Полный текст (1 512 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
قال الحسن: فكتمنها للحسين زمانًا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسألته عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئًا.
قال الحسن: سألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ ، قال: كان دخوله ماذونًا له، فكان إذا أوتى منزلة جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى وجزء لأهله وجزء لنفسه. ثم جزا جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالحياضة ولا يدخر عنهم شيئا، فكان جزء سيرته في جزء الأمة اثبارًا أهل بأذنه. وقسمه على قدر تفضلهم في الدين. فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحوائج فيشاغل لهم ويشغلهم فما أصلحهم والأمة من مسألتهم عنهم، وأخبارهم بالذي ينبغي لهم. ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب. وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من يستطيع إبلاغها إياه، ثبت الله قدميه، يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادًا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أذلة.
قال: فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا بما يعنيه، ويؤلفهم ولا يفرقهم، أو قال: ولا يقربهم يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليه، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد شره، ولا خلقه ويتفقد أصحابه ويحسنى الحسن ويقويه، ويقبح القبح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفلى مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عباد، لا يقصو عن الخلق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده، أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر لا يوطن الأباكر وينهى عن أبطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحتسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المتصرف. ومن سأله عن حاجة لم يرده غلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منهم بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا
стр. 597
عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤتى فيه الحرم، ولا ينبي فلياته، وقيل لا يثنى متفاضلون فيه بالتقوى، ويحفظون القريب متواضعين، يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون الحاجة.
قلت: كيف كانت سيرته في جلساته؟ قال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب. ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا غياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى. ولا يوس منه ولا يحب فيه. قد نزل نفسه من المراء والإكبار ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث، كان لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أوليهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون.
ويصير للقريب على الجفوة في منطقة ومسألته، حتى أن كان يستجلبونهم. ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه ولا يقبل إنشاء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجور فيقطعه بنهي أو قيام.
قال فسألته: كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوت النبي ﷺ على أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكير. فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس. وأما تفكيره ففيما يبقى ويغنى وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره وجمع له في الحذر في أربعة أخذه بالحسن ليقتدي به. وتركه القبح بسلها عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة.
ومنها ما يروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لم يكن بالطويل البائن ولا بالمشذب الذاهب، ولا القصير المتردد، وكان ينسب إلى الرفعة إذا مشي، ولم يكن على ذلك يماشيه أحد من الناس. بسبب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، وإذا فارقا نسبا إلى الطول، ونسب رسول الله ﷺ إلى الرفعة ويقول: جعل الخير كله في الربعة. وكان لونه ليس باهق ولا بأدم وكان أزهر اللون، وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، أطيب من المسك الأدفر. وكان
стр. 598
أول من سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصي الخيل، ثم جاءه جبريل صلوات الله عليه بالفرق ففرق، وكان أحسن الناس قضاء وأنورهم لونًا لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. وقال بعضهم: رأيت النبي ﷺ ليلة أصحبان، وهو في حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فهو كان أدنى في عيني من القمر.
وقال ﷺ : (إني أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي خليل الرحمن أشبه الناس به خلقًا وخلقًا) وقال بعضهم: كان أقنى العرنين، له نور يعلوه بجبينه، من لم يتأمله أثم، وكان كفه كأنه كف عطار مس طيبًا، أو لم يمسه بمصافحة المصافح فيظل يوم يجد ريحها أو يضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه وكان بين القوم إذا سارع إلى خير أو مشى إليه، ويسوقهم إذا لم يسارع إلى شيء. وكان واسع الظهر، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو مما يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصفرة، حولها شعرات متواليات، كأنها من عرق فرس. ومنهم من قال: كانت شامة النبوة بأسفل كتفه خضراء منحفوة في اللحم قليلاً، وكان إذا طلع جبينه من بين السفر أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس، رأو جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألأ.
تفسير ما عسى يشكل من ألفاظ هذه الأخبار:
قوله: فخمًا مفخمًا، أي ممتلئ الوجه جميلاً مهيبًا. والمربوع: بين الطويل والقصير. والمشذب: المفرط في الطول. رجل الشعر: أي ليس بالسبط الذي لا يكثر فيه. والقطط: الشديد الجعوده. والعقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المظفور. والرجع في الحاجب: أي يكون فيه تقوس مع طول في أطرافها، وهو السبوع. والقرن: اتصال الحاجبين، فإذا كانت بينهما فرجة فذاك البلح، والعرب تستحبه بينهما عرق يدره القصب، أقنى الأنف أي علوه، والقنا في الأنف: أي يكون مستويًا لا تعوج في نصبته. والشمم: الارتفاع. وقوله: كث اللحية، أي كثيفة من غير عظم ولا طول. ضليع الفم: يعني حد الشفتين. الأشنب: الذي في لسانه دقة وتجرد. والفلج: مفرق الأسنان. والمسربة: الشعر الذي من اللبة إلى السرة. جيد دمية. الجيد العنق، والدمية. الصورة. ضخم الكراديس.
стр. 599
قيل عظم الألواح. وقيل رؤوس العظام والزندان العظيمان اللذان في الساعدين، المتصلان بالكفين. سبط العصب. أي ممتد، كل عظم فيه مخ، كالسلقين والعضدين والفراعين. شتن الكفين والقدمين. أي فيها بعض الغلظ. والأخمص من القدم. ما بين صدرها وعقبها وهو الذي يلصق بالأرض في الوطئ. وقوله خمصات الأخمص. يعني دقيق بطن القدمين فيه تجاف عن الأرض. فسيح القدمين. متساويان، ليس في ظهورها تكسر، فالماء ينبو عنهما كذلك إذا خطا بها أي تمايل. وذريع المشية واسع الخطى، كأنما ينحط في صبب، أي مقبل على ما بين يديه. لا يرفع بصره إلى السماء. وكذلك يكون المنحط قد فسره، فقال: خافض البصر. نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء. قوله: إذا التفت التفت جميعًا. يريد لا يلوي عنقه دون جسده، فعل أهل الخفة والطيش. والدمث: اللين السهل. وقوله: اعرض وأشاح، يعني جد وبالغ يغتر عن مثل حب الغمام: أي يكسر ضاحكًا من غير قهقهة. وحب الغمام: البرد. يدخلون رواد: أي طالبين واحدهم رائد. ويخرجون أدلة. قيل الخبر. فكان المعنى: يدخلون متعلمين ويخرجون أئمة بكل حال عنده عباد: أي شيء أعده له. لا يوطن الأماكن: أي لا يجعل شيئًا منها، وطيئًا لنفسه بل يجلس حيث تيسر له الجلوس فيه. وقوله: لا تؤثر فيه الحرم. أي لا توصف فيه النساء إلا بشيء قليل أي لا يتحدث بالسقطات. والأمهر: الأبيض الذي يضرب بياضه إلى الشهية. والأزهر: الأبيض الناصع البياض الذي لا تشوبه حمرة ولا صفرة. قال صاحب هذا التفسير: فأما ما روى أنه كان أبيض مشرب حمرة، فإنما أريد به واضحًا منها الشمس والرياح، وما عدا ذلك فإنما كان أزهر، والذي تدل الأخبار عليه أنه لم يبعث بالأزهر لنصوع بياضه، لكن لإشراقه، كما قيل للزهرة التي هي أحد الكواكب السبغة زهرة لأنه ليس في أمثالها أشد إشراقًا منها في مناظر الناس. وقد كتبنا في جملة صفاته أن جبينه كان يكون كالسراج المتوقد وأنه على أنفه نور يعلوه فيحسبه لذلك متى يتأمله أشم، فإنما قيل له أزهر عن هذا الوجه والله أعلم.
وكانت عيناه نجلاوين، والنجلاء: الواسعة الحسنة. والدعج: شدة سواد الحدقة. وجاء أنه كان في عينيه تموج من حمرة، وأهدب الأشقار: كثيرها وطويلها. سهل الخدين صلتهما: أي أسيل مسنون. أي لا يفوق بعض لحمه لحمًا. وليس بالطويل الوجه ولا المكلثم
стр. 600
أو كانت لبكاء بارزتين. أي ما حول العنفقة من جانبيها، لم يكن فيه شعر، بل كان في بياض اللؤلؤة. كان عريض الصدر ممسوحه كالمرايا في شدتها واستوائها لا يعدو بعض لحمه بعضًا. وكان قليل الكند وهو مجتمع الكتفين والظهر. ومن قال: كان طويه مسربه الظهر، أراد بها القضاء، والذي في الظهر من أوله إلى آخره.
وفي حديث الهجرة. خرج رسول الله ﷺ ، ليله هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ومولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط. فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، فسألوا تمرًا أو لحمًا ليشتروه، فقالت: لو كان لم نعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر خيمتها فقال: (هذه الشاة يا أم معبد. فقالت: شاة خلفهما الجهد عن الغنم. فقال هل بها لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك؟ قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت نعم. بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة، فمسح ضرعها، وذكر اسم الله وقال: اللهم بارك لها في شاتها. فتفاحت وأدرت وأحبرت، فدعا بإناء لها بربص الرهط، فحلب فيها نجاء فسقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا وشرب آخرهم، وقال بباقي القوم آخرهم شربًا فشربوا جميعًا، ثم قعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيًا، فغادره عذبًا، ثم ارتحلوا عنها فقفل. ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا حبلاً عجافًا، شاؤك هزلى فيجهر قليل، لا بقي لهن. فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبه، ولا حلوب في البيت. فقالت: والله ألا أخه مر بنا رجل مبارك وكان من حديثه كيت وكيت. قال إني والله لأراه صاحب قريش الذي يطلب. صفيه لي يا أم معبد؟ قالت رأيت رجلاً ظاهر الوضأة ملح الوجه حسن الخلق، لم تعيه نحله ولم ير بربه صلعه وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته ضحل، أحور أكحل أزج أقرن، رجل شديد سواد الشعر، في عنقه سطح، وفي لحيته كثافة، إذا صمت يعلوه الوقار وإذا تكلم سماه البهاء، كان منطقه جهرات نظم يتجرون، جلو المنطق، فصل لا نزر ولا هدر، أجهد الناس وأجملهم من بعيد وأجلاهم وأحسنهم من قريب. ربعة لا تساوه عين من طول، ولا يفتحه من قصر غصن من غصنين، فهو من أنصر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا له رفقا يحفون به. إن قال اجتمعوا لقوله: وإن أمر تبادروا إلى أمره، ولو كب وافقته لالتمست أن أصحبه ولا فعلته إن وجدت سبيلاً إلى ذلك.
