← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فالجواب: أن الله كما قال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، فلذلك قال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، ولم يدل ذلك على أن التواصي بالحق وبالصبر ليس من الأعمال الصالحة، فكذلك قوله : ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ لا يدلل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان، وقد قال : ﴿يا أيها الذين آمنوا، آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾، فأثبت لهم الإيمان مطلقا أولا، وناداهم باسمه ثم أمرهم بالإيمان بالرسل والكتب، ولم يدلل ذلك على أن الإيمان بالرسل والكتب ليس بالإيمان الذي لا تمام للإيمان بالله إلا به، فكذلك قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بالإيمان الذي لا كمال للاعتقاد والإقرار إلا به. وقد قال : ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾. ولم بذلك فضله بينهما وبين الملائكة في الذكر، على أنهما ليسا بملكين، فكذلك لابد فضله بين عمل الصالحات وبين الإيمان، على أن العمل الصالح ليس بإيمان، ثم المعنى في ذلك، والله أعلم، إن الذين آمنوا أقل الإيمان وهو الناقل عن الكفر والمخرج منه، ثم لم يقتصروا عليه، ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها، حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل، كما يقال: أن من صلى وأطال القنوت والقراءة واستكثر من الذكر فله كذا، فيراد بمن يصلي: من حصل الأركان التي لا أقل منها، وبما وراء ذلك، من ضم إليها من نوافل الخير ما يقع منه مع غيره صلاة فيكثر ذلك الخير بها، ويفضل ويشرف. أو يقول: أن المراد بالذين آمنوا، الإيمان بالله وبعمل الصالحات، الإيمان لله، والإيمانان متغايران، فلذلك سميا باسمين ليدل بالتفريق بينهما، والاسم على تغايرهما. وقد مضى بيان هذا المعنى. فإن قيل: فإن الله قد قال في أنه أجزى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾،

стр. 37

فدل ذلك على أن الأكساب الصالحة معترضة في الإيمان، لا أنها بنفسها إيمان. فالجواب: أنه لا يمتنع أن يقال لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فيكون قد حاز أقل الإيمان إلى أفضله، إذ كسب الخير في الإيمان إيمان. كما لا يمنع أن يقال: لمن صلى إذا دخل الوقت، أو قرأ في صلاته فضل قراءة، أو سبح فيها أو كبر، فيكون المعنى- أو فعل ما ذكرنا- فيكون قد كسب لصلاته كمالا، إذ القراءة والتسبيح والتكبير في الصلاة صلاة. ويدل على أن كسب الخير في الإيمان إيمان، قول الله في أجزائه الظهار الذي هو منكر من القول، وزور بعد إيجاب الكفارة: ﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ وإنما أراد ذلك ليمتنعوا من الظهار، الذي هو منكر من القول وزور طاعة لله الذي حرمه عليكم، فسميت الطاعة لله بترك الظهار إيمانا، فثبت أن كل طاعة إيمان، وأن معنى الآيات المتقدمة ما وصفت والله أعلم. فإن قيل: روينا (أن رسول الله ﷺ برز للناس يوما، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فبان بهذا الحديث: أن الإيمان غير الإسلام، وأن هذه الشرائع إن كانت إسلاما فالإسلام إيمان. قال الله : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. فأخبر أنهم لا يؤمنون حتى يسلموا الأمر رسول الله، وإذا كان التسليم لأمر رسول الله، إنما كان التسليم لأمر الله إيمانا. والإسلام والتسليم كالتكريم والإكرام، والتعظيم والإعظام، والتكبير والإكبار، والطاعات كلها تسليم وإسلام لله . فثبت أنها إيمان، ويدل على صحة هذا أن الله قال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وقال: ﴿قولوا آمنا بالله﴾،

стр. 38

فصح أن قولنا: آمنا بالله، إسلام. وحكي عن إبراهيم ﵇ أنه قال له: ﴿أسلم! قال: أسلمت لرب العالمين﴾، فبان أن الإسلام إيمان. وقال في آية أخرى من قصة لوط ﵇: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾، فسماهم مرة مؤمنين ومرة مسلمين، وهو لا يريد لواحدة من التسميتين إلا تمييزهم من غيرهم بأديانهم. فصح أن الإسلام والإيمان إسمان لدين واحد، وإن كانت حقيقة الإسلام التسليم، وحقيقة الإيمان التصديق، وأن اختلاف الحقيقة فيهما لا يمنع أن يجعلا اسما لدين واحد، كالغيث والمطر هما اسمان لمسمى واحد، وإن كانت حقيقة الغيث في اللسان غير حقيقة المطر. وقال النبي ﷺ : "لي خمسة أسماء، أنا محمد وأحمد والماحي والحاشر، والعاقب"، ومعلوم أن لكل اسم من هذه الأسماء الخمسة معنى وحقيقة سوى الذي هو فيها لغيره. ثم لم يمنع ذلك من أن يكون اسما لمسمى واحد. فكذلك الإسلام والإيمان. ثم بين أن بين حقيقة اسم الإيمان وحقيقة اسم الإسلام من التناسب ما ليس بين حقائق هذه الأسامي التي وقع الاستشهاد بها، لأن الإيمان إذا كان هو التصديق بالله، والتصديق بالله يقتضي الإيمان له بالطاعة، وذاك هو الإسلام. والإسلام له لا يكون إلا مع التصديق. فأما التكذيب فإنه من موانع الإسلام دون حواليه. فصح أن الإسلام إيمان، والإيمان إسلام. فإن قيل: فإن كان هذا هكذا! فلم فصل في الحديث بين الإسلام والإيمان؟. قيل: وقد فصل بينهما وبين الإحسان. أفيدل ذلك على أن الإيمان والإسلام ليسا بإحسان؟ وقد قيل في أول درجات الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا. ليدل ذلك على أن إخلاص العبادة لله ومجانبة الشرك والرياء ليس بإيمان. فإن كان لا يدل على ذلك، فلذلك لا يدل على ذلك! كذلك لا يدل على أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليسا بإيمان، وإنما فصل بينهما- والله أعلم- لأنه أريد بالحديث: الإيمان الناقل عن الكفر،

стр. 39

والإيمان التابع له. فسمي أسبق الإيمانين إيمانا بالإطلاق، أو أحدهما إسلاما. أو بقول فصل بين صريح التصديق وبين إماراته، فسمي صريحه إيمانا وسميت إماراته إسلاما. أو بقول فصل بين ما هو إيمان بالله، وما هو إيمان لله. فسمي الإيمان بالله إيمانا بالإطلاق، وسمي الإيمان لله إسلاما. وإلا فالإسمان موضوعان لدين واحد، والله أعلم. وجواب آخر: أن يقول: اختلفت الروايات في ذكر الإيمان والإسلام. فقيل في بعضها: (قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت. فقال: ما الإسلام؟ قال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت والغسل من الجنابة). وهذا يومئ إلى أن يكون الإيمان هو الخصال الناقلة عن الكفر، والإسلام هو الطاعات التي تصح وراء الانتفاء عن الكفر، وهي شرائع الإيمان. وقيل في بعض الروايات: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، إلى آخره. قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر). وهذا يوجب أن يكون الإيمان هو الاعتقاد بالقلب، وأن يكون الإقرار مع سائر الطاعات من جملة الإسلام، ويكون الإسلام غير الإيمان. وهذا يلتحق بالمقالة التي بدأت بالكلام عليها، إلا أن فيه على أهل هذا القول- الذي نتكلم عليهم- حجة، وهي أنه لا خلاف بيننا وبينهم أن الشهادة إيمان كالاعتقاد، وقد سميت في هذا الحديث إسلاما، وألحقت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. فقد وجب بذلك أن يكون الإيمان والإسلام اسمين لدين واحد، وأن تكون الطاعات كلها إيمانا. غير أن الإيمان ما بطن والإسلام ما ظهر، ثم هما جميعا إيمان، لأنه لا صحة للباطن إلا بالظاهر، ولا بالظاهر إلا بالباطن. وهما جميعا إسلام، لأن كل واحد من تقويم الظاهر والباطن إذعان لله وخضوع، ولا يكون ذلك إلا مع التصديق. وبالله التوفيق. ويدل على صحة هذا خبر ثالث، وهو ما روي أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس:

стр. 40

(هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله! قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس). فسمى الشهادة وهذه الأعمال إيمانا، كما سماها في الرواية التي قبل هذه إسلاما فبان أن كل واحد من الاعتقاد والإقرار والطاعات كلها إيمان، وكل واحد منها إسلام. ثم جاءت رواية رابعة تؤكد هذا كله، وهو أن النبي ﷺ قال لرجل من أهل الشام: (أسلم تسلم! قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. وقال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت، قال: وأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم لا تغل ولا تجبن)، ثم قال النبي ﷺ بأصبعيه (هما من أفضل الأعمال: حجة مبرورة وعمرة). فأبان هذا الحديث أن الإسلام الذي أخبر الله أنه هو الذي عنده بقوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وقوله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، ينتظم الاعتقاد والأعمال الظاهرة. لأن قوله: (الإسلام أن تسلم قلبك لله) إشارة إلى تصحيح الاعتقاد. وقوله (ويسلم المؤمنون من لسانك ويدك) إشارة إلى تصحيح المعاملات الظاهرة. ثم صرح بذلك فأخبر أن الإيمان أفضل الإسلام، وفسره: بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث. أراد أن الإيمان بالغيب أفضل من الإيمان بما يشاهد ويرى. وهذا موافق لقول الله : ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ مدحا لهم وثناء عليهم.

стр. 41

ثم أبان الاعتقاد وعامة الأعمال إيمان، فقال: (أفضل الإيمان الهجرة) ثم فرع الهجرة، فدل ذلك على أن الطاعات كلها إيمان كما هي إسلام، وأن الإسلام الإذعان لله جل وعز، سواء وقع بأمر ظاهر أو بأمر باطن، بعد أن يكون الأمر مما رضي الله لعباده أن يتقربوا به إليه. ثم جاء نصا عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟ قالوا: الصلاة! قال: إن الصلاة لحسنة، وما هي به. قالوا: الحج! قال: إن الحج لحسن، وما هو به، قالوا: الصيام! قال: إن الصيام لحسن، وما هو به. قالوا: الجهاد! قال: إن الجهاد لحسن، وما هو به. فلما رآهم يذكرون شرائع الإسلام ولا يصيبون، قال لهم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) لا ينكر عليهم أن ما عددوا عرى الإيمان، ولكنه أخبر أن الأوثق الذي سألهم عنه غيرها. وزاد ذلك بيانا في حديث آخر فقال: (من أعطى لله، ومنه لله، وأنكح لله، ونكح لله، وأحب في الله وأبغض في الله، فقد استكمل الإيمان). فصرح بأن هذه الخصال إيمان. وأبان بأن أوثق عرى الإيمان الإخلاص. وجاء عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنه قال: (إن الإيمان بني على خمس: تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان)، كذلك حدثنا رسول الله ﷺ . وجاء عن ابن عمر- ﵄ في رواية أنه قال. قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس ..) فذكر هذه الأعمال، فبان بذلك أن الإيمان والإسلام اسمان لدين واحد ينتظم أعمالا كثيرة، ويتصف أوصافا مختلفة، وأن واحدا من هذين الاسمين ليس لشيء منها دون شيء، والله أعلم. ثم الذي يشمل جميع ما ذكرنا وبينا قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). ومعلوم أن هذه

