التوحيد إيمان، لأنا إن لم نقل ذلك لم يكن في الأرض مؤمن. وأما بطلان الحساب الذي قصد به المؤمنون، فلا يكون وإن لم يكن في الأرض كامل الإيمان، لأن المقدار الحاصل من الإيمان الموجود من تعبدهم اسم المؤمنين ولاسيما إذا كان صريح الإيمان فقد وجد منهم، وإنما نقول ما يفوتهم من الإمارات والفروع وبالله التوفيق.
قال الرجل: وكذلك الجواب لمن يحتج، فمنهم بالخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الدين نصيحة! فسئل: لمن؟ فقال: لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين قالوا: فما لله؟ قال: التوحيد واتباع ما أمر. قالوا: وما لرسوله؟ قال: طاعته فيما جاء به. قالوا: وما لجماعة المؤمنين؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). فإن المراد بذلك
стр. 116
كله التصديق والقبول دون الفعل لما تقدم ذكره من الدليل، لأن الاعتقاد لو وجد ولم يدرك من أوقات الفعل شيئا كان مؤمنا.
فيقال له: إن هذه الأمور كلها مبنية على التوحيد. ومعلوم أن المراد به إقامته لا يقبله، فكذلك ما بعده ذكر من اتباع أمر الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد به الفعل التقبل. وأيضا فإنه لا خير للمسلمين ولا فائدة في أن يتقبل بعضهم أمر بعض بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ولا ذلك إلى التقبل يصح، وإنما النصح فعل ذلك وإقامته، فصح أنه هو المراد بالحديث، هو الفعل لا القبول وحده والله أعلم.
وأما قوله: إن الاعتقاد لو وحد ولم يدرك من أوقات الفعل شيئا لكان مؤمنا. فجوابه: أن الاعتقاد لو وجد ولم يدرك من أوقات الفعل شيئا لم يكن فاسقا بل كان عدلا. أفيدل ذلك على أنه لو أدرك وقت الفعل المأمور به فلم يفعل كان عدلا ولم يكن به فاسقا؟ فإذا قال: لا! قيل له: وكذلك إذا لم يدرك من وقت الفعل شيئا كان من غير الفعل الذي لم يدرك وقته مؤمنا ولا يدل ذلك على أنه لو أدركه وهو مأمور به ففعله، ثم لم يكن ذلك إيمانا منه، ولم يكن به مؤمنا. فالقول في إيمانه عندي كالقول في عدالته عندك. ويقال له: الإيمان فعل الطاعة المأمور بها ومن لا يدرك وقت الطاعة فهو غير مأمور بها، فإن فاته فعلها فلم يفته إيمان، وإذا أمر بها وأردك وقتها، فإن فعلها كانت منه إيمانا وإن لم يفعلها فسق، وكان ذلك جرحا لإيمانه، فإنما المعول على الأمر، والأمر إلا على مجرد الفعل، ولا فعل، والله أعلم.
***
стр. 117
القسم الثالث
باب الاستثناء في الإيمان
روي عن قوم من السلف أنهم كانوا إذا سئلوا عن إيمانهم يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يقول: أنا مؤمن. وروي عن آخرين أنهم كانوا يقطعون بأنهم: قد آمنوا. وذهب قوم من المتأخرين إلى أن يستثنوا، فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وإذا سئل عن معنى استثنائه قال: لاشك في أن آمنت، ولكن لا أدري ما الذي يختم به لي، فإذا كان في علم الله أني أفارق الدنيا متمسكا بما أنا عليه الآن، فله الحمد، وإن لم يكن للأخرى فإن الإيمان الذي أنا عليه الآن يحبط ويصير كان لم يكن فإنما استثنى، فإني لا أعلم أيسلم إيماني أو لا يسلم، فأما اعتقاد الحق والاعتراف به فلست أشك في أنهما قد كانا مني، وأني متمسك به الآن.
ومنهم من يقول: لا أريد بالاستثناء حالتي التي أنا فيها، وإنما أريد المستقبل. فأقول أنا مؤمن في المستقبل إن شاء الله كما أني الآن مؤمن حقا، وكنت بالأمس حقا بلا شك ولا ارتياب.
وهذا الكلام وإن كان ذا وجه يوجه فليس جوابا لمن يسأل. فيقال له: هل أنت مؤمن، لأن هذا السؤال يقع على الحال، وإذا لم يجب عنها شيء، فأفرد بالخبر عنه المستقبل لم يكن مجيبا، وكان مبدأ كلام من غير ما وقع السؤال عنه. فأما من روي عنه أن كان يرى أن يقول: أنا مؤمن، فأولهم وصدرهم عبد الله بن مسعود.
روى إبراهيم بن علقمة قال كنا مع عبد الله بن سعد فلقينا قوما فسلموا. فقلنا: من القوم؟ قالوا: نحن المؤمنون! قال: فلم نجبهم شيئا ولم ندر ما نرد عليهم، حتى لقينا عبد الله، فأخبرناه بما قالوا، فقال: ما رددتم عليهم؟ فقلنا: لم نرد عليهم شيئا. قال: قولا، قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟ إن المؤمنين من أهل الجنة.
وقال أبو وائل كان عبد الله يقول: من شهد أنه مؤمن، فليشهد أنه في الجنة.
стр. 118
وقال علقمة: قال رجل عند عبد الله أني مؤمن! فقال عبد الله: قل أني في الجنة، كلنا يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وعن الحسن أن رجلا قال عند ابن مسعود: أني مؤمن! فقال: ما تقول؟ فقالوا: يا أبا عبد الرحمن يقول أني مؤمن؟ قال: فسلوه أفي الجنة هو؟ فسألوه فقال: الله أعلم. فقال: هلا وكلت الأولى إلى الله كما وكلت الآخرة.
وعن إبراهيم قال: قال رجل لعلقمة: ألست مؤمنا؟ قال: أرجو إن شاء الله. وعن إبراهيم: إذا سئلت، أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو أو عن محل. قال: ذكرنا لإبراهيم ناسا كانوا يأتونا فيؤذوننا فيقولون: أمؤمن أنت؟ قال: فإن أتاكم منهم أحد فقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.
وأما من قطع القول بأنه مؤمن ولم يستثن، فمنهم عبد الله بن عمر. روي أنه أخرج شاة ليذبحها، فقال له رجل: اذبحها، فرآه سيء الهيأة، فقال له: أمسلم أنت؟ فقال: إن شاء الله. فقال ابن عمر: ما أنت بذابح لنا اليوم شيئا.
وروى عمر بن در أنه قال: لعطاء بن أبي رباح: أن بمصرنا قوما شكاكا يقولون: لا ندري أمؤمنون نحن أو لا؟ فقال عطاء: سموا أنفسكم مؤمنين، ولا تقولوا نحن من أهل الجنة. فإنه ليس أحد يلقى الله إلا وله الحجة عليه نبي أو ملك، أما نبي فقد أذنب ذنبا، أو ملك أنعم الله عليه بالطاعة فلم يبلغ شكرها.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: إذا سئلت، أمؤمن أنت، فلا تقل إن شاء الله. وروى أهل هذا القول عن النبي ﷺ : (أقروا بالإيمان، وسموا أنفسكم مؤمنين، والذي نفسي بيده، كما لا يخرج العبد المشرك العمل الصالح من كفر به، كذلك لا يخرج الذنوب العبد المؤمن من إيمانه).
وقد ذهب ذاهب إلى أنه يجوز أن يقول المؤمن: أنا مؤمن عند الله، ولا يجوز أن يقول: إني مؤمن في علم الله، واعتل بأن (عند) تتغير، والعلم لا يتغير وسئل عن الفرق بين (عند) و (علم) من قبل التفسير، قبل أن يفرق بينهما في الحكم، فإنا لا نعلم
стр. 119
لقول القائل: عندي أن فلان ابن فلان معي، إلا أن الذي أعلمه من نسبته أنه ابن فلان. ولا يقول القائل: عندي أن هذا حلال إلا أن الذي أعلمه من حكمه أنه حلال. ولا يقول القائل: عندي أن هذا الجاني زيد، إلا أن الذي أعلمه منه أنه زيد، وكل ما يليق به علم وعند، فمعنى أحدهما فيه معنى للآخر.
ثم قال له: ما تريد بقولك عند تتغير! فإن ذلك أريد به أنه يجوز أن يكون زيد عنده اليوم مؤمنا، أما بعلمه مؤمنا فلابد من نعم. فقال له: ما الفرق بين علم وعند؟ ويقال له: إن كان العلم لا يتغير، فعند لا تتغير! فإن قال: كيف لا يتغير ويكون الشيء عنده على وجه، وهو بعينه في وجه آخر عنده على غير ذلك الوجه. قيل: فكذلك يعلم الشيء وقتا على وصفه، ويعلمه في وقت آخر على خلاف تلك الصفة. فإن قال: علمه لا يتغير، وإنما يغير المعلوم قبل، فقل إن عندكم تتغير وإنما تغير ما عنده وليس بينهما فرق.