стр. 601
التفسير. كسر الجمجمة: مؤخرها. ففاحت: فزحت بدخلها مجي. يعني سبيلاً. أراضوا: شربوا من لبن مصبوب فوق لبن يشارك بشين. مسينا: ضعيفا. والحل: جمع حائل خلاف الحامل. الوجأة: الجمال المشلح. المين. التحلة. عظيم البطن. الصلعة: بصغر الرأس. الوسيم: القسيم، الجميل. الدعج: سواد الحدقة. الوطف: طويل الأشعار. الصهل: يشبه القبح لا الشديد لكن قدر ما استحسن. السطع: الطول. الازح: المنقوش الحاجبين. والاقرن: الملتقي حاجباه ولم يسمع ذلك في صفة الرسول إلا في هذا الحديث. الهذر: الكثير. ولا يقتحمه عزيز قصير: أي لا تزدريه قلبه، ولكن يفعله المحقود المجذوم والمحسود المحفوف. حشده أصحابه: أطافوا به.
ذكر ما تدل عليه الصفات التي تقدم ذكرها من الأخلاق والشمائل عند أهل الفراسة:
روى عن عبد الله بن سلام أنه لما قدم رسول الله ﷺ وكنت فيمن جاء، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وقد قال بعض الصالحين:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخير
أما اللون: فقد قيل أنه كان أبيض وقيل أزهر، وقيل أبيض مشرب حمرة. وقالوا: البياض الناصع يدل على سكون الطبع، وهذا موافق لما وصف الله به رسوله ﵇ من اللين والدمائة في قوله:﴾ فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴿.
قالوا: البياض المشرب حمرة، يدل على اعتدال المزاج، ومعلوم أن المزاج إذا اعتدل لم يكن الخلق منه إلا حسنًا كريمًا. وقد قلنا أن الأزهر هو المشرق، والإشراق لا يكون من شيء يذهب البياض. ألا ترى أن الفجر يطلع أول ما يطلع أبيض، فإذا أذنت الشمس من الطلوع أشرق. فيقرب إذا معنى الأزهر من معنى الأبيض المشرب حمرة. إلا أن الإشراق الزائد على أن المعهود كان له ﵇ من أعلام النبوة.
стр. 602
وقالوا من علامات الفهم الدقيقة الطبع أن يكون بين الأبيض والأحمر، ويكون للونه رونق وبرق.
وأما القامة. فقد قالوا أن الاعتدال فيها أن يكون بين الطول والقصر هو من علامات الفهم الرقيق الطبع. وقالوا: أن العين إذا كانت متشربة من السهلة ما يكسر سوادها، كانت أبهر العيون وأقربها من الذكاء والوفاء وحسن الأمانة. وهذه صفة عين المصطفي ﷺ لأنا روينا أنه كان يمازج الدعج منه خمرة. وقالوا إذا ضيقت العين وحسن ناظرها، ولم يكن رحبًا ولا ضيقًا، فإن ذلك دليل على عقل وصلاح.
وأما الشعر. فإنهم قالوا إذا كان بين السبط والجعد، دل ذلك على الفهم ودقة الطبع. وكذلك ميل الجبهة إلى السعة دليل الفهم والعلم. كما أن مثيلها إلى الضيق دليل على سوء الفهم وقلة العلم. وأما الأنف فإنهم قالوا ارتفاع القصبة واستواء الأنف بالجبهة دليل على الفهم وحسن العقل. وهكذا كان أنفه ﷺ أقنى الأنف، إلا أنه كان عليه نور يحسبه لأجله من لم يتأمله أشم.
وأما الحاجبان. فإنه يقال فيهما أن القرن دليل على ضيق الخلق، وأن البلج دليل على سعة الخلق، والأخبار كلها سوى خبر أم معبد - ناطقة بأن المصطفي ﷺ كان أبلج، ويجوز أن يكون البلج يخفى عن الناظر من بعد ولا يدركه، لاسيما أن كان يسيرًا، أو من القرن قريبًا، وأكثر صفاته ﷺ أنه مائل إلى الاعتدال كشعره وقامته. فلعل حاجبيه كانا بين القرن والبلج. وقالوا: من كان واسع الفم، فهو فم شجاع، وقالوا: اعتدال الفم دليل على الفهم والعقل والحياء، وجاء أن النبي ﷺ كان ضلع الفم، فإذا كان الضلع الكبير فهو الواسع الذي هو القول عليه. وإذا كان الضليع التام ليس إلى العظيم أقرب منه إلى الصغير، فهو الذي حكينا قولهم فيه، وقد فسرنا هذا اللفظ بالمعنيين جميعًا.
وأما الرأس. فقد قالوا أن أعظم الرأس واستواءه ما لم يفرط دليل على ارتفاع الهمة وحسن الفهم.
стр. 603
وأما الصدر والأكتاف، فإنهم قالوا: استواء الصدر واتساع جوفه يدل على حسن العقل وكثرة العلم. وأما ضخامة الكراديس وهي ضخامة عظم المنكبين والمرفقين والركبتين والكتف فإنهم قالوا: عن ذلك دليل الشدة والقوة.
وأما طول اليدين. فإنهم قالوا أنه يدل على حسن السيرة وقلة السوء وملء النفس وعظم الهمة. وقالوا: طول العضد يدل على بعد الهمة. وقالوا: كثرة لحم العضد والساعد يدل على سوء الحفظ وبطئ التعلم.
والنبي ﷺ يجل عن كل وصف مسترذل ما كان، فلا يحل ذكره به ولا إطلاق عليه. فإن ذهب وهم وأهم إلى تحقيق هاتين الصفتين له ﵇ لما خاطبه الله تعالى من قوله:﴾ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدني علمًا ﴿وقوله:﴾ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ﴿قلنا إن كان لضنه بالقرآن وإشفاقه عليه من أن ينساه يتلقى الوحي باستعجال، فيحرك به لسانه ويعيده قبل أن ينقضي على نفسه، فآمنه الله تعالى مما كان يخافه، ونهاه عن العجلة، وأمره أن يدعوه، فيقول:﴾ رب زدني علمًا ﴿فلا يقول: أنه كان يسيء الحفظ ويبطئ التعلم. والذين قالوا هذا لم يعنوا به نبينا، وإنما قالوا ذلك على الجملة.
وجاء في الحديث استواء البطن والصدر مع انتصاب القامة وقوة المفاصل والأصابع علامات الشجاعة. وقالوا أيضًا: لطافة البطن تدل على جودة العقل. وقالوا: استواء الظهر من أعلام الخير والصلاح. وقالوا إذا رأيت الرجل مستوى القامة مشربًا حمرة. رجل الشعر عتل الالواح، ضعيف شعر الجسد العقبين وسعها سبط رحب الصدر، حسن الجبهة، ليس باللحم ولا الضعيف، في عينه شهلة خفيفة مشفر الوجه تبين فيه البشر فلا شك في عقله وفهمه أنه من أهل الحكمة والصلاح. وهذا الذي أجمله هذا القائل قد سبق ذكره مفصلاً فيما بعث به النبي ﷺ ، لأنا ذكرنا في اللواء واستواء القامة، وصفة الشعر، وضخامة الألواح، وأنه كان موصول ما بين اللبة والسرة شعر كالخط وكان عادي الثديين
стр. 604
والبطن، والفه شثن الكفين والقدمين، XXX الاخمصين، وفي هذا تخصيص العقبين بالكبر والقوة. وأنه كان سبط العصب وهو كل عظم فيه مخ، وأنه كان عريض الصدر أجلس الجبين، وأنه كان في سواد عينيه مزاج من حمرة، وذلك هو الشهلة. وفي بعض الأخبار أنه كان أسعر العينين، فيقال: السحرة أن يكون سواد العين مشربا بحمرة وأنه كان وضيء الوجه وهذه هي الصفات التي ذكر للقائل أنها صفة الصلاح والعقل والحكمة وبالله التوفيق.
وأما الشامة التي رويت أنها شامة النبوة، فقد يحتمل أنها كانت شامة لم تعهد في بدن أحد غير نبي، وإنما كان مثلها فيما خلا لنبي. وقد تكلموا في الشامات وقالوا: من كانت على ظهره شامة سوداء فإنه يكون كثير العناء ويلقى الشدة. وقالوا: إن كان عليها شعر نابت أصاب أهل بيته منه مكروه، ولا يطول عمره، ويكون موته من قبل السموم، فهذا الحكم حكموه به في الجملة وقد كان رسول الله ﷺ . كثير العناء ولاقى من الشدائد ما لا يخفى وأصاب بني هاشم لأجله من جفاء مشركي قريش ما قد عرف، وقتل من قتل من قراباته في دفعهم عنه، وذلك كله في العاجل مكروه لقضية الطبع والحيلة، وإن كان الله تعالى يأمرهم عليه. قال :﴾ كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم ﴿فإذا القتال مكروهًا لهم فلا يكون نفسه مكروهًا.
وأما الموت فمن قبل السم، فقد روى أن رسول الله ﷺ قال: (ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع ابهري) وهذا ما وجدنا من قبل المتقدمين في صفات رسول الله ﷺ . وقد قال الله ﵎ لنبيه ﷺ :﴾ وإنك لعلى خلق عظيم ﴿أي عظيم القدر، لا يكون مثله إلا للأنبياء. والأغلب أن الخلق توصف بالكريم دون
стр. 605
العظيم، لكن الوصف بالكريم يراد به الثناء على صاحبه بالسماحة والديانة. ولم يكن خلق رسول الله ﷺ مقصورًا على هذا، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بأولياء الله أجمعين، غليظًا على الكافرين شديدًا على المخالفين. لا يغضب لنفسه ولكن يغضب لربه أشد الغضب حتى ينتقم له. وكان مهيبًا في صدور الأعداء منصورًا بالرعب ينهزم العدو منه مسيرة شهر فرقا منه. فلم يكن من حقه أن يقتصر في وصف خلقه على الكريم بل كان الوصف العظيم أولى به ليدخل فيه الأنعام والانتقام معا، والغلظ والشدة جميعا، ويعلم أنه لم يكن يتصرف راجي خير منه بيأس ولا يسلم له عدو من بأس.
وقال سعد بن هشام: قلت لعائشة ﵂، أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى. قالت: أنه كان خلق رسول الله ﷺ .
قال بعض العلماء: المعنى شاهدًا أن خلقه كان ما أمر الله تعالى في القرآن من الاجتهاد في طاعته والخضوع له والانقياد لأمره والتشدد على أعدائه، والتواضع لأوليائه ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم والحرص على نجاتهم، الاحتمال لأذاهم والقيام على مصالحهم وإرشادهم إلى ما يجمع خير الدارين لهم، والحلم على جهالهم وخفض الجناح لهم، والتعفف عن أموالهم. لم يتغير في حال من الأحوال، ولا زمن من الأزمان عن ذلك، ولم يؤخذ خلق محمود إلا وهو أول الناس حظا منه، ولا خلق مذموم إلا وهو وهو أبعد الناس عنه.