стр. 42

الشعب هي الأعمال والشرائع. وقد جاءت الأخبار بالنص عليها أو على أكثرها، ودل الكتاب عليها. فثبت أن اسم الإيمان شامل لها، وستذكر في بابها إن شاء الله تعالى. فإن قال قائل: لو كانت الطاعات كلها إيمانا أوجب أن يكون تركها كفرا، فإنكم شبهتم كل طاعة بالإقرار، وترك الإقرار كفر، فلذلك كان فعله إيمانا. وترك الصلاة ليس بكفر فصح أن فعلها ليس بإيمان. فالجواب- وبالله التوفيق- أن الطاعات كلها إيمان بشرط أن تكون موجودة في الإيمان، والطاعة في الإيمان، والطاعة في الإيمان إيمان، ومتى جعلنا فعل الطاعة بشرط التمسك بالإيمان المتقدم إيمانا، لم يلزمنا أن نجعل تركها وحدها كفرا. لأن تركها وحدها ليس بضد لمجموع الفعل وقرينه، فإن هو ترك الفعل وقرينه بأن جحد وجوبه أو جحد الأمر به أو المبلغ له لم ينكر أن يكون ذلك كفرا منه. فإن قيل: هذا جواب غير شديد لأن الإقرار إنما يصح إذا صادف الاعتقاد، ولا يدل ذلك على أن المتكلم بالكفر مع الاختيار لا ينفك عن الإيمان إلا مع تبديل الاعتقاد، ولكنه ينقله وإن كان الاعتقاد سليما بحاله، فقد كان ينبغي أن يقولوا: إن ترك الصلاة ينفك عن الإيمان وإن لم يكن معه تبديل الاعتقاد، إن كان فعلها إيمانا. فالجواب: أن التكلم بالكفر ينسخ الإقرار، فمن تكلم به ولم يبدل الاعتقاد كان كمن اعتقد في أول أمره ولم يعترف. وليس في مجرد ترك الصلاة فسخ إقرار ولا تبديل اعتقاد فافترقا. فإن قيل: الطاعة في الإيمان إن كانت تكون إيمانا، فذاك لا يمنع من أن يزول الإيمان بالمعصية، كما أن الركوع في عقد الصلاة يكون صلاة، ثم إن تركه في موضعه رفع عقد الصلاة. قيل: لا يشتبهان، لأن كل عمل من أعمال الصلاة تقتضي صحته إيصال ما بعده به، فإذا انفرد لم يكن بنفسه صلاة. وكل شعبة من شعب الإيمان عندي لا تقتضي صحتها اتصال أمثالها بها، لكن ما أتى به منها صحيح في نفسه وإن لم يلحق به غيره. فلهذا

стр. 43

لم يكن ترك الصلاة مثلا رافعا لعقد الإيمان، كما كان ترك الركوع مثلا في موضعه من الصلاة رافعا عقد الصلاة. وقد نجد أيام شهر رمضان مجتمعة فيما يجب من صيامها، ثم إن صيام كل يوم إذا لحق الشهر لمصادفته إياه ووقوعه فيه، والفطر فيه لا يوجب هتك حرمة الشهر أصلا حتى تفسد به صيام ما مضى قبله. فلا ينكر أن تكون كل طاعة إيمانا لوقوعها في الإيمان، والمعصية لا توجب حل رباط الإيمان أصلا حتى تحبط ما قدم منه والله أعلم. وجواب آخر: عن أصل السؤال وهو أن الأعمال تترك من الاعتقاد والإقرار منزلة الإمارات من البيان الصحيح الصريح، وقد تقدم هذا المعنى. فكما أن كافرا لو أسلم في وقت صلاة يصبح إسلامه بالاعتقاد والإقرار، ولم يتوقفا على أن يقيم الصلاة، لأن وقف البيان الصريح على وجود الإمارة لا معنى له، وإنما توقف الشيء على وجود شيء مثله أو ما هو أقول منه. فأما وقفه على إمارات نفسه فلا يجوز، وكذلك من وجبت عليه من المؤمنين طاعة فتركها لم يكفر، لأن ترك الطاعات تنزل من صريح الكفر منزلة الطاعة من صريح الإيمان في أنه إمارة من إمارات الكفر، فلا يجوز أن يستعمل الإمارة ويلغي ما قد حصل من صريح الإيمان. فقدم الإمارة على البيان كما لم يجز في الابتداء أن يتوقف عن الحكم بالإيمان بعد وجود الاعتقاد والإقرار انتظار الإمارات، والله أعلم. وجواب ثالث: وهو أن الإيمان ضربان: إيمان بالله ورسوله، وإيمان لله ورسوله ﷺ . فالإيمان بالله ضده الكفر، لأن ضد التصديق بالله تعالى هو التكذيب به، وذلك كفر. وضد التصديق بنبوة النبي ﷺ التكذيب به، وذلك كفر. وإنما الإيمان لله تعالى ولرسوله ﷺ ، فضده النفاق والخلاف والفسوق والعصيان، إذ الإيمان له هو الطاعة والاتباع، وليس ضد التكذيب الكفر، وقد قلنا بذلك وأثبتناه فلم يلزمنا أن نثبت وراءه ما ليس بضد لهذا الضرب من الإيمان، ولا مناقض إياه، والله أعلم. فإن قال قائل: فما أنكرت أن الأعمال ليس بإيمان، لأن فعل ما يجب منها لا ينفك عن كفره، وتركه لا يوقع في كفره. فالواجبات من هذا الوجه كالمباحات فلما لم يكن فعل المباح إيمانا، لم يكن فعل الواجب إيمانا.

стр. 44

فالجواب: أن فعل المباح إرادة لوجه الله إيمان، وذلك كالكسب الذي يراد به إعانة العاجز، والتسحر لصيام الغد، وإتيان الأهل من غير حاجة إليه نظرا لها، أو توقعا لولد يعبد الله ويوحده، وكالإفطار عند مجيء الليل تحررا من شبه الوصال. وليس شيء من الطاعات إلا ويراد به وجه الله تعالى، فإذا قلنا: إن المباح الذي يراد به وجه الله تعالى، ففعله إيمان. فقد سوينا بين الطاعات وبين ما يشبهها من المباحات، وسقط السؤال عنا لأنه لا يبقى وراء هذا الصنف من المباح إلا ما يراد به وجه الله، وليس ذلك لصفة الطاعات، فلا يلزمنا أن نسوي بينهما مع اختلافهما وتباينهما في المعنى والله أعلم. وجواب آخر: وهو أن هذا الإعتلال لا يقوم به حجة، لأن معنانا في أن كل طاعة إيمان، إن الإيمان هو التصديق، والطاعة تصديق بالأمر وآمره ووعده ووعيده فكانت إيمانا، فهذا ما لا يتهيأ جحده ولا نفيه بالمقايسات، لأن كل ما ينصب منها، لنفي أن تكون كل طاعة إيمانا، فإنما يرجع إلى نفي أن تكون كل طاعة تصديقا، وما كان تصديقا ضرورة، فنفي أن يكون تصديقا بالمقايسة لا معنى لها. وهو كمن ينفي أن يكون خبر يذكره خبرا بعلة يعتل فلا يقبل منه، لأنه إذا كان الخبر مما يدخله الصدق والكذب، وكان ما يذكره قولا يدخله الصدق والكذب، فقد وجب أن يكون خبرا، وكل علة نفى بها أن يكون خبرا فإنما ينفي أن يكون محتملا للصدق والكذب، وذلك وصف ثابت له ضرورة فلا يلتفت إلى نفيها بالمقايسة، فلذلك هذا الاعتلال، وبالله التوفيق. فصل إن قال قائل: أخبرنا عن قولكم: إن الطاعات من الإيمان، ما الذي تستفيدون به إذا ثبت لكم، وأنتم لا تقولون أن ترك العمل بالواجب كفر، ولا أن الفسوق خروج من الإيمان، وليس بدخول في الكفر، فما الذي يفيده ثبوت هذا الأصل على قولكم؟ وما الذي يجب به من الحكم عندكم؟ قيل: -وبالله التوفيق- أول ما في هذا أن كل أصل وقع البحث عن حقيقته، فإنما ذلك لإدراكه على ما هو عليه، لا لما يرى أنه يتوصل منه إليه. وقد أمرنا بالإيمان،

стр. 45

ووجدنا الإيمان شعبا منسوبة إليه، فلما نظرنا في أن تلك الشعب كلها إيمان، أو بعضها إيمان، وبعضها حقوق الإيمان من غير أن تكون إيمانا نفسها. تبين لنا بالدليل أن كلها إيمان، فوصفناها بذلك لنكون مخبرين عن الإيمان ما هو عليه، ومعتقدين إياه على وجهه وحقيقته ثم سواء استفدنا وراء ذلك فائدة أخرى أم لم نستفد، فقد أثرنا بالنظر اعتقاد الشيء على ما هو عليه، وحصلنا به على الغرض المطلوب، وبالله التوفيق. ثم أن هذا الأصل إذا ثبت تفرغ عنه أن الكفار مخاطبون بالشرائع كلها، ومخاطبون بالاعتقاد والإقرار. لأن الطاعات كلها إذا كانت إيمانا لم يجز أن يخاطبوا بشيء منها دون شيء مع اتساعهم لجميعها. ولا يخرج على قول من لا يثبت الطاعات كلها إيمانا، أن يكونوا مخاطبين بالأعمال إلا بعد أن يصح لهم الاعتقاد والإقرار، كما لا يطالب أحد بحق عقد من العقود- ما كان- إلا بعد أن يصح منه أصله، والله أعلم. وقد جاء في هذا الفصل خاصة أن رجلا قال: يا رسول الله! أيؤاخذ الله أحدا بما عمل في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية (ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) وهذا على أن الطاعات في الإيمان إيمان، والمعاصي في الكفر كفر. فإذا أسلم الكافر أحبط إسلامه كفره، فإن أحسن في الإسلام أحبطت طاعاته تلك المعاصي التي قدمها في حال كفره، وإن لم يحسن في الإسلام بقيت تلك المعاصي بحالها إذا لم يجد ما يحبطها، فأخذ بإساءته في الإسلام وفيما قبله. ومما يؤكد هذا أن المعاصي قد توجد من المسلم في إسلامه فلم يزل أني يحبط ما وجد منها في الكفر بالإسلام الحادث. وبان بهذا أن قول الله ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ معناه يغفر لهم كفرهم فيما خلا من أعمارهم، فإن كان عاما للكفر والذنوب فهو مغفور بشرط الانتهاء. وفي ذلك بيان أنهم إن لم ينتهوا عن المعاصي التي كانوا عليها لم يغفر لهم، كما أنهم ما لم ينتهوا عن الكفر لم يغفر لهم.

