Полный текст (1 512 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وإرشاده إلى طريق النظر والانتباه وتفتيح ذهنه. ألا ترى أنه لا يجوز أن يفتي غيره بما يسمع، فبان في ذلك أنه يخالف لما يسأل العمل وبالله التوفيق.
فصل
ولا يجوز لمن كانت عنده أخبار عن رسول الله ﷺ يسأل عنها أن تمتنع عن روايتها، ليعطي عليها مالاً، لأنه لا يؤدي عن رسول الله ﷺ ما أداه الرسول إلى أمته. ومعلوم أن الله تعالى لم يكن أطلق أحدًا الآخر من أمته على ما يبلغهم إياه عن ربهم، ولذلك لا ينطلق ذلك لأحد من المؤدين عنه وإن رواها وأخبر بها قومًا. ثم رغب قوم آخرون في سماعها فهم بالخيار بين أن يسمعوها من الذين سمعوا قبلهم ولا يمنع أولئك السامعين خبره صاحبهم الذي حدثهم أن يرووا، فيحدثوا. ومن أن يسمعوا ممن سمع منه الأولون.
فإذا أرادوا ذلك، لم يكن للعالم أن يمتنع عن تحديثهم، ويقول لهم: اسمعوا من بعض من قد سمع مني، لكن منزلة هؤلاء الآخرين كمنزلة الأولين، لأنهم يحتاجون إلى ما عندهم مثل حاجتهم، ولو كان الذي سمع منه شريك قيمًا سمع له، لم يكن له أن يحمل الراغبين في روايته، فكذلك لا يكون له أن يحملهم على الذين سمعوا منه
فإن قيل: إنه إذا روى ما عنده فسمع منه، فقد أدى الأمانة، وأراح المحتاجين لعلمه. فإن أبي أن يسمع ممن سمع منه، فإنما يريد على الإسناد والإسناد النازل في إفادة الناس، وإلزام الحجة كالإسناد العالي. فهلا قلتم أنه يلزم العالم أن يجلس للآخرين فيحدثهم كما حدث الأولين.
قيل: لأنه إذا ألزمهم السماع من بعض من سمع منه عرضهم لكلفة ذات خطر، وهي أن يجتهدوا فيمن يسمعون منه لم يروون عنه، ولا يأمنون أن يزالوا عند الاجتهاد، فيرون من ليس بعدل عدلاً فيصدقوه في روايته، ويثقون به في الرواية عنه، فيكونوا قد ائتمنوا الخائن وعدلوا الفاسق، وقبلوا خبر من أوجب الله تعالى التثبت في خبره، ورأوا من هو عدل غير عدل، فيدعوه، وفي ذلك تخوين الأمين، وتفسيق العدو، وإضاعة السنة، فلم يجز له ذلك.
стр. 737
كما كان لا يجوز له في أول ما سئل عن الحديث أن يكتبه، فيعرض لم يبلغه ولم يسمعه الاجتهاد فيما جاء الحديث فيه. ولعله إذا اجتهد أخطأ وترك وظن ما ليس بحكم حكمًا، وأنزل ما ليس عند الله حقًا. فلما لم يسعه في أول الأمر كتمان الحديث، فلهذا المعنى لم يسعه من بعد ردهم إلى أحد بمن الذين جاءوا أخر وإحالتهم على الأولين والله أعلم.
وإن أخبر العالم بما عنده قومًا فسألوه أن يعيده عليهم مرة أو أكثر ليحفظوه. فإن كانوا فهموه وأدركوا معناه، ولكنهم أغفلوا ألفاظه أو بعضها لم يكن عليه أن يعيده عليهم، وإن كانوا لم يفهموه مع علمهم باللسان، فعليه إعادته، كما عليه تحديث غيرهم به إذا سألوه. لأن حاجة الذي سمع علم يفهم، وهو يرجو إذا أعيد عليه أن يفهم لحاجته من لم يسمع، وهو يرجو إذا سمع أن يفهم، وكذلك لو سمع وفهم ثم نسي واستعاد، فهو كالذي لم يسمع. وعلى الراوي بحديثه إلى ثلاث، فإن جاوزها لم يكن عليه أن يعيده بلا عوض، وينبغي أن يكتبه السامع لئلا ينساه، أو يستكتبه غيره، وهذا إذا نسي الحديث أصلا، فلم يذكر لفظه ولا معناه. فإن استعيد ما روى في مجلس واحد مرات ليحفظ ألفاظه بعدما فهم معناه، كان له أن لا يفعل إلا بعوض، لأن هذا تعليم لا رواية. فإن الحديث قد حصل عند السامعين بما عرفه من معناه، وإنما يريد أن يحتمل ألفاظه بأعيانه لئلا يحتاج إلى أن يكتبوا ما عرف من المعنى ألفاظًا من عنده، إذا أخبر به غيره، وإنما كان على الراوي إذا ما سمع إليه ليشركه في علمه.
فأما إنكاره على إبلاغ ذلك، فليس إليه. ألا ترى أنه لو كان لا يقدر على الحفظ، ولم يكن عنده ما يكتب فيه، أولا لا يحسن أن يكتب لم يلزمه أن يكتب له بغير عوض وكذلك لا يلزمه أن يكرر عليه ما روى عودًا على بدء، وليحفظ فيمكنه أن يؤديه إلى غيره بغير عوض والله أعلم.
وإذا استملى العالم الحديث فعليه إملاءه، وإن كان ما رواه وسمع منه ثم استعيده إملاء، فعلى ما وصفت والله أعلم. وإذا حضر ليسمع منه الحديث، فأذن في القراءة عليه فقالوا: نريد لفظًا كان به أن لا يتكلف القراءة بنفسه إلا بعوض. وإنما يحرم عليه إذا لم يخرج ما عنده، فيقرأ أو يقرأ عليه إلا أن يعوض. فأما إذا أخرجه وأمر بالقراءة عليه فكلف أن يقرأ، فهذا شغل زائد على التبليغ والأداء، فله أن لا يفعله بغير عوض له
стр. 738
وإن أعطى لم يجز له أخذه، وإن حضر من يقرأ عليه، إلا أنه أبى أن يقرأ كغيره بلا عوض. فإذا كان قد سمع عنه ما يريد الآخرون سماعه، كان له أن لا يقرأ، إلا كعوض. وإن كان قد سمعه من غيره ولم يسمعه منه لو لم يسمعه من أحد فلا عوض عليه، وأن يحدث بالحديث أو الحديثين أو الثلاثة ما زادوا فيه، أما بطول به المخبر منقطع به عن البغي على نفسه وعماله، بأن له أن يأخذ على إدمانه الجلوس، وتعريفه نفسه لهم ما يعطونه، ما لم يكن شرفًا، والشرف أن يطالبهم بأكثر مما كان يعود عليه من سمعه، لو لم يجلس لهم والله أعلم.
ومن روى حديثًا سمعه من المروي عنه لفظًا أو جرى عليه فأثر به سواء قال حدثنا فلان، أو قال: أخبرنا والأمثل إذا كان إنما سمع قراءة على من يرى عنه أن يقول: أخبرنا فلان، لأنه لم يقل له ذلك بالحقيقة، ولكنه تأول عليه لأنه قيل حدثك فلان، فقال نعم. والظاهر أمثل من التأويل وأبعد من التحريف والتبديل، وإن يرى على رجل سماعه من كتابه وهو ساكنه، ولم يقل له هذا كاذبًا، وإن دفع صاحب الحديث إلى رجل كتابًا، فقال حدثني فلان عن فلان بجميع ما في هذا الكتاب على ما فيه وقد رأيته وأثبته، هل للمدفوع أن يرويه عنه. وهذا كالسماع.
وإن قال أذنت لك أن تروي ما في هذا الكتاب عن فلان، ولم يذكر سماعه من فلان، لم يجز للمدفوع إليه أن يرويه.
وإن قال لك: إن تروى عني كل ما صح عندك من حديثي، فصح عنده شيء من حديثه لم يجز له أن يرويه عنه، لأن جواز الرواية بالسماع لا بإجازة المروي عنه، فإن السماع منه لو صح وقال: لا ترو عني ما سمعت كان له أن يرويه عنه، ولا سماع لمن وصفت فلم يكن له أن يروي عنه.
وإن قال: قد حدثني بكذا فلان عن فلان، على ما ينطق به كتابي، والنسخ المنسوخة منه، فما ثبت عندك أنه قرئ علي منه أو كتب من أصل أوعورض بأصلي، فاروه عني على ما أخبرتك عدل، بأن هذا أصل الرجل أو مكتوب منه أو مقابل أو معدل به. جاز أن يرويه عنه بشرط أن يخبر من سمع منه تبليغه الحال والله أعلم. ومن سمع حديثًا
стр. 739
فأثبته بخطه في صحيفة، ثم نسي الحديث، ووجده في كتابه من حيث لا شك في أنه كتابه وخطه، جاز له أن يرويه. وليس الخبر في هذا كالشهادة، لأن الشهادات لا تكثر كبيرة أخبار الديانات، فيمكن من حفظ الشهادات لقلتها ما يتعذر من حفظ الأخبار لكثرتها، ولأن أمر الأخبار أوسع من أمر الشهادات.
ألا ترى أنه يقبل في عامتها النساء والعبيد، ويكتفي بالواحد العدل، ويقبلان عن فلان، ولا يقنع في الشهادات بشيء من ذلك. وإن نسي الراوي الذي عد في كتابه السماع فيه، فلم يذكره بقلبه، ولم يتصور في وهمه شيء من أوصافه وأحواله، ولا ينبغي له أن يروي عنه، لأنه أن روى لم يدر عن من روى في الأول، يروي ما يروي، فكذلك الفرقان، والله أعلم.
وإذا سئل العالم عما لا نص فيه عنده، واحتاج إلى تعرف حكمه بالاجتهاد لم يجز له أن يأخذ على الأخبار بما يظهر له أجرًا، كما لا يجوز ذلك له في النص يؤديه، وأن أفادوا منه أن يجلس لهم أوقاتًا يستفتونه فيها، ويسألونه عما لا يقع ليأخذوا عنه رأيه، ويعلموا طريقة فيها، وكان يتضرر بانقطاعه عن كسب يكون له في تلك الأوقات، فجائز له أن يأخذ أجرًا بما يكون منه قصدًا كما قلت في الرواية والله أعلم.
فصل
وينبغي لطالب العلم أن يكون تعليمه، وللعالم أن يكون تعليمه لوجه الله تعالى لا يريد به المتعلم أن يكتسب بما يتعلمه مالا، ويزداد به في الناس جاهًا، أو على أقرانه استعلاء ولاشداده ألمًا.
ولا يزيد العالم بتعليمه أن يكثر الآخذون عنه، فإذا أخذوا وجدوا أكثر من الآخذين عن غيره، ولا أن يكون علمه أكبر في الناس من علم غيره، بل يريد العالم أداء لأمانه تيسر ما حصل عنده وإحياء معالم الدين وصيانتها، من أن يدرس كتبًا.
روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لولا آية في كتاب الله لما حدثتكم. ثم
стр. 740
قرأ. ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه ﴿ويزيد المتعلم عبادة الله تعالى بطلب علم الدين، ليتوصل بما يعلمه إلى العمل بما يرضي الله عنه، وإن يكثر العلماء، فيكون ذلك أحوط وأحرى لبقائه، بل سمع له بما عنده ولا يعامله بما يبقى عنه.
وكذلك إن كان قصد التعلم ما وصفت، فينبغي له أن يصير خفاء العالم وصية بما عنده وامتناعه من إخراجه إليه إلا معيدًا. فإن القليل إذ انضم إلى القليل كثر، فليس الشهر إلا أيامًا تتابعت فاجتمعت، ولا السنة إلا شهور تلاحقت فكملت والصبر يقرب البعيد، ويسهل العسير وبالله التوفيق.
* * *
стр. 741
التاسع عشر من شعب الإيمان
وهو باب في تعظيم القرآن
وذلك ينقسم إلى وجوه:
منها تعلمه، ومنها إدمان تلاوته بعد تعلمه، ومنها إحضار القلب إياه عند قراءته والتفكير فيه، وتكرير آياته وترديدها واستشعارها يهيج البكاء من مواعظ الله تعالى ووعيده فيه. ومنها افتتاح القراءة بالاستعاذة. ومنها قطع القراءة في وقته بالحمد والتصديق، والصلاة على رسول الله ﷺ والشهادة له بالتبليغ، فإذا ختم القرآن وقرأه كله. فلذلك آداب.
منها: أن يعود إلى أوله فيقرأ أشياء، منه ثم يقطع. ومنها أن يجمع أهله وولده عند الختم. ومنها أن يتحر للختم أول النهار وأول الليل.
ومنها التكبير قبل الدعاء. ومنها الدعاء بما يراد من أهل الدين والدنيا.
ومن تعظيم القرآن: الوقوف عند ذكر الجنة والنار والرغبة إلى الله في الجنة والاستعاذة به من النار. ومنها الاعتراف لله بما يقرر به في آيات القرآن. ومنها السجود في آيات السجود منه. ومنها أن لا يقرأ في حال الجناية، ولا الحيض.
ومنها: أن لا يحمل المصحف ولا يمس في غير الطهارة.
ومنها: تنظيف الفم لأجل القراءة بالسواك والمضمضة.
ومنها: تحسين اللباس عند القراءة والتطيب، وإن كان الطيب دائمًا إلى الفراغ من القراءة فهو أحسن وأفضل. ومنها أن يجهر بالقراءة في الليل ويسر به في النهار إلا أن يكون في موضع لا لغو فيه ولا صخب. ومنها أن لا يقطع السورة بكلامه الناس، ويقبل على قراءته حتى يفرغ منها.
стр. 742
ومنها أن يحسن صوته للقراءة أقصى ما يقدر عليه. ومنها. أن يرتل القراءة ولا يهذها هذاء، ومنها أن لا يقرأ القرآن كله في أقل من ثلاث. ومنها أن يعلم القرآن من يرغب إليه فيه، ولا يترفع عنه، بل يحتسب الأجر فيه ويغتنمه. ومنها أن يقرأ بالقراءة المستفيضة الجمع عليها، ولا يتعداها إلى الغرائب والشواذ.
ومنها: أن لا يقبل القراءة إلا من العدول العلماء بما أخذوا وبما يؤدوا. ومنها: أن لا يعطل مصحفًا إن كان عنده. ولا يأتي عليه يوم لا ينظر فيه ولا يقرأ فيه. فإن كان يحفظ القرآن قرأه من المصحف وقتًا، وغير ناظر فيه، ولا يهمله إهمالاً، ومنها أن يقطع قراءته آية آية ولا يدرجها إدراجًا. ومنها أن يتحرى بقراءته وختمه الصلاة، فتكون قراءته فيها ما استطاع ولم يمنعه مانع. ومنها أن يعرض القرآن في كل سنة ما هو أبين فضلا في القراءة منه، وأولى الأوقات بذلك شهر رمضان.
ومنها: أن يزداد من القراءة في شهر رمضان على ما يقرأ في غيره. ومنها ترك الممارات في القرآن. ومنها أن لا يقرأ القرآن بالظن، ولا يقال معنى هذه الآية هكذا، إلا بدلالة تقوم عليه. ومنها أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ولم يتجاوزها إلى أن يعرب القرآن ويقرأه بالتفخم ولا يتجوزانه. ومنها أن يؤخذ في سورة منه لم يجاوزها إلى غيرها قبل أن يستكملها. ومنها أنه إذا أراد أن يتم الختم له بإطلاق، استوفى الحروف المختلفة فيها فلا يبقى حرف يثبته فارئ من إعلام القرآن ولم يقرأوه.
ومنها أن يقرأ في أول كل سورة ما خلا سورة التوبة "بسم الله الرحمن الرحيم" ويحافظ على ذلك في فاتحة الكتاب أشد من محافظته عليه في غيرها، بل لا تحل بها فلا يكون قد ترك الآية الأولى منها. ومنها أن يعرف في كل سورة جاء في فضلها أثر عن النبي ﷺ ، ولا يدع قراءتها في وقت ورد الخبر بفضل قراءتها فيه.
ومنها أن يستشفي قارئ القرآن بما يجيئه منه، ويتبرك بقراءته على نفسه وعلى غيره، مريضًا وحزينًا وخائفًا ومغتمًا ومسافرًا، وقته وغير وقته، ويتبعه الدعاء والمسألة. ومنها أن يفرح بما أتاه من القرآن فرح الغني بغناه، وذي السلطان بسلطانه ويستعظم نعمة الله تعالى عليه ويحمده عليه. ومنها أن لا يباهي بقراءة القرآن قارئًا غيره.
стр. 743
ومنها أن لا يقرأ في الأسواق والمجالس لستأكل الأموال بالقرآن.
ومنها أن لا يقرأ في الحمام، ولا في المواضع القذرة، ولا في حال قضاء الحاجتين.
ومنها أن يتعمق في القراءة، فيقومه بقوم القدح، ويتحرى أن لا يفاوت مدة مدة ولا همزة همزة، ولا أن يخرج الحرف إلا من جميع مخرجه، فتكون الألفاظ عند ذلك بلسانه كما يلاك الطعام. ومنها أن الجماعة إذا اجتمعوا في مسجد وغيره يقرأون القرآن، لم يجهر به بعضهم على بعض جهرًا يكون فيه متخالجين متنازعين، وهذا في غير الصلاة والخطبة، وأما فيهما فالإمام يقرأ وينصت القوم لما يجهر به منه، وإن قرأوا خلفه يجهروا ولم يزيدوا على أن يسمعوا أنفسهم، ولا يقرأ أحد في حلل الخطبة إن كان شيئًا، وإن قرأ أحد لجماعة لا في صلاة جهرًا نصت له الباقون إلا أن يكون فيهم مصل ولا ينصت.
ومنها أن لا يحمل على المصحف كتابًا آخر، ولا ثوب ولا شيء خطير ولا حقير، إلا أن يكون مصحفان، فيوضع أحدهما فوق الآخر بمتجوز. ومنها أن يفخم المصحف فيكتب مفرجًا بأحسن خط يقدر عليه، ولا يصغر مقداره ولا يقرط حروفه.
ومنها أن لا تخلط من المصحف ما ليس من القرآن بالقرآن كعدد الآيات والسجدات والعشرات، والوقوف واختلاف القرآن ومعاني الآيات. ومنها أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد وتحليقها، ومنها تعظيم أهل القرآن وتوقيرهم كتعظيم العلماء بالأحكام أو أكثر وبالله التوفيق.
فذلك خمسون فصلاً حضر لي ذكرها فأثبتها، ولم أنكر أن يكون في الباب عشرة. فأما تعلم القرآن فأول وجوه تعظيمه، لأن ترك التعليم إغفال له وتصنيع، والتعليم ولوع به وحرص به، وعرفان بقدره. وجاء في ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وعنه ﷺ أنه قال: (إن هذا القرآن مأدبه. فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، وإن هذا القرآن حبل الله المتين والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، نجاة من تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يرفع ويستعيب، لا تغني عجائبه، ولا يخلق عن كثير الرد، فإن لأحدكم على تلاوة كل حرف عشرة حسنات، أما إني لا أقول بألف لام ميم، ولكن بألف عشرًا وبلام عشرًا وبميم عشرًا).
стр. 744
وعنه ﷺ أنه قال: (أيكم يحب أن يعدو إلى بطحان أم الحقيق فيأتي كل يوم بناقتين كرماوين، وهراوين بأحدهما في غير إثم بالله ولا قطيعة رحم قالوا: كلنا يا رسول الله، الله يحب ذلك. فقال: لا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل).
وقالت عائشة ﵂، ذكر رجل عند رسول الله ﷺ بخير، فقال: (أولم تروه يتعلم القرآن)؟
وأيضًا فإن من القرآن ما تحب قراءته في الصلاة، ومنها ما شئت قراءته فيها. وفيه أحكام بعبد بها خلقه. وفيه وعد ووعيد، ومواعظ وقصص، ولا يخلو كل واحد منهما من عوض كان في المخاطبة. فمن لم يتعلم القرآن لم يعلمه، ومن لم يعلمه، لم يعلم ما فيه، ولم يمكنه امتثال ما أمروا، ولا الإنتهاء عما نهى، ولا التصرف عما صرف ولا الاستبشار بما بشر، ولا التهيب بما هيب، ولا الاتعاظ بما وعظ، ولا القيام بفرض التلاوة أو سنتها. فصح أن التعلم أول ما يجب من حقوق القرآن وبالله التوفيق.
فقال:﴾ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴿وأمر جل ثناؤه فقال:﴾ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴿وسمى الله تعالى القرآن ذكرًا. وتوعد من أعرض عنه ومن تعلمه ثم نسيه، فقال :﴾ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرًا، من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا، خالدين فيها وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴿. وقال بعد ذلك بآيات:﴾ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى ﴿.
وجاء عن النبي ﷺ قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم) وعنه ﷺ . (إن من أكبر ذنب يوافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم
стр. 745
فنسيها) وإن كان نسيان القرآن من الذنوب بهذا المحل، ومعلوم أنه لا احتراز إلا بإدمان القراءة.
وعن النبي ﷺ . (يا أهل القرآن لا توسدوه واتلوه حق تلاوته، آناء الليل والنهار وتغنوه وتقنوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون). قال أبو عبيدة: تغنوه أي اجلعوه غناكم من الفقر، ولا تعدوا إلا ردك مع فقراء، وتقنوه أي اقتنوه، كما تقتنون الأموال.
وعنه ﷺ أنه قال: (لا حسد إلا على اثنين. رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار. ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل والنهار).
وعنه ﷺ قال: (تعهدوا القرآن، فلو أشد تقلبًا من صدور الرجال من النعم من عقلها) وعنه ﷺ (إن الذي يتعد القرآن ويستند عليه، له أجران. والذي يقرأه وهو خفيف عليه، فهو مثل السفرة الكرام البررة).
وعنه ﷺ : (من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن قرأ آية من كتاب الله كانت له نورًا يوم القيامة).
وعنه ﷺ أنه قال: (إن القرآن ليقرئ صاحبه يوم القيامة).
