← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ومنها أن النبي ﷺ استسقي لقومه، وما في السماء قزعة فسقوا مكانه ولم تحبس السماء قطرها حتى دعا وقال: (حوالينا ولا علينا) فانجاب السحاب عن المدينة كأنه الإكليل والأخبار في هذا كثيرة. ومنها ما روى عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته) قال أنس فما من الأنصار أكثر مالاً مني، وأخبرني بعض ولدي أنه قد دفن من ودلي وولد ولدي أكثر من مائة. ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ قال لبشر بن راعي العنز من أسجع وقد رآه يأكل بشماله: كل بيمينك فقال: لا أستطيع فقال: لا استطعت، فما وصلت إلى فيه بعد. ومنها ما روى أن راعيًا لبني عمرو بن تميم في إبلهم يقال له أنو شر وان، رأى رسول الله ﷺ قد تخلل الإبل لخوف أصابه من قريش، فقال له: من أنت! فقال: لا تسل رجل أردت أن استأنس إلى إبلك فقال له: أي! إياك الرجل الذي تزعمون أنه خرج نبيًا؟ فقال رسول الله ﷺ : أجل، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله! فقال له أنو شروان: أخرج فلا تصلح إبل أنت فيها! وأبي أن يدعه. فدعي رسول الله ﷺ فقال: (اللهم أطل شقاءه وبقاءه) قال هارون بن عبير فأدركته شيخًا كبيرًا سقيمًا يتمنى الموت، فقال له القوم: ما نراك إلا هلكت، دعا عليك رسول الله ﷺ فقال: كلا إني أتيته بعد فأسلمت ودعا لي، ولكن الأولى قد سبقت. ومنها إن رسول الله ﷺ تلا:﴾ والنجم إذا هوى ﴿فقال عتبة بن أبي لهب. كفرت برب النجم. فقال رسول الله ﷺ : (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك). فخرج عتبة مع أصحابه في عير إلى الشام، حتى إذا كانوا في الشام، زأر الأسد فجعلت فرائصه ترتعد فقيل له: من أي شيء ترتعد؟ فقال: إن محمدًا دعا علي، ولا والله ما أظلت السماء واهجة

стр. 632

أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، حتى جاء النوم فحاطوا عتباهم ووسطوه بينهم. وناموا، فجاءهم الأسد يشنشق غروبتهم رجلاً رجلاً، حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة فقتله. ومنها ما روى عمران بن حصين ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ إذ أقبلت فاطمة، فنظرت إليها، وقد ذهب الدم من وجهها وعلتها الصفرة من شدة الجوع فنظر إليها النبي ﷺ فأدناها، فوضع يده على صدرها وفرج أصابعه ثم قال (اللهم مشبع الجماعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد) قال عمران: فنظرت إليها وقد علا الدم على الصفرة في وجهها، فلقيتها بعد، فقالت: ما جعت يا عمران. ومنها ما روى أن النبي ﷺ دعا لعلي ﵁ قال: (اللهم أذهب عنه الحر والبرد) فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف قال: لا وجدت حرًا ولا بردًا يومئذ. ومنها خبر يرويه جابر بن عبد الله ﵁ عن بلال ﵁ قال: أذنت في ليلة باردة، فقال النبي ﷺ : (اللهم أذهب عنهم البرد). قال: فرأيتهم يتروحون. ومنها خبر ترويه أم جندب ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ رمي جمرة العقبة ثم انصرف، وتبعته امرأة من خثعم ومعها صبي أصابه بلاء، فقالت يا رسول الله، هذا ابني وبقية أهلي وإن به بلاء لا يتكلم. فقال رسول الله ﷺ : (أئتوني بشيء من ماء، فأتي بماء فغسل يديه ومضمض فاه، ثم أعطاها فقال: اسقيه منه، واستسقي الله له) فلقيت المرأة من الحول، فسألتها عن الغلام فقالت: برأ وعقل عقلاً ليس لعقول الناس. ومنها حديث ابن أبي العاص ﵁ قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ سوء

стр. 633

حفظي للقرآن، قال: (ذلك شيطان، أدن مني يا عثمان، ثم تفل في في ووضع يده على صدري، فوجدت بردها بين كتفي، وقال: يا شيطان! أخرج من صدر عثمان). قال: فما سمعت بعد ذلك شيئًا إلا حفظته. ومنها ما رواه عثمان بن حنين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاء إليه ضرير فشكا بصره قال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي. قال: (إيت الميضأة وصل ركعتين، وقل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بالنبي، نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتجلي عن بصري، اللهم شقعه في وشفعني في نفسي). قال عثمان: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضرر. ومنها ما روى حبيب بن مدرك إن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان فنفث رسول الله ﷺ في عينيه، فأبصر، قال: فرأيته يدخل الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة عيناه لمبيضتان. ومنها ما روى محمد بن خاطب قال: قالت لي أمي أقبلت بك من أرض الحبشة، فطبخت طبيخًا، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعك. فقدمت بك المدينة حتى أتيت بك النبي ﷺ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب أول من تسمى بك فتقل فيك ومسح على رأسك ودعا لك، وجعل يتفل على يدك ويقول: (اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما) قال: فما قمت بك من عنده إلا وقد برأت يدك. ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ كان يدعو يوم عاشوراء بالصبيان فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: لا ترضعنهم إلى الليل، فكان ريقه يحرسهم. ومنها إن امرأة وقفت بين يديه وهي تبكي وهو ﷺ يتوضأ، فأخذ كفًا من ماء

стр. 634

فنضحه في وجهها. فكانت بعد ذلك في المصائب ترمي الدموع من عينيها ولا تسيل على خدها. والأخبار في دعواته المستجابة في عظائم الأمور كثيرة. ومنها ما روى عيسي بن مطاوع بن مسعود، إن رسول الله ﷺ سمى أباه مطاعًا، وقال له يومًا: جاءني جبريل صلوات الله عليه، فأخبرني إن ابن مسعود يقاتلني بكرة مشركًا ويأتيني بالعشى مؤمنًا، فلما كان من زوال الشمس، قالوا: يا بني الله أما ترى شخصًا مقبلاً فأقبل مسعود إلى النبي ﷺ فآمن. ومنها أن الله أمده يوم بدر بألف من الملائكة فقاتلت معه، وقال مالك بن ربيعة للذين كان يحدثهم بعدما ذهب بصره، لو كنت معكم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي صفت به الملائكة، لا أشك ولا أعادي. وقال ابن عباس ﵁ عن رجل من ظفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى اصعدنا في جبل أشرف بنا على بدر إذ دنت منا سحابة وسمعت فيها حمحمة الخيل، وسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم. فأما ابن عمي فانكشف قناع قتله فمات. وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت. وقال ابن دارة: حدثني رجل من قومي قال: أبي المنهزم يوم بدر، إذ أبصرت رجلاً منهزمًا بين يدي، فقلت ألحقه فاستأنس به قندلي من حرف فلحقته، فإذا رأسه مذ زائله ساقطًا وما رأيت قربه أحدًا. وقال أبو داود المازني إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري. وروى أن رجلا من الأنصار حضر أحدًا والعباس يوم بدر أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني. لقد أسرني رجل أجلخ من أحسن الناس وجهًا على فرس ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسيره يا رسول الله، فقال له: اسكت قد أيدك الله بملك كريم. ومنها أنه لما أتي بالعباس أسيرًا فأفداه بمائة أوقية من ذهب، فقال: للقرابة، صنعت هكذا فوالذي يحلف به العباس، لقد تركني فقير قريش ما بقيت كيف يكون فقيرًا وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل ثم أقبلت إلي فقلت: إن قبلت فقد تركتك غنيه ما

стр. 635

بقيت، وإن ارجع فلا يهمنك شيء فقال: إن الذي يقوله قد كان وما طلع عليه إلا الله وأشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله وما أخبرك بذلك إلا الله ومنها أن عمرو بن وهب الجمحي واطأ صفوان بن أمية على أن يقوم المدينة فيفتك بالرسول صلى الله عليه والسلام، وضمن له صفوان دينه، وعياله، وأمر بسيفه فصقل وسم، وكان ابن عمرو أسير في يدي رسول الله ﷺ فقال: إن لي عنده علة، أقول قدمت على أبي، فقدم المدينة ونزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وتقلد السيف، ففزع أصحاب رسول الله ﷺ لما رأوه وأخبروه بخبره، ثم أدخل عليه فقال رسول الله ﷺ : فما اشترطت لصفوان بن أمية بالحجر، ففزع عمرو وقال: ماذا اشترطت له؟ قال (تحملت له قتلي على أن يعول بيني وبينك، ويقضي دينك، والله حائل بينك وبين ذلك) فقال عمرو: أشهد أنك رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله، إن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان بالحجر، كما قال رسول الله لم يطلع أحد غيري وغيره ثم أخبرك الله به، فآمنت بالله ورسوله والحمد لله الذي ساقني بهذا المساق. ومنها قول عمر ﵁، أرانا رسول الله ﷺ مصارع أهل بدر بالأمس يقول: (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود يصرعون عليها، ثم جعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، أوجدتم ما وعد ربكم حقًا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال عمر ﵁. يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا). ومنها أن أبي بن خلف كان يقول: لأقتلن محمد، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال (بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما كان يوم أحد، حمل على النبي ﷺ فقال: بل أنا أقتله، فطعنه النبي ﷺ بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو

