← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ومن قال هذا، قال: ليس بأكثر مما جاء في القرآن من قوله الكفار: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سدًا، ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾. ومن قوله : ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾. ومن قوله : ﴿صم بكم عمي﴾. فإذا جاز أن يكون الله قد شبه الكفار، وأعراضهم عما يسمعونه ويرونه من آيات الله وبيناته ونزولهم منزلة من لا يسمع دعاء، ولا يرى آية ولا يعقل حجة مقبولة المعلول، الممنوع بعله، يراود عنه مما يمتنع العل عن مثله. فكذلك يجوز أن يكون تصفيد الشياطين عبادة من قلة تمكنهم في هذا الشهر من هذا الناس عن الطاعات وإغوائهم بالمعاصي والسيئات والله أعلم. وقيل: إن ذلك حقيقة وليس بمثل، والمعنى أنه حال بينهم وبين السلطان الذي لهم على نفوسهم اليأس في هذا الشهر بأصفاد تليق بهم، فلا يتهيأ لهم معه الخلوص إلى النفوس، وإحضار الفساد للقلوب، وإن اجتماع المسلمين على الصلاة والصيام في الشهر مع تكاسل بعضهم على الصلوات المكتوبات في غيره، والسماحة بالصدقات مع التحل بالزكاوات فيما سواه. والإقبال على القرآن مع التغافل عنه في أكثر الأوقات، والميل إلى مجالسة أهل العلم ومساءلتهم هذا الإعراض عنه، وترك الإشتغال به من قبل، وتركهم شرب الخمور مع الحرص عليها طول السنة، ليس الإنقطاع مكائد الشيطان عنهم، ولا ذلك لم يكونوا في هذا الشهر إلا كما يتكاسلوا عن الصلوات في أوقاتها. فإن صيام يوم من أوله إلى آخره أشق من ركعتين أو أربع ركعات، فلما كان ذلك لا يقع منهم، علمنا أن الشياطين قد سمعوا عنهم، فمن ذلك ينتشروا للطاعة والعبادة والله أعلم. فإن قيل: ليسوا مع ما وصفتم لا يخلون من وجوه من المناكير، والعظائم منهم، نحو قطع الطريق، وقتل النفوس والرق، فهلا علمتم بذلك أن الشياطين غير ممنوعين عنهم إن كانت هذه المعاصي لا تقع من الناس إلا باعوا الشياطين.

стр. 912

فالجواب: أن الشياطين وإن صفدوا في هذا الشهر، فإن الإناء التي علقت بنفوس الصائمين من تسويل شر لهم، وتحبيب باطل إليهم لا يخلع عنها بتصفيدهم، ولا يفارقها بل يلزمها فيكون بحالها وجود ما ذكرتم لها ومن قبلها. فأما حدوث مادة جديدة لشر مستأنف لم يكن خطر بالقلب قبل الشهر ولا تتهيب النفس عليه. فهذا لا يكون في الشهر. فإن قيل: وماذا يعني تصفيدهم في الشهر إذا كانوا قد قدموا من الإناء ذي الفتحة، ما لزمت نفوس الآدميين، فصاروا يعملون بها في الشهر مثل ما يعلمون بها في غيره. قيل: أن تلك الآثار تزداد بانقطاع المواد عنها ضعفًا ورضاء، ولولا ذلك لكان الناس كلهم في الشهر، كما يكون قبله أو بعده. وليس كذلك بل تباين أحوالهم في غيره مباينة شديدة. ثم المكائد المبتدأة لا تقع أصلا، فلا يحل التصفيد من أن يقع ويفيد وبالله التوفيق. وأما قوله: (وينادي مناد يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر)، فقد يجوز أن يكون مثلا لترغيب الله تعالى الموصل في زوائد الخيرات والحسنات في هذا الشهر حتى يجازوا كأنهم ينادون كل ليلة، فيقال لهم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. وقد يجوز أن يكون حقيقة لا مثلا، وأن يكون ملك ينادي بذلك ليزداد العباد حسدًا في الخير، وبعدًا من الشر. فإن قيل: ما معنى هذا النداء وهم لا يسمعونه؟ قيل: ليس كذلك، لأن الصادق قد أبلغهم إياه وأخبرهم، فصاروا سامعين له، وليس كل نداء يسمع من المنادي. ولكن من سمعه من صادق فبلغه عنه، فكأنما سمعه منه، فكذلك هذا والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ : (تعظيم قدر هذا الشهر فلم يغفر) فقال انس: (رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده، فلم يغفر له، فقال: آمين. رغم انف امريء

стр. 913

ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقال: آمين). ومعنى هذا -والله أعلم -رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده وأدرك هذا الشهر، وذكرت عنده فلا هو صلى عليك فعرف حقك، ولا عمل في هذا الشهر ما يتوصل به إلى المغفرة، فعرف حقه. ولا بر والديه. أو الذي أدرك مثلهما فعرف حقه، فإن الأمر إن لم يكن على هذا وجب أن يكون من ترك الثالثة وعمل بالآخرين غير مغفور له. وهذا غير جائز، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين، فقال: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾. فصح أن معنى الحديث ما ذكرت. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا سلم رمضان سلمت السنة كلها). ومعي هذا ما جاء في حديثه من قوله: (الشهر إلى الشهر كفارة لما بينهما). أي أن شهر رمضان إذا سلم كان كفارة لما بعده إلى الشهر القابل، فتصير السنة سالمة بسلامة الشهر والله أعلم. ومن عظم قدر هذا الشهر اختصاصه بليلة القدر، قال الله : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. وقال: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. فظهر بذلك أن ليلة القدر في شهر رمضان. معنى ليلة القدر التي نقل الله تعالى لملائكته جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم محياهم ومماتهم إلى ليلة القدر من السنة القابلة، وكان يدخل في هذه أيام حياة النبي ﷺ أن يقدر منها ما هو منزله من القرآن إلى مثلها من العالم القابل، وإنما قيل ليلة القدر، لم يقل ليلة الكذب، وأن المعروف من قرينة القضاء وتحديده ليكون ما يلقى إلى الملائكة في السنة مقدار بمقدار يحضره عليهم. وما قال على هذا المعنى فهو كالقدر - بتسكين الدال - يقال: قدرته أقدره قدرًا، كما يقال: حذرته أحذره حذرًا. ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. من هذا. لأنه مجاوزًا لمعنى ما عظموه حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته. وقال الله في