فصل
والعدل بين هذه المذاهب أن المؤمن لا ينبغي له أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمنا في الحال، لأجل ما يخشاه من سوء العاقبة نعوذ بالله منه. لأن ذلك وإن وقع وحبط ما تقدم من إيمانه، فليس ينقلب الموجود منه معدوما من أصله، وإنما يحبط آخره ويبطل ثوابه. وذلك الذي لا يحبط لا يخلو من أن يكون قبل أن يحبط موجودا لفقد كان مؤمنا إذا قبل أن يزيد، وإن حبط بالرقة إيمانا فلا معنى لاستثنائه، ولو كان سوء العاقبة وما يخش منه معتبرا في هذا الباب لم يعلم أحد من الذي خاطبهم الله تعالى باسم الإيمان، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ و ﴿يا أيها المؤمنون﴾ أو يخبر عنهم فيقول: ﴿إن المؤمنون والمؤمنات﴾ أو ﴿إن الذين آمنوا﴾ ولم يوقف على أنه مراد بخطابه لدحره، لأن كل واحد منهما إذا كان معلقا باسم الإيمان، وكان اسم الإيمان بين أن يثبت أو يزول مما دام إمكان الأمرين فيه قائما فلا سبيل إلى القطع بواحد منهما.
стр. 120
وفي تعذر إزالة الحكم أو الخبر المعلق به عن كل فرد من أفراد المؤمنين، فوجب أن يكون القول في الكافر كالقول في المؤمن، ففي هذا إبطال خطاب الله تعالى من أصله، لأنه: إما للمؤمنين وإما للكافرين. فإذا لم يكن أن يعرف المؤمن ولا الكافر لأن المؤمن يعرض أن يكفر فيحبط ما مضى من إيمانه، ويتبين أنه لم يكن مؤمنا إذ قد حبط إيمانه من أصله. والكافر يعرض أن يؤمن فيحبط ما مضى من كفره، ويتبين أنه لم يكن كافرا، إذ قد حبط كفره من أصله، فليس في الدنيا مؤمن يعرف بعينه، ولا كافر يعرف بعينه، وتعطيل خطاب الله تعالى بواحده، وما أدى إلى هذا فبين أنه فاسد لأجل القول به.
ويقال لقائل هذا القول: أرأيت من سئل فقيل له: إنسان أنت، هل يجوز أن يقول: لا؟ لأنه يستيقن أنه صائر ترابا، والتراب لا يكون إنسانا! فإن كان المؤمن لا ينبغي أن يسمي نفسه مؤمنا بالإطلاق لأنه يشك في عاقبة أمره، ويخشى أن يصير فيها إلى غير الإيمان، فالإنسان الذي يستيقن أنه صائر ترابا أولى أن لا يطلق اسم الإنسان عليه.
فإن قال: أنه وإن صار غدا ترابا، فلا يخلو اليوم من أن يكون إنسانا.
قيل: والمؤمن إن صار غدا كافرا فلا يخلو اليوم من أن يكون إنسانا، قيل: والمؤمن إن صار غدا كافرا فلا يخلو اليوم من أن يكون مؤمنا، ولولا أنه مؤمن اليوم ما أمكن أن يزيد عنه إذا كان مؤمنا أصليا، فكيف يزيد عنه وهو ليس فيه؟ فثبت إذا أنه مؤمن في الحال.
فإن قال: إن ذلك الإيمان يحبط إذا ردفه الكفر، قيل: ينبغي إذا كان الرجل مؤمنا أصليا أن لا تثبت ردته، لأن كل ما أدى إثباته إلى إبطاله فإنه لا يثبت، ويعلم أن ردته، إذا ثبت وقيل أنها أحبطت الإيمان من أصله، فوجب إذا أنزل أنه لم يكن مؤمنا قط، أن لا يثبت منه الانتقال عن الإنسان إلى الكفر وإذا لم يثبت هذا، فالردة إذا لم تكن، وفي إجماع المسلمين على ثبوت الإيمان قبله. فبان بهذا أن الكفر إذا طرأ على الإنسان قطعه من حين وجد، إلا أن ما مضى يحبط آخره لا أن عنه يحبط فيصير كأن لم يكن، وينقلب الموجود منه بالحقيقة معدوما، وإذا كان كذلك لم يصح الاستثناء
стр. 121
حذرًا من سوء العاقبة. فإن الردة وإن عرضت لم تخرج المرتد إن كان مؤمنا حين سئل عن دينه فقال: إني مؤمن، والله أعلم.
فأما من أنكر من السلف إطلاق اسم الإيمان، فالموضع الذي يليق به ما قال: أن يقول: أنا مؤمن وأعيش مؤمنا وأموت مؤمنا أو ألقى رب مؤمنا ولا يستثني. وكذلك قال عبد الله، ويقال له: أفي الجنة أنت؟ لأن من مات مؤمنا كان في الجنة، وليس كل من كان مؤمنا ساعة من عمره أو يوما أو سنة كان في الجنة. فعلمنا أن عبد الله إذا قال هذا لمن اتكل على أن لم يجد في قلبه إلا حب الإيمان والركون إليه، والنبو عن الكفر والبغض له، فقطع لذلك أنه مؤمن مطلق في عامة أحواله وأوقاته، فلا يعيش إلا مؤمنا ولا يموت إلا مؤمنا ولم يكل أمره إلى الله تعالى بذاك.
وأما قول المؤمن: أنا الآن مؤمن، فليس مما ينكر، وهو نظير قوله أن كان قائما: أنا قائم، وإن كان قاعدا أنا قاعد. وليس هذا بالذي ينكر، بل هو الذي لا يجوز غيره والله أعلم.
وأما الذي يصح من هذا ومن الاستثناء فهو أن يكون الخير في المستقبل خاصة فيكون المؤمن أرجو أن يمن الله على بالتثبت ولا يستثني هدايته بعد إيمانه. وحديث علقمة وإبراهيم موضوع في هذا الموضع. والاستثناء موضع آخر يصح فيه ويحسن وهو أن يرد على كمال الإيمان لا على أصله وأشد، كما نفى أن رجلا سأل قتادة: أمؤمن أنت! يقال: آمنا، أنا مؤمن بالله وبكتبه ورسله والبعث بعد الموت وبالقدر خيره وشره من الله.
وأما الصفة التي قال الله : ﴿إنما المؤمنون الذي إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾. فلا أدري أنا منهم أم لا! فقد أبان قتادة أنه قد آمن الإيمان الذي يبعده عن الكفر، ولكنه لا يدري استكمل الأوصاف التي حكى الله تعالى قوماً من المؤمنين،
стр. 122
فأوجب لهم بها المغفرة والدرجات، فكان ذلك تشكيكا منه في الاستكمال الذي يوجب الدرجات لا في مجانبة الكفر الذي سقط عنه العذاب.
فمن وضع الاستثناء في أحد هذين الموضعين فليس من الشكاك ولا يصير منهم بأن تسمية غيره شاكا أو يلعن الشكاك وإنما يكون كما قال النبي ﷺ في قريش: "أنظروا كيف يدفع الله عني، سموني مذموما وأنا محمد".
كذلك يدفع الله بلطفه عن هؤلاء المستثنين بأن يسب غيرهم الشكاك ويلعن الشكاك، وإنما هؤلاء موقنون وما أرى أنه تنازعا في المقالة التي لحظناها منازع أو يخالفنا فيها مخالف والله أعلم.
***
стр. 123
القسم الرابع
باب في ألفاظ الإيمان
قال الله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾.
وقال تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾.
وقال تعالى: ﴿فإن حاجوك فقل: أسلمت وجهي لله، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب﴾.
وقال: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾.
وقال تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال: أسلمت لرب العالمين﴾.
وقال: ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾.
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فكان القول الذي قبله الله تعالى من الكفار إذا أسلموا أو استفاض وانتشر فصار علم الإيمان، وأشركت العامة والخاصة في معرفة قول: ﴿لا إله إلا الله﴾.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل
стр. 124
الجنة". ولا أعلم من أهل الفتيا خلافا في أن الإيمان قد ينعقد بغير القول المعروف فدل ذلك على أن معنى قول رسول الله ﷺ "حتى يقولوا لا إله إلا الله" أي يقولوها وما يؤدي معناها، ودل الكتاب على ذلك أيضا لأن الله أخبر أن إبراهيم صلوات الله عليه قال لأبيه وقومه: ﴿إني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني﴾ ثم قال: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾ وليست هذه الكلمة بعينها موجودة في عقبه إنما الموجود فيهم قول: "لا إله إلا الله" فثبت أنه لا فرق بين هذا القول وبين ما يؤدي معناه والله أعلم.