стр. 636

يخور خوار الثور، فقالوا: ما أجهز عليك إنما هو خدش. فقال: والذي نفسي بيده لو كان الذي في بأهل ذي الحجار لقتلهم، أليس قد زعم أنه يقتلني والله ما كذب. ومنها ما روى أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ ، فكانت أحسن عينيه وأبصرهما. ومنها أن حنظلة بن الراهب استشهد يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة). وقال أبو سيد: فنظرنا فإذا رأسه تقطر ماء، فرجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى امرأته فسألها، فأخبرته أنه خرج وهو جنب. ومنها ما ورد به القرآن من ذكر الريح التي أرسلت قبل كفار قريش لما ورد المدينة وتحصن أهلها منها بالخندق، قال الله :﴾ يا أيها الذين آمنوا، اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها ﴿. وروى أن الريح التي أرسلت عليهم لم تدع لهم مضربًا إلا أسقطته، ولا قدرًا إلا أكفأته، ولا رمحًا منصوبًا إلا وضعته، فكان يتعلق بأوتاد فسطاطه وخيمته، فلا يمكنه ضبطها ولا إمساكها والمسلمون هنالك لا يفصل بينهم وبين أولئك إلا الخندق وهم سالمون من أذى الريح آمنون. ومنها ما روى في غزوة بني المصطلق، أنه هاجت ريح شديدة أشفق الناس منها، فقيل (يا رسول الله، ما شأن هذه الريح؟ فقال رسول الله ﷺ : مات منافق عظيم النفاق، لذلك عصفت، وليس عليكم منها بأسًا إن شاء الله). فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد أخا بني قنيقاع، وكان من عظماء اليهود وكهفًا للمنافقين مات ذلك اليوم.

стр. 637

ومنها ما روي في هذه القصة أن الناس جمعوا أظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله ﷺ فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين أفلا يحدثه الله بمكان راحلته، فأنكر عليه أصحابه وسبوه. فأقام المنافق معهم شيئًا، ثم قام وتركهم، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ يلتمس الحديث، فوجد الله، قد خبره حديثه، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع. (إن رجلاً من المنافقين شمت إن ضلت ناقة رسول الله ﷺ ، فقال ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد حدثني بمكانها، وإنها في هذا الشعب المقابل لكم، قد تعلق وحابها بشجرة فجاءوا لها، وأقبل المنافق حتى أتى النفر الذين سمعوا قوله، فوجدهم لم يتفرقوا ولا حضر أحد منهم رسول الله ﷺ ، فبات وجاء إلى رسول الله ﷺ ، واعترف بذنبه واستغفر له). ومنها ما روى أن النبي ﷺ اكمدي طلول فوضعت بطنها على الأرض فأخذ حفنة من تراب، فرمي بها وجوه المشركين، وقال: (شاهت الوجوه). فأخلق الله منها إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا فانهزموا. ومنها إن النبي ﷺ لما غزا خيبر قال: (لأعطين الراية عبدًا يحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه فلما أصبحوا، أقبل علي ﵁ يشتكي عينه، فأرسل إليه فتفل في عينه، قال سهل بن سعد الساعدي ﵁. فرأيتها صحيحة ما بها من علة. ودفع إليه الراية، فلم يرجع إليه حتى فتح عليه). ومنها ما روى أبو هريرة ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ بخيبر لرجل يدعى الإسلام ممن معه. إن هذا في النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح. فجاء رجل فقال: يا رسول الله أن الرجل قد قاتل في سبيل الله أشد القتال. فقال رسول الله ﷺ : إما أنه من أهل النار فكاد بعض الناس يرتاب. فبينما هو كذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهمًا فانتحر

стр. 638

بها، واشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك فقال الله أكبر، أشهد إني عبد الله ورسوله). ومنها ما روى أن حميد الساعدي قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك حتى أتى وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة، فقال: اخرصوا، فخرص القوم وخرص رسول الله ﷺ عشرة أو سق، وقال للمرأة احصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك. فسار حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال: أنه سيأتيكم الليلة ريح شديدة فلا يهز من فيها أحد، ومن كان له بغير فليربطن عقاله. فهبت ريح شديدة فلم يقم إلا رجل واحد فألقته في جبل طي. فلما رجع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، قال للمرأة: كم جاءت حديقتك؟ قالت عشرة أوسق، خرص رسول الله ﷺ . ومنها ما روى في غزوة تبوك أن الناس أصابهم جوع فقالوا: يا رسول الله يخرج الروم وهم شباع ونخرج ونحن جياع وهم الأنصار أن ينحروا رواحلهم فنهاهم. وقال: إلا من كان عنده شيء فليأتينا به. فجعل الرجل يأتي بالصاع وآخر بالمد، فوضعوا، فحرر جميع ما جاءوا به بضعًا وعشرين صاعًا. والناس أكثر من أربعة آلاف. فجاء رسول الله ﷺ ، ودعا بدعاء كثير، ثم أدخل يده في الطعام، وقال: لا يتذاكر صاحبه ولا يأخذن أحد حتى يذكر اسم الله عليه. فجعل الرجل يربط كم قميصه ويأخذ، ويحبون بالجوالبق فيحملون حتى قام الناس وقد ملأوا أوعيتهم، وفضل فضل فحرر ما بقي مثل الذي كان حين وضعوه. فقال رسول الله ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله، وأشهد أن لا يقولها عبد أبدًا من حقيقة من قلبه إلا وقى الله وجهه من النار). ومنها ما روى في قصة دومة الجندل أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد ﵁ في تبوك في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى كثير. قال خالد: كيف لي به في وسط بلاد كلب وأنا في أناس يسير؟ فقال رسول الله ﷺ : (ستجده يصيد البقر

стр. 639

فتأخذه) فخرج خالد ﵁، حتى إذا كان من حصنة بمنظر العين في ليلة قمراء صافية، وهو على سطح له مع امرأته، فصعد على ظهر الحصن وقينه تعينه، ثم دعا بشراب. فأقبلت البقر تحك بقرونها باب الحصن وأشرفت امرأته على الحصن فرأت البقر فقالت: ما رأيتك الليلة. هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: فمن ترك هذا؟ لقد كنت أضم الخيل، فإذا أردت أحدها شهرا، ثم اركب بالرجال والالة. فنزل وأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته وأخوه حسان، ومملوكًا له، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم، فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصهل منها فرس، فأخذته الخيل فاستأسر وقابل حسان حتى قتل. ومنها ما روى عبد الله بن عبيد أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في مسير فمروا بقبر فقال رسول الله ﷺ : (هذا قبر أبي رغال، وكان من قوم ثمود، فلما أهلك الله قومه منعه لمكانه من الحرم، فخرج فلما بلغ هذا الموضع مات. فدفن ودفن معه غصن من ذهب) فابتدرنا فاستخرجناه. ومنها أخباره: بالكوائن التي تكون من بعده، وبأمور وقعت لا في بلده ولا في حضرته فكان كما قال: ومنها قوله: ﷺ لسراقة بن جعثم، وقد نظر إلى ذراعيه. (كأني بك وقد ألبست سواري كسرى) فألبسهما إياه عمر بن الخطاب ﵁. وقوله ﷺ : (تفتح عليكم الآفاق ولتصبن عليكم الدنيا صبا، ولتكثرن عليكم الخبز واللحم حتى لا تذكر على كثير منه اسم الله تعالى). وقوله ﷺ : (إذا امتنت أمتي المطيطاء وجد منهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم، سلط الله على خيارهم شرارهم) وقوله ﷺ : وقد أشرف على أطم من أطام المدينة.

стр. 640

(سبحان الله، هل ترون ما أرى مواقع القبر خلال بيوتكم كمواقع القطر) فكانت بعده الفتنة بقتل عثمان ﵁، ثم جرى على أهل بيته في أيام يزيد ما جرى. وقوله ﷺ لعدي بن حاتم: لعله إنما يمنعك من الإسلام ما ترى أصحابي من الخصاصة هل رأيت الحيرة قط؟ قلت: نعم. قال: يوشك أن يخرج الظعينة من الحيرة حتى يطوف بالبيت، يعني حوله، ويوشك أن يفتح على أصحابي هؤلاء كنوز كسرى. قلت: كسرى هرمز. قال: كسرى بن هرمز. قال عدي: فلقد رأيت المرأة تخرج من الكوفة حتى تطوف بالبيت يعني حوله. وقد كنت في أول خيل غارت بالمدائن. وقوله ﷺ : (إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط، فإن لهم رحمًا وذمة). وقيل: أراد أن هاجر أم إسماعيل صلوات الله عليه كانت قبطية. وقوله ﷺ : (يفتح اليمن، فيأتي قوم فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون). وقوله ﷺ : (يظهر المسلمون على فارس والروم ويظهرون على الأعور الدجال. وقد حق مما يبرئه واحد ويستحق الأحزان إذا شاء الله). وقوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقاتلوا صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنف، كان وجوههم المجان المطرقة) وقوله ﷺ : (إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكًا ثم يكون سلطانًا وجبروتًا، يحلون الفروج ويشربون الخمور، ويلبسون الحرير ويرزقون على ذلك، وينصرون حتى يأتي الله). وقوله ﷺ : (إن خير التابعين رجل يقال له أويس ولده والده وكان فيه بياض، فدعا الله . فذهب منه الأمر صفاء كالدر في بشرته) قال عمر بن الخطاب