стр. 914

وصف هذه الليلة: ﴿إنا أنزلنا في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. فأخبر أنها مباركة. أي مبارك فيها لأولياء الله ، فإنها جعلت خير من ألف شهر أي إذا أحبوها وقدروها حق قدرها، فظلوا بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، ولم يلهوا منها، ولم يلغوا، كانوا كأنهم فعلوا ذلك شهرًا وأكثر: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. أي كل أمر مبني على السداد. والحكيم بمعنى يتحكم. وقد جاءت في هذه الليلة أخبار مجمعة، المعنى فيها: أنها أوتار العشر الأواخر. وروت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان). ثم فيها وجهان: أحدهما: ما روي عن أبي قلابة ﵁ من أنها تحول في ليالي العشر، أي تكون سنة إحدى ليلة غيرها. والآخر: أنها إحدى الأوتار بعينها كلها، فإن كانت ذلك، فينبغي أن تكون ليلة خمس وعشرين، إن كان ما روى أن القرآن أنزل لأربع وعشرين من رمضان صحيحًا. فإن وهبًا ذكر أن صحف إبراهيم أنزلت أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة بعد ذلك لسبعمائة عام لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. وأنزل الفرقان بعد ذلك بستمائة وعشرين عامًا لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان. وإن لم يثبت هذا فهي ليلة مشكلة. وسأل أبو ذر عنها رسول الله ﷺ ، وأقسم عليه ليخبرنه بها حتى أعطيه، وقال: (لو أذن الله تعالى أن أخبركم بها لأخبرتكم، إلا أمر أن يكون أحد التسعين). يعني في العشر الأواخر لسبع خلون منها، أو لسبع بقين منها، وهو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين. ودلت الأخبار على أن النبي ﷺ كان يعلم هذه الليلة وقتًا، غير أنه لم يكن ما دون في الأخبار يردها ثم أنسيها. فأما أنه لم يؤذن له في الأخبار بها، فلئلا يتكلون على عملهم بها، صحبوها دون سائر الأوتار، بل يخفوا الأوتار كلها فعصوها في

стр. 915

جملها. وكان عبد الله يؤيد الناس على هذا، فيقول: من يقم الحول يصبها. فقال أبي بن كعب، والله لقد علم ابن عبد الرحمن أنها في رمضان، لكنه أراد أن يعمي على الناس لئلا يتكلون. وأما أنه انسبها قليلا يسأل عن شيء من أمر الدنيا فلا يخبرنه، أو لأنه كان محيولاً على أكرم الأخلاق وأحسنها، وعلم الله تعالى من قلبه الرأفة نبأ منه، وأنه ليس عليه أن يسأل شيئًا مما عنده، فيبخل به، فأنساه علم بهذه الليلة حتى إذا سئل عنها لم يخبر بها، لم يكن كأنما علم عنده. وذكر النبي ﷺ أنه رأى هذه الليلة ثم أنسيها. ورأى أنه يسجد في صبحتها في ماء وطين. فقال أبو سعيد الخدري ﵁: كان ذلك ليلة ثلاث وعشريين، قال عبد الله بن أنيس: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ يعني من صبحتها -فانصرف، وإني أرى الماء والطين على أنفه وجبهته، ثم جاء مع هذا عن النبي ﷺ قال: (ليلة القدر ليلة أربع وعشرين). وروى ابن عباس ﵁ أن رجلا قال: يا نبي الله، أتي رجل شيخ كبير، يشق علي القيام، فمرني بليلة، لعل الله تعالى يرقبني فيها ليلة القدر، فقال: (عليك بالسابعة) بهذا يدل على أنها ليلة سبع وعشرين. ولابد من تأويل هذه الأخبار بعد أن قال النبي ﷺ : (رأيت هذه الليلة ثم أنستها). فنقول -وبالله التوفيق -: وقد يجوز أن يكون أبو سعيد تنبأ له عن ليلة القدر وقد مضت من تلك السنة. فقال: هي ليه ثلاث وعشرين، أي كذلك لا شك، ثم لا يدري أن تكون في القابلة فيها أو في غيرها. وكذلك قوله لثلاث: فأما قوله للسائل (بالسابعة). فيحتمل أنه كان الأغلب على ظنه في تلك السنة أنه ليلة سبع وعشرين. فلذلك أمره بها. والرجل لم يسأله عنها قطعًا، وإنما سأله عن ليلة لعلمه يوافق فيها ليلة القدر. وحاصل هذه الليلة يمكن أن