التفريع إذا قال الكافر: آمنت بالله ولم يكن يدين من قبل دينا صار مؤمنا بالله، وإن كان ممن يشرك بالله وغيره لم يكن بهذا القول مؤمنا حتى يقول: آمنت بالله وحده وكفرت بما أشرك به.
قال الله : ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ فأخبر أن ذلك إيمان منهم، إلا أهم لم ينفعهم لأجل الحال والوقت. فدل ذلك على أنهم لو قالوه في غير ذلك الوقت أو في غير تلك الحالة لكان مقبولا منهم، وكان أنزل لا إله إلا الله وإن كان كفره من قبل جحده نبوءة نبينا ﷺ فقال:
"آمنت بالنبي محمد ومحمد النبي"، كان ذلك كقوله محمد رسول الله كما يكون قوله: "آمنت بالله، كقوله: الله ربي، وإن قال أسلمت لرب العالمين، ولأن الله قال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ فمن قال: أسلمت لله، فقد دخل في الإسلام، الذي هو الدين عند الله تعالى وتقبله. فإن قال: أسلمت وجهي لله، فهو كقوله: أسلمت لله.
قال الله لنبيه صلوات الله عليه: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله﴾. وقال: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾
стр. 125
وظاهر هذا أنهم لما قالوا: أسلمنا لله، أو، أسلمنا وجوهنا لله لكانوا مسلمين ويحتمل أن الكافر إذا قيل له: أسلم لله، أو آمن بالله، فقال: أسلمت أو آمنت، كان مؤمنا، وكان ذلك جوابا صحيحا، وهذا ظاهر الآية.
وإن قال: أو من بالله، أو قال: أسلم لله، بهذا أبان، كما أن قول الرجل: أقسم بالله يمين، ولا يحمل على الوعد أن يريده، فإن ادعى أنه أراده، كان القول قوله. فإذا قال الكافر: الله ربي؛ أو قال: الله خالقي، فإن كان من قبل لا يدين دينا فهذا منه إيمان وإن كان من الذين يقولون بقدم أشياء مع الله- تعالى عما يقولون علوا كثيرا- لم يكن مؤمنا حتى يقول: لا قديم إلا الله، وإن قال من فكر: بأن لا خالق إلا الله، لم يكن مؤمنا. لأنهم يقولون: الله خالق ما خلق لكن من أصل قديم.
فإذا قال اليهود المشبه، ويقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وإن قال مع ذلك محمد رسول الله، فإن كان يعلم أن محمدا ﷺ جاء بإبطال التشبيه كان مؤمنا، وإن كان لا يعلم ذلك لم يكن إيمانه بالله حتى يتبرأ من التشبيه، وكذلك الذين يقولون بقدم أشياء مع الله جل ثناؤه، وإن علم أن محمدا ﷺ جاء بإبطال ذلك فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كان ذلك إيمانا منه، وإن كان لا يعلم ذلك، لم يكن مؤمنا بالله، نازعا عن كفره به حتى يعترف بأنه لا قديم إلا الله.
وإن قال النصراني لا إله إلا الله وكان يعتقد من قبل أن عيسى هو الله لم يكن هذا منه إيمانا بالله ، وهكذا إن كان يعتقد أن عيسى ابن الله حتى يتبرأ من دينه الأول، فإن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهو يعلم أن محمدا ﷺ جاء بأن الله لم يلد ولم يولد، وأن عيسى عبد الله ورسوله كان إيمانا تاما صحيحا، وإن كان لا يعلم ذلك لم يكن نازعا عن كفره حتى يتبرأ من قوله.
فإن قال قائل: إذا كان من يدخل في الإسلام لا يحتاج في صحة إيمانه محمد ﷺ إلى أن يعلم ما الذي جاء به من الشرائع، فلم احتاج إلى أن يعلم أنه جاء بإبطال التشبيه، وبأن لا شيء دون الله قديما حتى يصح إيمانه به!
قيل: الشرائع لا طريق إلى معرفتها إلا السمع وهو يعرض التبديل. فمن صدق بنبوة
стр. 126
نبي فقد ألزم أن يقبل شرائعه عنه، وأما توحيد الله تعالى جده وتنزيهه عن الأشياء فليس إدراكه مختصا بالسمع، ولكنه مما يدل بالعقول، وما ثبت من ذلك فليس بممكن أن يتبدل ويتغير. فمن اعتقد أن شيئا سوى الله قديم وأن الله تعالى يشبه شيئا من خلقه فإنما زل عن المعقول، ونحل العقل ما لا جواز له فيه، واعتقد أنه لا يمكن أن يكون الحق غيره. ومن كان بهذه الصفة فأي شيء من الأشياء فإنما يؤمن به على أن يقبل عنه ما لا يعرف إلا بالسمع، وما يمكن أن يكون قد يدل على لسانه من شريعة غيره، ولا يظن به أنه يأتي بخلاف ما هو المعقول عنده، فدخل في جملة إيمانه به تقبل شرائعه ولم يدخل فيها نفي التشبيه وإبطال أن يكون قديم سوى الله إلا أن يكون علم أنه أتى بهما، فاتبعه على ذلك وآمن به والله أعلم.
كذلك النصراني إذا كان يزعم أن عيسى أخبرهم أنه إله، أو ابن إله وابن الإله، فهو يرى أن هذا لا يتبدل ولا يجوز أن يصح خبر بخلافه، فلم يكن ذلك كالشرائع التي تعلم أنها تعرض التبديل، ولم يصح إيمانه بنبينا محمد ﷺ حتى نعلم أنه جاء: بأن عيسى عبد الله وأن الله لم يلد لم يولد، وأن عيسى لم يكن يحيي الموتى، ولا يبرئ ذوي العاهات، ولا يجعل الطين بنفخة طائرا، وإنما كان يفعل ذلك كله ربه الذي خلقه، ويتبعه على ذلك ويؤمن به فيكون بذلك راجعا عن مقالته والله أعلم.
وإذ قال الثنوي: (لا إله إلا الله) لم يكن مؤمنا حتى يتبأ بقدم النور والظلمة، وإن قال: لا قديم إلا الله كان مؤمنا.
وإذا قال الوثني: (لا إله إلا الله)، فإن كان من قبل يثبت الباري ﷻ ويزعم أن الوثن شريكه صار مؤمنا. وإن كان يرى أن الله هو الخالق، ويعظم الوثن يتقرب إليه، كما حكى الله عن بعضهم أنهم قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. فلم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الوثن.
وإن كان يهودي يقول: (لا إله إلا الله)، إلا انه يشبهه بخلقه، فتبرأ من التشبيه فقال: ليس كمثله شيء، صحت بذلك كلمته، وإنما يبقى أن يؤمن بمحمد وعيسى صلوات
стр. 127
الله عليهما. فإن الله لا يقبل الإيمان ممن آمن به حتى يؤمن برسله ولا يفرق بين أحد منهم، فإن فعل تم إيمانه، وهكذا إن كان نصراني يقول: لا إله إلا الله أنه يزعم: أن عيسى ابن الله فتبرأ من قوله، وقال: المسيح عبد الله ورسوله صحت بذلك كلمته، وإنما ينبغي أن يؤمن بمحمد ﷺ ، فإن فعل تم إيمانه.
وإن كان نصراني يقول: لا إله إلا الله، ويزعم مع ذلك أن عيسى هو الله، ثم يرجع وقال: عيسى خلق الله وليس هو الله صحت بذلك كلمته، فإن آمن يتبع ذلك نبينا صلوات الله عليه، كما إيمانه.
وإذا قال أحد البراهمة الذين يؤمنون بالله ويوحدونه، ولا كفر منهم إلا جحد الرسول محمد رسول الله، صار مؤمنا لأن كفره لم يكن إلا جحد النبوة، فإذا قبلها زال الكفر. ولو قال: إبراهيم رسول الله أو أقر بذلك النبي قبل محمد ﷺ لم يكن مؤمن لأن إقراره بنبوة من قبله إقرار بنبوة بعض الأنبياء، وإقراره بنبوة جميع الأنبياء لأنه صدقهم وشهد لهم.
وإذا قال اليهودي الذي لا يشبه أو النصراني الذي يقر بأن عيسى عبد الله ورسوله محمد ﷺ ، فإن كان من الذين يزعمون أن محمدا رسول الله، ولكن إلى العرب خاصة، أو أنه لم يبعث، لم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من قوله الذي هو ضلالة وكفر، وإن كان يرى من قبل أن محمدا ليس برسول ولا نبي بعد موسى أو عيسى صار بما أقر به مؤمنا. وإن قال الكافر: محمد رسول الله، ولا إله إلا الله، أو محمد رسول الله الذي لا إله غيره أو إلا هو، كان هذا كله كفر. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وإن قال المعطل: محمد رسول الله، فقد قيل: يكون مؤمنا لأنه أثبت الرسول والرسل معا، وليس في أنه ينفي بلفظه أن يكون لله شريك ما يفسد إيمانه لأن كفره إنما كان من قبل التعطيل لا من قبل التشريك. وإذا قال الكافر لا إله إلا الله آمنت به المسلمون كان حرا مؤمنا، أخبر الله تعالى عن فرعون أنه لما أدركه الغرق قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ فرد إيمانه لأجل الحال. وقيل له: الآن يدل ذلك على أنه لو قال في غير تلك الحالة لقبل منه.