وعنه ﷺ أنه قال: (يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: هل تعرفني؟ هل تعرفني؟ فيقول: ما اعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي اظمأتك في الهواجر، واسهرت ليلك. وإن كان تاجر من رواء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة. قال: فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسي والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا. فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: يأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال
стр. 746
له: اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها. قال: فهو في صعود ما دام يقرأ، هذا كان أو ترتيلاً).
وعنه ﷺ : (أن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد. قالوا: يا رسول الله، فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن).
وعنه ﷺ : (البيت إذا قرئ فيه القرآن حضرته الملائكة، وسكتت عنه الشياطين واتسع على أهله، وكثر خيره، وقل شره. إن البيت إذا لم يقرأ فيه القرآن حضرته الشياطين وسكتت عنه الملائكة، وضاق على أهله، وقل خيره وكثر شره).
وعنه ﷺ ، قال الله :﴾ من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته ما أعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ﴿.
فصل
فإن قال قائل: ما وجه التقرب إلى الله بقراءة القرآن، وإنما نزل القرآن ليعمل به: فما أن يردد الواحد بلسانه الأوامر والنواهي وغيرهما بما خوطب من الفضل!
فالجواب -وبالله التوفيق- إن في القراءة عدة معاني: أحدهما أنه خطاب الله ﵎، وكتابه الجامع وبيان ما يرضاه لعباده وما لا يرضاه لهم، وما هو جاز لهم به إن أساءوا أو أحسنوا.
وفيه أنه معجزة رسول الله ﷺ وأكبر إعلامه.
وفيه أن الخطاب به قائم لمن يأتي إلى قيام الساعة. فأما أنه خطاب خاطب الله تعالى به، فإنه يقتضي أن يقرأ الموقف عليه. فإن من أمحل المحال أن يخاطب السيد عبده في كتاب على يدي رسول الله ﷺ فلا يقروا كتابه ولا يعلموا خطابه.
стр. 747
فإن قيل: إذا قرأه الرسول عليهم عند التبليغ، فما يبقى منهم العمل. فما معنى قراءتهم قبل الرسول لا يقرأوه على كلهم، إنما يقرأ على من يحضره إن قرأوا منه ما يأمر بإثباته إلى أن يكون الراغب فيه يتعلمه، فيقرأوه، وعلى أنه لو قرأ كل ما تزل عليه جميع أصحابه ما كان من المعلوم أنهم لا يحفظونه بأول ما يسمعونه، ولا يتفهمونه حتى يعبدوه بعد ذلك على أنفسهم، ويتفكروا فيه ويسألوا رسول الله ﷺ عما يشكل عليهم من معانيه.
إذا كان كذلك، صح أنهم لا يستغنون بقراءة الرسول عليهم عن قراءة أنفسهم. ثم إذا كان منه الجلي الواضح، ومنه الحفي الغامض، ومنه ما لا ينتظم بما يجاوره وإنما ينتظم لشيء بعيد منه، قد يقدمه، ومنه ما يحتاج إلى انتظار عنه فيما بعد. فإن وجدوا لا يعلم أنه مضمر محذوف، احتيج إلى تكرير القراءة مع التأمل البليغ ليوقف على حال انتظام ويوصل إلى معرفة الأغراض والمقاصد، فكانت القراءة تكريرها من هذا الوجه برواية.
وأما أنه معجزة الرسول ﷺ ، فإنه يقتضي قراءته ليفرغ المعروف منه السمع الذي هو ملاك الكلام، فيعلم السامع أنه منظوم لا منثور، وأن نظمه لا نظم الشعر ولا نظم الرسائل والخطب، فثبت أنه خارج من المنظوم المعهود، مباين لكلام البشر. ويقتضي براءته من وجه، وهو أن يصان بكثرة القراءة من المصاحف، وحفظًا من أن ينسى أو يرتاب بشيء منه، أو يكن ملحد على تغيير شيء منه أو زيادة حرف أو نقصانه.
ويكون أحد وجوه حفظ الله تعالى الذي يضمنه بقوله:﴾ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴿.
أمر العباد بإدمان قراءته، فلا ينسى ولا يعرض بشيء مما ذكرنا. وأما أن الخطاب به قائم إلى قيام الساعة، فإنه يقتضي إدامة قراءته، وتعليم الأباء والأبناء إياه، واستيداع الكبار والصغار ما حملوه، فإن الأذى من البعض إلى البعض، ومن المتقدم إلى المتأخر هكذا يكون لا وجه له غيره. فكانت القراءة من هذا الوجه ومن الوجهين اللذين ذكرتها قبل، برًا وقراية، ولو لم يكن فيه إلا أنه كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على النبي
стр. 748
الكريم صلوات الله عليه، فكان من حقه أن يقرأ ويدرس تشرفًا وتبركًا، بمشاركة الرسول من الكريمين في تلاوته وشكر النعمة لله جل ثناؤه علينا فيما خلق لنا من اللسان، وعلمنا من البيان بقراءة كلامه. فكيف وتبين المعاني المصطرة لنا إلى القراءة ما سنبين ذكرها والله أعلم.
فإن قيل: احسبوا أن الذي يعرف اللسان بقراءة الأغراض التي وضعت، فالذي لا يحسن اللسان، أي فضل يبتغي بقراءته؟
قيل: أما القراءة بحفظ القرآن عن أن ينص ويدرس، وصيانته عن أن يريد فيه مخالف حرفًا أو ينقص، فالذي يعرف اللسان، والذي لا يعرفه، فيها سواء.
وأما الأغراض الأخر، فإن الذي لا يعرف اللسان لا يخلو من أن يكون مخاطبًا بما في القرآن، فهو يقرأه إعظامًا بقدر ما خوطب به، وإجلالاً للمخاطب به، وفرجًا بما ترك من عند ربه، وشكر الله تعالى على إطلاق لسانه، وإيمانًا وتصديقًا بما يجري على لسانه، وقد تكون قراءة القرآن لمن يحسن اللسان، ولمن لا يحسن من وجه آخر. وهو أن الناس مجبولون على النسيان والغفلة والسهو، والقرآن خطاب لهم دائم ما دام الناس. فاقتضى ذلك أن تكدره قراءة القرآن، ويعبد كل واحد منهم كل وقت على نفسه، فيقوم ذلك مقام تخليد خطابه من الله تعالى حملا للنفس على سماعه، وعلى امتثاله، والوقوف عند حدوده، والعمل بجميعه كما أمر به والله أعلم.
وأما إحضار القارئ قلبه ما يقرأه، والتفكر فيه، فلأنه خطاب الله تعالى الذي يخاطب به عباده. فمن قرأه ولم يتفكر فيه، وهو من أهل أن يدركه بالتفكير، كان كمن لم يقرأه لأنه لم يصل إلى غرض القراءة من قراءته.
وأيضًا فإن القرآن يشتمل على آيات مختلفة الحقوق، فإذا ترك التفكير فيما يقرأ، استوت الآيات كلها عنده، فلم يرع لواحد منها حقه. فثبت أن التفكر من شرائط القراءة ليتوصل إلى إدراكه ومعانيه.
وأيضًا فإن ترديد الآية والتخشع بالبكاء عندها سنة القارئ، فإذا لم يعرف ما يقرأ لغفلته عنه لجهله به، لم يميز موضع الترديد، ولا جادت عينه بدمع. فصح أن سنته إذا
стр. 749
كان عالمًا باللسان فهما مميزًا أن يقرأ متفكرًا، ويبين ما قلت ما روي عن رسول الله ﷺ أنه ردد هذه الآية حتى أصبح:﴾ إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴿.
وقال محمد بن كغيلان: اقرأ إذا زلزلزت، والقارعة، أرددها وأتفكر فيهما أحب إلى من هذا القرآن. وقال سعيد بن عبيد الطائي: سمعت سعيد بن جبير ﵁، وهو يؤمهم في شهر رمضان، وهو يردد هذه الآية:﴾ فسوف تعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون ﴿.
وقال القاسم: رأيت سعيد بن جبير أقام ليله يصلي يقرأ﴾ واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴿فرددها بضعًا وعشرين مرة، وكان يبكي بالليل حتى عمش.
وقال الحسن: يا ابن آدم: كيف يرق قلبك وإنما همك في آخر سورتك. وقال بعضهم: بعثتني أسماء إلى السوق، فافتتحت سورة "والطور، وانتهيت إلى قوله :﴾ ووقانا عذاب السموم ﴿فذهبت ورجعت وهو يكرر هذه الآية.
وقال رجل من قيس يكنى أبا بعد الله: بينا ذات ليلة عند الحسن، فقام من الليل يصلي فلم يزل يردد هذه الآية حتى اسحر:﴾ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴿. فلما أصبح قلنا: يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليلة، قال: إن فيها معتبرًا ما يرفع طرفًا ولا يرده إلا وقع على نعمة، وما لا يعلم من نعم الله أكثر.
وقال أبو سليمان: ما رأيت أحدًا، الخوف على وجهه والخشوع، من الحسن بن جبير قام ليلة حتى الصباح﴾ بعم يتساءلون ﴿يرددها ثم غشي عليه، ثم عاد، فغشي عليه، فلم يختمها حتى طلع الفجر. وأما البكاء فقد روى (إن رسول الله ﷺ كان يصلي وفي
стр. 750
صدره أزيز كأزيز الرجل من البكاء). وعنه ﷺ : (أن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا). وأن أبا بكر ﵁ ابتنى بيتًا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينعصف عليه فيبكي المشركين، وابناؤهم معجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلاً بكاء لا يملك دمعة إذا قرأ القرآن.
وكان عمر ﵁ يصلي بالناس فبكى في قراءته حتى انقطعت قراءته، وسمع نحيبه من وراء ثلاثة صفوف. وقرأ ابن عمر ﵁:﴾ ويل للمطففين ﴿فلما أتى على هذه الآية﴾ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴿بكى حتى انقطع عن قراءة ما تعمدها.
وقال ابن مليكة: كان ابن عباس يقيم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفًا حرفًا، ثم جلى قراءته:﴾ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴿قال: ثم يبكي حتى يسمع له مسحًا. وجاء إن النبي ﷺ مر بشاب يقرأ:﴾ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴿فوقف، فاقشعر وخنقته العبرة، فجعل يبكي ويقول: ويحي من يوم تنشق فيه السماء. فقال النبي ﷺ : (مثلها يا فتى مثلها يا فتى).
وعن حمران بن أعين أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية:﴾ إن لدينا أنكالاً وجحيمًا، وطعامًا ذا غصة ﴿فصعق.
وأما افتتاح القراءة بالاستعاذة فلأن الله يقول:﴾ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وظاهرها وإن كان أمرًا بالاستعاذة بعد القراءة، فالمعنى إذا أردت القراءة، كما قال :﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾.
стр. 751
وهو يريد إذا أردتم القيام إلى الصلاة، ويدل على ذلك أنه تعالى أخبر في آية أخرى أن الشيطان يعارض القارئ في حال قراءته، فقال:﴾ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمني ﴿ألقي الشيطان في أمنيته. وقال:﴾ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه هو السميع العليم ﴿.