стр. 641

رضي الله عنه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل بشفاعته الجنة مثل ربيعة ومضر). وقوله: (يخرج رجل من أهلي عند انقطاع من الزمن وظهور من الفتن، يقال له السفاح يكون عطاؤه حسنًا) وفي رواية أخرى. أنه ﷺ قال: (منها السفاح ومنصور ومهدي). وقوله ﷺ قال: أخبر ﷺ وقد مر ابن عباس ﵄، وعليه ثياب قال: (أتعرف هذا؟ قال نعم، إما أن ولده يلبسون السواد). وقوله ﷺ لعثمان ﵁: (إن الله مقمصك بيعا فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني) ثم فسرها يوم دخل عليه وهو محلل الازار. فرقاها النبي ﷺ بيده، وقال له: (كيف أنت يا عثمان إذا لقيتني يوم القيامة وأود أهل يشجب وما خافوك من فعل بك هذا، فيقول: بين قائل وجادل وآمر). وقوله ﷺ لما ارتج أحد، وعليه ومعه أبو بكر وعمر وعثمان. (أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وفي بعض الروايات (جرى مكان أحد). ومنها ما روى عن علي ﵁ أنه قال: إن رسول الله ﷺ عهد إلى أن لا أموت، حتى ازمرتم تخضب هذه هذه يعني لحيته من هامته فكان كما قال. ومنها أنه ذكر المارقين فقال: (يخرجون على خير فرقة من الناس أبيهم ادعج، إحدى يديه مثل يدي المرأة). فقال أبو سعيد: إني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد إني كنت مع علي حين قتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على البعث الذي بعث رسول الله ﷺ . وفي حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 642

ذا اليدية، فقال إلى راع الخيل يحتذره رجل يجيلة يقال له الأشهب أنه قال: ابن الأشهب علامته في قوم ظلمة. قال سفيان: فأخبرني حماد الذهبي. أنه جاء به رجل من يجيلة يقال الأشهب أو أبو الأشهب. وقوله ﷺ لطلحة، وقد مر (الشهيد يمشي على وجه الأرض). وقوله ﷺ وقد بكى الحسين، فقال: (أخبرني جبريل ﷺ ، إن أمتي تقتل ابني الحسين ثم قال لي: هل لك أن أريك من تربته، فقلت: نعم. فمد يده، فقبض قبضة، فلما رأيتها لم أملك عيني أن فاضتا). وقوله ﷺ للحسن: (إن ابني هذا سيد، وعسى الله يصلح به بين فئتين من المسلمين). وقوله ﷺ لعمار: (تقتلك الفئة الباغية) فلما كان يوم صفين استسقى فأتى بصاع من لبن، اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه ثم تقدم فقتل. ومنها ما روى عن حذيفة ﵁ أنه قال: لو حدثتكم ما سمعت من رسول الله ﷺ لرجمتموني، قالوا: سبحان الله، نحن نفعل هذا؟ قال: أرأيتم لو حدثتكم إن بعض أمهاتكم يأتينكم في كنفه. قلنا: سبحان الله من يصدق بهذا. ثم قام فدخل مخدعًا له. ومنها قوله ﷺ : (التسابه أبكي صاحبه الجمل تنبح عليها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرة، وينجو ما كادت فلما كان من أمر عائشة ما كان وبلغت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: الجوأب. قالت: ما أظنني إلا راجعة. فقيل لها: لا ترجعي لعل الله يصلح بك الناس). وقوله ﷺ : وقد ولد بها غلام فسموه الوليد. (أتسمون باسم فراعنتكم هو أشد على هذه الأمة من فرعون على قومه).

стр. 643

ومنها ما رواه معاذ بن جبل ﵁ قال: بينما أنا وأبو عبيدة بن الجراح وسلمان جلوس ننتظر رسول الله ﷺ . أن خرج علينا من الهجر مرعوبًا متغير اللون. فقال: (من ذا يا معاذ أبو عبيدة، وسلمان؟ فقلت: نعم. قال: أنا محمد النبي أوتيت فواتح الكلام وجوامع الكلم. فأطيعوني ما دمت بين أظهركم. فإذا مت فعليكم بكتاب الله، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، إلى أن قال. امسك يا معاذ ابن أم معاذ، وأخبر ما حدث من أبي بكر). فلما بلغت يزيد. قال: رب لا تبارك في يزيد ودمعت عيناه قال هي إلى حبيبي وسبطي الحسين بن علي وأنبت بربه، وأخبرت بقاتله إلى أن قال: فلما بلغت ثلاثة عشر. قال الوليد اسم فرعون هادم الشرائع فهو يذمه رجل من أهل نبيه. ومنها ما رواه أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ ، ذكر أهل الكوفة فقال: أنهم ستنزل بهم بلايا عظام. ثم ذكر أهل البصرة فقال: أقوم الناس قبلة وأكثرهم مؤذين، يدفع الله عنهم ما يكرهون. ومنها أخبار برده تكون بعيده. قال أبو الدرداء: قلت يا رسول الله، بلغني أنك تقول ليرتدن قوم بعد إيمانهم، قال: أجل، ولست منهم. ومنها قوله: (إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم) فجاء فأسلم. وأخباره أبا ذر بأنه يموت فردا ويبعث فردا، وهو إشارة إلى القرية التي عرضت له. وقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁، وقد مر ببقعة من الأرض: (رب أمتني في هذا المكان لا يصعد إلى الله . قال أبو هريرة: (فمررت بعده بها، فإذا فيها النخاسون). ومنها قوله ﷺ لعبد الله بن بشر وقد مسح برأسه. (بأبي أنت وأمي يا رسول الله. وكم القرن؟ قال: مائة سنة) وقوله ﷺ لأم ورقة وقد استأذنه في الغزو لتمرض

стр. 644

المرضى؟ وتداوي الجرحي، لعل الله يرزقها شهادة. (اجلسي في بيتك فإن الله مهد لك شهادة) وكان لها غلام وجارية فاغتالاها وقتلاها. وكان عند عمر بن الخطاب ﵁ فدخل عليها فوجدها مقتولة فقال صدق الله ورسوله. وقوله ﷺ لأصحابه يوم مات النجاشي (مات اليوم عبد صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم). وقوله ﷺ وقد نام في بيت خزام بنت ملحان زوج عبد الله بن الصامت ثم انتبه وهو يضحك. فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، يركبون لجج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا) فغزت فيمن غزا، وركبت معهم البحر. ومنها ما رواه علي ﵁، بعثني النبي ﷺ والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة ضاح فإن فيها ظعينة معها كتاب فخذوه منها حتى تأتوني قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة معها كتاب فقلنا لها: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لتلقي الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه. من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: ما هذا؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وليس أحد من أصحابك إلا وله بمكة قرابة تحفظ في أهله، وماله غيري. فأحببت أن أتخذ فيهم ليحموا بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. فقال رسول الله ﷺ : صدقكم). ومنها قوله ﷺ لعشرة من أصحابه في بيت أحدهم سمرة بنت جندب. (آخركم موتًا في النار) وكان آخرهم سمرة ومات في الحريق.

стр. 645

وقوله ﷺ (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم). وقوله ﷺ لوابصة وقد جاء يسأله عن البر والإثم. (أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسل؟ قال: يا رسول الله أخبرني قال: جئت تسأل عن البر والإثم. قال: البر ما اطمأن القلب واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن افتاك الناس وافتوك). وقوله ﷺ لرجلين جاءا يسألانه إن شئتما أخبرتكما، بما جئتما تسألاني وإن شئتما إن اسكت لتسألاني. قالا: بل أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانًا. فأخبرهما أنهما جاءا ليسألا عن مناسك الحج، فأجابهما عن كل شيء منها فأجلاه فعلا. فقالا: والله الذي بعثك بالحق لعن هذا نسألك. ومنها ما روى أن رجلاً من المسلمين حمل على رجل من المشركين، لما غشيه الرمح فقال: أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم فطعنه، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله استغفر لي. فقال: ماذا؟ فأخبره بما صنع. فقال له ﷺ : (فهلا شققت عن قلبه، فعلمت ما في نفسه؟ فقال: يا رسول الله لئن شققت عن قلبه. أكنت أعلم ما في نفسه. فقال: فلا أنت قبلت قوله، ولا أنت تعلم ما في قلبه) فسكت عنه فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات. فدفن، فأصبح على وجه الأرض. فقالوا: لعل عدوًا نبشه فدفنوه، وأمروا غلمانهم فحرسوه. فأصبح على وجه الأرض، فقالوا: فلعل الغلمان نبشوه وكفنوه ثم حرسوه فأصبح على وجه الأرض، فألقوه في بعض تلك الشعاب. ومنها إخباره ﷺ فاطمة بأنها أول أهله لحوقًا به. وقوله ﷺ لأزواجه: اسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا). فكانت زينب أول من ماتت. وقيل كانت تعمل بيدها وتتصدق به.

