Полный текст (1 512 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
أولها: بين الظهر والعصر من ظهر الأربعاء، قال جابر بن عبد الله دعا رسول الله ﷺ في مسجد ثلثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرفت البشر في وجهه، قال جابر فلم يزل في أمرهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها فأعرف الإجابة.
وقد يحتمل ما جاء في هذا الحديث أن وجهه ما جاء في خبر يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل فقال أن الله يأمرك أن تقشي باليمين مع الشاهد" وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر" ومعلوم أنه لم لذلك أنه نحس على المصلحين بل أراد به نحس على الفجار المفسدين.
كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن نحس على الكافرين من قوم عاد لا على نبيهم، والمؤمنين منهم. وإذا كذلك أن تمهل الظالم من يوم الأربعاء إلى نزول الشمس، فإذا أدبر النهار ولم تحدث رجفة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم. ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار قول جائز لم يترك أمر غائظ فيه إشارة إلى ما ذكرت والله أعلم.
والثاني: ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة إلى أن تغرب الشمس، فإن النبي ﷺ قال: "في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه" ثم روي عنه: "أن تلك الساعة قبل غروب السمي أغفل ما يكون الناس".
وروي عنه ﷺ أنه أخبر: "أن الساعة ما بين أن يجلس إلى أن يقضي الصلاة" وهذا إما أن يكون إذا جلس الإمام قبل أن يفتتح الخطبة وإما بين خطبته، وإما بين الخطبة والصلاة، وأما في الصلاة بعد التشهيد.
وروي عنه ﷺ أنه كان في صلاة العصر من يوم الجمعة، فلما صلى ركعتين جاء كلب ليمر بين يديه، فدعا عليه رجل من القوم فوقع ميتا، فصلى رسول الله ﷺ الركعتين الأخريين، فلما قضى صلاته قال: "من الداعي على هذا الكلب؟. قال سعد بن مالك:
стр. 527
أنا يا رسول الله. قال: بأي شيء دعوت؟ قال: قلت: سبحانك لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، أهلك هذا الكلب. فقال: "والذي بعثني بالحق، لقد دعوت في ساعة لو دعوت فيها على ما بين السماء والأرض لاستجيب لك".
وقال بعض العلماء: هذه الأخبار في يوم الجمعة غير متنافية، لأنه أخبر أن فيها ساعة، ثم أجاز أن تكون كل ساعة من الساعات المذكورة تلك الساعة، كما أخبر ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ثم أجاز أن يكون كل وتر من أوتارها تلك الليلة والله أعلم.
والثالث: الأسحار، روي أن النبي ﷺ سئل لما أخر يعقوب بنيه إلى السحر فقال ﷺ : "لا دعاء السحر مستجاب"، وقد أثنى الله على المتهجدين بالأسحار فقال: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون﴾. وقال: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ قبلت بذلك فضيلة هذا الوقت.
والرابع في الافياء روي عن النبي ﷺ أنه قال: "تحروا الدعاء في الافياء" فقيل معناه أن يتحول الظلال عن الزوال من جانب إلى جانب. وقيل معناه: إذا فات الافياء وذلك قبل غروب الشمس بيسير.
والخامس. يوم عرفة. وروي عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك ولع الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير".
وقد يجوز أن تكون تسمية النبي ﷺ هذا الذكر، وإن لم يكن ندا ولا سؤالا، لأن الغرض منه ذلك اليوم، وفي ذلك الوقت خير يعود من الله على الذاكر، فكان بالحقيقة سائلا، وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق، ليدعو الناس يكون سائلا، وإن حذف لفظ السؤال، وعلى أن الذاكر قد يثني على الله بمحامده، ويظهر حاجته فلا يبوح بها، علما بأن الله تعالى يعلمها مني ويشتغل
стр. 528
بالذكر مكان التكلم بحاجته اعتمادا على ما بلع الرسول عن ربه : (من شغله ذكري عن مسألتي أعطلته أفضل ما أعطي السائلين) وبالله التوفيق.
وأما الأحوال التي سبق ذكرها فسبع أولها: حال النداء للصلاة، وبين الأذان والإقامة، وعند الإقامة لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان واستجيب الدعاء" ومعنى هذا- والله أعلم- أن الله يستجيب الذين يسمعون النداء للصلاة فيأتونها ويقيمونها كما أمروا به إذا دعوه وسألوه، لتكون إجابته- جل ثناؤه- إياهم إلى ما سألوه ثوابا عاجلا بمسارعتهم إلى ما أمرهم به.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" وعنه ﷺ : "إنه إذا أقيمت الصلاة لم تر دعوة" وعنه ﷺ : "تفتح أبواب السماء عند الإقامة، ويستجاب الدعاء".
والثانية فطر الصائم. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "للصائم عند فطره دعوة لا ترد".
والثالثة. نزول الغيث. جاء عن النبي ﷺ . (إن أبواب السماء تفتح عنده) وقال الله : ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ فبان بهذه الآية أن حال نزول الغيث حال رحمته، والاسترحام في حال الرحمة إرجاء فيه حال لا يعرف حقبها.
والرابعة: التقاء الصفين. وفي هذه أيضا جاء النبي ﷺ : "أن أبواب السماء تفتح عندها، وأحد ما تفتح السماء أن يكون مثلا لإجابة الدعاء". أي أنه لا يحجب، ومعنى لا تحجب تجاب ولا ترد.
والخامسة: اجتماع المسلمين على الدعاء. فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا
стр. 529
يجتمع أربعون رجلا من المسلمين يدون في أمر واحد إلا استجاب لهم حتى لو دعوا على جبل لزلزلوه" وقد يحتمل أن يكون هذا، لأن الأربعين عدد من يلزمهم الجمعة وتنعقد بهم، وعدد المسلمين الذين لما بلغوه أظهروا الإسلام، فيرجأ إذا بلغ عدد الدعاة هذا إن يلحقهم الله تعالى بجماعة المسلمين الذين لو أمكن أن يجتمعوا على دعاء فاجتمعوا عليهم لاستجاب لهم وبالله التوفيق.
والسادسة: أدبار المكتوبات. يروى أن النبي ﷺ سئل. أي الدعاء أسمع؟ قال: "شطر الليل الآخر، وأدبار المكتوبات". وهذا قد يلتحق بقول الله . ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ وقد تقدم الكلام فيه. وقد يحتمل أن يكون المعنى في أدبار المكتوبات أن القوم لما أوفوا ما عليهم منها طالبين به رضوان الله تعالى. وقد يرجى أنهم دفعوا في تلك الحال حاجة أجيبوا، لأن الإجابة في حال كأن منهم فيها ما يوجب الرضى عنهم أرجئ منها في حال سواها والله أعلم.
والسابعة: القيام في المجلس. وهذه الحال إنما يدعي فيها الكفارة المجلس دون غيرها. وروي عن رسول الله صلى الله عليها وسلم أنه قال: "كفارة المجلس أن يقول: إذا أردت أن تقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارت اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" وقل سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك، لأن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول بعد نزول سورة الفتح: فلقصيري عليه، وذلك لأن نفسه نعيت إليها بها، فينبغي لكل من ظن أنه لا يعيش مثل ما قد عاش أو قام من مجلس يظن أن لا يعود إليه أن يستعمل الذكر والله أعلم.
وأما المواطن فسبعة: الموقفان والجمرتان وعند البيت وعلى الصفا، وعلى المروة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن فذكرها" والمعنى. لا ترفع الأيدي بالدعاء إلا في هذه المواطن، لأنها ترفع فيها بالدعاء لفضلها، ولما يرجى من الإجابة عندها.
стр. 530
فصل
وكل ما ذكرت من الأوقات والأحوال والمواطن فإنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه، وفي إجابة الدعاء، لأن الدعاء لا يقبل إلا عندها، فمن عرضت له حاجة في غيرها، فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوي الرجاء، حسن الظن بالله تعالى، فإنه يستجيب دعاءه بجودة وكرمه.
فصل
إن قال قائل: إذا كان الله تعالى قد قدر التقادير ودبر الأمور وميز السعداء من الأشقياء، وأجرى العلم بمن هو صائر إلى الجنة أو صائر إلى النار، فما فائدة الاجتهاد في العبادات. ما نقول له؟ فإن قال: العبادات مأمور بها وإنما على العبد الطاعة والتدبير إلى الله تعالى. قيل له: فإن إحدى العبادات الدعاء وهو مأمور به، وسئل العبادات يسمعوا ويطيعوا ويدعو الله تعالى في الشدة والرخاء والتدبير إلى الله تعالى.
وإن قال: إنما ينبغي الاجتهاد في العبادات لأنه قد أبان أن المطيع يدخل الجنة والعاصي يدخل النار، فكل يجتهد برجاء أن يدخل الجنة قيل، وقد أمر بالدعاء، وقال حكاية عن نبي من أنبيائه ﵈ أنه قال: ﴿لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا الثوم الكافرون﴾ وقال: ﴿ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾.
وجاء عن النبي ﷺ : "من لم يدع غضب الله عليه". فينبغي للعبد أن يدعو أو يرجو إنجاح حاجاته من الله تعالى، فإنه إن لم يفعل كان إما قانطا وإما مستكبرا، وكل واحد من الأمرين موجب للغضب.
ويقال له: أليس العبد وإن اجتهد فقد كان ممكنا أنه يجتهد أن يدخله الجنة بفضله فما معنى الاجتهاد؟
فإن قال: يجوز أن يكون عند الله تعالى انه إن اجتهد ثبته بالقول الثابت في الحياة
стр. 531
والدنيا وفي الآخرة فأدخله الجنة، وإن ساهل نفسه واتبع الشهوات سلبه الإيمان وأدخله النار.
قيل: وقد يجوز أن يكون عند الله تعالى أن العبد إن سأله خيرا من خير الدنيا والآخرة أتاه إياه، وإن لم يسأله لم يؤته، وأنه إن استعاذ به من النار أعاذه، وإن لم يستعذ به منها لم يعذه. فينبغي لهذا أن يدعوه.
ويقال له: أليس الله ﵎، قد قدر الأعمال والآجال والصحة والسقم فما فائدة التداوي من الأمراض؟.
فإن قال: قد أمر رسول الله ﷺ بالتداوي. قيل له: قد أمر الله بالدعاء، وأنه قال يجوز أن يكون عند الله تعالى في بعض المرضى أنه إن تداوى سلم فعاش، وإن أهمل أمره أفسده المرض فهلك.
قيل: ويجوز أن يكون عند الله أن بعض المرضى إن دعاه وسأله العافية أو دعا وسأل له عزة عافاه. وإن لم يدع لنفسه ولا دعا غيره أهلكه، فليحسن الدعاء بمثل ما أحسن له الدواء وبالله التوفيق.
