← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

تقلب ألسنتهم فيكون عربيًا، كقول النبي ﷺ : (أن الجنة لا يدخلا العجز). أي نشآن النشأة الثانية غير عجز. ولا يختلف المسلمون، أن أشرف كتب الله القرآن، وهو عربي، فلو لم تكن العربية أشرف اللغات لم ينزل الله تعالى أشرف كتبه بها. وأما قول المحتج: إن كانت العربية أفضل فمن يعلمها من العجم فنطق بها، فما فضل العربي عليه؟ فجوابه: أن فضل العربي عليه أنه أصل فيها وهو دخيل، وأنه ينزل من العربي منزلة الطائر الملقن من ملقنه. ولو جاز له ما جاز من نفسه من هذا القول لجاز أن يقال: إن كان النبي ﷺ أفضل من غيره بأن يوحي إليه، فهو إذا أدى إلى الناس جميع ما أوحي إليه فعلموه. فماذا فضله بعد ذلك عليهم؟ وأدى إلى هذا فبين فساده ظاهر غراره. فإن سأل سائل: عن العربية، لم سميت العربية؟ قيل له: -وبالله التوفيق- إن الجواب المشهور في ذلك؟ أن يقال: إن أول من عدل عن السريانية وتكلم بالعربية يعرب بن قحطان وكان يجب أن يقال اللغة اليعربية، ولكنهم حذفوا الياء طلبًا للتخفيف وقالوا: العربية. وفي هذا نظر، لأن العلماء ذكروا أن غابر أبا قحطان كان له ثلاثة بنين: أحدهم قحطان، والآخر يقطان، والآخر يقال له: ماتح ويقال: فالغ، ويقال: بلاغ. فإن كان هذا هكذا لم يمكن أن يكون يعرب أول من نطق بالعربية، لأن قحطان وفالغ ويقطان أسماء عربية. ولا يحفظ هذا، إن الإسمان -أعني يقطان وقحطان- إلا عربيان. فلو لم يكن غابرًا عربي اللسان، لأشبه أن لا يسمى ابنيه باسمين عربيين والله أعلم. وعلى أن غابر أيضًا اسم عربي، فالأشبه أن يكون المسمى به عربيًا. وفيه وجه آخر: وهو أن اللغة المنسوبة إلى العرب، والعرب سموا عربًا لأنهم سكان البدو وينزلون على الماء حيث أصابوه. فإذا تقادموا فيه عرفوا بموضع آخر فيه ماء وصاروا إليه، والعرب في لسانهم الماء. يقال: بئر كثيرة العرب. أي الماء. وبئر عربة: أي

стр. 702

كثير الماء. فسموا عربًا لأنهم يبتغون العرب وهو الماء، ويسكنون حيث يكون، كما سموا المطر سماء، لأنه من قبل اسماء يأتي ومن ناحيتها ينزل. وعلى هذا فيحتمل أن يكون إسماعيل صار أصلاً جديدًا للعرب، لأن الله تعالى لما أسكنه واديًا غير ذي زرع، وماء خصه بماء أنيط له، ثم وردت غيرهم إحدى قبائل العرب ذلك الماء، فنزلوا عليه، فعلمه الله ﵎ العربية، ليمكنه مناطقة جيرانه. وكان الماء يسمى في لسانهم عربًا، ولا يسميهم إياه، سموا بهذا الاسم. استحق في اللسان الذي أحدث الله تعالى تعليمه إياه إن يسمى عربيًا، لأن غيره إنما كان يدعى باسم ما مشترك بينه وبين غيره. وأما الذي اتبعه الله تعالى لإسماعيل إنما كان كرامة له خاصة مكان يدعى له وينسب إليه في اللسان الذي استحدثه أحق، فصار أصلاً جديدًا للعربي من حيث علمه الله لغة العرب الذين كانوا. وحقق له المعنى الذي لأجله كانوا يسمون عربًا والله أعلم. ووجه آخر: هو أنهم سموا عربًا لشدة إعرابهم الخيل إذا ركبوا، وسميت خيلهم عربًا لشدة جريها، وسرعتها. لأنهم يسمون النهر الشديد الجري عربه، فشبهوا خيلهم بها، إذ كان لا يشكل أنه ليس في دواب الدنيا أشد منها ولا أجرى، وأغذ سيرًا منها. وشبهوا ركبانها أيضًا بها، فقيل لهم عرب ولخيلهم عراب والله أعلم. ويشبه أن يكون النهر يسمى عربه، ويجمع على العراب كالسبخة والسباخ، والرملة والرمال، ويقولون للخيل عراب، أي أنها شديدة الجري. ويكون قول النبي ﷺ للفرس الذي ركبه وجد به نحو أخبار: (يا علي أن كل فرس شديد نهر). وهذا يجري فضله في الجري على غيره، كفضل البحر على البحر والله أعلم. وهذا المعنى أيضًا يقتضي أن يكون إسماعيل أصلاً آخر للعرب، لأنه لما سكن مكة واختلط بجرهم وتزوج فيهم، يعلم الرمي، ولم يكن يركب إلا الخيل العراب، وانضم إلى ذلك تعليم الله ﷻ إياه لسان العرب إما إلهامًا وإما وحيًا. فصار اللسان لسانهم والمركب مركبهم، والأصل منهم، والعادة عادتهم، فوجب أن يكون كأحدهم والله أعلم.

стр. 703

ووجه آخر: وهو أن العرب سموا عربًا لإعرابهم الكلام، وهو إلزامهم وآخر الأسماء والأفعال حركات مختلفة على حسب اختلاف مقاصدهم واغراضهم، وسموا هذه الحركات إعرابًا، إذ كانت تعرب، أي تبين على الأعراض. وأما غيرهم فإنهم لا يتكلمون بالأسماء والأفعال إلا مرسلة مسكنه، وصلوا الكلام أو رفقوا ويحتاجون إلى التمييز بين المفاصل إلى زيادة الحروف ونقصانها، وذلك مما يشركهم العرب فيه، لأن لهم من حروف العلات التي يشتقونها حالاً، ويحذفونها حالاً ويبدلونها لغيرها حالاً، مثل ما لغيرهم. فأما الدلالة بالحركات على المقاصد، فإنهم يختصون بها من بين أهل اللغات، وهي في لسانهم إعراب وبيان وإيضاح، سموا لذلك عربًا. ولما أتى الله تعالى من ذلك لإسماعيل صلوات الله عليه ما أتى بأول من تكلم لهذه اللغة من غير إحراج له إلى التعلم صار أصلاً للعرب كالأصل الذي تقدمه والله أعلم. وأما قول المحتج: إن العرب آذت رسول الله عليه وسلم حيًا وميتًا إلى آخر الفصل .. فجوابه: أن بني إسرائيل ما قصروا في قتل الأنبياء ﵈، وأتاهم خطاب الله تعالى إذ يقول:﴾ فكم تقتلون أنبياء الله من قبل ﴿وإياهم عنا بقوله :﴾ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير الحق وقولهم: قلوبنا غلف، بل طبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا، وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا، وقولهم، إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴿إلى قوله:﴾ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴿. وفيهم نزل:﴾ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا ﴿﴾ وترى كثيرًا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت، لبئس ما كانوا يعملون ﴿. وفيهم نزل:﴾ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا، بل يداه

стр. 704

مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين ﴿. وفيهم نزل:﴾ قل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، أولئك شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل ﴿. وآيات كثيرة أمثالها ما كتبناها. ومعلوم أن ابن إسماعيل لم يبلغوا في ارتكاب المحارم هذا التبلغ. ولا ضربوا مثل بيت المقدس، ولا حرقوا مصاحف كتب الله تعالى، ولا سبوا ذراري الأنبياء ﵈. كما فعله (بخت نصر) الذي من رؤوس العجم. فكيف يكون لبني إسرائيل وغيرهم من العجم أن يعيروا العرب بإيذاء رسول الله ﷺ ، وهم قد فعلوا ما هو كثير من ذلك وأكثر. وأما قولهم: أن العجم أعانت على نقل الملك من بني أمية إلى هاشم. فجوابه: أنا لم نقل أن الأفضل للعجم بحال، وأنا لم نأت أمرًا نحمد عليه أو يؤجر قط، وإنما أنكرنا تقديمهم على العرب وإعانتهم على نقل الملك إلى بني هاشم، لا يستثقل من تقديمهم بما أنكرناه، لأن نصرة العرب رسول الله ﷺ أجل قدرًا من إعانة العجم قرابته على الملك. فلا يجوز أن يؤخروا على العجم مع عظيم بلائهم لما ذكرتموه من بلاء العجم بعده. واحتمال العرب على قتال الفرس حتى سلبهم الله تعالى ملكهم من يديهم لا يقصر عن إعانة العجم بعدما كثروا في الإسلام على بني هاشم، لينتزعوا الملك من بني أمية، لكنه يزيد عليها درجات كثيرة، فصح أن الذي اعتمدوه لا معتمد فيه، وأما تعييرهم العرب بالزنا، فجوابه: أن الزنا ليس بأقبح من نكاح البنات والأمهات ووطئهن. لأن الزنا من العرب كان يكون بالأجنبيات اللاتي يحللن بالنكاح والأم والبنت لا تحلان بنكاح قط. وقد كان في المجوس من يعمل هذا. كل عروس يريد إدخالها على زوجها. فيقبضها ثم ترد إلى زوجها. وهذا في المجاهرة بالفاحشة لا ينقص على نصب الرايات، ولا عن إكراه الإماء بالبغاء.

стр. 705

وأما تعييرهم العرب بالفقر والفاقة. فجوابه: إن العجم لم يكونوا كلهم ملوكًا ولا أغنياء ولم يخلوا مرات كان فيهم غني وفقير. والعرب أيضًا لم يكونوا كلهم فقراء، بل كان فيهم محتاج وغير محتاج إلا أن العرب في الجملة كانت أقل مالاً. وعلى قلة مالها أبين جودًا، وأعون على النوائب، وأقرى الأضياف، وأوصل للأرحام، فليس لهم مما قالوه متعلق. وأما دعواهم إعانة ملوك العجم من استعان بهم من ملوك العرب، فإنها ما فعلت من ذلك ما يستحق به حمدًا ولا تكرمًا. فإن المحفوظ من هذا، أن سيف بن ذي يزن سأل أبو وذيان يعينه على استخلاص اليمن من أيدي الحبشة فقد كان ظهروا عليها وعاشوا فيها. فأجابه بعد مدة طويلة، وأمر فأخرج من السجون كل من كان القتل وجب عليه فيما عندهم، فضموا إليه، فخرج لهم فأظفره الله تعالى على الحبشة، فهكذا كانت إعانته إياه، فلينظر العاقل فيه، ألوم هو أم كرم؟ ولئن كان أعان سيف بن ذي يزن على الحبشة، فلقد قتل النعمان بن المنذر لأنه خطب إليه ابنته، فرده عنها، ولم يره لها كفئًا، وما وضع بقتله الصغار الذي ألبسه النعمان باستعاضة إياه، فإن القتل قد يصيب الناس من الأكفاء، وغير الأكفاء، فليحسب ابرويز حية نهشت ملك العرب أو عقربًا لدغته، فلا عار في ذلك عليه. وقد شفا الله الصدور من ابرويز بتسليط ابنه عليه حتى قتله، ثم لم يمهل جماعتهم إلا قليلاً حتى سلبهم الملك، ونقل عنهم الملك إلى العرب، فتقلوهم حقًا وسلبوهم حقًا، وألجأهم إلى دين الله فقبلوه، ولم يسلموا حتى أسلموا بهذا عاقبة أمرهم التي قضى الله جل ثناؤه بها عليهم، والعقول تشهد بأن الله تعالى لا يظلم عباده ولا يصطفي الأرذل على الأفضل، فلا إشكال مع هذا بفضل العرب على غيرهم، إذ قال الله تعالى إخبارهم على جميع من تقدمهم وأقر النبوة والملك فيهم إلى قيام الساعة. فلا يقدم أحد عليهم كما قدموا على غيرهم وبالله التوفيق. وأما قول المحتج: أن النبي ﷺ أخبر: أن العرب ترجع إلى دين آبائها، وأن الموالي يضربونهم على الدين عودًا كما ضربوهم عليه بدءًا. فجوابه: أن هذا إذا كان وقضى وكان الموالي الذين يضربون العرب الراجعة إلى دين