стр. 916

يوافق فيها ليلة القدر. ولعله سأله وثلاثة أوتار قد انقطعت، ولم يكن عنها ليلة القدر، وبقي وتران أغلبهما أن تكون هذه الليلة السابعة، فحثه عليها، وليس ذلك من القطع بسبيل والله أعلم. وفي تسمية هذه الليلة -ليلة القدر وتعظيمها وجه آخر: وهو أن كل ذلك لتقدير ما ينزل من القرآن فيها إلى مثلها من السنة القابلة. ومعنى قول الله : ﴿يفرق كل أمر حكيم﴾. أي يفضل آخر القرآن، ويقصر أن يكون ذلك الفضل، وذلك الفرق أمرًا حكيمًا ويحتمل إذا ميز ما يراد تنزيله في السنة ذلك المميز أيضًا، وجعل نحو ما ينزل كل نجم منه عند وقته، فذلك فرق كل أمر حكيم، فأما سائر الأمور التي تجري على أيدي الملائكة من تدبير أهل الأرض، فإنها تبين ليلة النص من شعبان، فقد وردت فيها أخبار كثيرة، وسميت ليلة الهل، وليلة الإجلال والأرزاق، وليلة ذل العاني ونصرة المظلوم إلى غير ذلك من أسماء كثيرة، فيكون تعظيم ليلة القدر لأجل القرآن، وأن تنزيله فقد انقطع. كما يفضل يوم عاشور، بأن الله تعالى نجي موسى ﵇ من فرعون، وذلك لأنه اختص به يوم بعينه، وقد مضى. وكما يفضل ولد المهاجرين بأن أبا لهم كان هاجر ولد الأنصاري، بأن أباه آوى ونصر. وقد اتبعت القول في عامة هذه الأبواب في كتابي المجرد لذكر خصائص شهر رمضان وأوردته في هذا الكتاب مع فصل تقرير تكلفه، ليكون أسرع إلى الإلهام إن شاء الله. ومن جملة ما عظم الله به قدر صيام شهر رمضان أن جعل أول يوم يليه عيدًا، وحرم صيامه. وأوجبت فيه صدقة الفطر، وأمر الناس بالتكبير ليلة العيد ويومه إلى وقت منه معلوم. وأما جعل اليوم الذي ذكرنا يوم عيد، فهو من الإعلام الموروثة لا يخفي شأنه على أحد، ونقلي الحديث فيه تكلف، ومعناه -والله أعلم -أن مبنى أركان الدين على الشهر والإعلال. لأن الصلاة تقام جماعة ثم يكون في كل جمعة اجتماع الجماعات، وخروج

стр. 917

الوالي بالخطبة. والزكوات أيضًا يأخذها الإمام أخذًا ظاهرًا يبعث السعاة عليها، وتدون الدواوين لها، ويفرقها تفريقًا ظاهرًا. والحج والجهاد يجتمع عليهما أهل البلدان المتفرقة طبقات الناس المختلفة، فلا يكاد أمر أعلى منها. والصيام يخفي لأن مبناه على العزم والكف، وهما أمران لا يعلمها من الصائم إلا الله، ثم الصائم نفسه، منشرح عند انقضائه، التكبير في العيد بما من الله تعالى من إشهاد الشهر، والتوفيق بصيامه، وقدر من استكماله غلاله، وإذا أخفه فيعيد بذلك أمر الصيام، ويلحق نظرائه من العبادات والله أعلم. وأما تحريم الصوم في يوم العيد، فلأنه يوم يلي انسلاخ شهر رمضان، فكان كالليالي المتخللة لأيام الشهر، فإن كل ليلة منها تلي التي قبلها وقت الصيام، فلما لم يكن في ليلة منها صوم، فكذلك لا يكون في يوم العيد صوم والله أعلم. وأما وجوب صدقة الفطر، فإن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول ﷺ بصدقة الفطر من رمضان على كل حر وعبد، ذكر وأنثى، صغيرًا وكبيرًا من المسلمين صاعًا من تمر وصاعًا من شعير. ومعنى ذلك -والله أعلم -شكر نعمة الله فيها أباح من الطعام والشراب في النهار بعد أن كان حظرهما ما وجب على الناس أن يطعموا كما يطعمون، ويتصدقوا على المحتاجين بما لا يجدون. ثم بين رسول الله ﷺ مقدار الإطعام والجنس الذي يكون منه، وعلم ذلك موجود في كتب الأحكام. فأما الشراب فلم يأمر أن يتصدق به لأنه على الوجوه يعيش الناس في مساكنهم ومما خص به هذا الشهر ما يرجع إلى تعظيم قدرة أن رسول الله ﷺ قام لياليه وقدم القول فيه في باب الصلاة ويقول هاهنا: (إن الجماعة من سنن القيام). فينبغي للذين لا يحفظون القرآن أن يقدموا إمامًا يحفظه، فيؤمهم في المسجد. وتزين المساجد التي يقام فيها الجماعات بالقناديل كما فعل أيام عمر ﵁. وقال علي ﵁: نور على عمر قبره كما نور مساجدنا، ويتحرى أن يكون الإمام حسن القراءة لا يمله القوم. ونبخر المساجد عند القراءة، وإن لم يفارقه الطبيب حتى تنقضي صلاته فهو أحسن.

стр. 918

وأما القراء وحملة القرآن فإنهم جمعوا بين حضور الجماعات، ثم الانفراد في بيوتهم بالصلاة فهو أحسن. فإن لم يطيقوا بالانفراد بالصلاة أولى بهم لأنه شهر القرآن، فالقراءة ممن يحسنها أفضل من الاستماع إلى قراءة غيره والله أعلم. فصل وينبغي للصائم أن يصوم بجميع جوارحه، كما لا يأكل ولا يشرب ولا يباشر أهله، فكذلك ينبغي له أن يصوم ببشرته فلا يقض بها إلى بشرة أهله بشهوة، وبعينه فلا ينظر إليها بشهوة، وبقلبه فلا يتفكر في محاسنها، لئلا تساوره الشهوة فيكون منه ما يفسد الصوم أو تبور منه الجنابة، فيكون قد قضى شهوته، ويطيل ببذل الصبر أجره، وبلسانه فلا يغتاب ولا يسب ولا يخاصم ولا يكذب، ولا يرجى زمانه بإنشاد الأشعار ورواية الأسماء والمضاحك، والثناء على من لا يستحق الثناء والمدح، والذم بغير حق وغير ذلك. وبيده لا يمدها إلى باطل، وبرجله لا يمشي بها إلى باطل، وبجميع قوى بدنه فلا يفسدها في باطل. قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). وقال النبي ﷺ . (ما صام من ظل يأكل لحوم الناس). وقال: (إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل. فإن أحد جهل عليه فليقل: إني صائم). ومعنى ذلك -والله أعلم -فليقل في نفسه إني صائم، فلا ينبغي أن أساور وأخاصم. وبما يستحب في هذا الشهر الجود والإفضال، وقد مر القول فيه بعض الأبواب المتقدمة، وأفضل ذلك كفاية المحتاجين، أم فطرهم. جاء عن النبي ﷺ : (من فطر صائمًا فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شيء). ومعنى ذلك -والله أعلم -

