Полный текст (1 512 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وعنه أنه كان يقول: اللهم زدني إيمانا ويقينا، وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السلام للعالم. وعنه قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، أن تنفق وأنت مقل، تعلم أن الله سيخلف لك، والإنصاف من نفسك إذا كان بينك وبين أحد شيء فلا تمش به إلى سلطان، فإنك إذا مشيت به إلى السلطان فلم تترك، وبذل السلام للعالم.
وعن حذيفة بن اليمان ﵁: الإسلام ثمانية أسهم: فالإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وصوم رمضان سهم، وحج البيت سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له.
وسئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به؟ وعنه أنه قال: إني لأعرف أهل دينين في النار: قوما يقولون أن الإيمان كلام وإن قتل الرجل أباه وأنه وعمل المعاصي، وقوما يقولون: ما بال أولاء يقولون خمس صلوات وإنما أمرنا أن نصلي أول النهار وآخره!. وعنه قال: يخرج من النار من كان في قلبه دون شعيرة من الإيمان، ومن كان في قلبه حبة من خردل من إيمان. وعنه: قال: أول ما تفقدون من دينكم التخشع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة.
وعن عبد الله بن رواحة ﵁ أنه كان يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا فلنؤمن ساعة، فلنذكر الله ونزداد إيمانا. تعالوا لنذكر الله بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته، فهش القوم للذكر واشتاقوا، فقالوا: اللهم لو نعلم الذي هو أحب إلينا لفعلنا. فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾. وقال أبو الدرداء: كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني مقبلا ضرب بين يدي، وإذا لقيني مدبرا ضرب بين كتفي. ثم يقول: عويمر اجلس بي نؤمن ساعة. فنجلس نذكر الله، ثم يقول: عويمر هذه مجالس الإيمان.
стр. 72
وعن أبي الدرداء وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص، ولا يخرج هذا إلا على أن يكون قولا وعملا.
وعن ابن عباس في قول الله : "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". قال: والعمل الصالح يرفع الكلام الطيب.
وعن عمرو بن حبيب، وكان بائع رسول الله ﷺ قال: إن الإيمان زيادة ونقصان. قيل: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادة، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.
وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا غلمانا جزاوره مع رسول الله ﷺ ، فيعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم يعلمنا القرآن. فازددنا به إيمانا. وأنكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان).
وأما التابعون ومن دونهم فإنه جاء عن عروة بن الزهري ﵁ أنه قال: ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه. وأما عطاء بن أبي رباح، فإن معقل بن عبد الله قال: قلت لعطاء بن أبي رباح أن ناسا يقولون: إنه ليست في الإيمان زيادة. فقال: أرأيت حين يقول الله : ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾. فما هذا الذي زادهم لعمري أن في الإيمان لزيادة. قال: قلت أنهم يقولون أن الصلاة والزكاة عمل وليسا من الإيمان. قال: أفرأيت حين يقول الله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين لع الدين، حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ فما هذا إذا؟ قال: قلت قد يحلل هذا إثنا عشر شبخا، قال: يحيى بن سعيد: عمر بن در وأصحابه. قال: لا، والله الذي لا إله إلا هو ما كان من هذا قط. قال: فذكرته للزهري. فقال: سبحان الله، قال رسول الله ﷺ : "لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا ينهب نهبه والناس يرمونه بالحدق وهو مؤمن". قلت: فأين المنتهب؟ قال بيده، الغزو.
стр. 73
وقال عبد الله بن معقل: سألت الزهري وعطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران عمن يزعم أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان. فكلهم قال: هما من الإيمان.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ست خصال من فعلهن فقد استكمل الإيمان. قتل أعداء الله بالصف، والصيام في شدة أيام الصيف، وتعجيل الصلاة يوم الغيم، وإكمال الوضوء في اليوم الشاتي، والصبر على المعصية، وترك الجدال وأنت تعلم أنك صادقا.
وعن الحسن بن أبي الحسين قال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ قال: الكلام الطيب يرفعه العمل الصالح. يعرض القول على العمل، فإن وافق القول العمل وإلا رد. وعنه ﵀ قال: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتجلي ولكنه ما وقر في القلب وصدقة العمل. وعنه قال: الإيمان قول وعمل. وعنه قال: لو شاء الله لجعل هذا الدين قولا لا عمل فيه، ولكن جعل دينه قولا وعملا، وعملا وقولا، فمن قال قولا حسنا وعمل سيئا رد قوله عليه عمله، ومن عمل صالحا رفع قوله عمله.
وعن الأوزاعي ﵁ قال: أدركت الناس وهم يقولون: الإيمان كلام ولا يفرقون بين الإيمان والعمل. وعنه قال: لا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم العمل إلا بنية موافقة للسنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما تجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله، فتلك العروة الوثقى لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.
وعنه قال في كلام ذكره: ويقولون أن فرائض الله على عباده ليست من الإيمان، وأن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وأن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء. وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ ، بلغنا أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون بابا أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان). وقال:
стр. 74
وقال الله جل ثناؤه: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك. وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ والدين هو التصديق وهو الإيمان.
وصف الله تعالى الدين قولا وعملا فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فالتوبة من الشرك هي الإيمان والصلاة والزكاة عمل.
وعن عبيد الله بن عمر قال: ليس الإيمان بالتجلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل، وعمل يعمل. وعنه قال: من صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة فيدعها، لا يدعها إلا لله، ومن صدق الإيمان وبره إسباغ الوضوء في المكاره وعد أمورا سواه.
وعن مجاهد قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب إلى عدي بن عدي: أن للإيمان سننا وفرائض وشرائع وحدودا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، وإن أعش بنتها لكم. وإن أمت فوالله ما أنا على صحبتكم بمريض.
وعن وهب بن منبه ﵁ قال: الإيمان يشبه الماء، البحر ماء، والغدير ماء، والماء في القدح ماء، والماء في المحارة، فتفاضل الإيمان مثل البحر والمحارة. وعنه أن رجلا قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى! وليس مفتاح إلا وله أسنان. فمن أتى الباب بأسنانه فتح له، ومن لم يأته بأسنانه لم يفتح له.
وعنه قال: الإيمان قائد والعمل سائق والنفس حرون بينهما. فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن شيئا، فإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن شيئا وإذا قاد القائد وساق السائق تبعتها النفس طوعا أو كرها.
وعن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم بالرجال، قيل لي: أي هؤلاء خير؟ قلت لسائلي: أتعرف أنصحهم لهم، فإن عرفه عرف أنه خيرهم، ولو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال. فقيل لي: أي هؤلاء شرهم. فقلت لسائلي: أتعرف أغشهم لهم، فإن عرفه عرفت أنه شرهم، أنه منافق برئ من الإيمان، لو شهد عليه بذلك لشهدت أنه في النار، ولكني أخاف على
стр. 75
خيرهم وأرجو لشرهم، فإذا خفت على خيرهم فكيف خوفي على شرهم، وإذا رجوت لشرهم، فكيف رجائي لخيرهم، هكذا السنة.
وعنه قال: فقد الحواريون نبيهم، فخرجوا يطلبونه فوجدوه يمشي على الماء. فقال له رجل منهم: يا نبي الله! قال: تعال. فذهب يضع رجله، فإذا هو قد نغمر. فقال: هات يدك يا فقير الإيمان.
وعن ابطأه بن المنكور قال: الإيمان قول وعمل لا يفرق بينهما، وأما الضحاك بن مزاحم فإن له في هذا الباب رسالة بليغة وهي.
أن أحق ما بدأ به العبد من الكلام أن يحمد الله ويثني عليه. والحمد لله نحمده ونثني عليه بما اصطنع عندنا إذ هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومن علينا بنبينا محمد ﷺ ، وأن دين الله الذي بعث به نبيه ﷺ هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام، وبه أرسل المرسلين قبله فقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والتصديق والإقرار بما جاء به من عند الله. والتسليم لقضاء الله، والرضى بقدره. من كان مؤمنا يحرم دمه وماله. ووجب له ما يجب للمسلمين من الحقوق، ووجب عليه ما يجب على المسلمين من الأحكام، ولكن لا يستوجب ثوابه، ولا ينال الكرامة إلا بالعمل به، والعمل به إتباع طاعة لله، وإتباع طاعة الله أداء الفرائض واجتناب المحارم والاقتداء بالصالحين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والمحافظة على إتيان الجمعة، والجهاد في سبيل الله، والاغتسال من الجنابة، وإسباغ الطهر، وحسن الوضوء للصلاة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وصلة ما أمر الله به أن يوصل، وحسن الخلق إلى الخلطاء، ومعرفة حق كل ذي حق من والد ووالده، ومن قرابة ويتيم ومسكين وابن السبيل وسائل وغارم ومكاتب وجار وما ملكت اليمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله والبغض فيه، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والحكم بما أنزل الله، وطاعة أولي الأمر في الكره والرضى، والوفاء بالعهد، والصدق في الحديث، وإنجاز الوعود، والوفاء بالنذر، وحفظ الأمانة من كتمان السر
стр. 76
والمال، وأداء الأمانة إلى أهلها، وكتاب الدين المؤجل بشهادة ذوي العدل، والإشهاد على المبايعة، وإجابة الداعي للشهادة على الدين وكتابه بالعدل كما علمه الله، وإقامة الشهادة على وجهها بالقسط، ولو على النفس أو الوالدين والأقربين، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط، وذكر الله عند عزائم الأمور، وذكر الله على كل حال، وحفظ النفس، وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ الأركان كلها، وكظم الغيظ، ودفع السيئة بالحسنة، والصبر على المصيبات، والقصد في الرضا والغضب، والاقتصاد في الشيء، بالقول والعمل، والتوبة إلى الله من قريب، والاستغفار للذنوب، ومعرفة الحق لأهله، ومعرفة العدل إذا رأى عامله، ومعرفة الجوز إذا رأى عامله، والمحافظة على حدود الله، ورد ما اختلف فيه من حكم، وغيره إلى الله، ورد ما يتنازع فيع من شيء إلى أولي الأمر الذين يستنبطونه، وترك ما يريب. والاستئذان في البيوت، فلا يدخل البيوت حتى يستأذن ويسلم على أهلها من قبل أن ينظر في البيت أو يستمع فيه، فإن لم يجد أحدا فلا يدخل بغير إذن أهلها، فإن قيل ارجعوا، فالرجوع أولى، فإن أذنوا فقد حل الدخول، وأما البيوت التي ليس فيها سكان وفيها منافع لعابري السبيل أو غيرهم يسكن فيها أو يتمتع بها، فليس فيها استئذان. والاستئذان لما ملكت اليمين من صغير وكبير، ومن لم يبلغ الحلم من خدمة أهل البيت، ثلاثة أحيان من الليل والنهار: من آخر الليل قبل صلاة الفجر، وعند القيلولة إذا خلا رب البيت بأهله، ومن بعد صلاة العشاء إذا آوى رب البيت وأهله إلى مضاجعهم. فإذا بلغ الأطفال من خدمة أهل البيت الحلم فقد وجب عليهم الاستئذان كل الأحيان. واجتناب قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، واجتناب أكل أموال الناس بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، واجتناب أكل مال اليتيم ظلما، واجتناب شرب الخمر، واجتناب الحرام من الأشربة والطعام. واجتناب كسب المال بغير الحق، واجتناب التبذير في غير حق، واجتناب التطفيف في الكيل والوزن. واجتناب نكث لبيعة وخلع الأئمة، واجتناب الغدر والمعصية، واجتناب اليمين الآثمة، واجتناب بر اليمين بالمعصية، واجتناب الكذب والتزيد في الحديث. واجتناب الشهادة بالزور، واجتناب قول البهتان، واجتناب قذف المحصن والمحصنة، واجتناب الهمز واللمز والتنابز بالألقاب، واجتناب النميمة والاغتياب، واجتناب التجسس وسوء الظن بالصالحين والصالحات، واتقاء الإصرار
стр. 77
على الذنب، والتهاون به، واتقاء منع الماعون، والإمساك عن الحق، والتمادي في الغي، والتقصير عن الرشد، والكبر والفخر والخيلاء والفجور، والمبادرة بالشر، والإعجاب بالنفس والفرح والمزح، والتنزه من لفظ السوء، والفحش والخناء وسوء الخلق والنول والقذر، كل هذا صفة دين الله وهذا الإيمان وما شرع فيه من الإقرار بما جاء من عنده، وبين فيه من حلاله وحرامه، وسننه وفرائضه، وقد سمى لكم ما ينتفع به ذوو الألباب، وفوق كل ذي علم عليم. ويجمع ذلك كله التقوى، فاتقوا الله واعتصموا بحبله ولا قوة إلا بالله، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يبلغ به رضوان الله والجنة، والحمد لله وصلى الله على محمد كلما ذكر.