стр. 128
أو قال الكافر: آمنت بالذي لا إله غيره لم يكن مؤمنا لأنا لا ندري من يريد ولعله يريد عظيم قومه أو الوثن حتى يقول آمنت بالله الذي لا إله غيره فإن قال: آمنت بالله وبمحمد لم يكن مؤمنا بمحمد وكان مؤمنا بالله لأنه أثبت الإله بهذا القول وإثباته إياه إيمان به، وقد أثبت محمدا أيضا إلا أن إثباته إياه في نفسه، ليس بإثباته نبيا، فلا يؤمن به حتى يقول: آمنت بمحمد رسول الله، ولو قال آمنت بمحمد الرسول لم يكن ذلك لقوله آمنت بمحمد النبي، لأن النبي لا يكون إلا لله والرسول قد يكون لغير الله.
وإذا قال الكافر لا إله إلا المحيي المميت، فإن لم يكن من القائلين بالطبائع كان مؤمنا، وإن كان منهم لم يكن مؤمنا لأنهم ينسبون الحياة والموت إلى الطبيعة حتى يقول لا إله إلا الله أو الباري، أو يأتي بلفظ لا إشكال فيه ولا شبهة.
وإن قال يهودي: لا إله إلا الله لم أجعله بهذا مؤمنا لأني لا آمن أن يكون أفاد ملك قومه، وقد قال فرعون: ﴿يا أيها الملأ أعلمت لكم من إله غيري﴾ وقد كان ملكهم. وهكذا إن قال لا إله إلا الرازق أو الرزاق، لأنه قد يريد بذلك ملك الجند الذي يقيم لهم العطايا، ولو قال لا ملك إلا الله أو لا رازق إلا الله جعلته مؤمنا، لأنه إن كان أراد ملك قومه فإنما نفى عنه الملك فأضافهما إلى اله وهو في ذلك محق.
وعلى هذا قول القائل: لا إله إلا الله العزيز، وقوله: لا عزيز إلا لله، ولا إله إلا العظيم، ولا عظيم إلا الله. ولا إله إلا الحليم ولا حليم إلا الله. ولا إله إلا الكريم ولا كريم إلا الله. وإذا قال: لا إله إلا الملك الذي في السماء أو إلا ملك السماء، كان مؤمنا.
وقد قال الله : ﴿أأمنتم من في السماء﴾ وهو يريد نفسه وليس ذلك على أنه محصور فيها، لكن بمعنى أن أمره ونهيه إنما جاء من قبل السماء، وإن قال: لا خالق إلا الله، كان مؤمنا، وقد تقدم القول فيه. فإن قال: لا إله إلا الخالق، فهو كذلك، لأن من أثبت مع الله أصلا قديما للموجودات، لم يقل: أن ذلك الأصل إله، ويزعم أن الله خلق ما خلق من ذلك الأصل، ولا يكون قوله: لا إله إلا الخالق توحيدا، حتى يعترف بأن لا قديم سوى الله.
وإن قال الكافر: لا إله إلا الرحمن أولا رحمن إلا الله، أو لا إله إلا الباري، أو لا باري إلا
стр. 129
الله، كان هذا كقوله: لا إله إلا الله. وإن قال: لا إله إلا بديع السموات والأرض أو إلا خالق السموات والأرض أو إلا فاطر السموات والأرض، فهذا مثل أن يقول لا إله إلا الخالق، وقد تقدم القول فيه.
وإن قال: لا رحيم إلا الله أو لا جبار إلا الله، كان هذا مثل أن يقول: لا إله إلا الله. وإن قال الدهري: لا إله إلا الرحيم، ولا إله إلا الجبار، لم يكن مؤمنا لأنه يمكن أن يكون أراد ملكهم الذي يرحمهم الإحسان إليهم، أو يجبر أحوالهم، أو يجرهم على ما يريده منهم.
وإذا قال الكافر: لا إله إلا ساكن السماء، لم يكن مؤمنا، لأن سكان السماء الملائكة وإن قال: لا إله إلا الله ساكن السماء كان هذا زيادة كفر منه، لأن السكن غير جائز على الله تعالى واحتظار الأمكنة ليس من صفاته، وإن قال: لا إله ما خلا الله أو لا إله سوى الله، أو لا إله غير الله، أو لا إله ما عدا الله، أو لا إله حاش الله، فهذا كله بمنزلة أن يقول: لا إله إلا الله، وهكذا إن قال: من إله إلا الله، أو ما في إله إلا إله واحد.
وإن قال: لا إله إلا الله، أو لا إله إلا الله فهما سواء. وإن قال: لا إله إلا صاحب العرش، أو لا إله إلا رب العرش. فإن كان من قبل دهريا معطلا لم يكن مؤمنا، لأني لا آمن أن يريد بذلك ملك قومه، ويريد بالعرش سرير ملكه، وقد قيل: البلقيس ولها عرش عظيم.
وقال سليمان صلوات الله عليه: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾، وإذا قال رجل من معطلة الفلاسفة أو نظارهم: أشهد أن الباري علة الموجودات أو سبب الموجودات أو مبدأ الموجودات لم يكن ذلك إيمانا حتى يعترف بأنه مخترع كل ما سواه من الأشياء مبدعه ومحدثه بعد أن لم يكن.
وإن قال الكافر: آمنت بالله إن شاء، لم يكن مؤمنا، لأن مثل هذا إنما يحمل على معنى إن قال شئت، ألا ترى أن رجلا لو قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، لم يقع الطلاق حتى تقول: شئت. ومن قال: إن مشيئة الله تعالى للأشياء قديمة، فإن هذا الكلام فاسد، لأنه تعليق الإيمان بشرط مشيئة يحدثها الله، ويستحيل على مشيئة الله
стр. 130
تعالى أن تحدث، كما يستحيل على علمه أن يحدث. وإن قال: إن كان الله شائيا إيماني به فقد آمنت، لم يكن مؤمنا، لأن نفس الشرط تشكيل في المشترط إذا كان سبيل معرفته، فأوقع ذلك شكا في الإيمان المعلق به، والشاك في الإيمان لا إيمان له. هذا جواب ينبغي أن لا يختلف فيه.
وإذا قال الكافر: لا إله إلا الله، أحمد رسول الله، فذلك وقوله محمد رسول الله سواء، قال الله : ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ وتأويل اللفظية واحد. لأن أحمد هو الأحق بالحمد، ومحمد هو البليغ فيما يحمد، وإنما يكون الأحق بالحمد البليغ فيما يحمد، والبليغ في الحمد أحق بالحمد من المقصر فيه، فلا فرق بين أحمد ومحمد، وإن قال: أبو القاسم رسول الله فكذلك والله أعلم.
فصل
وإذا قال اليهودي: أنا بريء من اليهودية، أو قال النصراني: أنا بريء من النصرانية وحدها، حتى إذا تبرأ منها صار داخلا في الإسلام، ولكن له أضداد كثيرة فكل ملة تخالفه فهي له ضد. والتعطيل ابتداء الأضداد، فلو تبرأ من كل ملة تخالف الإسلام كفر التعطيل الذي هو ضد وليس بملة، ولم يمكن أن يجعل مؤمنا حتى يتبرأ منه، فإن قال: أنا بريء من كل ما يخالف دين الإسلام من دين ورأي وهوى، كان مسلما لأنه لم يمكن تبرئته من عامة ما يخالف الإسلام الآن بأن يجعل مسلما، فإنه لا يمكن أن يجعل مسلما، فإنه لا يمكن أن لا يجعل مسلما ولا مخالفا للإسلام.
فإن قال: الإسلام حق، لم يكن مسلما فإنه لا يمكن أن لا يجعل مسلما ولا مخالفا للإسلام. فإن قال: الإسلام حق لم يكن مسلما لأن الإقرار بالحق غير إعظامه، وقد تقدمه من يحبسه ولا يرقبه ويؤخذ في هذا وفي قوله "أنا بريء من اليهودية أو النصرانية" بأن يسلم، فإن أسلم وإلا قتل، وإن كان كافرا: أسلمت أو آمنت ولم يزد على هذا لم يكن مسلما ولا مؤمنا كرجل يقول: خلقت أو أقسمت فلا يكون خاليا، فإن قيل
стр. 131
لعلي: أسلم! فقال: أنا مسلم، لم يكن بهذا إقرار بالإسلام، لأنه يسمي دينه الذي هو فيه إسلاما، ولم يزل الإسلام اسما للمثبت الموحد.
قال الله : ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾.
