← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ومن أنس من مقابلة منعم إذا شكره علم أن أقل ما يلزمه له أن يعتقد أنه مرتهن بحقه، ويصلح قلبه له حتى لا يتمكن منه ما لو بدأ المنعم يكرهه، ولا بتوطئه إلا ما ظهر له منه كبيرة وأعجبه، والله لا يخفى عليه شيء ولا إنعام يعدل إنعامه، ولا إحسان يوازي إحسانه. فهو أحق بأن لا يعتقد العبد في ذاته إلا ما يرضاه، ويعصي في ارتكاب ما يكرهه هواه وبالله التوفيق. وكذلك ما ذكرته في ترك الإشتغال لقضاياه، وتر الاستكثار لتكاليفه، لا استقال القضايا واستشعار ظلم، واستكثار التكاليف واستشعار حمل، وكل واحد منهما حقا وأعيان فمن أضمر هذا للآخر في نفسه فقد سهل لبغضه لأن المظلوم لا يحب الظالم ولا المحمول عليه الحامل. وأما إذا لم يستقل القضايا وعلم ما نفذ فيه قضاؤه فإنما كان ملكه، وكان أولى به منه أو تجاوز ذلك إلى أن يستجلي ما يجزي به القضايا لأجل إنما عرض، فمن قبل المولى من قبل أحد، لقوله: وواحد، فيكون ذلك عائدا عليه بفضاضة وحقارة، فناهيك بالأمرين: أما أولها فإبعاد لما يفسد المحبة عن القلب، والآخر فيوصل إلى اكتساب محبة الله، وكل واحد منهما مما تبعث عليه الرغبة في رضا الله ﷻ ، والكراهة تسخطه، وإذا لم ينكر الفرائض علم أن الله تعالى قد أبقى عليه ولم يخرجه، ويساهله ولم يشدد عليه، فدعاه ذلك إلى نعيم طاعته، ويطلب رضاه وموافقته. فإن الإتقاء ممن يملك الاستيفاء اتصال، كما أن الاستيفاء ممن يملك الاتقاء شديدو الإيفاء والإنعام والإفضال عن دواعي المحبة والبواعث عليها. وكذلك للإشفاق من انقطاع نظر الله ﷻ هو اكدار كان المحبة، لأن الإشفاق لا يكون إلا على مظنون به متنافس فيه فمن كان نظره إلى ما أكرمه الله تعالى من معرفته وتوحيده هذا النظر دل ذلك من حاله على علمه بحقه. والعارف بحق سيده والمنعم عليه لا يكون مبغضا له وكذلك تعلق الأمل بالله ، مع العلم بأنه لا غنى عنه، وأنه جواد كريم هو من أسباب المحبة، لأن أحدا لا

стр. 492

يبغض من لا يصل إلى محبوبه إلا به ومن قلبه، فكذلك يجب من يوصله إليه، ولاسيما إذا لم يكن له إليه موصل غيره، وكان كريما يصدق الأمان ويكثر الأفضال ويحب الدعاء ولا يحب الرجاء. وكذلك هيجان القلب للذكر الحسن والتقرب بنوافل الخير، ومولاة من يجده على طريقته، ومناوأة من لا يجده وتبرئه منه، والغلظة عليه كل ذلك من أركان المحبة في العبادات المعروف، وهو أمر لازم للطباع. وقد قال الله : ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾، ومن يتولهم منكم، فإنه منهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾. فدل ذلك على أن ولاية الله تعالى جده لا تفارق موالاة أعدائه من أعلام ولايته ومحبته والله أعلم. فصل فأما إدامة ذكر الله تعالى جده التي ذكرناها أنها من إمارات المحبة، فقد جاء منها قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ وقوله : ﴿فاذكروني أذكركم﴾. وجاء عن رسول الله ﷺ ، وفي الأحوال التي يستحب الذكر فيها وفي فضيلته والحث عليه أخبار، فمنها ما جاء في الحث والاستكثار من الذكر، فإنه ليس شيء أفضل من ذكر الله، ولو اجتمع الناس على ما أمروا به من ذكر الله ما كتب الله الجهاد على عباده وإن الجهاد شعبة من ذكر الله.

стр. 493

وفي هذا الحديث أن المراد بالذكر ليس هو الذكر باللسان وحده ولكنه جامع اللسان والقلب، والذكر بالقلب أفضل لأن الذكر باللسان لا يردع عن شيء، والذكر بالقلب يردع عن التقصير في الطاعات والتهافت في المعاصي والسيئات، وعنه ﷺ ، أنه أتى في طريق مكة على جبل فقال: "الله أكبر، هذا حمدان، سبق المؤذنون قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات". وفي بعض الروايات: "الذين اهتزوا بذكر الله". وعنه ﷺ ، فيما ذكر عن الله تعالى جده: "أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه يعني باسمي وقال- إن أهل الجنة لا يتحسرون على شيء إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها". ومنها ما جاء في لزوم مجالس الذكر ومصاحبة أهله، قال النبي ﷺ : "إذا مررتم برباط الجنة فارتموا، قالوا يا رسول الله، وما رباط الجنة؟ قال: مجالس الذكر، فأعدوا فيها وروحوا في ذكر الله" وعنه ﷺ : (ما لمجتمع قوم يذكرون الله إلا حتفهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده". ومنها ما جاء في عمارة البيت بذكر الله ، وقال النبي ﷺ : "مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت". ومنها: الأحتراز من الشيطان بذكر الله تعالى جده، يروى أن رسول الله ﷺ قال: "أوحى الله إلى يحيى ثم زكريا ﵇ أن الله يأمر الناس بكر الله تعالى". ثم قال: "مثل ذاكر الله كمثل رجل طلبه العدو وسارع في أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، فكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله". وعنه

стр. 494

صلى الله عليه وسلم: "أن الشيطان واضع خطمه في قلب ابن آدم، فإن ذكر الله حبس وإن نسي الله التقم قلبه". ومنها: ما جاء في مفارقة المجلس من غير ذكر الله تعالى جده فيه ثم يفرقوا عنه إلا كان كأنما يفرقوا عن صفة حمار، وكان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة. ومنها: "الذكر عند كل اضطجاعه، قال النبي ﷺ : "من اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كان شره عليه يوم القيامة". ومنها الذكر عند كل مشي، قال رسول الله ﷺ : "من مشى مشيا لم يذكر الله فيه، كان عليه برة يوم القيامة". ومنا ذكر الله عند كل حجر ومدر وشجر، قال معاذ بن جبل رضي الله لرسول الله ﷺ ، أوصني! قال: "اذكر الله عند كل حجر وشجر، واتق الله ما استطعت". ومنها الذكر في الخلوة، قال رسول الله ﷺ لأبي زرين: "يا أبا زرين، إذا خلو فأكثر ذكر الله" والأغلب أن المراد به في هذا الحديث ذكر القلب، لئلا يكون منه في الخلوة ذنب لا يستطاع منه في الملاء. وعنه ﷺ : "سبعة في ظل الله يوم القيامة منهم رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه". ومنها الذكر في الملأ، قال رسول الله ﷺ فيما يحكي عن الله "أنا مع عبدي إذا ذكرني، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأطيب". ومنها الذكر الخفي، وهو ضربان: أحدهما الذكر في النفس، وقد قال الله عز وجل

стр. 495

﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية﴾ والآخر ما دار به اللسان ولم يسمعه إلا صاحبه. وقال النبي ﷺ : "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي". وقال: "يفضل الذكر الخفي الذي لم تسمعه الحفظة على الذي سمعته الحفظة سبعين ضعفا". ومنها الذكر عند الشدة قال رسول الله ﷺ : "فيما يؤثر عن الله ﷻ : عبدي الذي هو عبدي حقا الذي يذكرني وهو ملاق﴾. وعنه ﷺ قال: "طوبى لمن أكثر من ذكر الله جل ثناؤه في الجهاد، والكلمة بسبعين ألف". ومنها: الذكر بعد الغداة إلى طلوع الشمس، قال النبي ﷺ : "لأن أجلس إلى قوم يذكرون الله بعد صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس". ومنها- الذكر بعد العصر إلى غروب الشمس، قال النبي ﷺ : "لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى غروب الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس". ومنها: الذكر بين الغافلين قال رسول الله ﷺ : "ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل في الغازين، وذاكر الله في الغافلين مثل المصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين مثله مثل الشجرة الخضراء وسط الشجر الذي قد تجاف ورقها، وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل فصيح وأبكم، وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده في الجنة". ومنها: الاشتغال بالذكر عن المله، قال رسول الله ﷺ ، فيها ذكره الله :

стр. 496

"من شغله ذكري عن ملتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ثم الذي شذ عن هذا كله ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أكثر من ذكر الله بريء من النفاق". وعن معاذ بن جبل رصي الله عنه، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الإيمان أفضل؟ قال: "أن تعمل لسانك في ذكر الله" فبان بهذا أن ذكر الله تعالى إيمان وإذا كان الذكر وهو مما يبعث عليه الحب والخوف، وكل واحد منهما كسب العبد، ثبت أنهما إيمان، كما أن عقد القلب لما كان هو الباعث على الإقرار باللسان، وكان الإقرار إيمانا، كان الاعتقاد إيمانا، والله أعلم. وإذا كان محل ذكر الله ما وصفت، كان من حق المبد أن يحافظ عليه، ولا يخل به ما استطاع ثم أن يتخري من الأذكار ما طهر فضله وجاء عن رسول الله ﷺ ، الحث عليه. فمن ذلك قوله الذي صح منه: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحا الله وبحمده، سبحان الله العظيم". ومن ذلك ما جاء عنه ﷺ أنه قال: "أربع كلمات لا تضرك هذه دابة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وقد خصت بهذه الأذكار صلاة شرع التنفل بها لمن أحب، فروي أن النبي ﷺ قال لجعفر بن أبي طالب ﵁ لما قدم من أرض الحبشة: "ألا أخبرك إلا لنجيك" فعلمه هذه الصلاة. وروي عنه صلى الله ﵊ أنه علمها العباسي، وأمره أن يصليها كل يوم مرة فقال لا أستطيع قال ففي كل جمعة. قال: لا أستطيع. قال: في كل شهر. فقال: لا أستطيع. قال: ففي كل سنة مرة تكبر الله وتقرأ الفاتحة وسورة ثم تقول: سبحان الله والحمد لهل ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع فتقولها عشرا. وفي الثانية مثل ذلك، فذلك مائة وخمسون مرة، ومن ذلك الاستغفار.