стр. 706

آبائها، خير من أولئك العرب إلا في النسب، كما كان العرب المسلمون الذين ضربوا أكفار العجم على كفرهم حتى تركوه، خير من أولئك العجم عندكم إلا في النسب. وليست المفاضلة بين المؤمنين أو الكافرين، لأن بعض الكفر يغني عن كل فضل وسرت الإيمان تسير كثيرًا من النقص. وإنما المفاضلة بين المسلمين أو بين الكافرين، فالمعارضة بالفضل الذي يوجب إيمان النوعين على الكافر لا معنى له والله اعلم. وأما قوله: إن النبي ﷺ ألحق رياسة العرب لأشراط الساعة، فدل ذلك على أنها من أدبار الدنيا. فجوابه: إنه أتاه بذلك الذين سماهم عربًا. البدويون الذين لا يقرأون ولا يحجون ولا يعتمرون، ولا يتراهنون بالقمار ويستألكون أموال الناس، ولا ينصرون الله تعالى دينًا ولا يكرمون له وليًا ولا يذلون له عدوًا. وليس يبعد أن يكون برؤيته هذه الفرقة من أشراط الساعة، أمارتها بادبار الدنيا، إلا أنه كما يوجد في العرب من يكون بهذه الصفة فلا يستحق تفضيلاً بذلك أن يقدم في العدم أمثالهم واردًا منهم، ثم أن ذلك لا يوجب تأخير العجم كلهم عند هذا القائل. كذلك ما قاله لا يوجب تأخير العرب كلهم عندنا، وإنما الكلام على الجملتين بلا تفضيل، أو على أهل الفضل من الفريقين. هل يجب للعربي بعربيته زيادة حق أو لا يجب؟ وأما رواية المحتج في هذه الأخبار لا يحكم في موضع الاختلاف والله أعلم. وأما ما قاله في الكفاءة، ورواه فيها من الأخبار. فجوابه: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: (العرب بعضها أكفاء لبعض، قريش بعضها إلفًا لبعض، والعجم بعضها إلفًا لبعض) وأجمع المسلمون على أن العجمية إذا دعيت إلى عربي وجب على وليها تزويجها. فصح أنه لم يرد بالحديث. أن العرب ليسوا أكفاء للعجم، وإنما أريد به أن العجم ليسوا أكفاء للعرب. كما أن الله جل ثناؤه لما قال في القصاص ﴿الحر بالحر والعبد

стр. 707

بالعبد﴾ وأجمع المسلمون على أن العبد يقتل بالحر، علمنا أن هذا التمييز إنما كان من قبل الحر للعبد. والأخبار التي رواها، وضعها في غير موضعها لأنه ليس في شيء منها وجوب تزويج العربية العجمي، وإنما منها الأذن في ذلك، ولسنا ننكر أن المرأة والولي إذا رضيا بذلك جاز، وإنما الخلاف في أن أحدهما إذا كان يأبى، هل يجبر على ما يأباه نم ذلك أو لا يجبر؟ ولم يرو في هذا خبر إلا عن عمر ﵁، ولم يكن من ذلك من عمر عزمًا وإنما كان اختيارًا. فأما احتجاجه بالحور العين، فلا يلزم. لأن الحور العين ليس بأفضل من حال أهل الجنة لا من عربهم ولا من عجمهم. فإن جميع ما يوصف من فضلهن، طريقه طريق حسن الخلقة واعتدال البنية والدلال والملاحة والنقاء والصفاء، وحب الأزواج والعطف عليهم، وشيء مما يجري هذا المجرى لا اعتداد به في تفضيل أحد من العرب والعجم على غيره. والمعاني التي تقع بها المفاضلة بين العرب والعجم لا وجود لها في الحور العين، وإنما خلقهن الله لرجال أهل الجنة، فلا كلام عليهن بكفاءة، وغير كفاءة، وإنما يليق هذا الاعتبار بما بين أهل الدنيا والله أعلم. وأيضًا فإن الله آثر الحور العين في الجنة منزلة الأماء في الدنيا، لأنه لم يجعل لهن فيما بينهن وبين رجال الجنة أمرًا على أنفسهن، كما لم يجعل للإماء في الدنيا أمرًا على أنفسهن. فمن اشترى أمة من شريف أو وضيع ملكها. وأما الحرائر في الدنيا، فقد جعل لهن على أنفسهن أمرًا، لأن من شاه منهن أن لا تتزوج أصلاً تركت. وهذا ما لا يكون للحور العين، فكذلك لا ينكر أن يكون لإحداهن رضاء واحد أو كراهية، ولم يجعل لهن تزويج أنفسهن وإنما تزويجهن إلى أوليائهن. لكان لهم إذا لم يعلموا أنهن فيما يدعون خير أن لا يزوجوا ولا خير في غير الكفر، فلهم أن لا يزوجوه، هذا هو الجملة. ثم الذي يبين أن العجمي لا يكون كفيًا للعربية، ما قدمنا ذكره والله أعلم. يبين هذا أن العربية والإسرائيلية إذا كرهت هندًا يحبطها أو تركيًا لم يجز أن تزوج

стр. 708

وهي كارهة. وقد يكرم الله تعالى في الجنة من يدخلها إياهم من الترك والهند بالحور العين. فكذلك العربية إذا كرهت العجمي لم تزوج إياه وهي كارهة. وإن كان الله تعالى قد يكرم العجمي إذا أدخله الجنة الحور العين والله أعلم. وأما احتجاجهم بقول الله :﴾ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴿، فإن الذي رواه في نفسه من الحديث لم يكن فيه حجة، لأنه بين أن المعنى. ثم لا يكونوا أمثالكم في الذهاب عن أوامر أمثالكم. ولسنا ننكر أن العجم المطيعة لله تعالى خير من العرب العاصية لله تعالى. وإنما الخلاف في الفريقين إذا كانا جميعًا مطيعين. وقد علمنا أن في كل واحد من الفريقين عاصيًا ومطيعًا. فلا معنى للاحتجاج بالآية في غير موضع الخلاف. وأما ما رواه عن النبي ﷺ من قوله: (إن احسابكم هذه ليست بمسيئات على أحد) ولسنا نخالفه ونقول: ليست العجمية نسبة، ولكن العربية فضيلة، كما أن لا هاشمية ليس بسنة، ولكن الهاشمية فضيلة. ولا نبوة تسبب نسبة، ولكن النبوة والرسالة فضيلة والله أعلم. وأما ما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كان الدين معلقًا بالثريا، لتناوله رجال من الفرس). وتشبه أن تكون أخبار بأن الفرس يسلمون، وتفتح بلادهم، ويذهب ملك الاكاسرة. وإن الدين وإن كان بعيدًا منهم اليوم لتشددهم في المجوسية فسيقلب الحال، ويكون منهم رجال يتدينون، وليس هذا ما يوجب بفضلهم على العرب. وأما ذكر المحتج بقول الله في العرب:﴾ وكذب به قومك ﴿. وقوله في نفر من أهل الكتاب:﴾ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴿. فجوابه: إن كل العرب لم يكذبوا، وكل أهل الكتاب لم يصدقوا، وإن كان قوم منهم صدقوا فقوم من العرب قد صدقوا، فلا نقول: إن المكذب من العرب خير من

стр. 709

المصدق من العجم، بل المصدق من العجم أفضل. وإنما كلامنا في مصدق من العرب ومصدق من العجم. وقد يكون هذا في مواضع وبإزاء ما أثنى الله تعالى على النفر الذين ذكرهم الله من أهل الكتاب ثناؤه على العرب إذ يقول:﴾ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴿إلى آخر السورة. وقوله:﴾ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴿إلى آخر القصة. وبإزاء ذمة المكذبين من العرب ذمه المكذبين من أهل الكتاب:﴾ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴿إلى آخر الآية. وأمثالها كثيرة. وفي ذلك ما يشغل المحتج عن الإحتجاج بما ذكره. وأما ما قاله في السابق، فغلط منه. لأنه ليس معنى ذلك الحديث أن النبي ﷺ لما بعث سابق العرب إلى دين الإسلام تبعه في الإسلام أبو بكر وعمار وأمه وصهيب ثم بلال وسلمان، وإنما المعنى أن صهيبًا أول من أسلم من الروم. وسلمان أول من أسلم من الفرس، ثم كان قد أسلم من العرب خلق كثير، إلى أن أسلم كل واحد من هؤلاء. ألا ترى أن سلمان إنما أسلم بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، فكيف يجوز أن يقال: إن السابق سنة بلائه من العرب وبلائه من العجم. وأما قول المحتج: أنه لم يرتد من العجم أحد بعدما أسلم. فجوابه: أن العجم إن كان من ولد إسحق ﷺ ، فقد علم أن إسحق لم يكن يعبد النار، ولا كان ثنويًا، فهل يكون أحد أب لولده هذا، إلا كفر بعد إيمان. وهل قول النصارى للمسيح: هو الله أو ابن الله إلا كفر. ألم يكونوا ولا آباؤهم من قبل عليه. وهل الإنكار لنبوة نبينا ﷺ بعد تقدم البشارات به في الكتب المتقدمة إلا كفرًا بعد إيمان. وأما اليوم فإن نصرة العجم بالروم معروفة، وزيادة ضررهم على ضرر الروميين عنه فلا يخفى. فكيف يجوز لهذا المحتج أن ينزههم هذا التنزيه إلا لعصبيته، وبالله العصمة والتوفيق.