стр. 919

إن الملقي شغل فطر (إنما يصوم بمعرفة الكافي، فكان صيامه واقعًا منه. فلهذا كان له مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء، لأن صومه لنفسه وما عند الله واسع. فإذا أفطر الصائم فينبغي أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فالماء. هكذا روى عن النبي ﷺ . ويستحب أن لا يفطر على شيء مسته النار، ولا بأن لا يتبع موضع الهزم أثر النار. وكما ينتهي أن يتبع الجنازة بحمر أنفا، ولا للميت بإبعاد النار عنه. وقد جاء عن أنس أن النبي ﷺ كان يفطر على ثلاث تمرات، أو على شيء لم تمسه النار. وإذا أفطر الصوام عند رجل، فحسن أن يدعو لنفسه ولأهل بيته ولجماعة المسلمين بالمغفرة، وما يهمه من كرب إن كان به، وهو يبغي الفرج عنه، أو ما يجري مجراه، لأنه يروي عن النبي ﷺ أن للصائم عند فطره دعوة مستجابة، وروى عنه ﷺ أنه كان إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله). ويستحب للصائم أن يفرق طعامه فلا يمتلئ منه قبل القيام، ثم يصيب منه حاجته عند السحر، لأنه روى عن النبي ﷺ قال: (فرق ما بيننا وبين أهل الكتاب أكله السحر). وكان يقول: (تسحروا فان في السحور بركة). فإن أصاب صاحبه عند الإفطار، واستغنى عن السحر لأنه لم ير في الأكل فوق السبع والله أعلم. فصل ثم أن الصيام كالزكاة من أنه لا مسنون من جنسه إلا أن منه ما قد رغب وندب إليه وجاءت في فضله أخبار، فمنها: صيام ستة أيام من شوال. قال النبي ﷺ : (من صام رمضان واتبعه ستًا من شوال، فكأنما صام الدهر كله). وجاء في بعض الأخبار: اقرأوا إن شئتم، ﴿ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾

стр. 920

أي صوم الشهر بصيام ثلاثمائة يوم، وصوم ستة أيام بصيام ستين يومًا. فذلك ثلاثمائة وستون يومًا. وهذا الحساب موضوع على تبين الشمس دون القمر، لأن السنة الشمسية هي التي تكون أيامها ثلاثمائة وستين. فأما القمرية فإن أيامها ثلاثمائة وأربعة وخمسون، لأن شهرًا منها يتم وشهرًا منها ينقص. وقد يجوز أن يكون المعنى: أن الله وأن نقص من الشهر يومًا، فإنه يكمل له أجر شهر تام والله أعلم. ومنها: صيام البيض. روى عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان صائمًا فليصم من الشهر ثلاثًا البيض، ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة). وأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر). قال أبو ذر: صدق الله ورسوله في كتابه ﴿ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ فليس المراد به ثلاثة أيام سوى البيض، لكن ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، وإن كانت هذه الثلاثة البيض فهي أفضل. ألا ترى أن النبي ﷺ قال: (من كان صائمًا من الشهر فليصم الثلاثة البيض). وقال لإعرابي دعاه إلى طعام. فقال: إني صائم فقال: (أفلا جعلتها البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة). وقال رجل: قلت لابن عباس: أصوم ثلاثة أيام من الشهر، فأي الأيام أجعلها؟ قال: الأول: صم العشر البيض ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، فمن لم يصم البيض صام من أول الشهر الاثنين والخميس الذي يليه. هكذا روت أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ . وقالت عائشة ﵂ ولم تفسره: صم من الشهر السبت والأحد والاثنين وصم من الشهر المقبل الأربعاء والخميس والجمعة، وفي هذا إخراج الثلاثاء من الصوم. وليس لذلك معنى يعرف.

стр. 921

وجاء في فضل هذا الصيام أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بما يذهب وخز الصدر صيام ثلاثة أيام من كل شهر). قال علي ﵁: وخز الصدر علة دائمة. وقال مجاهد: علة وحسرة. وأما صيام الاثنين والخميس وتخصيصهما، فذلك من أيام الشهر. فقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يصوم الاثنين والخميس. روى قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله الذنوب إلا ما كان من متشاحن أو قاطع رحم، فإنهما يؤخران، فكان علي ﵁ يصوم الاثنين والخميس وكان أسامة بن زيد يصومهما ويقول: إلا أحب أن يعرض عملي إلا وأنا صائم، ويحتمل عرض الأعمال أن الملائكة الموكلين بأعمال بني آدم يتناوبون، فيقيم معهم فريق من الاثنين إلى الخميس ثم يعرضون. وفريق من الخميس إلى الاثنين ثم يعرجون، فكما عرج أحد الفريقين كافوا ما كتب في الموقف الذي له من السموات، فيكون ذلك عرضًا في الصورة. ويحتسب الله تعالى عبادة للملائكة. فأما هو في نفسه فغني عن عرضهم بسبحهم فهو أعلم بما كسبه العباد من العباد، ومنهم أن يكون العرض على كثير من الملائكة تصرفهم بأمر الله ، فرقًا بعد فرق، ليخصوا أعمال بني آدم، ويحفظوها وينسخوها ويرفعوها، أما في كل اثنين، وأما في كل خميس على ما يثبت. ثم قد يجوز أن يكون ذلك بالملك جبريل صلوات الله عليه، لأن الله وصفه بأنه مطاع، وذلك يدل على أنه أمار في موضعه إذا طاعه لا يكون إلا لأمر، فقد يحتمل أن يكون الصرف للملائكة على هذا الشغل جبريل ﵇، وعليه يكون العرض. ويكون العرض أن يؤدي كل فريق إليه ما كان بلغه من العمل بسبب، فيخرج من جهده الطاعة، وإلا فالباريء لا يتأخر علمه بأعمال عباده إلى أن يعرض عليه والله أعلم. وأما صوم الدهر فليس بمستحب، سئل رسول الله ﷺ عن رجل يصوم الدهر، قال: (لا صام ولا أفطر). وهذا القول يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون دعاء عليه لغلوه وإفراطه. والآخر بأن يكون خبرًا عنه لا مجهود بالصوم ولا مترفة بالفطر. لأن من صام دائمًا صار الصوم له عادة، فكان أكله من الليل إلى الليل، كأكل المفطر من