فصل
إن سأل سائل: عن قول الله : ﴿ادعوني استجب لكم﴾ وقال: قد يدعي فلا يستجيب، فما وجه هذا؟
قيل: أمره ﷻ بالدعاء للإجابة كالأمر بالتداوي للعافية، وخلقه الدواء لإماطة الداء ثم قد يتداوى فلا تكون العافية، وقد يتداوى من الداء بدوائه فلا يزول، ولا سؤال يؤخذ هناك فكذلك هاهنا.
ونقول: معنى قوله جل ثناؤه ادعوني استجب لكم، أي بحسب نظري لكم ورحمتي لكم، لا بحسب أهوائكم وأمنيكم، صحت أو فسدت وخفت أو بطلت لأن هذه الآية غير مفردة في القرآن عن أخرى فيها بينا بها، وهو قوله : ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض﴾ وقوله: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير،
стр. 532
وكان الإنسان عجولا﴾ وذلك والله أعلم- على معنى أنه ربما دعا بما هو شر له ولا يدري، فيحسبه خيرا له.
فدلت الآيتان جميعا على أن الله تعالى إنما يستجيب الدعاء بالمستجمع شرائطه إذا علم للداعي فيما سأل خيرا. فأما إذا علم أن له فسادا أو شرا فإنه لا يستجيب له دعاءه إكراما وثوابا له بدعائه. ولكنه إذا كان عليه ساخطا فقد يفعل ذلك به عقوبة له والله أعلم.
وقيل: ليس بشيء من دعاء المؤمنين إذا استجمع شرائطه غير مستجاب لأنهما منزلتان الإجابة أو الرد. فإذا لم يكن رد فليس إلا الإجابة. والرد أن لا يعطي بدعائه شيئا فتكون منزلته بعد ما دعا كمنزلته قبل أن يدعو، أو ما عدا هذا فليس يرد وإنما هو إجابة. إلا أن الإجابة تختلف كما قال النبي صلى الله عيه وسلم: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليست فيها قطيعة رحم، ولا إثم، إلا أعطاه إحدى خصال ثلاث: إما يقبل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه مثلها، قال يا رسول الله. إذا نكبر. قالوا الله تعالى أكثر أتي الله أكثر خيرا وفضلا لا يعجزه اعطاؤكم وإن كثر سؤالكم". فبأن بهذا الحديث أن الإجابة تنقسم ستة أقسام أحدها عطاء السائل عما سأل، ثم قد يكون ذلك قريبا، وقد يكون بعيدا.
والآخر: تعويضه منه مثله أما خيرا بعطائه، أما شرا يصرف عنه وهذا أعظم ما تكون معنى للإجابة، وإذا كان الله جده أوجب على عبده غير حق ثم رضي منه بالبدل والفدية ويجعله بها مؤديا حقه، فكيف لا يجيب العبد ما يعوضه الله تعالى من دعائه ومسألته إجابة له وتصريفا لأمله. بل يرى أن ذلك رد وتحبيب.
والثالث. أن يعوضه في الآخرة. ومعنى ذلك أن يغفر له، فكان ما سأل في الدنيا دينا أو ذنوبا في الآخرة، فيعود هذا إلى صرف بلية بقدر ما سأل بدعائه لأنه لا بلية أعظم من النار، فإذا أشرق عليها، ثم صرف عنها كان سروره بذلك أشد من سروره في الدنيا بما سأله لو كان أعطاه.
وفي هذا أيضا إجابة دعائه لأنه لا يخلو من أن أعطى به شيئا كان لا يعطاه ولا دعاؤه
стр. 533
وليس هذا من الرد بمستحيل. فأما قول الله عز. ﴿بل أياه تدعون﴾ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء، وهذا للكفار كقوله. ﴿وتنسون ما تشركون﴾ وهو كقوله هز وجل: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما أنجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾.
إن انه قد يحرمهم ويرد دعاءهم بكفرهم، قد يجبهم عين ما يسألون تأكيدا للحجة عليهم. أما المؤمنون فإن دعاءهم لا يرد إذا استجمع شروطه، ولكنه يجاب، ثم الإجابة على ما كشفت وبالله التوفيق.
فصل
فأما الفرق بين دعاء الرجل لغيره بالخير وبين الشفاعة له، فهو أن الدعاء إنما يكون قبل ظهور حال المدعو أو لعله حسن الحال عند الله تعالى، وما يراد له حاصل بلا دعاء أحد، فيكون الدعاء لمن يدعو له محافظة على حق الإسلام الجامع بينهما، أو حق المدعو له قبله ولم يكن شفاعة.
أما الشفاعة فإنها تكون بعد أن يظهر سوء حال المشفوع له، معناها استهاب العقوبة أو استحاط المتعة، فلا تحل إلا لمن كان حسن الحال عند الله تعالى، ومن لم يعلم ذلك لنفسه، فمن المحال أن يشفع لغيره، ولعله محتاج إلى من يشفع له. فلهذا لم تكن الشفاعة مطلقة لا تكون إلا من عن المذنب للمذنب، فدل ذلك على تباينها والله أعلم.
نجز الجزء الأول من كتاب الحليمي وبالله التوفيق. يتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى الثالث عشر من شعب الإيمان، وهو باب في التوكل على الله جل ثناؤه ..
على يد العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفوه وامتنانه أحمد بن محمد الشافعي البتنوي الكناني نسبا غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين آمين ...
стр. 534
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الثالث عشر من شعب الإيمان
- وهو باب في التوكل على الله جل ثناؤه -
قال الله :﴾ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴿.
وقال لنبيه ﷺ :﴾ إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال ﴾ والله يكتب ما يبيتون، فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴿.
وقال :﴾ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم واتقوا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿.
وقال:﴾ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ﴿. وقال:﴾ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴿.
وقال:﴾ هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ﴿وقال:﴾ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده. وكفى به بذنوب عباده خبيرًا﴾.
стр. 535
وقال:﴾ وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين ﴿. وقال:﴾ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴿وقال:﴾ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليمًا حكيمًا، واتبع ما يوحي إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرًا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴿.
وقال:﴾ قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ﴿وقال﴾ رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ﴿. وقال:﴾ الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال:﴾ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا ﴿وقال:﴾ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوءنهم في الدنيا حسنة، لأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ﴿وقال:﴾ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال حكاية عن إبراهيم ﷺ أنه قال:﴾ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ﴿وقال حكاية عن نوح ﵇ أنه قال لقومه:﴾ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله. فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم افضوا إلي ولا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ﴿. وقال حكاية عن يعقوب ﵇.﴾ يا بني لا تدخلوا من باب واحد، وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون ﴿. وقال حكاية عن شعيب أنه قال لقومه لما أرادوه أن يعود في ملتهم.﴾ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿. وقال حكاية عن موسى ﵇ أنه قال
стр. 536
لقومه: ﴿إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. فقالوا على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ﴿وقال في قصة موسى صلوات الله عليه.﴾ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴿. وقال حكاية عن رسل قالوا لقومهم:﴾ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وما لنا إلا أن نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴿.
وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله والثقة بحسن النظر فيما أمر به وأباحه، واحده من وكل يكل، إلا أنه يقال: وكل الأمر إلى فلان وقد توكل على الله. لأن المعنى يحمل ذلك ويكله اعتمادًا على الله جل ثناؤه وهو من باب الاختصار. واختلف أهل المصائر في ذلك. فقال قائلون:
التوكل الصحيح ما كان من قطع الأسباب، فإذا جاء السبب إلى المراد ارتفع التوكل وقال آخرون: كل أمر بين الله تعالى لعباده فيه طريقًا ليسلكوه إذا عرض لهم والتوكل يقع منهم في سلوك تلك السبيل والتسبب به إلى المراد، فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن السبب بما جعله الله سببًا، فلم يفعل ما أمر به ولم يأت الأمر من بابه واحتج الأولون بالآيات المطلقة التي فيها أمر بالتوكل ومدحه، وبما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل من أمتي سبعون ألفًا من غير حساب، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).
وبما جاء عنه ﷺ من قوله: (لو أنكم تتوكلون على الله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا
стр. 537
خماصًا وتروح بطانًا،. وبأنه قال: (الذي عرض أن يعالجه من زيادة رآها بظهره طيبها الذي خلقها). وبأنه ﷺ قال: (أبي الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون). وبأنه ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تكمل رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب).
وبأنه ﷺ قال لعبد الله بن مسعود: (لا تكثر همك، فما تقدر يكن وما ترزق يأتك). وبأن رسول الله ﷺ قال: حكاية عن الله . (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء إن خيرًا أو شرًا).
واحتجوا أيضًا بقصة مريم ﵍، وقول الهل جل ثناؤه:﴾ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا. قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴿.
وإن النبي ﷺ قال:) انتظار الفرج من عند الله عبادة) وبأن أبا بكر الصديق ﵁ مرض فقيل له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: قد رآني الطبيب، فقالوا ما قال؟ قال لي. إني فعال لما أريد، وإن أبا الدرداء ﵁ مرض فقيل له، ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة. فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب، فقال: هو أضجعني.
واحتجوا أيضًا بأنا وجدنا كثيرًا من الصابرين المتعففين يفعلون، وكثيرًا من المرضى يعالجون فيموتون، وكثيرًا منهم لا يعالجون فيبرأون، وكثيرًا من الناس يدخلون المفازة بلا زاد فيرزقون، وكثيرًا منهم يدخلونها بأزواد فتذهب ويرقأون. وكثير من الناس
стр. 538
يبتلون بالسلطان الجائر والسبع فيسلمون، وكثيرًا منهم يضطرون في طلب الخلاص فلا يجدون.
فعلمنا مدار هذه الأمور على مشيئة الله تعالى وحدها، فكان التوكل فيها أحق من غيره، وأولى بالسلم مما سواه.
واحتج الآخرون بأن الله تعالى قال للحجاج وهم زواره ووفوده:﴾ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴿أي فإن خير الزاد ما عاد على صاحبه بالتقوى. وهو أن لا يتكلوا على ازواد الناس ويضيقون عليهم، ومن دخل البادية بلا زاد متوكلاً، فإنما يرجو أن يقبض الله تعالى له من يواسيه من زاده، وهذا عين ما أشارت الآية إلى المنع منه. فبان أنه لا معنى لاستحبابه، وإنما المستحب هو التزود، والحارس إذا لم يكن زاد حتى يكون.
وأيضًا قال رسول الله ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظلال رمحي) فلو كان انتظار الرزق بالصبر، والصمت أفضل من طلبه بما أذن الله تعالى فيه لما حرم الله تعالى رسوله أفضل الوجهين وعرضه لإرغامه.