стр. 646

ومنها ما أخبر ﷺ ابن عباس من أن بعده سيذهب، فذهب بعده، وأنه يغرق، فغرق في بحيرة الطبرية ثم نجا. ومنها ما روت أم سلمة قالت أهديت لي قدرة من لحم، فقلت للخادم: ارفعوا لرسول الله ﷺ حتى يجيء فنقدمها بين يديه. فجاء رسول الله ﷺ ، فقلت للخادم: قدمي إلى رسول الله ﷺ القدرة من اللحم، فجاءت بها فأرتها أم سلمة فإذا هي قد صارت مروة حجر. فنظر رسول الله ﷺ فقال: مالك يا أم سلمة؟ فقصت عليه القصة فقال: (لعل قام على بابكم سائل فاهنتموه؟ قالت: أجل يا رسول الله. قال: إن ذاك لذلك). ومنها ما روى عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال رسول الله ﷺ (اذهب فائتني بابيك فنزل جبريل صلوات الله عليه على النبي ﷺ فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك. إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه فما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبي ﷺ أنه دعاه من هذا. أخبرني عن شيء قلته في نفسك فما سمعته أناك؟ فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما تراك تزيد ما بك يقينًا، قلت في نفسي شيئًا فاسمعته أذناي. فقال: قل فأنا اسمع. قال: قلت: غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا ... لعل بما أحنى عليك وتنهل إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت ... لسمعك إلا ساهرًا أتململ كاني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تمهل تخاف الردى نفسي عليك وأنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إن لم ترع حق أبوتي ... كما يفعل الجار المجامل يفعل

стр. 647

قال فحينئذ أخذ النبي ﷺ بيد ابنه وقال أنت ومالك لأبيك. ومنها ما روى محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأصاب أصابعي حتى جمعوا عليها ظهورهم. ومر آياته ﷺ ما ظهر بعد موته: فروى أنهم لما أرادوا غسله سمعوا نداء ألا تنزعوا عن رسول الله ﷺ قميصه ويروى أنهم أتاهم في وقت التعزية آت يسمعون ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم، إلا أن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله. وروى أن عمر ﵁ خرج بالعباس ﵁ لما قحطوا يستسقي به فقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد رسول الله ﷺ فاستسقينا به سقينا، وإنا نتوسل نعم نبيك فاسقنا، فسقوا وروى عن سفينة قال: ركب البحر فانكسرت السفينة، فخرجت على لوح فرماني إلى أجمة، فأقبل الأسد يتمطى. قلت أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ ، فجاء فخضع برأسه، وجعل يدفعني أمامه حتى افاضني على الطريق ثم همهم وولي عنهم. وإعلام الرسول ﷺ كثيرة، ومما كتب ما يحقق أنه ﷺ أكثر الرسل إعلامًا، وإن من إعلامه ما لا يوجد في إعلام غيره، مما ينحو نحوه اختراع الأجسام فعله الله تعالى لأجله وليكون حجة على من يشك في نبوته، دلالة ظاهرة على فضله وأربابه على معاني الكرامة على غيره. ومما يدل على فضل نبينا محمد المصطفي ﷺ : إن الله لم يخاطبه في القرآن قط إلا بالنبي ﷺ أو الرسول أو لم يناده باسمه، بل قال: ﴿يا أيها

стр. 648

النبي ﴿وأما سائر الأنبياء صلوات الله عليهم فإنه دعاهم بأسمائهم. فقال:﴾ يا آدم، اسكن أنت وزوجك الجنة ﴿﴾ ويا آدم أنبئهم بأسمائهم ﴿﴾ يا نوح، إنه ليس من أهلك، يا نوح اهبط بسلام منا ﴿﴾ يا إبراهيم اعرض عن هذا ﴿﴾ يا موسى إني أنا الله ﴿﴾ يوسف اعرض عن هذا ﴿﴾ يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ﴿. وهذا في الشريعة والصلوات دلالة التفضيل لمن يدعي باسم شخصه، إلا ترى أن الأعراب لما كانوا إذا دعوا رسول الله، قالوا: يا محمد، ويا أبا القاسم، نهوا عن ذلك، وقيل:﴾ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴿. أي عظموه وفخموه فقولوا: يا بني الله، ويا رسول الله، وكذلك عادة الناس، لأن الوالد يدعو الولد باسمه، والولد لا يدعو الوالد باسمه. والعالم يدعو المتعلم باسمه، والمتعلم لا يدعو العالم باسمه، فلما فاوت الله تعالى بين الأنبياء ﵈ فدعاهم كلهم بأسمائهم إلا محمد ﷺ ، فإنه دعاه باسم النبوة والرسالة، علمنا أنه أراد بذلك إظهار كرامته وفضله على إخوانه، إذا كان يستحيل أن يقال أنه فضله على نفسه والله أعلم. ومما يدل على فضله ﷺ : ما ورد به الخبر من أن آدم في الجنة يكنى أبا محمد فلولا أنه أفضل النبيين لما خص عند القصد إلى أن يكنى باسم أحدهم دون اسم نبينا ﷺ فيكنى به دون اسم نوح أو إبراهيم أو غيرهما. وفي تخصيصه بذلك ما يدل على أن أفضلهم، وأولادهم بأن يحمل آدم أن يدعى أباه والله أعلم. فإن قال قائل: من أين استجزت المفاضلة بين الأنبياء، ثم تفضيل أحد منهم على غيرهم وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تخايروا بين الأنبياء). قيل له: قد قال الله "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" فأخبر أنه

стр. 649

فاوت بينهم في الفضل. فإن وصفناهم بما وصفهم الله تعالى فلا عيب علينا في ذلك. فأما المخايرة بين الأنبياء الذي ورد فيه النهي، فإنما يراد بذلك محاذات أهل الملك في تفضيل نبينا ﷺ كاليهود تجادل في موسى، والنصارى تجادل في عيسى، وتفضيل نبينا ﷺ وعليهما. أو المعنى في ذلك. إن هذه المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين مختلفين لم يؤمن أن يخرج كل واحد من المخايرين في تفضيل من يريد تفضيله إلا الازراء بالآخر، والتعيير منه، فيكفي بذلك. فإذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل، فيقابل بينهما ليظهر له رجحان فليس هذا بنهي عنه، لأن الرسل إذا كانوا متفاضلين وكان الأفضل يوجب فضل حق، وكان الحق إذا وجب لا يهتدي إلى أدائه إلا بعد معرفته، ومعرفة مستحقيه، كانت إلى معرفة الأفضل حاجة، ووجب أن يكون الله تعالى دلالة. وطلب العلم المحتاج إليه من قبل إعلامه المنصوبة عليه ليس مما ينكر والله أعلم. فإن قيل: لم لا فضلتم إبراهيم صلوات الله عليه لأنه خليل الرحمن، وقد علم أن الله يحب أولياءه كلهم، فالذي لا ينكر غيره أن يكون إنما خص إبراهيم باسم الخليل، لأنه أحب أوليائه إليه، ولأن الله جعل نبينا ﷺ تابعًا له، بقوله:﴾ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴿وليس التابع كالمتبوع، ولأن مكة حرم إبراهيم، والمدينة حرم نبينا ﷺ ، فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة) ووجدنا المتبوع من حرم إبراهيم من الصبر والشجر مضمونًا بجزاء، والمتبوع في حرم النبي ﷺ مضمون، فكان ذلك إمارة تشهد بفضل حرم إبراهيم. وفي طور ذلك وجوب أن يكون محرمه أفضل. ولأنه روى في الصحيح. (أنكم محشورون عراة، فأول من يكن إبراهيم) وفي

стр. 650

ذلك دليل على فضله وتقدمه، وإن أفضل ما يدعو به نبينا ﷺ ، أن نقول: اللهم صلى على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فإذا كان أقصى ما نسأل ربنا لنبينا ﷺ أن يلحقه إبراهيم فيصلي عليه كصلاته على إبراهيم، أفلا ذلكم دليل على فضل إبراهيم صلوات الله عليه. فالجواب. أن الله قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلا، ولم يخبر أنه اتخذ النبيين خليلا، فيكون ذلك حكمًا بتفضيله عليهم. إنما معنى ذلك ما أشار قوله أن إبراهيم كان قانتًا لله، ولم يكن من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. وقيل: (إن إبراهيم ﵇ إنما هداه الله إلى معرفته ووفقه الله لتوحيده، حتى كان الكفر طبق الأرض، ولم يكن في الدنيا نسمة تعرف الله ويعترف به غيره واتخذ خليلا بأن جعله أهلاً لهدايته أولا، ثم بأن أمره ونهاه وظهرت منه الطاعة ثانيًا بأن ابتلاه، فوجد منه الصبر ثالثًا فكان يومئذ خليله، وأهل الأرض كلهم أعداءه، لأنه كان المطيع، والناس غيره عصاه. فأما أن يقال: أنه اتخذه خليلا على الذي لا يشك في أنه كان يحبهم ويحبونه من عامة النبيين فلا يقال ذلك، لأن من خالف الخليل فهو عدوه. وقد علمنا أنه ليس في الأنبياء لله عدو، فصح أن اتخاذ إبراهيم خليلا ليس عليهم، وإنما هو على أعداء زمانه كما بينا، ويدل على ما قلت أن الأولياء كلهم يحبون الله ويحبهم، ودرجة المحبة فوق درجة الخلة، وكل حبيب خليل، وليس كل خليل حبيبًا، فكيف يجوز مع هذا أن يكون اتخاذ الله إبراهيم خليلا اتخاذه إياه خليلا على إخوانه مع النبيين بل الأشبه أن يكون ذلك على عناء، ولم يؤهل أحد منهم للهداية غيره. فهكذا ثم هدى به من أراد، فكان ذلك اتخاذ أباه خليلا والله أعلم. وأما قوله جل وعز:﴾ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴿فإنما فيه أمره بإتباع ملة إبراهيم لا إتباع إبراهيم. وملة إبراهيم لم يلزم إتباعها لأجل إبراهيم لكن