стр. 497

قال الله : ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾. وجاء عن النبي ﷺ : أنه قال: "للقلوب صدأ كصدأ النحاس، وجلاؤها الاستغفار" وعنه ﷺ : "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، وفي كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" وقال "إن لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". وعنه ﷺ : "ما لقي عبد ربه في صحيفته بشيء خير له من الاستغفار". وعنه ﷺ : "من استغفر الله إذا وجبت الشمس سبعين مرة غفر له ذنبه" وشكا إليه ﷺ حذيفة دون اللسان على أهله، وقال إني أخشى أن يدخلني النار: فقال له: "فأين له أنت يا حذيفة من الاستغفار، فإني أستغفر الله كل يوم مائة مرة" وبالله التوفيق.

стр. 498

الحادي عشر من شعب الإيمان -وهو باب في الخوف من الله تعالى - قال الله : "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين". وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس اخشوني﴾. وقال: ﴿وإياي فارهبون﴾. وقال تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية﴾. وأتى على ملائكته يخوفهم فقال: ﴿وهم من خشيته مشفقون﴾. ومدح أنبياءه ﵈ وأولياءه مثل ذلك فقال: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين﴾. وقال: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾. وعاتب الكفار على غفلتهم، فقال: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا﴾ فقيل في تسفيره ما لكملا تخافون عظمة الله، وذمهم في آية أخرى فقال: ﴿الذين لا يرجون لقاءنا﴾. أراد به لا يخافون. فدل جميع ما وصفنا على أن الخوف من الله من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه، ونفاذ مشيئته في خلقه. فإن إغفال ذلك إغفال للعبوده، غذ كان من حق كل عبد ومملوك أن

стр. 499

يكون راهباً لمولاه لثبوت يد المولى عليه، وعجز العبد عن مقاومته، وترك الانقياد له. والخوف على وجوه: احدها: أما يحدث عن معرفة العبد بذلة نفسه، وهو أنها وقصورها وعجزها عن الامتناع عن الله تعالى، إن أراده بسوء. وهذا نظير خوف الولد والديه، وخوف الناس سلطانهم، وإن كان عادلا محسنا، وخوف المماليك ملاكهم. والثاني: ما يحدث من المحبة، وهو أن يكون العبد في غاية الأوقاف وجلا من أن يكله الله إلى نفسه ويمنعه مواد التوفيق، ويقطع دونه الأسباب. وهذا خلق كل مملوك أحسن إليه سيده يعرف قدره إحسانه واجبه عليه، وإنه لا يزال مشفقا على منزلته عنده، خائفا من السقوط عنها والفقد لها. والثالث: ما يحدث عن الوعيد، وهذا دون هذه الأنواع وتألفها بالأنفس الخسيسة التي لا يأتيها ولا قوي فعلها مريض. ومن كان من هذا النوع فإنه قد يحدث عند الهم بالمعصية، فأما أن يردع عن مواقعها فيكون قد وقع. وأما أن لا يقطع به ارتداع فيصير سببا ليغلظ المعصية، فإن مواقعتها على ذكر من الوعيد، أغلظ من مواقعتها على غفلة وسهو عنه، وقد يحدث بعد المعصية، فأما أن يحدث يوما عاجلا أو آجلا، فيكون قد أفاد خيرا، وأما أن يتبعه سهو نسيان، فيعود الخائف بعده كما كان. وقد نبه الكتاب على هذه الأنواع كلها. فأما الأول فقوله : ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ أي تخافون لله عظمة. ولا فرق بين أن يقول السيد لمملوكه: ما لك لا تخاف سلطاني ومملكتي، وبين أن يقول له: ما لا تعرف نفسك قدرها، ولا ينزلها منزلة مثلها. فبين أن الكلامين يراد بهما تقدير حال العبد عند نفسه لئلا يأمن من سطوة سيده، ويدعوه ذله إلى مفارقة طاعته. وأما ما هو أبين من هذا فقوله : وإذا مسكن الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوران أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيد من فيه تارة أخرى فيرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتك أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا علينا به تبيعا﴾.

стр. 500

فعرفهم أنه لا ينبغي لهم في حال من الأحوال أن يفارقوا طاعته أو يقصروا فيه مستبشرين منه أمر لما يرونه من نعمه السابغة عليهم مقدرين أنه راض منهم بالتستر من الطاعة التي يوفونه من أنفسهم، فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون. بل سبيلهم في الأحوال كلها أن يكونوا مشفقين من سخطته ومؤاخذته، محضرين بقلوبهم أنه إن أراد بهم بلاء سوى دونه ما كان لم يجدوا من يدفع عنهم ولا من يمنعه بما يهلكهم منهم. وأما الثاني: فإن الله أثنى على الذين يدعونه فيقولون: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ وسماهم راسخين في العلم. ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول: رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، إلا وهو خائف على الهدى (الذي) أكرمه الله تعالى به، من أن يسلبه إياه. كما أن أحدا لا يدعو: رب لا تسلبني سمعي وبصري بعدما جعلتهما لي، وهو خائف عليهما، وجل من ذهابهما. فلما أثنى الله تعالى على الداعين إياه بما ذكرنا، كان ذلك الثناء في الحقيقة مما استحقوا بمعرفتهم قدر النعمة عليهم في هداية الله تعالى إياهم، وحبهم بها، لأن دعائهم عنها بشأنها ولأجلها كان وقال حكاية عن أهل الجنة أنهم يقولون: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾. وجاء في التفسير: أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإيمان ثم يوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء، وكانوا يدعون الله تعالى بأن لا يفعل بهم ذلك، وهذا عين ما ذكرت، والقول في عامة نعم الله تعالى كالقول في الإسلام، وإن كان الإسلام أعلاها وأعظمها. وجاء عن النبي ﷺ أنه يدعو: "رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" وهذا أيضا للإشفاق من أنه إذا سلب التوفيق لم يملك نفسه ولا يأمن أن يضيع الطاعات ويتبع الشهوات فينبغي لكل مسلم أن يكون هذا الخوف من همه وبالله التوفيق

стр. 501

وأما الثالث: فما أكثر ما في القرآن من ذكره والبعث عليه. قال الله في غير موضع: يا أيها الناس اتقوا ربكم وقال ﴿وإياي فاتقون﴾. وقال: واتقوني يا أولي الألباب وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وقودها الناس والحجارة﴾. إلى غير ذلك من الآيات الكثير المجتمعة المعاني ومرجعها إلى الأمر بالتقوى. وهو أن يقي المخاطبون أنفسهم نار جهنم بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه. ومعنى اتقوني: اتقوا عذابي ومؤاخذتي، والكلام لا يحتمل غيره والله أعلم. ولعل الإخافة بالوعيد إنما هي لأنه ليس كل مخاطب يكمل لأن يلتقي ما يعرفه من ذلة نفسه وعظمة الله تعالى عن التحويل على ما فيه رضى الله تعالى بالوعيد، فكان الوعيد بينها لأهل الغفلة، ودلالة على ما في العصيان من الشقوة. وقد جاء في هذا المعنى أخبار كثيرة مرجعها إلى ما ذكت والله أعلم. فصل وقد يجد الناس في أنفسهم الخوف من أشياء كثيرة مثل خوف الوالد من موت ولده، وذهب ماله والغرق أو الحرق أو الهدم، أو ذهاب السمع أو الوقوع بيد سلطان جائر أو ابتلاء بسبع أو عدو ومن كان وما يشبه ما ذكرنا من أصناف المكاره، إلا أن هذا ينقسم إلى محمود ومذموم: فالمحمود أن يكون الخوف من هذه الأمور مما يمكن أن يكون تحتها من سخط الله جل ثناؤه، فإنها قد تكون عقوبات ومؤاخذات ممن خافها وامتنع لأجلها من المعاصي خيفة النار، وكذلك أن خشي أن يكون أخذ الله تعالى منه ما أعطاه إيلاء واختبارا حتى أن صبروا واحتسب اثابه، وإن جزع واضطرب لم يسلم لقضائه، زاده مثلها، فخاف أن ذلك أن كان لم يملك نفسه، وكان منه بعض من لا يحبه الله تعالى جده. ومن

стр. 502

هذا الوجه كان إشفاقه وكراهيته لهذه الأمور. فهذا أيضا محمود، وهذا خوف ينشأ من المحبة والتعظيم جميعا. وأما المذموم فهو أن يكون خوفه بعض هذه الأمور لحرصه على ماله منها من المنافع الدنيوية، وشدة ركونه إليها في مثله إلى التكثر بماله منها، والتوصل بها إلى ما يريد ويهوي، كان في ذلك رضى الله أو سخطه، وإنما كان مذموما للغرض الذي كان ينشأ هذا الخوف، ولأن جميع نعم الله عند العبد من مال وولد وما يشتهيها إنما هي عوادي والركون إلى العوادي ليس من فعل العقلاء والمخلصين. فصل فأما شرائع الخوف فمنها أن يتهيب العبد بآيات الله التي يهب خلقه لخسوف الشمس والقمر والزلازل والرياح والعواصف والرعد والبرق والظلمة في غير وقتها، وانقطاع المطر في وقته ونحو ذلك. فإن الله وضع في قلوب عباده الانزعاج لهذه الحوادث، كما وضع فيها السكون والطمأنينة لما يخالفها، فلما كان ضياء الشمس والقمر، وهدوء الأرض وسكون الرياح المؤذية وخلق الحساب من الرعد والبرق وصفاء الهواء ونزول المطر في وقته نعمة. وروحا من الله تعالى ورحمة وجب أن يكون ما بخلافها تهيبا وتخويفا ومؤاخذة. قال الله : ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ فمن غفل عمن يبدو له من ذلك ولم يترك لأجله قبيحا كان فاعله ازداد جرمه وتغلظ ذنبه واستحق من العقاب ما لم يكن مستحقا قبله. وقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفا لموت واحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى" وفي رواية أخرى (إلى الصلاة).