وجاء في الأخبار، قال أبو هريرة ﵁ بينا أبو بكر وعمر ﵄ جالسان، إذ جاء النبي ﷺ فقال لهما: (ما أخرجكما؟ قال: الجوع، خرجنا نبغي شيئًا، فقال: والذي بعثني بالحق أنه الذي أخرجني فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن نبهان وهو من الأنصار فرحب بهم وقدم إليهم رطبًا باردًا وماء باردًا).
فدل هذا الحديث على أن من احتاج إلى طعام فلم يجده ولم يعلم أحد حاله كان عليه أن يخبر بحاله من يظن أن عنده وقاء بغيرها لا أن يسكت ويتصبر.
وقال أصحاب الصفة لرسول الله ﷺ : (لقد لبثت أنا وصاحبي بضعة عشر يوماً بلا طعام إلا البربير، والله لو أجد الخمر واللحم لأطعمنكم، ولكن لعلكم تدركون أو من يدرك منكم، يلبسون مثل استار الكعبة وتروح الخفان، وتغدو عليكم وأنتم اليوم خير
стр. 539
منكم يومئذ أنتم اليوم أخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض).
ففي هذا الحديث أن أصحاب الصفة لم يصبروا على المجاعة حتى اعلموا من أملوا أن يغير أحوالهم. فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ ، ولكنه أجابهم بما سئل عنه. فدل ذلك على أن طلب ما تقع الحاجة إليه ليس بمضاد للتوكل إذا كان الطالب لا يطلب إلا متوكلا على الله تعالى في أن إظفاره بمطلوبه إن شاء الله في حديث آخر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أقام رسول الله ﷺ أيامًا لم يطعم الطعام حتى شق ذلك عليه، فطاف على منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة ﵂ فقال: يا بنية، هل عندك شيء آكله فإني جائع. فقالت: لا والله بأبي أنت وأمي. فلما خرج رسول الله ﷺ من عندها بعثت لها جارة برغيفين وبضعة لحم. فأخذته منها ووضعته في جفنة لها وغطت عليها. وقالت: والله لأوثرن بهما رسول الله ﷺ على نفسي من عندي، وكانوا جميعًا محتاجين شبعة طعام، فبعثت حسنًا أو حسينًا إلى رسول الله ﷺ ، فرجع إليها. فقالت بأبي أنت وأمي، قد أتانا الله تعالى بشيء فخبأته لك، فقال: هلمي، فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت، وعرفت أنها بركة من الله ، فحمدت الله جل ثناؤه وصلت على نبيه ﷺ . فقال: من أين لك يا بنية. فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فحمد الله وقال (الحمد لله الذي جعلك الله يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى شيئًا فسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فبعث رسول الله ﷺ إلى علي ثم أكل وفاطمة والحسن والحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته حتى شبعوا. قالت فاطمة وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت منها على جيراني، وجعل الله فيها بركة وخيرًا كثيرًا).
فأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فقد يحتمل
стр. 540
أن يكون أراد بهم العاطين عن أحوال النار، وما فيها من الأسباب المعدة لدفع الآفات والعوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، ولا يعرفون فيما ينزل بهم ملجأ إلا الدعاء والاعتصام بالله .
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: (أكثر أهل الجنة البله عن شهوات الدنيا وزينتها، والحبائل التي الشيطان فيها) وقال الله :﴾ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ﴿فقيل: أراد الغافلات لما يرمين به من الفحشاء لا يتفكرون فيها ولا تخطر بقلوبهن، فلا تكون من همهن.
فكذلك هؤلاء الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ في هذا الخبر هم الغافلون من طب الأطباء ورقي الرقاة فلا يحسنون منها شيئًا إلا الذين يحسنونها فلا يستعملونها. والدليل على صحته إن سيد المتوكلين رسول رب العالمين يروى عنه أنه اكتوى من الكلم الذي وقع بوجهه يوم أحد، وكوى سعد بن زرارة من الشوكة، وأمر أبي بن كعب أن يكتوي من سهم أصابه يوم بدر، فدل ذلك على أن الاكتواء الذي وصفه الله تعالى فلا يستشفى به مع التوكل على الله في أن موقعه موقع النفع. ويشفى به. أفضل من التوكل بلا اكتواء ولا غيره من صروف المعالجات.
وأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لو تتوكلون على الله يرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا) فأول ما فيه: أن الطير إذا غدت فإنما تغدو بطلب الرزق، ومعروف من عاداتها أنها لا تقع إلا حيث تبصر لقطا، وإنها لا تزال تسبح في الهواء حتى ترى ماء فتنزل عليه، وكل ذلك ابتغاء منها للرزق. فثبت أن الأولى بالحديث أن يحمل على أن الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل المال، ولو توكلوا على الله جل ثناؤه في ذهابهم وصحبهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده، ولم يتصرفوا قط إلا سالمين غانمين كالطير الذي يغدو خماصا وتروح بطانا ولكنهم يعتمدون على قوتهم وحذرهم، فيفتنون ويكذبون، ويحلفون على الباطل ولا ينالون وكل هذا خلاف التوكل ونقيضه، فلذلك يخفقون. فتارة تقطع عليهم الطريق، وتارة يكسد المتاع وينخفض السعر،
стр. 541
وتارة يفلس المشترون إلى غير ذلك من وجوه الخسران. ومثل هذا إن الخرابين يتركون التوكل على الله فيظلمون الكثير. إن اللائي يخربون عليها ويعيدون على شركائهم في الماء، وعسى أن لا يؤدوا حق الله تعالى فيما تخرجه الأرض، فلذلك بعث عليهم بالجراد والبرد، ويقطع عنهم الماء، ويزاد على الحاجة حتى يكون منه الغرق والضياع.
والآخر: يخربون ولا ينفتحون، وذلك منهم ترك للتوكل، فلذلك لا يرزقون ما يريدون. فهذا أشبه بمعنى هذا الحديث مما سواه وبالله التوفيق.
وأما ما جاء عن النبي ﷺ الذي عرض عليه أن يعالجه من الزيادة التي رأتها بظهره طبيبها الذي خلقها، فيحتمل أن يكون لم يثق بالذي يعرض لمعالجته فدفعه بأحسن وجه وأجمله. والدليل على ذلك أنه قد عالج وداوى كما سنبينه بعد انقضاء الكلام في هذه المنزلة إن شاء الله .
فأما ما روى عنه ﷺ من قوله: (إن الله يرزق عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون) فمعناه. أبى الله أن يجعل أرزاقهم من حيث يحتسبون وهو كذلك، ولكنه قد جعل كثيرًا من أرزاقهم من حيث يحتسبون. كالتاجر رزقه من تجارته والحراث رزقه من حراثته، والصانع يرزقه من صناعته، والمحتاجين يرزقهم من صدقات المسلمين هذا هو الأصل العام. وقد تخرج منه أمور نادرة كالرجل يصيب معدنا أو ركازًا من حيث لا يحتسب أو يموت له قريب فيرثه أو نحو ذلك. ونحن لم نقل إن الله تعالى لا يوصل أحدًا إلى خير إلا بجهد وسعى وتكلف، وإنما قلنا إنه قد بين لخلقه وعباده طرقا جعلها أسبابا لهم إلى ما يريدون، فالأولى بهم أن يسلكوها متوكلين على الله تعالى في بلوغ ما يؤملونه دون أن يعرضوا عنها ويجردوا التوكل منها. وليس في الحديث ما يفسد قولنا والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب). فأول ما فيه أنه أمر بالطلب وأذن فيه، إلا أنه أمر بإجماله، وإجمال الطلب هو المقرون منه بالتوكل. فإنه إذا خلا منه وكان
стр. 542
الطالب ملاحظا في طلبه قواه ومكائده وحيله لم يكن مجملاً للطلب، وكان ذلك منفيا عنه والله أعلم
وأما قوله ﷺ لابن مسعود: (لا تكثر همك فما تقدر يكن وما ترزق يأتك) فليس فيه المنع من الطلب، وإنما فيه المنع من الهم، وذلك على أصل الحرص الشديد، لا يزال أحدهم جده واجتهاده مهموما قلقا يخشى أن يضيع ما عنده، ولا يأتيه ما ليس عنده، وذلك خلاف التوكل، وإنما نهى رسول الله ﷺ عنه لا عن الطلب، فمن طلب من الوجه المأذون فيه، وفوض أمره في اتجاه طلبه وأرباح تجارته، وإحسان عقبى حراثته إلى الله تعالى، وآمل منه الخير والبركة فلا عتب عليه والله اعلم.
وأما قوله ﷺ : (أنا عند ظن عبدي بي فليظن ما شاء إن خيرًا أو شرًا). فلا دليل منه على كراهية السعي والطلب، ألا ترى أنه لا يدخل في هذه الجملة أن يكون الطعام جاهزًا والحاجة واقعة، فيمتنع المحتاج إلى الأكل ظنًا أن يصير إليه الطعام إلى جوفه من غير مس منه، ولا إيصال إليه. ولا من يريد بدلاً لحاجة عرضت له فيه، ومعه الزاد والراحلة، والطريق آمن مسلوك خصب فلا ينهض مع السيارة إليه، ولكنه يلزم مكانه، ظنًا أن يلقيه الله تعالى ذلك البلد من غير كلفة منه. فكذلك لا يدخل فيها من لا يكسب ما يصيبه من مال غيره، وهو قادر على الكسب، والدليل على صحة ذلك قول النبي ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي).
وفي رواية. (ولا لذي مرة مكتسب محرم عليه الصدقة لقدرته على الكسب فلو لم يلزم الكسب لوقى على نفسه حاجتها، لما حرمت عليه الصدقة، إذا كان قادرًا على الكسب والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب المؤمن المحترف) وقال عقبة بن عامر قال لي رسول الله ﷺ : (إن الله يلوم بالعجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا
стр. 543
عليك، فقل حسبي الله ونعم الوكيل). وقال معاوية بن قرة ﵁ أتى عمر ابن الخطاب ﵁ على قوم فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: بل أنتم المتآكلون، إلا أخبركم بالمتوكلين، رجل ألقى حبة في بطن الأرض ثم توكل على ربه، وأما قوله (المتآكلون) أي على أموال الناس.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، فإن الطريق وضح، من لم يعمل منكم اتهمناه، ومن عمل حمدناه، وقال: عمر بن الخطاب ﵁: لما فتح الفتوح على رسول الله ﷺ ، ادخر لأهله قوت سنة وجعل ما بقي من الكراع والسلاح، واشترى غلمان ﵀ وسقاء من طعام، فقيل له في ذلك فقال: إن النفس إذا أحرزت القوت اطمأنت. وقال سعيد بن المسيب ﵁. ومن لزم المسجد وليس له ما يقينه، فقد الحف في السؤال بقي أنه شغل قلوب الذين يأتون المسجد للصلاة بنفسه واضطرهم إلى مواساته، فكأنما سأل فألحف، أن ينبغي له أن يعمل ويكسب إلى أن يلزم المسجد.