стр. 710

السادس عشر من شعب الإيمان - وهو باب في شح المرء بدينه - متى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر؟ وذلك لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجل يحب القوم، لا يحبهم إلا لله ، والرجل إن قذف في النار كان أحب إليه من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا). فأبان ﷺ بهذا الخبر أن للشح بالدين من الإيمان، لن ذكره الحلاوة وليس الإيمان مما يطعم، دليل على أنه ضرب الحلاوة مثلاً للإيمان، وأراد أن الشحيح بدينه كالمتطعم للشيء الحلو فكما -أي الراغب في الحلو- لا يجد حلاوته فيلتذ بها إلا بتطعمها، كذلك الراغب في الإيمان لا يسلم مقصودة منه، إلا بأن يكون شحيحًا به، فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت ما يفسده عليه، كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه والله أعلم. ويأتي في هذا الباب ما اقتصه الله تعالى من خبر شعيب النبي ﷺ إذ قال له قومه:﴾ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. قال أو لو كنا كارهين، قد افترينا على الله كذبًا، إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علمًا، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿. فإن في الجواب عدة معاني مرجعها كلها إلى الشح بالدين:

стр. 711

أحدها: أن شعيبًا ﵇ سمى مهانته، المستكبرين من قومه نجاة قومه وقد علم أن ضد النجاة الهلكة، ومن كان عنده: أن الكفر هلكة والإيمان نجاة، لم يكن شحيحًا إلا على دينه. والثاني أنه أشار بقوله على الله توكلنا إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى، فإن العصمة من الجلاء عن الوطن، فذلك فضله، وإن جلاهم وما يهمون به من إخراجه بالجلاء أحب إليه من مفارقة الدين، وهذا من الشح بالدين، لأن الله جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل. فقال:﴾ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴿. فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة. قال:﴾ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴿. فأخبر أنه إنما لم يسلط النبي ﷺ ، والمسلمين على أولئك اليهود فيقتلونهم بل بأسيافهم لأنه كتب عليهم الجلاء. فبان أن الجلاء نظير القتل إذ كان يقوم في مستحق العذاب العاجل مقامه. وإذا كان كذلك، وقد امتنع شعيبًا النبي ﷺ مما ورد عنه بعدما توعد بالجلاء، فقد أظهر الشح بالدين، فلذلك ينبغي لغيره أن يكون. والثالث أن شعيبًا ﵇ فرغ إلى الله تعالى واستنصره، فدعاه كما يدعي في الشدائد إذا عرضت، والخطوب إذا نزلت، فقال:﴾ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿استعظامًا منه لما كان يخاطب به، وتأملاً أن يدفع الله عنه أذية الكفار فلا يسمعونه في دينه ما يشق عليه سماعه. وهذا أيضًا من الشح بالدين، كما لو كان يراد منه مال وهو يأبى فاسترفع الله تعالى شرهم بدعائه وتضرعه، فكان ذلك شحًا بالمال. ومعلوم أن الله إنما يقيض علينا هذا ومثله لتتأدب بآداب الذين يصف لناسيرهم ثم يمنعها، وبيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها، ويتبع الأحسن من الوجهين دون الأصح منها، كما قال :﴾ فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴿. فصح أن الشح بالدين من أركان الدين، لا يجد حلاوة الدين من لا يجد به الشح في قلبه والله أعلم. وهو

стр. 712

الذي ورد به القرآن، والخبر عن المصطفي ﷺ في هذا الباب، فهو الأمر الذي يشهد بصحته العقل، ولا يوجد فيه بخلافه وجه، لأن من اعتقد دينًا ثم لم يكن في نهاية الشح به والإشفاق عليه كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره، ولا يبين موضع الحظ لنفسه فيه، ومن لاحق عنده أمل يكن الحق عنده وبالله العصمة. ثم أن الشح بالدين ينقسم قسمين: أحدهما الشح بأصله كيلا يذهب. والآخر الشح بكماله كيلا ينقص. والشحان جميعًا من أركان الإيمان، ألا ترى أن الله كما مدح شعيبًا ﷺ وأثنى عليه بأنه شح على دينه، فلم يفارق مع استكراه قومه إياه على مفارقته وكذلك قد مدح يوسف صلوات الله عليه بأن استعصم حين مراودته امرأة العزيز عن نفسه، وقال﴾ رب السجن أحب إلى مما تدعونني إليه ﴿فبان أن الشح على شعب الإيمان لئلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب وبالله التوفيق، وهذا سبيل كل متنفس مسنون به لأن الشحيح بماله، كما لو شح بجماعته يشح بابعاضه. والشحيح بنفسه يشح بأطرافه، كما يشح بجميع ماله لذا يبغضه كذا الدين وبالله التوفيق. وقد قيل في قول الله أخبر أن أهل الجنة يقولونه أنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم، أنهم كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام فجزاهم الله تعالى بإشفاقهم على دينهم الناس من جهنم إياه وعز فإنهم قدره أن بينهم عليه فأداهم في الآخرة إلى رضوانه وطول دار المقامة من حسناته. وروى أن حذيفة المرعشي ﵀ سئل عمن كانت المعاصي قبره عينه، هل يعرف. الله ؟ فقال: أرأيت من كانت نعله أحب إليه دينه أي دين دينه. رأيت رجلاً صنع نعله. ومعنى هذا أن المغرمين بالباطل لا يتفكرون في أن ما يتعاظمونه يثلم إيمانهم ويقلب سماهم ويعر حكمهم، ويحبط في مواقف أهل الدين قدرهم. ثم لا يرى أحدًا منهم يصنع نعله لأنه إن كان في داره لم يتركها حيث تصل الأيدي إليها، بل يخزنها ويحفظها إذا خلفها عند دخول مسجد أو غيره، لم يهملها ولم ينتظرها ويجوزها إما بنفسه وإما بغيره، لئلا توجد. فهذا يدل على أن فعله أعز عليه من دينه إذا كان يقصد الدين فيثلمه

стр. 713

الثلمة بعد الثلمة، ثم يواقعه نفسًا باضاعة النعل، فمن كان هذا دينه، فأي دين دينه؟ أما أن يكون منافق القلب أو يكون إيمانه في نهاية الضعف. وما قال حذيفة ﵀ من هذا، فكما قال: فمن أهمه من أمر دينه ما ذكرنا، وكره أن يكون المنزلة التي وصفنا، فليدع المعاصي كما يدع الكفر نفسه، حتى إذا أسلم له أصل دينه بأجزائه فلقي الله وهو كامل، وفضل الجميع له حاصل وبالله التوفيق. ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان من قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وافق قال الله :﴾ ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ﴿. فيدخل في هذا من هاجر إلى رسول الله ﷺ في حياته ليلقاه ويصحبه ويجاهد معه. ومن هاجر بعده إلى حيث يستطيع إظهار دينه ونصب إعلام شريعته، فيه قال الله تعالى﴾ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴿. فدخل في ذلك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه ﷻ فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما والله أعلم. فإن أقام بدار الجهالة ذليلاً مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال:﴾ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض. قالوا ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكن الله عفوً غفورًا ﴿. ويوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ.

стр. 714

فإن قيل للذاهب إلى هذا المعنى قد يجوز أن تكون هذه الآية في الناس على الكفر فغابهم من الليل إلى الإيمان، لأنه ليس فيها تصريح بذكر المؤمن. قيل: ليس كذلك، لأن الله تعالى استثنى الضعفاء من الجملة فقال: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم". والله جل ثناؤه لا يعفو عن الكافر وإن كان عازمًا على الإيمان مائلاً إليه ما لم يؤمن. فبان بهذا أن الآية فيمن آمن وكان يدين الحق، إلا أنه مستضعف بين قومه لا يتمكن معه إقامة الدين والله أعلم. فإن قيل له: إنما نزلت هذه الآية قبل فتح مكة فلما فتحت مكة، قال النبي ﷺ : (لا هجرة من مكة بعد الفتح، لأنها تصير بالفتح دار الإسلام). والهجرة المفروضة من دار الكفر لا من دار الإسلام، لأن دار الإسلام مهاجر إليها فلا تكون بها. وأما غير مكة إذا لم يكن فيها إقامة الدين فيها لزمهم الهجرة منها، لأنها قد عادت إلى حالها الأولى، فكل بلد ظهر فيه الفساد كانت أيدي أهلها أعلى من أيدي أهل الصلاح أو غلب الجهل على سكانه أو انبعث فيهم الأهواء أو ضعف العلماء وأهل الحق عن مقاومتهم، واضطره إلى كتمان ما عندهم خوفًا من الإعلان على أنفسهم فهو في وجوب الهجرة منه عند القدرة كمكة قبل الفتح والله أعلم. فمن ذهب إلى هذا الرأي قال: من أقام ببلد يكون الحال فيه على ما وصفنا، ولم يكن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا الردع عن الباطل أو نصرة الحق، وهو يقدر على مفارقته إلى حيث يكون الحال فيه بخلاف ذلك لم يكن من إلا شحًا بدينه لكنه من السمحى به المتساهلين فيه والله أعلم. وأما شعيب النبي ﷺ فإنه لم يهاجر بلده بعد أن قال له قومه:﴾ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴿لم يكن جزاه مهاجرًا، فإنه كان بين مصر والمؤتفكات والبوادي الفارغة، وكان مصر يومئذ دار الكفر والإلحاد، وقد

стр. 715

استولى عليها فرعون وملأه، فلم يكن ليهاجر من بلده وقومه إلى شر منه ومنهم. فلما تردد أمره بين المقام خلال الكفار أو الانتقال إلى بلد آخر ونزول بعض البوادي بين السباع فاختار المقام في بلده، وتوكل على الله جل ثناؤه فيه، إلا أن يجري فيه من قومه ما لا يظن وقعه، وكان ظنه بالله تعالى إلا يخليهم وما يريدون والله أعلم. وأما من خالف هذا الرأي قال: أنا لا ننكر وجوب الهجرة من دار الكفر، وعلى كل دار كان الكفار ظاهرين عليها، والمسلم فيها غير مجلي وإسلامه، وهو في كل وقت فيه على نفسه في دينه، ولا فرق في ذلك بين كفر وكفر. وأما ما كان من دار الإسلام إلا أن الفساد كان غالبًا فيه أو بعض الأهواء، أو كان أهله ظاهرين على أهل الحق فلا تحبب الهجرة منه. وكذلك المسلم في دار الكفر إنما كان على دينه، ولا يعرض له ولم يكن يخاف أحدًا على دينه ولا نفسه ولا ماله، فليس عليه أن يهاجر منها إلى غيرها. وأما الأول فلأن الدار دار الإسلام، فلا يجب على مسلم هجر داره. وأما الآخر فلأن مكانه من دار الكفر قد ظهر من نجاسة الكفر، فصارت له كالدار كلها لأهله، لو أسلموا مكانه فإن أوذي أو منع من التدين بالإسلام هاجر إن استطاع، لأنه قد صار محولاً بينه وبين سكانه من الدار، إذ قد فارق أن تكون له مأمنًا وعقدًا، كما تكون المساكن لأهلها، ولا سبيل إلى رفض الدين. فأما إذا لم يمكنه أن يقيمه إلا بالهجرة، هاجر والله أعلم. وأما قول الله :﴾ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴿. فالمراد يد القادرون على الهجرة من مسلمي أهل مكة إذا لم يلحقوا برسول الله ﷺ ، يوعدهم الله لهذا الوعيد الغليظ على تلك الهجرة، واستثنى العاجزين عنها ذكورًا كانوا أو أناثًا، وكبارًا أو صغارًا، ومناهم العفو والمغفرة، ثم أخبر عما في الهجرة من الفضل والمهاجر من الثواب، فقال:﴾ ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ﴿. فأخبر أن أجره لا يضيع وعمله لا يحبط

стр. 716

عاش حتى وصل إلى رسول الله ﷺ أو احترم دونه. وهذا كله قبل الفتح، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام سقط فرض الهجرة فقال رسول الله ﷺ : (لا هجرة بعد اليوم). وإنما كانت الهجرة قبل الفتح واجبة لمعنيين. أحدهما حيلولة المشركين من أسلم بها، وبين التدين بالإسلام والعمل به، وكانوا هم الظاهرين عليها ولم يكونوا يطافون. والآخر أن النبي ﷺ هو الإمام والمتبع، فلما هاجر من مكة وهي وطنه، وفيها عشيرته، لم يكن لمسلم أن يرغب بنفسه عن نفسه فيقيم بها وهو مفارق إياها، رغبة عنها لظهور الكفر فيها واستيلاء الكفر عليها. فلما فتح الله تعالى مكة لنبيه ﷺ فصارت دار الإسلام بعوده إليها، زال المعنيان جميعًا، فزال معنى الهجرة. وفي وجوب الهجرة على من أسلم بمكة معنى ثالث، ولكنه ذلك إنما يكون بعد نزول فرض القتال، لزم المسلمين من أهل مكة أن يتحيزوا إلى رسول الله ﷺ ليكونوا معه يدًا واحدة على قتال المشركين، ولئلا يغتالهم أهل مكة إن سمعوا أن النبي ﷺ قد هم بقصدهم وقتالهم، فتجتمع لهم الأمة على أنفسهم، والاجتماع مع أخوانهم على قتال الأعداء والله أعلم. فإن قيل: فما الذي يفعله المبتلي لمجاورة الفساق وأهل الأهواء؟ قيل: يعمل لخاصته، ويدرأ العوام، وقد يمكنه من ذلك ما لم يمكن المبتلي بمجاورة المشركين، لأن للفساق يعلمون إن خلاف ما هم فيه، فلا يحملهم ذلك على أن يتحولوا بين الصلح وإصلاحه، وأهل الأهواء قد علموا من أنفسهم أنهم متأولون، والمتأول قد يخطئ ويصيب فلا يحملهم ذلك أيضًا على أن يكرهوا أحدًا منهم من يخالفه على إتباع هواه، فيصير المحق أن يرجى بين ظهرانهم أيامه، وليكم المصلح أيضًا أن يدافع فيما بين المفسدين أوقاته، وليس المشركين كذلك لأنهم يعتقدون أنهم المحقون، وإن المسلمين هم المبطلون قطعًا بذلك وبناء فلا يبعد أن يحملهم ذلك على أنه المسلمين واغتيالهم. فلذلك يلزمه إذا أشفق على نفسه ويخاف أن يقضي على دينه وإن لم يكن لهم منهم مخافة فلا هجرة عليه والله أعلم.