وفي بعض الروايات أن عائشة ﵂ لما قالت: كان خلقه القرآن. قرأت العشر الآيات من أول سورة المؤمن إن كان خلقه على ما ذكر في هذه السورة. وأبين من هذا أنه إذا حيل بيان خلقه على القرآن أن يقال: كان في خلافه وما جمله الله بقوله:﴾ خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين، وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ﴿. وقوله:﴾ ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴿وقوله تعالى:﴾ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ﴿وما يشبه هذه الآية ويلتحق بها من
стр. 606
معانيها. ومن رغب في الزيادة على ما أوردت في هذا الفصل من حال الرسول المصطفى ﷺ في حسن خلقه وخلقه، فلينظر فيما ألف من شمائله وفضائله ليصل بها إلى أقصى غرضه إن شاء الله.
وأما حدبه على أمته ﷺ ورأفته بهم فإن الله تعالى يبين بقوله:﴾ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴿. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لم يكن لنبي إلا كانت له دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي شفاعة).
وعنه ﷺ . (أنه ضحى بكبشين فقال في أولهما: اللهم عن محمد وآل محمد. وقال في آخرهما: اللهم عن محمد، ومن لم يضح من أمة محمد). وهذا أبلغ ما يكون من البر الشفقة.
وعنه ﷺ أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل، ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وأنه امتنع من الخروج في الليلة الثالثة من شهر رمضان لما كثر الناس وقال: (خفت أن حرص عليكم فلا ترعوا الحق برعايته، فيصيروا في استحباب الذم أسوة من قبلكم) وهذا كله رأفة ورحمة ﷺ ، وجزاه عنا أفضل جزاء، رسولاً نبيًا عن أمته، وسمى الله تعالى نبينا في كتابه﴾ سراجًا منيرًا ﴿وذلك على معنى. أخرج الناس به من ظلمات الكفر والطغيان إلى نور الهدى والبنيان كما قال :﴾ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿. وقال:﴾ وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.
стр. 607
وقد علم تعالى أنه إنما فعل ذلك كله وغيره على لسان النبي ﷺ ومما وقفه له من البلاغ وحبه وحث الناس على إتباعه وزجرهم عن مخالفته ومقاصاته الشدائد في نظم العرب عما كانوا ألفوه في الجاهلية الجهلاء عن سفك الدماء وقطع الأرحام وسلب الأعراض ونهب الأموال. وحملهم على شريعة أيسر الشرائع كلفًا، وأخفها محملاً، وأبعدها من الأصفاد والأغلال. التي هي على من تقدمهم من غير أن يسألهم على أمر من أمورهم في حال اجرًا، أو ألزمهم لنفسه مؤونة. إنما قطع الله تعالى له من مال المشركين ما قطع، ومنعه من مال المسلمين ما صنع، لئلا تكون يده ولا نفسه الشريفة محمل منه، ولا موضع ظهره.
فإذا تأمل العاقل مواقع الخيرات التي ساقها الله تعالى إلى عباده بالنبي ﷺ في الدنيا، وما هو سائقة إليهم بفضله من شفاعته لهم في الآخرة علم أنه لا حق بعد حقوق الله تعالى أوجب نم حق النبي ﷺ أنه ألزم لكل أحد من أمته من حق أبويه لم يكونا إلا سبب كونه ووجوده. والنبي ﷺ كان سبب انتفاعه بنفسه وحياته وعقله وسمعه وبصره وجميع أعضائه وجوارحه، والزمان الذي يحويه، ألا ترى أن الذين لم يرزقوا شرف الإيمان به، كيف دعوا صمًا بكمًا عميًا، وقال:﴾ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ﴿وسبب سلامة روحه وبدنه وأهله وولده وماله. فإن الناس عند استيلاء الكفر عليهم، كانوا متمازجين تمازج السباع وقوامها عن عزيز، ومن فكر بتلك لا آمن لأحد منهم على نفس ولا عرض ولا مال ولا ولد ولا أهل.
فلما رزقوا الإسلام بمجيء الرسول ﷺ ودخلوا في طاعته، نالوا الأمن ووجدوا رفاهية العيش ولذة الحياة، وسلم لكل أحد زوجه وبدنه وعرضه وماله، مما أرسله الله تعالى به نم الأمر والنهي. وشرع على لسانه من الحدود الرادعة عن الظلم والعدوان، المانعة من الفسوق والعصيان، فكانت همته ﷻ عليهم بمكانه أعظم من نعمة الوالدين اللذين لم يكونا إلا سبب الوجود، ولئن علما وأذنا وراضًا ونصرا، فبأمره ﷺ وبحب شريعته ومنهاجه، ولهذا جعل الله منزلته من أمته فوق منزلة الوالد. فقال النبي ﷺ :
стр. 608
(أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وجعل أزواجه كالأمهات لهم. وكانت بركاته على أمته أعظم من بركة رجل يأتي إلى قوم في فلاة سبعة لا يؤمن شرها ولا يهتدي إلى الخروج منها، فيرشدهم إلى طريق ويعرفهم وجوه الاحتراز من تلك السباع، ويقوم عليهم أحسن القيام حتى يأمنوا ويخرجوا منها سالمين.
ومعلوم أن من كان يمثل هذه المعونة لم ير أن حقه يقضي، وإن تنكره يؤذي، فالنبي ﷺ إنما أرسل الناس إلى ما يسلمون به في الدنيا من غوائل الشيطان وشرور أنفسهم الأمارة بالسوء في الآخرة من الخلود في النيران، فإن كان حب من يوالي ويحب يتبع مواضيع فضله ومواقع نفعه، فلا أحد ينظر النظر الذي وصفنا إلا ويحب النبي ﷺ ، أكثر من حبه لنفسه وأبيه وأمه، ويعلم أن تلك وإن بالغ فيه دون حقه وبالله التوفيق.
وأما بيانه وفصاحته فأشهر وأظهر من أن نحتاج إلى وصفه، ولو لم يكن على ذلك دلالة سوى أن الله تعالى نصبه منصب البيان لكتابه فقال:﴾ وأنزلنا إليك الذكر ﴿ليبين للناس كتابه والكشف عن معاني خطابه.
وقد جاء عنه ﷺ أنه سئل عن سحائب مرت أحقًا أم وميضًا أم يستق سقاء. فقالوا: اسق سقاء. فقال رسول الله ﷺ : (جاء الحياء، وإن القوم قالوا: ما أفصحك يا رسول الله. قال: حق لي، وإنما أنزل القرآن بلساني).
ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى ما جاء إن القرآن نزل بلغة قريش، إني كنت قرشيًا، ولغة قريش أفصح اللغات وكذلك نزل القرآن بها فحق إلى أن أكون فصيحًا وإذا تتبع ما في كتبه ومحاوراته من الألفاظ الجزلة، وجدت كثيرة، فمنها كتابه لوائل ابن حجر الخضرمي:
(من محمد رسول الله إلى الاقبال العياهلة من أهل حضرموت باقام الصلاة وإيتاء الزكاة
стр. 609
لما بالتبعوه شاة والنتمة لصاحبها، وفي السبوب الخس لا خلاط ولا وراط ولا ساق ولا شفار ومن اجتبى فقد أوتى وكل مسكر حرام) فالاقيال الملوك دون الملك الأعظم، والعباهلة المجلون، والتبعوه الأربعون من الغنم، والنتمة الشاة التي تقتن في البيت فتعلف والسبوب جمع السبب وهو العطية، والمراد به في هذا الموضع الزكاة وقوله: (لا خلاط ولا وارط) لقوله: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع). والوراط الخديعة والفتن. وقوله: (لا يعارض رب المال في السيق) وهو ما بين الفريضتين. والشغار لا يزوج بنته أو أخته الرجل على أن يزوجه الآخر بنته أو أخته، على أن كل واحد منهما صداق الآخر. ومن اجتبى فقد أوتي الأضابيع الحرب قبل أن يبدوا إصلاحه.
وله من الكتب الفصيحة ما هو موجود عند الفقهاء والكتاب، فمن أراد أن يزداد علمًا بفصاحة نبيه ﷺ وبلاغته فلينظر فيها، ولسائلها نقول أوتيت جوامع الكلم، واختصر إلى اختصارًا فيقال: أن من جوامع الكلم قوله ﷺ الذي سأله ما يدعو به (سل ربك اليقين والعافية) وذلك أنه ليس شيء مما يعمل للآخرة يتقبل إلا باليقين، وليس شيء من أمر الدنيا يهيأ صاحبة الأمر، والصحة وفراغ القلب) جمع أمر الآخرة كلها في كلمة، وجمع أمر الدنيا كله في كلمة أخرى، ومما يدل في حسن الجوامع وجادة الكلام، جوابه عن كتاب مسليمة إليه إذ كتب:
أما بعد فإني أشركت في الأمر معك، فلي نصف الأرض ولك نصفها ولكن قريشًا يعتدون. فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
ومن جوامع كلامه. (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن كافر، ولا ذو عهد في عهده).
стр. 610
فإن كان فصل من فصول هذا الحديث إذا بسط اقتضى كلامًا وشرحًا طويلاً، ومن أراد استيفاء هذا الباب، فلينظر في الكتاب المعروف بجوامع الكلم المفرد لهذه الأخبار إن شاء الله.
وأما زهده وصبره على شدائد الدنيا، فإن الله تعالى اختار ذلك له ووصاه به فقال:﴾ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ﴿. فروى عنه ﷺ : أن عمر بن الخطاب دخل عليه وفي البيت أهاب معلقة وقرظ رسول الله ﷺ نائم على حصير قد أثر في جنبه فوجد ريح الاهاب. فقال: يا رسول الله، ما هذه الريح؟ قال. (يا ابن الخطاب، هذه متاع الحي، فلما جلس رسول الله ﷺ كان الحصير أثر في جنبه فقال عمر ﵁. أما أنا فأشهد أنك رسول الله، وإنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما فيما هما فيه من الدنيا، وأنت على حصير قد أثر في جنبك! فقال رسول الله ﷺ . أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال. بلى. قال. (لنا الدنيا ولنا الآخرة). وخيره الله تعالى بين أن يكون عبدًا نبيًا وبين أن يكون ملكًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا نبيًا. وروى أنه ﷺ كان يقول. (اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين) كان ذلك تواضعًا وتذللاً لله ، وإشفاقًا على نفسه من الطغيان والاشتغال بالمال من عبادة الرحمن. وكان فراشة الذي قبض عليه محشوًا من وبر الإبل، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه وكان له فراش من أدم، حشوه ليف، ووسادة حشوها ليف. وجاء أنه ما شبع آل محمد ﷺ من خبز البر مذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعًا حتى قبضه الله . ولما أفاء الله تعالى عليه القرى القريبة كان يحبس من غلاتها لعياله قوت سنة ويصرف ما فضل إلى الكراع والسلاح عدة في سبيل الله والأخبار في هذا الباب كثيرة وهي موجودة فيما جمعه الناس في الزهد والوقوف عليها ممكن.