وفي بعض الأخبار جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ ، فسأله فقال النبي ﷺ : (في منزلك شيء؟ فقال: نعم. ملس نلبس بعضه ويبسط بعضه، وقدح نشرب فيه. فقال النبي ﷺ : ائتني بهما. فأخذه النبي ﷺ فقال: من يشتري هذا؟ فقال رجل: أنا آخذه بدرهم فقال النبي ﷺ من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثًا؟ فقال رجل أ، اآخذه بدرهمين. فأعطاه إياه، وأخذ الدرهمين، فدفعهما إلى الرجل، وقال: اشتر بواحد طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما وائتني به. فاشترى قدوما وأتاه به، فسوى النبي ﷺ بيده عودًا، فقال: انطلق واحتطب وبع. ولا تقربني خمسة عشر يوما. فذهب واحتطب حتى أصاب عشرة دراهم، فعاد إلى النبي، فاشترى ببعضه طعاما وببعضه ثوبا. فقال النبي ﷺ : هذا خير من أن تأتي بالمسألة تكنه في وجهك، ثم قال: إن المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مقطع، أو لذي دم موجع).
وأما قصة مريم ﵍، فإنما كانت ارهاصا لأمر عيسى ﵇، وإكراما
стр. 544
لزكريا صلوات الله عليه، فقد كان كافلها والقيم عليها، ولم تحل مع ذلك من عمل لأنها كانت تخرج من المسجد فتأتي السقاية لتأخذ من الماء حاجتها وهو وقد هربت بعد الولادة بعيسى ﷺ . وليس على ما يكون لأجل الأنبياء ﵈ قياس.
وأما قوله ﷺ : (انتظار الفرج بالصبر عبادة) فمعناه لا مخلص ولا مفرج إلا الصبر. فأما من جعل الله تعالى له إلى الخلاص مما هو فيه سبيلا، فينبغي له أن يسلكها متوكلا على الله تعالى أن يؤدي به ذلك إلى الخلاص. ألا ترى أن الأسير في دار الحرب إذا قدر على الانقلاب من أيدي المشركين، فعليه أن ينقلب ويتوكل على الله تعالى في انقلابه ليعصمه، فلا يؤاخذه برد أو تقبل. والجائع إذا حضره الطعام فعليه أن يطعم ويتوكل على الله ليرزقه خير الطعام، ويدفع عنه ضرورة لا أن يصير عنه متوكلاً عند نفسه والله أعلم.
فأما قول أبي بكر الصديق ﵁: قد رآني الطبيب، فقال: إني فعال لما أريد، وقول أبي الدرداء ﵁: هو اضجعني فمحمول على أنهما علما أن آجالهما تصرمت أما برؤيا أو ببعض العلامات، يدل على ذلك أن أبا بكر قال لعائشة ﵂ في ذلك المرض. إني كنت مجليك واحد وعشرين وسقا ووددت لو كنت خريب وإنما هو اليوم مال الوارث، فقطع بأنه موروث ولو لم يكن عنده علم واقع بذلك لم يقله، فلذلك لم يأذن في دعاء الطبيب لا أنه لم يرض المعالجة حقًا والله أعلم.
وأما قول من قال: إنا وجدنا كثيرًا من السؤال يخدمون، ومن المتعففين يعطون إلى آخر الفصل، فجوابه أن يقال: ووجدنا كثيرًا من المتضورين يموتون جوعًا ومن المعترضين لما أباحه الله تعالى لهم يرزقون، فيحيون ويعيشون. وقد وجدنا من يحضره الطعام فيهم يأكله، فحال بينه وبينه. ومن يؤتى ما ليس عنده فيلقيه، فليكن هذا دليلاً على أن تناول الطعام الحاضر والمقصد إليه ليس بجواب على المحتاج إليه، وليكن ما قلناه دليلاً على أن التصبر لا معنى له، وإلا فقد وقف الأمران موقفًا واحدًا، فيحتاج إلى الفصل بينهما، فنقول -وبالله التوفيق- إن الله تعالى هو الذي وضع المكاسب للناس فأباحها لهم، وهو الذي فرض على الأغنياء أن يواسوا المحتاجين، وعلى المستطيعين أن يعينوا اللهفان،
стр. 545
وينصروا المظلوم ويأخذوا على يدي الظالم ويكفوه وهو الذي فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رسول الله ﷺ يملك ضياعًا فيشغلها، ويغزو فيغنم، فيأخذ من الغنيمة حقه، وهو الذي خلق الأدواء، والأدوية، وعلم المعالجات وهدى إليها وأباح التطبيب والقبول عن الأطباء، فأرسل الله ﷺ وأذن لغيره بالرقية بل هو في الآكل بها. وحكي الله عن موسي ﷺ أنه سقى لبنتي شعيب صلوات الله عليهما، ثم تولى إلى الظل فقال:﴾ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴿أي إني لما سقته لي من خير بما عرضتني إليه من العمل لمن تأجرني عليه فقير، فكان من أمره ما كان. ووجدنا من يخالفنا ويقول بقطع الأسباب، ويزعم أنه إذا نزلت به حاجة لم يتسبب إلى نجاحها بشيء سوى أن يصير متوكلاً على الله تعالى متوقعًا منه أن يظفره بحاجته لأن السبب قد لا ينجح، وهو يعلم أن بصبره قد يخلف فلا ينجح، كما أن تسبب المسبب قد يخلف فلا ينفع. ألم تر لقوله من هذا الوجه رجحانا على خلافه، ولكن وجدنا المتسبب أبين عددًا من غيره، لأنه أن يصدر باحتباس حاجته بعد أن يسبب إليها بأقصى ما قدر عليه، فلم يجز مع ذلك أن يوصف بجر الضرر إلى نفسه. فالمتجرد الصبر إذا تضرر باحتباس حاجته عنه لم يأمن أنه لو ترك التصبر إلى التسبب لم يلحقه الضرر الذي لحقه فعلمنا أنه يترك التسبب مخاطر، ووجدنا المتسبب جامعًا بين السبب المأمور أو المأذون فيه. وبين التوكل في نسبه، وذلك منه طاعة، ولزم الحجة وختم التوكل إليها، المتصبر المعرض عن الأسباب راد للسبل المشروعة على الله ﷻ بالغيث، بزعمه أنها قد تنجح وقد لا تنجح، ومقتصرًا على التصبر الذي يلزمه ما أكرم غيره في التسبب، فعلمنا أن المتسبب المتوكل في تسببه أثقل حالاً من المتصبر الرافض لما جعل له من الأسباب.
وأن ضايقنا القوم قلنا لهم: تركهم الأسباب معتلين بأنها قد تخلف، فلا ينجح متهمين لله جل ثناؤه في الأسباب التي سببها لهم، وغير معولين في التعلق بها على فضله، مفوضين أمره إلى تدبيره. وما أبعد ما بين المتهم بربه وبين المتوكل عليه. فإن كان من يرى هذا الرأي يجوز أن يسمى متوكلاً، فإنما ذلك كتسمية المهلكة مفازة، والحبشي أبا البيضاء وإلا فلا توكل بالحقيقة منه، وأما غيرهم، فإنه إذا لم يقتصر على مجرد التصبر لم يفعل ذلك،
стр. 546
لأنه قد يخلف ولا ينجح، وإنما يقتل، لأن الله قد بين لكل ذي حاجة وحلة نهجًا، وقبض لكثير منهم من أهل دينه أقوامًا أمرهم أن يأخذوا بيده ويريحوا عليه كما أمر الأغنياء بمواساة الفقراء، وأمر المطيعين أن ينصروا المظلوم ويغيثوا اللهفان. فالأولى بأصحاب الحاجات والحلات. أن ينتهجوا المناهج المعجولة المبينة لهم، ليكونوا مطيعين لله ، مفوضين الأمر إليه مسلمين لحكمه وتدبيره، وهذا لا يدخله ما دخل القول الأول، وبالله التوفيق. ثم نتكلم في الأبواب التي كتبناها في أول الباب فنقول:
أما قول الله :﴾ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴿فإن فيه أن الذين تخوفوا بجمع أهل مكة لقتالهم لم يخافوهم لكثرة عددهم، لأنهم وثقوا من الله بأنه لا يخل نبيه صلوات الله عليه من نصره ومعونته، فقد كانوا شاهدوا ذلك يوم بدر واستيقنوه، ففوضوا أمرهم إلى الله جل ثناؤه، ووطنوا أنفسهم على القتال إن حضر العدو فكانوا بذلك جامعين بين التسبب إلى دفعهم على أنفسهم بالقتال الذي هو طريق الدفع، وبين التوكل على الله تعالى والتفويض إليه، ولم يقعدوا في بيوتهم متربصين إنهم إن حضروا، تولى الله جل ثناؤه كفايتهم إياهم وصدهم عنهم، ولا كان ذلك مما أذن لهم فيه عن أن يؤمروا ويندبوا إليه فعلمنا أن التوكل ليس في قطع الأسباب لكن في استعمال الأسباب على حد الأمر وموافقته، وتفويض النجاح إلى الله تعالى.
والقول في الآية التي في هذه السورة ومن قوله:﴾ إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿هو أن هذه الآية فيها تنبيه على أن النظر إلى القلة والكثرة خلاف التوكل. ولذلك قال الله ﴾ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ﴿. وقال:﴾ ويم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل سكينته ... ﴿إلى قوله:﴾ على من يشاء والله غفور رحيم ﴿.
فعرفهم أن الاعتزاز بالكثرة، والانخذال لأجل القلة خلاف التوكل. فلا ينبغي
стр. 547
للمؤمنين أن يتوقعوا النصر إلا من عند الله تعالى، ولا أن يخافوا الخذلان إلا من جهته وأن يطيعوا فيما يأمرهم به من القتال إذا عرض، فيقاتلوا أعداء الله متوكلين مفوضين أمر النصر إليه. وفي هذا حث على التسبب لكن بشرط التوكل إلى الأمر بقطع الأسباب والاقتصار على الصبر وحسن الظن، إذ لو كان لذلك لم يفرض القتال ولم يأمر به﴾ والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴿. فإنه نزل في المنافقين.
وقد كان الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقبل منهم ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. فأمره في هذه الآية أن يعرض عنهم ولا يعاتبهم على ما يقولون إذا خرجوا من عنده، بخلاف ما كانوا يقولونه إذا حضروه، وأن يتوكل على الله في الإعراض.