وقال مالك بن أنس وسفيان الثوري ابن عيينة وهشام الدستواني ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وابن جريج ومحمد بن مسلم الطائفي وفضيل بن عياض ومعمر وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وعبد الكريم الجزري وأيوب وحفص ويحيى بن سليم ووكيع وجرير والغزاري الكبير وعبد الله بن المبارك: الإيمان قول وعمل، وقال مسعر: يزيد وينقص. وقال سفيان الثوري: لا يستقيم قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافق السنة.
وقال إبراهيم بن شماس: سألت رجل سفيان بن عيينة وأنا عنده عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى معك إلا مثل هذا، وقلل أصابعه. قال: فكيف يصنع بقوم يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال: يا ابن أخي، إن الله تعالى بعث محمدا إلى الخلق كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها ففعلوا، ثم أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا! فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم ولا هجرتهم إلى المدينة. ولما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يردهم إلى مكة يقاتلون آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا قولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله هذا رأس الشيخ الكافر! فلو لم يفعلوا ما
стр. 78
نفعهم الإقرار ولا صلاتهم ولا هجرتهم إلى المدينة. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم أن يطوفوا بالبيت العتيق تذللا ويحلقوا رؤوسهم تبعدا، فأمرهم ففعلوا. فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. هكذا السنة يا ابن أخي فأبلغها عني من سألك من الناس.
وقال فضيل بن عياض أصل الإيمان وفروعه بعد أداء الشهادة بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ بالبلاغ، وأداء الفرائض صدق الحديث وحفظ الأمانة، وترك الخيانة، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة لجميع المسلمين والرحمة للعامة أو للناس. فقيل له: هذا من رأيك أو سمعته؟ فقال: بل سمعناه وتعلمناه، ولو لم آخذه من أهل الفقه والفضل لم أتكلم به.
فصل
وقد دعا قوما قولهم إن الإيمان هو المعرفة والإقرار وليست الأعمال من الإيمان، إلى أن قالوا: كل مؤمن وإن عمل ما عمل من المعاصي فإيمانه كإيمان أكثر الناس طاعة وأشدهم اجتهادا في العبادة. ومنهم من اجترأ ولم يأب أن يقول: إيماني وإيمان جبريل وميكائيل على السواء. واستعظم السلف هذا القول. فروي عن عائشة ﵂ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يبوح به، إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل.
وذكر لابن أبي مليكة إيمان، فقال: أترون إيمانا مثل إيمان جبريل وميكائيل، وبهذا كان رجلا صاحب شراب.
стр. 79
وقال جويبر: كان الضحاك بن مزاحم يعجب ممن يقول: إيمانه كإيمان جبريل. وأنكر ذلك عطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران أشد، وقد كان ينبغي لمن يترك زيادة الإيمان بانضمام فروعه إليه ولا ينكر زيادته من قبل زيادة اليقين وفروعه أن لا يقول: إيماني كإيمان الملائكة والنبيين صلوات الله عليهم لأنه أعلم بالله تعالى، ومن كان أعلم به كان يقينه فوق يقين من يقصر علمه من علمهم وبالله التوفيق.
وقد يبرأ أحد الذين ينسب هذا القول منه، فقال: لا نقول هذا، ولكنا نقول دين الله واحد وعباده فيما شرع لهم منه سواء. فيقال لم نتكلم عنه، ومن قال لكم: إن الله تعالى أديانا وعبادة منها أوزاع؟ إنما نقول: دين الله واحد، وهو الإسلام الذي وصفه فقال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ وقال: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وسمى الدائنين بهذا الدين مسلمين ومؤمنين. وسمى النبي ﷺ هذا الدين الإسلام مرة، ودعاه باسم الإيمان مرة أخرى. فهما اسمان لدين واحد. إلا أن هذا الدين له شعب فمن استكملها كان مستكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يكن مستكمل الإيمان وهذا لا يوجب أن يكون دين الله أكثر من واحد، وإن يكون لقوم دين، وآخر دين. ولو وجب إذا قلنا: إن الطاعات كلها إيمان، أن نكون أثبتنا لله تعالى أديانا، لوجب على الجميع إذا قالوا: الإقرار والاعتقاد معا إيمان، وهما خصلتان، أن يكونوا أثبتوا لله تعالى دينين، وإن كان وصفهم عملين، فإنهما إيمان لا يوجب أن يكون دين الله اثنين. فكذلك وصفنا أعمالا كثيرة بأنها إيمان لا يوجب أن يكون لله تعالى أديان كثيرة.
وأيضا فإن الصلاة عبادة واحدة لكنها تنقسم إلى خمس صلوات في كل يوم وليلة، فمن أقامها جميعا كان مستكملا لها، وإن أقام بعضا وترك بعضا، لم يكن مستكملا لها ذلك لا يخرج فرض الصلاة من أن يكون متفقا في نفسه، وإن يكون شرعة للناس واحدا فإن الناس إنما يوفون في التخالف من قيل أفعالهم التي يباشرونها، وإلا فالذي أمروا به غير مختلف في نفسه. والقول في كل صلاة وما ينقسم إليه من قول أو فعال هكذا أيضا. وكذلك صيام رمضان فرض واحد، ولكنه ينقسم إلى أيام، فمن صامها جميعاً كان
стр. 80
مستكملا فرض الشهر، ومن ترك بعضها لم يكن مستكملا له، وذلك لا يجعل الفرض مختلفا في نفسه لكنه متفق، وإنما الاختلاف في أفعال الناس دونه.
كذلك دين الله تعالى واحد. ولكن إقامة ذلك الدين من الناس مختلف، فمنهم أقل أفعالا، ومنهم أكثر أفعالا، وذلك لا يجعل الدين أديانا، والله أعلم.
وقال القائل: دعا الله تعالى عباده إلى الإقرار به، وتوحيده، وتصديق نبيه. فكان من أجاب إلى ذلك مؤمنا، ومن لم يجب إليه كافرا. ثم شرع الشرائع من بعد فرض الفرائض وحد الحدود، فثبت بذلك أنها ليست من الإيمان، إذا كان ثبوت الإيمان للناس سابقا لها.
فيقال له: أرأيت نبينا محمدا ﷺ قبل أن أوحى الله إليه إذا كان يمضي التعبد إلى حراء فلا يهتدي إلى شيء سوى متابعة السجود لله تعالى، أكان مؤمنا بالله؟ وخليل الله إبراهيم صلوات الله عليه حين قال لقومه: ﴿إني برئ مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾، أكان مؤمنا بالله تعالى؟ فلابد من نعم! فيقال له: أكان ذلك التصديق والإقرار منه إيمانا؟ فلابد من نعم! فيقال: كيف وقد جرى عليه حكم الإيمان قبل ذلك؟ وإذا اخترت أن يكون منه إيمان على إيمان. فما أنكرت أن الإيمان وأن تقدم على ما وصفته شرعت الشرائع، فإن عامة هذه الشرائع إيمان، وفعلها فعل إيمان.
فإن قال: إنما كان المتقدم إيمان لله تعالى، والحادث إيمان بالنبوة!
قيل: وكذلك ما تقدم وسبق شرع الشرائع إيمان بالله تعالى وبالنبي، والحادث صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد، فما بين الأمرين من فرق؟ ويقال له: أرأيت إذا فرض الله الصلاة ركعتين ثم زاد في الحصر، أكانت الزيادة زيادة الصلاة في الظهر والعصر والعشاء أولا؟ فإذا كانت زيادة صلاة فيها، قيل له: أليس قد صحت للناس هذه الصلوات من قبل أن تكون هذه الزيادة، فلم لا علمت بذلك، أن هذه الزيادة لا ظهر ولا عصر ولا عشاء كما قلت أن الشرائع لما شرعت، وقد صح للناس إيمانهم، دل ذلك على أنها ليست إيمان.
ويقال له: أرأيت الإيمان إذا تقدم كما وصفت ثم شرعت الشرائع لم يلزم قبولها إذا شرعت؟
стр. 81
فإن قال: لأن الإيمان بالله والنبي وصول لأمرهما.
قيل له: أو يسبق القبول الأمر، فإن قال: نعم! قيل له: أرأيت رجلا اعتقد في زمان النبي ﷺ قبل أن تأتيه الرسالة، أنه إن نبئ سمع له فنبي وأطاع. استغنى بالعقد الذي تقدم منه على الإيمان به بعد أن جاءته الرسالة. فلابد من لا، فيقال له؟ ما أنكرت أن تصديق النبي ﷺ بعد ما نبي، والإقرار به لا يغني عن قبول ما يشرع على لسانه إذا شرع.
ثم يقال له: فإذا احتاج إلى القبول! فقيل: أما أن يكون ذلك إيمانا منه، فإذا قال ذلك، يكون إيمانا منه. قيل له: كيف وقد سبق الإيمان قبل أن يكون هذا الشرع، وإذا أجزت أن يكون الإيمان بائنا موجودا ثم يشرع ما يكون قبوله إيمانا، فيكون ذلك إيمانا على إيمان، فلم لا أجزت أن يشرع ما يكون العمل به إيمانا، فيكون إيمانا على إيمان، وبالله التوفيق.
قال هذا القائل: وإنما ميز الله تعالى بين الإيمان والعمل، ليتقدم الإيمان متجردا عن كل عمل إلى أن شرعت الأعمال وأنزلت الفرائض والحدود، فقال ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ففرق بين الإيمان والأعمال الصالحة! فيقال له: أرأيت إن لم تكن الأعمال الصالحة إيمانا! أتقول: إن الأيمان من الأعمال الصالحة؟ فلابد من نعم؟ فيقال له: فقد ميز الله بينهما، فإن أجاز مع هذا التمييز أن يكون الإيمان من الأعمال الصالحة، فلم لا جاز أن تكون الأعمال الصالحة من الإيمان؟
ويقال له: ما أنكرت أن معنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، وعملوا سائر الطاعات بعامة جوارحهم فكانوا مؤمنين مستكملي الإيمان، وإنما أفرد الإيمان من الصالحات لأنه أراه الإيمان باللسان بعد رسوخه في القلب ولو أراد الإيمان المطلق لكان في ذكر الإيمان كفاية عن ذكر الصالحات، وإذا كان هذا مما تحتمله الآية وجب حملها عليه للدليل الذي سبق ذكره والله أعلم.
قال هذا القائل: ويدل على اختلاف الإيمان والأعمال، أنك تجد الناس متفاضلين في الأعمال، ولا تجدهم متقاربين في الإيمان، وتفاضل في الدين، وقد بين النبي ﷺ ذلك نصا،
стр. 82
حيث أخبر أن جلوس المرأة نصف دهرها لا تصلي نقصان، فكيف يجوز مع هذا أن يقال: الناس يتفاضلون في العمل، ليسوا بمتفاضلين في الدين؟
قال القائل: فإن الله شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا: ﴿والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. فكان الدين يستوي فيه المتقدمون والمتأخرون والملائكة والنبيون والأنس والجان، وهو التوحيد. ثم كانت شرائع الأنبياء ﵈ من الاختلاف بحيث لا يخفي، فدل ذلك على أنها شرائع الدين. وأما الدين فهو ما لم يختلفوا فيه.