стр. 651

لأنها الحق الذي لا يتسع إنكاره، ولذلك كان يلزم إبراهيم، فكذلك يلزم غيره كما وصف الله في هذه الآية التوحيد. بأنه ملة إبراهيم فكذلك أدخل معه غيره في آية أخرى، فقال:﴾ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴿لا يوجب أن يكون نبيًا ﷺ تبعًا لموسى وعيسى فكذلك لا يوجب ما احتج به القائل أن يكون نبينا ﷺ تبعًا لموسى وعيسى فكذلك لا يوجب ما احتج به القائل أن يكون نبينا تبعًا لإبراهيم صلى الله عليهما. وأيضًا فإن المعارضة بإبراهيم ﵇ تسليم لفضل نبيا ﷺ على ما عدا إبراهيم. وقد ذكر الله في كتابه نوحًا ثم قال:﴾ وإن من شيعته لإبراهيم ﴿فإذا جاز هذا المعارض تفضيل نبينا ﷺ على نوح فكيف يأبي تفضيله على من هو شيعة نوح وبالله التوفيق. وأما المعارضة بالحرمين فلا يلزم، لأن مكة حرم الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرضين، وبذلك وردت الأخبار وجعلها مع ذلك موضع النسك وما عداه من الحرم فهو تحريم الدار للدار. ويحتمل أن يكون معنى إبراهيم حرم مكة، أن أمر البيت والحرم كان قد عفى ودرس. فلما أحياه الله تعالى على يدي إبراهيم بين على لسانه الحل والحرم. فأخذ الناس حكم الحرم عنه، لأن التحريم كان في ذلك الوقت. وأما تحريم المدينة، فإن كان على عهد الرسول ﷺ ولم يكن قبله، ولا المدينة أيضًا موضع نسك، واختلف الحرمان من هذا الوجه الذي قدره المعارض والله أعلم. وأما أن أول من يكتسي إبراهيم، فقد ذكرت فيه ثلاثة أوجه فيما تقدم. وأما قولنا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فلا يدل على ما قاله للسائل، لأن محمدًا لو كان في الفضل دون إبراهيم لما جاز لنا أن نقول. اللهم صلى على محمد كما صليت على إبراهيم، ولما كان ذلك مطلقًا، علمنا أنه ليس في الفضل دون إبراهيم.

стр. 652

فإن قيل: فما معنى هذا التشبيه؟ قيل: معناه إن الله أخبر أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم مخاطبة لسارة:﴾ رحمة الله وبركاته عليكم، أهل البيت إنه حميد مجيد ﴿. وقد علمنا أن نبينا ﷺ من أهل بيت إبراهيم، وكذلك آله كلهم. فمعنى قولنا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين أي أجب دعاء ملائكتك الذين دعوى لآل إبراهيم فقالت: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت في محمد وآل محمد. كما أجبته في الموحدين كانوا يومئذ من أهل بيته أيضًا، وكذلك تختم هذا الدعاء بقول: "إنك حميد مجيد" فإن الملائكة ختمت دعاءها بقوله "إنه حميد مجيد" وليس في هذا ما يقصر بمحمد عن إبراهيم وبالله التوفيق. فإن قال قائلون: لم تفضلون محمد على موسى وقد جاء عنه إنه لا تفضلوني على موسى لئلا يحمل ذلك اليهود على الرفعة فيه، فيكون ذلك مما عرضه له المسلمون وجروه إليه. وهو كقول الله :﴾ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴿. يدل على ذلك قوله:﴾ ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا إتباعي ﴿. فإن قيل: فلم تفضلونه على يونس، وقد قال:﴾ لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى ﴿. قيل معناه: ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس، وهذا لأن الله أخبر عنه أنه اتق وأنه هب مغاضبًا، وأنه لم يصبر على ما ظن أنه يصبه من قومه فقد كان يمكن أن يتوهم متوهم إذا وجد صابرًا على ما يصيبه في ذات الله، قوي العزم على مجاهدة أعداء الله أنه خير من يونس. فأبان النبي ﷺ أن ذلك لا ينبغي لأحد أن يقوله، لأن يونس كان نبيًا، وغير النبي لا يكون خيرًا من النبي، فهذا معنى الحديث والله أعلم.

стр. 653

وإذا ظهر أن حب رسول الله ﷺ من الإيمان. وبينا ما جمع الله له من المحامد والمحاسن التي هي الدواعي إلى محبة اعتقاد مدائحه وفضائله والاعتراف له بها، والولوع بذكرها، وإكثار الصلوات عليها. وخصوصا في الليلة الغراء، وباليوم الأزهد كما جاء ذلك من أمره ولزوم طاعته، والحرص على إظهار دعوته، وإقامة شريعته، والتسبب إلى استحقاق شفاعته، والمقام مع البعد من زمانه على الحال التي كان ينبغي أن يستحي منه، أو كان المقام عليها يصرف عينه، والفرح باللون من أمته، ومستحي دعوته، وإدمان التلاوة للقرآن الناطق بحججه. فمن فعل ما ذكرنا وما يتصل به من أمثاله فقد أحبه. ويدخل في جملة حبه ﷺ حب آله وحب أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة، وأوجب لهم الخمس لمكانتهم. فإن الله ﵎ ألحقهم بهم، وميزهم على غيرهم، فاقتضى ذلك أن يعرف العباد حق هذه الرفعة والرتبة، ويحبونهم بحب النبي ﷺ ، كما أكرمهم الله تعالى بكرامته، وصان أقدارهم كما صان عنه قدره، وعوضهم عما حرمهم مثل ما عوضه. ويتبع ذلك حب صحابته لأن الله جل ثناؤه أثنى عليهم ومدحهم فقال:﴾ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كرزع أخرج شطأة فآزره فاستغلظ فاستوي على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا ﴿. وقال﴾ لقد رضي عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ﴿. وقال:﴾ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ﴿. وقال﴾ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم﴾.

стр. 654

فإذا نزلوا هذه المنزلة استحقوا على جماعة المؤمنين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله بمحبتهم، لأن الله إذا رضي عن عبد أحبه، وأوجب على العبد أن يحب من يحبه مولاه، ثم أن النبي ﷺ قال: (من أحب الأنصار فيحبني أحبهم، ومن أبغض الأنصار فيبغضني أبغضهم). وعنه ﷺ : (حب الأنصار من الإيمان، وعلامة المؤمنين حب الأنصار) وهذا لأن حب المهاجرين لله ورسوله كما ظهر بهجرتهم ديارهم وأموالهم وأبقارهم أنفسهم، فكذلك حب الأنصار لله ورسوله قد ظهر بايوائهم النبي ﷺ وعامة المهاجرين في نصرهم إياهم. وقد قال :﴾ والذين تبوأ الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴿وإنما أراد بذلك الأنصار من أهل المدينة، فمن كانت صفته هذه الصفة، وثنى الله عليه الثناء، فلا شك في محبة الله تعالى إياه ومحبة رسوله ﷺ . وفي ظهور ذلك وجوب محبتهم على الأمة. فإن ظهر أن حب الصحابة من الإيمان فكذلك لن يعتقد فضائلهم ويعرف لهم بها، ويعرف لكل ذي حق حقه، ولكل ذي غناء في الإسلام غناه، ولكل ذي منزلة عند النبي ﷺ منزلته، وييسر محاسنهم، ويدعي بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أواب الدين عنهم، ولا يتبع ولاتهم وصفواتهم، ولا يعمد بهجين أحد منهم بيت ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع فلأصرفنه إلى الخوض فيما كان بينهم وبالله التوفيق.

стр. 655

الخامس عشر من شعب الإيمان وهو باب في تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره ... وهذه منزلة فوق المحبة لأنه ليس كل محب معظمًا، إلا ترى أن الوالد يحب ولده فيجمع له بين التكريم والتعظيم، والسيد قد يحب مماليكه ولكن لا يعظمهم، والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم، فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبة فوق المحبة، والداعي إلى المحبة ما يقتضي على المحب من المحبة من الخيرات، والداعي إلى التعظيم ما يحب للمعظم في نفسه من الصفات العلية، ويتعلق بها، من حاجات المعظم الذي لا قضاء لها إلا عنده. ويلزمه من منبه التي لا قوام له بشكرها. وإن جد واجتهد، وصار ما قلت إن المماليك يحب مماليكم لمعرفتهم بانبساط أيديهم عليهم وخاصتهم في مطاعمهم ومشاربهم وملابسهم ومساكنهم إليهم، وعلمهم بما في لزوم موتهم ساداتهم من الرفق والفائدة لهم ويتجاوز جاههم معهم لما وصف من المحبة إلى التعظيم، وهكذا الوالد يحب ولده، لأنه سلالة منه، وإليه ينسب، وله جمال وقوة وكثرة، فلا يتجاوز أمره معه عن الحب والتكريم إلى التهيب والتعظيم، والولد يحب والده لمعنى فيه بأنه كان سبب كونه ووجوده، والقائم بتربيته وصيانته عن المهالك لموته، والمزيح لهلكه إلى أن بلغ حد الرجال، وعلمه بأنه له، وإليه ينسب، كما يدعي العبد لسيده، والمعتق إلى معتقه، فيتجاوز حاله معه عن التكريم إلى التعظيم، لأنه إذا نقله علم إن هذه حقوق لا سبيل له إلى شكرها وإن نفسه بر بهيبته. وإذا كان هذا هكذا، فما بين العبد وسيده، والوالد وولده، فمعلوم أن حق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وألزم لنا وأوجب علينا، من حقوق السادات على مماليكهم والإماء على أولادهم، لأن الله تعالى، أنقذنا من النار في الآخرة وعظم به أرواحنا وأبداننا وإعراضنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا في العاجلة.