ولسنا ننكر أن يكون التعبير والإمساك واجبين أو مستحبين، أو كان الأمر واقعا بهما، وإنما ننكر ذلك حيث جعل الله تعالى للناس إليه به إلى تغيير الحال ودفع ما يكرهون والتوصل إلى ما يريدون بشرط التوكل فيما يباشرونه من ذلك السبب، وهذا لم يقم في خلافه دليل، بل يقام عليه عينه، وهو أن الله لما فرض الهجرة على نبيه ﷺ من مكة إلى المدينة ولم يأمره أن يتصبر بمكة، متوكلاً على حسن دفاعه، والميل بقلوب الناس إليه، ولم يكن ذلك بعد ذلك إلى أن يثبت فيها متصبرًا بل لزمه أن يفارقها متوكلاً على الله في مفارقته. ولا خلاف بين المسلمين في أن امرأة لو أسلمت في دار الحرب وأمكنها أن تهاجر بلا فتنة تخاف على نفسها، فإن عليها أن تهاجر، ولا يكون لها أن تقيم متوكلة برحمها بل يلزمها أن تهاجر وتتوكل على الله تعالى في هجرتها. وأجمعوا على أن رجلاً لو طلبه حربي أو سلطان جائر، أو فتاك داعر، لم يكن له أن يقعد برصد أو يتعرض له وحده بلا سلاح ولا آلة، وإن فعل ذلك ومعه جماعة يعينونه حل ذلك له إذ كان مع ما وصفنا متوكلاً على الله تعالى في إعانته وإعانة الذي معه على ما يريده بظلم فإن رجلاً لو وضع ماله في صحن داره وترك الباب مفتوحا أو على الباب للنهب والفتنة، فدخل داخل داره، وأخذ ماله كان مضيعا لماله، ولو كان ذلك وديعة لغيره عنده يضمنه، ولم يكن في شيء مما ذكرنا متوكل.
стр. 548
فعلمنا أن كل ما بين الله تعالى لعباده فيه طريقا فسبيلهم أن يسلكوه ويتوكلوا عليه في سلوكه، إلا أن يعرضوا عنه ويزعموا أنهم متوكلون عليه مع مفارقتهم وضعه وأمره، وانتهائهم إلى ما لم يأذن لهم فيه والله أعلم.
وقد قال الله :﴾ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴿فأخبر أن الملائكة يوبخون الذين يقيمون ببلد لا ينفد لهم فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتذرين بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، ويقولون: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فلو كانوا إذا تصبروا وهم مستضعفون فاقتصروا على التوكل من غير هجرة معذورين، أو كان ذلك أفضل لهم لما عاتبتهم الملائكة على مقامهم. فإن الملائكة لا توبخ من كان آثر الأفضل واختاره والله أعلم.
وكل ما ذكرنا في الآيات التي كتبناها من ذكر الصبر مع التوكل نحو قوله :﴾ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ﴿وقوله:﴾ ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴿فلا يخلو من وجهين:
أما أن يكون المراد من صبر حين لم يكن له وجه إلا الصبر. وقد كان النبي ﷺ في أول أمره مأمورًا بالصبر، فلم يكن يلزمه يومئذ غيره، ولكنه لما أمره وقفوا الصبر إلى الهجرة ثم يضم إلى الهجرة ثم يحره الصبر وإن استشعر في نفسه التوكل المراد من صبر على مجاهدة الأعداء أو الصبر على الهجرة التي أمر بها واحتمل جهدها ومشقتها، متوكلا على الله في أن الحسن أمانته ويكفيه ما أهمه وليس واحد منهما قادحًا في أصلنا بحمد الله ومنه.
وقول نوح صلوات الله عليه لقومه:﴾ إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ﴿. الآية إلى آخرها، خارج على أنه لم يكن مأمورًا بالهجرة ولا ممكنًا من القتال، وإنما كان فرضه الصبر على ما يلقاه من الأذى، وقد كان الله تعالى اعلمه ما هو فاعل بقومه، وقال
стр. 549
له: ﴿فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴿. فتوكل على الله في صبره، ووثق بأنه لا يخلفه وعده. وقال لقومه:﴾ فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة. ثم افضوا إلي ولا تنظرون ﴿وكذلك هود صلوات الله عليه إنما قال لقومه:﴾ فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون، إني توكلت على الله ربي وربكم ﴿الآية، لم يكن مأمورًا بأكثر من مصابرتهم، ولعل الله تعالى كان أخبره أنه يعصمه ويشفي منهم صدره، فلذلك اقتصر على الصبر، ولو كان واحد من النبيين صلوات الله عليهم مأمورًا بالقتال أو الهجرة، لما حل له أن يلزم الصبر، وإن أضمر التوكل بأن كان لا يسعه إلا أن يفعل ما أمر به ويتوكل كما بينا والله أعلم.
وقصة يعقوب صلوات الله عليه دليل بين على هذا، فإنه قال لبنيه:﴾ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت .. ﴿فنهج لهم من الاحتراز في العين نهجًا وأمرهم به، ثم توكل على الله في دفع ما خاف عليهم ولم يفرد التوكل عن بعض وجوه الاحتراز التي وصفها الله تعالى. فدل على صحة ما قلنا.
ويدل على هذا أيضًا أن الله ﵎ أخبر عن موسى صلوات الله عليه أنه قال لقومه:﴾ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴿فأثنى الله على الذي قالوا هذا، واقتصه علينا إشارة لما كان منهما على أن مجرد التوكل لا يعني إذا كان التسبب المباح أو المفروض لا مجردًا عنه والله أعلم.
ويدل على ما قلنا أن النبي ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين ولبس المغفر يوم دخول مكة، ولا يخلو ذلك قبل نزول قوله تعالى:﴾ والله يعصمك من الناس﴾ أو بعده.
стр. 550
فإن كان ذلك قبله فقد احتاط وتوكل وانتهى إلى ما بينه الله تعالى للناس وجعله لهم سبيل التحصين والاحتراز، حيث قال في قصة داود صلوات الله عليه:﴾ وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ﴿ولم يبرز للقتال مكتشفًا متوكلاً وإن كان ذلك بعد نزول العصمة، فلقد تأول أن الله تعالى قد أخبره أنه يعصمه، ولم يخبره بماذا يعصمه، وأنه آتاه درعين والمغفر ومكنه من لبسهما فلا يحتاج أن يلقى العدو بارزًا متجردًا، فذاك من عصمته له فليعتصم.
فهكذا ينبغي لمن أوجب الله تعالى في مال غيره الكفاية وابتلاه بالحاجة أن يعلم أن ذلك كفاية من الله تعالى إياه فليكتف بها، وليتعرض لها دون أن يلزم مكانه ولا يعلم أحدًا بحاله، ويزعم أنه متوكل. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ إنما ظاهر بين درعين ولبس المغفر لأن الله تعالى أخبره أنه يعصمه من الناس على أثر قوله﴾ بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴿فكان الظاهر أنه وعده العصمة بما يمنعه من التبليغ وهو القتل والأخذ والحبس ولم يدخل في جملته الجرح والكسر، متحصن ما لم يستيقن العصمة منه ولم يخل في تحصنه من ذلك مما بينه الله تعالى ووصفه لمثله، في مثل ما نزل به من الأوضاع المعروفة المعهودة، وليتوكل في تحصنه بها. فأما تجريد المتوكل عن السبب بإثبات الله تعالى فخلاف ما فعل النبي ﷺ
فصل
وإن سأل سائل عما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (الطيرة شرك وما منا إلا يجده، لكن الله تعالى يذهبه بالتوكل) وقوله مع ذلك (فر من المجذوم فرارك من الأسد) وقوله: (الشؤم في ثلاثة: المرأة والدار والفرس) ونهيه الرجل أن يسمى عنده يسار
стр. 551
وأفلح ونجاح ورباح لئلا يقال: هاهنا يسار، وهاهنا نجاح. فقال: وقوله لرجل: (ما اسمك؟ فلما قال: حزن، قال له: أنت سهل). وما جاء عنه ﷺ أنه كان يعجبه الفأل الحسن. فقال: ما الفرق بين ما جاء عنه من هذه الأقوال، وبين ما نهي عنه من التصير ومن الشؤم والتمن بالفأل الحسن؟
فالجواب -وبالله التوفيق- التطير قبل الإسلام كان من وجوه منها:
ما كان يحكي عن العرب من زجر الطير وإعاجها عن أوكارها عند إرادة الخروج للحاجة فإن مرت على اليمين تفاءلت به ومضت لوجهها، وإن مرت عن الشمال تشاءمت به وقعدت وكانوا يتطيرون بصوت الغراب ويناولونه البين. وكانوا يستدلون بمجاوبات الطير بعضها بعضًا على أمور بأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك. وهكذا الظباء إذا مرت سانحة، ويقولون إذا برحت مساء بالسانح بعد البارح وسموا هذا وما شابهه تطير، لأن أمور ذلك عندهم وأكثره كان ما يقع لهم من قبل الطير فسموا الجميع تطيرًا من هذه الوجه.
ومنها ما يحكي عن الأعاجم أنهم كانوا يتشاءمون عند الخروج بالغداة برؤية الصبي يذهب به إلى المعلم، ويتيمنون إذا خرجوا للحاجة ورأوا صبيًا يرجع من عند المعلم إلى بيته. ويتشاءمون برؤية السقاء وعلى ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة ويتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل، والدابة الموقرة، ويتيمنون بالحمال الذي وضع حمله ويحكي، والدابة التي حط عنها حملها.
فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر مما كان على أي حال كان فقال رسول الله ﷺ : (اقروا الطير على أوكارها) أي لا تزعجوها وتطيروها لتنظروا كيف تمر فتظعنوا أو تقعدوا.
وقال ﷺ : (ليس منا من تحكم أو تلهى أو رد عن سفر تطيرًا).