فيقال له: أخبرنا عن قبول الشرائع إذا شرعت أهو إيمان؟ فإذا قال: نعم!. قيل له: فهل كان على الأنبياء أن يقبل بعضهم شرع بعض مع تفرق أزمانهم وتباعد أعصارهم فلابد من لا، فيقال له: فإن جاز أن يتباينوا وأممهم، فما يلزمهم من قبول الشرائع، ولا يلزم كل واحد أن لا يقبل على نفسه إلا ما شرع له إذا كان نبيا، أو ما شرع لنبيه أن كان من إحدى الأمم، ثم يكون القبول إيمانا ودينا، لم لا جاز أن يتباينوا وأممهم في الإيمان التي هي الشرائع، وتكون الشرائع إيمانا ودينا. فإن قال: إن شرائعهم- وإن اختلفت- فقبول الشريعة معنى واحد، وليست بمعان في الكثرة والاختلاف. فإن كانا ففي المقبول لا في القبول!
قيل له: فما أنكرت أن العمل بالشريعة معنى واحد وليس بمعان، فالكثرة والاختلاف إن كانا ففي المعمول لا في العمل! ويقال له: أخبرنا عن تصديق الأنبياء، إيمان أو غير إيمان؟ فإذا قال ذلك قيل له: أليس على كل متأخر من الأنبياء أن يؤمن بالأنبياء الذين تقدموه، فأما المتقدمون فليس عليهم من المتأخرين فرض إيمان إلا أن يكون أحدهم أخبر أن نبيان كان بعده، فيكون عليه الإيمان بأنه نبي، فأما الإيمان بأنه نبي فأنكر إذا كان هذا هكذا، فقد اختلف حالهم في ذلك فكان على بعضهم من الفرض فيه ما لم يكن على غيره وذلك لا يدل على أن الشرائع ليست من الإيمان والدين.
ويقال له: ما أنكرت أن الدين هو الطاعة، ومعنى الآية: شرع لكم من إلزامكم الطاعة
стр. 83
ما شرع لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبيكم ﷺ وعليهم، أي أنه لم يرض من أحد من عباده أن يعصيه في أوامره ونواهيه، بل أخذ الأنبياء عامة وأممهم بطاعته وإتباع أوامره، فلذلك ألزمهم طاعته، لم يرخص لهم في خلافها، وليس بقابل منكم غيرها، فأقيموا الطلق أي الطاعة فلا تتفرقوا، وليس في هذا ما يوجب اختلافا بين المتقدمين والمتأخرين في اللين، لأن وجوب الطاعة بشملهم، وإن كان ما تجب الطاعة فيه متفرقا، والأعمال لم تكن إيمانا عندنا لأعيانها، حتى إذا كانت مختلفة أوجب ذلك اختلاف الإيمان وتفرق الدين وإنما كانت إيمانا لأنها طاعات، فإذا كان معنى الطاعة تجمعها، فقد وجد الاتفاق في دين الجميع والله أعلم.
ثم أن قوله : ﴿ولا تتفرقوا فيه﴾ يدخل في جملته أن لا تتفرقوا في الدين، فيكون من بعضهم الطاعة ومن بعضهم خلافها. فأما إقامة الطاعة ممن يقيمها لا ينفع إلا نفسه دون من وجد منهم خلافا، ويدخل فيه أن لا تختلفوا فيه. فيقول بعضهم لشيء من الطاعات هذا خارج من الدين الذي تعبدنا به، فإن الدين هو الطاعة، فإذا شرع والله أعلم.
قال القائل: وقد يكون في الناس من لا علم له بالفرائض وهو مع ذلك يسمى مؤمنا، ولو لم يعلم ما يلزمه الإقرار به لم يكن مؤمنا، وإنما في هذا ما يبين اختلاف الإقرار والعمل. فيقال له: وفي الناس من لا علم له بالتوحيد، وأنت تسميه مؤمنا مثل الصبي المولود بين المسلمين، والمجنون- صغيرا كان أو كبيرا- إذا كان مولودا بين المسلمين، ولا يدل ذلك على أن التوحيد ليس بإيمان، فكذلك الصغير المؤمن إذا بلغ ولم يعلم بلوغ نفسه أو لم يخطر وجود التوحيد في قلبه فهو مؤمن، ولا يدل على أن التوحيد ليس بإيمان.
ويقال: كل من كان عليه فرض يؤاخذه الله بتركه، فلم يطلب علمه مع إمكان طلبه، وأخل بفعله لجهله، فليس بمؤمن مطلق إيمان، كلنه ناقص الإيمان من وجهين: أحدهما ترك طلب العلم والآخر الإخلال بالعمل، فكلامك غير لازم.
ويقال له: أخبرنا عن تعظيم النبي ﷺ في حياته، أكان إيمانا؟ فإذا قال نعم! قيل له: فمن آمن به ولم يره أليس كان يصح إيمانه؟ فإذا قال: بلى! قيل له فإذا لم يكن رآه لم يعلمه بعينه فيعظمه، أيدل هذا على أن تعظيمه إياه ليس بإيمان؟ فإذا قال: لا!
стр. 84
قيل له: فما أنكرت أن ما يعلم الفرائض بأعيانها فيعمل بها، يكون مؤمنا فلا يدل ذلك على أنه إذا علمها فعمل بها لم يكن عمله بها إيمانا، وبالله التوفيق.
وقال القائل: ولو كان العمل من الإيمان لكان المنافقون مؤمنين، لأنهم يعملون ما يعمله غيرهم. فيقال له: أرأيت أن قال لك قائل: أن الإقرار ليس بإيمان لأن المنافقين كانوا يقرون، فلو كان الإقرار إيمانا لكان المنافقون مؤمنين، فإن قال كان إقرارهم فاسدا لأنهم كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون. قيل: فكذلك أعمالهم فاسدة، لأنهم كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون، وشرط الأعمال الإخلاص. فمن لا إخلاص له لا عمل له والله أعلم وبالله التوفيق.
وهذه مسألة وجدتها في هذا الباب لبعض المغرورين، فنقصها عليه وإن كنت لم أعرفه، وزعم: أن الإيمان هو التصديق والاعتقاد دون سائر العبادات، لأن الله تعالى سمى من صدق بما جاء به مؤمنا بقوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، وهذه عبارة عن الاعتقاد دون غيره من الأفعال.
فيقال له: ليس في هذه الآية إلا أن الله ﵎ شهد لرسوله وللمؤمنين الذين كانوا معه، بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله. ولسنا ننكر بأنهم فعلوا ذلك واستوجبوا هذا الوصف، وليس من مدحهم والثناء عليهم بأنهم آمنوا ما يبين حد الإيمان وحقيقته، لأن وصف الواحد بالإيمان مطلقا لا ينبي عما كان منه من عقد أو قول أو فعل، فكان به ولأجله مؤمنا.
ألا ترى أن الله قال فيما مدح به قوما: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾.
فلم يتسع ذلك لإيمانه حد الصبر أو الصدق أو القنوت والاستغفار، ولا حقيقته، ولم يكن فيه إلا أن فاعلي هذه الأفعال مستحقون للثناء والمدح، وكان علم حقائقهما وحدودها مطلوبا من غير هذه الآية.
وهكذا لما قال: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون
стр. 85
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله﴾ علم به أن المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم هم الذين يجاهدون في سبيله فيقتلون ويقتلون. وهم بهذه الصفات، ثم لا يعلم بهذا حد واحدة من هذه الخصال ولا حقيقتها.
وهكذا كل من سماه الله في كتابه باسم مشتق من فعل أو حكي عنه فعلا بالاسم الموضوع لتعريفه، فإن ذلك يدل على وجود ذلك الفعل منه، ولكنه إذا احتج إلى علم حقيقة ذلك الفعل وحده، لم يستفد من قبل تلك القسمة، ولا من جهة تلك الحكاية.
ولذلك إذا أخبرنا الله أو الرسول أن المؤمنين كلهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، علم بخبره أن الإيمان حقا قد كان منهم، ولكن ذلك لا يكشف عن حقيقة الإيمان وحده، ولا ينبي عن أنهم ماذا قالوا له فعلوا، فأصرف أخبار الله تعالى عنهم بالإيمان إليه، وإذا آل الأمر إلى التحديد، فإنما يحده بما قام الدليل عليه عنده، ثم لا يضاف من ذلك إلى هذه الآية شيء. فقد بان لك أنك الفراء من هذه الآية.
ويقال له: ما أنكرت أن هذه الآية إلى أن تكون حجة عليك أقرب منها إلى أن تكون حجة لك! لأن الله كما نعت المؤمنين بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فكذلك نعتهم بأنهم قالوا: سمعنا وأطعنا ولم يكن يمدحهم بكذب قالوه، فصح أنهم لم يقولوا، وأطعنا، إلا أن الطاعة لما سمعوا قد وجدت منهم. وهم لم يكونوا سمعوا فرض الاعتراف في هذه الآية دون الشرائع من الأوامر والنواهي، فعلمنا أن الطاعة لما سمعوا قد وجدت منهم، وثم لم يكونوا في عامة هذه المسموعات، كانت قد وجدت منهم. فغنما أخبر الله تعالى عنهم بالإيمان، وسماهم مؤمنين بهذه الخصال، فهذه الخصال كلها لا لشيء منها دون شيء، بأن بذلك أن الطاعات كلها إيمان والله أعلم.
ويقال: أليس قد أخبر الله عن الرسول وعن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. ربنا لا تؤآخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ كما أخبر عنهم أنهم آمنوا به وبملائكته وكتبه ورسله، فما أنكرت أن هذه الأقوال والدعوات كلها إيمان منهم إذ كان إنما سماهم مؤمنين لما أخبر عنهم بأنه كان منهم، وقد أخبر عن
стр. 86
كون هذه الدعوات منهم كما أخبر عنهم عن كون الاعتراف بالله وبملائكته وكتبه ورسله منهم. فثبت أن كل ذلك إيمان، لأنه لو لم يكن إيمانا لم يكن الذي وجد منهم لأجله مؤمنين. وقد أجبت الآية أنهم كانوا مؤمنين لوجود ذلك كله منهم، وبالله التوفيق.
ويقال له: زعمت أن هذه الآية عبارة عن الاعتقاد، وذلك يلزمك أن يخرج الإقرار من جملة الإيمان، لأن الله جل وعز جعلهم بزعمك مؤمنين بالاعتقاد، فإن جاز مع ذلك أن يضم الإقرار إلى الاعتقاد- وليس ذلك بزعمك في الآية- لم لا جاز لغيرك أن تضم العبارات إلى الاعتقاد، وإن لم يكن في الآية على أن معنى الآية: والمؤمنون كلهم قالوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله. والدليل على ذلك أنه وصل بهذا قوله ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾. وهذا لا يليق إلا أن يكون كلام المؤمنين ولو لم يكن تقدير قوله جل وعز: ﴿كل آمن بالله وملائكته ورسله﴾. ولم يفرقوا بين أحد من رسله. فلما قيل: ﴿لا نفرق﴾ ذلك على أن تقدير الحكاية ما وضعت، وفي ذلك ما يوجب أن يكون اختصاص الإقرار بالآية أشبه من اختصاص الاعتقاد، وبالله التوفيق.
قال الرجل: وأمرهم بعد صحة الاعتقاد أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان والإسلام، لقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ إلى قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ فمدح من شهد بذلك لنفسه، فقال ﵎: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾. فأخبر بأنهم يصيرون بهذا مؤمنين، لقوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾.
وهذا كله راجع إلى التصديق دون غيره من الأفعال، فثبت أنه الإيمان لا غير، فقال له في قوله "أمرهم بعد صحة الاعتقاد أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان" من أين قلت هذا؟ فإن ادعى أنه قاله، إن هذه الآية مرتبة على الآية التي بدأ بذكرها، وأن تلك في الاعتقاد، وهذه في الإقرار، طولب بالحجة في ما تدعيه من ذلك، ولن تحد إليه سبيلا، وإن لح في إثبات أن الإقرار يترتب على الاعتقاد، بدليل آخر، قبل في ذلك منه.
стр. 87
وقيل لهم: أن الله تعالى يأمرهم أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان، فإن الإيمان فرض لله تعالى على عباده، فإذا التزموه فإنما يشهدون به على أنفسهم، كما قال جل وعز: ﴿كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ ولا يشهدون به لأنفسهم، بل لله تعالى ينبغي أن يشهد به لهم، ليعلموا أنه قد يقبل منهم. وإذا بطل هذا، فالجواب:- وبالله التوفيق- أنه أمرهم أن يصفوا إيمانهم لخصومهم، وهم اليهود والنصارى، ويعلموهم أن إيمانهم: محمد ﷺ قصد إلى شقاقهم وخلافهم، لكن لأنه نبي، والتفريق بين أنبياء الله ورسله في الإيمان بهم غير جائز، فإنهم قد آمنوا بعيسى وموسى ولم يمنعهم من الإيمان بهما، إنهم لا يؤمنون بنبيهم، فلو كان القصد إلى الشقاق دون التدوين لم يكن منهم هذا.