стр. 922

الظهر إلى الظهر، ومن الضحى إلى الضحى، وزالت عنه المشقة، فلم يحس بجوع ولا عطش وإذا كان كذلك، كان كأنه غير صائم، وهو مع ذلك غير مفطر. فقد يجور أن يكون أراد بقوله (لا صام ولا أفطر) هذا والله أعلم. وروى أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون دخلت على عائشة ﵂ وهي متعسفة هشة الهيئة، فقالت لها عائشة: لم تصنعين هذا؟ فقالت: إن صاحبي لا يريد النساء، يصوم النهار ويقوم الليل، وأراد أن يترهب. فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لكن أنا أصوم وأفطر وأرقد وأقوم، وليس في ديننا الرهبانية، فمن رغب عن ملتي فليس مني). وقال عبد الله بن عمر: وقال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الله بن عمر، تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم قال: فلا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هجنت عيناك وتعنف نفسك، لكن صم وافطر، فإن لأهلك عليك حقًا ولجسدك حقًا. صم ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك صوم الدهر. قلت: يا رسول الله، أني أجد قوة: قال: لا تفعل، لا صام من صام إلى الأبد، إن كنت لابد صائمًا فصم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى). وجاء عن النبي ﷺ : (في صيام داود أربعة ألفاظ: أحدها الحكاية والجن، والآخر الترغيب وللأمر، والثالث: أن قال: أفضل الصيام والرابع: أنه أعدل الصيام، فأما الجن فهو ما روى أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: (ذاك صوم أخي داود، قال: فرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: وددت أني أطيق ذلك. قال: أرأيت رجلاً يصوم يومين ويفطر يومين؟ قال: ومن يطيق ذلك) فأما الترغيب فهو ما روى عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (صم صوم داود، صم يومًا وافطر يومًا). وأما أن ذلك أفضل الصيام، فقد روي

стр. 923

عن عبد الله بن عمر، وأيضًا أن النبي ﷺ قال: (أن أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) ولا يقر إذًا لأجل، وأيضًا أنه أعدل. فقد رواه أيضًا عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (أعدل الصيام عند الله صيام الدهر) معنى هذا -والله أعلم -أن من صام يومًا وأفطر يومًا، لم يألف الصيام قط، ويكون كل يوم -والله أعلم -أن من صام يومًا وأفطر يومًا، لم يألف الصيام قط، ويكون كل يوم يصوم له في اليوم الأول، وهذه مشقة. ثم أنه من يبق بالفطر مقدار ما يتحمل من جهة الصوم، فلذلك كان هذا أعدل الصيام وبالله التوفيق. فلا ينبغي لأحد أن يجهد نفسه فيحملها من العبادة فوق طاقتها، فإن ذلك يحول بينه وبين المداومة، ويقطعه من العبادة أصلا في بعض الأوقات، كما جاء عن النبي ﷺ قال: (أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى). وجاء عنه ﷺ قال: (كلفوا من الأعمال ما يطيقونه، فإن الله لا يمل حتى يملوا، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت). وأما إعادة رسول الله ﷺ في الصيام فهو ما روت عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يصوم الشهر حتى نقول: ما يريد أن يفطر منه شيئًا. ويفطر من الشهر حتى نقول: ما نريد أن يصوم منه شيئًا، وكان يستاء أن نجده مصليًا من الليل إلا رأيته أو نائمًا إلا رأيته). أرادت أنه كان لا يصوم شهرًا كله ولا يفطر شهرًا كله، ولا يقوم ليلة كلها ولا ينام ليلة كلها. وروى عن أنس نحو ذلك. وعن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج رسول الله ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا بها كأنهم تعالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر:

стр. 924

أنا أصوم الدهر كله لا أفطر. وقال الآخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء النبي ﷺ فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، إما والله، أني لأخشاكم الله، واتقاكم له، لكني أصوم وافطر، وارقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). وقد يجوز أن يكون ما روى عنه من صيام الاثنين والخميس أنه كان إذا لم يرد أيامًا، وأراد أن يصوم يومًا، وجده تحرى أن يكون ذلك الاثنين والخميس. ومن جمله الصيام صيام شعبان، روى عن النبي ﷺ أنه كان يصوم شعبان ورمضان وقالت عائشة ﵂: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلا، ما كان يصومه كله. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا انتصف شعبان فكفوا عن الصوم). ويحتمل أنه كان يصوم ويأمر أمته أن يكفوا عند انتصافه عن الصيام، كما كان يواصل. ونهى أمته عن الوصال، فإنه ربما خشي على أمته الضعف وكان آمنًا في نفسه، لأنه قد قال في الوصال: (إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني). فقد يحتمل أنه كان يطعمه ويسقيه على الحقيقة، بأن يخلق في جوفه طعامًا وشرابًا فيشبعه ويرويه. ويحتمل أنه كان يدفع عنه الجوع ويقويه ويغنيه عن الطعام والشراب، ويصرف عنه شهوتهما، فيكون كالطاعم الشارب والله أعلم. وأما صيام رجب. فاني لم أجد لها في الأصول المعروفة ذاكرًا، سوى ما روى أن النبي ﷺ سئل صوم رجب قال: (فأين انتم عن شعبان). وهذا يحتمل أن معناه أن رجب قد ظهر فضله فإنه من الأشهر الحرم، وكان معظمنا في الجاهلية يدعى شهر الله الأصم. فلا يحمل فيه السلاح ولا تسمع قعقته، فلا تسألوني عنه، واسألوني عن شعبان. فإن كان هذا. فقد يجوز أن يكون صومه مستحبًا، ويحتمل أن يكون معناه أن رجب مفضل عن شهر رمضان فهو كالأشهر التي قبله، وإنما المتصل بشهر رمضان والمبشر به،