стр. 503

وفي حديث آخر: "ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له" فقد يحتمل أن يكون معنى هذا أن الله تعالى إذا ظهرت قدرته على شيء فيه ما يريد، ولم يكن امتناع عليه. وكذلك إذا تجلى لكم بأن خالف بكم ما عودكم وسلب الشمس وضياءها في نهاركم، أو القمر نوره في ليلكم، فأحسنوا له بأن تصلوا وتسبحوا وتقدسوا وتستغفروا ولا يمنعكم عن ذلك أن تقولوا: عن قريب ستجلوا اعتمادا على عادة ألفتموها، فإنه إذا تجلى كان ذلك التجلي ابتداء نعمة منه ينعمها عليه، وليس يجوز أن يكون لتحديد النعمة سببا للإخلال بشكر ما سلف فيها والله أعلم. ومنها التخشع عند قراءة القرآن وسماعه وذكر الجنة والنار كما قال : ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾. وقال جل ثناؤه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾. وقال جل ثناؤه: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾، أي لو كان حقه أن لا يستقر بل يتصدع من خشية الله فكتب لا تراه أن رأيته إلا متصدعا، فكيف بقلب المؤمن الذي هو ألين من الجبل أنه بالخوف والخشية والتهيب والرهبة أولى وأحق. ويحتمل أن يكون المعنى. إن قلب الكافر الذي إنما هو كمضغة لحم ليس بلين لقبول مواعظ القرآن ولا لنبين إعجازه وما فيه من صدوف حجج الله على عباده، أي فقد كان بأن يخشع أولى من الضجر لولا أن الشقي لا ينقلب سعيدا، والخبيث لا يتبدل طيبا، وما ذكرنا في هذا الفصل فلا يكاد يخفي وجهه، لأن الرهبة من الله تعالى وإن كان حقها أن لا يلزم المؤمن دائما، فإنها عند تجدد العهد بسماع الوحي، والوعد والوعيد، أحق وأخلق. ولهذا كان النبي ﷺ يبكي إذا قرأ بالليل في صلاته حتى يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان إذا مر بآية رحمة سأل الله رحمته، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله

стр. 504

من عذابه، فكذلك ينبغي للمؤمن سواه أن يكونوا هم أولى بذلك منه إذا كان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانوا من أمرهم على خطر- وبالله التوفيق- لما يرضيه والعياذ مما يسخطه إنه أولى للأمرين ومالكهما برحمته. ومنها إساء الظن من كل أحد بنفسه حتى لا يظن في حال قط إلا أنه مقصر في حق الله تعالى ﷻ وغير موف حق العبودية كما يلزمه، وإن كان مؤديا للفرائض غير مخل بها أمرها وتهتكا لا تبدوا وطاعة ولا مواقع معصية، وذلك أن يعتقد أن ما كلفه الله إذا كان لا يستغرب وسعه ولا يستنفذ طرفه. وكان الله خلقه لعبده، فهو إذا قد أبقى عليه كثيرا من حقه، ثم إنه إذا كان أمره أن يعبده بما يثبه له وفضله على شرط الإخلاص، فقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ وكان لا يصلي إلا وما في قلبه من أشغال الدنيا أكثر من شغل الصلاة، أو لا يخلو من اختلاطها به، ولعله مع ذلك يرابي، ويتصنع ولا يزكي إلا من جزاء الدفع، مماطلا ثم متساهلا بنفسه فيما يعطي وفيمن يعطي. ولا يصوم إلا متبرما بالصيام مستطيلا للنهار، مستعجلا للسماء، ومعرضا للنوم، لئلا يشعر بالصوم، أو مستكثرا من الطعام لئلا يبين عليه أثر الصيام، أو حافظا للإمساك عن الطعام والشراب، ما لو وقع في أعراض الناس وغير ذلك مما لا يجوز ولا يحل. ولا يحج إلا مدافعا بالفرض مستبينا ثم مكدا للطهر محملا إياه ما لا يطيقه ولا يكون في أوله وآخره إلا غافل عما شرع الحج له حتى يدعوه ذلك إلى أن يكون بعده كما كان قبله أو شرا منه. فكيف يجوز له مع هذا كله ومع ما تركناه من أمثاله، فلم يمكنه أن يرى أنه قد وفى حقوق الله تعالى فيؤديه ذلك للأمن وسكون الحساس فالأولى به إذا، أن أهيي له داعيا إليه في العفو والغفران. فإن ذلك أشبه بالعبودية والاستكانة والله أعلم. ومنها أن التخوف لا يحق إلا من الله لأنه ملك الملك وولي النفع والضر والأخذ والترك والنواصي كلها بيده، لا يملك أحد من دونه ضرا ولا نفعا. وقد يقصد الواحد من عباده أن يسيء إلى مثله، فيصرف قلبه عنه، إما إلى الإساءة وإما إلى الحرمان.

стр. 505

قال الله حاكيا عن هود صلوات الله عليه أنه قال لقومه: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾. وقال: ﴿وإياي فارهبون﴾ وقال: ﴿وإياي فاتقون﴾. وقال: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ فقيل تفسيره هو أهل التقوى، هو أهل أن يتقى فلا يعفي وهو أهل لن يغفر لمن اتقى أي لا أحد يستحق أن يتقى غيره. وقال جل ثناؤه ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾ وقال ﴿فلا تخافوهم- يعني الشيطان- وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾ وذم قوم يهشون غيره فقال ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ فذم هؤلاء كما ذم الذين يتخذون أندادا من دونه فيحبونهم كحب الله. فإن ما ذكرنا أن الخوف من الله تعالى جده وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه، فأما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاه مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: ﴿أن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير﴾. وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾. وقال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى﴾. وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع".

стр. 506

وأما ما يخص قولنا أن الخوف من الله تعالى إيمان فالدلالة عليه قوله: ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾. فلما كانت طاعة الله ورسوله إيمانا كان خوف الله إيمانا. وقوله ﷻ : ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ فإنه تعالى طالب الخشوع من قد آمن واستطابه فيه لأجل ما قدم من الإيمان. فدل ذلك على أنه طاعة من الطاعات التي يحرك عليها الإيمان، فوجب أن يكون إيمانا كأمثاله. ويقدر بهذا أن ضد الخوف الأمن، والأمن من الله تعالى من غير إيمان منه كفر، لأن ذلك لا يقع من صاحبه إلا على أحد أوجه: أما أن يقدر به عجوزا عن مؤاخذته ويظن به إغفالا وتصنعا لأمره. أو يرى أنه راض عنه غير مفكر ما يفعله أو يتركه، إذ كان لا يفعل إلا ما أمر به ولا يتركه إلا ما نهاه عنه، أو يحسب أن ما يفعله يخفى عليه، فلا يعلمه. وكل هذه الأوجه ترجع إلى إضافة النقص إلى الله تعالى وإجازته عليه وذلك كفر. ولعل قائلا يقول في هذا الموضع: ما في ظن العبد أنه إذا أقام الطاعات وتجنب المعاصي، فلا ينبغي أن يكون عليه خوف ما ينبغي أن يلام عليه. فيقال له: موضع الخلاص في هذا أن الله على العبد سلطانا من غير وجه الأمر والنهي، وهو أنه يملك أن يسلبه ويعرضه للمصائب والمكاره من غير ذنب يكون منه كما يفعل ذلك بغيره وأحد من رسله صلوات الله عليهم. وقال نبينا ﷺ : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل". فإذا اعتقد العبد أنه إذا أدى الطاعة في أمره ونهيه فلا ينبغي أن يخافه، فإذا اعتقد أن لا سلطان له عليه للأمر قبل التكليف، وهذا كفر. ثبت أن الأمر من الله تعالى بلا نص إيمان يكون منه جل ثناؤه وكفر، فوجب أن يكون ضده وهو الخوف إيمانا وبالله التوفيق.

стр. 507

الثاني عشر من شعب الإيمان وهو باب في الرجاء من الله ﷻ وهو على وجوه: أحدها: رجاء الظفر بالمطلوب والوصول إلى المحبوب. والثاني: رجاء دوامه بعدما قد حصل. والثالث: رجاء دفع المكروه وصرفه لئلا يقع. والرابع: رجاء الدفع والإماطة لما قد وقع. وكل ذلك حسن جميل على التفضيل الذي بينا ذكره للدعاء، وإذا استحكم الرجاء حدث عنه من التخشع والتذلل نحو ما يحدث عن الخوف إذا استحكم لأن الخوف والرجاء متناسبان إذ الخائف في حال خوفه يرجو إخلاف ما يخافه ويدعو الله به ويسله صرفه، فلا خائف إلا وهو راجي، ولا راجي إلا هو خائف، ولذلك كانت طريقتهما في الدعاء والاستكانة واحدة فالراجي بقوة رجائه وشدة رغبته فيما يرجو لا يبقى شيئا أو يرى أنه يقرب مراده إلا وينتهي إليه، والتذلل لمن وقعت الحاجة أولى سبب لتقريب المراد، لأن من إليه حاجة إذا كان كريما- أي لصاحبها- يتذلل لله حقا، وأوجب له به ثوابا، وقد لعم أنه لا ثواب أحسن موقعا عنده من نيله ما يريد، وهو يجيبه ولا يخيب رجاءه. والدعاء والجملة من جملة التخشع والتذلل، لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح بها واعترف بالذلة والفقر والفاقه لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه، ولذلك قال الله : ﴿أدعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ فأبان الدعاء عباده، والخائف فيما وصفنا كالراجي لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه، وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه.