ثم قال: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتك به فقد اهتدوا﴾ أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم يفرقوا، فقد اهتدوا، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن التدبر إلى الشقاق، فسيكفيهم الله وهو السميع العليم. فهذا معنى الآية، وليس فيها بيان أن الإيمان الذي أمروا به أن يصفوا به أنفسهم، فإذا كان وما حده؟ وما حقيقته؟ وإذا كانت هذه الآية خطابا لقوم قد اعتقوا الحق وأقروا به، وصلوا وصاموا وعبدوا الله تعالى بضروب من العبادات، وقابلوا أوامره ونواهيه بالطاعة، فهم إذا قالوا آمنا بالله وما أنزل إلينا اشتمل ذلك عندنا على كل طاعة وجدت منهم إلى ذلك الوقت.
فإن خالفنا الرجل في ذلك وقال: أنه لا يشتمل على الإقرار والاعتقاد، فلهم على قوله دليل، فإنا له فيما قال مخالفون، وله بالدلالة عليه مطالبون.
فإن قال القائل على ذلك، لمنه جل وعز قال: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾. ومعلوم أنهم لو شهدوا شهادتي الحق لكانوا مؤمنين مهتدين، فظهر بذلك أنه لم يدخل في قوله : ﴿قولوا آمنا بالله﴾ إلا شهادة الحق.
قيل لهم: إنما يكونوا مهتدين إذا أدوا ما عليهم، إلا أنهم إن شهدوا شهادتي الحق، لم يتراكم عليهم في ذلك الفوز الفرائض كلها، وإنما تجب شيئا فشيئا. فإذا أدوا في أول
стр. 88
أوقات دخولهم في زمن الحق ما عليهم في ذلك الفوز، فقد اهتدوا، كما أن المؤمنين الذين أمروا أن يقولوا آمنا لما كانوا مؤدين ما عليهم كانوا مهتدين، وصح منهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا، والله أعلم.
وجواب آخر: وهو أنا لو سلمنا له أن قول الله جل وعز: ﴿قولوا آمنا﴾ إشارة إلى اعتقادهم وإقرارهم، فليس في ذلك ما يقيم له حجة، لأنا لم ننكر أن يكون ذلك إيمانا، فنكلف إقامة الدليل عليه. وإنما أنكرنا أن لا يكون ما عداه إيمانا، فإنما ينبغي أن يقيم الدليل على ما تنفيه ونثبته، لا على ما نثبته جميعا ولا ننكره، وكل ما قلنا في هذه الآية فهو في قوله : ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾ مثله. لأن فيه مدحا للذين يقولون بهذا القول، وليس فيه تحديد الإيمان الذي أخبروا أنهم سمعوا مناديا ينادي إلى عبادة الله التي تنقسم أقساما ووجوها كثيرة. غير أن أعلاها وأثبتها التوحيد، فدخلت العبادات كلها في الإيمان الذي نادى به، ودخل في قول المحبين، فآمنا، ووصفهم أنفسهم بذلك إقامتهم كل ما دعاهم إليه المنادي.
فإن قال الرجل: لم يكن ذلك كذلك، وإنما المراد من النداء الإجابة إلى التوحيد، فإنما كان إلى الإيمان، والإجابة إن كانت إليه فإنما كانت إلى الإيمان، ولسنا ننكر ذلك الإيمان. وإنما الخلاف في الطاعات سواه، وليس إذا كان التوحيد إيمانا، أو امتنع أن تكون سائر الطاعات إيمانا، فما دليله على أنها ليست إيمان. فإن المختلف فيه أحق بإقامة الدليل عليه من المتفق عليه والله أعلم وبه التوفيق.
ويقال له: أرأيت لو قال لك قائل أن تصديق النبي ﷺ ليس بإيمان، فإنما الإيمان هو التصديق بالله تعالى. لأن الله تعالى أثنى على ذلك: ﴿قالوا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾، ولم يذكر الإيمان بالرسول، فإذا كنت تقول له: فإن فرغ إلى أن ذلك لما قام الدليل عليه لا في هذه الآية. قيل له: وكذلك الطاعات كلها، قد قام الدليل على أنها إيمان، لا في هذه الآية، فما أنكرت أن الرجوع إليها أولى من الرجوع إلى ما لا دلالة له فيه على موضع الخلاف وبالله التوفيق.
стр. 89
قال الرجل: وقد فرق الله تعالى بين الإيمان وبين سائر الخيرات بقوله: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾.
فيقال له: ما في هذه الآية ما يدل على أن اكتساب الخير في الإيمان ليس بإيمان.
فإن قال: لأن ذلك لو كان كذلك، لكان كأنه قال: أو كسبت في إيمانها إيمانا.
قيل: وما الذي يمنع أن يقال ذلك وما فيه من المعاني التي يفسد بمثلها الكلام فأقم الدلالة على صحة ما تدعيه إن كانت عندك، فأنا لما تقولوه رادون، ولك بحجة مؤاخذون.
فإن قال: أنه لما قال: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ دل ذلك على أن المكسوب غير المكسوب فيه، بلى كذلك لا تكون دوائر الإيمان المبتدأ غير ما يقام فيه من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، وإن كان كل ذلك إيمانا، كما أن دوام عقد الصلاة وحرمتها غير ما يؤتى به فيها من ركوع وسجود وغيرها، وإن كان كل ذلك صلاة. فلم قلت: إن الخير المكسوب في الإيمان لا يكون إيمانا؟
ويقال له: ما أنكرت أن تقدير قول الله : ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ أو كسبت لإيمانها، كما لا تفعل الخيرات التي هي إيمان، والاستكثار منها، ونظيره قول الناس: أفاد فلان علي في علمه تقدما، أو في صناعته نفادا، أي استفاد كمالا في علمه وكمالا في صناعته. لأن التقدم في العلم علم، والنفد في الصناعة صناعة.
قال الرجل: وقال : ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ وقال: ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾، فلا يجوز أن تكون الأعمال الصالحة هي الإيمان، فيكون شرط صحة الشيء وسبب قيامه هو الشيء نفسه. فدل ذلك على أن الإيمان غيرها.
فيقال له: ما أنكرت أن معنى قول الله : ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ أي فيكون إيمانه بالله تاما كاملا إذ العمل الصالح إيمان. وهو كقول القائل: من صلى وأحسن الركوع والسجود فله كذا، فيكون المعنى. من صلى وأحسن الركوع والسجود
стр. 90
فكانت صلاته بذلك تامة لا نقص فيها ولا خلل، إذ الركوع والسجود صلاة، وإحسانهما إحسان صلاة، وقال : ﴿ومن تقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا﴾ لا يدل على أن العمل الصالح ليس من جملة القنوت لله ورسوله. فكذلك قوله : ﴿ومن يؤمن بالله ورسوله﴾ لا يدل على أن العمل الصالح ليس من الإيمان. وأما قوله . ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾ يعملها لأنه قد يعمل العمل الصالح في نفسه من لا يكون بفعله إياه مؤمنا، وأن إعتاق العبد والصدقة على الفقير عملان صالحان بأنفسهما، لأن الكافر إذا عملها لم يكن بفعله إياها مؤمنا. وهذا كما يقال: من يركع ويسجد وهو مصل فله كذا، فيراد به أن يكون ركوعه وسجوده صلاة، ويكون المعنى: وهو مصلي بفعلهما، فكذلك هذا والله أعلم.
فأما قوله: لا يجوز أن يكون شرط صحة الشيء هو الشيء نفسه! فجوابه أن يقال له: إن كان كذلك، لا يجوز! فأنت القائل بما لا يجوز والداخل في معناه، كان الإيمان شرط لصحة الصالحات. ولا خلاف في أنه بنفسه من الصالحات فقد صار شرط صحة الشيء نفسه باتفاق!
فإن قال: لا! قيل له: فقل: إن الإيمان ليس من الأعمال الصالحة كما قلت أن الأعمال الصالحات ليست من الإيمان. وإن جاز ذلك أن يقول: إن الإيمان من الصالحات، وإن كانت الآية واردة بلفظ يوجب ظاهرها، أن يكون الإيمان شرط الصالحات، فيكون ما شرط من الإيمان لصحة الصالحات من الإيمان. فتجعل الصالحات وما شرط لصحتها من الإيمان شيئا واحدا، ولا فصل بين القولين.
ويقال له على كلامه في هذه الآيات كلها: أنكرت أن جميعها واردة في الإيمان بالله ورسوله. ولسنا ننكر أن الإيمان بالله ورسوله ما ذكرت. ولكن وراء ذلك إيمانا لله ورسوله، ووجوب أحد الإيمانيين لا يمنع وجوب الآخر. وكذلك استحقاق أحدهما اسم الإيمان لا يمنع استحقاق الآخر اسمه. فما أنكرت أن الطاعات كلها تستوجب اسم الإيمان لله ولرسوله، وإن كانت لا تستوجب اسم الإيمان بالله. فإن معنى قول الله : ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ أي ومن يؤمن بالله ويؤمن له. ومعنى ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو
стр. 91
مؤمن﴾. أي فهو مؤمن لله، وقد قدم الإيمان به. ومعنى: ﴿لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾. ذلك إيمانا لله ورسوله. ويكون الدليل على ذلك ما تقدم بحقيقة من هذا المعنى في الباب الأول والله أعلم.
ويقال له: هل يجوز أن يكتسب الكافر من كفره شرا يكون ذلك في زيادة كفر منه مثل: أن يكون كافرا بنبي فيجحد نبوة نبي آخر! ويكون جاحدا للنبوات فيحدث شبها لله بخلقه! فإذا قال: يجوز. قيل: لم لا جاز أن يكتسب المؤمن في إيمانه خيرا يكون ذلك إيمانا فيزداد بذلك إيمانه، وما الفرق؟
ويقال: أليس أصحابك قد حملوا ما جاء من القرآن في زيادة الإيمان على أحد معنيين: أما زيادة اليقين، وأما تكرير الإقرار. فبما تقول فيمن كان له في إيمانه فضل استدلال على صحة دينه، وقوى بذلك يقينه أو كرر الإقرار؟ ليس كل واحد من الأمرين خير كسبه في إيمانه، وهو في نفسه إيمان. فما أنكرت أن يكون ذلك الخير الذي أراده الله تعالى بقوله: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ إيمانا إذ قد ظهر أن تسمية الله تعالى الفعل الواقع في الإيمان خيرا مكتسبا في الإيمان، لا ينفي أن يكون ذلك الخير إيمانا، وهذا كقبول الشرع بعد الشرع في زمن النبي ﷺ بعد صحة الإيمان به كان كسب خير في الإيمان، وكان بنفسه إيمانا، فلا ينكر أن تكون كل عبادة وطاعة كذلك، والله أعلم.
قال الرجل: والأشياء تعرف بأضدادها، والكفر الذي هو ضد الاسم التصديق لا غير! فيقال له: أن هذه العبادة ليست من كلام أهل التحقيق وهي خطأ، لأن الأشياء تعرف إما ضرورة، وإما بالدلائل الدالة عليها. فإما أن يقال: إن كل شيء فإنما يعرف بضده، فهذا يوافق إلى أن لا يعرف شيء من المتضادات قط، لأن الإيمان إذا كان يعرف بالكفر، ويجب أن تسبق المعرفة بالكفر، وتتأخر المعرفة بالإيمان، إلى أن يقابل بالكفر فينظر ما الذي تنتجه تلك المقابلة، فيعتقد، وفي هذا ما أبان سقوط هذا الكلام، إذ كان ذلك يؤدي إلى أن لا يعرف إيمان ولا كفر أبدا وبالله التوفيق.