стр. 46

فإن قيل: فالزموهم قضاء ما سلف من صلاة أو صوم! قيل: لا يلزمنا هذا، لأنهم إن صلوا وصاموا بعدما أسلموا، سقط عنهم ما تركوا في الكفر بدلالة الحديث، وإن لم يصلوا أو لم يصوموا، أمروا بالصلاة والصيام، وحملهم على ذلك حملهم على ما إذا فعلوه سقط ما مضى عنهم، فلم يلزمنا أن نأمرهم بتجديد القضاء لما تركوا. فإن قيل: فما بال المسلم التارك للصلوات، إذا بات واستقبل فأقام الصلاة لا يسقط ذلك عنه ما مضى منها. قيل: لأن ترك المسلم الصلاة لا يستند إلى أصل معفو عنه، فكان شرط يؤتيه قضاء ما ترك منها، وترك الكافر الصلاة مستند بعد الإسلام إلى أصل قد عفي عنه وهو الكفر. ثم أن ذلك العفو عن ماضيه غنما وقع لا بتدارك- كان له من الأصل إذ ذاك- غير ممكن، لكن باستقبال خلافها والله أعلم. ومما يتفرع عن هذا الأصل أن الفاسق ينبغي أن يكون مردودا لشهادة غير معتمد القضاء بين الناس، ولا لولاية التزويج ولا لولاية أموال الغير، لأنه ناقص الدين، ونقصان الدين يحول عن الترقي إلى مراتب أهل الفضل والكمال في الدين. فإن قضى قاض لم يجز قضاؤه، كما لو أفضى شهادة كافر لم ينعقد قضاؤه ومن لم ينسبه إلى نقصان الدين ردت شهادته للتهمة، فأداه ذلك إلى أن يقول أن الحاكم أن ظن به خيرا أو قبل شهادته كان قضاؤه جائزا، لأن الأصل أنه بريء من الكذب غير مفارق له حتى يثبت خلافه، وأجاز الوصاية إليه، وأثبت له الولاية على أطفاله، ونحن لا نقول ذلك والله أعلم. ومما يتفرع عن هذا الأصل، أن الأعمال إذا كانت إيمانا كان بكاملها تكامل الإيمان، وتناقصها تناقص الإيمان. وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم، كما هم متفاضلون في أعمالهم. وحرم أن يقول قائل: (إيماني وإيمان الملائكة والنبيين واحد) لأن الطاعات كلها إذا كانت إيمانا! فمن أكثر طاعة كان أكثر إيمانا، ومن كان أفضل طاعة كان أفضل إيمانا، ومن خلط الطاعات بالمعاصي كان أنقص إيمانا ممن أخلص الطاعات، والله أعلم. ويتبع هذا الأصل أن المعاصي إذا كانت تنقص الإيمان جاز أن يكون فيها ما يوجب

стр. 47

القتل، لأن الإيمان هو العاصم للنفس فلا يجوز أن تزول العصمة وهو باق بحاله. وعلى كماله الذي كان له حين أوجب العصمة. وفي هذا ما أبان أن قتل القاتل والزاني المحصن وتارك الصلاة لا يخرج إلا على أن تكون هذه الجنايات مؤثرة في سبب العصمة، ناقصة من درجاته، مخففة لوزنه. ولولا ذلك لما جاز أن يستحل بها الدم. فإن قيل: فيقولوا أن كل معصية فهي تبيح الدم! قيل: لا يلزمنا أن نقول ذلك، لأن سبب العصمة إذا كان إيمانا لا ثلمة فيه. فحديث فيه ثلمة احتمل أن يقال: أن العصمة تزول، واحتمل أن يفصل الثلم ويقال فيها عظم منها أنها تزيل العصمة، وفيما صغر منها أنها لا تزيلها. كما يقال: إن العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة يفسد الصلاة، والعمل القليل لا يفسدها. وقد قالوا: إذا زاد في صلاته أقل من ركعة لم يفسدها، وإن زاد فيها ركعة أفسدها. وأما الصوم فإن قليل الأكل فيه والشرب وكثيره سواء. ولكن مهما كان سبب العصمة في الأصل إيمانا لا ثلمة فيه لم يجز أن يكون هذا السبب قائما بكماله والعصمة زائلة. فبان بهذا أن قيل: أحد من المسلمين عمل معصية تكون منه، لا تخرج إلا على أن تكون الطاعات إيمانا، والمعاصي ثلما في الإيمان، والله أعلم. ***

стр. 48

القسم الثاني باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه قال الله : ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾. وقال: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾، وفال: ﴿وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا﴾. وقال: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾. فثبت بهذه الآيات أن الإيمان قابل للزيادة. فإن قال قائل: ما أنكرتم أن زيادة الإيمان زيادة العلم والمعرفة، فإن للعلم منازل. أولها غالب الظن ثم اليقين ثم الضرورة. فالجواب: أن يقال له: أخبرنا عن اليقين الواقع للمؤمن، أهو إيمان؟ فإذا قال: نعم! قيل له: فزيادة اليقين الواقعة له إيمان. فإن قال: لا! قل له: فكيف يزداد الأيمان بما ليس بإيمان؟ وإن قال: هي إيمان! قيل: فقد زاد الإيمان بكل حال، ووجب إذا كان الناس متفاضلين في يقينهم، فكان منهم من هو كالمضطر إلى العلم في أنه لا يتهيأ تشكيله في الدين بشدة سكون قلبه إلى معتقدة، ومنهم من يكون دونه حتى لا يؤمن عليه التشكيل إن دخلت عليه شبهة، وجب أن يكونوا متفاضلين في إيمانهم وبطل أن يكونوا في الأيمان سواء، فضلا في أن يكونوا والملائكة والنبيين- صلوات الله عليهم- وغيرهم فيه سواء. ويقال: أرأيت زيادة اليقين؟ هل يقع إلا عن دلالة تقوم وتظهر فيسلم لها ويوثق بمدلولها؟ فإذا قال: بلى! قيل له: فالاستسلام لها والتصديق بمدلولها طاعة زائدة بعد حصول حقيقة الإيمان، فما جاز أن يزيد الإيمان بها. فما أنكرت أنه يزيد بكل طاعة؟

стр. 49

فإن قال: إنما زاد الإيمان بقبول الدلالة الزائدة في اليقين لأن قيامها إنما كان على نفس ما سبق اعتقاده من الإيمان، فكان قبولها قبول الإيمان، وليس كذلك الصلاة مثلا وإن كانت طاعة. ولا الصيام، ولا الصدقة، لأنه غير الإيمان الذي تقدم اعتقاده، والإقرار به. قيل له: إن الدلالة الثانية، إن كانت قائمة على نفس المعتقد الأول، فليس المعتقد هو الإيمان. إنما الاعتقاد الذي هو فعل العبد، هو الإيمان. فأما المعتقد لثبوت البارئ من أنه البارئ، ووحدانيته، ونبوة النبي ﷺ ، فذاك مؤمن به وهو نفسه موجود ثابت صدق به أو كذب. فإذا كان كذلك، فالدلالة الثانية إذا أدت من قامت له إلى الاعتقاد مثل الأول- حتى لو لم يكن الأول لكان بالثاني مؤمنا، فازداد بالمعتقد بصيرة وسكون قلب إليه وثقة به- كان إيمانه زائدا بزيادة اعتقاد حادث. وذلك الاعتقاد ليس إلا التصديق. فكذلك إذا صلى بعد إيمانه أو صام فقد زاد تصديقا لأن من لا يصدق بالله لا يصوم ولا يصلي "كما أن من لا يصدق بالله لا يشهد له بالوجود والوحدانية والخلق والأمر، فقد صار اتباع الصلاة والصيام الإيمان كاتباع الاعتقاد الاعتقاد. فإذا كان كذلك زيادة إيمان وجب أن تكون الصلاة زيادة إيمان. وقال قائل: معنى زيادة الإيمان المذكورة في هذه الآيات إعادة لفظ الإيمان وتكرره، ويسمى الازدياد من ألفاظ الإيمان ازدياد مجازا، ويدل على ذلك أنه لم يقل ليزيد إيمانهم وإنما قال: ﴿ليزدادوا إيمانا﴾ ليستكثروا منه بأن يعيدوه ويكبروه. فالجواب: بأنه لا فرق بين قول القائل: ازددت إيمانا وبين قوله: زاد إيماني، كما لا فرق بين قوله: ازددت مالا، وبين قوله: زاد مالي، ولا بين قوله، ازددت أولادا، وبين قوله: زاد أولادي، فإذا كان كذلك، لم يحصل هذا السائل من فرقة بين العبادتين على عوض صحيح. ثم الذي قال حجة عليه، لأنا نسأله عن تكرير الإيمان: إيمان هو أم لا؟. فإن قال: ليس بإيمان! قيل له: فكيف يزداد المكرر إيمانا بأن تلفظ بما ليس بإيمان! أرأيت لو روى خبر أو أنشد شعر أكان يكون مرداد إيمان، فكيف صار يتكرر لفظ الإيمان مردادا إيمان، إن لم يكن ما لفظ به إيمانا؟.

стр. 50

فإن قال: هو إيمان. قيل له: أرأيت لو حكاه عن غيره، أو قرأه من كتاب يريد أن يبثه لغيره، كان يكون مرداد إيمان. فإذا قال: لا! قيل له: فهلا علمت أنه أراد التقرب بتكريره، إنه إنما كان ذلك إيمانا منه، يكون به مرداد إيمان، لأنه قربة منه وبر، وكل بر وقربة فواجب أن يكون إيمانا، وفاعله مردادا من إيمان، ومما يدل على أن الإيمان قابل للزيادة، إجماعهم على أن المولود من المسلمين مؤمن، فإذا بلغ عاقلا فأحدث اعتقادا وإقرار كانا منه إيمانا، وهذا زيادة إيمان كانت منه. فثبت أن المؤمن قد يؤمن فيزداد إيمانه المتقدم بانضمام المتأخر إليه. فإن قال: إنما كان هذا إيمانا منه لأنه لو لم يفعله لكان كافرا. وهل في سائر الطاعات مفقود، قيل: ليس كذلك! لأنه لو بلغ ولم يخطر بقلبه أنه يحتاج إلى تحديد الإيمان، أو كان بلوغه الستين فلم يعلم أنه قد بلغ، فأحدث اعتقادا للحق، ويشهد به للعادة لكان ذلك منه إيمانا، ولو لم يوجد ذلك منه ما كان كافرا، إنما يكفر إذا أبى وامتنع بعد البلوغ. فأما إذا كان تركه تحديد الاعتقاد والشهادة، لأن ذلك لم يخطر بقلبه، وكان ذاهلا عنه، أو لأنه لم يعلم أنه قد بلغ فليس ذلك بكفر، ومع هذا لو شهد لكان مؤمنا، فعلمنا أن ذلك لم يكف إيمانا لأن تركه كفر، ولكن لأنه طاعة في نفسه، فوجب أن تكون كل طاعة إيمانا. وهكذا الأخرس من علة يؤمن باعتقاده وإشارته، فيكون مؤمنا فإذا برأ وزال عنه العلة وجب أن يتشهد فكان تشهده إيمانا على إيمان. وإذا ثبت ما قلناه، فقد ظهر إن المؤمن قد يؤمن فيكون بإيمانه الثاني مردادا من الإيمان، والله أعلم. دليل آخر: وهو إجماعهم أن الناس لما آمنوا بالله تعالى وبالنبي ﷺ كانوا مؤمنين. فلما جاءهم بالصلاة فقبلوها كان ذلك إيمانا منهم، فلما جاءهم بالزكاة فقبلوها كان ذلك إيمانا منهم. وكلما جاءهم بطاعة فقبلوها كان ذلك إيمانا منهم، وهم في كل ذلك من قبله مؤمنون. فصح أن المؤمن قد يؤمن فيزداد ما تقدم من إيمانه بما تأخر. فإن أعادوا سؤالهم وقالوا: إنما كان يكون قولهم كل ما جاء به إيمانا، لأنهم لو امتنعوا كانوا كفارا، ولسنا ننكر أن ما كان تركه كفرا كان فعله إيمانا، وإنما نخالفكم فيما لا يكون تركه كفرا.