стр. 508

فإذا وقع ذلك من العبد لله جل ثناؤه، كان ذلك في الاعتراف بالحاجة إليه والذلة له، نظر عباداته التي يتقرب بها إليه، ولأجل تناسب الأمرين جمع الله تعالى بينهما في غير آية من كتابه فقال: ﴿وادعوه خوفا وطمعا أن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ فالخوف للإشفاق، والطمع للرجاء. وقال في قوم مدحهم وأثنى عليهم: ﴿يرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. وقال: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. فالرغبة والرجاء والرهبة والخوف، وإنما كان الرجاء من شعب الإيمان لأنه من إمارات التصديق، وإمارات التصديق كلها إيمان فكذلك الرجاء. وبين ما قلنا أن من لا يصدق بأن له ربا أمره بهذه وهو على ما يشاء قدير، لا يرجوه، فإن من الموجود بيننا إن كل عبد فإنما يأمل الخير من قبل مالكه ولا يأمله حتى يعلم مالكه أنه قادر على إبطاله، فدل ذلك على أن تعليق العبد أمله بالله تعالى تصديق منه به وبملكه وقدرته موجودة. فوجب أن يكون ذلك إيمانا كسائر ما تحرك عليه التصديق. وقد ضرب بعض العلماء الآيات: إن التصديق قد يكون بالفعل كما يكون بالقول مثلا. فقال: لو أن رجلا قال لرجل في يوم تسفر السماء فيه مصحية والشمس طالعة. أنا نظر الساعة فقال الآخر: صدقت فسميناه مصدقا. ولو أنه بعد قوله قام يجمع ثيابه ويكنس سطحه ويفتح مجاري الماء لما عد الصلاة هذه الأفعال دون قوله صدقت. بل أجروه مجراه وجعلوه تصديق مثله. فإن هذا على أن كل ما كان من إجازات التصديق بالله تعالى فهو إيمان كالإقرار والله أعلم. فإن قيل: فإن ضد الرجاء اليأس، أتقولون أن اليأس كفر كما قلتم أن الرجاء إيمان. قيل: الرجاء يوقع الخير من الله تعالى للعلم بأنه بيده لا مالك له غيره ولا مانع لما أعطاه لا معطي لما منه، وضده صرف الأهل عن الله تعالى. أما التكذيب به أو بأنه الرازق والمعطي والمانع والمدبر والمقدم والمؤخر، والرجاء على الوجه الذي ذكرت إيمان، واليأس على وجه الذي وصفت كفر، قال الله حكاية عن يعقوب ﷺ : ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾.

стр. 509

وأما إذا كان اليأس على وجه الاستبعاد للمأمون، وترجح أنه لا يكون، على أنه يكون في النفس فذلك خطأ وضلال. وقال الله : ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾. ويدخل في الرجل يسرق على نفسه، وينهمك في المعاصي ويغرق في الذنوب ثم لا ينزع عنها ولا يتوب ما يطأ من أن تنفعه التوبة مع عظم ذنوبه وطول أيامها فهذا مثل جهل وخطأ، لأنه لو لم يكن في النزوع إلا قلة الذنوب لكان ينبغي له أن يختار على التمادي والإصرار فكيف وفيه تمحيص ما مغني وتكفيير؟ وفي هذا يدل قوله : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. ويدخل فيها الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. قال: ﴿أنى يحي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال، كم لبثت، قال: لبثت يوما أو بعض يوم قال: بل لبثت مائة عام. فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾، أي لا تستبعدن مع علمك بقدرته أصلا. وبالله التوفيق. والقول في الخوف نظير القول في الرجاء: فلو سأل سائل فقال: إذا كان الخوف من الله جل ثناؤه إيمانا، أتقولن أن الأمن منه كفر؟ قيل له: الذي ينشأ عن المعرفة بالله حل ثناؤه إيمان، والأمن الذي ينشأ هن الجهل به كفر، وأما ما يشبه الأمن من الانهماك إلى المعاصي، وترك أخطار العقبى بالقلب من غير جهل بالله تعالى، فإنه غفلة وضلال وليس بكفر. وهذا يقع من العبد على وجهين: أحدهما: أن يرى نفسه قد ركب من المعاصي رأسه، ولا يرى من الله ﷻ تغييرا عاجلا فيغفل عن المؤاخذة وينساها أصلا، ولا يرى من الله ﷻ كالماشين، إذا استمرت بهم أيام الحر وتطاولت عليهم بسوء البرد، وغفلوا عنه فلم يذكروه ولم يخطر بقلوبهم أنه آيتهم، فيستعدوا إلى أن يهجم عليهم بغتة.

стр. 510

والآخر: أن يركن إلى حسنات يعملها لنفسها خلال السيئات، فيقول في نفسه لئن كنت أسيء فلقد أحسن قبل بتلك، فإن هذا الحكم وهذا التعديل يكون أعظم ذنوبه إذ الحكم لله جل ثناؤه ولا للعبد، والله لم يأمره إلا بالإحسان، ولم يأذن له، فليس إذا أحسن في شيء أن يسيء في غيره، ثم يزيد على ذلك أن يحكم لنفسه ويعدل إساءته بإحسانه من غير علم منة، بقدر حسنة ولا بقدر سيئة، فإنما علم ذلك عند الله دون غيره وبالله التوفيق. وقال بعض أهل العلم: الرجاء واسطة بين المعرفة والطلب فإن من لا معرفة له بالمرتجى لا خيرا له فيه على الطلب لمعرفة تبعث على الرجاء، والرجاء على الطلب، والخوف واسطة بين المعرفة والهرب، والمرتجى هو الخير أو ما يظن به أنه خير، والمخوف هو الشيء، أو ما يظن به أنه شر. وكل ما ذكرته في باب الخوف من أنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله ﷻ إذا كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعا ولا ضرا، فمن رجا ممن لا يملك ما لا يملك هو من الجاهلين، وإذا علق رجاءه به جل ثناؤه فينبغي أن يسأله ما يحتاج إليه صغيرا وكبيرا، لأن الكل بيده لا قاضي للحاجات غيره، وسؤاله إنما يكون بالدعاء على ما سنبينه. قال : ﴿أدعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ ولم يزل الدعاء دأب الأنبياء الذين خلفوا أئمة وأمر أن يقتدي بهم فهداهم ذكر الله : إن أبانا آدم صلوات الله عليه لما ابتلي بالخطيئة، فرغ إلى الدعاء، وأمنا ﵉ معه كذلك فقالا: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾. وإن نوحا ﷺ لما طال عليه الأذى من قومه لجأ إلى الدعاء فقال: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ ولعل بدله كان قوله: ﴿إني مغلبوب فانتصر﴾.

стр. 511

وقوله: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ أو غير ذلك مما دعاه ولم يحكه عنه. وإن أيوب ﷺ لما أبح عليه البلاء دعاه فقال: ﴿إني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ ﴿إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ فاستجاب له ربه، فكشف الضر عنه وأتاه أهله ومثلهم معهم. وإن ذا النون نادى في الظلمات: ﴿أن لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فاستجاب له ونجاه من الغم. وإن زكريا ﷺ دعاه لما تمنى أن يكون له ابن يرثه فقال: ﴿رب لا تذرني فردا﴾ ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله ربي رضيا﴾ فاستجاب له بيحيى. ثم إن أبان أنه جعل إجابة دعوات المذكورين صلوات الله عليهم أجمعين ثوابا لها بأعمالهم الصالحة، فقال: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ متذللين بالطاعة خائفين حذرين، فجعلنا إجابتهم إذا دعونا ثوابا لهم بطاعتهم، إذ أمرنا وتعجيل ما سألونا جزاء لمسارعتهم إلا ما كلفنا. وفي ذلك تحريك على الطاعة وزجر عن المعصية وحث على البدار إلى فعل المأمور، ومجانبة التفريط والتقصير. والله أعلم.

стр. 512

ذكر فصول في الدعاء يحتاج إلى معرفتها الدعاء: قول القائل يا الله، يا رحمن يا رحيم، وما أشبه ذلك وهو أيضا نداء، قال الله : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، كهيعص، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا﴾. وقال ﴿وزكريا إذ نادى ربه، رب لا تذرني فردا﴾ وقال في آية أخرى ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال: رب﴾ ومعنى رب، يا رب. فثبت أن النداء دعاء. ثم إن له أركانا وآدابا، فأما أركانه فمنها: أن يكون المرغوب فيه مما يبلغ فكر السائل إن سأله. ومنها: أن لا يكون عليه في سؤال ما يسل حرج. ومنها: أن يكون في السؤال غرض صحيح. ومنها: أن يكون حسن الظن بالله جل ثناؤه عند الدعاء فتكون الإجابة أغلب في قلبه من الرد. ومنها: أن يدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. ومنها: أن لا يسل ما يسأل إلا بجد وحقيقة، ولا يأخذ دعاء مؤلفا فيسرده سردا أو من حقائقه غافل. ومنها: أن لا يشغله الدعاء عن فريضة الله تعالى حاضرة فيفوتها. ومنها: أن يكون دعاؤه سرا لا بالحقيقة، لا اختبارا بربه جل ثناؤه. ومنها: أن يصلح لسانه، إذا دعا، ولا يخاطب ربه جل ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقريبه ينسبه إلى قلة الحياء وسوء الأدب أو ركاكة العقل. ومنها: أن لا يدعو ضجرا مستعجلا يضمر، إنه إذا في الوقت الذي يريده. وإلا