стр. 925

والشبه من بعض الوجوه به شعبان، فإن فيه ليلة الصكاك كما في شهر رمضان ليلة القدر، فاسألوني عنه لا عن رجب. وهذا أشبه، لأن ذا القعدة من الأشهر الحرم، وما ورد في صيامه خير. وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يصرف أكف الذين يرفعونها عن الطعام في رجب حتى يأكلوا. وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: صوموا منه وافطروا. وجاء عن النبي ﷺ قال عند دخول رجب: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان) وبلغنا رمضان. فقد يحتمل أن يكون رجب بدلالة هذا الخير، قرينة شعبان، فيستحب الصيام، ويكون صرفًا لأكف الذين كانوا يكرهون من شدة تعظيمهم هذا الشهر أن يفطروا فيه، فقد روى أنه كان فيهم من إذا أفطر فيه قضاه. ونهاهم عن ذلك عبد الله بن عباس والله أعلم. ومنها صيام المحرم، يروى أن رسول الله ﷺ قال لرجل: (إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان، فصم المحرم، فإنه شهر الله). وفي رواية أخرى أنه سئل: أي الشهور أفضل بعد رمضان؟ فقال: (شهر الله الأصم المحرم). ومنها: صيام عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم. وجاء عن النبي ﷺ : أن صيامه كفارة سنة، وجاء عنه ﷺ قال: (تكفر السنة التي قبلها). وعنه ﷺ : (من وسع على عياله يوم عاشوراء، أوسع الله عليه سائر سنته). وقال سفيان بن عيينة: جربناه فوجدناه كذلك، ويستحب أن يصوم التاسع قبله. قال الحكم بن أعرج:

стр. 926

سألت ابن عباس عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فأعد تسعًا ثم أصبح صائمًا، فقلت: أفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. وقد اختلف في صيام عاشوراء فقيل: أنه كان فرضًا، قبل أن تنزل فريضة رمضان فلما نزلت نسخت ما كان قبلها من الصيام. وقيل: لم يكن فرضًا، وإنما كان صيام شكر صامه رسول الله ﷺ لتخليص الله تعالى عبده موسى من فرعون فيه. فصل وقد ذهب بعض السلف إلى أن عاشوراء هو اليوم التاسع. واحتج بالحديث الذي رويته عن ابن عباس وادعى أن رسول الله ﷺ قال: (أن سلمت لأصومن العاشر التاسع). وأن من أثبت الواو من العددين فقد غلط وأن معنى الحديث: لأصومن مكان العاشر التاسع. والأمر عندنا بخلاف هذا، لأن الواو محفوظة في هذه الرواية عندنا، والغلط في حذفها أمكن منه في إثباتها. وتأويلهم هو الغلط لأنه جاء الجمع بين التاسع والعاشر مفسرًا، وفي ذلك سقوط ما ظنوه. ومعنى ما روي عن ابن عباس في قوله، فأصبح في تاسعة صائمًا أنابه أو بهذا الصيام، وأنه لا يتقرب إلى الله بصيام يوم فرد كما يتقرب إليه بركعة من الصلاة. فكما يستحب في الصدقات الأزواج، وجاء فيها من الأخبار ما قد عرف فكان من أداء ابن عباس الأمر بصيام التاسع لا الاقتصار عليه من العاشر والله أعلم. وكيف يظن عظم اليوم الذي كان عبدًا لموسى ﵇ فسواء صام أو غيره أو لم يصم لذلك يومًا أصلا والله أعلم. وقال أبو رافع: من أراد أن يصوم عاشوراء فليصم التاسع والعاشر. ومنها صيام يوم عرفة. روى أن النبي ﷺ قال: (يوم عرفة كفارة ستين يومًا قبلها وسنة بعدها).