وقال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾.
وقال: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ أن يكونوا. والآن إذ كنت معنى قوله: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، فإن كان هذا هكذا، فقد سمى نفسه أيضا مسلما وجميع ذريته الموحدين المسلمين. فإن قال آخر من أولاده المتمسكين بملة من الملل المتقدمة: إني مسلم، فلذلك محمول منه على أنه سمى دينه إسلاما، لا على أنه انتقل من غير الإسلام إلى الإسلام.
وإن قيل لمعطل أسلم، فقال: أنا مسلم، وأنا من المسلمين، كان هذا منه إقرارا بالإسلام، لأن الإسلام اسم الدين وإذا أقر به فقد أقر بالدين بعد إن لم يكن له دين أصلا، إذ المسلم اسم لمتدين معلوم، والمسلمون اسم لمتدينين معروفين. فإذا أقر بأنه منهم أخذ بإقراره.
وأما إذا قال: أسلمت ولم يقل لله، فإن كان ذلك في موضع العقد لم يكن مسلما حتى يقول: أسلمت لله. وإن كان على وجه الإقرار أجراه قبل منه كما أن رجلا لو قيل له: ما فعلت بابنتك؟ فقال: زوجتها. أو: ما فعلت بأمتك؟ قال: بعتها، كان هذا جاريا في هذا الموضع ولا يجري في موضع العقد. وهكذا إن قال المعطل: أنا من المسلمين، وهو يريد العقد لا الخبر لم يتم إسلامه إلا بأن يقول لله، والعقد مقارن للخبر كما ينتبه.
فإن قيل: فقد قال الله : ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا
стр. 132
وقال إنني من المسلمين﴾ مقام قول: لا إله إلا الله، فثبت بذلك أن كل واحد من الكلامين صالح للعقد.
فالجواب: أن هذا إن كان هكذا، فيقول المؤذن في أذانه: لا إله إلا الله، ليس من العقد وإنما هو تأكيد للعقد الذي سبق بتطوع منه، ولو أجيز له أن يقول مكانه: إني من المسلمين، فقال: لم يكن منه الاحتراز أو ليشأ، أو ينكر أن يكون هذا القول في موضع الخبر كافيا.
وجواب آخر: وهو أن الله إن كان جعل المؤذن بقوله: لا إله إلا الله قائلا إني من المسلمين، فقد جعله بقوله: حي على الصلاة داعيا إلى الله فليقم قول القائل: أنا أدعوكم إلى الله، مقام قوله: حي على الصلاة.
وجواب ثالث: وهو أن المسلمين أجمعوا على أن المؤذن أن أبدل قوله: لا إله إلا الله بقوله: إني من المسلمين، لم يقم ذلك مقامه مع ما أن الآية فيه، فكيف يستقي منها أن الكافر إذا أراد الإسلام فقال: أني من المسلمين، قام ذلك مقام قول "لا إله إلا الله" ويدل على مفارقة العقد الخبر أن الكافر إذا قال: أسلمت لله، قام هذا مقام شهادة الحق ولم يتم إيمانه حتى يشهد بنوبة ﷺ . ولو توهمنا قولنا: أسلمت، كافيا ما قام ذلك إلا مقام شهادة الحق وحدها.
ومعلوم أنه إذا سئل عن دينه فقال: أنا من المسلمين، كان هذا إقرار بدين، فلم يدخل فيه التوحيد، والإقرار بنبوة النبي ﷺ وقبول جميع ما جاء به من عند الله، وهكذا لو قال: أسلمت وهو يريد أمخبر أني قد صرت من المسلمين، فعلم بهذا أن صلاح كل واحد من هذين اللفظين لما صلح له من معنى الخبر لا يوجب صلاحه للعقد والله أعلم.
فإذا قيل له أسلم، فقال: طال ما أنا مسلم مثلك، أو طالما أنا مسلم مثلكم، أو طالما مسلم منكم، كان هذا إقرار بالإيمان يوجد به. وإن كان كافيا في قوله لم يكن بين الله تعالى وبينه مسلما، كرجل طلق امرأته ثم قال لرجل غيره: طلق امرأتك فقد طالما أنا مطلق مثلك. أو أعتق عبده، فقال لرجل: أعتق عبدك! فقال: طالما أنا معتق مثلك، أو حلف بالله ثم قال لغيره: أحلف، فقال: طالما أنا حالف مثلك كان هذا
стр. 133
إقرار بما يقول، فإن كان كذبا وارد بما قال التلبيس عليه، لم يكن عليه فيما بين الله تعالى وبينه شيء مما قال، والله أعلم.
فصل
وإن قال مسلم لمسلم: يا كافر، فهذا على وجهين: إن أراد أن الدين الذي يعتقده كفر، كفر بذلك، وإن أراد به كافرا في الباطن ولكنه يظهر الإيمان نفاقا، لم يكفر، وإن لم يرد شيئا لم يكفر لأن ظاهره أنه رماه بما لم يعلم في نفسه مثله، ولأن الإسلام ثابت له باليقين فلا يخرج منه بالشك، وإذا تمنى مسلم كفر مسلم، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يتمناه كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء سيحسنه، فيجب أن يكون له فيه نصيب، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر.
والآخر: أن يتمناه له كما يتمنى العدو لعدوه الشيء يستقطعه، فيجب أن يقع فيه، فهذا ليس بكفر. تمنى موسى صلوات الله عليه بعد أن أجهده فرعون، أن لا يؤمن فروعن وملأه ليحق عليهم العذاب، وزاد على ذلك أن دعا الله ﵎ فقال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾. فلم ينكر الله تعالى ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظه عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي التي حملته على ذلك، فمن كان في معناه فله حكمه.
فصل
وإذا نوى مسلم أن يكفر إن كان كذا، وإذا جاء وقت كذا، كفر بالحال. وإن نوى كافر أن يسلم إن كان كذا له إذا جاء وقت كذا، لم يكن بذلك مسلما، لأن كافرا لو قال أسلمت لم يكن بهذا القول مسلما، فأولى أن لا يكون مسلما. أو نوى أن يقول ذلك لوقت مستقبل ولما نقله، ولأن الإسلام فرض دائم ولا يصح إلا مع الإخلاص، فإذا نوى مسلم أن يكفر غدا فقد أفسد الإخلاص بما أحدث من عزيمة الكفر ففسد
стр. 134
إسلامه بزوال شرطه وصد الإسلام الكفر، فإذا عدم عدم إليه.
والكافر إذا نوى أن يخلص غدا فلا إخلاص منه لأنه متشبث في الحال بالكفر، فلم يكن له إسلام في الحال، ولا إذا جاء عدوا أيضا. فإنه إذا نوى أن يكفر غدا، فقد استحسن الكفر فصار بذلك رافضا للإسلام، لأن استحسان الكفر استقباح الإسلام. وإذا نوى أن يسلم غدا فهو للكفر مستحسن في الحال، واستحسانه إياه استقباح للإسلام في الحال، فلماذا كفر؟ قيل لأن فرض الإسلام فرض دائم لا يجوز تعريفه ولا تقطيعه، فلم ينعقد استحسانه الإسلام في الحال، إذا كان لا يستحسنه فيما بعد الحال، والله أعلم.
***
стр. 135
القسم الخامس
باب في إيمان المقلد والمرتاب
المقلد من يدين ما يدين لأنه دين آبائه وقرابته وعشيرته وأهل بلده ومشايخ قومه وليس عنده وراء ذلك حجة يأوي إليها، وإذا سئل عما يدعوه إلى اختيار ما هو فيه على خلافه، ضجر واختلط ولم يكن عنده إلا أن يقول: ديني ودين آبائي وعليه وجدت الشيوخ وهو الطريق المستقيم، ومن خالف هذا لم يكلم إلا بالسيف.
والمرتاب من يقول: اعتقدت الإسلام وتألفت أهله احتياطا لنفسي، فإن يكن حقا وكان بعد الموت بعث وحساب وجنة ونار، فقد فزت وأفلحت، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني، وكنت في حرثي محمودا آمنا في نفسي وأهلي ومالي، وواحد من هذين- أعني المقلد والمرتاب- ليس بمسلم. أما المقلد فلأنه أراد بدينه موافقة قوم، وإنما ينبغي أن يراد بالدين إقامة الحق وأداء الواجب وليس يعرف الحق حقا ولا الواجب واجبا بقول الآباء والعشائر وشيوخ البلد. فإن المبطلين لهم آباء كآباء المحقين وعشائر كعشائرهم، وشيوخ كشيوخهم، فمن عرف الحق حقا والواجب واجبا من مثل هذا الوجه فلم يعرفه الحقيقة، واعتقاد الدين من غير معرفة بحصته لا يصح والله أعلم.