стр. 656

فهذا إثابة لما أطعناه فيه أدى إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعمة، وآية منه إلى هذا الشيء. ثم أنه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا بإتباعه الجنة، فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة؟ وأي درجة؟ فحق علينا القول إذًا أن نحبه ونجله ونعظمه أكثر من إجلال كل عبد سيده، وكل ولد والده وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله ، قال الله :﴾ وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي معه أولئك هم المفلحون ﴿. فأخبر أن الفلاح إنما يكون جمع إلى الإيمان به تعزيره ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم. وقال:﴾ إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرا ﴿ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه. فأبان أن حق رسول الله ﷺ في أمته أن يكون معزرًا موقرًا مهيبًا، ولا يعامل بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الكفار بعضهم بعضًا. وقال :﴾ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴿فيؤخروا إجابته بالاعذار والعلل الذي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض، ولكن عظموه بسرعة الإجابة ومعالجة الطاعة، ولم تجعل الصلاة لهم عذرًا في التخلف عن الإجابة، إذا دعا أحدهم وهو يصلي إعلامًا لهم أن الصلاة إذا لم تكن عذرًا يستباح به تأخير إجابته، فما دونها من معاني الأعذار بعد؟ فروى أنه ﷺ دعا لأناء وهو يصلي، فلما فرغ جاءه، فقال له: ما منعك أن تيجيبني إذ دعوتك؟ فقال: إني كنت أصلي، قال: ألم تسمع الله يقول:﴾ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴿. فاعلمه أن إجابته واجبة عليه وإن كان في الصلاة، وقيل معنى هذه الآية﴾ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴿وذلك أنهم كانوا ينادونه على رسم أعداء بينهم فيقولون له: يا محمد ويا أبا القاسم، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يعظموه فيقولوا: يا رسول الله تعالى أتاه في عامة القرآن:﴾ يا أيها الرسول ﴿أو﴾ يا أيها النبي ﴿إنما كانت لتعليم أمته ما يلزمهم أن يخاطبوه به، وحملهم في ذلك على الأدب المستحسن المحمود ولكن كثيرًا من الأعراب لما لم يكتفوا بذلك ولم ينتهوا للمراد شرح لهم فقال:

стр. 657

﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴿والله أعلم بما أراد. وقال :﴾ وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴿فلم يجعل لأحد من المخاطبين خيار في طاعة رسوله ﷺ إذا أمر، لكنه ألزمهم إلزامًا. ولا سبب ادعى إلى التعظيم من وجوب الطاعة. وقال:﴾ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا عن نفسه ﴿فاعلمهم أن نفس الرسول ﷺ أكرم وأشرف وأزكى وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عما لا يصرفوا نفسه عنه، فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر أو طول طريق أو عوز ماء أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضاها لنفسه. وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره وبالله التوفيق. وقال:﴾ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث، إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم، والله لا يستحي من الحق، وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا ﴿. فنهاهم عن أن يعاملوا رسول الله ﷺ بالتوسع في الانبساط والاسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقى، فيدخل بيته بغير أذنه إذا دعاهم إلى طعام يعلمون لم يدرك عجلوا إليه وأحاطوا به منتظرين إدراكه، وإذا أحضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي ﷺ قد يتأذى به ويستحي أن يكلمهم، ونهاهم أن يتباسطوا نساءهم، فيدفعوا إليهن شيئًا ويأخذوا منهن شيئًا، ناظرين إليهن كما يفعل ذلك بعضهم في بيت بعض عند اتساع الخلطة وتأكد الثقة،

стр. 658

أثم كد ذلك كله فقال :﴾ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا ﴿فاعلمهم أن كل ما يتأذى به رسول الله ﷺ من قول أو فعل فهو حرام عليهم، وليس بمملوك لهم من حياته وبعد وفاته، وكما لا يحل لهم أن يفعلوا في حياته ما يتأذى به، فكذلك ليس لهم أن يفعلوا بعد وفاته ما لو أعلم في حياته أنهم فاعلوه بعده، لتأذى به وشق عليه نحو تزوج نسائه من بعده. وهذا ليعلموا أنه لا رخصة لهم بحال من الأحوال في إيذائه وتعاطي ما يشق عليه، وإن إرضاءه وتعظيمه وبوحي من أبهته هو الملازم لهم والواجب عليهم، ليكونوا مؤمنين به كما يقولون وبالله التوفيق. وقال :﴾ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ﴿. والمعنى لا تقدموا قولاً أو فعلاً بين يدي قول رسول الله ﷺ وفعله فيما سبيله أن يأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلى بأمر رسول الله ﷺ في ذلك بما يراه. فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله إذا كان رسوله لا يقضي إلا عنه، واتقوا الله أي واحذروا عقابه بتقديمكم بين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به ومخالفة شيء مما يأمركم به عن الله بوحي متلو أو بوحي غير متلو.﴾ إن الله سميع عليم ﴿أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله ﷺ ، أو يأتونه اقتداء به وإتباعًا له عليهم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك، فهو يجريه بما سمعه ويعلمه منكم. وروى في نزول هذه الآية آثار منها: إن ناسًا ذبحوا يوم النحر قبل نبي الله ﷺ ، فكره ذلك. ومنها أن رجلاً صام في يوم شك، فقالت عائشة ﵂: لا يفعل فإنهم كانوا يرون أن هذه الآية نزلت فيه. ومنها أن ذلك في القتال. وقال الله :﴾ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾.

стр. 659

فنهاهم الله أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ويخرجوا عن مكالمته من خبر الاستماع إلى الجهر، لأن ذلك في العادات غض من المخاطب واستخفاف بقدره وضرب من الاستعلاء عليه، كما أن خفض الصوت تذلل ورعاية لحقه وإكبار لقدره. ثم حذرهم أشد التحذير من فعل ما نهاهم عنه، فقال:﴾ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴿وذلك بأن يستقر أحدهم أمر غده في نفسه فيقول: وماذا علي أن كان رسول الله ﷺ ، فلم لا أبلغ ما في نفسي فيختلط ويرفع صوته إلى صدا أن يعلن فيلزمه حكم الاستحقاق والتهاون برسول الله ﷺ فيكفر ويحبط عمله، وهو لما فيه غافل على أمره، ولا يشعر أنه كفر وحبط عمله. وهذا أبلغ ما يكون من الأمر بتعظيم رسول الله ﷺ إذا كان الأمر بجميع ما ذكرنا مقبحات، والناس باسم الإيمان بينهما لهم به على أنهم إن كانوا مؤمنين فمن الإيمان أن يكونوا بهذه الصفات دون ما يخالفها والله أعلم. ثم قال الله :﴾ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم ﴿فأخبر أن الذين يأتمرون ما أمروا به، وينهون مما نهوا عنه، هم قوم امتحن قلوبهم للتقوى، أن جعل الله ما أورد على قلوبهم من هذا الغرض اختبارًا لهما لتظهر منهم التقوى التي علم أنها هي التي تكون منهم إذا اختبروا، فيغفر لهم ما أسلفوه من رفع الأصوات وغيره من الذنوب، ويأجرهم أجرًا لا يشاكل ثواب أعمال الآدميين، لكنه يكون نعيمًا مقيمًا لا يزول ولا يبيد. ثم قال الله :﴾ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبوا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفور رحيم ﴿فيسلي نبيه ﷺ بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذلك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون، إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك إلى أن يهدى إليه، وفيهم من لا يهتدي وإن هدى ولا يستنصرون. وإن يصروا فهذا يجمع تركة القوم وقسامة النبي ﷺ . ثم روى الأقرع بن حابس وعليه ومن جاء معهم، جاءوا شفعاء في أسارى بعيرهم

стр. 660

الذين نادوه فقالوا: أخرج إلينا يا محمد، فنزلت هذه الآية وروى أن وفد بني تميم وهم يسمعون رجلاً منهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم هم الذين نادوه والله أعلم. ولما وقع من هؤلاء ما وقع ونزل من هذه الآثار ما نزل، روى أنه كان إذا قدم على رسول الله ﷺ وفد أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون على النبي ﷺ ويكلمونه ويأمرهم بالسكينة والوقار عنده. وهذا والله أعلم غير محمول على الزهو والبذخ، ولكن في تعظيمه النبوة التي يرجع تعظيمها إلى الله ، وتركه أن يقتضي في حقها، فيكون مقتضيًا حق الله تعالى لا حق نفسه. وروى أن أبا بكر الصديق ﵁ قال له لما نزلت هذه الآية: والذي بعثك بالحق لأكلمنك إلا كأخي السرار. وإن ثابت بن قيس بن شماس دخل بيته وقعد يبكي وقال: أخاف أن يكون قد حبط عملي، فإني رجل صيت، أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ ، إلى أن بلغ رسول الله ﷺ خبره، فأخرجه وأعلمه أنه ليس منهم وبشره بالجنة، فقتل بعد ذلك شهيدًا. وقال الله :﴾ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فإذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ﴿فخرج المسلمون إذ كانوا معه على أمر جمعهم لأجله أن يفارقوه قبل أن يقضي ذلك الأمر إلا بإذنه. وأخبر أن المؤمنين بالله ورسوله الذين يستأذنونه إذا عرض لهم ما يحوجهم إلى الذهاب فثبت أن استأذانهم إياه في مثل هذا الحال إيمان منهم. ومعلوم أن ذلك من جملة إجلاله وتهيبه وتوقيره، فصح أن كل ذلك إيمان بالحري، أن يكون كذلك إذا كانت استهانته واستخفافه كفرًا والله أعلم. وقال الله :﴾ وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾.