وقال ﷺ : (الطيرة شرك) وذلك إذا قدر المتطير إن ما شاهده من حال الطير
стр. 552
موجب أن يكون ما استشعر في نفسه، ولم يصف التدبر إلى الله تعالى، فإذا علم أن الله تعالى هو المدبر وأن ما يكون فليس يكون لأجل أحوال الطير وأصواتها، ولكن أشفق من الشر، لأن التجارب خصت بأن ضربًا من أصواتها معلومًا ازجالاً من الأحوال معلومة، لم يخل من أن يرد فيها، أمر يكره، فلم يأمن أن يكون في هذا الوقت مثل ذلك، إلا أنه لم يوطن قلبه عليه، وسأل الله تعالى الحياة واستعاذ به من الشر ومضى لوجهه متوكلاً على الله تعالى، لم يضره ما وجد في نفسه من ذلك وكفاه الله تعالى ما يهمه. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: إذا وجد أحدكم ذلك فليقل: اللهم لا يأت بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب، بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك. ومعنى. ما منا إلا ويجده أي إلا ويخطر بقلبه لا أنه يعتقده، لكن الله يذهبه بالتوكل أن لا يأخذه بالخطر، لأنه ينسخها بالتوكل فإن لم يتوكل واستشعر الخيفة، وترك ما أراد أن يعلمه معتقدًا أنه لم يتركه حل به المكروه، كان ذلك شركًا، وإن حلول المكروه، ومضى على عزمه خائفًا وجلا حقت الطيرة عليه، إلا أنها حق في نفسها، لكنها تحقق عليه عقوبة له من هذا الوجه، وهو أن الله يحقق ذلك عقوبة لهم على تطيرهم ويتركهم، فهذا هو المنهي عنه، وعليه أن أصله باطل، والناس منهيون عن الباطل. مأمورون إذا أرادوا سفرًا أو غيره، أن يحتاطوا لأنفسهم من الوجوه التي يشهد بصحتها العقل دون ما لا يوجد له في المعقول أصل، ثم يتوكل على الله ، ويمضون لما يريدون قوله ﷺ : (الشؤم في ثلاث، المرأة والدابه والفرس) فليس من التطير في شيء، لأنه أحل له من النساء ما لم يحلل لغيره، فلو تشاءم بالنساء لما نكحهن. وقال: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة). وقال الله : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم). فكيف يكون فيما هذا سبيله شؤم.
وأما معنى الحديث ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 553
قال: شؤم الفرس صعوبة رأسه ومنع جانبه، وشؤم المرأة صلافتها وسوء خلقها، وشؤم الدار شر جوارها، وضيق فنائها). فبان بهذا أن الشؤم التي وصفت هذه الثلاثة إنما هو المضار والمفاسد، وليس من قبل الطيرة والله أعلم.
وهكذا قوله ﷺ : (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ومن يحب المضار، لأن الجذام معد مقب، أعني تعدى من شخص إلى شخص، ويؤخذ في النسل. والأمراض منها معدية وهي سبعة: الجدة والجدري والحصبة والنحر والرمد والأمراض الوبائية ومنها معقبة وهي أيضًا سبعة: البرص والدق والسيل والمالتحو لنا والصرع والتضرس وواحد اجتمع فيه المعنيان فهو معد معقب وهو الجذام. فكان الأمر بالفرار من المجذوم لهذا الأمر، إلا من قبل التطير، كما أن الفرار من الأسد لخوف افتراسه، والتباعد من النار لخوف إحراقها لا من قبل التطير.
وجاء عن النبي ﷺ أنه تزوج امرأة، فرأى بكشحها بياضًا فقال لها (الحقي بأهلك) وذلك لأنه يقدرها. فذلك من باب تجنب الضرر لأن حب النفس مما شاهده ضرب من الطير، كما أن إزالة النجاسة عن الثوب أو البدن تطهر وليس بتطير والله أعلم.
فإن قيل: أليس جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عدوى" وقيل له أباح البقية تكون بسفر البعير لتجرب الإبل كلها، فقال "ما أعدى الأول".
قيل: قد روى بإزاء هذا أنه ﷺ قال: "لا يوردن ذو عاهة على مصح" وفي هذا إثبات العدوى. فقد يجوز أن يكون ﵇ أراد لا عدوى إلا بقدر الله، خلاف ما كان يظن. من أن الطبع يوجب ذلك، ولا يمكن غيره.
وإن كان ذلك فما أجرب الأول وإنما قلنا هذا لأن القوم لو كانوا لم يقولوا هذا، ولم
стр. 554
يزيدوا على أن الجرب قد يعدي، لم يكن النبي ﷺ ليدفعهم عن هذا بأن يقول: (ما أجرب الأول)، لأنهم كانوا يقولون: لم ينكر حدوث الجرب من غيره عدوى، وإنما قلنا: قد يعدي. فثبت أنه ﷺ ، إنما وجه هذه الحجة على من قال: إن الجرب كله عدوى، والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون قوله: (لا عدوى) نحو قوله في تلقيح إناث النخيل، فلما أمسك الناس عنه ولم تحمل النخيل في تلك السنة إلا شيئًا ضعيفًا، قال لهم: (ما أمرتكم به من أمر دينكم فخذوه، وما أمرتكم به من أمر دنياكم فأنتم أعلم به). أو كلامًا هذا معناه. فرجع الناس إلى تلقيح نخيلهم، ورجعت النخيل إلى حملها.
فقد يجوز أن يكون قال: (لا عدوى أشد) ربما أعدى الأول. فلما تبين له أن ذلك قد يكون قال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح) وإنما قلنا هذا لأن إنكاره العدوى بما يتصل بأحكام الدين، ولكنه إنكار طبع ووضع، فهو أشبه بإنكار تلقيح النخيل.
فإن قيل: إنما قال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح) كي أن جربت الإبل لم يقل صاحبها أعدى الجرب إلى إبلي من ذي العاهة فيأثم.
قيل: إن للناس في ضم الإبل إلى الإبل فوائد وإغراضًا، وأراد هذا المعنى، لأن في الإيراد نهي عن هذا القول، فلما نهي عن الإيراد، بأن أنه خاف العدوى والله أعلم.
فإن قيل: كيف تكون العدوى؟ قيل: بأن تخلص رائحة البدن المريض إلى البدن الصحيح، فيتغير نجبها طبع اللحم والدم، كما يتغير طبع الماء من جيفه تقربه إذا علقت به رائحتها. بأن يماس البدنان حتى يشحن أحدهما بالأخرى كما أن صفة العدوى أشد لأن الرائحة في هذه الحال تكون أشد وصولاً إلى عمق البدن. ويضم إليها من حرارة البدن السقيم، فإذا تركت في البدن الصحيح انتقل إليه بانتقالها طبع المكان الذي كانت فيه، ويدل على صحة ذلك ما روي فروة بن مسيل، قال: قلت يا رسول الله أن عندنا أرض ولكنها شديدة الوباء، فقال (دعها فإن من القرف التلف) فقيل أن القرف الخلط،
стр. 555
وقيل الملازمة والمقاربة وهذا والله أعلم إشارة إلى ما قلت وبالله التوفيق.
فإن قيل: لم جاز خوف العدوى وهو خلاف التوكل، ولم لا قلتم: إن سئل الناس أصحاؤهم ومرضاهم أن يتخالطوا ويتواكلوا ويتشاربوا، متوكلين على الله، ظانين أن بعضهم لا يضر بعضًا، لئلا يصير سقم السقيم من ذلك في نفسه حرج أو لا وحشة هذا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، فقال: (كل بسم الله ثقة بالله وتوكلاً على الله) فثبت أن التوقي من المجذوم خيفة العدوى غير جائز.
فالجواب: أن التخالط والتعاشر حق المسلمين بعضهم على بعض ما لم يمنع أحدهم من ذلك مانع، وخوف الضرر من أعظم الموانع. وفي معايشة المجذوم ومن يشبهه، ومطاعمته خوف الضرر، فدل ذلك على أنه لا يستحق على غيره من الأصحاء، أن يداخلوه أو يخالطوه مداخلة من الإلفة به، ولا مخالطته، وليس التعرض للآفات من التوكل بسبيل إنما التوكل طريق إلى الاحتراز من الضرر، فكيف يكون التعرض للضرر توكلاً؟ أرأيت رجلاً اقتحم نارًا تتأجج أو ألقى نفسه في البحر إلى غمران اللجج وقال توكلت على الله أيكون قد وضع التوكل موضعه أو يكون قد ظلم نفسه؟ فلذلك يعرض لعدوى علة خبيثة متوكلاً عند نفسه فهذا حاله ومنزلته. فأما ما روى عن النبي ﷺ من حديث المجذوم، فإن كان له أصل فقد يحتمل أن يكون فعل ذلك به استشفاء من الله تعالى بالإصابة من طعام بينه واجتماع يدة في القصعة مع يده حتى أخذها منه وأدخلها. ألا ترى أنه قال: (كل بسم الله ثقة بالله وتوكلاً على الله) راجيًا أن يستقبل ولم يزد به إني آكل معه وأضم يدي إلى يده ثقة بالله أن لا يضرني، فإنه لم يرد في الحديث. إن النبي ﷺ أكل معه. وقد يجوز أن يكون أطعمه من طعامه وأدخل يده أثبته رجاء أن يعرفه الله تعالى من تركته أن يشفيه ولم يطعم معه، وإن كان قد طعم فلأنه إذا كان يرجو من يطاعمه الرجل إياه أن يشفى استحال أن يخشى على نفسه منه العدوى. فأما من دونه فلا يخلو من خوف الضرر مهما لابس عليلاً وصاحب عاهة، فكان توكله في أن يباعدهم راجيًا في مباعدته فضل الله تعالى بأن يعيده مما يهم فيقول مع ذلك ما أمر النبي ﷺ أن يقول: (من رأى صاحب
стр. 556
بلاء فليقل الحمد الله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً) والله أعلم.
وأما ما جاء عن النبي ﷺ من نهيه أن يسمى يسارًا ورباحًا واملح ونجاحًا، لئلا يقال: أفلان هاهنا؟ فيقال: لا، فليس أيضًا من معاني التطير وإنما هو كراهية للكلمة القبيحة نفسها لا لخوف شيء وراءها كالرجل يسمع حباء أو نداء أو هزوًا أو لغوًا ما كان فيكرهه. وإن لم يخف على نفسه منه شيئًا، فأما الفأل الحسن الذي كان يعجبه، والفرق بينه وبين الشؤم، إن الشؤم سوء الظن بالله من غير سبب ظاهر يرجع الظن إليه، ويبني في الحقيقة عليه. والتيمن بالفأل الحسن حسن الظن بالله تعالى وتعليق حسن الأصل به وذلك بالإطلاق محمود. فأما إساءة الظن به عز اسمه من غير إمارة ظاهرة وسبب معروف فمذمومة فرق ما بينهما وبالله التوفيق.
فإن عارض معارض في الطيرة بما روى أن النبي ﷺ إذ كان يصلي على جنازة، فجاءت امرأة معها مجمر فما زال يصيح بها حتى توارت بآجام المدينة، فهل إلا التطير للميت بالنار؟
فالجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يتطير له بالنار، ولكنه بفأل تصرفهم عنه أن صاح بها فانصرفت وتوارت وأمل من الله تعالى أن يصرف النار عنه في الآخرة بدعائه كما صرفها عنه في الدنيا بندائه والله أعلم.