стр. 51

قيل لهم: إن قبولهم الشيء بعد الشيء، مما كان يشرع لهم إذا كان لا يحتاج إليه لرفع كفر واقع موجود، وإنما يخشى أن يعودوا كفارا إن لم يقتلوا، فهم فيما بين حدوث العلم لهم بما قد شرع وبين قبوله، وفي حال القبول مؤمنون ثم القبول زيادة إيمان منهم. فثبت بهذا جواز أن يكون للإيمان امداد إذا تلاحقت زاد الإيمان بها. وعلى أنهم إنما احتاجوا إلى القبول لئلا يكفروا بالرد، كان القبول منهم طاعة، كما لو ردوا فكفروا كان ذلك منهم معصية، فبأن أن قبولهم إنما كان إيمانا لأنه كان طاعة، فوجب أن تكون كل طاعة في إيمان إيمان. وجواب آخر: وهو أن قبول ما يتجدد شرعه في زمان الشرع إذا كان إيمانا، لأن تركه كفر ورفع لما تقدم من عقد الإيمان بالقلب واللسان, فوجب أن يكون التعفف عن كل كبيرة وتركها لوجه الله تعالى إيمانا، لأن تركه إلى خلافه جرح للإيمان. والجرح في مناقضه المجروح كالفسخ في مناقضة المفسوخ. ألا ترى أن محظورات الإحرام كلها مضادة للإحرام، وإن كان أحدهما مختصا بالإفساد لأنها إن كانت لا تفسده فلا يخلو من أن يجرحه. والجرح كالإفساد وإن اختلفا في أن الإفساد يرفع الإحرام كله، والجرح ينقضه ولا ينقضه فكان يرفع بعضه. فلذلك كل ما يجرح الإيمان فهو في مناقضه كالمفسد له. فإذا كان القبول لما تجدد شرعه إيمانا لأن خلافه رافع للإيمان، وجب أن تكون الصلاة في وقتها إيمانا، لأن تركها، حتى يخرج وقتها من غير عذر، خارج للإيمان. ألا ترى أن الإمساك في الإحرام إذا كان إحراما لأن الإقدام عليها رافع له كان الإمساك عن الحلق، وقيل الصيد وتقليم الظفر إحراما، لأن الإقدام عليها خارج للإحرام. والله أعلم. فإن قيل: ومن سلم لكم أن ترك الفرض جارح للإيمان! قيل: أجمعت الأمة على تسمية الفسق جرحا. ومعلوم أن ذلك ليس جرحا لبدنه، إنما هو جرح لدينه. فإن قيل: أرادوا بذلك جرح عرضه. قيل: وليس تحت جرح العرض إلا لصاق شين وسبة به، ولو لم يكن ما ينسب إليه من الفسق ناقصا من دينه شيئا لم يكن شيئاً ولا

стр. 52

سبه، فصح أن عرضه إنما يصير مجروحا بالفسق لئلا يلتصق عن ذلك به من نقصان الدين والله أعلم. وجواب آخر: وهو أن يقال لمن سأل هذا السؤال: أخبرنا عن اليهودي المشبه الذي يزعم أن عزيرا ابن الله، والنصراني الذي زعم أن المسيح ابن الله. إذا قال اليهودي لم يكن المسيح نبيا، أيكون هذا كفرا منه. أو النصراني إذا قال مثل ذلك لنبينا ﷺ ، أيكون كفرا منه؟ فإذا قال: نعم! قيل له: أرأيت لو قال اليهودي: كان المسيح ومحمد نبيين، ولكنه لم ينزع عن قوله عزير ابن الله، أو قال النصراني: محمد رسول الله ولم ينزع عن قوله "المسيح ابن الله" أيكونان مؤمنين؟ فإذا قال: لا! قيل له: فإذا جاز أن يكون كل واحد منهما مردادا من الكفر بشيء، لو تركاه لم يكن تركهما له إيمانا. فلم لا أجزت أن يكون المؤمن مردادا من الإيمان بشيء، لو تركه كفرا! وما الفرق؟ وجواب آخر وهو أن الرفض والنفل مجتمعان، في أن فعلهما طاعة وبر، ثم يختلفان، فيكون ترك الفرض معصية، ولا يكون تركا لنفل معصية، ولا يستدل بافتراقهما في ذلك على افتراقهما في أن يكون فعلوا طاعة فلذلك قبول الفرض بعد الفرض عن النبي ﷺ ، وفعل الفرض بعد الفرض يجتمعان في أن يكونا إيمانا، ويفترقان في أن يكون ترك القبول كفرا، ولا يكون ترك الفعل كفرا. ولا يجب على افتراقهما في ذلك، افتراقهما في أن يكون فعلهما جميعا إيمانا. وجواب آخر: وهو أن مفارقة الفعل القبول، في أن ترك القبول كفر، وترك الفعل ليس بكفر، لا يوجب الفرق بينهما في أن يكون كل واحد منهما إيمانا. فإن الله قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ فألزم الصحيح المقيم أن يصوم، وألزم وجعل للمريض والمسافر أن يصوم مكان الشهر عدة من أيام أخر. فالصحيح المقيم إن لم يصم عصى وفسق، والمريض والمسافر إذا لم يصم، لم يعص ولم يفسق ولم يمنع افتراقهما- من هذا الوجه- أن يتفقا في أن كل واحد منهما إذا

стр. 53

صام كان بارا مطيعا مؤديا فريضة الشهر. ولم يجز أن يقال: إن الصحيح المقيم إذا صام مطيع، لأنه لو لم يصم كان عاصيا. والمريض والمسافر إذا صاما فليسا بمطيعين، لأنهما لو لم يصوما لم يكونا عاصيين. فكذلك القابل للفرض والفاعل له، مطيعان مؤمنان، هذا بقبوله وذاك بفعله، ولو كان القابل لو لم يقبل "لم" يكفر، والفاعل لو لم يفعل لم يكفر. فإن قيل: المريض إنما لم يعص بالفطر لأنه خير بين الصوم وبين الفطر. قيل: أليس التخيير غير حكم فطره ولم يغير حكم صومه، فلا تنكروا أن الدليل قد غير حكم ترك الطاعات ومنع من أن يكون ذلك كفرا، ولا يغير حكم فعلها، ولا يمنع من أن يكون إيمانا، وبالله التوفيق. فإن قال قائل: القبول لكل ما تجدد شرطه بمنزلة عادة الإيمان المتقدم، لأن الإيمان المتقدم اشتمل على القبول لما جاء به النبي ﷺ فسواء كان قد جاء بما بعث بع جملة، أو جاء به شيئا فشيئا. فالجواب: أنه لو كان إعادة بالتقدم لم يحتج إليه، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه لما بعث معاذ إلى اليمن قيل له: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، فإن هم أجابوك إلى ذلك، فأعلمهم أن عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)، فلو كان الاعتراف بالله ورسوله قبولا لكل ما يؤديه الرسول عن الله تعالى. قال لهم: فإن هم أجابوك إلى رسول الله فأعملهم أن عليهم الصلاة والزكاة. ولما لم يقل ذلك بل علق كل أمر من ذلك بإجابة إليه جديدة، صح أن التصديق المتقدم على سبيل الأعمال لا يعني عن القبول عند التفصيل. وأكد هذا وأوضحه أن قبول الفرض إنما يجب ويصح بعد الفرض ويستحيل أن يقع القبول لما لم يفرض. فثبت بهذا أن القابل للفرض عند الدخول في الإيمان، ليس قبول ما لم يفرض، لكنه التزام لقبوا ما يعرض، فإذا وقع الفرض وجب القبول والوفاء بما تقدم من التزامه، لا أنه يقع ملتزما مقبولا، ألا ترى أن الذين آمنوا بموسى وعيسى ﵉، وسمعوا منهما البشارة بالنبي ﷺ ، والتزموا الإيمان به أن لحقوا أيامه وأدركوا بعثه، فلو بعث

стр. 54

وهم أو بعضهم أحياء، لم يكونوا بمجرد تصديقهم المبشرين به بعينه، حتى يحدثوا إيمانا به وتصديقا له. فكذلك المصدق بالنبي ﷺ ، وإن التزم قبول ما يأتي به فذلك لا يجعله عندما يأتي به قابلا له ملتزما إياه. حتى يحدث له قبولا. فثبت أنه إذا قبل، كان ذلك القبول منه إيمانا حادثا وراء ما قدم من الإيمان، وانضمام الإيمان إلى الإيمان، فوجب ازدياد السابق باللاحق. فصح أن الإيمان قابل للزيادة، والله أعلم. ودل الكتاب على ما وصفت "قال الله : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ وقال ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا﴾. فبأن أن رشح الصدر بالحكم الحادث والتسليم له محتاج إليه، وإن كان التزام الإيمان بكل من يبعثه الله تعالى وبرسله قد تقدم، والله أعلم. وأيضا فإنه إذا ثبت إحداث القبول لما يحدث فرضه إيمانا، وكان القبول في هذا الوقت تنفيذ الملتزم منه الفرض، وجب أن يكون تنفيذ كل ملتزم إيمانا مثله، إذ لا فرق بين التزام قبول الصلاة إن شرعت، ثم قبولها عندما تشرع، وبين قولها إذا شرعت ثم فعلها إذا دخل وقتها، والله أعلم. ومما يدل على زيادة الإيمان ونقصانه قول النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا). فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وإن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم. فبعضهم أكمل إيمانا من بعض. فإن قال قائل: هذا من أخبار الآحاد، وكتاب الله أولى منه، والله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وليس بعد الكمال شيء! فثبت أن دين الله تعالى محدود ولا يحتمل زيادة عليه، ولا نقصاناً منه.

стр. 55

فالجواب: أن معنى قول الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد، ما لم أفرضه إلى اليوم. ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، ولا تغليظ من الآن ولا تخفيف، ولا نسخ ولا تبديل. وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل العلم لنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان. لأن الدين قد كمل وليس بعد الكمال شيء وإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلا وهو إيمان، فكذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئا فشيئا كلها إيمان. والكمال راجع إلى كمال الشرع والوضع لا إلى كمال أداء المؤدين له وقيام القائمين به والله أعلم. ثم إن في الجواب ما يشتق منه العلم بزيادة الإيمان، لأن الإيمان فرض دائم. ولكنه لما لم يكن في الوضع استدامة عقده بالقلب والإعراب عنه باللسان، جعل ما يقع من ذلك على الصحو كالمكرر على الدوام في كل وقت ما لم يتعقب بالنقص والإفساد. وإذا كان الدوام على الإيمان بمعنى التحديد في كل زمان، صح أن للمؤمنين في كل وقت إيمانا وذلك يوجب أن يكون كل متقدم منه مردادا بما يحث بعده، كما أنه إذا كانت في كل وقت صلاة، وجب أن يكون ما تقدم من صلاته مردادا بما يعقبها والله أعلم. وإن قال قائل: الزيادة على الإيمان لا تتحقق إلا وراء الإيمان، كما أن الزيادة على المكتوبات الخمس لا تكون إلا خارجة منها؛ والزيادة على الصيام لا تكون إلا وراء إيمانه والزيادة على الدين لا تكون إلا بعد إيفائه بتمامه فكذلك الزيادة على الإيمان، إن كانت فينبغي أن تكون بعد إيفاء الإيمان بتمامه وانتهائه إلى غايته، ثم الزيادة عليه. وإذا كان من قولكم أن إيمان المؤمن إنما ينتهي بتناهي عمره! فأنى يتوهم الزيادة عليه؟ فالجواب: أن الزيادة على الصلوات الخمس كما لا تكون إلا خارجة منها، والزيادة على الصيام المفروض لا تكون إلا خارجة منها، فكذلك الزيادة على الإيمان الذي هو بضع وسبعون شعبة، لو كانت، لم تكن إلا خارجة منها. ولكن الإيمان الذي يتشعب هذه (الشعب)، ينبغي أن تكون كل شعبة منها إيمانا. كما أن فرض الصلاة إذا انقسمت إلى خمس صلوات في خمسة أوقات، ثم انقسمت كل صلاة منها إلى ركعات، وجب أن تكون كل شعبة من هذه الشعب صلاة. وكما أن فرض الصيام إذا انقسم إلى أيام الشهر، كان صوم كل يوم صوما بالحقيقة وركنا.