فعلمنا أنه أراد بالاستعاذة للقراءة، أن يستعيذ قبلها قياس من معارضة الشيطان إلا أن يستعيذ بعد انقضاء القراءة.
وأيضًا فإن الاستعاذة قبل القراءة أرغب لا حول القراءة من الاستعاذة بعدها، وإنها تدفع كيد الشيطان في التبسط عن القراءة، ومعارضته عند القراءة، ووسوسته بعد القراءة، والاستعاذة بعد الفراغ لا تدفع كيده إلا في ذلك الوقت، فكانت أجمعها للأحوال من المقتصدة على أحديهما والله أعلم.
وأما قطع القراءة بالحمد والتصديق، والصلاة على النبي ﷺ ، والشهادة له بالتبليغ، فإنه عمل المسلمين. وقد أخبر الله : إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا:﴾ الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴿. وهم لا يشكون، قبل أن يردوا الجنة، أن خبر الله تعالى صدق، وإنما خبره القرآن، فينبغي لمن قرأه أن يحمد الله تعالى على ما أنعم عليه منه، وعرفه من ثناء النعم الجليلة التي تقدم عليهما. إذا أصلح وأحسن لئلا يبخس نفسه حظها بإيثار الفاني على الباقي، ويشهد له عز اسمه بالصدق في أخباره، ويقرن ذلك بالصلاة على رسول الله ﷺ . إذ كان الوقوف على القراءة والوصول إليها من قبله، ويشهد بالتبليغ إذ كان الله تعالى أمره به ففعله، ولم يكتم شيئًا، وكانت الشهادة له بذلك من حقه.
وقال النبي ﷺ في بعض خطبه: (ألا هل بلغت: فقالوا اللهم نعم) وكذلك فليقولوا عند كل ختم وقطع.
وأما من استوفى القرآن قراءة وختمه، فقلنا أن للختم آدابًا: منها أن يرجع القارئ إلى أول القرآن، فيقرأ شيئًا منه، ثم يقطع، والمعهود من أمر الناس أن يقرأوا فاتحة
стр. 752
الكتاب، ومن سورة البقرة إلى قوله ﴿وأولئك هم المفلحون ﴿والأصل في هذا ما روى أن النبي ﷺ سئل عن أحب الأعمال إلى الله فقال: (الحال المرتحل) قيل لمعناه: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل.
وجاء عنه ﷺ مفسرًا، وهو أنه قيل له: أي الأعمال أفضل؟ قال: (الحال المرتحل) قال: الخاتم المفتتح. ومنها أن يجمع القارئ عند الختم أهله وولده. فإنه يروى عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يجمع أهله عند الختم. وعنه أنه كان استبقى على ختم القرآن من الليل بقي أربع سور أو خمس سور، فإذا أصبح جمع أهله مختتمه. ويستحب لمن علم بالختم أن يحضر.
وروى أن رجلاً كان يقرأ القرآن في مسجد رسول الله ﷺ فكان ابن عباس ﵁ يجعل عليه رقيبا، فإذا أراد أن يختم قال لجلسائه: قوموا حتى نحضر الخاتمة. وعن ابن مجاهد كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقولون: الرحمة تنزل، وقال وهب بن الورد: قال لي عطاء، بلغني أن حميدًا الأعرج أن يختم القرآن فانظر، فإذا أراد أن يختم فأخبرني حتى أحضر الختمة.
ومنها استحباب الختم أول النهار وأول الليل. فإن إبراهيم التيمي قال: كانوا يقولون إذا ختم الرجل القرآن حلت عليه الملائكة بقية يومه أو بقية ليلته، وكانوا يستحبون أن يجتمعوا في قبل الليل أو قبل النهار. وقال عبد الله بن المبارك: إذا كان الشتاء فاختم القرآن في أول الليل، وإذا كان الصيف فاختمه في أول النهار.
ومنها استحباب التكبير، فإن الله يقول:﴾ وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ﴿. واتبع ذلك توبيخ الكفار على تركهم الإيمان بالقرآن ومدح العلماء بالتخشع لله تعالى إذا سمعوه. ثم قال:﴾ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴿فكان ظاهر ذلك: ادعوا الله إذا قرأتم القرآن. وإن معنى﴾ ولا تجهر
стр. 753
بصلاتك ﴿أي بقراءتك القرآن، أو بدعائك الذي تدعو به إذا فرغت. ثم قال:﴾ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا ﴿. وكما أمر بالحمد، وأجمعوا على أن الحمد مستحب. فوجب أن يكون التكبير مستحبًا.
وأيضًا فإن قراءة القرآن عبادة تنقسم إلى أبعاض معدودة متفرقة، فكانت كصيام الشهر. وقد أمر الله الناس إذا أكملوا العدة أن يكبروا على ما هداهم. فالقياس على ذلك أن يكبر، فإن القرآن إذا أكمل عدة السور.
وقد يخرج الجواب عن التكبير على معنى آخر وهو أنه يبتدئه من سورة والضحى فيكبر عند كل سورة. فإذا قرأ القرآن وختم كبر، فيكون هذا التكبير المستحب للختم دون تحديد المعوذتين بالتكبير بعدها، وإخلاء ما قبلها من التكبير أصلا، والأصل في هذا ما حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حبيب رحمه الله تعالى قال: حدثنا أبو العباس محمد بن الكديمي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القسم بن أبي مرة: سمعت عكرمة بن سليمان ابن كثير بن عامر مولى بني شيبة، قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين مولى العاص بن هشام، فلما بلغت والضحى قال: كبر مع خاتمه كل سورة حتى تختم، فإني قرأت على شبل بن عباد مولى عبد الله بن عامر، وعلى عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد ابن خير، أتى الحجاج موسى عبد الله بن الشائب فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك. وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك. وأخبره أبي بن كعب أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك.
وصفة التكبير في أواخر هذه السورة، أنه كلما ختم سورة، وقف وتقدم وقال: الله أكبر. ووقف وقفة ثم ابتدأ السورة التي تليها إلى آخر القرآن ثم كبر كما كبر من قبل، ثم اتبع التكبير، الحمد والتصديق والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء.
وروى عن جعفر بن محمد قال: حدثني زائر، أنه مر بأبي جعفر في داره التي بمكة
стр. 754
من آخر الليل وهو يدعو ويقول: "اللهم اغفر لي بالقرآن، اللهم ارحمني بالقرآن، اللهم إهدني بالقرآن، اللهم عافني بالقرآن، ويقول ليوسف بن أسباط ما تقول إذا ختمت القرآن، قال: أقول: اللهم لا تميتنا سبعين مرة. وقال المبارك بن فضالة: كان الحسن إذا ختم القرآن دعا بهذا الدعاء، وذكر دعاء ضممت إليه قبله وبعده ما يريد شرفًا، ويعيده تمامًا وهذا حكايته: الحمد لله الخالق المدبر الرازق المقتدر الرافع الخافض الباسط القابض الولي الحميد المبدئ المعيد الفعال لما يريد، أحمده حمد المخلصين، واتقيه وأتوكل عليه توكل الموقنين، وارتجيه وأعبده عبادة المجتنبين، واستشهد به واستعينه استعانة المذعنين، واستلقيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الوهاب القدير الغلاب غفار الذنوب وستار العيوب، وقابل التوب ممن يتوب، وكاشف الغموم، والمجيب دعوة المظلوم ذلك الحي القيوم ذو الجلال والإكرام، الشافي من الأدواء والأسقام، والفارج الكرب العظام، رب المشارق والمغارب، وفاطر السماء والكواكب، والمفضل بالآلاء والمواهب، وخلاق الناس من طين لازب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه سراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ونهج شرائع الملة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله الذي اتبعت محمدًا بالنور والضياء والرحمة والشفاء، على حين غرة من الرسل وذو حق من الملك، أمده بالآيات الدلائل البينات، ففتح بكتابه أبو الهدة وعصمنا من موارد الردى، وأخرجنا به إلى النور من الظلمات، وإلى بلج اليقين من الشبهات، وفضله في الدنيا بأشرف الرسالات، وفي الآخرة بأرفع الدرجات، فله فيها المقام المحمود، والمنهل المورود واللواء المعقود، والفخر المشهود، وله الزلفى والفضيلة والقرى والوسيلة والسبق إلى الجان والشفاعة لأهل النيران، إذا تكامل الأنبياء واجتمع الأولياء والأصفياء، ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته ومستحبي دعوته الدائنين دينه المرتضى، السالكين سبيله الأهدى ﷺ على محمد أفضل الصلوات وأزكاها وخصه بأجزل التحيات وأنماها، إليه ذو المن الكريم والفضل العظيم، والحمد لله الذي أنزل القرآن وضمنه الهدى والبيان، وعلمنا منه ما لم نكن نعلم، وإن شدنا به إلى السبيل الأقوم ومكنه في صدورنا فوعيناه، ويسره بألسنتنا فتلوناه، وخصه بالإعجاز من وثين المجاز، وبما أورده من أنباء الغيث عن
стр. 755
عوارض الشك والريب، وجعله من عراه التي لا تنفصم ومراتبه التي لا تنقص، وحبله المتين الذي من اعتصم به أمن الزلل، ومن تمسك به أدرك الأمل، حجة لنبيه ﷺ باقية ودعوة نامية، ونورًا ساطعًا وبرهانًا قاطعًا إلى يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
دعاء الحسن ﵁: اللهم ربنا لك الحمد كما هديتنا للدين العظيم، وعلمتنا من القرآن الكريم، اللهم أنت علمتنا ومنك رغبتنا قبل معرفتنا بفضله، اللهم فإذا كان ذلك مثيل وجودك وكرمك لطفًا بنا ورحمة لنا من غير حولنا وقوتنا. اللهم لنا رعاية حقة وحسن تلاوته وإيمانًا بمتشابهه، وتفكرًا في أمثاله، وتثبتًا في تأويله، وهدى في تدبره وبصيرة بنوره. اللهم أنك أنزلته شفاء لأوليائك، وسقما على أعدائك، وعمى لأهل معصيتك وهدى لأهل طاعتك، فاجعله دليلنا على عبادتك، وقائدنا إلى رضوانك، واجعله لنا حصنا حصينا من أعدائك، وحرزًا منيعا من غضبك، وحاجزًا وثيقا من سخطك، ونورًا يوم لقائك يستضيء به في خلقك ونجوز به في صراطك، ونهتدي به إلى جنتك، اللهم إنا نعوذ بك من الشقاء في جمله، والعمى من علمه، والجور في حقه، والعلو في قصده، والتقصير دون واجبه. اللهم أحمل عنا ثقله، وأوجب لنا حقه، وأوزعنا شكره، واجعلنا بغيه، ونحفظه ونقيم حكمه، ونراعي حدوده، ونؤدي فرائضه ونحل حلاله ونحرم حرامه، ونحمي معالمه ونتقي محارمه، وأذل قلوبنا عند عجائبه التي لا تنقص، وأشربنا لذة في ترديده، وخشية عند ترجيعه. اللهم أنفعنا بما صرفت فيه من الآيات، وكفر عنا بتلاوته السيئات، ولقنا البشرى الحسنة عند الممات. اللهم أنك سميته مباركا عصمة فاعصمنا به من كل شبهة وبدعة. اللهم ألزم به قلوبنا السكينة والوقار، والفكرة والاعتبار والتوبة والاستغفار، حتى لا نشتري به ثمنا، ولا نبغي بالقرآن بدلاً، ولا نؤثر عليه عرضا من عرض الدنيا أبدًا، إنك سميع الدعاء، انتهى دعاء الحسن.