وله وجه آخر غير هذا. وهو أن هذا ليس من الطيره إنما الطيرة أن يعيذ بما يعيذ بما يرى أو يسمع مثلا بمكروه ولا يناسب بينه وبين المرئي أو المسموع، ولا يعلق له به.
فأما المجذوم نفسه يعاين في حال الإشفاق منه، أو ما يشبهه فيكره هذا غير الطيرة فإن رجلاً لو خرج من منزله يريد سفرًا، فرأى دابة أريد ركوبها أو الحمل عليها، فهربت راجعة إلى أربها، فقال: هذا يدل على أن خرجت احتجت إلى أن أولى هاربًا لم يكن هاربًا لم يكن هذا من الاستدلال الذي يجوز أن يعمل به، لأنه ليس في هرب الدابة هذه الدلالة، ولا هربها كان أبصرته وإنما كان لانف المكان.
ولكنه لو خرج فرأى واحدًا كان مسافرًا إلى البلد الذي يريده لمثل غرضه، فمات،
стр. 557
فرد إلى بيته، فكره ما رأى وخطر بقلبه منه شيء لم يلم على هذا، لأن الذي رآه عين المحذور ونفس المظنون. والناس في طبائعهم متقاربون، والأسفار سبب للمشاق والحوادث، والأهوبة والبلدان والمياه مختلفة، فقد يوافق بعضها قومًا، ولا يوافق غيرهم. فإن خشي الذي ذكرناه أن يصيبه في سفره ما أصاب مثله لم يكن مبعدًا في ظنه. فكذلك الميت ليس يخشى عليه إلا النار. والنيران كلها متناسبة، فإذا اتبع النار نفسها كان ذلك مما ينبغي أن يكره، وما يعرض في القلب من ذلك يتوافق لما جبلت القلوب عليه، فلا يستحق به ملام ولا عتب والله أعلم ومن هذا الباب ما جاء عن النبي ﷺ أنه كره الشكال في الخيل، وذلك أن تكون ثلاث من قوام الفرس محجلة، وواحدة مطلقة كسائر البدن. وذلك إنما كان بهذه الصفة كأنه المشكول والمشكول لا يستطيع المشي، فكانت مشاهدة هذه الصفات كمشاهدة الشكال، وكرهت ما يكره الشكال إلا في وقته وحينه، حتى إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهية.
فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لأحد أصحابه: (إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسًا كميتا أقرح أرتم محجل الثلاث مطلق اليمنى فإنك بغزو أو سلم). وفي حديث آخر. (أغر محجلاً)، وفي حديث آخر. (فإن لم يكن كميت فأدهم) على هذه الصفة، وفرق بينهما أن البياض إذا كان في ثلاث قوائم وحدها فذاك شكال فكره، لأن الشكال يمنع الدابة من الجري، وإذا كان معه في الوجه والشفة كما يكون في القوائم ارتفع شبه الشكال كان كأنه رفع الشكال. فلهذا قال: وقد كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون المشكول من الخيل التحجيل جرب، فلم يوجد فيه بلاء فلذلك أكرهه، وأن يكون الاقرح والاريم المحجل بثلاث المطلق اليمنى جرب فوجد فيه عند الطلب والهرب بلا ظاهر، فلذلك خمد وفارق ذلك التطير، لأن كل واحدة من هاتين الصفتين مركبة في الدابة، فقد يجوز أن يختلف حالها في قلة البلاء وكبره، لاختلاف
стр. 558
الصفات المركبة فيها، وأما أحوال الطيرة فلا يعلق لها بما يجعل دلالة عليها ولا لها علم كائن، فضلاً عن مستقبل فيجزيه. ولا في الناس من يعلم منطق الطير إلا ما كان الله تعالى خص به سليمان ﷺ فالتحق التطير بجملة الباطل والله أعلم.
- ذكر ما جاء عن النبي ﷺ من الداء والأدوية -
وقال الله في سورة النحل:﴾ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس ﴿. يعني العسل. وقال رسول الله ﷺ : (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء). وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: (إن الله ﵎ لم ينزل داء إلا ما نزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله) وعنه ﷺ . (إن رجلاً خرج على عهده، فقال: ادعوا له الطبيب، فقالوا: يا رسول الله. هل يغني الطبيب من شيء؟ قال نعم ما نزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء).
وقيل للنبي ﷺ : أرأيت دواء نتداوي به ورقي نسترقي بها، وتقي نتقي بها. هل ترد من قدر الله؟ قال: (هي من قدرة الله).
ويروي في الدواء خاصة أن النبي ﷺ قال: (الدواء من القدر) وقال رسول الله ﷺ : (ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي) وفي بعض الروايات (العلق) وقال رسول الله ﷺ : (عليكم بالحجامة لا يتيع أحدكم الدم فيقتله) وقال ﷺ : (إذا بلغ الرجل من أمتي خمسين سنة فليبطل الحجامة) يعني ليبطل ما بين نوبها. وقال رسول الله ﷺ : (من كان منكم صحيحًا فليحجم لسبع عشرة
стр. 559
أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين فإنه لا يتبغ بكم الدم). وقال مكحول لرجل شكا إليه الصداع: (احتجم وسط الرأس فإن رسول الله ﷺ كان يحتجم ويسميه منقذًا). وروى عنه ﷺ . (نعم العبد الحجام، يذهب بالدم، ويخف الصلب ويجلو البصر) وروى أن جابر بن عبد الله ﵁ جاء يعود المقفع بن سناء فقال له: ما تشتكي؟ فقال: جراح منعني النوم. فقال جابر: يا غلام ادع لنا حجامًا. فقال المقفع: وما تصنع بالحجام؟ فقال: قال رسول الله ﷺ (إن كان شيء في أدويتكم خير، ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لدغة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي) فدعا الحجام فأغلق المحجم في خراجه، فلما بلغ منه حاجته شرطه بمشرط معه، فأخرج الله ما كان فيه، وعوفي. وروي أن رسول الله ﷺ ما كان يشتكي إليه أحدًا وجعًا في رأسه إلا قال له: (احتجم) وأنه احتجم على وركه من وقى به.
وروى أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه فقال (اسقه عسلاً) فسقاه فبراه. وقالت عائشة ﵂. كان رسول الله ﷺ ، إذا أخذه الوعك أمر بالحساء فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه وكان يقول: (أنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما يسروا أحد من الوسخ بالماء عن وجهه). وروي أن رهطًا من عريبه جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: (إنا اجتوتنا المدينة فعظمت بطوننا وانهشت اعطاؤنا، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعي الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحت بطونهم).
وعن رسول الله ﷺ قال: (في الجنة السوداء الشفاء من كل شيء إلا السأم) والسأم الموت، والحبة السوداء الشونيذ قاله الأزهري.
стр. 560
وقالت عائشة ﵂: قال النبي ﷺ : (التلبينة تجم فؤاد المريض ويذهب ببعض الحزن). وعنه ﷺ أنه قال لامرأة من النساء (بما توغرون أولادكن بهذا العلاق عليكن بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب، ويمعط من الغدوة، ويلد منه من ذولت الجنب والعلاق) يراد به الفلق، وذات الجنب تداوي بالقسط الرمح الحاسة تحت الأضلاع إلا الحادة التي يقال لها البرسام. وفي حديث آخر جاء إلى النبي ﷺ رجل قال: أن بطن أخي قد استطلق، فقال: (اسقه العسل) فقال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا. فقال: (اسقه العسل ثلاث مرات يقول فيهن ما قال في الأولى، وقال في الرابعة. صدق الله وكذب بطن أخيك). وهذا والله أعلم لأن الاستطلاق لم يكن من حرارة، ولكن من برد في الأحشاء، ورطوبات فيها مؤلفة، فأمره بالعسل الذي يلحيها وبعثها والله أعلم
وعن النبي ﷺ قال: (العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم، والكمأة من السن وماؤها شفاء للعين) ويحتمل معنى العجوة من الجنة، إن فيها شبهًا من ثمار الجنة في الطبع، فلذلك صارت شفاء من السم القاتل، وثم الجنة خال من المفاسد والمضار، فإذا اجتمع ما يشبهها، والسم في جوف عدل السليم منها الفاسد ما يدفع ضرره عن البدن بإذن الله.
وعنه ﷺ . (من تصبح بسبع تمرات عجوة لمريض لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر) وعنه ﷺ أنه دخل على أم سلمة ﵂ وعندها الشبرم وهي تريد أن تشربه. فقال لها: (أنها حار جار) وأمرها بالسنى. وعنه ﷺ قال: (خير أكحالكم الأثمد يحلو البصر وينبت الشعر).
стр. 561
وسئل سهيل بن سعيد الساعدي. بأي شيء دووي جرح النبي ﷺ (كان علي ﵁ يسكب الماء بالمعجن وفاطمة تغسل الدم عن جرحه وأخذ حصير وأحرق وحشي به جرحه).
وعنه ﷺ ، أن رجلاً سأله عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال النبي ﷺ : (أنها داء وليست بدواء). ومعنى هذا -والله أعلم- أن الرجل سأل عن شربها تداويًا من غير ضرورة، وذلك أن يشربها للتقوي بها، أو لمرض يوجد له دواء غيرها، فقال أنها داء وليست بدواء لأنها تزيل العقل الذي هو أشرف ما في الإنسان إلى غير ذلك من علامات تحدث عنها. وإذا كان حدوث هذه المضار عنها أمرًا غالبًا، وهي أن يعقب من داء، فذلك قليل نادر، جاز أن يقال إنهاء داء وليس بدواء، اعتبارًا بالأعم الأغلب من أمرها والله أعلم.
وقال النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له). فمرض جابر بن عبد الله، فدعا بماء زمزم وأخذ الإناء بيده ثم قال: اللهم إني أشربه لما أجد من هذا المرض إيمانًا وتصديقًا لرسولك فأشفى به، ثم شربه، فقيل له: ما هذا فقال: ماء زمزم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له) فما برح الناس من عنده حتى طعموا منه، ثم راح من ليلته إلى المسجد.