стр. 661

فوبخهم على ما كان منهم، حين قدم دحية الكلبي والنبي ﷺ على المنبر يخطب، فانفضوا عنه، وخرجوا إلى أبواب المسجد ينظرون إلى دحية ومن معه، وما قدم به من أقسام، ودلهم على عظيم خطئهم وسوء صنيعهم، بأن قرر عندهم حالة النبي التي كانت له منهم حين وقع منهم ما وقع. فقال:﴾ وتركوك قائمًا ﴿أي تركوك وأنت قائم لأجلهم تخاطبهم عن الله وتعظمهم وتذكرهم وتدعوهم إلى الله ، أو تدعو الله لهم وتستغفر ذنوبهم وهم مترفهون بالجلوس لا شغل لهم إلا الاستماع، فلا يرعون حقك ولا يتفكرون في قيامك وخطابك ويعرضون عما فرض الله تعالى من الاستماع إليك عليهم، ولكنهم يريدون هذا كله ويخرجون جهارة فعل أهل اللهو، وفي هذا من إيجاب تعظيمه وتوقيره بغير ما في الآيات قبلها والله أعلم. ثم أن المخاطبين بهذه الآيات من الصحابة انتهوا إلى العمل بها وبلغوا في تعظيم رسول الله ﷺ ما عرفوا بعض حقه، فروى عن عبد الله بن مسعود حين كلم رسول الله ﷺ في سهيل بن بيضاء يوم بدر قال: فجعلت أنظر مني الحجارة من السماء، وقلت أقدم بين يدي رسول الله ﷺ . ويورى في قصة الحديث أن عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى النبي ﷺ وكلمه في الصلح، ورجع إلى الصحابة وقال: وأي قوم، والله لقد دخلت على الملوك ودخلت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت قط ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله أن تنخم نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم، فذلك بهي وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يجدون النظر إليه تعظيمًا له. فهذا كان من الذين ورثوا مشاهدته وصحبته. فأما اليوم فمن تعظيم زيارته، فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (من زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي). ومن تعظيمهم: تعظيم حرمه -أعني المدينة- والانتهاء، كما حرمه منها وقتها، وأكرم أهلها لأجل سلفهم الذين آووه ونصروه.

стр. 662

ومنه قطع الكلام إذا جرى ذكره، وروى ما جاء عنه: وصرف السمع والقلب إليه، ثم الإذعان له، والنزول عليه، والتوقي في معارضته، وضرب الأمثال له، ومنه أن لا ترفع الأصوات عند قبره كما كان لا ينبغي أن ترفع في مجلسه، ومنه أن لا يخاض عنده، في لهو ولا لغو ولا باطل ولا شيء من ا/ور الدنيا لا يليق بجلال قدره ومكانته من الله . ومنه الصلاة والتسليم عليه كلما جرى ذكره، وقد أمر الله تعالى في كتابه بالصلاة والتسليم عليه جملة فقال:﴾ إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴿فأمر الله تعالى عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل أمرهم بذلك أخبارهم: بأن ملائكته يصلون عليه، لينبئهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل، إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم من شريعته تتقرب إلى الله بالصلاة والتسليم عليه ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أولى وأحق. وكان المخاطبون بهذه الآية لا يدرون كيف الصلاة، وسألوا عنه فأخبروا به، وأرشدوا إليه، ووردت في ذلك أخبارًا. منها حديث كعب بن عجرة قال: (قلنا يا رسول الله، هذا السلام عليك قد علمنا، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم). فقيل لسفيان: كيف لم يقل: على إبراهيم وآل إبراهيم قال: ألم تسمع إلى قوله:﴾ ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴿وفرعون معهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم شهدت له يوم القيامة، وشفعت له يوم القيامة شفاعة).

стр. 663

وفي رواية عن علي ﵁ قال: عدهن في يدي رسول الله ﷺ . وقال: (عدهن في يدي جبريل صلوات الله عليه، وقال جبريل: هكذا نزلت بهن من عند صاحب العرش: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم تحنن على محمد وعلى آل محمد، كما تحننت على إبراهيم وآل إبراهيم أنك حميد مجيد. اللهم سلم على محمد وعلى آل محمد، كما سلمت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد). وفي حديث بريدة الخزاعي ﵁ قال: (قلنا يا رسول الله علمتنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد). وعن أبي هريرة ﵁، إن النبي ﷺ قال: (من سره أن يكتال بالمكتال إلى وفر إذا صلى علينا أهل البيت، فليقل: (اللهم صلي على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته). وعن الساعدي ﵁ قال: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال: قل: اللهم صلي على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: قولوا: (اللهم صلي على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد).

стр. 664

وعن عقبة بن عمرو ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ فقال: (إذا صليتم علي فقولوا: اللهم صلي على محمد النبي، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا عليه الصلاة وقولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وزكاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد). فصل إن سأل سائل عن معنى الصلاة والتسليم والمباركة والرحمة قيل له: أما الصلاة باللسان فهو التعظيم، وقيل الصلاة المعهودة سميت صلاة لما فيها من حني النبي ﷺ وهو وسط الظهر، انحناء الصغير للكبير إذا رد تعظيم منه له في العادات. ثم سموا أيضًا قراءته صلاة، إذا كان المراد منه عامة في الصلاة من قيام وانحناء وسجود وقعود وقراءة وتسبيح وثناء على الله ، تعظيم الرب فاتبعوا عامة الأقوال، والأفعال الانحناء، وسموها باسمه، فسموا كل دعاء صلاة إذا كان الدعاء تعظيمًا للمدعو بالرغبة إليه والثناء بين له تعظيمًا بابتغاء ما ينبغي له من فضل الله تعالى وجميل نظره. وقيل: الصلاة لله والأذكار التي يراد بها تعظيم المذكور والاعتراف له بجلال العبودية

стр. 665

وعلو الرتبة كلها لله، أي هو مستحقها لا يليق بأحد سواه. فإن قلت: اللهم صلي على محمد، فإنما يراد به اللهم عظم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإيتاء شريعته. وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجراء أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كلمة النبيين في اليوم المشهود. وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها للنبي ﷺ واحد من أمته، فاستجيب دعاؤه فيه، إن يراد النبي ﷺ بذلك الدعاء في كل شيء مما سميناه رتبة ودرجة، فلهذا كانت الصلاة عليه مما يقصد به قضاء حقه ويتقرب بإكبارها إلى الله فيدل على أن قولنا: اللهم صلي على محمد صلاة منا عليه إنا لا نملك اتصال ما يعظم به أمره، ويعلو به قدره إليه. وإنما ذلك على الله تعالى، فيصح إن صلاتنا عليه الدعاء له بذلك، وابتغاؤه من الله ، ويبين بذلك أن الله قال لنبيه ﷺ :﴾ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلواتك ﴿. فجاءه ابن أبي أو في بصدقة قال: اللهم صلي على ابن أبي أوفى فكانت عليه دعاؤه به أن يصلي عليه إن كان ذلك أكثر مما ملكه والله أعلم. وقد تكون الصلاة على رسول الله وجه آخر وهو أن يقال: الصلاة على رسول الله كما يقال: والسلام على فلان، وقد قال الله :﴾ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ﴿ويقال: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، فإذا جاز هذا، جاز أن يقال: الصلاة على رسول الله أي الصلاة من الله عليه، والله أعلم. ووجه هذا أن التمني على الله سؤال، ألا ترى أنه يقال: غفر الله لك ورحمك الله، فيقوم ذلك مقام: اللهم اغفر له واللهم ارحم، ويقال للمريض وهب الله لك العافية، وشفاك الله، فيقوم ذلك مقام اللهم اشفه، اللهم هب له العافية، وكذلك الصلاة على فلان، وصلى الله على فلان، تقوم مقام: اللهم صلي عليه، والله أعلم. وأما التسليم، فهو أن يقال: السلام على النبي والسلام عليك أيها النبي، والسلام عليك يا رسول، وفي الصلاة أن يقال: سلم عليك أيها النبي، لا يعني ذلك عن تحديد الصلاة عليه بعد التشهد، ولو أخر السلام إلى وقت الصلاة، فقال: اللهم صلي على محمد

стр. 666

ولا يعني ذلك عن السلام عليه في التشهد، ووقني السلام عليك، اسم السلام عليك، والسلام من أسماء الله، فكان يقال: اسم الله عليك، وتأويله لا خلوت من الخيرات والبركات، وسلمت من المكاره والمذام، إذ كان اسم الله تعالى إنما يذكر على الأعمال توقعًا لاجتماع معاني الخيرات والبركات فيه، وابتغاء عوارض الملك، والفساد عنه. ووجه آخر، وهو أن يكون معناه: لكن قضى الله عليك السلام، وهو السلامة، كالمقام والمقامة، والملام والملامة والمكانة، والمذام والمذامة، أي سلمك الله من المذام والنقائص. وإنما قيل هذا السلام عليك، ولم يقل: السلام لك، لأن المعنى قضى الله بهذا، وقضى تعالى، إنما يتقدم في العبد من قبل الملك والسلطان الذي له عليه، فكان قولهم: قضى الله عليك بالسلامة أشبه من أن يقال، قضى الله لك بها، وإن كان ذلك ناقصًا لو قيل جايز والله أعلم. فإذا قلنا: اللهم سلم على محمد، فإنما نريد: اللهم أثبت لمحمد في دعوته وأمته تكابرًا وذكره ارتفاعًا، ولا يعارضه ما يؤخر له أمرًا بوجه من الوجه والله أعلم. وأما الترحم، فقل ما جاءتا بيانه في الحديث، وهو ارحم محمدًا أو ترحم على محمد، والرحمة تجمع معنيين: أحدهما إزاحة العلة، والآخر: الإبانة بالعمل. وهو في الجملة غير الصلاة، ألا ترى أن الله قال:﴾ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ﴿ففصل بينهما. وجاء عن عمر ﵁: ما دل على انفصالهما عنده، وهو قوله: ونعم العبد لا ونعمت الصلاة، فعين بالعبد، لأن الصلاة والرحمة بالعلاوة﴾ وأولئك هم المهتدون ﴿وقيل في تفسير قوله:﴾ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ﴿، أنها كشف الكربة وقضاء الحاجة. وقوله :﴾ وأولئك هم المهتدون ﴿. يريد وأولئك هم المصيبون طريق الحق دون من خالفهم، فجزع عن المفقود وبالسخط المعبود. وهذا الذي فسرت الرحمة به من أنها كشف الكربة وقضاء الحاجة لأن الكرب إذا استولى