стр. 513

يدعو متعمدا خاشعا يضمر أنه لا يزال يدعو أو يتضرع إلى أن يجاب، وكلما زادت الإجابة عنه تراخيا زاد الدعاء تتابعا وتراكنا. ومنها: أن حاجته إذا عظمت لم يسألها الله تعالى مستعظما إياها في ذات الله، بل يسأله الصغيرة والكبيرة سؤالا واحدا، ويرى منه الله تعالى في إجابته إليها عظيمة، فتلك فيما تبلغه معرفتي أحد عشر. فأما آدابه: فمنها: أن يقدم التوبة أمام الدعاء. ومنها: الجد في الطلب والإلحاح. ومنها: المحافظة على الدعاء في الرخاء دون تخصيص حال شدة والبلاء. ومنها: إن يعزم إذا سأل. ومنها: أن يدعو أملا فاته. ومنها: أن يقتصر على جوامع الدعاء ما لم تعرض له حاجة بعينيها فينص عليها. ومنها: افتتاح الدعاء وختمة بالصلاة على رسول الله ﷺ . ومنها: أن يدعو وهو طاهر. ومنها: أن يدعو مستقبلا القبلة. ومنها: أن يدعو دبر الصلاة. ومنها: أن يرفع اليدين حتى يجاري بها النكبين إذا دعا. ومنها: أن يخفض صوته بالدعاء. ومنها: أن يمسح بيدي وجهه إذا فرغ من الدعاء. ومنها: أن يحمد اله إذا عرف الإجابة. ومنها: أن يخلى يوما وليلة من الدعاء ويتحرى للدعاء الأوقات والأحوال والمواطن التي ترجى فيها الإجابة. فأما الأوقات: فمنها: ما بين الظهر والعصر ومن يوم الأربعاء. ومنها: ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة إلى أن تغرب الشمس. ومنها: الدعاء في الأسعار. ومنها عند الأفياء. ومنها: الدعاء يوم عرفة إلى أن تغرب الشمس. وأما الأحوال: فمنها حال النداء للصلاة. ومنها: حين فطر الصائم. ومنها: عند نزول الغيث. ومنها: عند التقاء الصفين.

стр. 514

ومنها: عند اجتماع المسلمين على الدعاء. ومنها: إدبار المكتوبات. ومنها: عند القيام من المجلس. وأما المواطن: فالموقفان والحرمان وعند البيت والملتزم خاصة وعلى الصفا والمروة. فأما الفصل الأول فتفسيره أنه ليس لأحد أن يتشبه بإبراهيم صلوات الله عليه وسلم، فيدعو الله جل ثناؤه أن يريه كيف يحيي الموتى. ولا أن يتشبه بموسى صلوات الله عليه فيقول: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ ولا أن يتشبه بعيسى صلوات الله عليه فيقول: ﴿ربنا أنزل علينا مائدة من السماء﴾. ولا لأحد أن يسأل الله جل ثناؤه إنزال ملك عليه فيسله عن خبر من أخبار السماء، إحياء أبوية وإحياء ولده، لأن بعض العادات إنما تكون من أمر الله تعالى، التأييد من يدعو إلى ذنبه لشهوات العبادات ومناهم إلا أن يكون السائل نبيا، فيجمع إجابته أثناء نبوته وتأييده بما يصدق دعوته، ولكنه إن دعا كما دعا نوح ﷺ فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ جاز لأن الله إنما فرض الجهاد ليقاتل المشركين. فإما أن يسلموا وإما أن يستأصلوا، فمن دعا بهذا الدعاء فإنما يسأل تيسير ما أمر الجهاد لأجله، وليس ذلك من شهوات النفوس وأمانيها، وإنما يبعث عليه نقص من الله تعالى، فكان دعا النبي ﷺ وغير النبي واحد والله أعلم. وليس لأحد أن يدعو فيقول: اللهم اجعل لي الصفا ذهبا، أو احبس لي الشمس، أو برد لي النار، لأن هذه أشياء خص الله لكل شيء منها نبيا، ليظهر بذلك محله وقدره عند عباده. فكان تحويل الصفا ذهبا مما ورد الخبر، بأن جبريل ﷺ نزل على بينا ﷺ يخبره عن الله تعالى في ذلك. فقال: "بل أكون عبدا نبيا". وحبس ليوشع بن نون صلى الله عليه الشمس، وتبريد النار إبراهيم الخليل صلوات الله عليه. فمن سأل الله تعالى لنفسه شيئا من (هذا) فإنما يسأل الله أن يسوي بينهم وبينه ويلحقه فيما أهلهم له من ذلك بهم، فلا فرق بينه وبين من يقول: رب اسجد لي ملائكتك،

стр. 515

كما أسجدتهم لك، أو رب كلمني كما كملت موسى، أو أسر بي هذه الليلة إلى المسجد الأقصى كما أسريت بمحمد ﷺ . فإذا كانت هذه الدعوات مما لا يجوز الاجتراء على الله بها، فالأولى أمثالها والله أعلم. وقد يجوز أن تحدث للعبد حاجة وضرورة فيسأل الله كشفها عنه سؤالا مطلقا، إلا أن الله عند الإجابة ينقص له عادة أو يفعل ذلك به من غير مسكنة جزاء له لتوكله وقوة إيمانه، مثل أن يكون في بادية لم يدخلها إلا في ثواب الله على وجه ما دون له فيه، فتصيبه مخمصة شديدة، وليس معه ولا قربه أحد. فيقول: اللهم ادفع عني الجوع بما شئت فيحدث الله مكانه طعاما فيأكله. وإن أصابه برد شديد خاف على نفسه منه ولم يكن له ما يتدثر به، فيقول: اللهم اصرف عني البرد بما شئت، فيحدث له كسوة ليلبسها. أو يشبع الأول بلا طعام، ويدفئ الثاني بلا كسوة. ومثل هذا أن يسأل الله تعالى أعمى لا قائد له، ولا أحد يسعى في حوائجه أن يرحمه ويكفيه بما شاء في وجوه كفاياته فيرد البصر عليه مكانه. لأن هذه ضرورات واقعة لا كاشف عنها إلا الله جل ثناؤه. فمن رغب عن هذه المسألة مع حدوث الضرورة فلم يوف العبودة حقها. وإذا صح السؤال من العبد ووقع موقع الجوار، فكثر ما أجاب الله به دعوته، فهو داخل في حد المحكمة، وليس يثني منه تخارج عنه والله أعلم. وأما الفصل الثاني: فهو أن ليس لأحد أن يسأل الله خمرا يشربها، وامرأة يزني بها أو الظفر على غير حرج ليقطع عليها ونحو ذلك. قال الله تعالى لو أجاب دعاءه، ويسر له ما يسأله لكان قد أباحه ذلك، وأطلقه له ولم يكن عليه فعل شيء من ذلك ما تم، ولما كان بموقع التحليل من الله تعالى لذلك محالا صح أن دعاءه ومسألة تيسيره وتسهيله محال غير جاز والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من مسلم يدعو الله ليس بشيء فيها قطيعة رحم ولا إثم

стр. 516

إلا أعطاه الله إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وأما أن يدخرها له في الآخرة، وأما أن يدفع عنه مثلها). فصح أن الدعاء بما فيه من غير جائز، إذ كان جزاؤه على الله تعالى، وتوقع إجابته والله أعلم. ويدخل في هذا الباب أن يدعو أحد بالشر على من لا يستحقه أو على بهيمة، يروى عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا في سفره يلعن بعيره، فقال: (من هذا اللاعن بعيره؟ فقال: أنا يا رسول الله. فقال انزل عنه، فإنه لا يصحبنا ملعون) فعاجله بالإنزال عنه وهو في الحاجة إليه قائمة، عقوبة له بلعنه. ومعنى لا يصحبنا ملعون مدعو عليه باللعن، لأن الذي أدركته اللعنة. ثم قال ﷺ (لا تدعو على أف=نفسكم ولا على أولادكم ولا على أموالكم، لا تواقعوا من الله ساعة عطاء فيستجاب لكم) ومعنى هذا النهي عن أن يدعو الرجل على فنسه أو على ماله بالهلاك، فيعطى ما سأل عقوبة له على دعائه لا إكراما بالإجابة والنهي عن أن يلعن البهيمة فتهلك أو يبيد غيرها، أو أن تقع بيد الأعداء فيقاتلوه عليها، وكل ذلك عقوبة له بدعائه لا إكرام له بالإجابة والله أعلم. وأما الفصل الثالث: فتفسيره أن يدعو الله تعالى مريض بالعافية، فينبغي أن يكون غرضه في ذلك أن يبرأ، فيصل ويصوم. أو يدعوه فقير فيسأله ما لا ينبغي أن يكون ذلك ليسقط مؤونته عن المسلمين ويبرأ فيتصدق ويواسي. أو يدعوه فرد فيسأله ولدا. فينبغي أن يكون ذلك ليخرج من صلبه من يوحد الله تعالى ويعبده ويعمل بشريعته. أو يسأله سائل عمرا طويلا فينبغي أن يرغب في ذلك لتكثر طاعاته وحسناته. فأما طلب المال للتفاخر والتكاثر والإستعانة على قضي الشهوات، وطلب البر والتمكن به مما منع المريض عنه من الأمور التي تبعث عليها الأهواء، وكان ذلك غير جائز، والدعاء به جرأة على الرب .