стр. 56

كما أن الزيادة على الدين، وإن لم تكن إلا وراء الدين، فإن كل جزء من أجزاء الدين دين. فلذلك لما ثبت بالحديث: (إن الإيمان بضع وسبعون شعبة) وجب أن تكون كل شعبة منها إيمانا. وإذا وجب ذلك لزم أن تكون كل شعبة مما تقدمت تزداد بما يتبعها من شعبة مثلها. فيكون الآتي بجميع هذه الشعب كامل الإيمان، والآتي ببعضها ناقص الإيمان والله أعلم. فإن قال قائل: لو كانت هذه الشعب كلها إيمانا لاستحال أن يكون من يعرفها مؤمنا! فالجواب: إن هذه دعوى لا برهان عليها لأنه لا خلاف في أن الإيمان بأنبياء الله يصح على غير معرفة بعددهم وصفاتهم وأسمائهم. فكذلك الإيمان بكتب الله تعالى يصح من غير علم بما فيها، وقبول ما جاء به نبينا ﷺ يصح من غير علم بأركانها وشروطها. فكذلك الإيمان ممن لا يعلم في الحال شعبه وأبوابه والله أعلم. ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء (أنكن ناقصات عقل ودين، قفلن يا رسول الله: ما نقصان عقلنا وديننا؟ قال: أما نقصان دينكن، فهو أن الواحدة منكن تجلس نصف دهرها لا تصلي. وأما نقصان عقلكن فهو أن شهادة اثنتين منكن عدلت شهادة واحد). فإذا كانت المرأة لنقصان صلاتها عن صلاة الرجال تكون أنقص دينا منهم، مع أنها غير جانية بترك ما تترك من الصلاة، أفلا يكون الجاني بترك الصلوات انقص دينا من المقيم بها المواظب؟؟ وفي هذا ما أبان خطأ من يقول (إيماني وإيمان الملائكة واحد) مع أخبار الله بأنهم ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾. ومعنى التسابيح الصلاة لقوله : ﴿فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ليوم يبعثون﴾. وبقوله ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾. وكقوله : ﴿سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾.

стр. 57

فإذا كانت المرأة من أجل أنها انقص صلوات من الرجل انقص دينا منه، فينبغي أن يكون البشر الذيم يصلون كل يوم وليلة خمس صلوات انقص دينا من الملائكة الذين يصلون الليل والنهار لا يفترون. ثم وجب أن المستويين في مقدار الصلاة إذا كان أحدهما أكمل صلاة كان أكمل إيمانا. والملائكة أكمل صلاة من البشر لأن صلاتهم تخلص عن الإنكار التي لا يليق بها فربما أنسيت مرضا أو حدثت سهوا، وصلاة البشر لا تحلو من أمثالها فصح أنهم أكمل صلوات من البشر، فوجب أن يكونوا أكمل إيمانا. ودليل آخر: وهو أن المعطل وإن كان كافرا بتعطيله، فإن نصرته للتعطيل ودعوته إليه وذبه عنه كفر، والمشبه وإن كان كافرا فإنه كلما أحدث تشبيها كان قد أحدث كفرت مثبت أن المسلم كلما وحد الله وذكره واثنى عليه وقدسه وسبحه كان بذلك المستحدث إيمانا، قياسا على التعطيل إذا كان في أصله كفرا كان الإثبات في أصله إيمانا، وإذا كان التشبه والتشبيه كفرا، كان التوحيد والتقديس إيمانا. وفي هذا ما أبان أن الزيادة في التوحيد والذكر زيادة إيمان. والله أعلم. فصل وإذا صبت أن الإيمان يزيد وينقص، فتبين أنه كيف يزيد وكيف ينقص وبالله التوفيق أن الإيمان ينقسم إلى أصل وفرع، فأصله: الاعتقاد والإقرار. والفروع هي الطاعات كلها. وإنما كانت إيمانا لأن الإيمان هو التصديق. والتصديق الواقع بالقلب واللسان هو الذي يحرك على سائر الطاعات ويدعو إليها. وإنما يقع من المؤمن قصدا إلى تحقيق القول بالفعل وتسوية الظاهر بالباطن، ولأن الطاعة لا تكون إلا لأمر، كما أن الاعتراف لا يكون إلا لذي حق واجب. فلما كان الاعتراف إيمانا لما فيه من إشارة التعرف له والتصديق به، وجب أن تكون الطاعات لأوامره إيمانا له فيها من إثباته والتصديق به. وإنما قصد بالطاعة المبايعة للاعتراف، فجعلها فروعا. إن الاعتقاد والاعتراف باللسان يصح وجودهما في أنفسهما عاريين وراءهما، فإذا وجدا بعثا وحركا على غيرهما من العبادات، ولا يكون وجود الصلاة مثلا أو الصيام أو

стр. 58

الحج من أحد مع جحد الباري جل ثناؤه، أو جحد الرسول الجائي لهذه الفرائض، حتى إذا وجدت حركت وبعثت بعد الاعتقاد والاعتراف. فعلمنا أن الاعتقاد والاعتراف هما الأصل إذ كانا يصحان بأنفسهما. ثم لا يصح أن يقال هذا لأن الموجود من المقر هو المعتقد، وإذا صحا استتبعا غيرهما وإن نما وراءهما. وفروع إذا كانت تحتاج إلى معنى آخر يثبت قبلها ويستتبعها، ولم يجب عليها أن يصح بأنفسها ثم تستتبع غيرها، والله أعلم. فإن قيل: فالاعتقاد هو المحرك على الإقرار. فقل: إن الإقرار فرع وليس بأصل. قيل: لا يصح أن يقال هذا لأن الموجود من المقر هو المعتقد والموجود من المعتقد هو المقر به، وهما جميعا التوحيد الصريح. لأن الإقرار توحيد صريح، فلما كان أحدهما هو الآخر وإنما يختلفان في الآلة لا في أنفسهما، لأن أحد الفعلين باللسان والآخر بالقلب، لم يجز أن ينقسما إلى أصل وفرع. لأن الانقسام إنما يليق بعملين، وقد بينا أن الاعتقاد والإقرار عمل واحد. وأما سائر الطاعات فاتباع لهذين لأنهما اللذان يحركان عليها ويدعوان إليها كما تقدم وصفها، فلاق لها أن تكون فروعا لهما والله أعلم. وإذا ثبت أن الطاعات إيمان، فإن أصل الإيمان إذا حصل إثم تبعته طاعة زاد الإيمان المتقدم بها، لأنه إيمان انضم إليه إيمان كما يقتضيه، ثم إذا تبعت تلك الطاعة طاعة أخرى ازداد الأصل المتقدم بها لأنه إيمان انضم إليه إيمان والطاعة التي تلته بها، لأن الأصل كان يقتضي هذه من طريق أنه كان تحرك عليها لما فيها من تحقيق القول بالعمل، وتعديل الباطن بالظاهر والطاعة بالأولى كانت تقضيها أيضا لاشتراكهما في أمر الآمر بهما، فلا جائز أن يفرق بينهما في الفعل بعدما جمعهما الأمر الذي لأجله كان ما وجد منهما، ثم على هذا إلى أن نكمل شعب الإيمان هذه إحدى العلتين، والعلة الأخرى أن الطاعات لما كانت لا تكون إلا لأمر كانت إذا وجدت إثباتا له وتصديقا به كالإقرار. فإذا كان الإيمان هو التصديق فكلما انضم تصديق إلى تصديق فواجب أن يزداد الأول بالثاني ويتكثر به، فيقال زاد الإيمان، والله أعلم. وأما نقصان الإيمان فقد اختلف فيه، فقيل أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وقيل: بل ينقص كما يزيد! ومن قال هذا فللنقصان عنده تأويلان: أحدهما: أن نقصان

стр. 59

الإيمان انفراد أصله عن فروعه، أو انفراد أصله وبعض فروعه عما نفي منها مما اشتمل عليه الخطاب والتكليف. لأن النقصان خلاف الزيادة، فكلما وصفت به الزيادة وجدت، وجب أن يكون خلافه هو النقصان. فإذا قيل لمن آمن وصلى زاد إيمانه، وجب أن يقال لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فلم يصل أنه ناقص الإيمان!. وإذا قلنا لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فصلى، ولما وجبت عليه الزكاة منعها، أنه ناقص الإيمان! فمعنى ذلك أنه عدم منه فعل مأمور به، ولو وجد منه كان إيمانا في نفسه وزاد به متقدم إيمانه. فلما لم يكن أوجب ذلك انفراد إيمانه المتقدم عما كان من مقتضاه ومعناه في الحقيقة معناه كان ذلك ناقصا. والتأويل الثاني: أن نقصان الإيمان قد يكون من هذا الوجه، وقد يكون نقصانا يلحقه بارتفاع شعبة شعبة، كانت موجودة فبطلت عليه وارتفعت، فنقص إيمانه. يعني أن الزيادة التي كانت لإيمانه لأجل تلك الشعبة، فلما عدمت فحل النقص محلها وأخذ مكانها. وذلك عند قائل هذا القول أن يأتي الرجل بفرع أو أكثر من فروع الإيمان، لم يرتكب معصية وذلك أن هذه المعصية تحبط ما تقدمها من الطاعات بقدرها، فيصير ذلك القدر من الطاعة كأن لم يكن منه، وذلك إيمان كان حاصلا له، فلما حبط كان جزءا من إيمانه نقص. واحتج بصاحب هذه المقالة: أن المعاصي خلاف الطاعات، كما أن الكفر خلاف أصل الإيمان، فلما كانت الطاعات فروع الإيمان وجب أن تكون المعاصي فروع الكفر. ثم إذا وجب ذلك، وكان الكفر محبطا لأصل الإيمان إذا طرأ عليه، وجب أن تكون المعاصي التي هي فروعه محبطة بقدرها من الطاعات التي هي فروع الإيمان إذا طرأت عليها. فإذا قيل لهؤلاء إذا أجزتم أن تحبط المعصية قدرها من الطاعة، أتقولون أن المعاصي إذا تتابعت وكتبت، وقلت الطاعات فأحبطتها المعاصي، ولم يبق إلا أصل الإيمان، أن ما بقى من المعاصي يحبط من أصل الإيمان سببا؟. وما تقولون في كافر أسلم. فكان أول عمل أستقبله بعد إسلامه معصية واقعها انتقص تلك المعصية! من قالوا: كلا، الفرع لا يعترض على الأصل، وإنما يعترض الفرع على فرع مثله، وعلى الأصل أصل مثله، فيكون حاصل قول هؤلاء في نقص المعصية الإيمان. وأنها تنقص ما زاد على الأصل. فأما الأصل فغير محتمل النقصان. والأصل محتمل الزيادة