стр. 611
وأما براءته ﷺ في النبوة، فمنها أنه كان رسول الثقلين. وأما الأنس فإن الله قال:﴾ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا ﴿"وأمره أن يقول﴾ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴿. وأما الجن فإن الله تعالى يقول له.﴾ وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا. انصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ﴿.
وقال:﴾ قل أوحي إلى أنه اجتمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا ﴿فبان بقولهم، يا قومنا أجيبوا داعي الله أنهم عرفوا أنه مبعوث إليهم وسمعوا دعوته إياهم، والذين لم يحضروه من جملتهم، فلذلك قالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به. فقالوا: آمنا به.
فإن قيل: ما أنكرتم أنه كان مبعوثًا إلى العرب وحدهم، لقول الله :﴾ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴿فلما كان عربي اللسان، علمنا أن قومه كانوا من العرب، وذلك لا يمنع أن يكون مبعوثًا إلى غيرهم فيؤدي إليهم على لسان نبيه، ويأمرهم أن يبلغ نم وراءه.
ألا ترى أن موسى وعيسي ﵉ بعثا إلى بني إسرائيل، فلو كان من جملتهم جماعة ولدا بين ظهران العرب، وكان لسانهم لسان العرب دون العبرية والسورية لكان رسولاً إليهم. ألا ترى أن عيسى صلوات الله عليه كان رسولاً إلى الروم، والروم لم يكونوا يعرفون السورية، وعيسى ﵇ لم يكن يعرف اليونانية، وغير هذا من اللغات بالروم، والإنجيل لم يكن نزل بجميع اللغات ولا التوراة بالعبرية، والإنجيل بالسورية، وقد أوجبتم أن يكون الروم محجوجين بهما، ولسانهم غير هذين اللسانين. فإن كل واحد من موسى وعيسى مرسل إلى الروم. فلا ينكر أن يكون نبينا ﷺ مبعوثًا إلى بني إسرائيل وغيرهم
стр. 612
من أصناف الناس، وإن كان عربيًا ولا يعرف لسانه إلا العرب، وإن القوم الذين بعث فيهم النبي إذ كانوا يعرفون لسانه كان في ذلك كفاية، فإن جهل غيرهم لسانه لم يخلوا من أن يكون فيهم واحدًا وأكثر على لسان غير العرب، لأن الناس لن يزالوا متخالطين وإن تنأى ديارهم ولا يحد بعضهم من بعض بل أنهم يتلاقون ويتخالطون وإن حالت بينهم البوادي والبحار، ولا سبيل مع التخالط إلى قضي ما في نفوس من الأوطار إلا التخاطب، ولا معنى للتخاطب من غير التفاهم، فكان اغوار من يؤدي إلى الأعاجم من العرب ممتنعًا بعيدًا، ولاسيما إذا كانت الدعوة إنما يقصد بها الملوك، ثم يكون غيرهم تبعًا لهم وما من ملك إلا وقد أعد فيما أعد لنفسه من يترجم له وعنه، ما لا يفهمه من لسان غيره عنه من لسانه. وفي ذلك ما لا يدفع الاستحالة عن عموم دعوة النبي ﵇ الناس كلهم من حيث إن ما عدا العرب لا يفهمون عنه، إذ قد ثبت أن اتهامهم كان ممكنًا من الوجهين اللذين ذكرناهما، وبين أن الاستحالة إنما هي في جهل الرهط الذي يختصون بالشيء ويكون بعينه فيهم بلسانه في جهل من عداهم الذين جعلوا إتباعا وبالله التوفيق.
وأيضًا فإن الذين علمهم الله تعالى من الأولين الطب والحساب وعلم الهيئة، ولم يعلمهم ذلك ليختصوا به ويستأثروا بإدراكه دون غيرهم من عباد الله تعالى، وإنما علمهم لينتفعوا به وينفع من يحتاج إليه من الناس. ومعلوم أن أكثر الناس لم يكونوا يعرفون لغاتهم ومع ذلك تأدى ما كان عندهم إليه فعرفوه، وشملت حكم الله ونظره العباد كلهم بما علمه بعضهم من العلوم التي ذكرناها، فلا ينكر لذلك أن تشملهم رحمته وبصرهم بالمصطفي ﷺ فيكون رسولاً إليهم وينادي بما أرسل عنه إلى قومه، وإلى الذين لا علم لهم بلسانه كما فادت العلوم التي ذكرنا عن الذين علموا بها إلى غيرهم الذين لم يكونوا يعرفون لسانهم والله أعلم.
وقال قائل: إن كان الأمر على ما وصفتم، أفكان نبيكم رسولاً إلى يأجوج ومأجوج قبل كان التبليغ، أو كان رسولاً إلى إبليس ليبلغه؟
قيل له: إنه كان لا يقوم لدعي خصومه برسالته حجة أبدًا، وذلك لأنه اعترف بأنه كان رسولاً إلى الرعب، لزمه أن يبرئه وينزهه عن الكذب فإن الكذاب لا يكون نبيًا. وإذا لزمه ذلك وقد ثبت أنه ﷺ كتب إلى النجاشي وإلى هرقل وإلى كسرى يدعوهم
стр. 613
إلى الإسلام لم يمكنه أن يقول: أنه يعرض لدعوتهم من غير أن يكون رسولاً إليهم، وادعى أنه مرسل إليهم من غير أن يكون كذلك بالحقيقة لم يلزمه أن يصدقه. فإنه إن أجاز عليه الكذب انتقض إثباته أن يكون رسولاً إلى العرب وإذا أثبت رسالته إلى العرب لزمه تصديقه على عامة ما يخبر به عن الله تعالى. وإذا قال (إني رسول الله إلى الناس كلهم وإلى الجن معهم) لزم تصديقه وبالله التوفيق.
وأما تبليغ إبليس فإنه إن كان بعث قد بلغه، وإن كان لم يلقه فإنما بلغ الجن الذين لقيهم على شرط أن يبلغ شاهدهم غائبهم، كما كان كذلك يبلغ من يحضره من الناس ويقول: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب) فأي وقت بلغت يأجوج ومأجوج فيه دعوته، فقد صاروا مبلغين.
وقد أخبر الله تعالى أن السد الذي بيننا وبينهم سدل يومًا، ووردت الأخبار بأنهم يخرجون، فإذا خرجوا وراء المسلمين، وحاط بهم إمامهم يومئذ أو سلطانهم وعرفهم أن الغيث الذي هم فيه حرام لا يرض به الله تعالى، فقد بلغتهم الدعوة. ومن أنكر ما قلنا وزعم أن محمدًا ﷺ رسول على العرب خاصة، لم يمتنع أن يكون رسولاً إلى الموجودين، كانوا يومئذ، وإلى من يوجد من أولادهم، وأولاد أودلاهم، معلوم أنه لم يكن له إلى التبليغ إلى الأصحاب قبل أن يكونوا سبيل. ولكن دعوته إذا بلغتهم عند وجودهم صار في ذلك الوقت مبلغًا بتبليغ غيره عنه بإرشاده وتعليمه، فكذلك هذا في يأجوج ومأجوج وبالله التوفيق.
وأما أنه ﷺ خاتم النبيين. فإن الله تعالى يقول:﴾ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴿كان خاتم الرسل لأن كل نبي، وإن لم يكن نبي رسولاً. وقال ﷺ لعلي ﵁. (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وقال (بعثت أنا والساعة كهاتين) وقد تقدم تفسيره. فإن قيل: فإن
стр. 614
غيركم يدعي من هذا التنبيه مثل ما يدعونه لنبيكم. فإن اليهود تزعم أن موسى أخبرهم أن شريعتهم قائمة ما قامت السموات والأرضون.
قيل: إنهم إن كانوا صادقين في قولهم، فإنما أراد موسى ﵇ بما قال: التوحيد الذي أراد الله تعالى بقوله:﴾ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ﴿وإنما أراد به التوحيد، فإن الله تعالى لم يشرع خلافه ولم يرض من أخذ به وإنما شرع التوحيد وأمر به. فإن كان موسى صلوات الله عليه: يدعونه. فإنما أراد أن شريعته وهي ملته ودينه الذي هو التوحيد لا يزال هو الدين. وإن المجوسية والفرس لا يكونان دينًا أبدًا ولم يرد الشرائع التي تحتمل النسخ والتبديل، وما قال نبينا ﷺ : فإنه لا يحتمل مثل هذا التأويل، لأنه ذكر أنه لا نبي بعده، لأن شريعته تدوم. فتناول هذا التوحيد فضح أنه آخر الأنبياء كما قال وبالله التوفيق.
ويدل على أن نبينا ﷺ كان رسولاً إلى الأنس والجن، وأنه خاتم النبيين، إن الله تعالى جعل القرآن حجة له، ودلالة على نبوته، وينزل بين الجن والأنس على وصفهم على الإنسان بمثله، فدل ذلك على أن المشركين في هذا العجز مشركين في لزوم الحجة إياهم. ولا يجوز أن تكون دعوته خاصة وحجته، لأنه لو جاز أن يكون أحد من العاجزين عن الإتيان بمثل القرآن من داخل في دعوته لجاز أن يكونوا كلهم غير داخلين في دعوته، وفي هذا إبطال أن يكون العجز الذي ذكرنا حجة على أحد. وإذا كان هذا في زمانه إلى يومنا هذا هكذا، فهو إلى أن تقوم الساعة مثله لأنه لو كان بعده رسول لكانت رسالته لا تحيل وجود القرآن في قلوب الناس وفي مصاحفهم. ومعلوم أنه كان لا يكون مع القرآن إلا معجوزًا عن الإتيان بمثله، لأنه لو استطاع يومئذ أحد أن يأتي بمثله لصار قوله:﴾ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ﴿كذبًا. لأن الخلف إذا عرض فيه ظهر أنه يمكن من عند الله، ولأن الناس كلما تطاول الأيام عليهم ازدادت حظوظهم من اللسان العربي نقصانًا، وقلبه يدل على ذلك، أنهم اليوم فيه دون ما كانوا
стр. 615
قبل خمسين سنة، دون ما كانوا فيه بمائة سنة. فإذا جاء واحد منهم من الذين يأتون بعد. وقد غلب الجهل باللسان العربي، ونقصت بلاغتهم وفصاحتهم جمل القرآن كان ذلك دلالة على أن المتقدمين كانوا على ذلك أقدر، ولكنهم امتنعوا بسبب، أو قد جاءوا بمثله، ولكنه كتم ولم يعترف به. فإن كل واحد من هذين الدليلين يوجب أن تكون الدعوة من أصلها فاسدة لا منقطعة متناهية. وقيل: بل هو القول يدفعه عن الرجاء له إلى العرب، فلم يكن أن يجيز واحدًا من الأمرين اللذين ذكرتهما، فبان إن رسولاً لو جاء لم يجيء إلا عاجزًا ومن معه عن الإتيان بمثل القرآن. والإعجاز حجة النبي ﷺ ، فلم يجز بأن تكون حجته باقية ودعوته منقطعة، إذ لو جاز هذا بعد سنين لجاز في عصره وزمانه أن يكون القرآن معجزًا عن مثله، ولا يكون له مع إثباته به دلالة على دعوته، وإذا أوجب أن تكون دعوته باقية لبقاء حجته فقد بان أنه النبي ﷺ ، وإذا قال لا نبي معي أو بعدي صح أن الذي جاء مدعيًا أنه نبي مبطل في دعواه.