ويقال له: زعمت أن الكفر لما كان الجحود، ووجب أن يكون الإيمان الذي هو ضد
стр. 92
الكفر التصديق، وهذا مسلم لك وزيادة، لأنا نقول: الإيمان كله التصديق، والطاعات كلها تصديق، لأن من لا يصدق بالباري ولا يصدق برسوله، لا يظمأ نهاره بالصوم ولا يسهر ليله بالقيام، ولا يتعب جوارحه وأعضاءه بالصلاة، ولا ينقص ماله بالزكوات، ولا يجهد نفسه بالحج، ولا يتعرض للقتل بالجهاد، ولا يبكي من خوف الجحيم، وإذا كانت الطاعات كلها تصديقا، وجب أن تكون كلها إيمانا، وما كان منها ضدا للكفر وكان ضد الفسق فسواء، والله أعلم.
ويقال له: الكفر والإيمان في انقسامهما إلى الأصل والفرع سببان عندنا، لأن الجحود أصل الكفر، والمعاصي كلها فروعه. إذ الجروح صريح والمعاصي أمارات وكذلك الإقرار الذي ينشأ عن الاعتقاد صريح الإيمان، والطاعات أمارات، وأمارات الكفر في الكفر كفر، وأمارات الإيمان في الإيمان إيمان. والأمارة مقصر بها عن رتبة الصريح في الأمرين، فإذا كانت الأشياء تعرف بأضدادها، فما أنكرت أن هذا وجه معرفة الكفر والإيمان وبالله التوفيق.
قال الرجل: ويدل على أن سوى التصديق من العبادات ليس بإيمان، أن الكفار لم يفرعوا عند مبايعتهم بأس الله إلى غير التصديق، كفرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾، وقوله: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾. وقوله: ﴿قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم﴾. وقوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾. فإنما فرعت الكفر عند الضرورة إلى ما عرفوه حقيقة الإيمان وهو التصديق دون شيء من العبادات، فثبت أن الإيمان غير التصديق.
فيقال له: إن الكفار يفرعون عند رؤية البأس إلى أصل الإيمان، وهو صريحه الذي يضاد صريح الكفر وأصله، وليس ذلك إلا الاعتقاد والإقرار ولا يفرعون إلى فروع الإيمان لأن مزايلة أصل الكفر لا يقع بها لكن ذلك لا يمنع من أن يكونوا بعد الدخول في دين الحق محتاجين إليها، لتكمل درجات الإيمان وشعبه، ولئلا يعصوا بترك الفرائض
стр. 93
فيكونوا قد ضموا إلى أصل الإيمان المعاصي التي هي فروع الإيمان وإمارات التصديق، فيكمل بذلك إيمانهم.
وهذا كما أن من أراد الصلاة كفاه في الانتقال من الصلاة إلى الصلاة أن ينوي ويكبر وليس إذا صار بمجرد التكبير داخلا في الصلاة وجب أن لا تكون الصلاة كلها التكبير، وامتنع أن تكون بعضه فرائض يحتاج إلى الإيمان بها شيئا فشيئا لا لتتمة الانتقال، ولكن لتتمة ما وقع الانتقال به.
وهكذا من يريد الحج ولا يحتاج إلى الانتقال من الإحلال إلى الإحرام إلى أكثره من عقد الإحرام، وأراد به تقلبه ولا يدل ذلك على أن هذا هو الحج دون غيره، بل وراء ذلك أعمال يحتاج إلى الإتيان بها لا لتتمة الانتقال لكن لتتمة ما وقع الانتقال به، فإنه أمر بالإحرام ليقف بعرفه محرما، ويطوف ويسعى محرما.
فكذلك الكافر إذا عزم على الإيمان كفاه في الانتقال من الكفر إلى الإيمان الاعتقاد والإقرار وذلك لا يدل على أن هذا هو الإيمان، بل وراء ذلك فرائض تتابع، فكلما وجب منها احتاج منها إلى الإيمان به، إذ هو لم يؤمن بالانتقال وحده، وإنما أمر به، وبأن يصلي في إيمانه، ويزكي ويصوم ويحج ويجاهد، فلا يكمل إيمانه إلا بأداء واجباته كما لا يكمل حجه الذي صار داخلا فيه، إلا بأداء واجباته، ولا صلاته إذا صار داخلا فيها بتكبيرة إلا بأداء واجباته، والله أعلم.
ويقال له في قوله: إن الكفار لم يفرعوا عند معاينة البأس إلا إلى التصديق بدليل كذا وكذا، فثبت أن الإيمان غير التصديق، وهل سمعت أحدا من أصحابنا يقول: إن ما ليس بتصديق فهو إيمان؟ قلنا: ما عرفنا أحدا يقول ذلك. والإيمان عندنا هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان، إلا أن الطاعات عندنا كلها تصديق من الوجه الذي تقدم بيانه. وإذا كان تصديقا وكان الإيمان التصديق، لم يكن تصديق بأن يكون إيمانا أحق من تصديق، وبالله التوفيق.
قال الرجل: ويدل على ذلك أنه لا تخلوا كل عبادة من أن يكون إيمانا بنفسها على الانفراد، أو يكون الإيمان اسما لجميع الخيرات، فإن كانت كل عبادة إيمانا على الانفراد ودينا وإسلاما فهي إذا أديان، ويكون مع الواحد عشرة أديان أو عشرون ديناً، ومع
стр. 94
آخر أقل من ذلك، أو أكثر فيبطل أن يفهم من الأمر بالإيمان والإسلام مراد، ويكون من ترك عبادة من العبادات تارك من أديان الإسلام، ويجب وصفه بالانتقال من دين إلى دين وإيمان إنى إيمان، كما يقال ذلك في العبادات، ويجب إذا أفسد عبادة أن يقال: قد أفسد دينا وخرج منه.
ويبطل القول بزيادة الإيمان لأنه لا يعرف ما يوصف بزيادة الطاعة، لأن المقصود منهما مجهول، وكذلك القول بالكمال إلا أن يشار إلى عبادة بعينها، فثبت أنه لا يجوز أن تكون كل طاعة إيمانا على الانفراد، وإن كان الإيمان عندهم اسما لاجتماع جميع الطاعات وهو دين واحد، وإيمان واحد، فالقول بزيادة الإيمان لا معنى له لأنه لا احد يبلغ في فعل العبادات والطاعات نهايته، فهو أبدا في جمع الإيمان وتحصيله غير مستكمل له، ولا بالغ غايته، فبطل أيضا اعتبار هذا الوجه، فدل أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان.
ويقال له: قولك أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان كلام متناقض لأن فعل الخير كله تصديق كما مضى بيانه وتقديره، فإذا كان الإيمان التصديق، فكان فعل الخير تصديقا وجب أن يكون إيمانا. ويقال له: أن الطاعات كلها إيمان، وكل واحد منها إيمان إذا صحت وسلمت، ولا يلزم على ذلك أن يكون من جاء بعشرين طاعة جاء بعشرين إيمانا كما أن عندك أن الاعتقاد والإقرار إيمان، ثم لا يقول أن من جمعها كان جامعا بين دينيين، أو بين إيمانيين.
فإن قال: التصديق يجمعهما. قيل: والطاعة تجمعها، وما يتبع من الفرائض والنوافل عشرين كانت أو ثلاثين أو مائة، ولا يكون بذلك أديانا ولا عدة أديان. وأيضا كان الإيمان بالله وملائكته وكتب ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار والقدر واجب، والتصديق بكل ذلك إيمان. ثم لا يقال: إنها عدة أديان وإيمان، فكذلك الطاعات إذا عدت من الإيمان لم يلزم أن يكون الإيمان أعدادا كثيرة، والإسلام أديانا جمعه لا دينا واحدا، وهكذا يقبل كل ما كان بشرع، واحدا بعد واحد. ويقبل ما قد شرع إيمان ومعلوم أنه إذا كان لكل شريعة تقبل، كثير التقبل، ثم لا يصير الدين بذلك أديانا، ولا الإيمان يصير معدودا، فكذلك العمل وإن كثر، فكذلك لا يلحق الإيمان عددا، ولا يجعل الدين أديانا، والله أعلم.
стр. 95
وأما جواز أن يقال لمن انتقل من صلاة إلى صلاة، أو من حج إلى عمرة، فلا يلزمنا أن نقوله. لأنا قد بينا أن الدين واحد وإن كثر. والطاعات لا تنحه علينا مع ذلك هذا الكلام.
وأيضا فإن الناس كانوا يقبلون فرض صيام الليل وفرض الصدقة عند التخوف وفرض النيات من الواحد للعشرة، فكان يقبل ذلك إيمانا منهم، فلما نسخ ووضع عنهم سقط ذلك الثقيل، وخرجوا منه إلى اعتقاد أن شيئا من ذلك لا يلزم، فكان هذا الاعتقاد هو الإيمان. وما كان يجوز أن يقال: أنهم خرجوا من دين إلى دين، لأنهم خرجوا من تقبل فرض إلى تقبل سقوطه، وإن كان ذلك الثقيل دينا فلا ينكر أن تكون الصلوات إيمانا ودينا، ومع ذلك لا يجوز أن يقال للخارج من صلاة إلى صلاة خارج من دين إلى دين، وأيضا فإن الإيمان عندك الاعتقاد والإقرار، فمن اعتقد واعترف فقد آمن.
ثم لا يقول: إذا تم اعتقاده واعترافه وانقطع كلامه فقد انقطع دينه وانقضى إيمانه، ولا إذا أمسك عن الاعتراف أنه يمسك عن الإيمان أو يمسك عن الدين، فكذلك لا يلزمني إذا قامت الصلاة دين، أن أقول لمن خرج من صلاة إلى صلاة، أنه خرج من دين إلى دين، وأما أن كل طاعة إذا كانت دينا لم يصح القول بزيادة الإيمان، لأنه لا يدري ما الذي يوصف بالزيادة، فإنه يعارض عليه بأن النبي ﷺ لما دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلو أجابوه لكانوا مؤمنين! فإذا قال: نعم! قيل له؟ فإن أمرهم بعد ذلك بالصلاة فقبلوا لكان يكون منزلهم إياها زيادة إيمان. فلابد من نعم. فيقال له: فإذا كنت الشرائع لم تكمل! فعلى ماذا كانت الزيادة؟ وإن قال: كانت الزيادة على ما نص، قيل: فكذلك كل طاعة يستجدها العبد فهي زيادة إيمان على ما مضى من طاعته، لا على نهاية الطاعات التي لم توجد.
ويقال له: أرأيت لو بعث الله جل ثناؤه في زمن النبوة نبيا، فدعا الناس إلى الله تعالى، فآمنوا وصدقوا، ثم بعث نبيا آخر، فأخبرهم النبي ﷺ الأول، بأن الثاني نبي، أو جاء بمعجزة تدل على صدقة، كان يلزم أن يؤمنوا به، فلابد من نعم! فيقال له: صلي فإذا آمنوا به، أيكون ذلك زيادة إيمان منهم؟ فلابد من نعم! فيقال له: فعلى ماذا تكون الزيادة والنبوة لما بيناه، والأنبياء لم يتكاملوا؟ فإن قال: تكون زيادة إيمان على ما تقدم من الإيمان بالرسل المبعوثين. قيل: فقل في الطاعة بعد الطاعة مثل ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 96
وأما قوله: وكذلك الكمال. فجوابه: أن وصف الإيمان بالكمال يصح لأن له شعبا معلومة، فمن استكملها فهو كامل الإيمان في حق ما مضى من أيامه، وإنما يبقى أن يستقبل مثل ما قدم إن بقى، فإن فعل ذلك إلى آخره عمره ما يكامل الإيمان، وهو كما يقول فيمن صدق بقلبه ولسانه أنه كامل الإيمان، لكن في حق الحال وهو محتاج إلى الثبات عليه فيما يستقبل، ووقوع الحاجة إلى الاستدامة في المستقبل، لم يمنعك من وصف الوجود في الحال ما جلبته من الكمال. فقولي في الطاعات كقولك في الدوام والله أعلم.