стр. 667

على النفس قد يعجز عن كثير من الأعمال لأنه يدخل وينس، كما أن فراغ القلب يغفل خلاف ذلك والله أعلم. وأما المباركة فإنها فعل الله تعالى، وإنما يكون منا لتبريك، وهو أن يقول: اللهم بارك على محمد. واصل البركة الدوام. وهو من يبرك البعير إذا نهج في موضع يلزمه، وقد يوضع موضع النماء والزيادة، وأصلها ما ذكرنا، لأن تزايد الشيء يوجب دوامه. فإن الماء إ ذا انصب إلى واد وتتابعت بعد ذلك إمداده، قيل: قد دام. وقد قال الله : فيما وصف به الجنة:﴾ أكلها دائم ﴿وإنما أراد سابغ لا تنقطع إمداده. وقد يوضع أيضًا موضع اليمن، ولا ذلك يخالف الأصل الذي ذكرنا، لأن البركة إذا أريد بها الدوام، فإنما يستعمل ذلك فيما يراد ويرغب في ثنائه، لا فيما يكره ويستعجل بثنائه. ألا ترى أنهم يقولون: فلان مبارك في عمله وماله وولده، إذا كان ما كثر له من ذلك باقيًا عنده، ولا يقولون: فلان مبارك في جهله وضره إذا كان ما عرض له ذلك لا يزايله، فلا ينكر على هذا أن يقال للميمون مبارك، بمعنى أنه محبوب ومرغوب فيه والله أعلم. فإذا قلنا بارك على محمد، فالمعنى اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته وكثر أتباعه وأشياعه، وعرف لقيه من يمنه وسعادته، أن يسبغه فيهم ويدخلهم جناتك ويحلهم دار رضوانك، فيجمع التبريك عليه والدوام والزيادة والسعادة وبالله التوفيق. فصل إن سأل سائل: عن آل رسول الله ﷺ ، من هم؟ قيل له: آله قرابته الذين أوجب لهم خمس الخمس، وحرمت عليهم الصدقات المفروضات فإن سأل سائل: عن الدليل على ذلك، قيل له: روينا إن فتيانًا من بني الحارث بن عبد المطلب أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا استعملنا على الصدقات نصيب ما تصيب الناس، فقال رسول الله ﷺ : (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، ولكن انظروا إذا أخذت بخلقه الجنة، هل أوثر عليكم غيركم). وفي حديث قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 668

بتمر من تمر الصدقة فأمر فيه بأمره، ثم قام فحمل الحسين على عاتقه، فسال عليه من لعابه، فنظر فإذا يلوك تمرة من تمر الصدقة، فحرك شدقه وقال: كخ، ألقها يا بني، أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة). ومعلوم أن صدقات المسلمين موضوعة فيهم غير مخرجة إلى غير أهل دينهم، فبان أنه أراد بالآل قرابته الخاصة. وروى أن النبي ﷺ : (كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فذبح أحداهما عن أمته من شهد منهم التوحيد وشهد له بالبلاغة. وذبح الآخر عن محمد وآل محمد). فثبت بهذا أن اسم الآل للقرابة خاصة، لا لعامة المؤمنين. ودل على هذا أنه لما أخبر أن الصداقة لا تحل لآل محمد ولا لأهل بيته، وإنما هو لفقراء المؤمنين وفي سبيل الله، ويبين ما قلنا أيضًا أن الآل عند أهل اللغة هو الأهل، وأصله آل بهم بين، ثم قد تقلب الثانية منهما ألفا، وقد تقلب هاء، وقد فضل الله تعالى بين أهل نوح ﵇ والمؤمنين به، فقال:﴾ فإذا جاء أمرنا وفار التنور، فاسلك فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ﴿ومن آمن. فجعل المحملين في السفينة بدت قرين الأزواج التي أمره بها من أصناف الحيوان وأهله، والذين آمنوا به. فثبت أن الأهل أخص من الأتباع، وإذا ظهر ذلك ثبت أن الآل أيضًا هم الخاصة من أهل النبيين دون عامة المؤمنين. وقد قال الله في قصة لوط ﵇:﴾ إلا آل لوط نجيناهم بسحر ﴿. وقال في موضع آخر:﴾ فأنجيناه وأهله إلا امرأته ﴿فسمى المحبين مرة أهلاً ومرة آلاً، فثبت أنهما في المعنى واحد والله أعلم. وقال الله :﴾ إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على

стр. 669

العالمين﴾، ولم يرد إلا أهل البيت. ثم فسر فقال:﴾ ذرية بعضها من بعض ﴿. وقال حكاية عن يعقوب ﵇ أنه قال ليوسف صلوات الله عليه:﴾ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ﴿. وإنما أراد بآل يعقوب أهل نسبه لا عامة أهل دينه، فقال :﴾ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا ﴿. وأراد به نسله والراجعين بأنسابهم لا عامة المؤمنين به. وكانت العرب تقول: (قريش آل الله) أي خاصته من حيث أنهم سكان حرمه. وقد يدعي الواحد نفسه لأنه أخص من نفسه، وذلك يشير أن اسم الآل موضوع للخصوص دون العموم. قال الله :﴾ وبقية مما ترك موسى وآل هارون ﴿فقيل: ما ترك موسى وهارون؟ وقال النبي ﷺ لأبي أوفى لما جاءه بصدقه: (اللهم صلي على آل أبي أوفى)، ويريد بذلك إياه نفسه. وروي أن النبي ﷺ سمع أبا موسى الأشعري يقرأ، فقال: (لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود) وإنما أراد داود نفسه، فإنه كان الموصوف بحسن الصوت، واجتماع الناس والطير والوحوش على صوته إذا قرأ الزبور، لا أحد سواه. وقال عبد الله بن مسعود: إذا وقفت في آل حم، وقعت في روضات فيهن، وإنما أراد بآل حم، سورة حم. فإذا ظهر أن اسم الآل للخصوص، حتى يدعي الواحد إلى نفسه، ظهر أن آل كل واحد، فهو ينزل منزلة نفسه، لاختلاط الأبدان وامشاحها، وهم القرابات والله أعلم. وأما الأزواج فإن اسم الأهل أغلب عليهن، فيقال لأزواج النبي ﷺ أهله، وكذلك أزواج غيره، فمن أهل لأزواجهن، ولذلك يقال تأهل الرجل إذا تزوج، ويقال: بنى

стр. 670

على أهله، إذا زفت امرأته إلى بيته، وقد قال الله :﴾ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا ﴿أي إلى التي قضى أن تكون أهله وهي زوجه، وقد يستعمل اسم الأهل للولد كما قال نوح ﵇:﴾ إن ابني من أهلي ﴿. وقال النبي ﷺ لفاطمة: (أنت أول أهلي لحوقًا بي). وسأله العباس وعلي ﵄: أي أهلك أحب إليك؟ قال: (أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد، ويدعى سيد الأمة أهلها). قال الله في الإماء:﴾ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴿يعني بإذن سادتهن. فكذلك يجوز أن يعار الأزواج اسم الآل، وخصوصًا أزواج النبي ﷺ ، لأن اتصالهن به غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد وفاته فالسبب الذي لهن قائم مقام السبب. ويجوز أن يسمين لذلك آله، إلا أن هذا تشبيه، وتشبيه أهل النسب به تحقيق. وكذلك الموالي المعتقون يجوز أن يدعو آلا للذين أعتقهم، لأن الولاء الذي له عليهم قائم مقام التسبب لا يحتمل القطع ولا الفصل والله أعلم. ومما جاء في تسمية الأزواج آلا، ما روي في الأخبار، قالت عائشة ﵂: ما شع آل محمد مذ قدموا المدينة ثلاثة أيام متتابعة من طعام حتى قبض، وإنما أرادت بذلك الأزواج، يدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما أشبع النبي ﷺ أهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا" فعلمنا بهذا أن أزواجه اللائي كان عليه إشباعهن لأمر لم يكن يلزمه نفعته من قرابته. ومما جاء في المولى ما روى عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ دعا لأهله، فذكر عليًا وفاطمة وغيرهما، قال ثوبان، قلت: (يا نبي الله أمن أهل البيت أنا؟ فسكت. ثم قلت: يا نبي الله أمن أهل البيت أنا؟ فقال في الثالثة: ما لم يقم على باب سيده، أو يأتي
следующие страницы →