стр. 927

فإن سأل سائل فقال: رويتم أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس كفارة كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر). وأنه قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما ببينهما ما اجتنب الكبائر). وأنه قال: (شهر رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما). وأنه قال: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين: سنة قبلها وسنة بعدها). وأنه قال: (صوم عاشوراء كفارة السنة التي تقدمتها). وقال الله قبل هذا كله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾. فأخبرونا عن هذه الأخبار كيف تلائم هذه الآية؟ وكيف يلائم بعضها بعضًا، فإن اجتناب الكبائر إذا وجب غفران الصغائر، لم يبق من الصغائر ما تكفرها الصلوات الخمس إن كفرت لم يبق وراءها ما يكفرها للجمعات ثم أن كفرت لم يبق وراءها، يكفرها صيام رمضان، ثم أن كفر لم يبق وراءها ما يكفر صوم عرفة، ثم أن كفر لم يبق وراءها ما يكفره عاشوراء. فمن أي وجه يثبت أن تكون هذه الأعمال كفارات؟ قيل له: -وبالله التوفيق -وقد يجوز أن يكون معنى هذه الأخبار أن كل واحد من الصلوات الخمس ثم الجمعات، ثم صيام رمضان ثم صيام عرفة ثم صيام عاشوراء له من القدر عند الله أن يعفي على أثر السيئات كلها بالغة ما بلغت، وكائنة ما كانت، ما لم تكن كبائر. وإذا كانت هذه المنزلة وقع بها تكفير ما يصادفه من السيئات، وما لم يصادف منها سيئات فيكفر بها انقلبت زيادة في درجات أنفسها، وهذا كما يقال: الوضوء طهارة، أو أنه رافع للحدث. أو يقال: العتق كفارة، أو الإطعام كفارة، فيكون المعنى أن هناك ما يتطهر به، أو كان ما يكفر. فإن لم يكن كان عبادة وفضلا وبرًا يوجب كصاحبة الثواب. ولولا أن هذا هكذا لما صح أن يتوضأ من لا حدث منه، فلا يعتق أو يطعم أو يكسو من لا حيث عليه، ولو حب إذا أعتق الرجل عن كفارته ولا كفارة عليه، أن لا يعتق عنده. ولما لم يكن هذا هكذا، بل كان الوضوء طهارة لم

стр. 928

يحتاج إليها وقربة وبرًا، فإن لم يكن هناك حدث يرفعه أو العتق، وما ذكرنا معه كفارة لم يحتاج إليها وبرًا لا كفارة إذا لم يكن هناك ما يكفر، وإن لم يكن، فإنما هي درجات يريد الله فيها من يشاء، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كذلك. وصيام عاشوراء كذلك أن صادق سيئات سنن كفرها، وإن لم يجد فإنما هو فضل يرفع الله درجات من يشاء. وصيام عرفة أن صادف سيئات سنين رفعها، فإن لم يجد فإنما هو فضل يزيد الله فيه درجاته ما يشاء. فإنما أريد بالحديث أن كل عبادة من هذه العبادات فلها هذا القدر في هذا المحل، فإن أنفق أيامًا يكفرها، وإلا فهي حسنات تزاد ودرجات ترفع والله أعلم. وينبغي للحاج أن لا يصوم يوم عرفة بمعرفة، لأن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. ومعنى ذلك أن يتقوى بالفطر على الوقوف الذي من مناسك الحج، وإنما فضل هذا اليوم بالنسك، فما أضعف عنه لم يكن لاستجابة فيه معنى. وفي هذا الباب صيام تسعة من أوائل ذي الحجة. روى أن النبي ﷺ ما صام العشر قط، ومغنى ذلك عندنا نه كان يفطر فيها ليجد في العمل. فقد روى عنه: (ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من أيام العشر). فيحتمل أنه كان يستكثر فيها من الصلوات وقراءة القرآن ليلاً ونهاراً. فلذلك نزل صيامها كما نزل صيام يوم عرفة بعرفة، لأجل الوقوف والدعاء، فمن كان غافلاً مثل ذلك فليفطر. ومن لم يفطر عليه، فالصيام فيه عمل، فهو أحب إلى الله تعالى أن يتقرب العبد إليه به، من أن يكون معطه والله أعلم. فصل وينبغي أن يعلم من أصول الصيام أن فيه الكراهية كما فيه الاستحباب، وفيه التحريم كما فيه الإيجاب، فصيام شهر رمضان واجب، وصيام العيدين وأيام التشريق حرام ولا ينعقد فيهن صيام. وجاء في إجازة صيام أيام التشريق للمتمتع بالعمرة إلى الحج خير.

стр. 929

وبيان ذلك في كتب الأحكام. وصيام الاثنين والخميس مستحب، وصيام الجمعة وحده، أو صيام السبت وحده مكروه نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة وحده. لا ومعنى ذلك والله أعلم: أنه إذا حضر فإنما يقصد ما فيه من المعنى الذي هو مختص به، وليس ذلك إلا أنه يوم عيد. وليس حق العيد أن يصام، أو يقال: أن ذلك العيد تعطيل للجماعات كلها للرواح إلى المسجد، والاجتماع فيه لسماع الخطبة والصلاة والتكبير إلى الجمعة أفضل من التهجد. وقد جاءت الأخبار بالحث عليه والأمر بالمسارعة إليه، ومن بكر فإما أن يصلي وأما أن يقرأ، وكل ذلك يدل على طول الشغل. فينبغي أن يستعان عليه بترك الصيام كما قلنا في يوم عرفة. قال إبراهيم: إنما كرهنا صوم يوم الجمعة فلتبقوا على الصلاة، وأما صوم يوم السبت وحده، فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا ما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه). ومعنى ذلك: إن الصيام إمساك، والإمساك عن الإشغال والأعمال في هذا اليوم عادة اليهود، فلا ينبغي أن يشاكلوا في شيء من صنيعهم الذي لم يشرك بيننا وبينهم فيه. وأما إذا صام صائم الخميس والجمعة، أو الجمعة والسبت، أو السبت والأحد فلا كراهية، لأن تخصيص اليوم بقصد صيامه دون ما سواه إذا زالت الكراهية بزواله. وفي هذا الباب ما جاء عن علي ﵁: أنه كره قضاء رمضان، وأحب إلى الله منه في غيرها. والآخر أن يكون كرهه لمن أن عليه من قضاء رمضان أكثر منها، لأن لا يتفرق القضاء عليه، فإن المتابعة أولى به، وإن كان تقديمه جائز. والثالث أن يكون كره تأخير القضاء إليها، فإن القضاء فيها منع من صيامها لنفسها. وقد جاء عن عمر ﵁ في قضاء رمضان تطوعًا لما فاته منها، خلاف ما جاء عن علي ﵁. فقد يجوز أن يقال أنه إذا لم تكن أيام العمل فيه أحب الله من هذه الأيام، وكان القضاء عملاً، فوضعه فيها أحسن منه في غيرها. ولكن ذلك لا يكون إلا بترك صيامها لقضائها وليس ذلك بما يكره، وإن كان الصوم مستحبًا. لأن صيامها لا فرض ولا سنة وإنما هو تطوع والله أعلم.