стр. 60

فجعلوا محل النقصان غير محل الزيادة، ودخلوا في معنى من يقول: الإيمان يزيد ولا ينقص وهم يشعرون. واحتج هؤلاء لقولهم بقول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. وإنما أراد بذلك أن رفع الصوت فوق صوته يوقع معصية، فيخرج إيمان الرافع ويحبط عمله. وإنما قال: ﴿أعمالكم﴾ لأن الخطاب للجماعة، فإذا أحبط لكل واحد منهم بعض عمله فإنما هي أعمال حبطت، والله أعلم. واحتجوا بقول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. قالوا: أبان الله تعالى بهذه أن العبادة قد تحبط مع بقاء الإيمان بجناية تكون من صاحبها. وقد روي عن سفيان بن عيينه أنه سئل عن الإيمان: هل يزيد؟ فقال: نعم. فقال: أينقص؟ قال: نعم، وقد أخاف أن ينقص حتى يذهب كله. وفي رواية أخرى أنه قال: ينقص حتى لا يبقى معك مثل هذا، وقلل أصابعه. وهذا ليس فيه الاحتراز الذي حكيته عن أصل القول الأول. وقد علم أن سفيان لم يكن ممن يكفر أهل القبلة بالذنوب، فإنما يخرج جوابه عن هذا: أن المعاصي تحبط الطاعات. بل يحترز عن هذه العبادة فلا يطلق أصلا، لأن عصاة المؤمنين يأملون من الله العفو إما ابتداء أو تفضلا أو بشفاعة النبي ﷺ . ومعلوم أن الله تعالى إذا عفا عنهم وضع السيئات وأثابهم على الحسنات، فلو كانت حبطت لم يكن للشفاعة ولا للعفو معنى! ألا ترى أن الكفر إذا أحبط الإيمان لم يكن فيما حبط منه شفاعة وكذلك لو حبط فروعه بالمعاصي لم يكن فيما حبط منها بشفاعة ثم بسنة، والله أعلم. أن تكون العبادة عن رأي سفيان أن حسنات المؤمن تصير مرتهنة بتبعات سيئاته، فإن عفا الله ﵎ عنه وزادت حسناته على سيئاته، وضع من ثواب حسناته بقدر ما يوازن الحسنات منها قصاصا بها، واستحق بما وراءها النار، وأصل الإيمان وفروعه في ذلك سوى، فيكون نقصان الإيمان من قوله نقصان ثوابه، ولعل ذلك يرجع إلى أنه ينقص من ميزانه، فلا يثقل به. ويكون وجه هذا أن حسنات المؤمن إذا صارت وقاية له من النار، فأولاها بذلك أصل الإيمان لأنه أقوى، فهو بالوقاية أولى.

стр. 61

وأيضا فإنه قد ثبت أن ثواب الإيمان قد ينقص سيئات المؤمن، وذلك أن الله جل وعز إذا لم يعف عن المؤمن المسيء فأدخله النار، وعذبه فيها مدة من المدد قد علم أن نقصا قد لحقه في ثواب إيمانه، لأن ثواب إيمانه- لولا سيئاته- كان يكون أن يدخل الجنة مع الداخلين ثم يبقى خالدا ولما وافى القيمة مسيئا تخلف عنهم، ففاته التنعم بالجنة مدة كونه في النار. وإذا كان هذا جائزا، لم يصح أن يجعل الأصل في الباب إلا التسوية بين أصل الإيمان وفروعه، في أن السيئة توجب ارتهان الحسنات بتبعاتها، إن كانت أحاطت بها أبطلت الثواب كله! وإن لم تحط بها من الثواب بقدر نفسها. فإن قيل لقائل هذا القول: فبما تقول فيمن استوت حسناته وسيئاته، فلم يكن من ثواب أصلها وفروعه شيء يعبد بعدما أجرت أن يكون هذا، ولا دار إلا الجنة والنار! أين يكون مأواه؟ فإن قلت: النار! فقد أخلفت لأنه ليس بكافر. وإن قلت: الجنة! فقد أحلت، لأنه إن كان مؤمنا فالجنة جزاء الإيمان، فمن لا جزاء له عند الله فأنى يستحق الجنة! فقد يشبه أن يكون جوابه في هذا الموضع: أن من كان بهذه الصفة، فإن الله ﵎ إما يمن عليه بالعفو عن سيئاته كلها أو بعضها، أو يشفع له النبي ﷺ فيعفو الله عنه السيئات أو بعضها، فإن غفر لها كلها أدخله بالعفو كما كانت مرتهنة من سيئاته والله أعلم. واحتج لهذا القول بأن النبي ﷺ قال: "من اقتنى كلبا ليس كلب صيد أو ماشية، نقص كل يوم من أجره قيراط". فقد أبان أن المعصية تعترض على أجر الحسنات، ولم يقل أنها تحبطها أو شيئا منها، ولم يفصل- مع ذلك- من أجر عمل وأجر عمل سواه، فكانت أجور الأعمال كلها في ذلك بمنزلة واحدة. ومما يحتج به للقوانين جميعا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما تعدون المفلس منكم؟ فقالوا: من لا درهم له ولا دينار! فقال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته فيدفع إلى الآخر فإذا لم يبق له حسنات، أخذت سيئات

стр. 62

هذا، فحملت عليه، ثم قذف في النار)، فأبان رسول الله ﷺ أن الظالم لا يقذف في النار ما لم يتبع بظلمه في حسناته لكن البداءة تقع بسلب الحسنات، فإذا نفذت عدل به إلى النار. فدل ذلك على أن كل عاص فهذا سبيله، ثم ذلك في القول الأول: أن تحبط سيئاته حسناته ما عدا أصل الإيمان. فإذا لم يبق له حسنة سوى أصل الإيمان تحبط سيئة عذب على سيئته بالنار والله أعلم، وفروعه سواء، فإذا لم يبق له ثواب وكانت له سيئة عذب عليها بالنار والله أعلم. وفي القول الثاني أن تحريم ثواب حسناته وأصل الإيمان وفروعه سواء، فإذا لم يبق له ثواب وكانت له سيئة عذب عليها بالنار والله أعلم. ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول: أصل الإيمان يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها ببعض، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان. والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأبدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها. كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها. وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيمانا. فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفرا. فإن قال: حسنات الكافر فروع الإيمان كما أن سيئات المؤمن فروع الكفر. قيل: ذلك محال! لأن الفرع يقتضي أصلا يصدر عنه، فإذا لم يكن في المؤمن كفرا استحال أن تكون منه فروع الكفر. وإذا لم يكن من الكافر إيمان استحال أن يكون منه فروع إيمان. فإن قال: لو بطل أن تكون سيئات المؤمن من فروع الكفر لبطل أن تكون حسنات الكافر من فروع الإيمان، فبطل أن نكون سيئات المؤمن معاصي لبطلان أن تكون حسنات الكافر طاعات.

стр. 63

قيل: من لا يلزم هذا لأن الطاعة والمعصية لا تكونا إلا لأمر. ولأن الطاعة موافقة للأمر وامتثاله، فمن لا يثبت الأمر لا يمكن أن تؤخذ منه طاعة. والعصيان مفارقة الأمر، فمن أثبت الأمر أمكن وجود مفارقته منه، والمؤمن يثبت له فيصح وجود العصيان منه وبالله التوفيق. فإن قيل: فإن لم تكن معاصي المؤمن من فروع الكفر، فما هي؟ قبل: ليس بواجب أن تكون المعصية إلا فرع للكفر، لأن العصيان كما ذكرنا مفارقة الأمر، وليس الداعي إلى مفارقة الأمر الكفر وحده، ولو كان كذلك لاستحال وجود معصية من المؤمن. ولكن الهوى وحب الشهوات داع إلى المعصية، كما أن الكفر داع إليها. وإنما توجد المعصية من المؤمن إجابة منه للهوى، ومثلا منه إلى قضاء شهوته، وليست تقع منه قصدا إلى خلاف الباري جل ثناؤه. ولو وقعت لهذا لكانت كفرا. فأما الطاعة فلا داعي إليها إلا تعظيم الأمر وابتغاء مرضاته ولهذا لم يصح وجودهما من الكافر، فلهذا كانت طاعة المؤمن كلها فروعا لإيمانه، ولم تكن معاصيه كفرا ولا من فروع الكفر، وبالله التوفيق. وإذا كان الأمر على ما وصفت كان الجواب عن قول القائل: إن لم تكن معصية المؤمن من فروع الكفر: فما هي؟ أن يقال: هي من فروع هواه ووقوع شهواته. والكفر أيضا من فروع هواه وشهواته، والكفر والمعاصي من ينبوع واحد. فأما أن تكون معاصي المؤمن فروعا لكفر غير موجود منه، فذلك محال! وإذا استحال هذا لم يجز أن يقال: أنها تحبط حسناته وطاعاته. لأن الإيمان كما لا يبطل إلا بالكفر، فكذلك فروعه لا تبطل إلا بالكفر، إذ الطاعات إيمان ولا ضد للإيمان إلا الكفر والله أعلم. ومما يدل على فساد هذا القول أيضا أنه يؤدي إلى المحال، لأن قائله يقول: أن السيئات تحبط الحسنات ما وجدتها، فيتخلص المسيء بما يخطر من حسناته من عذاب النار، حتى إذا لم يبق أصل الإيمان فعمل سيئة هلك وحقت عليه النار، وهذا محال. لأن الحسنة إنما كانت تقي صاحبها النار، فأولى بذلك حسنة الإيمان نفسه، لأنه أصل، ولا أصل أقوى. فينبغي أن يكون أحصن وأوفى. فأما أن يكون ما دونه يكمل لدفع النار عن صاحبه، والأصل لا يكمل لذلك فهذا لا يبين له وجه. وبالله التوفيق.

стр. 64

فإن قال صاحب هذا القول: إني لا أقول ما يؤدي إلى المحال الذي ذكرت، ولكني أقول: أن كل معصية فهي تهبط من الطاعة المتقدمة بقدرها، فإذا أحاطت المعاصي بالطاعات التي دون الإيمان أحبطتها، والعذاب مع ذلك واجب على صاحبها إلا أن يعفو الله تعالى عنه، فلا أقول أن بطلان الطاعة عذاب المعصية دون النار، بل هو كما أجمع المسلمون عليه من أن المسلم إذا ارتد حبط ما مضى من إيمانه، ثم لا يكون ما يبطل من ثواب إيمانه جزاء كفره حتى لا يدخل النار، بل النار جزاؤه لإحباطه إيمانه. فكذلك معصية المؤمن إذا أحبطت طاعاته إلى دون الإيمان، كان جزاء إحباطه إياها النار. وإذا كان هذا هكذا: وكانت الطاعة إيمانا، فحبطت بالمعصية، فقد تحقق نقصان الإيمان بالمعصية. قيل له: إن الذي ظننته لا يصح لأن ثواب الطاعة إذا بطل لأجل المعصية فقد سلب فائدة الطاعة. فوجب أن يسقط بذلك ضرر المعصية. ولو جاز أن يحرم ثواب الطاعة- ومع ذلك يعذب بالنار على المعصية- جاز أن يعذب مرتين. فأما المرتد فليس له عند الله ثواب. فمن وافاها كافرا فلا وعد له منه. فإن قال قائل: إنما وعد ثواب الطاعة من يوافي بها يوم القيامة، ولم يواف بها من أحبطت معاصيه طاعته. قيل: لو لم يواف بها لم تنفعه الشفاعة كما لا تنفع المرتد، ولما نفعته صح أن قد وافى بها. وأيضا فإن من الفروق بينهما أن المرتد ناقص الإسلام بالكفر، والنقض حرام عليه. فإذا وجد منه حبط إسلامه بنقضه إياه، واستحق العذاب على النقض. وأما المحسن بإقام الصلوات وإيتاء الزكوات، إذا زنا أو سرق أو شرب، فليس ينقض شيئا من ذلك ما قدم من طاعاته، لأن الزنا ليس ضد الصلاة، فيصير ناقضا له بها. ألا ترى أن هذا هكذا يكون في أحكام الدنيا. فإن المرتد يكلف إعادة عقد الإيمان، والزاني بعد صلاته لا يكلف إعادة الصلاة، والسارق بعد صيامه وزكاته لا يكلف إعادة صومه وزكاة ماله. وإذا كان هذا هكذا، صح أن الزنا إن أحبط الصلاة أو شيئا منها، فليس يمكن أن يكون ذلك إلا على وجه معاقبة الزاني على الزنا بحرمان ثواب الصلاة عنه. فإن كان كذلك واقعا فلا ينبغي أن يعذب مع ذلك بالنار، فيكون كمن عذب مرتين، وبالله التوفيق.