فإن قيل: أرأيتم لو قال من خالفكم أنه بعث بعده نبي رفع القرآن من بين الناس، فلم يكن من أحد منهم معجوز عن مثله ولا مقدور على مثله.
قيل: هذا غير جائز، لأنه لو وقع لصار الناس مضطرين إلى العلم بانتهاء دعوة القرآن وتجدد غيرها، ولا يجوز أن يكون العلم بدعوة نبي ضرورة. فصح أن رفع القرآن من الوجه الذي قاله المعترض غير ممكن والله أعلم.
وأما أن محمدًا ﷺ سيد المرسلين، فإنه روى عنه ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم) وهذا دليل قاطع في الباب.
ووجه آخر أن شرف الرسول بالرسالة. ونبينا ﷺ خص بأشرف الرسالات أنها تستحب، تقدمها من الرسالات، لا يأتي بعدها رسالة تنسخها. وإلى هذا المعنى أشار ربنا فيما وصف به كتابه إذ قال:﴾ وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من
стр. 616
بين يديه ولا من خلفه ﴿فقيل في معناه. وليس فيما تقدم به ما يكذبه ولا بعده ما يوقفه. وفي هذا ما دل على أن هذه الرسالة أفضل الرسالات، فصح أن المرسل بها أفضل الرسل.
ووجه ثالث: وهو أن أمته خير الأمم لقول الله :﴾ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴿. فدل ذلك على أن أصحابه خير الأمم.
ووجه رابع: وهو أن الله تعالى أقسم بحياته، ومعقول أن من أقسم بحياة غيره، فإنما يقسم بحياة أكرم الأحياء عليه. فلما خص الله تعالى نبينا ﵇ من بين البشر بأن أقسم بحياته فقال:﴾ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴿بأن أنه أفضلهم وأكرمهم.
فإن قيل: فقد أقسم بالتين والزيتون وطور سينين فما في هذا؟
قيل: ما من شيء أقسم به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده والله أعلم.
ووجه خامس. وهو أن الله ﵎ جمع له. بين إنزال الملك عليه وإصعاده إلى مساكن الملائكة، وبين إسماع كلامهم الملك وارائه إياه في صورته التي خلق عليها. وجمع له بين إخباره عن الجنة والنار وإطلاعه عليهما، فصار العلم واقعًا بالعالمين، ودار التكليف ودار الجزاء عيانًا. وأصل النبوة أنه الخبر والمعرفة. إما أن يكون ضرورة أو إكتسابًا، ولا شك أن درجة الضرورة فوق درجة الاكتساب. فلما أعلم الله تعالى نبينا ﷺ ما ذكرنا خبرًا، كما أعلم غير من إخوانه ﵈، زاده من علم الضرورة ما لم يؤتهم علمنا أنه أوضح في النبوة وأعلى قدمًا فيها من الذين تقدموه، وبالله التوفيق.
ووجه سادس. وهو أن من ينزل عليه الملك كرامة له إذ كان أفضل ممن لم ينزل عليه فيتجاوز مكانته إلى مقاتلة المشركين عنه حتى يظفره الله تعالى عليهم أفضل من لا يكون من الملك إلا إبلاغ الرسالة إياه، ثم الانصراف عنه، ومعلوم إن هذا لم يكن إلا لنبينا ﵇. فينبغي أن يكون لذلك أفضل الأنبياء صلوات الله عليهم.
стр. 617
فإن قيل: أرأيتم لو استدل مستدل على تقديم آدم صلوات الله عليه على الجماعة بمثل هذا الدليل فقال: إن الله أسجد ملائكته لآدم، ولم يسجدهم لغيره، وسجودهم أكبر من مقاتلتهم عمن قاتلوا عنه من وجهين.
أحدهما أن عامة الملائكة اشتركوا في السجود ولم يشتركوا في القتال يوم بدر.
والآخر أن السجود من الخضوع للمسجد له ما ليس في المقابلة مع المعاني بالقتال عنه، فوجب لهذا أن يكون أفضل الجماعة.
فالجواب -وبالله التوفيق- أن السجود لآدم إنما كان سجودًا لله عند خلقه لآدم تعظيمًا لله إذ لم يخلق قبل آدم خلقًا أجمع، فإنه جمع فيه من المعاني. الخلائق السماوية والخلائق الأرضية التي كانت قبل آدم، فقال لهم قبل أن يخلقه:﴾ إني خالق بشرًا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴿. فكان المعنى. فقعوا عند إتمامي خلقه ساجدين، كما كان معنى قوله تعالى:﴾ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ﴿أي عنده. وقوله :﴾ اسجدوا لآدم ﴿جملة وتفسيرها ما ذكرنا من قوله: أي خالق بشرًا من طين من هذا القول أمرًا لهم في ذلك الوقت بالسجود.
والدليل على صحة ما قلت ما جاء عن النبي ﷺ . (لأن ابن آدم إذا سجد أدبر الشيطان) وقال أمر ابن آدم في السجود فأطاع فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار، ومعلوم أن ابن آدم إنما أمر بالسجود لله تعالى لا لغيره، فدل ذلك على أن السجود الذي أمر به الشيطان فلم يفعله إنما كان من جنس ما أمر به ابن آدم ففعله وهو السجود لله تعالى. وإذا كان السجود الذي أمرت به الملائكة لله جل ثناؤه لكن عند خلقه آدم إعظامًا لقدرة الله التي أظهرها لهم بخلقه مؤلفًا من أضداد شيء من قلبه إياها بشرًا حيًا سميعًا بصيرًا عاقلاً ناطقًا. ومعلوم أن أولاد آدم إذا كانوا مشاركين له في أوصاف خلقه، وكانوا مع ذلك متفرعين عنه، لم يخلوا من مشاركته عن غرض
стр. 618
الملائكة الذين كان لهم في السجود لله تعالى عند خلقه، وأما قتال الملائكة مع نبينا ﷺ فإنما كان لنصرته ونصرة الدين الذي بعث به، وذلك مما لا يتعداه إلى الذين تقدموه، ومنها بجنهم. والمتأخرون عنه ليسوا مبعوثين بالدين إيمانهم، مأمورون بإتباعه، فليست منزلتهم فيه كمنزلة ولد آدم من آدم والله أعلم.
وجواب آخر وهو أن السجود من الملائكة أن كان لآدم، فقد يحتمل أن ذلك إنما كان غير حالهم على قولهم لله ثناؤه لما قال لهم:﴾ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴿.
ولئن أمرهم بالسجود له قبل أن يخبرهم إني جاعل إياه خليفة، فإذا كان أمرًا معلقًا بحال إتمامه خلق آدم، فقد يجوز أن يكون أمرهم بالسجود له إذا خلقه، لعلمه أنه يقول لهم قبل أن يتم خلقه، إني جاعل في الأرض خليفة ويحسبون بما أجابوا به. فأراد أن يكون ذلك عند فعلهم إياه عقوبة لهم بما قدموه من القول. وهذا وإن كان فيه كرامة لآدم صلوات الله عليه، فإن عرض الكرامة له فيه وليس يخلص من عرض العقوبة لهم، وإيصال عرض العقوبة بعرض الكرامة موهن عرض الكرامة إذا كان المقصود تكريمه، ثم لهذه الكرامة حتى حديث إليها داعية سوى قدره ومنزله، وهي القصد إلى معاقبة المأمورين بالسجود.
وأما قتال الملائكة مع النبي ﷺ فإنها كرامة خالصة عرضه الله تعالى فيما يفضله دلالة الأولين والآخرين على نفاسة قدره وعظم منزلته، فاستحق به التفضيل كما بينا والله أعلم.
ووجه سابع: وهو أن الأفضل من يفضله الله تعالى يوم القيامة ويكرمه بما لا يكرم به غيره، وجاء عن نبينا الصادق في أخبار الدنيا والآخرة وما كان ويكون صلوات الله عليه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع ولواء الحمد بيدي، منحته آدم ومن دونه ومن بعده من المؤمنين ولا فخر)
стр. 619
ومعنى ولا فخر، أي ولا أقوله متطاولاً ولا متمدحًا على أحد. ولم يرد أنه لا فخر له فيه، فإن له منه أعظم الفخر.
ووجه ثامن: وهو أنه في الدنيا أكثر الأنبياء صلوات الله عليهم إعلامًا ومعلوم إن أقل الأعلام إذا كان يوجب الفضيلة له، فإن كثرة الأعلام توجب كثرة الفضيلة، وكثرتها توجب لصاحبها اسم الأفضل. وقد ذكر بعض المصنفين. إن إعلام نبينا ﷺ تبلغ ألفًا، وفيها مع كثرتها معنى آخر وهو أنه ليس في شيء من أعلام المتقدمين ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في إعلام نبينا ﷺ خاصة مثل ما سنبين من إعلامه المشهورة دون ما نحتاج إلى تتبعه والتقاطه من الكتب المتفرقة أسأل الله التوفيق.
وهذا ذكرها:
أولها: القرآن المجيد المنزل من عند الوحي الحميد، وقد تقدم في الأبواب السالفة ذكره.
ومنها: (ما روى إن فاطمة ﵍ دخلت على النبي ﷺ وهي تبكي، فأخبرته إن ملأ من قريش في الحجر يتعاقدون لو رأوك ليقتلوك.
فقال: اتيني بوضوء، فتوضأ وخرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وطأطأوا رؤوسهم وسقطت أقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، فتناول النبي ﷺ قبضة من تراب مجمرتهم وقال: شاهت الوجوه، فما أصاب رجلاً منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا).