стр. 717

السابع عشر من شعب الإيمان وهو باب في طلب العلم والعلم إذا أطلق علم الدين، وهو ينقسم أقسامًا. فمنها علم الأصل. وهو معرفة الباري جل ثناؤه، وقد تقدم القول عن كثير من فصولها. ومنها معرفة ما جاء من عند الله تعالى. ودخل في هذا علم النبوة، ومما تميز به الشيء من الشيء. وعلم أحكام الله تعالى وأقضيته. ومنها معرفة بطلب علم الأحكام فيه وهو الكتاب والسنة. نصوصها ومعانيها، وتمييز وجوه القياس وشروطه ومعرفة أقاويل السلف من الصحابة والتابعين ومن دونهم، وتمييز الاجتماع والاختلاف. ومنها معرفة ما به يمكن طلب الأحكام في الكتاب والسنة، وهو العلم بلسان العرب وعاداتها، وفي مخاطباتها وتمييز مراتب الأخبار لينزل كل جزء منزلته، ويوفي بحسنها حقه، ثم أن طلب العلم من فروض الدين، إلا أنه من فروض الكفاية دون الأعيان والمقدار الذي يجب طلبه وتحصيله منه ما يقع به الكفاية للعمل. وأفتى من لا علم له عنده ممن ينزل به ونبوته، فإن فرض أولئك مسألة العلماء وتقليدهم وذلك أن يعمل أن الدلائل الدالة على الباري ﷻ ، وقدمه ووحدانيته وقدرته، ما يخرج به من معرفة الله من حدود المقلدين، ويتسع به للدعاء إلى سبيله والنصح بالحجة عن دينه، ويعلم من دلائل النبوة ما يخص منها نبينا ﷺ ما يستيقن بنبوته وصدقه ويكمل به للنصح بالحجة عنه، ويعلم من علم الكتاب ما يميز به الحكم من المتشابه، والخاص من العام، والمحمل من المفسد، والمطلق من المفيد، والظاهر من المحتمل، والناسخ من المنسوخ، والمجازي من الحقيقة، والأمر من الندب، والإباحة والنهي عن

стр. 718

التنزيه، وما جاء منها بلفظ الخبر وليس بخبر. ومما جاء بلفظ الخبر وهو بالحقيقة خبر فإذا ميز وجوه الخطاب بعضها من بعض، وعرف الأكثر مما جاء في كل شيء منها، وقال الناس في تأويله، وإلا ظهر الأشبه أن يكون هو المراد، فلا عليه أن بقي وراء ذلك شيء لم يبلغه فلم يعلمه. فإن الإحاطة بعلم الكتاب كله لم يكن إلا لمن أنزل عليه. وأما الناس بعده، فعلم الكتاب فيهم متفرق ولا يؤخذ عند أحد منهم إلا تعلمه. وعلوم الكتاب كثيرة. منها علم بألفاظه وما أريد بها، وهذا هو الذي يقال له التفسير، ويدخل في هذا القسم ما اختلف فيه من القراءات ووجوهها. ومنها علم المكي والمدني وأسباب التنزيل، ومن نزل فيه وما نزل لأجله. ومنها علم الحاجات التي فيه، فقد أودعه الله تعالى من البراهين والحجج ما إذا عرفت حق المعرفة لم يحتج معها ولا وراها، إلى غيرها. ومنها علم الأحكام المثبتة فيه جملة وتفصيلاً وتمييز الثابت منها والزائل. ومنها علم الأمثال المضروبة فيه، والوقوف على ظاهر أمثاله فيه ودلائل عليه. ومنها علم الوعد والوعيد والمدح والذم. ومنها علم القصص وأنباء الأولين المذكورة للاعتبار بها وتسلية النبي ﷺ وتصبيره. ومنها علم ما فيه الحث على الاعتصام بالله والالتجاء في النوائب إليه، والدلالة على وجوه الاحتراس من شياطين الأنس والجن. ومنها علم الأخبار بالعواقب تبيينًا للنبي ﷺ وتبيينًا للمؤمنين. ومنها علم إعجازه ومبانيه في نظمه شعر الشعراء وخطبة الخطباء، وبلاغة البلغاء، وما بني من هذه العلوم إلا ويوجد منه في السنة مثل ما يوجد فيه في الكتاب إلا الإعجاز، فإنه يخص بالقرآن، وفيها زيادات كثيرة لأن الله جعل نبيه ﷺ مبينًا الكتاب، ومعرفًا للناس منه بما لا يدركونه إلا ببيانه، وأوصى الله كثيرًا مما لا ذكر له في الكتاب، فبلغه عنه كما لا أن ما ينتهي من سنته إلينا، فقد تأتينا متواترة، وقد تأتينا مستفاضة غير متواترة، وقد تأتينا من قبل الاحاد، والقلة يختلفون مرة، ويتفقون أخرى، وقد يكون الناقل موثوقًا به، وقد يكون غير موثوق به، ومواقع الثقة تختلف.

стр. 719

فيكون منه الجرح ألين، وقد تكون منه الشهرة بالتدليس أو الغفلة أو مخالفة الحفاظ الإثبات لمن شاركهم في الرواية، ولا يكون في منزلتهم. ومن الأخبار ما يعارض ومنها ما يلم من التعارض، ومنها مسند ومرسل فمنقطع ومنقطع لا غنى بالمعنى من رواية الأكثر الأظهر من عامة ما وصفنا، فإن شذ عنه بعد الطلب الحثيث والعناية الشديدة بعض ما ذكرناه بلا غلبة ولكنه لا علم له أن يعتمد ما يراه مثبتًا في كتب العلماء، ويشهدوا على أنه سنة حتى يسمعها فمن يرويها له وحدثه إياها بإسناد متصل منه للنبي ﷺ بكون نقلتها عدولاً، وكلما قلت أنه لا شيء على من جهله من بيان الكتب والسنة، فإنما أريد به، إن العالم الذي حصل ما رواه، إن عمل بخلافه أو أفتى به غيره بعدما أوجبه الاستدلال عنده، فلا حرج عليه فيه ما لم يبلغه الذي قضي عنه، أو ينصح له ما كان كائنًا عليه. فإذا علم منه ما كان لا يعلمه، فقد صار محجوبًا به، والتحق بسائر ما عنده، وكذلك أقاويل السلف وما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه لا يتهيأ أن يحاط بجميعها، ولكن أكثر ذلك قد عرف وحفظ وجلد في كتب أفردت لذلك الاختلاف ما خلد من السنن وتفسير القرآن وتأويله. فينبغي للمفتي أن يتبع ما جاء منها ولا يقتصر على ما عده منها في كتابه دون أن يسمعه ممن يبلغ وتأويله. فينبغي للمعنى به قابله، ثم يقابل بعضهما ببعض ويتحر عند العمل والفتيا أرجحهما. ولا يحل له أن يتخذ لنبيه ﷺ عديلاً من أمته، فينصبه بالانتساب إلى مذهبه، ويعادي فيه، ويوالي ويدع لقوله السنن الصحاح، ولا يبالي بل ينبغي له أن ينزل علم السلف منزلة واحدة، إلا المقدار الذي ظهر من فضل بعضهم على بعض، فإنه لا يذكره ولا يدفعه، ولا يلزم إتباع أحد منهم بعدما جهد، وتبلغ حد المجتهدين، وصار من أهل الفتوى والقضاء بين المسلمين، قد يجد قوله على الإنفراد أمامه، ولا وفاق أصوله أصله وليتبع النبي ﷺ الذي هو من أمته، ومحجوج بالكتاب الذي أنزل عليه من ربه. وما يثبت عنده من قوله وفعله وبسحر وفاقه لا زمان من دونه، وليحذر خلافه، لا خلاف من ليس مثله، وليعلم أنه هو المعصوم، المبرأ من الكذب فيما يبلغ، والخطأ فيما يحكم. والمنزه من كل قصد فيما اصطفاه الله تعالى من النبوة، وأكرمه به من الرسالة. فأما من عداه كائنًا من كان، من أفراد الصحابة والتابعين فليس أحد منهم في درايته ورأيه، معصومًا من الخطأ أو الزلل، ولا عنده من علم الدين

стр. 720

لا يبغضه، وإن كانوا قد يتفاوتون، فيكون البعض الذي عند واحد منها أرجح من البعض الذي عند غيره. وينبغي لمن أراد طلب العلم، ولم يكن من أهل لسان العرب، أن يتعلم اللسان أولاً، ويتدرب فيه، ثم يطلب علم القرآن، فلن تتضح له معاني القرآن إلا بالآثار والسنن، ولا الآثار إلا بأخبار الصحابة، ولا أخبار الصحابة إلا بما جاء عن التابعين. فإن علم الدين هكذا أدى إلينا، فبلغنا درجة بعد درجة، فمن أراده فليتدرج إليه بدرجة. فيكون قد أتى الأمر بابه، وقصده من وجهه، فإذا بلغه الله درجة المجتهدين فلينظر في أقاويل المختلفين، ويتخير منها ما يراه أرجح وأقوم، وليقس ما يحدث وينوب على أشبه الأصول وأولاها به. فأما أن يقصد علم الدين ثم يقتصر عند المطلب على قول رجل من علماء السلف، من كان، وإن كان بعد في العلم شأوه، ويتبع ما جاء منه، ويرفض من يخالف ولا يقتديه فكل ما بلغه عنه قلبه، وكل ما بلغه عن غيره تركه، وينتصب مع ذلك داعيًا للناس من احتباه، ومنفرًا إياه عن سواه، كأنه نبه المبعوث إليه وإلى غيره. فيكون المسلم تبعًا عنده، من اتبع متبوعه، ويترك الحائدين عنه عند منزلة أهل الكتاب من المسلمين، إذ كان أهل الكتاب تمسكوا بما لا يتمسك به. وهؤلاء عنده أيضًا عدلوا إلى ما لا يعد إليه. فهذا هو النبأ العظيم الذي الناس عنه معرضون، ولنسألن يوم القيامة عما كانوا يعملون. وأقرب ما يلزم ذكره أن الذي ارتضاه لا يأمنه واتخذه قدوة لنفسه بما كان يرضى أن يكون له، دون رسول الله صلي الله عليه وسلم أمام ينتهي إليه ويقصر نفسه عليه، فلا يقتدي إلا به، ولا يأخذ إلا من علمه، ويقارب من اتبعه، ويباعد من رغب عنه، لكنه طلب العلم حيث وجده، وأخذه ممن كان عنده. فقد كان ينبغي لمن نحا نحوه، وانتهج نهجه أن يأخذ طلبه العلم عنده، كما يأخذ علمه، فلا يتبغض في بدء الأمر قوله، ولا يفسد عليه أصله، فمن يخرج في علم أحد العلماء خاصة، ولم يكن عنده علم تأويل غيره، ولا بالأبواب التي سبق ذكرها، فلا تعد منزلته أن يكون من المقلدين فإن عمل بها أخذه من علمه في خاصة نفسه، فإن كان إمامه حي فسأله عن نازلة نزلت به، وأفتاه فيها برأيه، فيحل له أن يعمل بقوله، ولا يجوز له أن يفتي به غيره، ولا أن يحكم به. ومن طلب من الوجه الذي