وأما المرتاب فلا اعتقاد له لأنه شاك لا يدري الإسلام وما يقوله المسلمون حق أو غير حق. والاعتقاد توطين النفس على أحد، فيسمى المنقسم أو أقسامه إذا كانت متباينة بإثباته ونفي ما سواه. فإذا كان الإسلام هو الاعتقاد، والاعتقاد ما وصفت وهو غير موجود من المرتاب، ثبت أنه ليس بمسلم. وأيضا فإن ما ضاد العلم بالله ضاد الإيمان به، والشك فيه مضاد للعلم به، كما الجهل به مضاد له. فلما استحال وجود الإيمان به مع جحده والجهل به استحال وجوده مع الشك فيه والارتياب به والله أعلم.
فإن سأل سائل عن المؤمن: هل يكون مقلدا؟ أو يصح إيمانه؟ ومن هو؟ ومن المؤمن غير المقلد؟
стр. 136
قيل له: أما المؤمن غير المقلد فرجلان: أحدهما الذي عرف الله تعالى جده بالدلائل والحجج الدالة على صدقه، ثم اعترف بالله ورسوله، فقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده، وأسلم نفسه لله بالطاعة فيما أمره به ونهاه عنه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
والآخر: من يؤمن بالله إجابة لدعوة نبيه بعد قيام الحجة على نبوته، وهذا فضل يضطرب فيه كثير من الناس ويقولون: كيف يعرف رسول الله من لا يعرف الله، وكيف تثبت نبوة واحد عند من لا يعرف بالباري ﷻ حتى إذا ثبت إجاب دعوته، ولكن الأمر ليس على ما ظنه هؤلاء، وسنبين ذلك بيانا شافيا بإذن الله تعالى فنقول- وبالله التوفيق-:
قد علمنا أن الله ﵎، بعث الرسل إلى أن ختمهم بنبينا محمد ﷺ ، إلى طبقات الكفار مع اختلاف آرائهم وتشتت مذاهبهم، فما أحد منهم آمن إلا وثبت إيمانه ومن السنن الذي يخفى أن لقائل الذين آمنوا لم يكونوا كلهم يكلمون الاستدلال على الباري جل ثناؤه ووحدانيته، ولا إن كان منهم من يستدل ثم يؤمن بل كانوا يجتنبون لما يرونه من معجزات الأنبياء صلوات الله عليه، ويكتفون بها ولا يطلبون معها دلالة سواها، وكان أسبقهم إيمانا وأعجبهم إسلاما خيرهم وأحقهم بالتقديم وأفضلهم.
فثبت بذلك أن الإيمان بالله إذا وقع إجابة لدعوة من قد ثبتت نبوته، كان صحيحا، سواء كان المؤمن من أهل الاستدلال بوجه آخر ولم يكن تم بنظر. فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت الله تعالى، إلا أنه ملحد في أسمائه وصفاته كان إيمانه الحادث تركا لذلك الإلحاد لما يقوله النبي ويدعوه إليه. وإن كان قبل ذلك لا يدين دينا.
ويروى أن لا صانع للعالم فإنه لم يزل على ما هو عليه الآن، فوجه إيمانه بالله لدعوة نبيه هو أن النبي ذكر أن للعالم إلها واحدا لم يزل ولا يزال، لا يسبه شيئا، قادرا لا يعجزه شيء، عالما حكيما، كان ولا شيء غيره، فأبدع كل موجود سواه، واخترعه اختراعا لا من أصل، وأنه أرسله إلى الناس ليعرفه إليهم، وينبههم على آثار خلقه التي يرونها ويعلقون عنها، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته، وأن دلالته على صدقه هي ما أمده من كذا مما لا يستطيع الناس وإن تظاهروا أن يأتوا بمثله، وإنه إذا كان واحد من الناس تجمعه وإياهم البشرية ثم تجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء، وكان ما عدا هذا الذي يذكر أنه أمد به ليكون دلالة على صدقه، لا يباين فيه أحدا من الناس، ويحتاج إلى الطعام
стр. 137
والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على مثل ما يقدرون عليه، ويعجز عما يعجزون عنه، وجب أن تحكموا بأنه من فعل هذا الذي اختص به مما هو خارج عن قضية العادات عاجز مثلهم، وإنه إذا كان عاجزا عنه، وقد وجد به وظهر على يده حق أنه ليس من صنعه، ولكنه من صنع غيره، ولا جائزا أن يكون ذلك الغير من جنسه أو مثله، أو في القدرة تكاثره إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه.
وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع، لا يفعل إل شيئا بمثل القوة والقدرة التي بهما يصنع الصناع المشاهدون. وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم فكذلك هو غير مشبه إياهم، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم، فانتظمت حجة هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به، وإثبات رسالته من عنده، فمن استسلم لحجته وصدقه في جميع قوله، وآمن بجملة دعوته كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد، ولم يكن إثبات الرسول، قبل معرفة المرسل، فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه، وهذا ما أجابه بحجه.
ومن هذا الوجه كان إيمان عامة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، ثم قد كان فيهم من تنبه بعد، فرأى وبحث ونظر، فبصره الله تعالى من الدلائل ما شد بها أزره، وعصم دينه، وقوى نفسه. فطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين ويجادل به أعداءه، وينتصر به للتدافع عنه.
فأما أهل الإيمان فما أقل من خرج إيمانه عن الطريقة التي ذكرتها إذا كان الذين شاهدوا الرسول ﷺ ، وسمعوا دعوته، وعاينوا حججه، آمنوا به استبصارا بها، ولم يحتاجوا معها إلى دلالة يستشيرونها بآرائهم من شواهد عقولهم.
فكذلك الذين لم يدركوا عصره ولم يشاهدوه، إذا بلغهم خبره، وخبر المشاهدين له بلاغا- لا يمكن أن يكون كذبا ولا غلطا- صاروا كالمشاهدين في وقوع العلم لهم ضرورة بكل ما بلغهم.
فإذا أذعنوا لدعوته من غير حجة جديدة يبغونها كانت منزلتهم في ذلك منزلة الأولين وكان إيمانهم سالما صحيحا، ثم كذلك كلما بلغ ذلك الخبر أهل عصر بلاغا، فوقع لهم العلم فآمنوا كانوا كالمشاهدين، وكان إيمانهم حجة لا تغير، وكل مؤمن اليوم فأصل إيمانه هذا البلاغ، ثم في المؤمنين من يوسع في النظر، واستكثر من وجوه الحجج لحاجته إليها
стр. 138
في الدفع والجدل، فقويت بذلك بصيرته، واشتدت من الدين مريرته، وحسن في الإسلام بلاؤه، وظهر جده وعناؤه. فأما الأصل فلم يكن إلا ما ذكرنا والله أعلم.
فإن قيل: أرأيت الذي يؤمن اليوم ولا يخطر بقلبه من حقيقة دعوة رسول الله ﷺ وحجته شيء مما ذكرت، ولو أريد إسماعه لذلك لم يسمعه، ولو سمعه لم يدركه، ولو فهمه لم يفهمه، أيقال أنه مؤمن؟
قيل: هذا لا يخلو من أن يكون سمع أن النبي ﷺ ظهر على المشركين بالحجة، فإذا اعتمد هذا البلاغ ولأجله آمن، كان نظير الذين آمنوا واقفين على حجته، وإن لم يعرف هذا عين الحجة، وهذا الذي يدخل في إيمانه شيء من التقليد، ولا يضره لأنه لا يتسع لأكثر منه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: أرأيتم من بلغه على ألسنة المؤمنين ما وصفهم، وبلغه على ألسنة الكافرين خلافه، فبماذا يرجح عنده خبر المؤمنين حتى إذا قبله وآمن به صح إيمانه، وإن كان فيه من الحقيقة ما يرجحه. فهو إذا كان غافلا عنه وإن لم يكن في غفلة ما يوصله إلى معرفته، فماذا يعني ذلك عنه.
قيل: إن البلاغ الواقع من قبل المؤمنين رجحانا وهو أن الكفار لا يتهيأ لهم أن يجحدوا أن النبي ﷺ ، قد جاء بآيات وأعلام كثيرة، وأنها قد نقلت نقل اليهود أعلام موسى ونقل النصارى أعلام عيسى صلوات الله عليهما فهم مضطرون إلى الاعتراف بإثباته منها، بما يذكره المسلمون. وإذا ثبت ذلك ولم يتهيأ لهم تحقيق شيء فيما يتكلمون فيها، كانوا بترك الإيمان به معاندين، ولم يكن في شيء مما يبلغ مزيد الإيمان عنهم ما يقف موقف ما يبلغه عن المؤمنين، فلا يؤثر خلافهم أثرا، ولا أوقع فيما عند المسلمين من أمر دينهم خللا وبالله التوفيق.
فأما من يبلغه الخبران، ولم يكن ممن يدرك الراجحان، فإنه إذا كان لا يدرك أمور الكلامين وأبينهما فبالحري أن لا يدرك أبهمهما وأظلمهما وهو ما يعارض به الكفار من شبههم وزخاريف أقوالهم، وإذا لم يدركها وسلم البلاغ الذي وصفناه عن النبي ﷺ في صدره خلص من الشك إيمانه وصح والله أعلم.