وأما قوله: أن الإيمان، كان جميع الطاعات، والمؤمن إذا بدأ في جمع الإيمان وتحصيله، فمتى تثبت له الزيادة؟
فجوابه: إنما لا يثبت الزيادة من حيث قدر العبادة، وإنما تثبت الزيادة في فعل المؤمن على معنى أنه إذا عمل طاعة فكانت له إيمانا ثم عمل طاعة أخرى كانت له زيادة إيمان. ومعنى الزيادة أنها زيادة على ما مضى، لا أنها زيادة على كل ما يمكن أن يتقرب به إلى الله تعالى. لأن ما في قدر العباد من ذلك إنما ينقضي بانقضائهم. وهذا كما أن من صلى ثم صلى، كانت الثانية له زيادة صلاة. ولا يقال: كيف تكون زيادة وما في قدرة العبد من الصلاة غير محدود؟ فلذلك كل طاعة تحدث فهي زيادة إيمان، وإن لم تكن الطاعات التي قدر العبادة محدودة عندهم ولا معلومة لهم والله أعلم.
قال الرجل: والانتهاء عن الكفر لا يكون إلا بالإيمان. لقوله ﵎:
﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. ولو كان الإيمان اسما لجميع الطاعات لم يصر منتهيا عن الكفر حتى يأتي بها كلها، فلما كان التصديق انتهى عن الكفر وبه تجب المغفرة ثبت أن الإيمان سواه.
يقال له: لسنا ننكر أن الانتهاء عن الكفر لا يمكن إلا بالإيمان، وإنما ننكر أن لا يكون سوى ما ينتهي به عن أصل الكفر، ويقال: أن ما ينتهي به عن الكفر إيمان. وما يحتذر به من الفسق أو ينتهي به عنه إيمان. وكل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من
стр. 97
شرائعه، فهو إيمان. فينبغي أن يدل على أشياء من ذلك ليس بإيمان، لا على أن ما ينتهي به عن الكفر إيمان، وعلى أن جوابنا في الكافر إذا كان جمع بين أصل الكفر وفروعه من السيئات والمعاصي، أن أنهاه عن أصل الكفر يكون بأصل الإيمان، وعن فروعه بفروع الإيمان.
وقد جاء أن رجلا قال: (يا رسول الله! أيؤاخذ الله أحدا بما عمل في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر). وقد مضى شرح معنى هذا الحديث فيما تقدم وفي هذا بيان أن ما قدره من أن الإيمان إلا ما ينتهي به عن أصل الكفر غير ثابت له، والله أعلم.
ويقال له: أن الكافر إذا أسلم لم تزدحم عليه العبادات كلها فور إسلامه. فإن كان اعتقاد إقراره إيمانا كافيا في ذلك، فلأنه لا أمر متوجه عليه فيه. وقد يؤمن الأخرس بالاعتقاد وحده لأن فرض الإقرار لا يتوجه عليه، ثملا يدل ذلك على أن لسانه لو أطلق لم يلزمه الإقرار، ولم يكن منه إيمانا. فكذلك الجامع بين الاعتقاد والإقرار يكون مؤمنا بهما، وذلك لا يدل على أن وقت الصلاة إذا دخل فصلى لم يكن ذلك منه إيمانا والله أعلم.
قال الرجل: فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" قبل الاحتجاج بهذا الخبر. لأن في نفس الخبر ما يمنع من قبوله، وهو أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة" ولا يحتمل أن يشك رسول الله ﷺ في عدد شعب الإيمان. فهو في الراوي، ولا يجوز إثبات دين الإسلام بخبر شك الراوي في متنه، وإن صح الخبر لم يكن لهم فيه حجة من وجوه:
أحدهما: أن الخبر سمى كل شيء شعبة الإيمان، وهم يسمون كل شيء منها إيمانا، ويدعون على كتاب الله أنه جاء بتسمية الصلاة إيمانا بزعمهم، ورسوله صيرها شعبة إيمان،
стр. 98
فهو خلاف. والله تعالى يقول: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا من باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين﴾. فلا يجوز أن نخالف الرسول ولا نغير عليه. قال: والخبر جعل شهادة الإخلاص شعبة من الإيمان، وجعل غيرها أحوالها، وهم جعلوا هذه الشهادة وغيرها أغيارا لها. والخير جعل الإيمان اسما لبضع وسبعون، فلا يجوز تسمية الواحد من السبعين باسم الإيمان والصلاة واحدة من تلك الجملة، ولا يجوز أن يطلق عليها اسم الإيمان. فبطل الاحتجاج بالخبر.
فيقال له: أن النبي ﷺ لا يشك في شعب ولا يخفى عليه عددها، وما روي عنه ﷺ أحد أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة" وغنما هذا يشكل من بعض الرواة، ولئن كان أحدهم شك، فقد روي غيره قطعا من غير شك أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون بابا" وأكثر الروايات على هذا فلا يجوز تعطيلها والإعراض عنها لشك عرض لغيرهم وفيها، ولو أن رجلا أقام شهودا على رجل بمال. فقال أحدهم: له عليه ألفان أو ألف درهم، وقطع الآخرون بأخذ العددين لم ترد شهادة القاطعين لشك الذي شك من بينهم، فلم تقطع بما قطعوا به، فكذلك هذا.
وأما قوله: أن الخبر سمى الطاعات شعب الإيمان، وأنتم تزعمون أن كل شعبة منها إيمان.
فجوابه: أن شعبة الإيمان إيمان، كما أن شعبة العبادة عبادة، وشعبة الطاعة طاعة، ولو قال قائل: العبادة كذا وكذا شعبة، فعدد الصلاة والطهارة والزكاة والصيام والحج والجهاد وسائر ما يعبد الله به خلقه مائة مائة حتى أتى على آخرها. ثم قال هذه شعب العبادة لم يمنعه ذلك من أ، يقول لكل واحد منهما: أنها عبادة. ولو قال: هذه شعب الطاعة، لم يمنعه ذلك من أن يقول لكل واحدة منهما أنها طاعة. ولو قال: هذه شعب الشريعة لم يمنعه ذلك من أن يوق لكل واحدة منهما أنها شريعة. أو قال: هذه أحكام الله وأوامره ونواهيه، لم يمنعه ذلك من أن يقول لكل شيء بعينه أنه حكم الله، أو أمره، أو نهيه. فلذلك إذا قال: أنها شعب الإيمان لم يمنعه ذلك من أن يقول لكل واحدة أنها إيمان. وقد يقول القائل: الصلاة خمس، فعد الظهر والعصر والمغرب والعشاء
стр. 99
والفجر، ثم يسمي كل واحدة منها صلاة، فلا يناقض ذلك قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة".
وأما قوله: الخبر جعل شهادة الإخلاص من شعب الإيمان، وجعل غيرها أجزاء لها، وهم جعلوا هذه الشهادة إيمانا وغيرها أغيارا لها فبهتت، لأن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فجعل شعب الإيمان المتشعب بضعا وسبعين شعبة لا لشهادة أن لا إله إلا الله.
ومن المحال أن يكون الصيام والصلاة والزكاة والحج أجزاء للشهادة، والنبي ﷺ لا يتكلم بالمحال. وأما نحن فلم يقل: أن الشهادة إيمان، بمعنى أنها جميع الإيمان، لكن على أنها أصل الإيمان. ولم يقل: أن سائر الشعب غير الإيمان، كما يقول: أنها غير الشهادة أو غير أصل الإيمان كمالا. يقول: أن كل واحد من الاعتقاد والإقرار غير الإيمان. وأن كنا نقول: أن الاعتقاد غير الإقرار، والإقرار غير الاعتقاد، والله أعلم.
وأما قوله: أن الخبر جعل الإيمان اسما لبضع وسبعين، فلا يجوز أن يسمي أحدهما إيمانا.
فجوابه: أن أحد هذه البضع والسبعين شهادة أن لا إله إلا الله وهي إيمان باتفاق، فكذلك كل واحدة من سائر الشعب إيمان، وإن كان الإيمان في الأصل اسما لبضع وسبعين شعبة، وبالله التوفيق.
قال الرجل: فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". قيل لهم: إن صح هذا الخبر لم يجز حمله على الظاهر، لأنه لا يجوز أن يوزن توحيد الرب بمثقال ذرة من خردل، بل لوزن بالدنيا والآخرة لرجحها، وقد جعل الله عقوبة عدم الإيمان عذاب الأبد، فلا يجوز أن يكون كل شيء يزن مثقال حبة من خردل يجعل عقوبة عدمه الخلود في النار.
стр. 100
-وكان في النسخة بعد هذا الكلام غلط وقع فيه الناسخ فلو يوقف منه على غرض- ويقال له: إن الاحتجاج بهذا الحديث لا يكون لإثبات أن الطاعات كلها إيمان، فإن كنت أضفت إلينا لهذا، فقد غلطت، وإن كنت انتقلت عن الفصل الذي ابتدأت به إلى فصل آخر، وهو أن الإيمان هل يزيد وينقص، وأردت بما حكيته عنا: أنا إن احتججنا بهذا الحديث لإثبات أن الإيمان قد ينقص حتى لا يكون في قلب إلا وزن خردلة، ثم قد يكون في قلب آخر وزن شعيرة، وفي قلب ثالث وزن بره، كما وردت به الأخبار، وهذا يدل على تفاوت الناس في إيمانهم، ثم جعلت جوابنا عن هذا ما ذكرت، فلقد أسأت الجواب. لأنك زعمت أن التوحيد لا يجوز أن يكون خردلة، بل لو وزن السموات والأرض لرجحها، وأن التوحيد فعل المتوحد كما أن سائر العبادات فعل المتعبد، وما كان فعل العبد يجوز أن يقع هذا ناقصا خفيفا. وإن كان المقصود بذلك الفعل هو الله جل ئناؤه.
ألا ترى أن الصلاة عبادة الرجل لله جل ثناؤه، كما أن الإيمان توحيد، وقد يصلي الرجل صلاة يوفيها حقوقها فتكون ثقيلة في ميزانه، وقد يصليها مقتصرة على أقل ما تحوي، ويؤديها غافلا عنها تاركا الخشوع فيها مستعجلا بالفراغ منها، فلا يكون لها ذلك الوزن بل يكون يترك الأول بدرجات كثيرة، فكذلك لا ينكر أن يكون إيمان بعض المؤمنين كاملا بتكامل شعبه وحقوقه، ويضرب له المثل بالحسد وما يشبهه. وإيمان بعضهم خفيفا ناقصا، فيضرب له المثل بوزن الذرة ووزن الخردل، وليس في ذلك شيء يرجع إلى الله تعالى.
ألا ترى أن توحيد الرب قد يعدم في بعض العباد وهم المشركون، فلا يكون لهم ما يوزن أصلا. فمن أين استحال منه إذا وجد الناقض الخفيف الذي لا يوزن إلا الشيء اليسير، من نحو ما ضرب له مثلا، والله أعلم.
فإن قيل: فكيف يكون ذلك قبل أن يكون في قلب واحد توحيد ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهيا قد أذهلته الدنيا عن الآخرة فإنه إذا كان بهذه الصفة انفرد التوحيد بها إذا كانت كلها تصديقا،
стр. 101
والتصديق من وجه واحد أضعف من التصديق من وجوه كثيرة، فإذا كان كذلك خف وزنه، وإذا تتابعت شهادته ثقل وزنه.
وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمانا واحدا عن أشياء باستدلال قوي ونظر كامل، وإيمانا آخر واقعا عن الخير والركون إلى المخبر به. فيكون الأول أثقل وزنا والثاني أخف وزنا. فأما قوله: أن شيئا يكون خردلة، فلا يجوز أن يستحق الخلود في النار بعدمه، فكلام فارغ لأنه وإن كان خفيف الوزن فهو إيمان إذا عدم وجد مكانه الكفر، وعليه يكون التعذيب بالنار، فلا ينظر مع هذا الإيمان المعدوم كان خفيف الوزن أو ثقيله. وإنما ينظر إلى أن الموجود بدلا منه وهذا الكفر، والكفر أغلظ الجنايات، فحقه أن يقابل بأغلظ العقوبات والله أعلم.