стр. 721

ذكرناه، وحصل من علم الكتاب والسنة ما وصفنا، ومن أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا ما شاء، وسلم عقله، وصح رأيه وفهمه بقدر على استنباط معاني الأصول، واهتدى إلى تمييز ما يتعلق الحكم به من جملة أوصاف الأصل مميزة، وكان ممن إذا أخفى المعنى واعتاض لم يصلك عن فهمه، وإذا عارضه مثله، لم يخبر عن تمييز أولاهما، بأن يقال به. كان له أن يعمل فيما ينزل به بعلمه، وأن يفتي به غيره، وكل ما قدمت ذكره في علم الكتاب والسنة، فهو في علم لسان العرب كذلك. لأنه في الجملة لابد منه إذ القرآن إنما نزل بلسانهم وليست فيه كلمة ولا لفظة بلسان غيرهم، ولكن فيها ما كان غير عربي في أصله، فعربه الله تعالى كما كانت العرب بأسرها غير عرب، فعربهم الله تعالى. كذلك السنن كلها عربية، فلا سبيل إلى معرفة الكتاب والسنن إلا بالوقوف على اللسان أولاً، وليس يكفي من علم اللسان علم الأسماء والأفعال والصلات حتى تكون معه، ارتباص فيه ومعرفة لعادات العرب على مخاطباتها. فإن لها في الخطاب مذهبًا وفي البيان عادة، وإذا عرف من لسانها وعادتها ما تيسر به، بعلم الكتاب والسنة، فلا عليه أن يسد عنه من غرائب كلامها، وبدائع أمثالها ما لا يحتاج. وهذا جملة من القول في هذا الباب، فأما تفسيرها فيرجع فيه إلى الكتب المفردة إن شاء الله تعالى. فصل ونتكلم في وجوب العلم وفضله، ثم في بيان إن العلم المطلق علم الدين، وأنه أشرف، العلوم، فنقول إن من الدليل على وجوب طلب العلم قول الله :﴾ وما كان المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذ رجعوا لعلم يحذرون ﴿. أراد -والله أعلم-: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، والنبي مقيم لا ينفر، فتركوه وحده، فلولا نفر بعدما علموا إن النفر لا يسع جميعهم من كل فرقة منهم طائفة لتبقى

стр. 722

بعضها عند النبي ﷺ ، فيحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموا، وفي هذا إيجاب النفقة وإثباته أنه على الكفاية دون الأعيان. ويدله على ذلك أيضًا قوله :﴾ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴿فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنة، ليلزمه سؤال من يعلم عن ما لا يعلم ليعلمه، فيعلم كما دخل فيه من نزلت به نازلة، فلم يعلم الحكم فيها، ودل على وجوب علم التوحيد، خاصة قوله لنبيه ﷺ :﴾ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴿. فأمره جل ثناؤه وبعلم وحدانيته تعالى، وذلك منزلة فوق التوحيد باللسان، ولا شك أنه قبل نزول هذه الآية، كان عالمًا أنه لا إله إلا الله، فدل على أنه أمر باستدامة العلم والثبات عليه، وذلك بالتفكر في آياته الدالة عليه، وإحضارها بالبال، كالرجل يدرس ما قد حفظه لئلا ينساه، كذلك المدرك بالاستدلال يداوم عرض أدلته على القلب لئلا يغفل عنه، ولا يذهل عن مدلوله، وإن كان استيفاء العلم واجبًا على من سبق له العلم بوحدانية الله تعالى، دل ذلك على إن اكتساب هذا العلم على السير عنده بالرجوع إلى الأدلة، والنظر مما يوجبه ليعتقده على وحيه أولى بالوجوب، وإذا وجب ذلك فإنما هو طلب علم وجب على من لم يكن عنده، فكل علم من علوم الدين لم يكن عند أحد، فعليه طلبه حيث يؤمل أن يجده إذا طلبه فيه والله أعلم. وقد يجوز أن يعبر عن معنى هذه الآية بأن يقال بتقدير قوله تعالى﴾ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴿فكن عالمًا أنه لا إله إلا الله. وهذه الكلمة تصلح لابتداء العلم ولاستدامته فانصرف الأمر بها للنبي ﷺ للابتداء به ولغيره إلى ما لا يليق بحاله والله أعلم. وفي هذا الباب عن النبي ﷺ أخبار منها ما جاء أنه قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وهذا نص جلي لا يحتاج إلى الكشف عن وجه دلالته. ومنها ما جاء في التحذير من ارتفاع العلم، وذلك تحريض على طلابه، وهو قوله ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم

стр. 723

يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فآمنوا بغير علم فضلوا وأضلوا) ويدل على وجوب طلب العلم من طريق المعنى، إن عبادة الله تعالى وإقامة فرائضه لا يمكن ولا يتهيأ إلا بعد العلم بما نهجه لعباده من وجوب التقرب إليه، بأن إذا ما لا يعرف غير موجب، وأوجبوا بهذه الدلالة فالعلم إن كان لا يقع للناس اتفاقًا، ولا يعية من غير طلب، بأن أن طلبه واجب والله أعلم. ثم مما يدل على طلب العلم وشرف مقداره :﴾ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴿فقرن اسم العلماء باسم ملائكته، كما قرن باسمه. فكما وجب الفضل للملائكة بما أكرمهم به، بما وصفنا بذلك بحب الفضل للعلماء بما أكرمهم به من مثله. وقال :﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿. فأبان أن خشيته جل ثناؤه إنما تكون بالعلم، وقال في آية أخرى:﴾ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ﴿. فأخبر في هذه الآية إن هذا الجزاء إنما هو لمن خشي ربه. وأخبر في الأولى إن العلماء الذين يخشون ربهم مكانه. قال ذلك للعلماء: وقال :﴾ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴿وقال لرسول الله ﷺ ممتنًا عليه:﴾ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيمًا ﴿. وقال رسول الله ﷺ : (ما عند الله بشيء أفضل من فقه ودين). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلك طريقًا يطلب فيه علمًا إلا سهل الله طريقًا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله لا يسرع به نسبه) وعنه ﷺ : (طالب العلم يستغفر له كل شيء

стр. 724

حتى الحيتان في البحر). وعنه ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع، وأنه يستغفر له الطير في السماء والوحوش حتى الحيتان في الماء) ويحتمل أن يكون تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان في الدنيا فله وجهان: أحدهما أن يعطف عليه ويرحمه، كما قال الله فيما أوصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين:﴾ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴿أي تواضع لهما وتعطف عليهما. والآخر أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها، لأن في بعض الروايات أن الملائكة تفرش أجنحتها: أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم فرشت له أجنحتها في رجليه وحملته عليها فمن هناك يسلم فلا يخفي إن كان ماشيًا، ولا يعني، ويقرب عليه الطريق البعيد، ولا يصيبه ما يصيب المسافرين من أنواع الضرر كالمريض وذهاب المال وضلال الطريق والحصر والله أعلم. وإذا قلنا بالوجه الأول، فيحتمل أن الملائكة الكرام الكاتبون، أولها ينظر إلى كتبه العلم الذين وصفناهم، يعني: البهاء والجلال. فتستشعر في أنفسها تعظيمهم وتوقرهم. وجعل وضع الجناح وفرشه مثلاً لذلك. أي أنها تفعل مع طلاب العلم نحو مما كانت تفعل مع الأنبياء صلوات الله عليهم، لأن العلماء ورثة الأنبياء. ويحتمل أن يجتمع تواضع الملائكة لهم استشعارهم في نفوسهم فضلهم وعلو مقدارهم والدعاء لهم، والرغبة إلى الله تأييدهم وتوفيقهم وتسديدهم والله أعلم. فإن كان ما ذكر عن الملائكة في الآخر فلا يعلم له. بمعنى إلا أن الملائكة تتلقاهم يوم القيامة معظمين إياهم متواضعين لهم، فيحيونهم تحيات شريفة ويبشرونهم بما هم لا قوه من إحسان الله إليهم، ويكون إلقاؤهم ذلك إليهم على سبيل التصابر عنهم، لا على وجه الموقع عليهم، وذلك لما كانت ترضاه من صنعنا، الذي كان الناسخون للأعمال يرفعونه عنهم، حين كانوا في الدنيا والله أعلم.

стр. 725

ويحتمل أن يكون استغفار الحيتان وطير السماء والوحوش لطالب العلم، أن يكتب لله تعالى تعدد كل من أنواع الحيوانات الأرضية استغفاره سبحانه. وجه الحكم في هذا إن إصلاح العالم بأسره بالعلم. إلا ترى أن بالعلم يدرك الطير من السماء، لا يبغي أن يؤذي ويخرج ويقتل إلا إلى الله. ولا يجوز أن يرمي فيخرج أو يقتل نائمًا. وأنه لا يجوز إزعاجها عن مكانها للرجل يأخذ فراخها من أوكارها، وإن ما يمسك منها إذا قص جناحه، ومنع أن يطلب رزقه لم يجز تعذيبه بالجوع والعطش، ولا إمساكه في حر أو برد، ولا يحبسه حيث يناله تلف. وبالعلم يدرك إن إقرار الحيتان في الماء إذا لم يكن إليها حاجة، واجب. ولا يجوز التباهي بإخراجها من الماء والنظر إلى اضطرابها في أكبر من غير قصد إلى أكلها. وإنها إذا اصطيدت للأكل وألقيت في البحر، وجب الصبر عليها إلى أن تموت. ولم يجز وقده بالعصا أو الحجر. وبالعلم كان ينهي عنها ليالي السبت وأيامه حين كان اصطيادها في هذه الأوقات حرامًا. وبالعلم استحلت بعد ذلك، وبالعلم تفضل بين الحلال والحرام من الرجس، فيبقى الحرام ويجنب الحلال في الإحرام والحرم. وعزى كل منها إذا أصيبت، ومن الطائر بما هو جزاؤه، ولا يقبل الحلال الأكل تذكيه إلى كله ولا يؤدي من الحرام إلا ما كان ضارًا مؤذيًا. فما من شيء مما ذكر في الحديث إلا له مصلحة معقودة بالعلم. فإن كتب الله تعالى على كل نوع من الأنواع المذكورة لطالب العلم استغفاره فيجازه جزاء له عنها بعلمه المعقود به صلاحها، لم يكن ذلك مستبعدًا ولا مستنكرًا والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا حسد ولا ملق إلا في طلب العلم). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء ثم الشهداء). وعنه ﷺ : (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين). وأنه قال: (العلم للعامة والعبادة للرجل وحده).