اللهم ارعنا بترك معاصيك ما أبقيتنا، وارحمنا بترك ما لا يعنينا وارزقنا العمل بما يرضيك عنا. اللهم نور بكتابك قلوبنا، واشرح به صدورنا، وأقر به عيوننا، واستعمل به أبداننا وأجل به أحزاننا، وافتح به أسماعنا وأبصارنا، وطهر به أشعارنا وأبصارنا، اللهم اخلص به بصائرنا وأصلح به شرائرنا، واغفر به صغائرنا وكبائرنا. اللهم اجعلنا به
стр. 756
في حرزك وأمانك وعبادتك وجوارك عز جارك، واقنع عائدك، ولا إله غيرك. اللهم أصرف به عنا شر كل جبار وشر كل شيطان مريد، وشر كل قريب وبعيد، وشر كل ضعيف من خلقك أو شديد. اللهم انفعنا بالقرآن العظيم، وارحمنا به اللهم أكرمنا بالقرآن الكريم، وارفعنا به. اللهم أصلحنا بالقرآن المجيد وأجبرنا به، اللهم احفظنا بالقرآن واحرسنا به. اللهم سلمنا بالقرآن واعصمنا به. اللهم انصرنا بالقرآن العظيم واكلأنا به، اللهم أعذنا بالقرآن العظيم من كل سوء، واغفر لنا بالقرآن العظيم كل ذنب، واستجب لنا بالقرآن العظيم كل دعاء، واشفنا بالقرآن من كل عين وداء. اللهم فرج بالقرآن عنا كل غمة، واكشف عنا بالقرآن كل كربة، ونبهنا بالقرآن من كل رقدة، وأزح عنا بالقرآن كل غفلة، وأصرف عنا بالقرآن كل خطية. اللهم وسع علينا بالقرآن رزقك، وأنزل علينا بالقرآن فضلك الذي نرجوه، يا من يجيب داعيه ولا يجيب راجيه، اللهم أكرمنا بالقرآن في مجلسنا هذا كرامة لا تعيينا بعدها أبدًا، وارفعنا به رفعة لا يضعنا بعدها أبدًا، وأعززنا به عزًا لا تذلنا بعده أبدًا، وازرقنا رزقًا هنيئًا لا تحرمنا بعده خيرًا أبدًا، اللهم زدنا به حب الإيمان والإسلام والصلاة والزكاة والصيام وإدمان حج بيتك الحرام، وجهاد أعدائك اللئام، وإقامة الحدود والأحكام، كما حببت إلى الجائع الطعام وإلى الظمآن الشراب، وإلى السقيم الشفاء، وإلى المكروب الفرج، اللهم اجتبينا به حياة الأخيار، وتوفنا مع عبادك الأبرار وارزقنا العافية في أنفسنا وذرياتنا وأهالينا وأموالنا، اللهم استر به عوراتنا وآمن به روعاتنا، واغفر به خطياتنا واحفظنا من جميع حياتنا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمورنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مصيرنا، اللهم إنا نسألك من خير ما سألكه محمد عبدك ورسولك، ونعوذ بك من كل شر عاذ بك منه محمد عبدك ورسولك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أنك حميد مجيد. اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، واحشرنا في زمرته غير حزانى ولا نادمين ولا ضالين ولا مفتونين، إنك أرحم الراحمين، اللهم لا تجعلنا بالستر مغرورين وبالناس مفتونين واجعلنا خيرًا مما يطيقون. ولا تؤاخذنا بما يقولون فإنك تعلم وهم لا يعلمون. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا،
стр. 757
ارحمهم كما رعونا صغارًا، أجرهم بالإحسان إحسانًا، وبالسيئات مغفرة ورضوانا. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ومعلمينا ونقلة آثار محمد نبينا، وحافظي إعلام دينك علينا، ومؤدي أمانتك إلينا، بالرحمة والغفران والكرامة والرضوان واجعلنا لهم في الخيرات تابعين، ولما ارتضيت من سبيلهم سالكين، وعلى ما حمدت من آثارهم تائبين، يا ولي المؤمنين ومتولي الصالحين. اللهم اكلأ الحوزة وأصلح الراعي والرعية، واستعملنا بطاعتك ووفقنا لأن نعبدك حق عبادتك، اللهم صلي على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وسلم عليهم وعلى عبادك الصالحين من أهل السموات والأرضين، واخصص نبينا محمدًا بأفضل الصلاة والتسليم، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك فأعطنا، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك فجنبناه، وآتنا في الدنيا حسنة وقنا عذاب النار.
وأما الوقوف عند ذكر الجنة والمسألة والاستعاذة، فلما رواه حذيفة ﵁ قال: صليت ليلة مع رسول الله ﷺ ، فافتتح سورة البقرة، فقرأ وأطال: وما مر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، ولا بآية تنزيه إلا سبح.
وأما الإعتراف لله تعالى بما يخبر عن نفسه فلما روى أن النبي ﷺ (كان إذا قرأ:﴾ والتين والزيتون ﴿فبلغ﴾ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴿قال: بلى. وإذا قرئ﴾ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴿قال (آمنت بالله وبما أنزل).
وعنه ﷺ أنه قرأ في الصلاة:﴾ فألهمها فجورها وتقواها ﴿فقال: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها).
وقال علقمة ﵁: صليت إلى حيث عبد الله، فاستفتح﴾ طه ﴿فلما أتى على هذه الآية﴾ وقل رب زدني علما ﴿قال: رب زدني علما. ثم ختمها وركع. وقال ابن عمر ﵄: إذا قرأت﴾ قل أعوذ برب الفلق ﴿، فقل: أعوذ برب الفلق. وإذا قرأت:﴾ قل أعوذ برب الناس ﴿فقل أعوذ برب الناس.
стр. 758
وعن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا أتى على هذه الآية:﴾ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴿بكى ثم قال: بلى يا رب! بلى يا رب! وأما السجود من آيات السجدة، فعمل متوارث، وشريعة ظاهرة لإخفاء بها إلا ما اختلفت فيه من السجود في المفصل، وسجود القرآن أربع عشرة سجدة: منها في الحج سجدتان، وأما سورة ص، ففيها سجدة لكنها ليست سجدة تلاوة، وإنما هو خبر عن توبة نبي، قال ابن عباس ﵁: سجدها داود توبة، وسجدها نبيكم ﷺ شكرًا، ونسجدها إتباعًا لنبينا ﷺ ، وسجدات التلاوة لا تخلو -ولعدة منها- أن تكون عند ذكر السجود إما مدحًا أمر به أو مدحًا لمن يفعله من المكلفين وثناء عليه، وإما أخبارًا عما لا تكليف عليه بأن تكون سجودًا منه لله تعالى. وأما استبطاء لمن لا يسجد إنكارًا لترك السجود عليه، لا تخرج أحوال سجود التلاوة من هذه الوجوه الأربعة. وسورة "ص" لا ذكر فيها للسجود أصلاً، وإنما فيها ذكر الركوع، فقد يحتمل أن يكون ﷺ قبل خبرا لأنه إذا ركع سجد، ثم إن الله تعالى بين لنبينا ﷺ أن يظهر لأخيه داود المشاركة في السرور بمغفرة الله تعالى على إحسانه إليه، فكان من نبينا أن يقتدي به ويسجد كسجوده، وليس ذلك من سجود التلاوة لسبيل.
ومما يتفرع عن هذا الأصل أن القارئ إذا قرأ في غير الصلاة سجد في (ص)، وإن قرأ في الصلاة لم يسجد في "ص"، لأنها سجدة شكر، ولا يصلح سجود للشكر في الصلاة، ولم يرو عن النبي ﷺ أنه سجد هذه السجدة في الصلاة، فإن وجد ذلك في شيء من الروايات، وثبت فجازت هذه السجدة في الصلاة، كانت كل سجدة للشكر مثلها والله أعلم.
وموضع السجدة في (حم)، السجدة﴾ إن كنتم إياه تعبدون ﴿في قول أهل المدينة وفي قول أهل الكوفة﴾ وهم لا يسأمون ﴿. وهو المختار قياسًا على التي في سورة النحل، وما عدا هذا من الكلام في هذه السجدات فموعظة كتب للأحكام. وأما
стр. 759
حظر القراءة على الجنب والحائض، فلما جاء عن النبي ﷺ أنه لم يكن يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة، والحيض أشد منها، وهو بتحريم القراءة على الحائض.
وفي كتاب عمرو بن حزام الذي كتبه رسول الله ﷺ : لا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهر، ولا يمتنع من قراءة القرآن إلا جنب وقليل القرآن وكثيره في ذلك سواء، لأن كلاهما قرآن ولأن السجدة والصلاة الثانية في التحريم بالجنابة والحيض سواء والله أعلم.
وأما حمل المصحف ومسه، فإن الله وصف القرآن بأنه:﴾ في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ﴿. وقد علمنا أنه ليس في السماء إلا مطهر، فدل ذلك على أن المراد بيان أن الملائكة إنما وصلت إلى مس ذلك الكتاب لأنهم مطهرون، والمطهر هو الميسر للعبادة والمرضي لها. فثبت أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف، والمحدث ليس كذلك، لأنه ممنوع عن الصلاة والطواف، والجنب والحائض ممنوعان عنهما لقراءة القرآن فإنه جاء فيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (نظفوا أفواهكم فإنها مجاري القرآن). وعنه ﷺ قال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) وذلك - والله أعلم لأن المستن يطهر الفم لأجل الرب، إذ كان غرضه أن لا يتلفظ بحروف القرآن، ولا تخالطه رائحة فمه الأصوات التي هي الحروف إلا وفمه نظيف ورائحته غير خبيثة. وذلك راجع إلى تعظيم كلام الرب، فلذلك كان مما يرضيه عنه والله أعلم.
ومما جاء عن رسول الله ﷺ في إعظام القرآن من هذا الوجه أنه قال: (أفلا قام الرجل يتوضأ ليلاً أو نهارًا، فأحسن الوضوء واستن، ثم قام فصلى، أطاف به الملك ثم دنا منه حتى وضع فاه على فيه، ثم قرأ الآية، وإذا لم يستن أطاف به ولا يضع فاه على فيه) استن: استاك، انتقل من السنة، لأن السواك سنة.
وأما على الحسن من الثياب والتطيب، فقد جاء عن تميم الدرامي ﵁ أنه
стр. 760
إذا قام بالليل للتهجد اعتكف بالغالية. وقال مجاهد: كانوا يكرهون أكل الثوم والكرات والبصل للقيام من الليل، ويستحبون أن يمس الرجل عند قيامه من الليل طيبًا يمسح به ثيابه، وما أقبل من اللحية. وقال قتادة: ما أكلت الكرات منذ قرأت القرآن.