стр. 65

وأما قول الله : ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. قد يخرج على غير ما قاله المحتج به، وهو أن يكون المعنى: لا تحملنكم أيها المهاجرون هجرتكم معه، ولا أيها الأنصار إيواؤكم إياه على أن تضيعوا حرمته وترفعوا أصواتكم فوق صوته. فتكونوا بذلك صارفين ما تقدم منكم من الهجرة أو الإيواء أو النصرة، فمن ابتغاء وجه الله به إلى عرض غيره ووجه سواء، فلا تستوجبوا مع ذلك أجرا. ويخرج على وجه آخر وهو أن يقال: لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، فإن ذلك قد يبلغ حد الإزراء به والاستخفاف له، فتكفروا وتحبط أعمالكم، إلا أن تتوبوا أو تسلموا. وكذلك قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. فليس على: أن المن يحبط الصدقة. فيجب على قياس ذلك: أن ضرب المتصدق عليه- ظالما له- حبطت صدقته، وإنما وجهه: أن الصدقة ينبغي بها وجه الله، وهو المأمول منه ثوابها. فإذا من المتصدق على السائل وأذاه بالتعبير، فقد صرفها عن ابتغاء وجه الله بها إلى ما يؤذي به السائل، فحبط أجره عند الله تعالى، لهذا وصل عند المتصدق عليه مع ذلك لأنه إن كان حباه فقد آذاه، وإن أعطاه لقد أجزاه. ولو كان ذلك على معنى إفساد الطاعة بالمعصية، لم تختص بالبطلان صدقته ويحبط من جملة طاعاته جزء غير معلوم للعباد، فإن الرجل لو أعتق عبدا ثم قتله، أو قطع من أطرافه طرفا، لم يحبط- عند قائل هذا القول- عتقه بعينه، وإنما يزعم أنه من يحبط من طاعاته شيء غير معلوم عندنا. وهكذا لو تصدق على محتاج بصدقة، ثم ضربه أو جرحه، لم يقل أن صدقته بعينها هي التي تحبط فلما أحبط الله الصدقة الماضية بالمن والأذى، علمنا أن وجه إبطالها ما ذكرنا، والله أعلم. فهذا ما يدخل هذا، وأما الوجه الآخر: وهو أن الحسنات يرتهن بتبعة السيئات فيخرج المخرج من ثواب إحسانه ما يوازي تبعة سيئته، وقد يمكن أن تحبط السيئات بالحسنات أصلها وفرعها فلا يبقى للمؤمن عند الله ثواب. فإن من الطعن على هذا القول ما يشمله والذي يقدمه وهو أن سيئات المؤمن متناهية الجزاء، وحسناته ليست بمتناهية، لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، وما دام خالداً فيها فلا

стр. 66

يخلو من التنعم بها والتقلب في نعيمها، وإنما يكون الجزاء بالحسنة عشرا أو أكثر، من طريق أنه يكون له في نفسه مقدار مقدر، إلا أن ذلك المقدار يكون دائما لا يسلم إليه جملة وقتا واحدا، ثم لا يعاد له، كضيف تقدر له في اليوم والليلة أشياء معلومة إلا أنه تكون له جارية ما دام نازلا من أضيافه، وإذا كان كذلك لم تبلغ السيئات- وإن كثرت- أن تحبط بثواب حسنة واحدة من حسنات المؤمن، فضلا عن أن تحبط بجميعها، لأن الخلود لا غاية له، فلا يتوهم أن تكون البيعة المتناهية التي يستحقها المؤمن بسيئته تأتي على ثواب حسنة لا نهاية له، فيصح أن هذا من القولين، في أنفسهما باطلان، فلا إحباط حسنة فضلا عن حسنات جائز بسيئة أو بسيئات، ولا أخذ ثوابها كله عن بيعه سيئة أو سيئات يقبل أو يستقيم. فصح أن الإيمان لا ينقص من طريق إحباط الحسنة بالسيئة، ولا ينقص من ميزان المؤمن أصلا بذهاب جميع ثوابها منه. والله أعلم. فأما قول النبي ﷺ : (من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان)، لأن المعنى لو كان غير هذا لم يظهر مقدار المنقوص ولو يعلم أن القيراطين كم ينقصان، وإذا كان المعنى ما ذكرت، فإنما هو محرم لأجل هذه السيئة بعض ثواب عمله. ولسنا ننكر جواز أن يحرم الله تعالى المؤمن بعض أجزاء عمله، ويقلل ثوابه لأجل سيئة أو سيئات تكون منه، وإنما أنكرنا قول من يقول: أن السيئة تحبط الطاعة أو توجب إبطال ثوابها أصلا، وذلك لم يأت به من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ خير ولا يمكن أن تكون ماء شرب الخلود للمؤمنين في الجنة والله أعلم. فإن قال قائل: فما تقول في المؤمن إذا خلط عملا صالحا وآخر سيئا! قيل: أمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء أدخله النار وعذبه بسيئته، ثم أخرجه إلى الجنة فأثابه بإيمانه والصالح من عمله، وإن شاء حرمه من جملة ثواب الصالح من عمله، ما يكون كفء للعقاب الذي استحقه، فكان ذلك جزاءه، ووقاه به عذاب النار، وليس يمكن أن يقطع من هذه الوجوه بشيء، وبالله التوفيق. وبان ما ذكرناه أن الإيمان لا ينقص بالإطلاق من هذين الوجهين، وإن نقصان الإيمان أن

стр. 67

يتجرد عن الأعمال التي يقتضيها وفيها تحقيقة، ولو وجدت لكان زائدا متكثرا لها، فهو نقصان إضافة تجرده عن فروعه إلى حال إيصال فروعه به، وهو نقصان بإضافة الإيمان، من كان هذا صفاته إلى الإيمان من اتصلت فروع إيمانه به، وقد أخبر النبي ﷺ : (أن المرأة تكون ناقصة من أنها تجلس نصف دهرها لا تصلي) وذلك على معنى أن صلاتها تنقص في العدد عن صلاة الرجل، فعلمنا أن نقصان الدين ونقصان الإيمان إنما يكون بتكامل عدد شعبها وتناقصه، إذا كانت سيئاته الكثيرة لا توازي تبعاتها ثواب حسنة واحدة من حسناته، لم يكن ميزانه إلا ثقيلا، ولم تكن حسناته إلا أكثر بكثرة ثوابها وأربابه على تبعات سيئاته، فلا معنى للوزن إذا! فالجواب: أن الميزان الثقيل الذي وصفه الله ﵎ هو ميزان المؤمن الذي يوافي القيمة بلا كبائر، أو تائبا من الكبائر إن كانت له، فهذا الذي قابل الله ﵎ بينه وبين الكافر، فميزان الكافر يخف، لأنه إذا وضع كفره وفروع كفره في كفه، لم توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فيقع الارتفاع. وميزان المؤمن الذي وصفناه يثقل لأنه إذا وضع إيمانه وفروع إيمانه في كفة، لو توجد كبيرة توضع في الكفة الأخرى، فيثقل بالخير ميزانه. كما خلا من الخير للكافر ميزانه. ألا ترى أنه جل وعز لما وصف المؤمن بهذه الصفة كيف قطع بأنه يفلح، وأنه في عيشة راضية، فبان بذلك أنه أراد بالمؤمن المطلق الذي لم يواف القيمة مع إيمانه بكبيرة، وذلك لا يرفع أن يكون في المؤمنين من يكون حاله غير هذا، إلا أنه لم يذكر، لأن الموازنة كانت بين الكافر وبين المؤمن. فاقضى ذلك أن يكون من المؤمنين من يخالف الكافر بالإطلاق، وإنما توازن أعمال المؤمن الذي ذكرنا لإظهار فضله، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن بمكياله على فراغه، وخلوه من كل خير، وكذلك توزن أعمال المؤمن التقي تحسنا لحاله وإشادة بخلوه من كل شر، وتبريئا لأمره على رؤوس الإشهاد. وأما المؤمن الذي يوافي القيامة بكبيرة أو كبائر، فإن لميزانه حالا أخرى- سوى حال المؤمن التقي، وحال الكافر المخزي- وهو أن تكون كفتا ميزانه ثقيلتين، لأن في كل واحد منها ما يحتمل الوزن، غير أن كفة الحسنات تكون أثقل لأن مع الحسنات أصلها

стр. 68

وهو الإيمان، وليس مع السيئات أصلها وهو الكفر، ولأن الحسنات أريد بها وجه الله تعالى، والسيئات لم يرد بها مخالفة الله تعالى، فإذا ظهر بالوزن قدر السيئات صارت بذلك المقدار معارضة للحسنات إن كان ثقلها كنصف ثقل الحسنات أو كثلثه، أو كربعه جرى من أمره على ما ذكرنا قبل هذا، وهو أن الله تعالى إما أن يعفو عن سيئاته، وإما أن يعذبه عليه بالنار، وإما أن ينقص عن ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات، فيفوته بعض ثواب طاعاته ويبقى له بعضه، والله أعلم. فأما قول السائل: لو كانت سيئات المؤمن لا توازي تبعاتها ثواب حسنة من حسناته، فلم توزن أعماله؟ فجوابه: أن ثواب الحسنة وإن كان دائما لا ينقطع، فإن الأعمال هي الموزونة لا جزاؤها، إلا أن الأمر إذا آلت إلى الجزاء فغير ممكن أن تحبط سيئته أو سيئات حسنة، لأن جزاء السيئة مثلها إلى وقت معلوم. وجزاء الحسنة أمثالها دائما لا إلى وقت مخصوص. فلئن أبطل ثواب الحسنة كله لأجل السيئة، فإنما يبطل إلى مثل الوقت الذي كان يمتد إليه عذابه بالسيئة لو عذب، أو إلى وقت ما في الجملة، ولا بد من أن يكون الثواب فيما بعد ذلك واصلا إليه. فلا يصح مع هذا إحباط الحسنة بالسيئة ولا بالسيئات ولا الاشتغال بتفريغ أن السيئات إذا أحبطت الحسنات كلها فلم يبق إلا الإيمان. فهل يمكن أن يخلص الإحباط أو لا يمكن؟، ولا الحاجة تدعو إلى الاحتراز من اسم الإحباط بالعدول إلى اسم ارتهان الحسنات بتبعة السيئات والله أعلم. فصل وهذا الذي ذهبنا إليه في الإيمان هو المروي عن النبي ﷺ . روى علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵈ عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان معرفة بالقلب وإقرار