стр. 726

وأنه ﷺ قال: (العلم أحبب إلى الله من فضل العبادة، وخير دينكم الفزع). وأنه ﷺ قال: (يوزن فيزاد العلماء على دم الشهداء). وأنه ﷺ قال: (يقال للعابد يوم القيامة. قم فادخل الجنة. ويقال للعالم قم واشفع). والأخبار في هذا الباب كثيرة لا سبيل إلى استيفائها، ولكنه الذي يزجي له هذه المقامات هو العامل بما يعلم. قال النبي ﷺ : (لا يزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ثلاث شبابه فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به، وأما من أخذ العلم مكسبة لنفسه وحسن السلاطين ليأكل عندهم بعلمه، فمرة يصدقهم ومرة يكذبهم. وإذا رضي عنهم نصرهم، وإذا سخط عليهم خذلهم، والخوف عليهم أكثر منه على غيره) جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، ويدخلوا في الدنيا، فإذا دخلوها، فقد خافوا الرسل فاعتزلوهم وأخزوهم وهذا والله أقل ما في السلطان الجائر. فأما السلطان العادل، فلا بأس بمخالطته لأجل عدله وحسن نظره). وروى أنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الإمام العادل لا ترد دعوته) وسنكتب في هذا المعنى ما هو أقوى من هذا في غير هذا الباب، إن شاء الله تعالى. فصل وأما بيان أن العلم المطلق علم الدين. فهو إن الله لما قال:﴾ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة أولوا العلم قائمًا بالقسط ﴿. وقال:﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿. وقال:﴾ تلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون ﴿. وقال﴾ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾.

стр. 727

لم يفهم السامعون من هذه الآيات إلا العلماء بالدين. فبان إن العلم المطلق علم الدين، إذ كان هو الذي يبتدر إلى إفهام السامعين إذا سمعوا العلم والعلماء، وكان الله سماه العلم إطلاقًا غير مصنف إياه إلى العلوم الذي أراده له بذلك على إن إطلاق الاسم له وغيره هو الذي يحتاج في الإنابة عنه إلى تقييد العلم وإضافته والله أعلم. وأيضًا فإن فضل العلم بحسب فائدته وقدر عائدته، إذ كان العلم إنما يراد لما يوصل به إليه، ولا شيء أعود على العاقل من معرفة الله تعالى بصفاته ومعرفة ما يرضيه عنه ليأتيه. وأما سخطه عليه لتحبيبه، فثبت أن أشرف المعلومات الدين، وأفضل العلوم وأهمها علم الدين، ثم إن كل ما سوى الدين، فإن علمه إنما يحتاج إليه الدين، وما لا يحتاج إلى علمه الدين بوجه وعلى معنى فإن علمه كجهله، أو جهله خير من علمه. فالطب خير محتاج لإقامة الأبدان وحفظ صحتها. ودفع الأسقام عنها. فإن فرائض الله تعالى المفروضة على الأبدان، لا سبيل إلى إقامتها إلا بسلامة الأبدان واستقلالها بما يزاد دواؤه منها، فيلحق من الوجوه بما ينبغي إليه، ولا يطلق الحكم بصنعه، إلا أنه على ذلك تابع لعلم الدين إذا لم يكن مقصودًا لنفسه. لكن المتمكن به من استعمال الأبدان بشرائع الأديان وعلم الحساب يحتاج إليه في بعض مسائل الأحكام، فيلحق ذلك منه بعلم الدين. وأما ما وراء ذلك فليس بمحتاج إليه الدين، وإنما هو فضل يستغل به من فضل زمانه عن الفرائض والواجبات. فإن كان لا أحد يجد فضلاً من الزمان لا يحتاج ما لا أحد ينبغي له أن يصرف همه إلى قراءة المجسطي، وكتاب اقليدس وما يجري مجراهما لأن وقوف همه العالمين لا ترشد على شيء معقول عنه من أمر الدين. ولا يقدر عن معجوز عنه من جملته والاستدلال بما يظهر من أحوالها على الصانع ﷻ من غير العلم، فخفاياها ودقائقها ممكن. وأكثر ما يقوله المدعون علمها فيما لا تقع الثقة به. وقد يمكن أن يكون كما يقولون، ويمكن أن يكون بخلافه فلا فائدة فيه. ومن العجب أن بعض الملحدين هاجم بين ظهراني المسلمين بثلب وتفضيل المجسطي عليه، وزعم أنه ليس في القرآن تنبيه على أمر معقول عنه، ولا أفاده شيء كما في المجسطي

стр. 728

بيان هيئة السماء والأفلاك، ومن عقل فنظر وتأمل علم أنه لا كتاب، وخصوصًا في قدر القرآن اجمع الفوائد من القرآن لأنه ذاك على الباري ، وتعليم أسمائه التي إن يدعي بها، والإنابة عن صفاته، والحث على الاستدلال والنظر والإرشاد إلى وجوه المحاجات والمجادلات، والأذكار بآلائه ونعمه، والتحريض على شكرها، والبيان لفائدة الشكر، ومضرة الكفران، والدلالة على نبوة النبي ﷺ ، والأخبار على من تقدمه من الأنبياء ﵈، وتعديد أيامهم، واقتصاص من كان من قومهم ومعاملة الله إياهم ومؤاخذته للعامدين منهم بضروب من نقمة، لتعتبر بهم هذه الأمة، والإشارة إلى إعجاز القرآن، ولزوم الحجة به، وفرض للعبادة على الناس جملة، ثم نقصها وتضييعها، وتعريف شروطها وحدودها، وتحليل ما اقتضت سعة رحمة الله تحليله، وتحريم ما أوجب بالغ حكمه تحريمه، ونصب الحدود وتقديرها، ووضع الشرائع بين الناس في المعاملات والجنايات، والإيمان والنذور والكفارات، والإبانة عما يفعل به بين المتنازعين وإخبارهم بما لم يكونوا يدركونه بعقولهم من أنهم مبعوثون من بعد الموت، ومحاسبون ومجزيون بأعمالهم، والمسيء منهم يعاد إلى النار، والمحسن منهم يعاد إلى الجنة، ووصف كل من الجنة والنار مما في الجنة من أصناف النعيم، ومما في النار من العذاب الأليم، وضرب الأمثال للناس، ووعظهم. وأخبار النبي ﷺ عن أبناء الغيب ما لم يكن ولا قومه من مثل يعلمون ليزدادوا بصيرة في دين الله، وبعد فإن الكتاب الذي جاءهم به ليس إلا من عند الله، وإخباره وكوائن تكوين في المستقبل حتى إذا كانت ازداد إيمانهم وكتابهم، وتيقنوا إنه منزل من ربهم ويكون أكثر ما ذكرنا في غير موضع زيادة في البيان، وإبلاغًا في التبصير، ولا الفوائد بالحقيقة إلا ما وصفنا، ولا الفوائد إلا ما عددنا. وقد كان الناس غافلين عنها قبل نزول القرآن، أما العرب الذين هم أولاد إسماعيل صلوات الله عليه، فقد كانوا أضلوا شريعته، وأما ولد قحطان فقد كانوا من الشرائط أهل الإلحاد فجاء القرآن هدى من الله تعالى ورحمة وشفاء لما في الصدور. فكيف يجوز الملحد الذي حكينا قوله: أن يقول إن القرآن لم ينته على أمر معقول عنه، وهو بالحقيقة إنما نزل للتنبيه عن الغفلات العظيمة التي ذكرتها. ووجدنا هذا الملحد مع قرع القرآن سمعه في أشد الغفلة عن معرفة الله تعالى. فما الظن لو لم يسمعه وأمثاله الذين سمعوا نزوله؟

стр. 729

فأما المجسطي وما ذكرنا فيه فإنه على الاستئناس وكتاب الفراغ يقرأه الكسالي والمترفون والمحجوبون عن الله تعالى بسوء النيات، ودخول الظنونات الذين لا يؤهلهم الله تعالى لقراءة كتبه وإتباع سنن نبيه، ويصرف قلوبهم عن علم سعته، كما قال :﴾ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد، ثم انصرفوا، صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون). وما منزلة هؤلاء القوم وما القوة من فصول الهندسة وهيأة العالمين، وذكر إجرام الكواكب وأبعادها وطبائعها بزعمهم، من قراء القرآن، وطلاب الآثار والمجتهدون في علم القضايا والأحكام، إلا منزلة عبيد بين مالكهم، لهم دار، أو أسكنهم إياها، وقدر لهم فيها كفاياتهم، وكتب لهم بجوامع أمره ونهيه ووعده ووعيده كتابًا. ونصب عليهم فيما يذكرهم متى نسوا، ويقومهم متى زاغوا، فامتثل بعضهم أمره وعظموا كتابه، وأطاعوا يمينه، وحكموه على أنفسهم، وصارت هذه الطائفة تشد بعضها بعضًا، ويقوم عالمهم على جاهلهم وكبيرهم على صغيرهم، ولا يغنهم الأرض مالكهم أن يسلم لهم وطاعته أن يكون منهم، ورفض الآخرون هذا كله، وأقبلوا على الدار التي أسكنوها بناء صلوبها، وينظرون كم عرضها وطولها، وما فيها من البيوت، وقدر كل بيت منها، وبعد ما بين البيت والبيت، وأنها أسخن، وأنها أروح وأنها، أقدر وأنها أيبس ويعطلون الأوقات التي تأتيهم فيها المواد. والألفاظ من عند مالكهم. وينزعون ما يأتي منها ويصفون أحوالها وطبائعها، ويتكلمون على الزمان الذي يأتيهم فيه الحر والزمان الذي فيه البرد، ويقدرون كلاً من ذلك بمقدار، ويخوضون في هذه المعاني خوضًا يشغلهم عن عهد مالكهم، وينسيهم أمرًا لضم المنصوب عليهم، ثم اختلفوا على ذلك. فقال الأول: هذا دار مولانا أسسها وأحكمها ورتب فيها دياناتنا، وأزواج بها علينا. وسيدعونا يومًا فنجيب، ويحاسبنا بأعمالنا ويجزينا بالخير خيرًا وبالشر شرًا. وقال الآخرون: إنكم مغرورون، سفهاء لا تعقلون، ما لنا مولى ولا يؤمنا أحد ولقد كانت هذه الدار قبلنا لأمثالنا، وما نرجو من أحد حسنًا ثوابًا، ولا نخاف إنسانًا عقابًا. وقال بعضهم: بلى إنا لنا مولى، ولكنه وجد إلات الدار وما فيها حاضرة، فركبها ونظم بعضها بعضًا، لم يكن يقدر على أحسن منه، ولا على صنع دار أكبر من ذلك.