وقال عون بن عبد الله: كان عبد الله بن مسعود تعجبه الثياب النظيفة، والريح الطيبة إذا قام إلى الليل، وعن مجاهد أنه كان يقرأ أو يصلي، فوجد ريحًا فأمسك عن القراءة حتى ذهبت.
وأما الجهر بالليل والإسرار بالنهار، فإنه روى عن كريب قال: سألت ابن عباس ﵄ عن خبر رسول الله ﷺ بالقراءة بالليل، فقال: كان يقرأ في حجرته قراءة لو أراد حافظ أن يحفظها لفعل.
وقال أم هانيء: كنت أمسع قراءة النبي ﷺ بالليل وأنا على عرسي، وأما الإسرار بالنهار، فلأن الصلاة التي تقام بعد طلوع الشمس على إسرار القراءة فيها، ولو كان في الجهر بها في النهار فضل لكانت الصلاة به أولى، لأن السر يكل فيستريح، فيأنس بالجهر. والجاهر يكل فيستريح بالإسرار، إلا من قرأ بالليل جهرًا الأكثر، وأسر الأقل، وإذا قرأ نهارًا أسر الأكثر وجهر بالأقل. روى بعضهم عن النبي ﷺ في صلاة النهار قال: كان يسر بالقراءة، وربما أسمعنا الآية والآيتين أحيانًا. وقال عبد الله بن قيس: سألت عائشة ﵂: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ بالليل؟ أكان يجهر أو يسر؟ قالت: قد كان يفعل، وربما جهر وربما أسر، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الدين سعة.
وعن أبي هريرة أنه كان إذا قرأ رفع طورًا وخفض طورًا. وذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. وإذا قرأ بالنهار في بيت أو مسجد أو موضع لا لغو فيه ولا صخب، ولم يكن في صلاته، رفع صوته بالقراءة. وإن قرأ بالليل في مجمع قد رفعت فيه الأصوات، وكان يعلم أنه إن جهر لم ينصت له، فلا ينبغي له أن يقرأ إلا بإسرار والله أعلم.
وأما أنه لا يقطع القراءة لمكالمة الناس فلأنه إذا انتهى في القراءة إلى أنه، وحضره كلام، وقد استقبلت الآية التي بلغها والكلام، فلا ينبغي أن يؤثر كلامه على القرآن، ولأن في إتباعه القرآن بعضه بعضًا من البهجة ما يظهر عند إتباع، ويخفى عند التقطيع،
стр. 761
فكان في التقطيع سلب لبعض رتبة القرآن، فاستحق أن يكون مكروهًا، المحادثة خلال القراءة استخفاف بالقرآن. ألا ترى أن الرجل إذا حدث أخاه أو مثله، فقد يقطعه بحديث غيره، وإذا حدث من فوقه ممن يهابه لم يفعل ذلك، فينبغي أن تكون هيبة القرآن في صدره أكثر من هيبة غيره.
وأما تحسين الصوت بالقرآن فلما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (زينوا القرآن بأصواتكم). وأنه ﷺ قال: (حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا) وأنه ﷺ قال: (ما أذن الله بشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن) وفسرته أم سليم وأبو هريرة يجهر به.
وسئل الليث بن سعد ﵁ قال: يتحزن به، والذي يظهر بدلالة الأخبار أنه أراد بالتغني أن يحسن القارئ صوته به مكان ما يحسن المغني صوته بغنائه. إلا أنه يميل به نحو التخزن دون التطرب. أي قد عوض الله تعالى من غناء الجاهلية خيرًا منه، وهو القرآن. فمن يحسن صوته بالقرآن ولم يرض به بدلاً من ذلك الغناء، فليس منا، إلا أن قراءة القرآن لا يدخلها من النغم، وفضول الألحان وترديد الصوت ما يلبس المعنى ويقطع أوصال الكلام، كما قد يدخل ذلك كله الغناء. إنما يليق حسن الصوت والتحزن دون ما عداهما.
سئل رسول الله ﷺ : من أحسن الناس قراءة؟ قال: (من إذا سمعته يقرأ، أرأيت أنه يخشى الله). وقال: (إن هذا القرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن). أو كما قال والله أعلم.
وأما ترتيل القراءة، فلقول الله ﴾ ورتل القرآن ترتيلا ﴿. وجاء عن
стр. 762
حفصة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: لا تبتروا القرآن كبتر الدفل، ولا تهذوه كهذي الشعر، ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة. وأيضًا فإن التفكر أمكن عند الترتيل منه عند الهذي، فكان الترتيل لذلك أولى والله أعلم.
وأما قراءة القرآن في أقل من ثلاث، فإن عبد الله بن عمر ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم ينفعه).
وعنه ﷺ أنه أمره أن يقرأه في أربعين، ثم في شهر، ثم في عشرين ثم في خمس عشرة ثم قال في عشر، ثم قال سبع ولم ينزل من السبع.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. وكان عبد الله ابن مسعود ﵁ يقرأ القرآن من الجمعة إلى الجمعة، وفي رمضان في كل ثلاث.
وكان تميم الدرامي ﵁ يختم في كل سبع. وكان طلحة بن مصرف وحبيب ابن ثابت، والمسيب بن رافع يقرأون القرآن في كل ثلاث، ثم يصبحون في اليوم الذي ختموا فيه صيامًا.
وأما تعلم القرآن فإن النبي ﷺ قال (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) قال أبو عبد الرحمن السلمي، وذلك أقعدني هذا المقعد، وكان علم القرآن من زمن عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج.
وأيضًا فإن تعلم القرآن أمانة على الدين، فهو كتلقين الكافر الشهادة ليسلم. وأيضًا فإن تعليم معاني القرآن من لا يحسنه، بر وقربة لمن يحسنه، فتعلم القرآن نفسه أولى أن يكون ذلك.
وأيضًا فإن علم القرآن فضل وتعليمه من لا يحسنه إفادة من المعلم إياه الفضل الذي
стр. 763
عنده، فلا يجوز أن يختلف ذلك عن إعطاء الغني الفقير وإشباع الجائع، وكسوة العريان وكل ذلك مما إذا جعل لوجه الله تعالى كان برًا وقربة، ولذلك تعليم القرآن والسنن والله أعلم.
وإنما استيقن الناس لمعلمين لمعنيين: أحدهما أنهم يقصرون أيامهم على معاشرة الصبيان الذين لا عقول لهم، فإذا فارقوهم خلوا بنسائهم وذراريهم، فيؤثر ذلك على تطاول الأيام في عقولهم وبصيرتها، وينقبض منها. كما أن من عاشر العلماء والحكماء والفضلاء، ولم يكن يخالط غيرهم ازداد بذلك عقله، وقويت بصيرته. ونبل رأيه. وأما أبو عبد الرحمن السلمي وأشباهه فلم يكونوا بهذه الصفة، وإنما كان الواحد يأتيهم فيلقنونه آيات فيأخذها وينصرف فلا يمنعهم ذلك من غشيان مجالس الكبر والاختلاط بهم والاستفادة منهم، ولا يتضررون بالتعليم تضرر من ذكرنا.
والوجه الآخر: أن المعلمين لما أرصدوا أنفسهم لتعليم الصبيان ابتغوا عليه الاجعال، ولما كثوا صار كل واحد منهم يرضى عن العمل الكبير والشغل الطويل بالجعل اليسير، خيفة أنه لم يجب إلى التعليم بما يراود عنه من الجعل الطفيف، إنابة لصاحبة، وصاروا مع ذلك يطمعون في أطعمة الصبيان ليغالبونهم عليها، ويحملهم الشره على ضروب من التذلل، ومن رضي بمثلها لنفسه لم يوقر ولم يبجل، فإنما أوتوا من هذا الوجه، لا من تعليم القرآن. فإن نفس التعليم توجب التفضيل والتشريف وتحرم التحقير والتصغير، ومن استحقر معلمًا لأجل تعليمه خيف عليه، فقد بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه لتعليم النبي ﷺ القرآن، وقال:﴾ علمه شديد القوى ﴿وما تعلم أول من تعلم من الأمة إلا من النبي ﷺ ، فكيف يجوز لأحد أن يترفع عن تعليمه أو يستحقر من يتصدى للتعليم وقد كان الأولون الذين ذكرنا، إنهم كانوا يعلمون للقرآن بمعزل عن هذه الرذائل، كما كانوا بمعزل عما وصفنا قبل من الشمائل، فلذلك استحقوا المدح والثناء، ﵃ وغفر لهم.
وأما قراءة القرآن بالقراءات المستفيضة دون الغرائب والشواذ، فلأن في الشهور المستفيضة مندوحة عن الشاذ الغريب، فكان تركها أحوط لئلا يتقرب إلى الله بقراءة من لا يمكن القطع بأنه من عند الله من غير ضرورة. وليس ذلك كالأخبار الخاصة
стр. 764
تقبل من الأفراد بعد أن يكونوا عدولاً، لأنها إنما تقبل إذا لم يوجد في الثبات ما هو أقوى منها فتكون بالضرورة هي المؤدية إلى فتواها. ومثل هذه الضرورة لا تقع إلى شواذ القرآن، فلذلك كان تركها أولى والله أعلم.
وأما ترك القبول إلا عن العدول المتميزين، فلأن الإخبار بالقراءة شهادة على الله ومعلوم إن الشهادة على أناس لا تقبل إلا من العدول المتميزين، فإن لا تقبل على الله إلا منهم أولى وأحق والله أعلم.
وأما القراءة من المصحف فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (قراءة القرآن في غير المصحف ألف درجة، والقراءة في المصحف تضاعف على ذلك الفي درجة).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ. ودخلوا على عمر ﵁ وهو يقرأ في المصحف -وكان والله قارئًا- فقال: إني أكره أن يأتي علي قوم لا أنظر في عهد الله، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ إذا أصبح أمر غلامه فنشر المصحف فقرأه، وقال نافع: كان ابن عمر ﵁ إذا فتح المصحف ليقرأ، بدأ فقال: اللهم أنت هديتني لو شئت لم أهتد، لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
وقال خيثمة: دخلت على عبد الله بن عمر وهو يقرأ في المصحف فقلنا له: ما تصنع؟ فقال: أقرأ جزئي الذي أقرأه، ورأى عبد الله بن مسعود مصحفًا مزينًا بالذهب فقال: أن أحسن ما يزين به المصحف تلاوته في الحق.
كان زيد بن عبد الله بن الشجير يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه. وكان الربيع يقرأ في المصحف، فإذا طال عليه عبث بالورق. فقال يونس بن عبيد: كان خلقًا للأولين النظر في المصاحف. وقال الأوزاعي ﵁: كان يعجبهم النظر في المصحف، ولكل واحدة من القراءة في المصحف القراءة من الحفظ فائدة، ففائدة القراءة من الحفظ وثبات الذكر وهو أمكن للتفكير فيه، وفائدة القراءة من المصحف الاستباب لئلا يغلط
стр. 765
بإسقاط حرف، أو زيادته، أو تقديم أو تأخير. فالأولى إذًا أن يقرأ الحافظ من حفظه مرة ومن المصحف أخرى.