وأن النبي ﷺ قال: (عليكم بزيت الزيتون فكلوه وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة أنه ينفع من الناسور). وقال طلحة بن عبيد، أتينا النبي ﷺ وفي يده سفر جلة يقلبها، فلما جلست إليه رماها نحوي وقال: (دونكها أبا محمد، وأنها تطيب النفس وتشد القلب وتذهب بطحاء الصدر). وعن النبي ﷺ قال: (تداووا بألبان البقر، فإني أرجو أن يجعل الله فيها شفاء، فإنها تأكل من كل شجر). وقد روى
стр. 562
هذا عنه ﷺ بغير هذا اللفظ. (عليكم بألبان البقر فإنها ترتم من كل شجر ليس من الحار والبارد والرطب واليابس، فيقرت ألبانها بذلك من الاعتدال) ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال في البقر: (ألبانها شفاء وسمنها دواء ولحومها داء) ويحتمل أن يكون قال ذلك، لأن الأغلب عليها البرد واليبس، وكانت تلك البلاد شقة يابسة، فلم يأمن إذا انضم إلى ذلك الهواء أكل لحم البقر أن يزيدهم يبسًا فيتضرروا به. وإما ألبانها فرطبة، وسمنها بارد جيدًا. ففي كل واحد منهما الشفاء من ضرر والله أعلم.
وعنه ﷺ . (الحمى من فيح جهنم، فأبردها بالماء) وفي بعض الروايات. (أن شدة الحمى من فيح جهنم فاطفئوها بالماء البارد) وهذا يحتمل أن يكون المراد به سقي المحموم من الماء البارد ما تنطفئ به حرارته الزائدة، وليسكن عليك عطشه في صبه عليه أو سقيه بالغداة على الريق ماء باردًا، فإنه لم يكن بحضرتهم إلا بشربه النافعة من الحميات، فأمرهم أن لا يهملوا العليل ويتعهدوا بالماء البارد أن لم يجدوا غيره والله أعلم، لمن كان أمر بصب الماء البارد على المحموم فيزيد والله أعلم لأن سبب الحمى كان حرارة من خارج وهو حرارة الهواء، فأمر بصب الماء البارد عليه إلا في حال هيجان الحمى لكن بعد مفارقتها البدن أروح الأوقات، ليكشف جلودهم ويصلب أعصارهم فلا يخلخلها حتى الهواء، ولا تخلص إلى بواطن أجسامهم.
وقد جاء عنه ﷺ أن أصحابه قدموا خيبر، فأكلوا التمر فحموا، فأمرهم أن يفرشوا المساء في البستان، أي يبردوها - ثم يفيضوها عليهم ما بين أذان الصبح، ففعلوا ثم راحوا كما انشطوا من عقال. وهذا لأن اغتذاء التمر وحده لم يكن يضرهم ولكن الحرارتين إذا اجتمعتا، التمر من داخل والهواء الحار من الخارج حدثت الحمى، فأمر أن يتعالجوا بالماء البارد، وأن يصبوا على أبدانهم في أرواح الأوقات لتصلب بشرتهم فلا يبقى فيها حر لهم. فإن حر التمر إذا تجرد عن حر الهواء لم يهج حمى، إذا كان ذلك غذاؤهم المعتاد والله أعلم.
стр. 563
وأما إضافته ﷺ الحس إلى فيح جهنم، فإشارة إلى حدوثها من حر الشمس وسخونتها بالنار المحيطة بالعالم الكاتبة يوم القيامة محابسة العصاة وقد مضى ذلك في بعض الأبواب المتقدمة والله أعلم.
وعنه ﷺ . (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله تعالى يطعمهم ويسقيهم) أي أن المرض الذي يمنع من الطعام والشراب واقع من الله تعالى فسلموا الأمر ولا تكرهوا المريض على الطعام والشراب فتكونوا قد عارضتم الله تعالى في أمره.
فإن قيل: فلا ينبغي على هذا الطعام المحتاج وقد قال قوم من الكفار، فحكي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه!
قيل: المريض أبطل الله تعالى بالمرض حاجته إلى الطعام والشراب اللذين كان يحتاج إليهما في صحته، فإذا أكره على الطعام والشراب، وطعمه لا يحتملهما أضر ذلك به. والفقير محتاج إلى الطعام والشراب محتمل لهما، ولكنه لا يجدهما، وإذا لم يواس بهما هلك، فوجبت المواساة لكيلا يهلك، كما وجب الكف عن إكراه المريض عليهما لئلا يهلك. فالمقصود في الناس دفع الضرر إلا أن الفقير محتاج غير واحد، فدفع الضرر عنه يكون بالإطعام، والمريض غير محتاج وطعمه غير محتمل، فدفع الضرر عنه يكون بالكف عنه. والله أعلم.
وعنه صلوات الله عليه أن رجلاً رمي فأجفن، فدعا له رجلين من بني انمار، فقال: (أيكما أطب؟ فقال أحمدهما؛ أو في الطب خير؟ فقال رسول الله ﷺ إنما أنزل الدواء من أنزل الداء، فقال أحدهما: أنا أطب فأمره فعالجه فبرأ). وعنه ﷺ . (أن هذا الوباء رجز عذب الله به بعض الأمم ممن كان قبلكم، فإذا سمعتم بها فلا تأتوها) فيقول في هذا الحديث -والله الموفق- إذا وقع الوباء بأرض فلا ينبغي لمن لم يكن بها أن يأتها لأنه بذلك يتعرض للبلاء، وذلك مخالفًا، وذلك لما يلزم كل أحد من حبس الظن لنفسه. وأما من كان بها فلا يخرج منها، وفي بعض الروايات. ولا تخرجوا فرارًا منها. فقد يحتمل أن يقال: أنه إذا بدا له الخروج لحاجة عرضت له، أو لأنه كان قدمها لحاجة
стр. 564
فغضب فذلك له. وإن أراد بالخروج الفرار من الوباء فلا ينبغي له أن يفعله، لأن الوباء إذا كان غالبًا، فالظاهر أن الله تعالى أرسله إلى عامة أهل البلد، فلا يخرج منه أحد بأن يستثنى نفسه فيعتزل وإنما يخرج منه بأن يستثنه الله تعالى فيسلمه. والفرار من الوباء باستثناء منه لنفسه، وذلك مما لا يملكه فكان ممنوعًا عنه، ولزمه أن يقيم. فإن كان له عند الله استثناء فسيعصمه، وذلك أشبه بالعبودة والتسليم لحكم الله تعالى من الفرار. ليس الفرار في هذا المجال كالتداوي من المرض خيفة الهلاك، وكالفرار من المجذوم خيفة العدوى، كما ذكرت أن من ظاهر الوباء المرسلة أن أرسلها على الجماعة فليس لأحد منهم أن يقذف في مخلصها منها بجلده وحيلته، وتناقض بذلك العبودة. وليس التداوي كذلك، لأن الله تعالى لم يخلق الدواء إلا ليدفع به الداء، فهو فرار إلى الله تعالى لا فرار منه، وإنما الفرار من المجذوم فلأن ابتلاء الله تعالى إياه بالجذام ليس ليعدي منه إلى غيره، كما الظاهر من الوباء الواقع في البلد أنه مرسل على جماعة أهله، فلم يكن الفرار منه فرارًا من عدوى، فوجهت نحوه في الظاهر، فكان كمن يسمع الوباء في بلد فيمتنع عن قصده ودخوله، لا كمن حصل فيه فيريد الخروج منه والله أعلم.
ووجه آخر. وهو أنه يحتمل أن يكون بدنه قد استعد لذلك، فإذا انتقل عنه إلى بلد أكيف هواء منه اختفت مادة المرض الموجودة في جوفه، ولم ينتشر ولم يبرز إلى ظاهر البدن كما كانت تكون لو بقي في ذلك البلد، وما يخش من ذلك أكثر ما يخش من المقام في بلد الوباء.
وفيه وجه ثالث وهو أنه إذا كان حدث في بدنه شيء من الوباء الذي كان في ذلك البلد فانتقل إلى بلد آخر لم يؤمن أن يعدي الآبار التي تعلقت ذلك الوباء في البلد الذي انتقل إليها، فلذلك كان النهي والله أعلم.
فأما واحد يقدم بلدًا أو جماعة يقدمون فلا تأتهم أرضه ولا ماؤه وهواؤه، فيمرضون، فلهم أن ينتقلوا عنه، لأن النبي ﷺ نقل الغريبين الذين قدموا المدينة فاجتووها، فلم يلزمهم المقام بها، وليس في ذلك واحد من المعاني الثلاثة التي ذكرتها لأن البلد في هذه الحال ملائم أهله وإنما يلائم الغرباء فليتبعوا، كالطعام المحمود في نفسه إذا لم يوافق واحدًا بعينه كان سبيله أن يجتنبه.
стр. 565
وأما إذا كانت القلة حادثة في البلد، فقد يخش من الانتقال عنه إلى ما يخالفه جميع ما ذكرنا، كما يخش من الانتقال من بيت شديد الحر إلى هواء شديد البرد الضرر، ويخش أيضًا من الانتقال من بيت شديد البرد إلى هواء شديد الحر مثل ذلك، ولهذه العلة لم ينقل الله تعالى خلقه من الصيف إلى الشتاء إلا بربيع جعله بينهما، فيكون انتقالهم عما كانوا فيه قليلا قليلا، وشيئًا فشيئًا. فكذلك ينبغي أن يكون الانتقال من أرض مخالفة الاعتدال إلى غيرها، فيكون الضرر مأمونًا والله أعلم وبه التوفيق للصواب.
وعنه ﷺ . (أن أحدكم يشك إليه وجعًا في رجله إلا قال له أخضبها) يعني أحمل عليها الحناء. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه نهي عن الدواء الخبيث، وأنه ﷺ قال: (ما أبالي ما أتيت أو شربت ترياقًا وعلقت تميمه، أو قلت شعرًا من قبل نفسي). فقد يحتمل أن الدواء الخبيث هو النجس، كان من قبل ما يخلط به من لحوم الأفاعي أو كبد الذئب أو رماد العقارب، ونحو ذلك. ونقول. أن كل محرم لا يحل شربه إلا عند ضرورة يشهد طبيب عالم عدل من المسلمين أنه لا مدفع لها، إلا بأخذ ما ذكرت، فيحل منه قدر ما يدفع به الضرر ضرورة كالميتة لمن اضطر في مخمصة والله أعلم.
وإنما قال (أوقلت شعرًا من نفسي) لأنه ضرب نفسه مثلاً لغيره، وأراد أن من شرب ترياقًا أو علق تميمة أو قال شعرًا من قبل نفسه فيما يبالي بما أتى بعد ذلك، كما قال جل ثناؤه فيما خاطبه.﴾ وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ﴿فجعله مثلاً لغيره، وإلا فمعلوم أن أبويه عند نزوله كانا متعرضين. وقال في سورة الكهف:﴾ وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ﴿وهو ﵇ ما كان يرى كهفهم، ولكنه جعله مثلاً لغيره. والمعنى وترى كهفهم من ينظر إليهم بهذه الصفة، أو ترى لو كنت تنظر إليهم كذلك المعنى في قوله (أو قلت شعرًا) أي لو كنت أحسنه، وإن قال ذلك من يحسنه والله أعلم.
следующие страницы →