стр. 730

فهؤلاء الفلاسفة الذين سموا أنفسهم حكماء، وأصحاب المجسطي والاقليدسيون. والأولون في القرآن بالليل والنهار، فيتبعون السنن والآثار. فلينظر العاقل بعقله في بعد ما بين الفريقين، ولنستعذ بالله من أسوأ المثلين وما فيه العصمة. وأما علم الألحان وتأليفها. فإن الأوائل المحتجين إلى الحكمة سموه العلم الأوسط، وعدوه ثاني علم التوحيد. وجعلوا الثالث على الأبدان والطب، وقد أبطلت الشريعة حكم العلم واسمه، وشرفه على تأليف الألحان والحقته باللهو، وحكمت عليه بحكم الباطل واللغو وهو الذي يقول: إن جهله خير من علمه. لأن الذي يعلمه من زمان صنيعه، إما بتعليم غيره، وإما باستعمال ما يعلم منه، وكل ذلك تضييع للعمر واستفاء دله بالباطل وإنما أذن للناس في تحسين الصوت بالقرآن من غير معنى فيه، ورخص في الحداء ونشيد الإعراب. فأما ما جاوز ذلك مما لا يراد به إلا للتطرب، ولا يستعمل إلا في غزل، وإذا أريدت المبالغة فيه، استعين عليه بتحريك الأوتار ونحوها، فإنه لهو باطل، وإن ما عمل كان بنفسه لهوًا وباطلاً لم يكن العلم به شرفًا والله أعلم. وأما علم الصناعات: فإنه لمصالح المعاش الذي فيه يتمكن من العبادة، فهو تابع لعلم الدين، كما أن علم الأبدان تابع له. فثبت بجميع ما وصفنا أن العلم المطلق المستحق للشريف والتفضيل علم الدين وبالله التوفيق. وسمعت أحد علماء الطب يدعي أن أشرف العلوم بعد علم التوحيد علم الطب، ويحتج بحجتين، أحداهما أنه علم متفق عليه، ليس في العقلاء أحد يبيحه، والثاني. أنه يشتق لله تعالى منه اسم، لأن النبي ﷺ قال: (طبيبها الذي خلقها) ولا يشتق له في الفقه واللغة والنحو والتنجيم قط. فصح إن الطب أفضل العلوم. والجواب: إن ما ادعاه من أن علم الطب متفق عليه، فليس كذلك، وقد ذهب كثير من الناس إلى أن علم الطب لا يجري فيه القياس، وإنما هي تجارب. والتجارب قد تختلف، فربما يقع وربما قيل: واستدلوا بأنه من نوع من العلاج أشار به الأطباء في مرض إلا وقد عوفي به قوم، وهلك معه قوم. فصح أن علم ليس يجري فيه القياس ويدرك

стр. 731

به أصل وقد صنف الناس في هذا كتبًا، وتكلف قوم من الأطباء الرد عليهم والنقض لقولهم، فكيف يقال: أن علم الطب متفق عليه، وعلى أنه لا اختلاف بيننا وبين مؤمني الأطباء، إن علم التوحيد أجل وأفضل وأشرف من علم الطب، وإن الخلاف معهم في علم الأحكام. ومعلوم أن التوحيد مختلف فيه، وإن كان بطلان قول المخالف فيه ظاهر لإخفائه، ثم لم يوجب الاختلاف فيه حط علمه عن مرتبة علم الطب، الذي لا خلاف فيه، فكذلك علم الأحكام فانتقض بهذا كلامه. والجواب: عن استدلاله بما يشتق لله تعالى من اسم الطب فيدعي طبيبًا فهو إن هذا ليس بمسلم، وليس الطبيب بموجود في أسماء الله تعالى، ولا يجوز أن يقال لله تعالى عند الدعاء يا طبيب. وإنما روى أنه كانت تظهر رسول الله ﷺ سلفه، فقالوا له: لا تدعو لك طبيبًا؟ فقال: (طبيبها الذي خلقها) أي إن الذي ترجونه من الطبيب، فإني أرجوه من الله . وهذا لا يوجب أن يكون قد سمى الله طبيبًا، كما أنه قال: (لا تسبوا الدهر) فلم يوجب ذلك تسمية الله تعالى دهرًا. وأيضًا فإن الله تعالى سمي صانعًا، ولا يدل ذلك إن علم الصناعات أشرف من علم الأحكام. فلذلك إن جاز أن يقال لله تعالى من بعض الوجوه طبيب فذلك لا يوجب أن يكون الطب أشرف من علم الأحكام. ويقال: إن علم الفقه علم الأحكام. ولئن كان لا يجوز أن يدعي الله فقيهًا، فإنه يجوز بل يجب أن يسمى حاكمًا وقاضيًا. فقل: إن علم القضاء والحكم أشرف مما عداه، وبالله التوفيق.

стр. 732

الثامن عشر من شعب الإيمان وهو باب نشر العلم وأن لا يمنعه أهله فإذا حضر العالم من يسأله عن علم عنده سؤال المسترشد المستفيد، أو يحال ذي الحرج الشديد، وجب عليه إخباره بما عنده، ولم يسعه كتمانه. والحرج في كتمان النصوص أشد منه في كتمان الاستنباط. قال الله :﴾ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ﴿. فأبان الله على المقيمين أخبار النافرين إذا رجعوا إليهم بما حملوا في حال غيبتهم من علم الدين. ليشارك الغريقان في العلم، ولا يستأثر به من حضر دون الذي غاب. وقد قال الله :﴾ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴿فثبت إن علم الدين محمول عن أهله على شريطة الأداء إلى من يعرض له على ألا ينفرد به حامله ولا يرويه غيره. وقال :﴾ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴿. فلما أمر من لا يعلم أن يسأل العالم، دل على إن العالم إذا سئل أن يجيب. كما أنه لما أمر نبيه ﷺ فقال:﴾ خذ من أموالهم صدقة ﴿. دل ذلك على أن من طالبه بصدقة، فعليه أن يدفعها إليه. وجاء عن النبي ﷺ قال: (نضر الله أمرء سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها. فرب متبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). وجاء عنه صلى الله عليه وسلم

стр. 733

(ألا فليبلغ الشاهد الغائب). وأنه ﷺ قال: (من سئل عن علم فكتمه، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار). وأنه ﷺ قال: (مثل الذي يتعلم العلم ولا يتحدث به كمثل رجل أعطاه الله مالاً فلا ينفق منه). ويدل على ما قلنا أن طلب العلم إذا كان فرضًا على الكفاية دل ذلك على أن الطالب طالب لنفسه ولغيره. فأي علم حصل له فهو بمنزلة عنده، فإذا سئلها كان عليه أن يرد بها لقول الله :﴾ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴿. وأيضًا فإن الله ألزم من ائتمنه مثله على ماله أن يؤدي إليه الأمانة. فقال تعالى:﴾ فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴿. فدل ذلك على أن من ائتمنه عالم على علم عنده، بأن ألقاه إليه لزمه أن يؤدي الأمانة فيه. ومن أدى الأمانة فيه إذا طلب منه أن لا يكتمه. وأيضًا فإن في منع العلم هجر الدين، والتعفية على آثاره، وحمل الناس على ارتكاب العظائم وانتهاك المحارم. فدل ذلك على أنه حرام ممنوع والإثم فيه كبير، وبالله التوفيق. فصل وإذا كان في البلد علماء فأي واحد منهم جاءه سائل فسأله عن علم عنده، ليتعلمه فينبغي له أن يخبره به، ولا يكتمه. ولا يجوز له أن يقول: سل غيري، فإن عنده من العلم مثل ما عندي، فإن طلب العلم وإن كان في نفسه فرضًا على الكفاية، فإن الذين حملوا العلم يلزم كل واحد في عينه، إذا ما عنده منه، إذا سئل عنه، كما إن الناس إذا دعوا إلى حمل الشهادة كانت الإجابة لازمة بقدر الكفاية. وإن حضروا جميعًا أو بعضهم فيحملوها ثم سئلوا إقامتها لزم مستشهد في عينه أن يؤديها، والله أعلم.

стр. 734

فإن أغفلت العامة ما يلزمها من سؤال العلماء، عما يفوتهم، وأعرضوا عن العلماء بواحده، وخاف العلماء أن يخلو البلد من العلم أن انقرضوا، ولم تحمل منهم ما حملوه ولا سئلوا عنه فأدوه. ويعفوا إعلام الدين، وتدرس آثاره، كان عليهم أن يدعوا الناس إلى التعلم منه، ويحثوهم على الرجوع إليهم فيما يفوتهم، ويبصرونهم ما في رفض العلم، وقلة الحفل بالحكم من عظيم الضرر والإثم. ويذكروهم ويسمعوهم ما يرجون أن يردعهم فيملأوا أبدانهم بالوعظ والنصح، ويرووا لهم الأخبار ليخرجوا إليهم من عهدتها ويرفعوا أحوالهم إلى السلطان، ليأمرهم السلطان بتعلم الدين، والرجوع إلى العلماء في ثوابهم، وإلى حاكمه في مطالبهم. فإذا لم يفعلوا أمر واحدًا أو أكثر بقدر سكان البلد ليجلس وقتًا معلوم، للتذكير والرواية والفتيا. ثم أمر العامة أن يحضروا المجلس، فإذا حضرت منهم طائفة تدرك ما تسمع وتحسن أن تسأل عما يحتاج إليه وتعي ما يجاب به أمسك عن الآخرين. وإن كان السلطان لا يوثق لما يلزمه بحسن العلماء لهم في مشاهدتهم الأخبار التي يرون إنها أجمل للتذكير، فأسمعوهم منها ما يظنون أنه أنجع فيهم وأحق بحسن الموقع منهم. فإن أصابهم في ذلك مكروه صبروا واحتسبوا كما صبر الأنبياء والمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين. قال نوح:﴾ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًأن فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا، وأني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا. ثم أني دعوتهم جهارًا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم أسرارًا ﴿. وقال لنبيه ﷺ :﴾ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴿. وقال:﴾ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ﴿. وحكى جل ثناؤه عن لقمان فيما وعظ به ابنه:﴾ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴿. وبالله التوفيق.

стр. 735

فصل وهذا الذي ذكرت عن وجوب نشر العلم على العالم، فإذا أردت به علم الكتاب والسنة، فلا يجوز أن يسأل عن أنه إن يكتمها ولا يخبر بها. ولا أن يسأل عما جاء في تفسيرها، وقد سمع فيه شيئًا أن لا يخبر به. ولا أن يسأل عن حكم نازلة عنده فيها خبر عن رسول الله ﷺ أو أصحابه أن لا يؤديه كما سمعه. وينبغي لمن روى عن رسول الله ﷺ حديثًا، ولم يكن عالمًا متقنًا أن يرويه كما سمعه، ولا يعبر عنه لفظًا، ولا يقدم مؤخرًا، ولا يؤخر مقدمًا. وإن كان عالمًا فطنًا جاز له أن يبدل اللفظ بمثله، فإن أخطأ كان اللفظ محتملاً، أبدله بما يحتمل كاحتماله، ولا يتجاوزه، وإن كان غير محتمل أبدله بما يحتمل غير معناه، ولا يبدل خاصًا بعلم، أو عامًا بخاص، ولا مطلقًا بمقيد، ولا مقيد بمطلق، ولا خبرًا بأمر، ولا أمرًا بخبر، وإن كان الذي يسأل عنه العالم، رأيًا، تأمل، فإن كان عنده به المسلمين فيما وقع السؤال عنه، وأي مجتمع عليه فينبغي أن يخبر به، وإن كان يعلم من العلماء اختلاف رأي أخبر بما يحفظ منه، وإن لم يكن عنده فيه إلا رأيه الذي أداه إليه نظر. فإن كان السائل متفقهًا يسأل عما يسأل العالم، أخبره برأيه. وإن كان عاميًا يسأل للعمل لا العلم، وقد وقع له ما يسأل عنه، أو كان سئل لمن وقع فعليه أن يفيه به. وإن لم يقع ذلك لأحد. فإن شاء أفتاه، وإن شاء لم يفته، والأخبار أن لا يفتيه. فقد روى أن بعض الصحابة كان إذا سئل على شيء يقول: أوقعت؟ فإن قالوا: نعم أجاب. وإن قالوا: لا قال: فحتى تقع، وهذا لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة. ولا ضرورة إذا كان السؤال عما لم يحدث فأشكل حكمه فكان إحباط العالم للفتية في أن يكف عن الاجتهاد إلى أن يحدث ما نظره إليه، ويؤكده أنه قد يجتهد حتى يسأل فيرى رأيًا، فإذا وقع ما يسأل عنه، لم يجز له أن يفتي برأيه المتقدم، لكن لزمه أن يحدث اجتهادًا جديدًا. فإن أداه الثاني إلى غير ما أداه الأول. لم يجز له أن يفتي إلا بالثاني. فعلمنا إن الاجتهاد قبل حدوث الحادثة وبال على صاحبه. وإنما جاز أخبار المتفقة بالرأي السانح في الحال، لأن الغرض تثبيته