وأيضًا، فإن القارئ في المصحف يستعمل في القراءة لسانه وعينيه، والقارئ من حفظه يقبض على استعمال اللسان دون العين. والقارئ في المصحف يقضي حق القرآن وحق المصحف، لأن المصحف لم يجد ليهمل، إنما اتخذ ليرجع إليه فيقرأ منه، وله على الانفراد حق. ألا ترى أن المحدث يقرأ القرآن يمس، فمن أقل منه فقد قضى حقه وحق ما فيه ومن قرأ من حفظه لم يكن منه إلا قضى حق القرآن وحده. فكانت القراءة من المصحف أولى وأفضل.
وأما استحباب القراءة في الصلاة، فلأن الصلاة أفضل أحمال العبد، فإذا كنا نستحب للقارئ أن يقرأ، مستقبلاً القبلة، وفي حال الطهارة إذا لم يكن مصليًا. وإنما الطهارة واستقبال القبلة ركنان من أركان الصلاة، فهو إذا قرأه مصليًا كان ذلك أكثر للفضل والله أعلم.
وقال محمد بن حجارة: كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن من الليل أن يختموه في الركعتين بعد المغرب، وإذا ختموه في النهار أن يختموه في ركعتي الفجر. وأما استحبابنا للقارئ عرض القرآن في سنة على من هو أعلم منه، فلأن النبي ﷺ كان يعرض القرآن في كل عام على جبريل صلوات الله عليه. فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه مرتين.
فإن قيل: إنما كان يعرض ليعلمه نسخًا إن كان وقع. قيل: لو كان نسخ مما أنزل عليه شيء لأعلمه إياه قبل قراءته عليه، ولم يكن ينتظر أن يقرأ المنسوخ عليه معرفة النسخ عند ذلك، لأنه لم يكن يعرض القرآن عليه فرضًا ولا عن تقدمه تكون إليه من جبريل ﵇، فيقال أنه استعرضه إياه لينقحه له فيمن الناسخ من المنسوخ وترفقه عليه فإن ذلك إن كان صحيحًا فقد يمكن عند أعلم الرجلين علم بحرف أو كلمة لا يكون عند أقلهما علمًا، فهو يستفيد بالقراءة عليه أن يعرفه إياه. ولا يؤمن أن يكون قد ألف فيما يقرأه غلطًا يرى أنه صواب فيبصره علم ذلك ليرجع إليه والله أعلم.
وأما الاستكثار من القرآن في شهر رمضان، فلأنه شهر القرآن، قال الله :
стр. 766
﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴿. وقال:﴾ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴿وجاء في الأخبار: أنه أنزل لأربع وعشرين من شهر رمضان، أي ليلة خمس وعشرين، وقيل في تفسير: كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في كل ليلة قدر ما ينزل على النبي ﷺ إلى الليلة التي تليها، فينزل جبريل ﵇ بأمر الله فيما بين الليلتين من السنة إلى أن ينزل القرآن كله من اللوح المحفوظ في عشرين ليلة من عشرين سنة.
وأيضًا فإن الصائم مأمول أن يحفظ لسانه ولا يتكلم بما لا يعنيه، فلما كان الصوم حالاً يقتضي الإمساك عن كثير من كلام الناس، دل ذلك على أنه يقتضي التقرب إلى الله تعالى بقراءة كتابه، كالصلاة التي لما وجب إجلاؤها من كلام الناس حرم إجلاؤها بين كلام الله .
وأيضًا فإن الشياطين يصفدون في شهر رمضان، فتكون القلوب فيه أصفى وأخلص وأتقى، والتفكير فيما يقرأ أمكن، والتخشع أيسر، فكانت القراءة فيه أخلق.
فإن قيل: فلا تستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم إذا قرأتم القرآن في شهر رمضان، لأنكم أمنتموهم، وحيل بينكم وبينهم.
قيل: قد تكون الاستعاذة منهم استعاذة من لا يؤمن أن تكون علقت بالنفوس من قبلهم، فإن لم يعصم الله تعالى القارئ عملت عملها من معارضته إذا قرأ فنزل أو انغفل عن شيء فيدعه أو يقرأ مكانه غيره أو تعرض له وسوسة في معناه لاحادثه، لكن من سابح قدمه، وقد تقدمت منه في القلب فلم يزايله. فأما أمر جديد فلا يعرض منهم في هذا الشهر، فيحتاج إلى الاستفادة لأجله والله أعلم.
وأما ترك الممارأة في القرآن، فلما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (إن المراء في القرآن كفر) وهذا -والله أعلم- أن يسمع الرجل من الآخر قراءة أو آية أو كلمة لم تكن عنده، فيعجل عليه ويخطئه وينسب ما يقرأه إلى أنه ليس بقرآن، ويجادله في ذلك
стр. 767
ويخاصمه فيه أو يجادله في تأويل يذهب إليه ولم يكن عنده، ويخطئه ويضلله، فإذ ينبغي له أن يفعل هذا، فإن اللحاح ربما ازاغه عن الحق فلا يقبله. فإن ظهر له وجهه فيكفر. فلهذا حرم المراء في القرآن وسمي كفرًا، لأنه يشرف بصاحبه على الكفر، فإن ذلك إن كان في نفي حرف وإتيانه، أو نفي كلمة وإثباتها، لكان الرابع من التمادي بير عن الحق بعدما تبين له كافرًا، لأنه إما أن يكون منكر شيء في القرآن، أو يكون يدعى زيادة فيه والله أعلم.
فإن قيل: أو ما يجوز المباحثة والمناظرة في القرآن والمعاني.
قيل: يجوز، والمراء غيرهما. وإنما المراء الإصدار على التغليط والتضليل وترك الإدعاء لما يقام من الحجة. فأما المباحثة التي لا يكاد المشكل ينصح إلا بها فليست بحرام والله أعلم.
وأما التفسير بالظن فلا يجوز لأن الله تعالى يقول:﴾ إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴿. وقال تعالى:﴾ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴿. وجاء عن النبي ﷺ (من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار). وأما ما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁ من قوله: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي، فإنما هو في الرأي تغلب على القلب من غير دليل قام عليه.
وقيل هذا الذي لا يجوز الحكم به في النوازل، فكذلك لا يجوز تفسير القرآن به. وأما رأى يشده برهان، فالحكم به في النوازل جائز. فكذلك تفسير القرآن به جائز والله أعلم.
وأما صيانة القرآن عن ديار العدو، فلأن النبي ﷺ نهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وفي بعض الأخبار مخافة أن تناله يد العدو. وليس معنى هذا إن من خرج إلى
стр. 768
أرض العدو أن لا يقرأ فيها القرآن، وإنما هو أن لا يسافر بالمصحف القرآن، لأنه لا يؤمن أن يقع بيد العدو، فيستخفوا منه، وينتهكوا حرمته مغالظة للمسلمين، وتشفيًا بذلك وانتقامًا، والمصحف لا دفع فيه عن نفسه، فكانت المسافرة به إليهم تعريضًا لما لا يليق بحال قدره، فلذلك نهى عنها والله أعلم.
فإن قيل: فكيف يصنع الذي لا يحفظ القرآن؟
قيل: يجلس إلى حافظ يقرأه فيستمع إليه ويتأنى به القرآن حتى يجاريه في قراءته، وفيما يمكنه منها.
روي عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بالليل في حجرته قراءة لو أراد حافظ أن يحفظها لفعل. وهذا من الجهد والتمهل معًا والله اعلم.
وأما القراءة بالتفخيم والإعراب، فإنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ القرآن فأعرب في قراءته، كان له بكل حرف عشرين حسنة، ومن قرأ بغير إعراب، كان له بكل حرف عشر حسنات).
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أعربوا القرآن فاتبعوا غرائبه وفرائضه وحدوده) وقال عبد الله بن مسعود: أعربوا القرآن فإنه عربي، ومعنى إعراب القرآن شيئان: أحدهما أن يحافظ على الحركات التي بها يتميز لسان العرب عن لسان العجم، لأن أكثر كلام العجم مبني على السكون وصلاً وقطعًا، ولا يتميز الفاعل من المفعول، والماضي من المستقبل باختلاف وحركات المقاطع. وإنما هذا اللسان للعرب خاصة، فنهى الناس عن أن يقرأوا القرآن تاركين الإعراب، فيكونوا قد شبهوه من هذا الوجه بالأعجمية.
والآخر: أن يحافظ على أعيان الحركات ولا يبدل شيء منها بغيره، لأن ذلك بما أوقع في اللحن أو غير المعنى. وكان ابن عمر ﵁ يضرب ولده على اللحن. وسمع عمر ﵁ جماعة يقرأ بعضهم فقال: (اقرأوا ولا تلحنوا).
فأما التفخيم، قال زيد بن ثابت ﵁، روي عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 769
(نزل القرآن بالتفخيم) ومعنى هذا والله أعلم، أن يقرأ القرآن كاملاً قراءة الرجال ولا يخضع الصوت به فيكون مثل كلام النساء. ولا يدخل في هذا كراهية الأماله، التي هي أخبار بعض القراء.
وقد يجوز أن يكون القرآن أنزل بالتفخيم، ورخص مع ذلك في إمالة ما تحسن إمالته. وتكون هذه الرخصة نازلة على لسان جبريل ﵇ أيضًا. لكن لفظه بالتنزيل كان التفخيم دون الإمالة والله أعلم.
وأما أن القارئ لا يخلط سورة بسورة، فلما روي أن لرسول الله ﷺ مر بأبي بكر ﵁ وهو يخافت، ومر بعمر ﵁ وهو يجهر، ومر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال لأبي بكر: (مررت بك وأنت تخافت: فقال: إني اسمع من إناجي. قال: ارفع شيئًا. وقال لعمر: مررت بك وأنت تجهر فقال: اطرد الشيطان وأوقظ الوسنان فقال: اخفض شيئًا. وقال لبلال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: اخلط الطيب بالطيب. فقال: (اقرأ السورة على وجهها) وهذا أولى ما روي أنه أنكر عليه، لأن هذا الحديث أتم من ذلك الحديث، فإنه كما لم يذكر في هذا الحديث أنه أنكر على عمر لم يذكر أنه أنكر على أبي بكر وعمر. وقد نطق هذا الحديث بالإنكار عليهما وعلى بلال. والذي فعله بلال قد فعله عمر بعينه فكان ما روى من الصريح بالإنكار والتعبير أولى بالاعتماد من الرواية، التي ليس فيها أكثر من السكت عن عمر. ولعل النظر إذا أنعم وحقق منع لمن يتأت حديث عمر، لأن فيه أن النبي ﷺ استنكر منه فعلا مقابلة عمر بالحجة فأمسك عنه، وهذا عظيم. ولئن كان شيء من الأخبار يرد لضعف أحد من نقلته، فرد هذا يخطأ منه، وهجينه أولى بالذم والله أعلم.
وأما استبقاء كل حرف أثبته قارئ إمام، فيكون القارئ قد أتى على جميع ما هو قرآن ولم يبق شيئًا، فيكون ختمه أصح من ختمه إذا ترخض، فحذف إلا يضر حذفه من حرف أو كلمة. ألا ترى أن صلاة القاعد، قد تجوز، ولكن من قام واستوفى كل فعل
стр. 770
إذا وقع منه كان صلاة، كانت صلاته أجمع وأتم من صلاة من يرخص فحذف منها ما لا يضر حذفه، فكذلك هذا في قراءة القرآن والله أعلم.