стр. 69

باللسان وعمل بالأركان)، ومن قبل هذا فقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله صلوات الله عليه أنه قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى! قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾. ومعلوم أن طمأنينة القلب بصدق وعد الله، أو بقدرته على ما خبر أنه فاعله، إيمان فإنما يسأل الله تعالى ما يزيده إيمانا على إيمان، فثبت بذلك أن الإيمان قابل للزيادة، فإن قيل: إنما سأل الله تعالى أن يضطره إلى العلم بإجابة الموتى والتصديق بما وقع العلم به ضرورة، ولا يكون عبادة. قيل: لم يسأل الله تعالى أن يضطره إلى العلم بإحيائه الموتى للقيمة، ولا الله تعالى فعل ذلك به، وإنما سأله أن يريه كيف يحيي الأجساد بعد موتها وتقطعها، فأراه ذلك عيانا في أربعة من الطير، وليس ذلك باضطرار إلى أن الناس يحيون بعد موتهم، لكنه أكد لليقين المتقدم بأن الله تعالى قادرا على إحياء ما أمات وجمع ما يفرق، ثم ما ينشأ عن المشاهدة من ذلك في الطير. من العلم بأن الذي قدر على ذلك لا يعجزه مثله في الناس استدلال لا ضرورة، وهو فصل الإيمان في المؤمن يعرض للزيادة والله أعلم. ومما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب قوله: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فبان بهذا الحديث أن الطاعات إيمان، ولولا ذلك لم يكن الإنكار بالقلب إيمانا أضعف من الإنكار باللسان واليد، والله أعلم. وفي الباب مما جاء عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين. فما جاء عن الصحابة ما يروى عن عمر ﵁ أنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم. وعنه: أنه كان يخرج إلى الخلق فيقول: تعالوا نزدد إيمانا! ومنه ما جاء عن علي ﵁، أن رجلا سأله عن الإيمان فقال: الإيمان على

стр. 70

أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد. وعنه أنه قال: الإيمان يبدو لمظة في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة. وقيل ما حده في اللمظة التي هي الذوقة وهو أن يلمظ الإنسان بلسانه أو الدابة شيئا يسيرا، أي يذوقه. فكذلك القلب يدخله من الإيمان شيء يسير، ثم يشيع فيه فيكثر. وعنه أنه قال: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، وعنه: لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق، وحتى يدع الكذب في الممازحة. وعنه أنه قال: الطهور نصف الإيمان. وعنه: من لم يصل فهو كافر، وعنه: من ترك صلاة واحدة متعمدا فقد برئ من الله، وبرئ الله منه. وعن عبد الله بن عمر ﵁: لن يصيب رجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء، وهو يعلم أنه صادق، ويترك المزاحة في الكذب. وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال لأصحابه: اجسلوا بنا نؤمن ساعة. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: من لم يصل فلا دين له. وعنه: الصبر نصف الإيمان. وعنه: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وسيصلي قوم ولا دين لهم، وعنه: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بما وافق السنة. وعنه: ثلاث من كن فيه فهو منافق: كذوب إذا حدث، مخلاف إذا وعد، خائن إذا اؤتمن، فمن كانت منهن فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. وعنه: ينتهي الإيمان إلى الورع، ومن أفضل الدين أن لا تنال مالا، فكل من ذكر الله. وعنه: لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتى يحل بذروته، حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، وحتى يكون التواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامه سواء. وفسره أصحاب عبد الله: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، وحتى يكون التواضع في طاعة أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء.

стр. 71

وعنه أنه كان يقول: اللهم زدني إيمانا ويقينا، وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السلام للعالم. وعنه قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، أن تنفق وأنت مقل، تعلم أن الله سيخلف لك، والإنصاف من نفسك إذا كان بينك وبين أحد شيء فلا تمش به إلى سلطان، فإنك إذا مشيت به إلى السلطان فلم تترك، وبذل السلام للعالم. وعن حذيفة بن اليمان ﵁: الإسلام ثمانية أسهم: فالإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وصوم رمضان سهم، وحج البيت سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له. وسئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به؟ وعنه أنه قال: إني لأعرف أهل دينين في النار: قوما يقولون أن الإيمان كلام وإن قتل الرجل أباه وأنه وعمل المعاصي، وقوما يقولون: ما بال أولاء يقولون خمس صلوات وإنما أمرنا أن نصلي أول النهار وآخره!. وعنه قال: يخرج من النار من كان في قلبه دون شعيرة من الإيمان، ومن كان في قلبه حبة من خردل من إيمان. وعنه: قال: أول ما تفقدون من دينكم التخشع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة. وعن عبد الله بن رواحة ﵁ أنه كان يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا فلنؤمن ساعة، فلنذكر الله ونزداد إيمانا. تعالوا لنذكر الله بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته، فهش القوم للذكر واشتاقوا، فقالوا: اللهم لو نعلم الذي هو أحب إلينا لفعلنا. فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾. وقال أبو الدرداء: كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني مقبلا ضرب بين يدي، وإذا لقيني مدبرا ضرب بين كتفي. ثم يقول: عويمر اجلس بي نؤمن ساعة. فنجلس نذكر الله، ثم يقول: عويمر هذه مجالس الإيمان.

стр. 72

وعن أبي الدرداء وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص، ولا يخرج هذا إلا على أن يكون قولا وعملا. وعن ابن عباس في قول الله : "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". قال: والعمل الصالح يرفع الكلام الطيب. وعن عمرو بن حبيب، وكان بائع رسول الله ﷺ قال: إن الإيمان زيادة ونقصان. قيل: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادة، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه. وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا غلمانا جزاوره مع رسول الله ﷺ ، فيعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم يعلمنا القرآن. فازددنا به إيمانا. وأنكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان). وأما التابعون ومن دونهم فإنه جاء عن عروة بن الزهري ﵁ أنه قال: ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه. وأما عطاء بن أبي رباح، فإن معقل بن عبد الله قال: قلت لعطاء بن أبي رباح أن ناسا يقولون: إنه ليست في الإيمان زيادة. فقال: أرأيت حين يقول الله : ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾. فما هذا الذي زادهم لعمري أن في الإيمان لزيادة. قال: قلت أنهم يقولون أن الصلاة والزكاة عمل وليسا من الإيمان. قال: أفرأيت حين يقول الله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين لع الدين، حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ فما هذا إذا؟ قال: قلت قد يحلل هذا إثنا عشر شبخا، قال: يحيى بن سعيد: عمر بن در وأصحابه. قال: لا، والله الذي لا إله إلا هو ما كان من هذا قط. قال: فذكرته للزهري. فقال: سبحان الله، قال رسول الله ﷺ : "لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا ينهب نهبه والناس يرمونه بالحدق وهو مؤمن". قلت: فأين المنتهب؟ قال بيده، الغزو.

стр. 73

وقال عبد الله بن معقل: سألت الزهري وعطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران عمن يزعم أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان. فكلهم قال: هما من الإيمان. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ست خصال من فعلهن فقد استكمل الإيمان. قتل أعداء الله بالصف، والصيام في شدة أيام الصيف، وتعجيل الصلاة يوم الغيم، وإكمال الوضوء في اليوم الشاتي، والصبر على المعصية، وترك الجدال وأنت تعلم أنك صادقا. وعن الحسن بن أبي الحسين قال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ قال: الكلام الطيب يرفعه العمل الصالح. يعرض القول على العمل، فإن وافق القول العمل وإلا رد. وعنه ﵀ قال: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتجلي ولكنه ما وقر في القلب وصدقة العمل. وعنه قال: الإيمان قول وعمل. وعنه قال: لو شاء الله لجعل هذا الدين قولا لا عمل فيه، ولكن جعل دينه قولا وعملا، وعملا وقولا، فمن قال قولا حسنا وعمل سيئا رد قوله عليه عمله، ومن عمل صالحا رفع قوله عمله. وعن الأوزاعي ﵁ قال: أدركت الناس وهم يقولون: الإيمان كلام ولا يفرقون بين الإيمان والعمل. وعنه قال: لا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم العمل إلا بنية موافقة للسنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما تجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله، فتلك العروة الوثقى لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. وعنه قال في كلام ذكره: ويقولون أن فرائض الله على عباده ليست من الإيمان، وأن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وأن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء. وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ ، بلغنا أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون بابا أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان). وقال:

стр. 74

وقال الله جل ثناؤه: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك. وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ والدين هو التصديق وهو الإيمان. وصف الله تعالى الدين قولا وعملا فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فالتوبة من الشرك هي الإيمان والصلاة والزكاة عمل. وعن عبيد الله بن عمر قال: ليس الإيمان بالتجلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل، وعمل يعمل. وعنه قال: من صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة فيدعها، لا يدعها إلا لله، ومن صدق الإيمان وبره إسباغ الوضوء في المكاره وعد أمورا سواه. وعن مجاهد قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب إلى عدي بن عدي: أن للإيمان سننا وفرائض وشرائع وحدودا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، وإن أعش بنتها لكم. وإن أمت فوالله ما أنا على صحبتكم بمريض. وعن وهب بن منبه ﵁ قال: الإيمان يشبه الماء، البحر ماء، والغدير ماء، والماء في القدح ماء، والماء في المحارة، فتفاضل الإيمان مثل البحر والمحارة. وعنه أن رجلا قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى! وليس مفتاح إلا وله أسنان. فمن أتى الباب بأسنانه فتح له، ومن لم يأته بأسنانه لم يفتح له. وعنه قال: الإيمان قائد والعمل سائق والنفس حرون بينهما. فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن شيئا، فإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن شيئا وإذا قاد القائد وساق السائق تبعتها النفس طوعا أو كرها. وعن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم بالرجال، قيل لي: أي هؤلاء خير؟ قلت لسائلي: أتعرف أنصحهم لهم، فإن عرفه عرف أنه خيرهم، ولو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال. فقيل لي: أي هؤلاء شرهم. فقلت لسائلي: أتعرف أغشهم لهم، فإن عرفه عرفت أنه شرهم، أنه منافق برئ من الإيمان، لو شهد عليه بذلك لشهدت أنه في النار، ولكني أخاف على

стр. 75

خيرهم وأرجو لشرهم، فإذا خفت على خيرهم فكيف خوفي على شرهم، وإذا رجوت لشرهم، فكيف رجائي لخيرهم، هكذا السنة. وعنه قال: فقد الحواريون نبيهم، فخرجوا يطلبونه فوجدوه يمشي على الماء. فقال له رجل منهم: يا نبي الله! قال: تعال. فذهب يضع رجله، فإذا هو قد نغمر. فقال: هات يدك يا فقير الإيمان. وعن ابطأه بن المنكور قال: الإيمان قول وعمل لا يفرق بينهما، وأما الضحاك بن مزاحم فإن له في هذا الباب رسالة بليغة وهي. أن أحق ما بدأ به العبد من الكلام أن يحمد الله ويثني عليه. والحمد لله نحمده ونثني عليه بما اصطنع عندنا إذ هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومن علينا بنبينا محمد ﷺ ، وأن دين الله الذي بعث به نبيه ﷺ هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام، وبه أرسل المرسلين قبله فقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والتصديق والإقرار بما جاء به من عند الله. والتسليم لقضاء الله، والرضى بقدره. من كان مؤمنا يحرم دمه وماله. ووجب له ما يجب للمسلمين من الحقوق، ووجب عليه ما يجب على المسلمين من الأحكام، ولكن لا يستوجب ثوابه، ولا ينال الكرامة إلا بالعمل به، والعمل به إتباع طاعة لله، وإتباع طاعة الله أداء الفرائض واجتناب المحارم والاقتداء بالصالحين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والمحافظة على إتيان الجمعة، والجهاد في سبيل الله، والاغتسال من الجنابة، وإسباغ الطهر، وحسن الوضوء للصلاة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وصلة ما أمر الله به أن يوصل، وحسن الخلق إلى الخلطاء، ومعرفة حق كل ذي حق من والد ووالده، ومن قرابة ويتيم ومسكين وابن السبيل وسائل وغارم ومكاتب وجار وما ملكت اليمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله والبغض فيه، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والحكم بما أنزل الله، وطاعة أولي الأمر في الكره والرضى، والوفاء بالعهد، والصدق في الحديث، وإنجاز الوعود، والوفاء بالنذر، وحفظ الأمانة من كتمان السر
следующие страницы →