стр. 736

وإرشاده إلى طريق النظر والانتباه وتفتيح ذهنه. ألا ترى أنه لا يجوز أن يفتي غيره بما يسمع، فبان في ذلك أنه يخالف لما يسأل العمل وبالله التوفيق. فصل ولا يجوز لمن كانت عنده أخبار عن رسول الله ﷺ يسأل عنها أن تمتنع عن روايتها، ليعطي عليها مالاً، لأنه لا يؤدي عن رسول الله ﷺ ما أداه الرسول إلى أمته. ومعلوم أن الله تعالى لم يكن أطلق أحدًا الآخر من أمته على ما يبلغهم إياه عن ربهم، ولذلك لا ينطلق ذلك لأحد من المؤدين عنه وإن رواها وأخبر بها قومًا. ثم رغب قوم آخرون في سماعها فهم بالخيار بين أن يسمعوها من الذين سمعوا قبلهم ولا يمنع أولئك السامعين خبره صاحبهم الذي حدثهم أن يرووا، فيحدثوا. ومن أن يسمعوا ممن سمع منه الأولون. فإذا أرادوا ذلك، لم يكن للعالم أن يمتنع عن تحديثهم، ويقول لهم: اسمعوا من بعض من قد سمع مني، لكن منزلة هؤلاء الآخرين كمنزلة الأولين، لأنهم يحتاجون إلى ما عندهم مثل حاجتهم، ولو كان الذي سمع منه شريك قيمًا سمع له، لم يكن له أن يحمل الراغبين في روايته، فكذلك لا يكون له أن يحملهم على الذين سمعوا منه فإن قيل: إنه إذا روى ما عنده فسمع منه، فقد أدى الأمانة، وأراح المحتاجين لعلمه. فإن أبي أن يسمع ممن سمع منه، فإنما يريد على الإسناد والإسناد النازل في إفادة الناس، وإلزام الحجة كالإسناد العالي. فهلا قلتم أنه يلزم العالم أن يجلس للآخرين فيحدثهم كما حدث الأولين. قيل: لأنه إذا ألزمهم السماع من بعض من سمع منه عرضهم لكلفة ذات خطر، وهي أن يجتهدوا فيمن يسمعون منه لم يروون عنه، ولا يأمنون أن يزالوا عند الاجتهاد، فيرون من ليس بعدل عدلاً فيصدقوه في روايته، ويثقون به في الرواية عنه، فيكونوا قد ائتمنوا الخائن وعدلوا الفاسق، وقبلوا خبر من أوجب الله تعالى التثبت في خبره، ورأوا من هو عدل غير عدل، فيدعوه، وفي ذلك تخوين الأمين، وتفسيق العدو، وإضاعة السنة، فلم يجز له ذلك.

стр. 737

كما كان لا يجوز له في أول ما سئل عن الحديث أن يكتبه، فيعرض لم يبلغه ولم يسمعه الاجتهاد فيما جاء الحديث فيه. ولعله إذا اجتهد أخطأ وترك وظن ما ليس بحكم حكمًا، وأنزل ما ليس عند الله حقًا. فلما لم يسعه في أول الأمر كتمان الحديث، فلهذا المعنى لم يسعه من بعد ردهم إلى أحد بمن الذين جاءوا أخر وإحالتهم على الأولين والله أعلم. وإن أخبر العالم بما عنده قومًا فسألوه أن يعيده عليهم مرة أو أكثر ليحفظوه. فإن كانوا فهموه وأدركوا معناه، ولكنهم أغفلوا ألفاظه أو بعضها لم يكن عليه أن يعيده عليهم، وإن كانوا لم يفهموه مع علمهم باللسان، فعليه إعادته، كما عليه تحديث غيرهم به إذا سألوه. لأن حاجة الذي سمع علم يفهم، وهو يرجو إذا أعيد عليه أن يفهم لحاجته من لم يسمع، وهو يرجو إذا سمع أن يفهم، وكذلك لو سمع وفهم ثم نسي واستعاد، فهو كالذي لم يسمع. وعلى الراوي بحديثه إلى ثلاث، فإن جاوزها لم يكن عليه أن يعيده بلا عوض، وينبغي أن يكتبه السامع لئلا ينساه، أو يستكتبه غيره، وهذا إذا نسي الحديث أصلا، فلم يذكر لفظه ولا معناه. فإن استعيد ما روى في مجلس واحد مرات ليحفظ ألفاظه بعدما فهم معناه، كان له أن لا يفعل إلا بعوض، لأن هذا تعليم لا رواية. فإن الحديث قد حصل عند السامعين بما عرفه من معناه، وإنما يريد أن يحتمل ألفاظه بأعيانه لئلا يحتاج إلى أن يكتبوا ما عرف من المعنى ألفاظًا من عنده، إذا أخبر به غيره، وإنما كان على الراوي إذا ما سمع إليه ليشركه في علمه. فأما إنكاره على إبلاغ ذلك، فليس إليه. ألا ترى أنه لو كان لا يقدر على الحفظ، ولم يكن عنده ما يكتب فيه، أولا لا يحسن أن يكتب لم يلزمه أن يكتب له بغير عوض وكذلك لا يلزمه أن يكرر عليه ما روى عودًا على بدء، وليحفظ فيمكنه أن يؤديه إلى غيره بغير عوض والله أعلم. وإذا استملى العالم الحديث فعليه إملاءه، وإن كان ما رواه وسمع منه ثم استعيده إملاء، فعلى ما وصفت والله أعلم. وإذا حضر ليسمع منه الحديث، فأذن في القراءة عليه فقالوا: نريد لفظًا كان به أن لا يتكلف القراءة بنفسه إلا بعوض. وإنما يحرم عليه إذا لم يخرج ما عنده، فيقرأ أو يقرأ عليه إلا أن يعوض. فأما إذا أخرجه وأمر بالقراءة عليه فكلف أن يقرأ، فهذا شغل زائد على التبليغ والأداء، فله أن لا يفعله بغير عوض له

стр. 738

وإن أعطى لم يجز له أخذه، وإن حضر من يقرأ عليه، إلا أنه أبى أن يقرأ كغيره بلا عوض. فإذا كان قد سمع عنه ما يريد الآخرون سماعه، كان له أن لا يقرأ، إلا كعوض. وإن كان قد سمعه من غيره ولم يسمعه منه لو لم يسمعه من أحد فلا عوض عليه، وأن يحدث بالحديث أو الحديثين أو الثلاثة ما زادوا فيه، أما بطول به المخبر منقطع به عن البغي على نفسه وعماله، بأن له أن يأخذ على إدمانه الجلوس، وتعريفه نفسه لهم ما يعطونه، ما لم يكن شرفًا، والشرف أن يطالبهم بأكثر مما كان يعود عليه من سمعه، لو لم يجلس لهم والله أعلم. ومن روى حديثًا سمعه من المروي عنه لفظًا أو جرى عليه فأثر به سواء قال حدثنا فلان، أو قال: أخبرنا والأمثل إذا كان إنما سمع قراءة على من يرى عنه أن يقول: أخبرنا فلان، لأنه لم يقل له ذلك بالحقيقة، ولكنه تأول عليه لأنه قيل حدثك فلان، فقال نعم. والظاهر أمثل من التأويل وأبعد من التحريف والتبديل، وإن يرى على رجل سماعه من كتابه وهو ساكنه، ولم يقل له هذا كاذبًا، وإن دفع صاحب الحديث إلى رجل كتابًا، فقال حدثني فلان عن فلان بجميع ما في هذا الكتاب على ما فيه وقد رأيته وأثبته، هل للمدفوع أن يرويه عنه. وهذا كالسماع. وإن قال أذنت لك أن تروي ما في هذا الكتاب عن فلان، ولم يذكر سماعه من فلان، لم يجز للمدفوع إليه أن يرويه. وإن قال لك: إن تروى عني كل ما صح عندك من حديثي، فصح عنده شيء من حديثه لم يجز له أن يرويه عنه، لأن جواز الرواية بالسماع لا بإجازة المروي عنه، فإن السماع منه لو صح وقال: لا ترو عني ما سمعت كان له أن يرويه عنه، ولا سماع لمن وصفت فلم يكن له أن يروي عنه. وإن قال: قد حدثني بكذا فلان عن فلان، على ما ينطق به كتابي، والنسخ المنسوخة منه، فما ثبت عندك أنه قرئ علي منه أو كتب من أصل أوعورض بأصلي، فاروه عني على ما أخبرتك عدل، بأن هذا أصل الرجل أو مكتوب منه أو مقابل أو معدل به. جاز أن يرويه عنه بشرط أن يخبر من سمع منه تبليغه الحال والله أعلم. ومن سمع حديثًا

стр. 739

فأثبته بخطه في صحيفة، ثم نسي الحديث، ووجده في كتابه من حيث لا شك في أنه كتابه وخطه، جاز له أن يرويه. وليس الخبر في هذا كالشهادة، لأن الشهادات لا تكثر كبيرة أخبار الديانات، فيمكن من حفظ الشهادات لقلتها ما يتعذر من حفظ الأخبار لكثرتها، ولأن أمر الأخبار أوسع من أمر الشهادات. ألا ترى أنه يقبل في عامتها النساء والعبيد، ويكتفي بالواحد العدل، ويقبلان عن فلان، ولا يقنع في الشهادات بشيء من ذلك. وإن نسي الراوي الذي عد في كتابه السماع فيه، فلم يذكره بقلبه، ولم يتصور في وهمه شيء من أوصافه وأحواله، ولا ينبغي له أن يروي عنه، لأنه أن روى لم يدر عن من روى في الأول، يروي ما يروي، فكذلك الفرقان، والله أعلم. وإذا سئل العالم عما لا نص فيه عنده، واحتاج إلى تعرف حكمه بالاجتهاد لم يجز له أن يأخذ على الأخبار بما يظهر له أجرًا، كما لا يجوز ذلك له في النص يؤديه، وأن أفادوا منه أن يجلس لهم أوقاتًا يستفتونه فيها، ويسألونه عما لا يقع ليأخذوا عنه رأيه، ويعلموا طريقة فيها، وكان يتضرر بانقطاعه عن كسب يكون له في تلك الأوقات، فجائز له أن يأخذ أجرًا بما يكون منه قصدًا كما قلت في الرواية والله أعلم. فصل وينبغي لطالب العلم أن يكون تعليمه، وللعالم أن يكون تعليمه لوجه الله تعالى لا يريد به المتعلم أن يكتسب بما يتعلمه مالا، ويزداد به في الناس جاهًا، أو على أقرانه استعلاء ولاشداده ألمًا. ولا يزيد العالم بتعليمه أن يكثر الآخذون عنه، فإذا أخذوا وجدوا أكثر من الآخذين عن غيره، ولا أن يكون علمه أكبر في الناس من علم غيره، بل يريد العالم أداء لأمانه تيسر ما حصل عنده وإحياء معالم الدين وصيانتها، من أن يدرس كتبًا. روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لولا آية في كتاب الله لما حدثتكم. ثم

стр. 740

قرأ. ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه ﴿ويزيد المتعلم عبادة الله تعالى بطلب علم الدين، ليتوصل بما يعلمه إلى العمل بما يرضي الله عنه، وإن يكثر العلماء، فيكون ذلك أحوط وأحرى لبقائه، بل سمع له بما عنده ولا يعامله بما يبقى عنه. وكذلك إن كان قصد التعلم ما وصفت، فينبغي له أن يصير خفاء العالم وصية بما عنده وامتناعه من إخراجه إليه إلا معيدًا. فإن القليل إذ انضم إلى القليل كثر، فليس الشهر إلا أيامًا تتابعت فاجتمعت، ولا السنة إلا شهور تلاحقت فكملت والصبر يقرب البعيد، ويسهل العسير وبالله التوفيق. * * *
следующие страницы →