وأما التسمية في أوائل السور فإن الذي جاء عن النبي ﷺ فيها قراءة، وهي ماروت أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته آية آية،﴾ بسم الله الرحم الرحيم، آية، الحمد لله رب العالمين، آية، الرحمن الرحيم، آية، مالك يوم الدين، آية، إياك نعبد وإياك نستعين، آية، إهدنا الصراط المستقيم، آية، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿آمين، آية.
وأما ما جاء عن النبي أنه قال: (يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي) فابتدأ القسمة من قوله: "الحمد لله" لا من "بسم الله"، فإنه لا دليل فيه بقطع أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست الآية الأولى، لأنه يجوز أن يكون له، فإذا انتهى العبد إلى الحمد لله رب العالمين قال: الله: "حمدني عبدي" لا أن يكون ذلك جميع الجزء الأول من هذه السورة كما قال النبي ﷺ .
(وإذا قال الإمام: "ولا الضالين" فقولوا: آمين). وإنما أراد فإذا انتهى في القراءة إلى هذا القول، لأن ذلك جميع قراءته والله أعلم.
ومتى كانت "بسم الله الرحمن الرحيم" الآية الأولى منها، كان أحد النصفين أربع آيات ونصف آية، والنصف الآخر آيتين ونصف آية. وهذا أيضًا ليس بدليل يقطع بأن "بسم الله الرحمن الرحمن" ليست الأولى منها. لأن فاتحة الكتاب تنقسم إلى حروف وآيات، فلئن كانت تنصف نصفين مستويين، إذا كانت بسم الله الرحم الرحيم أولى آياتها، فإنها تنصف مع ذلك بكل واحدة من الكلم والحروف نصفين متعادلين، وتكون نهاية النصف الأول في الوجهين عند قوله: "نعبد" وليس في الحديث إلى التنصيف بالآي.
стр. 771
فإذا كانت تنتصف ابتداء بها بالتسمية بالكلم والحروف نصفين، فقد وقع بذلك الخروج من عهدة الخبر والله أعلم.
وعلى أنه لو ثبت المراد بالحديث أن تنتصف السورة نصفين بالآي، فقد يجوز أن ينتصف بالآي، ويكون نصفه الأول أطول من نصفه الثاني، ألا ترى أن لنا في الشهر إذا لم يجاوز تسعًا وعشرين لم يحل ذلك الشهر من التنصيف غير أنه يكون نصفها خمسة عشر، ونصفها الآخر أربعة عشر، حتى لو قال رجل لامرأته في أول شهر: إذا انتصف هذا الشهر فأنت طالق، طلقت إذا انتصف من أيامه خمسة عشر يومًا، ولو نقص منه يوم لم يبن أن الطلاق كان واقعًا قبل الوقع الذي ذكرنا، وذلك محال.
ولو قال لامرأته وقد مضى من الشهر خمسة عشر يومًا إذا مضى شهر فأنت طالق، فمضى من الشهر الثاني خمسة عشر يومًا، طلقت سواء نقص الشهر الأول أو الثاني، أو نقصا معًا أو كملا. فإذا جاز أن يكون الشهر نصفين، وأحدهما أطول من الآخر، جاز أن تكون السورة نصفين وأحدهما أطول من الآخر، والضرورة توجب أن تكون "بسم الله الرحمن الرحيم" من أول فاتحة الكتاب، لأن الله سماها: "السبع المثاني" وأجمع المسلمون على أنها سبع آيات وليس شيء مما يلي قوله المستقيم يصلح أن يكون مقطعًا لأن قوله: "صراط الذين" مع قوله: "أنعمت عليهم" كلام واحد، لأن المعنى: صراط المنعم عليهم، وهذه جملة لا تحتمل التفريق. وقوله: "أنعمت عليهم" ليس فيه من أوصاف المقاطع المعهودة لهذه السورة شيء إلا أنها حروف متحركة قبلها حرف مد ولين. وقوله: "عليهم" آخره حرف ساكن قبله حرف صلة فتحرك. ولو جاز أن يكون ذلك مقطعًا، لجاز أن يكون قوله: "غير المغضوب عليهم" مقطعًا، فتكون هذه السورة من غير "بسم الله الرحمن الرحيم". ثماني آيات. والأمة مجمعة على خلاف ذلك. فثبت أن القول المؤدي إليه باطل والله أعلم. وأما ما عدا فاتحة الكتاب فلا يبين كل البيان أن "بسم الله الرحمن الرحيم" منها.
ومن يعتمد في إتيانها من فاتحة الكتاب على خبر أم سلمة، وعلى ما بينا آنفًا لا يقول أنها من فواتح السور كلها. فأما من يقول: إن الاعتماد في نقل إثبات القرآن على النقل العام، وإن المسلمين توارثوا خلفًا عن سلف، أن المصحف جامع القرآن، فكل ما أثبت
стр. 772
فيه على صفة واحدة، فلا جائز أن يفترق أبعاضه. لكن بعضها إذا كان قرآنًا وجب أن تكون جميعها قرآنًا. ووجدنا إثبات "بسم الله الرحمن الرحيم" في المصحف، وإثبات ما بعده إلى آخر الفاتحة بصفة واحدة، وعلى هيئة واحدة، فأوجبنا أن يكون كل من ذلك قرآنًا، حيث أثبت. فإن هذا المحتج لا يجد بدًا من إثباتها في أول كل سورة، والقول بذلك وإن كان يقرب في بعض الصور من طريق أنها كلها فواتح، فإنه يتعدى في بعضها لمباينتها ما يليها من فواتحها. ولا قائل بالفرق في ذلك بين السور والله أعلم. إلا أن الأحسن قراءتها في أول كل سورة ما خلا سورة التوبة، إتباعًا لخط المصحف، ولأنه قد ثبت أنها كانت تنزل مع كل سورة. قال عبد الله بن مسعود لا يعرف فصل ما بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم وكان ابن عمر ﵁ يقرأها بين كل سورتين ولا شك بأن قراءتها أحفظ من حذفها. فالقراءة إذًا أولى، وبالله التوفيق.
وأما فضائل السور والآيات، فإن الله امتن على نبيه ﷺ بآية آتاد "السبع المثاني"، والقرآن العظيم، فجاء عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بن كعب ﵁ يجب أن أعلمك سورة لم تنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، قلت: نعم يا رسول الله، قال: كيف تقرأ في الصلاة، فقرأت أم القرآن: فقال رسول الله ﷺ (والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت).
وعن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ في مسير فنزل، فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال له: (ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال: فتلا عليه الحمد لله رب العالمين). وقال النبي ﷺ : (لا صلاة إلا بأم القرآن). وقال (لكل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج). ذكر سورة البقرة أبو
стр. 773
أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرأوا البقرة فإن آخرها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة). قال معاوية بن سلام: البطلة: السحرة.
وعن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا بيوتكم مقابر صلوا فيها، فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة). وقال أبو ذر ﵁: قلت يا رسول الله بأبي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). وقرأ آية الكرسي حتى فرغ منها. وعن النبي ﷺ قال: (إن لكل شيء سنامًا، وسنام القرآن سورة البقرة، فيها آية سيدة أي القرآن "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" لا تقرأ في بيت فيه شيطان). سورة الإنعام: قال ابن عباس ﵄ أنزلت سورة الأنعام جملة ليلاً بمكة، ومعها سبعون ألف ملك يحدونها بالتسبيح. وقال سعيد بن جبير ﵁: لم ينزل شيء من الوحي إلا نزل مع جبريل ﷺ أربعة من الملائكة يحفظونه من يديه ومن خلفه، وهو قوله ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم إلا الأنعام، فإنها نزلت معها سبعون ألف ملك.
تنزيل السجدة والملك ويس عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ، لا ينام حتى يقرأ: ألم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك. وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (قلب القرآن يس). وعن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اقرأوها على موتاكم). يعني يس، أي على المحتضرين.
حم: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى بحم الدخان في ليلة أصبح مغفورًا له).
стр. 774
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا وقعت في أي حم، وقعت في روضات دافئات وعن النبي: (من قرأ آية الكرسي وآيتين من حم المؤمن، من قرأها حين أصبح يحفظ يومه ذلك حتى يمسي، وإن قرأها حين يمسي حفظ ليلته حتى يصبح).
والواقعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا).
الملك: عن النبي ﷺ (سورة في القرآن ثلاثون آية، شفعت لصاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك).
الكافرون: عن رسول الله أنه قال لرجل: اقرأ قل (يا أيها الكافرون، فإنها براءة من الشرك) وعنه ﷺ : (من قرأ يا أيها الكافرون فقد قرأ ربع القرآن).
سورة القدر: عن أنس ﵁ قال: قال النبي: (من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر عدلت بربع القرآن).
سورة الإخلاص: عن رسول الله ﷺ قال: ("قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن). وعن أنس بن عمر ﵁ قال: يا رسول الله حببت إلى هذه السورة، يعني "قل هو الله أحد" قال: (حبك إياها أدخلك المعوذتين). عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ "قل هو الله أحد" حتى ختمها ثم قرأ "قل "قل أعود برب الفلق حتى ختمها، ثم قرأ "قل أعوذ برب الناس حتى ختمها، ثم قال:
стр. 775
(ما تعوذ أحد بمثلهن). وعنه ﷺ قال: (ما يقرأ شيء أبلغ عند الله من "قل أعوذ برب الفلق".
فصل
إن سأل سائل عن المفاضلة بين السور والآيات قيل له: قد روينا عن النبي ﷺ أنه قال لأنس ﵁: (إلا أبشرك بأفضل القرآن فذكر فاتحة الكتاب). ومن قبل فقد قال الله :﴾ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴿. فثبت بذلك جواز كل واحد من القولين. ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء: أحدها أن تكون اثنان اثنان في التلاوة إلا أن إحداهما منسوخة، والأخرى ناسخة. فيقال: إن الناسخة خير، أي العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم وعلى هذا يقال آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، خير من آيات القصص والوعود، لأن القصص إنما أريد به تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير، ولا غناء بالناس عن هذه الأمور. وقد يستغنون عن القصص فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرًا لهم، مما يجعل تبعًا لما لابد منه.
والآخر أن يقال: أن الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته، والدلالة على عظمة وقدسه أفضل أو خير، بمعنى أن يتمين أنها أسنى وأجل قدرًا.
والثالث أن يقال سورة وآية خير من آية، بمعنى أن القارئ يتعجل له بقراءتها الإحتراز مما يخشى بالله جل ثناؤه، وينادى بتلاوتها منه لله تعالى لما فيها من ذكر الله تعالى بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر ويمنه وبركته. أما آيات الحكم فلا تقع نفس تلاوتها إقامة الحكم فإنما يقع بها علم وإذكار فقط. فكان ما قدمناه قبلها أحق باسم الخير والأفضل والله أعلم.
следующие страницы →