стр. 517

وأما الفصل الرابع: فإن أصل الدعاء هو أن الرجاء يبعث عليه إذا الدعاء طلب، ولا طلب إلا بعد الرجاء فإذا كان الأغلب على قلبه والداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صدقا فلم يخلص الدعاء ولم يتحقق منه الطلب إلا بعد الرجاء. فإذا كان الأغلب على قلبه الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صدقا فلم يخلص الدعاء ولم يتحقق منه الطلب كما لا يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقا لرجائه، فإذا لم يصدق رجاءه ولم يستوجب أن يجاب والله أعلم. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) والأشبه أن يكون معناه وأنتم لا تظمون الرد، ولا يكون هو الغالب على قلوبكم لأنه أراد: ادعوه معتقدين أن الإجابة إلى غير ما يسألون واقعة لأن الرد ممكن، والنبي ﷺ لا يأمر أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه. وأما الفصل الخامس: وهو أن يدعوا الله بأسمائه الحسنى ولا يدعوه بما لا يخص بنا وإن كان في نفسه حقا. قال الله : ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ قيل في تفسيره: الله، والرحمن والرحيم، وهي قراءة في أول آية في القرآن، وجاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا اجتهد في الدعاء قال: (يا حي يا قيوم). وعنه ﷺ : (يا ذا الجلال والإكرام). وروي عنه ﷺ أنه كان إذا رجع من سفر فابصر المدينة قال: (اللهم رب السموات وما أقللن، والشياطين وما أضللن، والرياح وما ذرين، أنا نسألك من خير هذه البلدة وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها). وكان ينبغي أن يدعي وإن قال: رب السموات ورب العرش. أو قال: ملك يوم الدين. أو قال: له الأولين والآخرين- أو قال: ربنا ورب آبائنا الأولين أو قال: رب محمد وإبراهيم، فإنه كان من أعظم دعاء بني إسرائيل، إله إبراهيم واسحق ويعقوب وكل ذلك حسن.

стр. 518

ولا يقال في الدعاء ولا الثناء المميت حتى يقال معه المحيي، ولا الضار حتى يقال معه المقدم. لأن المعنى أن يعترف له بالقدرة على الشيء وخلافه ليسل خيرها ويستعاذ من شرها، والاقتصار على المستعاذ منه في النداء والثناء ليس بتمجيد ولا تحميد والدعاء به ليس بدعاء. ولا ينبغي أن يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا خالق الحيات والعقارب لأن هذه كلها ضارة مؤذية، فمن قال من ذكرنا فكأنما يقول: يا ضار أو مسلط الضرار، وليس ذلك لأن الدعاء بدعاء تعبد وتذلل وليس الإعراض عن دعاء الله بما توجبه نعمه العارضة منه على عباده له من الأسماء والتجريد لذكر ما خلق فتنة للناس من التعيذ في شيء فلذلك لا ينبغي أن يعيذ به في الدعاء. وبالله التوفيق. وأما الفصل السادس: فغنه يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله فأعظموا الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه اعطاؤه) وليس معنى هذا أنه لا ينبغي لأحد أن يسل الله تعالى إلا شيئا عظيما، وإنما هو على أن من عظمت حاجته فلا يمنعه عظمها عنده من أن يسلها الله جل ثناؤه فإنها وإن تعاظمت فلا يتعاظم الله ولا يكبر عليه شيء. والعظيم والصغير من حاجات العباد في اتساع قدرته لقضائها. وأما عوارض الحاجات فإن صغيرها وكبيرها متفقان في أن سبيلهما أن يرفعا إلى الله جل ثناؤه ويتوقع نجاحهما من عنده. قال رسول الله ﷺ (اسألوا الله حوائجكم كلها حتى شسع نعالكم إذا انقطع وحتى الملح). وأما الفصل السابع: فإن الدعاء سؤال في عمد إلى سؤال غيره، فسرد يسرد أو هو لا يحيط بمعناه، وإن أحاط به كان مصروف الهم عنه إلى لفظه، وكان اختياره ذلك الدعاء على غيره لأجل الذي نظمه وإعجابه به لم يكن داعيا ولا سائلا وإنما يكون كالقاضي دعا غيره. والمنشد شعر غيره إلا أن تكون استعانته بدعاء غيره لأن يجب أن يكون ما يسأل

стр. 519

الله تعالى بألفاظ حسنة، والثناء عليه أمام المسألة بليغا لا يقصد فيه فئة ولا يهتدي مع ذلك إلى تأليف ونظم، ويجد لغيره في مثل ما أنعمه من السؤال دعاء مستحسنا أو يكن عن تسبب الدعاء إليه ممن يقتدي به ويترك بكلامه، فيستعين به لهذا المعنى ويحضر عند السرد قبله وتوفيه من إخلاص الطلب حقه، فيكون عند ذلك والمنشئ للدعاء من عنده سواء بل أفضل من بعض الوجوه والله أعلم. وأما الفصل الثامن: هو أن لا يشغله الدعاء عن فريضة الله حاضرة، فلأنه إذا اشتغل بالدعاء عن فريضة حاضرة صار عاصيا فلم يستحق أن يعطيه الله من إذا سأله يمنع مراده، ولأن الدعاء بعد أن يكون تصاحبه الإجابة، والله أعلم. وأما الفصل التاسع هو أن يكون الدعاء لا على وجه الاختبار، فلان الرب مختبر العبد فيجزيه بما يظهر عنه، وليس العبد أن يختبر الرب، لأن الطاعة له لازمة أساء أو أحسن إليه، ولأن الاختبار ليس باستنجاح، وإنما الدعاء طلب واستنجاح فما خلا عنهما فليس بدعاء والله أعلم. وأما الفصل العاشر: وهو التحفظ من الخطأ في الدعاء، فلأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال، وهو في حال مسألته والرغبة أوجب والزم، فلذلك ينبغي للعبد إذا دعا أن لا يخرج في دعائه إلى ما هو في العبادات فجة وركاكة. كما يروى عن بعض السلف كانوا يدعون به للتقوية على غشيان النساء، لكنه إذا أراد ذلك. قال: اللهم متعني بأعضائي وجوارحي. وإن كان يشتهي الطعام ولا يقدر على أن يصيب منه صاحبه فلا يقول. اللهم قوني فأصيب من الطعام حاجتي، وليقل. اللهم أجزل من رزقك فارزقني وزدني به قوة ازد ذلك طاعة وعبادة. إن نفرت عليه امرأته فلم تحضر فراشهن فلا يقولن: اللهم ألهما أن تحضر فراشي، ولا: اللهم اسكنها ونحو ذلك. وليقل. اللهم أصلحها لي، كما قال الله في زكريا صلوات الله عليه. ﴿وأصلحنا له زوجة﴾ أي جعلناها تلد بعد أن كانت عاقرا، واسم الإصلاح يأتي على ذلك وغيره مما ذكرت.

стр. 520

وقد جرت عادة المسلمين بأن يدعوا الله تعالى بإصلاح واليهم لأنهم رأوا اسم الصلاح منتظما عمة ما فيه النفع له ولهم. فأمر المرأة أقل من ذلك. وأما الفصل الحادي عشر: وهو أن لا يدعو ضجرا مستعجلا، فإن ذلك فعل من له حق عند آخر يقتضيه. وليس لأحد من الله حق حاصل عنده، متأخر عنه، فيستعجل به ويضجر من تأخره، فلا عتب ولا اعتراض عليه ولأن الدعاء عبادة واستكانة والضجر والاستعجال به إقصاء بهما فدل ذلك على أنهما من الحوائل بينهما وبين الإجابة كما يرجى أن يكون خلافهما من مقربات الإجابة والله أعلم فهذه الأركان. وأما الآداب فالفصل الأول منها: تقديم التوبة أمام الدعاء، لما روى عن النبي ﷺ (إن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء ﵈، أخبر قومك أنه لا يغرب علي شيء، فلا يدعوني أحد منهم وهو مقيم على ذنبه، فإنه لا يزداد مني إلا بعدا، ولا أزداد عليه إلا غضبا، ولكن ليتب ثم ليدعي). وليس معنى هذا الحديث عندي. أن المذنب لا تجاب دعوته بحال، فإنه لو كان هكذا لأشبه أن لا يجاب إذا قال: اللهم بغض إلى معاصيك ووفقني لما تحب وترضى، أو قال: اللهم تب علي ومعلوم أن له أن يقول هذا، ويأمل الإجابة. فوجه الحديث إذا- والله ألعم- أن لا يدعني أحد بأسمائي الحسنى ولا يتقرب إلي بالثناء على إتمام حاجة يستقضيها وهو مقيم على ذنبه، فإني وإن قضيت حاجته، فلا أعد دعاءه عادة، لأنه إنما أدخلته فيه حاجته لا تعظيمه إياي، وحبه إلي، إذ لو كان كذلك لم يعصني ولم يرتكب ما يهينه عنه، ولا يزداد مني إلا بعدا، لأني أرد عليه ثناءه ولا أقبله منه، ولا أزداد عليه غضبا لأني ابتليته بالحاجة التي لا يحملها دعائي فلم ير في حق جلالي وعظمتي أن يتقدس بالتوبة أمام دعائي، لكنه لزم خطيئته، ولم يفارق فيها عاداته. ولئن كان هذا الوعيد مع الإجابة فكأنه يقول: لا ازداد عليه إلا غضبا لأنه عرف الحاجة، فلم يتذلل بالتوبة، ثم رأى الإجابة فلم يشكر بالتوبة، فتغلظت ذنوبه السالفة بذلك، واستحق لها زيادة الغضب من الله تعالى.