وأما من ولي من أصحابنا من أن الإيمان قد ينقص حتى لا يبقى منه شيء، بمعنى أن المعاصي تحبط ثواب الطاعة بعد الطاعة حتى يخلص الأمر إلى ثواب الإيمان، فلا يزال ينقص منه شيء بعد شيء حتى لا يبقى مما يحيط ثواب منه إلا قدر برة أو قدر شعيرة أو قدر خردلة أو قدر ذرة، فإنه يقول: فإنه يقول: المراد بالحديث (يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان). أو شيء لم تحبط المعاصي ثوابه، وإن كان ذلك بقدر ذرة أو خردلة، ولا يخلد في النار من كان بهذه الصفة. وفي هذا دلالة على أن الطاعات من الإيمان وأن المعاصي تحبط ثوابها إذ كان الحديث لا يخرج إلا على هذا المعنى.
فإن قيل: أرأيت إن كانت المعاصي أحبطت ثواب جميع إيمانه، أيخلد في النار، قيل: لا، وليس تخصيص الذي بقي في قلبه قدر ذرة وخردلة من الإيمان بالذكر، ما يمنع من أن يكون الذي لم يبق في قلبه إيمان إلا وقد أحبط المعاصي ثوابه غير مخلد في النار ولكن هذا إذا لم يخلد في النار أدخل الجنة بالشفاعة، فيكون ذلك إحسانا يبتدأ به لا ثوابا. والذي في قلبه شيء من إيمان لم يبطل ثوابه إذا لم يخلد في النار أدخل الجنة لثبات بإيمانه والشفاعة إن وقعت به قليلا، يعذب أو لينقص عذابه، فهو فرق ما بينهما والله أعلم.
стр. 102
قال الرجل: وقد يجوز أن يكون معنى الحديث أن من أتى بمثقال حبة من خردل من خير بعد الإيمان، ولم يكن خير غير ذلك أخرج من النار بالشفاعة، وإذا لم يكن له خير قط. فالله تعالى يتفضل عليه بالعفو ولا يجعل لأحد فه شفاعة. لأن التوحيد اعتقاد فيما بينه وبين ربه فهو الذي يتفضل عليه بالإخراج من النار. فيقال له: أنك قد أتيت الخير بعد التوحيد إيمانا، ولا تشعر لأن الحديث خائضا في مثقال ذرة من الإيمان. فقلت معناه: خير كسبه بعد التوحيد، فأوجبت بذلك أن يكون الخير بعد التوحيد إيمانا، ومع هذا فكلامك غير صحيح، لأن الحديث اقتضى الإيمان الذي يكون بالقلب فعلم أنها غير مرادة بالحديث وقوفك بين من يعفى عنه بلا شفاعة. وبين من لا يعفى عنه إلا بشفاعة، نادر غريب. لأنك جعلت أحوج الرجلين إلى الشفاعة وأبعدها من استحقاق الفضل خارجا من أن تكون له الشفاعة لاحقا بمن يبدأ بالفضل والإحسان بلا مسألة، وأدناها إلى الفضل أبعدها منه، وأولاها بأن لا ينال خيرا إلا بالشفاعة، وهكذا يكون حال من يبغي ما ليس له، والله أعلم.
قال الرجل: فإن احتجوا بما ذكر في القرآن من زيادات الإيمان، قيل لهم: لا حجة لكم فيها لأن الإيمان عندكم اسم لجميع الطاعات ولا سبيل إلى استجماعها. فالإيمان على قولكم ناقص أبدا غير كامل، فكيف يجوز أن يوصف بالزيادة عليه؟
فيقال له: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات، ولكل واحدة منها. فمن أداها جميعا كان كامل الإيمان، وأما في حال الأداء، فإن من أدى منها شيئا واجب زاد به ما تقدم من أدائه، فإن وجب شيء آخر بعده فأداه، زاد به ما مضى قبله. ولا يكون ناقص الإيمان بأن لا يكون قد حل عليه واجب بفعله إلا بالإضافة له، إلى من حل ذلك عليه ففعله، إنما ينقص إيمانه حقا إذا وجب عليه شيء فلم يفعله فبطل. بهذا قولكم أن الإيمان عندكم ناقص أبدا، وقولك لا سبيل إلى استجماع الطاعات كلها بحال، لأنها قد اجتمعت في الشرع ولو لم يكن إلى الجمع بينهما في الفعل، ما جمع بينهما في الشرع ولا نظمت في التكليف والله أعلم.
قال الرجل: والآية سمت الزيادة إيمانا لقوله تعالى: ﴿زادتهم إيمانا﴾ وعندكم
стр. 103
أنها أجزاء الإيمان، وبعض جزء الشيء لا يستحق اسم الشيء نفسه، وفي هذه الآية تحقيق اسم الإيمان لكل جزء منها. فثبت أن القول يجعل كل طاعة جزءا من الإيمان، قول فاسد وبراعة أن هذا الرجل إما أن يكون في نهاية الغفلة أو في نهاية الإعجاب بنفسه لأنه يقول بالشيء ثم ينقضه في الحال نفسه ويحب بما فيه كثير قوله وهو لا يشعر قلبه بدأ كلامه لأن الآية سمت الزيادات إيمانا، فيقال له: ما هذه الزيادات أولا فإنك قد أثبتها، وفي جوابك الأول أحلتها، فهل هي إلا الطاعات التي يترادف، فكلما وجد منها شيء ازداد ما قبله، ثم قال: وعندكم أنها أجزاء الإيمان وبعض التي لا يستحق اسم الشيء ثم ينقص هذا على نفسه. فقال: وفي الآية تحقيق اسم الإيمان لكل جزء من أجزاء الإيمان. فما عذرك في رفع اسم الإيمان عن شيء حققته الآية؟ ثم رجع في هذا وقال: فثبت أن القول يجعل كل طاعة جزءا من الإيمان فاسد.
فيقال له: أليس زعمت أن الآية حققت اسم الإيمان لكل جزء من أجزائه، فأثبت تجزأ الإيمان، وأثبت اسم الإيمان لكل واحد من الأجزاء. فيكون القول بما حققته الآية فاسدا، وفي هذا ما أبان غفلته. ويقال له: إن بعض أجزاء الشيء قد يستحق اسم الشيء نفسه لأن كل القرآن قرآن، وكل سورة منها وكل كلمة وكل آية قرآن. فالطاعة طاعة وكل نوع منها طاعة، والعبادة عبادة وكل صنف منها عبادة. والسماء سماء وكل جزء منها سماء، والماء ماء وكل جزء منها ماء، والأرض أرض وكل جزء منها أرض. فمن أي استحال أن تكون شعب الإيمان إيمانا، وكل شعبة منها إيمانا، فتكون زيادة الطاعات زيادة إيمان.
قال الرجل: والإيمان عندهم اسم لاجتماع جميع الخيرات، وما جعل اسما للكل استحال وصفه بالزيادة، لأنه ليس وراء الكل شيء يتصل به، فيكون زيادة عليه.
فيقال: إن الإيمان اسم لجميع الخيرات: فرائضها ونوافلها وأنواعها منه. وليست بخارجة من الشعب البضع والسبعين ولا زيادة عليها، لأن المحدود في الشريعة لا سبيل لأحد إلى الزيادة عليه، ولكن هذا التوفيق يلحق هذه الشعب من قبل الوضع والشرع، فأما أفعالنا وأعمالنا وأداؤنا هذه الشعب فإنها قد تقل وتكثر، كما أنها قد توجد وقد تعدم، والشرع بحالة لا يتغير، فإذا جاز أن تكون هذه الشعب من حيث الشرع
стр. 104
موجودة، ولا يوجد من بعض الناس فعل شيء منها جاز أن يكون من حيث الشرع محدودة ويوجد من الناس التفاوت فيها، فمن جامع بينهما وبين مفرق، فمن جمع فقد كمل إيمانه، ومن فرق نقص إيمانه. ألا ترى أن الصلاة المفروضة محدودة في الشريعة، ثم قد توجد في أفعال المؤدين لها بالزيادة والنقصان، فمن أقامها كان كامل الإيمان ومن أقام بعضها وترك بعضها كان ناقص الصلاة وأجزاؤه كالصلاة وأعدادها والله أعلم.
قال الرجل: فتأويل الآية يخرج على وجوه:
أحدها: أن يكون المراد بها الزيادة في فضل الإيمان ودرجته، وحسنه وجماله، لا في أجزائه وأبعاضه، كما سميت صلاة واحدة بمكة بألف صلاة، وأريد بذلك الزيادة في الفضل والدرجة لا في العدد. والآخر إن ما كان زيادة في نفس الشيء وأجزائه فإن ارتفاعه يوجب نقصانا فيه، وترك الطاعات لا يوجب نقصانا في نفس الإيمان. فدل ذلك على أنه ارتد به الفصل والدرجة، وهكذا يقول: إن الإيمان يزيد في الفضل والدرجة والحسن والجمال، ومن تعاطى المعاصي كأن إيمانه في الفضل والمنزلة، ومن الإيمان من يتعاطى أفعال الطاعات.
فيقال له: إن الآية لا تحتمل ما ذكرت لأن الله قال: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. ومعلوم أن نزول السورة لا يزيد المؤمنين فضل درجاتهم في إيمانهم، ولكنها قد تزيدهم إيمانا من حيث يعتقدونها ويعملون بها، فتكثر لذلك طاعاتهم. فصح أن المعنى هذا دون ما قاله.
فإن قال: وما يمنع من أن يقال أنها تزيدهم إيمانا من حيث يعتقدونها ويعملون بها فتكثر، فتزداد بذلك درجات إيمانهم. قيل: يمنع من هذا أن الإيمان عندك إنما هو الاعتقاد والإقرار فقط. ومجموع هذين لا ينبغي أن يزداد تفضلا في درجات الثواب بطاعة تقام وخير يكسب بعده إن لم يكن ذلك إيمانا، لأن ثواب الإيمان لا يزداد درجاته ولا تتضاعف بما ليس بإيمان.
стр. 105
ألا ترى أن درجات الصلاة عندك لا تزداد بالصيام ولا درجات الصيام بالحج، فكذلك يلزمك أن تقول: أن فضل شهادة الحق ودرجاته لا تزداد بخير، سواها يؤتى به بعدها إن لم يكن إيمانا مثلها. فإن قلت: بل يزداد، لزمك أن تقول: أن كل خير يكتسب بعدها من دوامها فهو إيمان، وإنما يزداد فضل الشهادة بها لانضمام اشتباهها، كما يزداد فضل الصيام واجتماع حقوقها وشرعها والله أعلم. وكل ما قلته في هذه الآية فهو في غير مثله وبالله التوفيق.
وأما استشهادك بالصلاة بمكة فغير صحيح. لأن تضعيفها لا يتعلق بزيادة فعل يكون من المصلي سوى ما يكون منه لا بمكة فمثلها أن المراد به تضعيف الثواب فقط، وأما زيادة الإيمان فلا تحدث إلا بفعل يحدثه المؤمن زائدا على ما تقدم منه، فإن لم يكن ذلك الفعل إيمانا، لم يجز أن يزيد في درجات الشهادة المقدمة، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون فعل المباحات يزيد في درجات، ولما لم يجز ذلك وزادت الطاعات عنده في درجات الشهادة صح أنها إيمان مثلها، فإذا انضمت إليه يثوب بها، فازداد بذلك ثوابها، والله أعلم.
وأما استدلاله على أن المراد بزيادة الإيمان زيادة درجاته ونقصان ثوابه، بل كل زيادة في نفس الشيء، فإن ارتفاعه يوجب نقصانا فيه، وترك الطاعات يوجب نقصانا في الإيمان، ومع ذلك يحتج عليه بقبول نفيه فلا يبالي وكأنه لا غرض له إلا أن يسود بياضا.
أو يقال: قد قال: وليس هذا من الآية بسبيل، فإن سئل عن نقصان الإيمان ترك الطاعات. قيل له: أقل ذلك إن صح يكن له طاعة، إلا شهادة الحق صار صريح إيمانه معارضا بأمارات الكفر، لا أن المعاصي كلها فروع الكفر، وهي إذا عارضته أو هنته كما لو صاحبته الطاعات التي هي أمارات التصديق لقوته. ولهذا سمي المسلمون الفسق جرحا وخلافه عدالة. فقلت: إن ترك الطاعات ناقص من الإيمان، وإن الأمر في ذلك بخلاف ما قدر والله أعلم.