ومنها: ما أشار إليه الكتاب من قوله :﴾ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا ﴿. وروى أنه لما نزلت﴾ تبت يدا أبي لهب وتب ﴿جاءت امرأة أبي لهب إلى أبي بكر الصديق ﵁، وأبو بكر جالس مع رسول الله ﷺ ، فلما رآها أبو بكر قال: (يا رسول الله امرأة بذيئة، وأنا أخاف أن تؤذيك. قال: أنها لن تراني، وقرأ قرآنًا اعتصم به. فجاءت فقالت: يا أبا بكر، هجاني صاحبك. فقال أبو بكر وما يقول الشعر: قالت فإنك عندي مصدق وانصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما رأتك؟ قال: ما زال الملك يسترني منها بجناحه).
стр. 620
ومنها: أن يهودية أهدت رسول الله ﷺ إما شاة وإما شملة مسمومة، فلما قربته إليه وبسط القوم أيديهم قال: (أمسكوا فإن عضوًا من أعضائها يخبرني إنها مسمومة) فدعا صاحبها، وقيل جمع اليهود رؤساءهم واعترفوا وقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن نبيًا لم يضرك.
ومنها: إن النضر بن الحارث كان ممن يؤذي النبي ﷺ ، فاتبعه يومًا وقد أبعد في قضاء حاجته ليغتاله. وقال: لا أجده أخلا منه الساعة. فلما دنا منه ولى مذعورًا، فلقي أبا جهل، فقال له: من أين الآن؟ فقال: اتبعت محمدًا رجاء أن أغتاله وليس معه أحد، فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه فاتحة أفواهها، فهالني فذعرت منها ووليت راجعًا.
ومنها أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، قدما على رسول الله ﷺ متوافقين على الغدر. فقال عامر: يا محمد حاكني! فقال: لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فقال: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجلاً. وخرج من عنده فقال لاربد: أين ما كنت أوصيك به. فقال أربد: لا أبا لك، لا تعجل، فوالله ما هممت بالذي أمرتني به غلا حيل بيني وبينه، لو ضربت بالسيف ما ضربت غيرك. فترى إن كنت ضاربك لا أبالك. وقال رسول الله ﷺ لما ولى عامر: (اللهم اكفني عامر بن طفيل) فلما كان عامر ببعض الطريق أصابه الطاعون في عنقه فقتله.
ومنها: حراسة السماء من الجن عنده، وقد تقدم القول فيها.
ومنها: إن رسول الله ﷺ (شكا إلى جبريل المستهزئين، وأراه الوليد بن المغيرة، فأومأ إلى عينيه وقال: كفيته. ثم أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه وقال: كفيته. ثم أراه الحارث بن عطل السهمي، فأومأ إلى بطنه وقال: كفيته. ثم أراه العاص بن وائل السهمي، فأومأ إلى أخمصه وقال: كفيته).
стр. 621
فأما الوليد فمر برجل من خزاعة يرس سلاله، فتعلق سهم بازاره فخدش في رجله فمات. وأما الأسود بن عبد المطلب فإنه عمي، وأما ابن عبد يغوث فخرجت في رأسه قروح فمات منها.
وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه فمات منه.
وأما العاص بن وائل فدخل في أخمص رجله شوكه فقتلته.
ومنها: أن أبا جهل لعنه الله ابتاع من غريب ابلا ومطله بأثمانها، فأقبل الرجل حتى وقف على ناد من قريش، ورسول الله ﷺ جالس بناحية، فقال: من رجل يعديني أبي الحكم بن هشام، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي. فقال أهل المجلس: ترى ذلك الرجل - لرسول الله ﷺ وهم يهزأون، اذهب إليه فهو يعديك عليه. فأقبل الرجل حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فاتبعه القوم رجلاً لينظر ما ينصع. فجاءه رسول الله ﷺ ، وضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد، فاخرج إلى. فخرج وقد امتقع لونه، وقال: أعط هذا الرجل حقه، لا يبرح حتى أعطيه الذي له. فدخل، فأخرج إليه حقه فدفعه إليه. وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقص عليهم القصة فلما جاء أبو جهل قالوا: ويلك مالك؟ وماذا نبا منك الذي صنعته؟ فقال: ويحكم أما والله لو أبيت لأكلني.
ومنها: أهل مكة سألوا النبي ﷺ آية! فانشق القمر فرأوه فلقتين والحبل بينهما، وقيل في ذلك: "اقتربت الساعة وانشق القمر".
ومنها: (أن ملكين أتيا النبي ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، فأخرجا حشوته في طست من ذهب فغسله بماء زمزم، ثم ملأ جوفه حلمًا وعلمًا). وفي حديث آخر قال: (أتيت بطست من ذهب مليء حكمة وإيمانًا).
ومنها: أنه أسري إلى بيت المقدس ثم عرج به، ولما رجع وأخبرهم من الغداة استواء
стр. 622
صفوة بيت المقدس بحضرة من كان رآه وعرفه، فلم يزل يصفه لهم حتى كاد يشكل عليه بعض البعث، فمثل له حتى نظر إليه ووصفه لهم أنه رأى غيرهم في موضع كذا، ومر عليهم ليلاً فند بعض الإبل من فرسه. وإنه استسقى لهم ماء فسقوه، فشربه حتى لم يبق في الإناء شيء. وأنه كان يقدم العير جمل أو رق، فسألوه عن وقت ورودهم مكة، فقال: بعد الغد، أراه عند طلوع الشمس. فوردوا للوقت الذي ذكر يقدمهم جمل أورق. وسألوهم: هل مر عليهم راكب فندت الإبل من فرسه، فقالوا نعم. وسألوهم عن الماء فأخبروهم بمثل الذي قال لهم.
ومنها: إن النبي ﷺ ، لما خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة ومعه الصديق ﵁ تبعه سراقة بن جعثم، فدعا عليه رسول الله ﷺ فساحت قوائم فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه. وقال: يا محمد. قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي أن لا يمنن على من ورائي. فدعا له.
ومنها ما روي في هذه القصة. إن فارسًا لحق فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا فارس قد لحق، فالتفت نبي الله ﷺ ، فقال: اللهم اصرعه فصرعه فرسه فقام يجمع. فقال: يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال (قف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا) فكان أول النهار جاحدًا على رسول الله ﷺ ، وفي آخر النهار مسلحة له.
ومنها ما روى في هذه القصة أيضًا: قال عبد الله بن مسعود، وكنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط. فمر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال لي (يا غلام، هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن. فقال: هل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل اللبن فحلبه في إناء فشرب، وسقى أبا بكر، وقال للضرع: أقلص فقلص).
ومنها ما روى في هذه القصة أيضًا: إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، مروا في مهاجرتهم إلى المدينة على حمى أم معبد، وقد ذكرنا هذه القصة.
стр. 623
ومنها ما روي: أن النبي ﷺ لما دخل الغار، أمر الله العنكبوت فنسجت على مدخل الغار، وأمر حمامتين فوقعتا بفم الغار، وأقيل فتيان قريش من كل بطن رجل، حتى إذا كانوا من النبي ﷺ أربعين ذراعًا، فجعل ينظر في الغار، فرأى حمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: مالك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين بفم الغار فخلت أن ليس فيه أحد. وقال: أمنه ابن أبي بكر يعرف النبي ﷺ أن الله قد درأ عنه.
ومنها أنه قدم على النبي ﷺ اسقفا نجران: السيد والعاقب، ويقال: الطبيب والعاقب، فدعاهما إلى الإسلام، فامتنعا، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه الغداة. فغدا رسول الله ﷺ وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا أو قالا ومر عليهما يعوذ بالله، فقال: فإن أبيتم فاعطوا الجزية، فقبلوها، فجعل عليهم كل سنة ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر.
ومنها: أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقول لليهود:﴾ إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴿ثم أخبره أنهم لا يتمنوه قال:﴾ ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم ﴿فلم يتمن أحد منهم الموت ولا أطلق به لسانه، فدل ذلك على أنهم صرفوا عنه وحيل بينهم وبينه ليحق خبر الله الذي أخبر به عنه نبيه ﷺ ، إذ لو لم يصرفوا عنه لابتدروا إليه، وكان دفعهم إياه به أهون من تكلف الحروب له.
ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: بينا أعرابي في غنم له إذ عدا الذئب فأخذ بشاة منها، فأدركه فاستنقذ منه، فعانده الذئب يمشي واقعي مستقرًا بذنبه ثم استقبله وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله فأخذته مني. فصقق الإعرابي بيده وقال: والله ما رأيت كاليوم قط. فقال له الذئب: وما يعجبك، قال: والله ما يزيدني إلا عجبًا، لم لا أعجب من ذئب يخاطبني. فقال: والله إنك لترى أعجب من ذلك قال: وما أعجب من ذلك؟ قال: نبي الله في النخيلات بين الحرتين يحدث الناس قرآنًا، ما
стр. 624
قد سبق وعن ما هو كائن. فأتى الرجل وكان يهوديًا وأخبر رسول الله ﷺ بما سمع وأسلم.
ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ كان جالسًا بالمدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه وعوى. فقال رسول الله ﷺ : (هذا وفد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئًا لا تعيدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه، فما أخذ فهو رزقه. فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء! فقال: فأومأ إليه النبي ﷺ فولي وله عسلان).
وقد روى في مثل هذا، وأنه قد جاء مائة ذئب دفعة واحدة. أخبار من طرق شتى. ومنها ما روى أن النبي ﷺ مر بإعرابي قد صاد ظبية، فصاحت يا رسول الله، إن هذا قد صادني عشية أمس في سفح هذا الجبل ولي حشف صغير، فقل له يرسلني حتى أرضعه ثم أعود إليه قال: وتعودي؟ قالت: نعم، عذبني الله عذاب النار إن لم أعد. فأطلقها، فمرت تعدو. فما كان للغد، وافته على باب الخباء، والإعرابي نائم فاستيقظ. فقال هل لك فيها حاجة يا رسول الله، قال. نعم قال. خذها فاطلقها رسول الله ﷺ دخل حائطًا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ﵄ ورجال من الأنصار، وفي الحائط غنم، فسجدت له فقال أبو بكر. كنا نحن أحق بالسجود لك من هذا الغنم، قال (أنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد، ولو كان ينبغي أن يسجد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).