وأيضا فإن تلك الأعلام وإن كان لا يحصل منها اليوم إلا على الخبر، فالقرآن قائم بين أظهرنا ونحن ندعي أن الأنس والجن لا يقدرون على الإتيان بمثله، فيدل عجزهم اليوم
стр. 139
كما كان سلفهم عنه عاجزين في الزمان الأول على صدق البلاغ الواقع من قبل المسلمين، وكذب البلاغ الواقع من قبل المخالفين.
وإن سأل سائل عمن آمن وصح إيمانه إذا سمع من بعض الكفار طعنا في دلائل التوحيد ولم يكن من أهل النظر يهتدي إلى جوابه، ماذا يصنع؟
قيل له: إن هذا لا يخلو عند سماعه معارضة المخالفين من أن يفهمها ويشغل بها قلبه، ولا يفهمها ولا يشغل بها قلبه. فإن لم يفهمها ولا اشتغل بها قلبه فليس عليه منها شيء، وإن فهمها واشتغل بها قلبه لزمه أن يسأل عنها من يكشفها عن قلبه، فإن قدر على ذلك ولم يسأل وشرح بالشك صدرا كفر، وإن لم يشرح بالشك صدرا ولكنه اعتقد فيما سمح أنه شبهه وأن نارها ما يحلها وعلم ذلك موجود عند أهله كفاه ذلك، لأنه إذا جاز أن يثبت له الإيمان لو لم يسمع من المخالفين معارضة اتكالا على النبي ﷺ ، قد جاء بالحجة الباهرة التي لا يذهب عنها إلا المعاند، ولأجلها آمن به من آمن.
وإن كان لا يعرفها بعينها جاز أن يدوم بعد سماع المعارضة، اتكالا على أن تلك الحجة لا تخلو من أن يكون فيها الدفع نفسها- وإن كان لا يعلم وجه ذلك الدفع، أو على: أن عند القائلين بها من الانفصال عن الشبهة الواردة عيها ما تزاح به العلة، ولا يخلو ذلك من أن يكون وجد في الناس من يعلمه أو لم يوجد.
وكان هذا الذي وصفنا كفره بهذا الاعتقاد داخلا في الذين مدحهم الله بقوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ لأنه استكمل الإيمان بالحجة التي أوردها رسول الله ﷺ ، حتى بلغ من سكونه إليها وثقته بها أن لم يعدل عنها ولم يشكك فيها عند توجه الطعن والمعارضة عليه وعجزه عن الجواب. لكنه وثق بأن ما أورده عليه شبهه وأن بإزائها ما يدحضها، فلم يكن هذا مما يتخلف عن إثبات الجنة والنار والبعث والحساب بحشر الرسول ﷺ ، وكان الدخول في الآية التي ذكرتها واستحباب الثناء أولى وأحق والله أعلم.
ولما ذكرناه في أصل هذا الباب من وقوع الاكتفاء معجزات الرسل صلوات الله عليهم نهى من نهى عن السلف عن الخوض في مسائل الكلام، وذلك أنهم رأوا: أنه لا يحتاج إليه ليبين صحة هذا الدين في أصله إذا كان رسول الله ﷺ إنما بعث مؤيدا بالحجج فكانت مشاهدتها
стр. 140
للذين شاهدوا، وبلاغها المستفيض لمن بلغه، كافيا في إثبات التوحيد والنبوة معا عن غيرها، ولم يأمنوا أن يوسع الناس في علم الكلام، أن يكون فيهم من لا يكمل عقله ويضعف برأيه، فيرتبك في بعض ضلالات الضالين وشبه الملحدين، فلا يستطيع منها مخرجا، كالرجل الضعيف غير الماهر بالسباحة إذا وقع في ماء غامر قوي لم يؤمن أن يغرق فيه ولا يقدر على التخلص منه، ولم ينهوا عن علم الكلام لأن عينه مذموم أو غير مقيد.
وكيف يكون العلم الذي يتخلص به إلى معرفة الله تعالى وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النبي والمصادق عليه، وبين المتنبي الكاذب عليه، مذموما أو مرغوبا عنه، ولكنهم لإشفاقهم على الضعفة أن لا يبلغوا ما يريدون منه فيصلوا بهوا، وكثيرا من الخاصة كذلك كان الاحتياط للبعض في أن يحصلوا منه ما يقدرون به على جدال المخالفين أن هموا أن يغالبوا بالحجة، ويوهموا المسلمين أن دينهم تقليد وأنهم إن فحصوا عنه تثبيت لهم آثار ذلك فيه: بأنه ليس على أحد من في سرية مطمئن بين أهله وولده أن يشتري السلاح ويجمع ويستغل فعل من قد أحس بعدو يقصده، وبلغه خير عن أحد يريده، ولكن ذلك أن وقع وتحقق فحدث عليه خوف، وتغير له حاله لزمه أن يغير تدبيره ويحكم أمره ويستعد للدفع إن قصد، ويتأهب للدفع إن حضر، ولا يغفل عمن ليس عنه بغافل، ولا يهمل من ليس بمهمل.
هذا وقد يحضر المسلم من الكفار من يقول: إني لا أعرف حجة دينكم، ولا أعلم فيما تدعون إليه برهانا، فإن أقمتم على حجة أذعنت لها! فإن هو لم يقدر على إيراد الحجة عليه أصلا، أو قدر من ذلك على ما هو أصل لدعوة لما يثبت فلما أدخل الكافر عليه شبهة أو أحدث له معارضة، انقطع وبقي حائرا عاجزا لا مزيد عنده على ما كان سمعه، قام الكافر من عنده وهو في كفره أرسخ منه، أرجأه وابتدأ مكالمته ولم يتعد أن يكون المسلم قد جهل حال نفسه وظن أن القصور في الدعوة دون علمه، والخلل في الحجة لا في معرفته، فإذا الرجلان قد تفرقا عن اتفاق على الكفر بعد أن كان يرجى أن يتفرقا عن إيمان.
فينبغي للمسلم أن لا يعطل هذا العلم، ولا يغفل عنه أصلا، بل يعد منه للخصام والجدال مثل ما يعده المقاتل للقتال، والله أعلم.
стр. 141
القسم السادس
باب القول فيمن يكون مؤقتا بإيمان غيره ولا يكون
نقول- وبالله التوفيق- أن ما ولد أبوين مسلمين فهو في عامة الأحكام مسلم. وإن كان أبواه كافرين فهو في عامة الأحكام كافرا مثلهما. فإن أسلما أو أسلم أحدهما وهو صغير، صار مسلما. وإن أسلم الجد فقد قبل. وإن أسلم قبل إسلامه كإسلام الأب- وقيل: يفارقه. فإذا سبي الصغير من دار الحرب مع أبويه فدينه دينهما، وكذلك أن سبي ومعه أحدهما فدينه دينه، وإن لم يكن معه واحد من أبويه، فدينه دين سابيه.
وما يقال من هذا في الصغير، والقول في الكبير المعتوه مثله، ثم نذكر وجوه هذه الفصول بإذن الله وتوفيقه فنقول: أما إتباع ولد المسلمين أباهما فلأن الأمل في طلب النسل أنه طريق إلى استبقاء الجنس، والغرض من استبقاء الجنس إكبار المؤمنين بالله، والعابدين له، إذ كان الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه.
وقال النبي ﷺ : "تناكحوا تكثروا، فأني أباهي بكم الأمم". وإذا كان هذا هكذا، صح وقوع الإذن من الله في طلب النسل، فحكم الولد بحكمها في الدين أيضا، لأنهما إلى غرضهما من الزيادة في عدد المؤمنين به، ولم يتأخر ذلك إلى أن يبلغ المولود فتوجد حقيقة الإيمان والعبادة منه إذا كان يمكن أن يحترم قبل البلوغ، ويمكن أن يلغ أن يخالف الأبوين، فحكم له بحكمها عادلا لما ذكرت والله أعلم.
وإنما ولد الكافر فإنما اتبعهما لان غرضهما أيضا من طلب النصل إكبار أهل الدين، إلا أن الدين عندهما فإنهما عليه فألحق بهما، كما يقر أهل الكتاب على ما هم عليه بالجزية، لأن عندهم: إن ما هم عليه هو الحق وإن كان الأمر بخلافه والله أعلم.
وأيضا فإن الأبوين المسلمين إذا اكتسبا الإيمان وفشا، فأدامه الله تعالى لهما بعد في سائر الأوقات وإن كان الإيمان لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا بالكفر كذلك عداه عنهما إلى
стр. 142
الولد الذي هو جزء منهما، فكان الولد مؤمنا من غير سبب إيمان، كما كان الأبوان طول عمرهما مؤمنين من غير كسب منهما في جميعه.