وأما من قال: إن المعاصي تحبط الثواب، وقد تخلص إلى ثواب الشهادة إذا أحبطت ثواب ما دونها، فإنه يقول: أن المعاصي تنقص الشهادة لأنه يجعلها لا ثواب لها، وإذا جعلها كذلك فقد نقص قدرها وحط رتبتها.
стр. 106
فإن قال الرجل: أرأيت من قال من أصحابك هذا، لم يقل أن زيادة الإيمان زيادة ثوابه، كما قال أن نقصان الإيمان نقصان ثوابه.
قيل: بل يلزمه عند هذا، وهو أن الإيمان إذا كان لا ينقص ثوابه إلا بفعل ضده وهي المعصية التي هي من فروع الكفر، لم يرد إلا بفعل مثله وهو الطاعة، التي هي من فروع التصديق، فتزداد الطاعة المتقدمة بالطاعة المتأخرة، ويتضاعف الثواب. فأما أن يزداد ثواب الإيمان لا بإيمان يحدث بعده، فذلك محال، كما أن نقصانه لا بخلاف إيمان يحدث بعده محال، والله أعلم وبالله التوفيق.
وأما من قال: إن نقصان الإيمان إنما يزداد به نقصانه عن حد الكمال المبين له أو نقصانه، بالإضافة إلى ما هو أكمل منه، وأنه لا يقول: المعاصي تنقص الشهادة. لأن معنى نقصان الإيمان عنده انقطاع أضداده عنه، فيقال: المعاصي نقصت إيمانه فعل ما تركه إلى ضده لكان ذلك إيمانا منه، ولكثرت به أجزاء إيمانه. فلما كان خلاف ذلك منه أنه وعالجوا الموجود من الإيمان، فكان إيمانه ناقصا بالإضافة إلى ما كان يكون لو لم ينفرد بالإضافة إلى إيمان غيره ممن لم يجن مثل جنايته، ونقصان الإيمان من هذا القول كنقصان المال، وزيادته كزيادة المال، أو نقصان كنقصان بعض الأعضاء وزيادته لتكامل الأعضاء، أو نقصانه كنقصان المال وزيادته كزيادة على مقداره.
قال الرجل أيضا: فإن الزيادة في الإيمان إنما ذكرت عند زيادة الإيمان والسور، فمعناها الثبات على الإيمان والقرار عليه والصلابة فيه، لأن الآيات تظهر الحجج، وتزيل الشبهة فيزداد المؤمن بذلك قوة وثباتا على الإيمان. والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا﴾.
فالذي وصفه بالزيادة في تلك الآيات وصفه بالتثبت قي هذه الآية، فدل أن معناها القرآن، والقرآن عليه وكذلك ضرب الله تعالى مثل الإيمان بشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء وصفه بالثبات والقرار عليه، ووصف الكفر بضد ذلك فقال: ﴿اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾. فيقال له: أن الإيمان الزائد للمؤمنين بنزول السور: هو أن
стр. 107
يؤمنوا بالتأويل أولا، فيعتقدوا أنه من عند الله تعالى، ثم أن يعملوا إن كان فيه فرض سبيله أن ينفذ. فإن السورة التي قيل فيها: ﴿وإذا ما أنزلت فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. هي التي قيل فيها: ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين﴾. فعلمنا أن قوله : (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) إنما أريد بها أنها إذا أنزلت بالجهاد مع رسول الله ﷺ جاهدوا ولم يتحققوا عنه مستأذنين ولا غير مستأذنين.
ألا ترى أنه قال: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا على رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾. إنما أراد به أهل الطول من المنافقين الذين لا يكون لهم عذر مقعدهم ومع ذلك يقولون للنبي ﷺ : ﴿ذرنا نكن مع القاعدين﴾ كل ذلك فعل يحدثونه فيحدث لهم به زيادة إيمان أو زيادة رجس، فصح أن المراد بالآية ما قلنا والله أعلم.
وأما قوله: أن المراد بالآية أن الآيات إذا أنزلت أظهرت الحجج وأزالت الشبهة، فيزاد المؤمن بذلك قوة في الإيمان!
فجوابه: أن تلك القوة ليست إلا فضل تصديق ما كان يحدث منه زيادة إيمان، فقد بينا أن كل طاعة تصديق، فليكن حدوثها زيادة إيمان، هذا ومن قوله: إن ما كان قبل نزول الآية فهو إيمان تام ولا معنى للزيادة على التمام ثم ينقصه على نفسه، ويزعم أن فضل التصديق الواقع بنزول آيات يتضمن على الحق دلالات زيادة حادثة على ما تقدم من الإيمان.
فيقال له: إما أن لا يكون الأول تاما بالإطلاق فيكون، تعوض الزيادة، أو إن كان تاما فقد يكون تمام فوق تمام. فلا ينكر أن يرد عليه من الطاعات ما يزيده تماما وبالله التوفيق.
وكذلك ما قاله في الثبات على الإيمان لأنه إن كان أراد أن السور إذا أنزلت أراد بها نفيهم حتى يصير ذلك سببا للثبات لولاه لكان لا يقع منهم، فهو تأويله الأول، وإذا
стр. 108
كان كذلك، فكل طاعة تحدث فهو تصديق حادث، فوجب أن تكون زيادة إيمان وبالله التوفيق.
قال الرجل: ووجه آخر يحتمل أن يكون المراد بالإيمان نوره في القلوب، وضياؤه فيها، لا نفسه، لأن الله تعالى وصف الإيمان بالنور والضياء لقوله تعالى: ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾. وقوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾. وقال: ﴿كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة﴾. وقد سمى هو الشمس شمسا، ونور القمر قمرا، فلذلك يجوز أن يسمي الإيمان نورا، فالنور لا نور له، وإنما النور البين وعندك أن الله سمى الإيمان نورا، فإذا لم يكن للنور نور، لم يكن لك أن تحمل الوارد بزيادة إيمان على النور.
فإن زعم أن الإيمان نور وأن له نورا، لم يمكنه أن يرجع في إثبات ذلك إلى هذه الآيات، ويسأل عن نور الإيمان: الإيمان ما هو؟ فلا يمكنه أن يشير إلى معنى سوى أنه يدعو إلى الطاعات ويحول عليها، ويزجر عن المعاصي والميل إليها.
وذلك نفس قولنا، لأن كل ما حول عليه إيمان فهو إيمان، فإن بدء الإيمان الاعتقاد بالقلب فلما كان إيمانا كان ما يحول عليه من الإقرار إيمانا. ولما كان الإقرار إيمانا. كان ما يحول الإقرار عليه من قبول الشرائع إيمانا. كذلك قبول الطاعات إيمان. فوجب أن يكون ما يحول للقبول من الأفعال إيمانا قبول الإيمان هو أن اعتقاده يهدي إلى الإقرار ويقبل الأمر والنهي، والتقبل يهدي ولا يعقل له معنى سوى هذا وبالله التوفيق.
قال الرجل: وروي عن بعض السلف في تأويل الآيات، أن معناها: أنهم كانوا آمنوا بالله ورسله وبجميع ما يأتي من الله، فإذا أتى فرض بعد فرض ازداد إيمانهم بالتفسير مع إيمانه بالجملة. وقال أهل التفسير بأجمعهم في تأويلها: أنه التصديق أي زادهم تصديقا إلى تصديقهم، ويقينا إلى يقينهم، ولا أحد منعم صرف تأويلها إلى الصلاة والزكاة، ولا إلى شيء من القرب، فمن صرفه إليها فقد خالف أهل التفسير.
стр. 109
فيقال له: أن الذي حكيته عن بعض السلف صحيح، ولكن ليس إذا كان ذلك زيادة إيمان امتنع أن يكون غيره وهو العمل بذلك المتقبل إيمانا، فقبول ما يحدث بعينه إيمان، لأنه طاعة، فكذلك ينبغي أن يكون العمل به إيمانا لأنه طاعة ويثبت بزيادة الإيمان بكل حال.
وأما المفسرون في إجماعهم على تأويل الآية: هو التصديق. فمرحبا بهم. ومن خالفهم فإنه لا يخالفهم، ويقول كما قالوا: إن زيادة الإيمان ليست إلا زيادة التصديق، لكن كل طاعة تصديق، فحدوثها كحدوث فضل اليقين أو الثبات وبالله التوفيق.
قال الرجل: واحتجوا بما روي عن بعض الصحابة: أن القبلة لما حولت خشي كثير من الصحابة على من مات منهم ضياع صلاتهم، فنزل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.
قيل لهم: أن هذا الخبر لا يصح عن الصحابة لأنه لا يجوز أن يسبق إلى فهم أحد أن الله ﵎ يضيع عملا عمل بأمر رسول الله ﷺ . ولأن ذلك يوجب شكا في خبر رسول الله ﷺ ، ولو كان ذلك كما ذكروا، لكان خوف الصحابة على أنفسهم من ذلك أوجب من الخوف على من مات منهم، والسؤال عن إعادة تلك الصلوات ألزم لهم من غيرهم، ولم يرو عنهم في ذلك شيء. فدل أن هذا التأويل باطل، ولأن الآية جاءت بذكر من بقي من الصحابة دون من مات منهم لقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ولم يقل إيمانهم. وإذا بطلت القصة التي هي دلالة تسميتهم الصلاة إيمانا بطل التأويل.
فيقال له: الذي ذكرت أنه لم يرو وقد روي، وجاء أن هذه الآية كما نزلت سألوا رسول الله ﷺ عن صلاتهم إلى بيت المقدس، ومعنى هذا أنهم سألوا: أهل عليهم إعادتها؟ وروي أنهم سألوا عن إخوانهم الذين قتلوا قبل تحويل القبلة. ومعنى هذا أنهم لما سألوا عن أنفسهم فأخبروا أن لا إعادة عليهم، ظنوا أن سقوط الإعادة عنهم إنما هو لأنهم أدركوا القبلة الجديدة. فلما صلوا إليها لم يتبعوا فيما صلوا قبلها إلى غيرها.
وأما إخوانهم الذين ماتوا من قبل فعسى أن تضيع صلواتهم فسألوا عنهم. وهذا كما روي: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف فمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله عز
стр. 110
وجل: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. وأخبروا أن الأحياء الذين شربوا قبل التحريم والذي سبق موتهم نزول التحريم سواء في سقوط التبعة عنهم في ذلك. فكذلك أخبروا بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أن الأحياء من المصلين إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة والأموات سواء، في صلواتهم محتبسة.
وقد يجوز أن يكون السائلون عن هذا قوما سوى فقهاء الصحابة، فكان لا يحضرهم عند هذا السؤال قول الله : ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ ولأن العمل إذا أدى بأمر الله وأمر رسوله ﷺ يبطل على عامله وإن لحقه بعد ذلك نهي عنه وتبديل له. هذا وقد كان الزمان زمان الشرع، وقد كان يمكن أن ينوبهم فقهاؤهم إن كانوا هم السائلين.
إن العمل إذا نسخ بطل ووجبت إعادته على منهاجه المستأنف دون ما مضى، فإن هذا مما كان يجوز أن يشرع ثم كان يكون، فنزل الله : ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ محمولا على العمل إذا أسلم. وتكون إحدى شرائطه سلامته، أن لا يلحقه نسخ ولا تبديل. وإذا كان هذا جائزا ومتوهما مظنونا، لم ينكر أن يصير سببا للسؤال عن الصلوات المقدمة، فجابوا عنها بما أجيبوا به، ولم يجز أن يتسرع إلى إنكار رواية لا تعدلها في الشهرة والاستقاصة رواية، وما خلا منها كتاب مفسر ولا أحد تكلم في معاني القرآن، والله أعلم.
قال الرجل: تأويل الآية عندنا خرج على وجهين:
أحدهما: أن تكون الصلاة مضمرة عند الإيمان كأنه قال: وما كان الله ليضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس، وإنما سألوا عن الصلاة نفسها. فدل ذلك على أنها في الإيمان المذكور في الآية. ألا ترى أنه لما نزل تحريم الخمر لم يسألوا عن إيمان من شربها مستحلا لها، وإنما سألوا عن الشرب نفسه.
ويقال له: إن كانت الصلاة سميت إيمانا لأنه سببها، فهو سبب كل طاعة فليسم إيمانا، وهذا مما ذكرنا من نقصه في بعض الأوقات على نفسه.
следующие страницы →