ومنها. ما روى عن جماعة من الأنصار جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا يا رسول الله أنه كنا لنا جمل نستسقي عليه فاستصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد يبس النخل والزرع، فقال له رسول الله ﷺ . قوموا فقاموا معه، فجاء إلى الحائط، والجمل قائم في ناحية، فجاء يمشي حتى خر ساجدًا بين يديه. فقال أصحابه. هذه يهيمة لا تعقل، ونحن نعقل، فنحن أحق بالسجود لك منه، فقال رسول الله ﷺ . (لا يصلح البشر أن تسجد للبشر) وفي حديث آخر في مثل هذه القصة إلى النبي ﷺ قال (السجود ليس إلا إلى
стр. 625
الحي الذي لا يموت). والأخبار في سجود الجمل الصائل، إنما يكون بتسخير الله تعالى إياه كذلك. وقد كان يجوز إذا فعل ذلك وقتًا، إن لا يفعله وقتًا، كما أن الله تعالى قد يشفي من مرض وقتًا ولا يشفي منه وقتًا، فلو يعوذ متعوذًا، من مرض كان به فعوفي، فلم ينكر ذلك. وكذلك أن أسلم النبي ﷺ مرات. فزاده الله تعالى على السلامة، إن أسجده له جحده على الكفار، فذلك غير مانعه من أن يتعوذ بالله تعالى منه. وقد كان يجوز أن تكون سلامته من صول الصائل، ثم أتي له به غاية وتعوذ بالله من شره، واسجاد الصائل له بعد السلامة للاحتجاج به على الكفار، هذا ولم يتفق الناس على أن أحدًا لا يخاف من الجمل الصائل. وقد قيل أنها السيل والحريق والله أعلم.
ومنها: ما روى أن النبي ﷺ دخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سرابه ودفر به فسكن، ثم قال: (من رب هذا الجمل، فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله. فقال: الا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك إياها، فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتذئبه).
ومنها ما روى في قصة الحج أن رسول الله ﷺ قدمت إليه بديات خمس أرست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ.
وقد روى في شكاية البعير إخبار منها ما روى بعلي بن مرة قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فنزلنا منزلاً، فقال: إيت ذلك الأسى فقل للأسابين أن رسول الله ﷺ يأمر كما لتجتمعا. فوثبت إحداهما إلى الأخرى. فاجتمعا فجاء النبي ﷺ فقضى حاجته، ثم قال لي: قل لهما يتفرقا، فقلت لهما فوثب كل واحد منهما إلى مكانها.
وفي رواية ابن عباس ﵄، قال: قال لي اذهب إلى الاسابين فقل لهما أن رسول الله ﷺ يأمركما أن تتعلقا بعروقكما وأصولكما وطنبكما حتى تستراه، ففعلنا ذلك، فسترتاه حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته. ثم قال له: إيتهما فمرهما أن ترجعا إلى مكانهما ففعل.
стр. 626
ومنها ما روي أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: لا أعرف أنك رسول الله قال: (أرأيت أن دعوت لك هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أنني رسول الله قال: نعم. فدعا العذق، فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل يبعد حتى النبي ﷺ ، ثم قال: ارجع فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله وأقر به).
ومنها: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، فأرني شيئًا ازدد به يقينًا، قال: (إيت تلك الشجرة فادعها، فأتاها فقال لها: يدعوك رسول الله ﷺ ، فمالت على جانبها فقلعت عروقها، ثم مالت على مقدمها، فقلعت عروقها، ثم مالت على مؤخرها فقلعت عروقها، ثم أقبلت تجر عروقها وفروعها، حتى عادت إلى مكانها. فقال له الرجل: إئذن لي فاسجد لك: قال: لا يسجد أحد لأحد). والإخبار في مثل هذا وفي الحصا مع الشجر كثيرة.
ومنها ما روى عن طريق جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر وذكر الحديث إلى أن قال: فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسمل معها صبي تحمله، قالت: يا رسول الله، ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات فلا يدعه، فوقف رسول الله ﷺ فتناوله فجعله بينه وبين مقدم الرجل، فقال رسول الله ﷺ : (إخسأ عدو الله، أنا رسول الله، فأعاد رسول الله ﷺ ذلك ثلاث مرات. ثم ناولها إياه). فلما رجعنا فكنا بذلك الماء عرضت لنا امرأة لها كبشان يقودهما والصبي يحمله، فقالت: يا رسول الله، اقبل مني هذين، فوالذي بعثك بالحق إن ما عاد إليه بعد فقال رسول الله ﷺ : خذوا أحدهما وردوا الآخر).
ومنها ما يرويه أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى
стр. 627
خشبة يسند ظهره إليها، فلما كثر له الناس بني له منبر، فلما قام عليه يخطب بكت الخشبة حنين الوالد، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكتت) فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكي ثم قال: يا عباد الله الخشب يحن إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانته من الله ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. وهذا الحديث يحتمل من المعنى أن يكون الله تعالى أحدث في الجذع حنينًا لحنين الوالد من غير أن يركب فيه حياة وعقال ليبين للناس أنه لو كان يعقل ويميز لكان من حقه إذا فقد خطبة من رسول الله ﷺ أن يحن هذا الحنين ويجز هذا الجزع. ثم إذا وجد من ذلك ما فقده سكن ليكون ذلك دلالة لهم على وجوب السكون إليه، والفرح بلقائه والقرب منه، وليكون ذلك من إعلام نبوته إذا كان أمرًا خارجًا من العادات، وله ﷺ كرامة رفعه والله أعلم.
ومنها ما روى جابر ﵁ قال: (أصاب الناس عطش يوم الحديبية، وبين يدي النبي ﷺ ذكوة فتوضأ منها. فأقبل الناس نحوه فقال: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء فجعل الماء يغور أصابعه أمثال العيون، حتى شربنا وتوضأنا) قيل لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمسة عشر مائة والإخبار في مثل هذا كثيرة جدًا.
ومنها ما روى جابر ﵁ في قصة الخندق قال: كنا نعمل فيه نهارنا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلينا. وكانت عندي شويهة غير جد سمينة، فقلت لو صنعناها لرسول الله ﷺ ، فأمرت امرأتي فطحنت شيئًا من شعير، فصنعت لنا خبزًا أورى تلك الشاة فشويناها فلما أمسينا، قلت يا رسول الله: إني صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا شيئًا من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وأنا أريده وحده فقال: نعم، ثم أمر صارخًا، فصرخ، أن انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيت جابر، فأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها فبرك وسمي ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم وجاءنا ناس حتى صدر أهل الخندق عنها وهم ثلاثة آلاف.
стр. 628
ومنها ما رواه رجل عن الصحابة، يقال له نافع. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن أربعمائة، فنزل رسول الله ﷺ عن عين ماء ونزل الناس، قالوا: يا رسول الله أنك نزلت على عين ماء، فبيناهم إذ جاءت شاة محدودة القرنين حتى قامت بين يدي رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء فحلبها، فلم يزل يحلبها حتى أروى الجيش كلهم وهم أربعمائة، ثم قال لي: (يا نافع، املكها ولا أراك تملكها، فانطلقت بالشاة إلى رجل، فأخذت عودًا فركزته في الأرض، وأخذت حبلاً فشددتها ولم أزل استوثق، فقمت، فلما قمت فإذا بحبل مشدود ولا شاة. فقال: يا نافع، ألم أقل أنك لا تملكها، أن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها.
ومنها ما رواه زياد بن الحارث العوائي قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته على الإسلام وذكر حديثًا طويلاً قال فيه: فقلنا يا رسول الله أن لنا بئرًا، إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها، فاجتمعنا عليه، وإذا كان الصيف فني ماؤها وتفرقنا عما حولها، وإنا لا نستطيع الآن أن نتفرق وكل من حولنا عدو، فادع الله أن يسعنا ماؤها. فدعا نبي الله ﷺ بسبع حصيات، فجرهن في يده فقال: إذا رأيتموها فألقوا واحدة واحدة، واذكروا اسم الله، فما استطاعوا أن يسببوا قعرها بعد.
ومنها ما روى أن النبي ﷺ رمى المشركين يوم بدر بحصيات من يده فسمعوا وقعها كأنها فرقعت في طست فانهير مواقعها نزل قوله :﴾ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا ﴿.
ومنها: ما روى أنه كان في يد رسول الله ﷺ حصيًا يسبحن، فدفعهن إلى غير واحد من أصحابه فسبحن في يده، وكل ذلك يسمعه من في الحلقة، ثم دفعهن إلى آخرين فلم يسبحن في يد واحد منهم.
ومنها ما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نأكل مع رسول الله ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام.
стр. 629
ومنها ما روي أن النبي ﷺ قال للعباس: (يا أبا الفضل، الزم منزلك عنا أنت وبنوك، فإن لي فيكم حاجة، فصحبهم فقال: تقاربوا فزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم علامة ثم قال: يا رب، هذا عمي صفو أبي، وهؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من النار كستري إياهم فامنت اسكنه الباب وحوائط البيت آمين آمين).
ومنها ما روى أبو هريرة هل معك شيء؟ قلت نعم. ثم في مزود معي فأخرجت التمر فإذا هي سبع وعشرون تمرة، فصفهن رسول الله ﷺ وعنده ناس، فقال: (كلوا باسم الله فأكلوا حتى شبعوا، وبقي منه، فقال: يا أبا هريرة خذه فأعده في مزودك. فإذا أردت أن تأخذ منه شيئًا، فداخل يدك ولا تلبه، فما زال معي أكله حتى كان حصار عثمان فسقط مني وكنت في شغل منه).
ومنها ما رواه أبو هريرة قال: (كنت ألزم النبي ﷺ ملء بطني وإن شهتيه، فقال من بسط رداءه حتى أقضي مقالتي فليس تنس شيئًا سمعته مني أبدًا، فبسطت بردة كانت علي، فلما قضي مقالته قضممتها إلي. فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه ﷺ .
ومنها ما روى جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما رجعنا أعيا علي بعيري، فلحقنا رسول الله ﷺ فقال: (يا جابر ما خلفك؟ قلت: أعيا علي لو نصحتي فأخذ عودًا من الأرض فمسحه به ثم قال: اركب بسم الله، فما ركبت بعيرًا قبله ولا بعده كان أوسع ولا أوطأ منه).
ومنها خبر الذي سماه رسول الله ﷺ سفينة، قال: (خرج رسول الله ﷺ ، ومعه أصحابه يمشون، فثقل معهم متاعهم، فقال: رسول الله ﷺ : أبسط كساءك، فبسطت، فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه علي، فقال رسول الله ﷺ احمل، فإنما أنت سفينة)
стр. 630
فلو حملت منه يومئذ ومر بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يخفوا.
ومنها ما يرويه أنس ﵁ قال: فزع الناس فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون، فقال لي: فراعوا أنه لبحر. قال: والله ما سبق بعد ذلك اليوم.