والكافر أيضا إنما اكتسب الكفر وقتا، فأدام الله حكمه لها بعد، في سائر الأوقات، وإن كان ذلك لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثنا إيمانا كذلك عداه فيهما إلى الولد الذي هو جزء منهما. فكان الولد كافرا من غير كسب الكفر كما كان للأبوان طول عمرهما كافرين من غير كسب يكون منهما في جميعه والله أعلم.
وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وقد اختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: أن المراد بالفطرة الدين الذي شرعه الله للخلق الأول الذي هو أصل هذا النسل، هو أبونا آدم ﵇. وهو التوحيد الذي لا تشريك فيه ولا تشبيه، وإنما قيل على الفطرة لأنه أريد على الدين الذي كان عند ابتداء الفطرة وهي الخلقة والبنية.
وقيل: أن المعنى- أن كل مولود يولد خاليا من كل دين لكنه لا يترك كذلك بل يتبع أبويه، فيكونان البساه دين أنفسهما وأدخلاه فيه.
فمن ذهب إلى الوجه الأول احتج بحجج أحدهما قول الله : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليهما﴾. قال فقد أخبر أنه فطر الناس كلهم على الدين فثبت أن معنى قول النبي ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" هو أنه يولد على الحق حتى يكون أبواه هما اللذان يرفعانه عنه، ويمثلان به إلى الباطل.
ودل على صحة هذا أنه لم يقل: حتى يكون أبواه يسلمانه، كما قال يهدوانه وينصرانه. فلو كان معنى يولد على الفطرة فيولد خاليا من كل دين، ومعنى يهودانه أن يجعل تابعا لأبويه في الدين إذ لم يكن له في نفسه دين لذكر الإسلام كما ذكرت أصناف الكفر. ولما لم يذكر، بان أن معنى الفطرة الدين الأول الذي شرع لأول فطور من البشر.
والحجة الثانية: أن الله قال في كتابه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألبت بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم
стр. 143
القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾.
ووردت الأخبار بأن الله لما خلق آدم صلوات الله عليه اخرج كل من علم أنه كائن من صلبه أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق ما لم يحدث خلافه.
فإن قيل: قال الناس لا يذكر أحد منهم أنه أعطى من نفسه هذا الميثاق لا حقيقة ولا ظنا، ولئن كان هذا مما أخذ عليهم فهم في هذه الدار اخذ عهدان منهم في الدار الآخرة، فكيف لا يذكرونه في أقرب الأوقات من وقت هذه الكائنة، ويذكرونه في أبعدها؟
قيل: إن هذا الميثاق لما أخذ عليهم مخرجين من صلب آدم، لا شرك أنه أخذ وقد ركب فيهم الحركة والنطق والعقل، فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما كانوا، فردوا به من هذه المعاني فزال العلم الذي كان متعلقا به، ولما عادوا يخرجون من صلبه واحدا بعد واحد على سبيل التوالد، انسوا ذلك الميثاق لأن الدار كانت دار ابتلاء وامتحان وتعبد، فلو ذكر كل واحد ما كان فيه فيها خلال حقه وصدقه يجري الإيمان مجرى الضرورات، وارتفعت المحنة واقتضت الحكمة انساءهم إياه، وابتداءهم بالخطاب والتكليف مقرونين بإرسال الرسم وتأييدهم بالأعلام بعد تركيب العقل فيهم وتمكينهم من التمييز بين الحق والباطل ليكون منهم ما يكون، حتى إذا كان يوم القيامة ذكروا من ذلك ما كانوا نسوه، لاحتجاج به عليهم ما أمدوا به على ألسنه الرسل من التنبيه والوعظ والعد والوعيد وبالله التوفيق.
والحجة الثالثة: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله خلقت عبادي حنفاء فأحلتهم الشياطين عن دينهم". وهذا يدل على أن أصل الناس في دينهم الأيمان وأنهم في ذلك بمنزلة الماء والثوب والأرض التي أصلها الطهارة ما لم يرد عليه راد ينجسها.
ومن قال بالقول الآخر دفع هذه المقالة، فإن الدين كسب لا حيلة، لأن الله تبارك
стр. 144
وتعالى يثيب ما حسن منه ويعاقب على ما قبح منه، ويأمر بالحسن وينهي عن القبيح، وما كان بابه باب الحيلة، فإنه لا ثواب ولا عقاب لأحد عليه، فإن الله تعالى لا يثيب البصير على بصره ولا يعاقب الأعمى على عماه، وكذلك كل من جرى مجراه. وهو يثيب المسلم بإسلامه، ويعاقب المبطلين على باطلهم، فثبت بذلك: أن الدين من باب الاكتساب لا من باب الجبلة والبنية، وإذا كان كذلك، والمولد بين الكافرين لم يكسب دين الحق ولم يكسبه له أبواه فإني كان مسلما!
وأيضا فإن الله لو خلقه مسلما، لم يرع إتباعه الأبوين الكافرين في كفرهما لوجهين: احدهما لأنه ليس من دينه أن يقبل من أحد كفرا بعد الإيمان، والآخر أن كل من اتبع غيره في شيء فإنما يتبع فيما لا يكون له بنفسه، فيكون محتاجا، فلو كان له بنفسه دين لم يتبع في الدين أبويه.
فأما قول الله : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ فطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام، لكن ما يتوصل به إلى الإسلام هو الحق من دلالة العقل، وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها، فإن ذهب عنها ذاهب كانت هي مجالها حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم، وبالله التوفيق.
وأما النبي ﷺ لما لم يقل حتى يكون أبواه يسلمانه، دل على أن المراد بالفطرة الإسلام، فلا دلالة له فيه لأنه أراد بين أن فساد الدين ضرر يلحق الأولاد من قبل آبائهم وأمهاتهم. فذكر الأديان الفاسدة، ولم يذكر الدين الصحيح ولأن بنوته للولد بابوية نفع وصلاح له وتأس من الضرر، فإنما سكت عنه لهذا: لا لأن ثبوت الدين الحق له من قبل الخلقه- فإنا قد بينا أن الدين لا يجري مجرى الخلق- ولكنه من باب الاكتساب. وفي ذلك ما يمنع أن يكون المراد بالفطرة الدين.
وأما قول الله : ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقا، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم
стр. 145
على أنفسهم، لأنه لو خاطبهم وأمرهم، ونهاهم من غير أن يعطيهم عقلا يدركون به مراده لم يكن عليه سؤال ولا عيب، وإذا أعطاهم آلة التمييز والمعرفة نوجه عليهم العيب والسؤال، ولم يكن لهم أن يقولوا كنا عما يلزمنا غافلين، ولا نوجه لاختلافهم أن يجبلوا على إسلامهم.
فالميثاق إذا هو العقل لا غيره، وبيت فساد تعلق من خالف هذا بالآية أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، وإنما قال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ فظاهر ذلك أنه أراد توكيد بعضهم من بعض على ممر الأزمان، وباشهادهم على أنفسهم، أعطاهم عقلا يدلهم على صانعهم ووحدانيته وقدسه والله أعلم.
وأيضا فإنه إن كان أخرج من صلب آدم صلوات الله عليه جميع ذريته وسألهم عن نفسه، فاعترفوا بأنه ربهم، ولا شك في أنه ركب فيهم الخبرة والعقل والنطق وسألهم، لأن ما لا يدري مالا يقال هل فلا معنى لسؤاله، وإن كان فعل ذلك بهم فلا يخلو من أن يكون قولهم "بلى شهدنا" اضطرارا واستدلالا، فما بالهم لم تتفرق بهم السبل، ولم تضطرب آراؤهم، وكان كأمثال الذر وحبوبهم ومعارفهم، وقواهم بحسب أبدانهم أن تكون على الإصابة بعد ما أكمل خلقهم، وأغرزت عقولهم وقويت معاني الخير فيهم أقدر وله أخلق. وإن كان ذلك وقع منهم اضطرابا فلهم من الحجة يوم القيامة أن يقولوا: لا نكث لعهد منا ولا نقص لميثاق، لأنا شهدنا اضطرارا، فلما زال علم الضرورة عنا، وكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب ومنا من أخطأ. كما كان ذلك يكون المجلون وآراؤهم في كل شيء.
وهكذا أن قال قائل: كان إقرارهم عن استدلالهم ولكنهم عصموا عنده من الخطأ ووفقوا للإصابة.
قيل لهم: فلهم إذا كان يوم القيمة أن يقولوا: أيدنا يوم شهدنا على أنفسنا بتوفيق وعصمة حرمناها من بعد، ولم أمددنا بها أبدا لكانت شهادتنا في كل وقت وحال كشهادتنا في أول الأمر، ولم يختلف. فقد بان المقصود الذي يدعيه أهل هذا القول، ولا يحصل بالأهل الذي يصفونه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾.
следующие страницы →