стр. 521

وفي هذا الحديث معنى آخر: وهو أن إجابة الدعاء للمصر على الذنب يكون تعريضا عاجلا له من الثناه على الله، فيخرج دعاؤه كذلك من جملة العبادات التي يثاب عليها في الآخرة، وينزل ذلك منزلة رد بنائه عليه التي يتداعى فإن دعاءه يكتب له عبادة حسنة، وأقل جزاء: الحسنة عشر أمثالها، يتعجل منها الإجابة ثم يكون ما وراءها مدخرا له إلى يوم القيامة. وأما الفصل الثاني: فقد جاء عنه فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب الصالحين في الدعاء) وأنه ﷺ قال: (إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل أو ساهي) وإنه ﷺ قال (إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه لكي يسمع تضرعه) أي يجيب دعاءه، ويثيبه بتضرعه. وفي هذا بيان التضرع من آداب الدعاء والله أعلم. وأما الفصل الثالث: فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (من سره أن يستجاب له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء). ويحتمل أن يكون الدعاء في الرخاء بدل الثناء والشكر والاعتراف بالمنن ومسألة التثبت والتوفيق والمعونة والتأييد والاستغفار لغواهم، والتقصير فإن العبد وإن جهد لم يوف ما عليه من حق الله تعالى بتمامه. وأما الفصل الرابع: فقد جاء فيه عن النبي: (إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء. فإن الله لا يشكره له) وجاء أنه قال: (فليعزم في الدعاء ولا يقبل اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم اعطني إن شئت، وليسل مسألته عزما، فإن الله يشكره). ومعنى هذا: إن من سأل آدميا مثله فإنما يقول: إن رأيت وإن أملت وليتك، فقلت لا تقدر في المسؤول كراهيه، ويخش إن عزم عليه أن يحمله الحياء، أو معنى سؤاله على إجابة، وهذا لا يليق بالباري ، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

стр. 522

وإذا كان كذلك، وكان الدعاء سؤالا وطلبا وجب تجريد الطلب لأنه أخشع من خلافه فإن الطلب إذا كان تدللا، فكل ما كان منه أخلص وأبين كان التذلل فيه أشد والله أعلم. وأما الفصل الخامس: فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه كان إذا سأل سأل ثلاثا، وإذا دعا دعا ثلاثا. وقد يجوز أن يدخل في هذا الباب الإلحاح، ولكن لأن الدعاء اوله وآخره على الله وذكر له بمدائحه، وهو جل ثناؤه قال: ﴿اذكروا الله ذكرا﴾ وأقل الكثير ثلاث والله أعلم. وأما الفصل السادس: وهو أن لا يستشعر البأس إذا دعا فلم يظهر الإجابة ولكنه يدعو ما دامت الحاجة قائمة ولا يقطع الرجاء. فإن هذا يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (يستجاب لأحدكم ما يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي فيخسر عند ذلك الدعاء) وهذا لأنه قد جاء في حديث آخر: (إن الله تعالى إذا أحب عبدا أخر إجابته ليسمع صوته، وإذا أبغض عبدا عجل إجابته أو ألقى البأس في صدره). فلا ينبغي للعبد أن يقطع الدعاء إذا لم ير له إجابة عاجلة، بل يحسن الظن بالله تعالى ويرجو أن يكون تأخيره إجابة دعائه لأنه ممن يحبه، فأراد أن يسمع تضرعه، فإن لم يقدر على هذا ولم تطاوعه نفسه عليه، واستشعر بأسا فأمسك عن الدعاء خيف أن يكون ممن كره الله صوته عن الدعاء بالإقناط. وأما الفصل السابع: وهو الاقتصاد في الدعاء على الجوامع، فلأنه يروى عن النبي ﷺ ، أنه قال: (أحب الدعاء إلى الله وأعجبه إليه الجوامع) والله أعلم- مثل أن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأن يقول: اللهم إني أسألك خيرا من خير ما سألك به محمد عبدك ونبيك، ومثل أن يقول. (اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل). وما أشبه هذا.

стр. 523

لأنه إذا دعا بالجوامع فقد سأل الله تعالى من كل خير، وإذا اقتصر على حسنة بعينها، فقد قصر في النظر لنفسه، فلا ينبغي له أن يععدل عن الجوامع إلا أن تعرض له حاجة بعينها. فينبغي في المسألة عليها مثل أن يمرض له من يعز عليه أو يغيب أو يصل إليه قال أو يخاف أحدا، فيدعو الدعاء الجامع ويضم إليه الفرد الذي وجب الحال إلى مسألته والله أعلم. وأما الفصل الثامن: فهو الصلاة على رسول الله ﷺ ، روي عنه ﷺ أنه قال: (إذا دعا أحدكم فليحمد الله ثم ليصلي على نبيه ثم ليسل) وقال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع) والدعاء أمر ذو بال وقد يجوز أن يكون المعنى في حمد الله مدحه والثناء عليه وهذا شيء لا يخلو الدعاء منه. وقد يجوز أن يكون المعنى شكره على سوالف نعمه، رجاء أن يجعل الله ذلك الشكر سببا للمزيد، وأن تكون إجابة الدعاء مما تزيد، وإذا صلى على النبي ﷺ في أول الدعاء صلى الله عليه في آخر الدعاء، كما أنه يثني على الله تعالى ويذكره بمدائحه في طرفي الدعاء جميعا، وذلك إرجاء أن لا يميز الله تعالى دعاءه فيجب ويرد بعضه، وقد يكون لأن الدعاء وأركانه وآدابه إنما أخذ عن النبي ﷺ ، وعلى لسانه علمنا الله تعالى ما علم. فيقضي ختمه عند الدعاء فرحا بما علمناه منه واعتدادا بالنعمة وجزيل الحظ فيه بأن يدعوا له قبل الدعاء الذي يكون في نفوسنا وبعده لما تدعوا له في صلاتنا بعد ذكر الله تعالى لهذا المعنى والله أعلم. وأما الفصل التاسع: هو الدعاء في حال الطهارة، فإنه يروى أن النبي ﷺ "توضأ حين دعا لأهل المدنية، وأمر عائشة أن تتوضأ ثم تدعو وهذا لأن الدعاء ذكر يراد به العبادة فهو كقراءة القرآن والأذان والخطبة، وكل منها تستحب له الطهارة، فاستحب للدعاء". وأما الفصل العاشر: وهو استقبال القبلة، فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه استقبل القبلة حين دعا لأهل المدينة وحين دعا يوم بدر وهذا لأن استقبال القبلة في كل مجلس مستحب، لأن النبي ﷺ قال: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة" فهو باب

стр. 524

يستحب الدعاء أحق، ولأن الدعاء ذكر يراد به العادة، فهو كالأذان وقراءة القرآن والله أعلم. وأما الفصل الحادي عشر: فهو الصلاة أما الدعاء، ولأن النبي ﷺ ، كذلك فعل حين دعا لأمته بقباء، وقد قال الله لنبيه ﷺ ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ فقيل معناه: فأجهد نفسك بالدعاء، وإليه فارغب وسله ما عنده من الخير، فإنه لا يمكنه ولا يمكن به غيره وفي هذا بيان. أن الدعاء ينبغي أن يكون بعد الصلاة والله أعلم. وأما الفصل الثاني عشر: وهو رفع اليدين بالدعاء لما يروى عن النبي ﷺ : "إن الله يستحيي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردهما خائبتين" ومعنى يستحي لا يفعل، لأن في العادات أن من استحيا من شيء، تركه. ومعنى لا يفعل: أي لا ينبغي أن يكون الظن به أن لا يفعل لأن ذلك هو الأحسن، وحسن الظن بالله في الجملة أولى، ولأنه يؤثر عنه ﷻ أنه قال: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني". فالذي يليق بهذه المقدمة أن يكون الظن الداعي بالله ﷻ حين دعائه إياه أنه داخل في هذا الوعد، وإن كان ذلك خيرا يحتمل إطلاقه من الخصوص، والتقييد بالشروط ما يحتمله الأمر والنهي والله أعلم. وغاية رفع اليدين أن يحاذي بهما المنكبين، لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء هكذا، ورفع يديه حذو منكبيه، وجهل ظهورهما مما يلي السماء، والابتهال هكذا، ورفع يديه إلى السماء مدا. والإخلاص هكذا، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام من اليد اليمنى ليشير بها" والابتهال أشد الدعاء فكذلك تمد اليدان به نحو السماء. وروي أن النبي ﷺ كان إذا أصابته شدة رفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه، وهذا- والله أعلم- على أن الداعي يمد يديه أشد ما يقدر عليه رفعا لهما نحو السماء، كالحريص على شيء يراد إلقاؤه إليه، لتكون يده أقرب إليه. فإن أصل

стр. 525

ورفع اليدين هكذا، وهو أن يكون الداعي كالمتكفف المتعرض، وإن يملأ كفيه مما يسل، وكذلك إذا جد به الأمر مدهما لما ذكرت. وأما الفصل الثالث عشر: وهو خفض الصوت بالدعاء، فإن الله قال: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر في القول﴾ ومعنى ذلك أنه أخشع وأخضع، وذلك بحال الداعي أليق وأشبه. وأما الفصل الرابع عشر: وهو مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فلما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ما يمنع أحدكم إذا عرف الإجابة في نفسه، فشفي من مرض أو قدم من سفر أن يقول الحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات، وإذا أبطأ عليه شيء من ذلك أن يقول: الحمد لله على كل حال وهذا أيضا على حسن الظن بالله ﷻ وأنه لم يؤخر الإجابة إلا لحين علمه لعبده، وأراد به ولم يستشعر به، ولا بأسا يمنعه عن الدعاء في المستقبل. وقال اللهم لك الخلق والأمر. تفعل ما تريد وأنت على كل شيء قدير". وأما الفصل الخامس عشر: وهو أن لا يخلي يوم وليلة من الدعاء لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل مسلم ومسلمة في كل يوم وليلة دعوة مستجابة". وأيضا فقد جاء عن النبي ﷺ : "من لم يدع غضب الله عليه" وقال بعد قوله: ﴿أدعوني استجب لكم. إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. فإذا كان هذا هكذا، فما ينبغي لأحد أن يخلي يوما وليلة من الدعاء لأن الزمان يوم وليلة وما وراءهما تكرار فإذا كان ترك الدعاء أصلا موجب الغضب، فأدنى ما في تركه يوم وليلة والله أعلم. وأما الفصل السادس عشر: فهو تحري الأوقات والأحوال والمواطن أرجى من بعض والدعاء طلب واستنجاح، فينبغي أن يتحرى له ما يقرب منه النجاح والإجابة. فالأوقات التي تقدم ذكرها خمسة:

стр. 526

أولها: بين الظهر والعصر من ظهر الأربعاء، قال جابر بن عبد الله دعا رسول الله ﷺ في مسجد ثلثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرفت البشر في وجهه، قال جابر فلم يزل في أمرهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها فأعرف الإجابة. وقد يحتمل ما جاء في هذا الحديث أن وجهه ما جاء في خبر يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل فقال أن الله يأمرك أن تقشي باليمين مع الشاهد" وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر" ومعلوم أنه لم لذلك أنه نحس على المصلحين بل أراد به نحس على الفجار المفسدين. كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن نحس على الكافرين من قوم عاد لا على نبيهم، والمؤمنين منهم. وإذا كذلك أن تمهل الظالم من يوم الأربعاء إلى نزول الشمس، فإذا أدبر النهار ولم تحدث رجفة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم. ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار قول جائز لم يترك أمر غائظ فيه إشارة إلى ما ذكرت والله أعلم. والثاني: ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة إلى أن تغرب الشمس، فإن النبي ﷺ قال: "في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه" ثم روي عنه: "أن تلك الساعة قبل غروب السمي أغفل ما يكون الناس". وروي عنه ﷺ أنه أخبر: "أن الساعة ما بين أن يجلس إلى أن يقضي الصلاة" وهذا إما أن يكون إذا جلس الإمام قبل أن يفتتح الخطبة وإما بين خطبته، وإما بين الخطبة والصلاة، وأما في الصلاة بعد التشهيد. وروي عنه ﷺ أنه كان في صلاة العصر من يوم الجمعة، فلما صلى ركعتين جاء كلب ليمر بين يديه، فدعا عليه رجل من القوم فوقع ميتا، فصلى رسول الله ﷺ الركعتين الأخريين، فلما قضى صلاته قال: "من الداعي على هذا الكلب؟. قال سعد بن مالك:

стр. 527

أنا يا رسول الله. قال: بأي شيء دعوت؟ قال: قلت: سبحانك لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، أهلك هذا الكلب. فقال: "والذي بعثني بالحق، لقد دعوت في ساعة لو دعوت فيها على ما بين السماء والأرض لاستجيب لك". وقال بعض العلماء: هذه الأخبار في يوم الجمعة غير متنافية، لأنه أخبر أن فيها ساعة، ثم أجاز أن تكون كل ساعة من الساعات المذكورة تلك الساعة، كما أخبر ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ثم أجاز أن يكون كل وتر من أوتارها تلك الليلة والله أعلم. والثالث: الأسحار، روي أن النبي ﷺ سئل لما أخر يعقوب بنيه إلى السحر فقال ﷺ : "لا دعاء السحر مستجاب"، وقد أثنى الله على المتهجدين بالأسحار فقال: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون﴾. وقال: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ قبلت بذلك فضيلة هذا الوقت. والرابع في الافياء روي عن النبي ﷺ أنه قال: "تحروا الدعاء في الافياء" فقيل معناه أن يتحول الظلال عن الزوال من جانب إلى جانب. وقيل معناه: إذا فات الافياء وذلك قبل غروب الشمس بيسير. والخامس. يوم عرفة. وروي عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك ولع الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". وقد يجوز أن تكون تسمية النبي ﷺ هذا الذكر، وإن لم يكن ندا ولا سؤالا، لأن الغرض منه ذلك اليوم، وفي ذلك الوقت خير يعود من الله على الذاكر، فكان بالحقيقة سائلا، وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق، ليدعو الناس يكون سائلا، وإن حذف لفظ السؤال، وعلى أن الذاكر قد يثني على الله بمحامده، ويظهر حاجته فلا يبوح بها، علما بأن الله تعالى يعلمها مني ويشتغل

стр. 528

بالذكر مكان التكلم بحاجته اعتمادا على ما بلع الرسول عن ربه : (من شغله ذكري عن مسألتي أعطلته أفضل ما أعطي السائلين) وبالله التوفيق. وأما الأحوال التي سبق ذكرها فسبع أولها: حال النداء للصلاة، وبين الأذان والإقامة، وعند الإقامة لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان واستجيب الدعاء" ومعنى هذا- والله أعلم- أن الله يستجيب الذين يسمعون النداء للصلاة فيأتونها ويقيمونها كما أمروا به إذا دعوه وسألوه، لتكون إجابته- جل ثناؤه- إياهم إلى ما سألوه ثوابا عاجلا بمسارعتهم إلى ما أمرهم به. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" وعنه ﷺ : "إنه إذا أقيمت الصلاة لم تر دعوة" وعنه ﷺ : "تفتح أبواب السماء عند الإقامة، ويستجاب الدعاء". والثانية فطر الصائم. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "للصائم عند فطره دعوة لا ترد". والثالثة. نزول الغيث. جاء عن النبي ﷺ . (إن أبواب السماء تفتح عنده) وقال الله : ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ فبان بهذه الآية أن حال نزول الغيث حال رحمته، والاسترحام في حال الرحمة إرجاء فيه حال لا يعرف حقبها. والرابعة: التقاء الصفين. وفي هذه أيضا جاء النبي ﷺ : "أن أبواب السماء تفتح عندها، وأحد ما تفتح السماء أن يكون مثلا لإجابة الدعاء". أي أنه لا يحجب، ومعنى لا تحجب تجاب ولا ترد. والخامسة: اجتماع المسلمين على الدعاء. فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا

стр. 529

يجتمع أربعون رجلا من المسلمين يدون في أمر واحد إلا استجاب لهم حتى لو دعوا على جبل لزلزلوه" وقد يحتمل أن يكون هذا، لأن الأربعين عدد من يلزمهم الجمعة وتنعقد بهم، وعدد المسلمين الذين لما بلغوه أظهروا الإسلام، فيرجأ إذا بلغ عدد الدعاة هذا إن يلحقهم الله تعالى بجماعة المسلمين الذين لو أمكن أن يجتمعوا على دعاء فاجتمعوا عليهم لاستجاب لهم وبالله التوفيق. والسادسة: أدبار المكتوبات. يروى أن النبي ﷺ سئل. أي الدعاء أسمع؟ قال: "شطر الليل الآخر، وأدبار المكتوبات". وهذا قد يلتحق بقول الله . ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ وقد تقدم الكلام فيه. وقد يحتمل أن يكون المعنى في أدبار المكتوبات أن القوم لما أوفوا ما عليهم منها طالبين به رضوان الله تعالى. وقد يرجى أنهم دفعوا في تلك الحال حاجة أجيبوا، لأن الإجابة في حال كأن منهم فيها ما يوجب الرضى عنهم أرجئ منها في حال سواها والله أعلم. والسابعة: القيام في المجلس. وهذه الحال إنما يدعي فيها الكفارة المجلس دون غيرها. وروي عن رسول الله صلى الله عليها وسلم أنه قال: "كفارة المجلس أن يقول: إذا أردت أن تقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارت اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" وقل سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك، لأن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول بعد نزول سورة الفتح: فلقصيري عليه، وذلك لأن نفسه نعيت إليها بها، فينبغي لكل من ظن أنه لا يعيش مثل ما قد عاش أو قام من مجلس يظن أن لا يعود إليه أن يستعمل الذكر والله أعلم. وأما المواطن فسبعة: الموقفان والجمرتان وعند البيت وعلى الصفا، وعلى المروة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن فذكرها" والمعنى. لا ترفع الأيدي بالدعاء إلا في هذه المواطن، لأنها ترفع فيها بالدعاء لفضلها، ولما يرجى من الإجابة عندها.

стр. 530

فصل وكل ما ذكرت من الأوقات والأحوال والمواطن فإنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه، وفي إجابة الدعاء، لأن الدعاء لا يقبل إلا عندها، فمن عرضت له حاجة في غيرها، فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوي الرجاء، حسن الظن بالله تعالى، فإنه يستجيب دعاءه بجودة وكرمه. فصل إن قال قائل: إذا كان الله تعالى قد قدر التقادير ودبر الأمور وميز السعداء من الأشقياء، وأجرى العلم بمن هو صائر إلى الجنة أو صائر إلى النار، فما فائدة الاجتهاد في العبادات. ما نقول له؟ فإن قال: العبادات مأمور بها وإنما على العبد الطاعة والتدبير إلى الله تعالى. قيل له: فإن إحدى العبادات الدعاء وهو مأمور به، وسئل العبادات يسمعوا ويطيعوا ويدعو الله تعالى في الشدة والرخاء والتدبير إلى الله تعالى. وإن قال: إنما ينبغي الاجتهاد في العبادات لأنه قد أبان أن المطيع يدخل الجنة والعاصي يدخل النار، فكل يجتهد برجاء أن يدخل الجنة قيل، وقد أمر بالدعاء، وقال حكاية عن نبي من أنبيائه ﵈ أنه قال: ﴿لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا الثوم الكافرون﴾ وقال: ﴿ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وجاء عن النبي ﷺ : "من لم يدع غضب الله عليه". فينبغي للعبد أن يدعو أو يرجو إنجاح حاجاته من الله تعالى، فإنه إن لم يفعل كان إما قانطا وإما مستكبرا، وكل واحد من الأمرين موجب للغضب. ويقال له: أليس العبد وإن اجتهد فقد كان ممكنا أنه يجتهد أن يدخله الجنة بفضله فما معنى الاجتهاد؟ فإن قال: يجوز أن يكون عند الله تعالى انه إن اجتهد ثبته بالقول الثابت في الحياة
следующие страницы →