ومنها: إن صوته كان يبلغ حيث لا يبلغه صوت البشر، فروى أنه خطب بمنى وكان الناس في منازلهم يسمعون ما يقولون، وأنه جلس على المنبر يوم الجمعة فقال: اجلسوا فسمع عبد الله بن رواحة قوله وهو في بني تميم، فجلس. فقيل له: يا رسول الله! ذاك عبد الله بن رواحة جالس في بني تميم سمعك وأنت تقول للناس اجلسوا، فجلس في مكانه وليس معنى هذا أنه كان أندى صوتًا من سائر الناس بمقدار تباين العادات، وإنما معناه أن صوته على ما كان عليه من موافقة أصوات أهل بيته وصحابته كان يخلص إلى الأسماع البعيدة. ولهذا تعجب الناس من سماع ابن رواحة قوله اجلسوا. فإنه لو كان صرخ بهذا القول لم يكن في سماع ابن رواحة إياه. وهو بحيث يذكره أنصار من عند المنبر موضع تعجب والله أعلم.
ومنها ما روى: أن النبي ﷺ بزق في بئر كانت في دار أراس فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها.
ومنها أنه دعا على مضر، فقال: (اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف) أصابتهم السنة حتى هلكوا، فاكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان.
وقيل: إن الذين أنذرهم الله إياه بقوله﴾ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴿. كان هذا. وأن البطشة الكبرى اصطدام صناديد يوم بدر.
стр. 631
ومنها أن النبي ﷺ استسقي لقومه، وما في السماء قزعة فسقوا مكانه ولم تحبس السماء قطرها حتى دعا وقال: (حوالينا ولا علينا) فانجاب السحاب عن المدينة كأنه الإكليل والأخبار في هذا كثيرة.
ومنها ما روى عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته) قال أنس فما من الأنصار أكثر مالاً مني، وأخبرني بعض ولدي أنه قد دفن من ودلي وولد ولدي أكثر من مائة.
ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ قال لبشر بن راعي العنز من أسجع وقد رآه يأكل بشماله: كل بيمينك فقال: لا أستطيع فقال: لا استطعت، فما وصلت إلى فيه بعد.
ومنها ما روى أن راعيًا لبني عمرو بن تميم في إبلهم يقال له أنو شر وان، رأى رسول الله ﷺ قد تخلل الإبل لخوف أصابه من قريش، فقال له: من أنت! فقال: لا تسل رجل أردت أن استأنس إلى إبلك فقال له: أي! إياك الرجل الذي تزعمون أنه خرج نبيًا؟ فقال رسول الله ﷺ : أجل، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله! فقال له أنو شروان: أخرج فلا تصلح إبل أنت فيها! وأبي أن يدعه. فدعي رسول الله ﷺ فقال: (اللهم أطل شقاءه وبقاءه) قال هارون بن عبير فأدركته شيخًا كبيرًا سقيمًا يتمنى الموت، فقال له القوم: ما نراك إلا هلكت، دعا عليك رسول الله ﷺ فقال: كلا إني أتيته بعد فأسلمت ودعا لي، ولكن الأولى قد سبقت.
ومنها إن رسول الله ﷺ تلا:﴾ والنجم إذا هوى ﴿فقال عتبة بن أبي لهب. كفرت برب النجم. فقال رسول الله ﷺ : (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك). فخرج عتبة مع أصحابه في عير إلى الشام، حتى إذا كانوا في الشام، زأر الأسد فجعلت فرائصه ترتعد فقيل له: من أي شيء ترتعد؟ فقال: إن محمدًا دعا علي، ولا والله ما أظلت السماء واهجة
стр. 632
أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، حتى جاء النوم فحاطوا عتباهم ووسطوه بينهم. وناموا، فجاءهم الأسد يشنشق غروبتهم رجلاً رجلاً، حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة فقتله.
ومنها ما روى عمران بن حصين ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ إذ أقبلت فاطمة، فنظرت إليها، وقد ذهب الدم من وجهها وعلتها الصفرة من شدة الجوع فنظر إليها النبي ﷺ فأدناها، فوضع يده على صدرها وفرج أصابعه ثم قال (اللهم مشبع الجماعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد) قال عمران: فنظرت إليها وقد علا الدم على الصفرة في وجهها، فلقيتها بعد، فقالت: ما جعت يا عمران.
ومنها ما روى أن النبي ﷺ دعا لعلي ﵁ قال: (اللهم أذهب عنه الحر والبرد) فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف قال: لا وجدت حرًا ولا بردًا يومئذ.
ومنها خبر يرويه جابر بن عبد الله ﵁ عن بلال ﵁ قال: أذنت في ليلة باردة، فقال النبي ﷺ : (اللهم أذهب عنهم البرد).
قال: فرأيتهم يتروحون.
ومنها خبر ترويه أم جندب ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ رمي جمرة العقبة ثم انصرف، وتبعته امرأة من خثعم ومعها صبي أصابه بلاء، فقالت يا رسول الله، هذا ابني وبقية أهلي وإن به بلاء لا يتكلم. فقال رسول الله ﷺ : (أئتوني بشيء من ماء، فأتي بماء فغسل يديه ومضمض فاه، ثم أعطاها فقال: اسقيه منه، واستسقي الله له) فلقيت المرأة من الحول، فسألتها عن الغلام فقالت: برأ وعقل عقلاً ليس لعقول الناس.
ومنها حديث ابن أبي العاص ﵁ قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ سوء
стр. 633
حفظي للقرآن، قال: (ذلك شيطان، أدن مني يا عثمان، ثم تفل في في ووضع يده على صدري، فوجدت بردها بين كتفي، وقال: يا شيطان! أخرج من صدر عثمان).
قال: فما سمعت بعد ذلك شيئًا إلا حفظته.
ومنها ما رواه عثمان بن حنين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاء إليه ضرير فشكا بصره قال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي. قال: (إيت الميضأة وصل ركعتين، وقل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بالنبي، نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتجلي عن بصري، اللهم شقعه في وشفعني في نفسي). قال عثمان: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضرر.
ومنها ما روى حبيب بن مدرك إن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان فنفث رسول الله ﷺ في عينيه، فأبصر، قال: فرأيته يدخل الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة عيناه لمبيضتان.
ومنها ما روى محمد بن خاطب قال: قالت لي أمي أقبلت بك من أرض الحبشة، فطبخت طبيخًا، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعك. فقدمت بك المدينة حتى أتيت بك النبي ﷺ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب أول من تسمى بك فتقل فيك ومسح على رأسك ودعا لك، وجعل يتفل على يدك ويقول: (اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما) قال: فما قمت بك من عنده إلا وقد برأت يدك.
ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ كان يدعو يوم عاشوراء بالصبيان فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: لا ترضعنهم إلى الليل، فكان ريقه يحرسهم.
ومنها إن امرأة وقفت بين يديه وهي تبكي وهو ﷺ يتوضأ، فأخذ كفًا من ماء
стр. 634
فنضحه في وجهها. فكانت بعد ذلك في المصائب ترمي الدموع من عينيها ولا تسيل على خدها. والأخبار في دعواته المستجابة في عظائم الأمور كثيرة.
ومنها ما روى عيسي بن مطاوع بن مسعود، إن رسول الله ﷺ سمى أباه مطاعًا، وقال له يومًا: جاءني جبريل صلوات الله عليه، فأخبرني إن ابن مسعود يقاتلني بكرة مشركًا ويأتيني بالعشى مؤمنًا، فلما كان من زوال الشمس، قالوا: يا بني الله أما ترى شخصًا مقبلاً فأقبل مسعود إلى النبي ﷺ فآمن.
ومنها أن الله أمده يوم بدر بألف من الملائكة فقاتلت معه، وقال مالك بن ربيعة للذين كان يحدثهم بعدما ذهب بصره، لو كنت معكم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي صفت به الملائكة، لا أشك ولا أعادي.
وقال ابن عباس ﵁ عن رجل من ظفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى اصعدنا في جبل أشرف بنا على بدر إذ دنت منا سحابة وسمعت فيها حمحمة الخيل، وسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم. فأما ابن عمي فانكشف قناع قتله فمات. وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت.
وقال ابن دارة: حدثني رجل من قومي قال: أبي المنهزم يوم بدر، إذ أبصرت رجلاً منهزمًا بين يدي، فقلت ألحقه فاستأنس به قندلي من حرف فلحقته، فإذا رأسه مذ زائله ساقطًا وما رأيت قربه أحدًا.
وقال أبو داود المازني إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري. وروى أن رجلا من الأنصار حضر أحدًا والعباس يوم بدر أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني. لقد أسرني رجل أجلخ من أحسن الناس وجهًا على فرس ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسيره يا رسول الله، فقال له: اسكت قد أيدك الله بملك كريم.
ومنها أنه لما أتي بالعباس أسيرًا فأفداه بمائة أوقية من ذهب، فقال: للقرابة، صنعت هكذا فوالذي يحلف به العباس، لقد تركني فقير قريش ما بقيت كيف يكون فقيرًا وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل ثم أقبلت إلي فقلت: إن قبلت فقد تركتك غنيه ما
стр. 635
بقيت، وإن ارجع فلا يهمنك شيء فقال: إن الذي يقوله قد كان وما طلع عليه إلا الله وأشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله وما أخبرك بذلك إلا الله
ومنها أن عمرو بن وهب الجمحي واطأ صفوان بن أمية على أن يقوم المدينة فيفتك بالرسول صلى الله عليه والسلام، وضمن له صفوان دينه، وعياله، وأمر بسيفه فصقل وسم، وكان ابن عمرو أسير في يدي رسول الله ﷺ فقال: إن لي عنده علة، أقول قدمت على أبي، فقدم المدينة ونزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وتقلد السيف، ففزع أصحاب رسول الله ﷺ لما رأوه وأخبروه بخبره، ثم أدخل عليه فقال رسول الله ﷺ : فما اشترطت لصفوان بن أمية بالحجر، ففزع عمرو وقال: ماذا اشترطت له؟ قال (تحملت له قتلي على أن يعول بيني وبينك، ويقضي دينك، والله حائل بينك وبين ذلك) فقال عمرو: أشهد أنك رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله، إن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان بالحجر، كما قال رسول الله لم يطلع أحد غيري وغيره ثم أخبرك الله به، فآمنت بالله ورسوله والحمد لله الذي ساقني بهذا المساق.
ومنها قول عمر ﵁، أرانا رسول الله ﷺ مصارع أهل بدر بالأمس يقول: (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود يصرعون عليها، ثم جعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، أوجدتم ما وعد ربكم حقًا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال عمر ﵁. يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا).
ومنها أن أبي بن خلف كان يقول: لأقتلن محمد، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال (بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما كان يوم أحد، حمل على النبي ﷺ فقال: بل أنا أقتله، فطعنه النبي ﷺ بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو
следующие страницы →