стр. 930

فإن صاحبها من عليه قضاء رمضان تطوعًا، فإنه روى عن عكرمة أنه قال، مثل الذي يتطوع، وعليه قضاء رمضان، كمثل الذي يسبح وهو يئن بصوته المكتومة، يعني بالتسبيح التطوع. وهذا الشبه إنما يصح إذا أخر قضاء رمضان حتى لم يبق إلى رمضان إلا قليل من الأيام بمقدار ما عليه صيامه، فلا يقضي ويتطوع. فأما إذا تطوع في العشر وآخر القضاء، فليس يخشي قضاء، ولكنه يريد الجمع بين التطوع والفرض في وقت. فهو كمن يركع سنة الفجر قبل فرضه أو سنة الظهر قبل فرضه، أو يتطوع بين الآذان والإقامة بما شاء والفرض أمامه والله أعلم. ومما يدخل في هذا الباب اعتياد صوم بعينه كالاثنين والخميس. وقد روى في هذا الباب عن ابن عباس ﵄ أنه سئل صوم يوم الاثنين والخميس فقال: كره أن بوقت يومًا بصومه. وقال حصين بن الحر: دخلت على عمران بن حصين يوم الاثنين وهو يأكل فقال: هلم فقلت: إني صائم، فقال: لا تجعل عليك حتمة بصومه. وعن حفص بن جابر فقال: كنا نأتي أنس بن مالك، فجاء بحفنة من ثريد وجمع بينه فيجيب، فقال بإذن: يا حفص فأطعم: فقلت: إني صائم، فقال: إياك أن تكون أنيسًا أو خمينًا أو رديًا. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يفرضوا على أنفسهم شيئًا لم يفترض عليهم. وعن مجاهد أنه كان يصوم الاثنين والخميس ثم تركه، وهذا لأن في تخصيص يوم أو شهر دائمًا بالصيام، ويومين في الإفطار فيه تشبيه له برمضان، ولا ينبغي أن يشبه ما لم يشبهه الله تعالى، وهذا وجه الكراهية فيه. وأما ما تقدم من الأخبار في ذكر الاثنين والخميس، فهو على معنى: أن من أراد صيام يوم أو يومين، فهذان أولى به مما سواهما، أو على أنه يديم صومهما ما لم يدع إلى طعام أو شراب به صنف ويجب أن يؤاكله ويدخل على ذي حرمة، فيقدم إليه طعامًا، فإما أن يتوقى الفطر فلا، وبالله التوفيق.

стр. 931

ومما يدخل في هذا الباب صوم اليوم يشك في أنه رمضان أو ليس منه، وهو الثلاثون من شعبان. روى عن النبي ﷺ أنه قال عن صيام ستة أيام عن صيام العيدين وأيام التشريق واليوم الذي يشك فيه أنه رمضان. وهذا على أن يصام غير موصول بصوم معزوز تقدمه، فيصير مقصودًا بالصوم لأجل رمضان، فإن صيام رمضان قبل رمضان محال لا معنى له. ومن يفعل ذلك فعسى أن يفطر آخر يومين من رمضان على أنه شوال، وعسى أن يراه غيره صائماً فيرى أنه لم يصم إلا بحجة فيصوم، فينبغي أن يتنزه عن هذا إلا أن يصوم مع المسلمين حجة والله أعلم. فصل وينبغي للناس أنه إذا دنا رمضان أن يفرحوا به ويستبشروا به، ويدعوا الله ويسألوه أن يبلغهم ويوفقهم لصيام أيامه، وقيام لياليه، ويجنبهم فيه الفسوق والعصيان والتمرد والطغيان، ويوطنوا نفوسهم على أن يأمروا بنواهيه، ولا يأخذوا بالهوينا في أمره، منشرحي الصدر طيبي الأنفس بذلك كله غير متحضرين منه، ولا صائبين به، وأن يراقبوا هلاله ليلة الثلاثين من شعبان، فعل من يستعمل لقدوم غائب كريم، ويقولوا إذا ما روي عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند رؤية الهلال: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله). وروى أنه كان يقول: (الله أكبر) ثم يدعو وفي بعض الروايات زيادة قوله: (والتوفيق لما تحب وترضى). وروى أن عليًا ﵇، كان لا يستشرق لهلال رمضان، فكان إذا نظر إليه قال: اللهم ادخله علينا بالسلامة والإسلام والإيمان والصحة من الأسقام، والفراغ من الأشغال، ورضاء فيه بالسنة من النوم، ولا ينبغي لمن رأى الهلال أن يقوم في وجهه ويدعو، بل يعرض عنه ويقول ما يقول وهو لا ينظر إليه أميط كفا عنه. قال علي ﵁: إذا رأيت الهلال فلا ترفع له رأسًا وقل: ربي وربك الله،

стр. 932

وقال ابن مسعود الأنصاري: لأن أقع من فوق هذا القصر أحب إلى من أن أصنع كما يصنع هؤلاء إذا رأوا الهلال كأنهم يرون ربهم. عن ابن عباس ﵁ أنه كان يكره أن ينتصب للهلال انتصابًا، ولكن يعرض ويقول: الله أكبر، الحمد لله الذي ذهب بهلاله كذا، وجاء بهلال. وعن عضبة بن عمرو: إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسًا، فإنما هو آية من آيات الله، والله لأن أقع من هذا القصر أحب إلى من أن أقول فيه ما يقول رجال إذا رأوه، قال أحدهم: لا إله إلا الله، كأنما يرى ربه. ولكن ليقل الرجل -إن أحب -ربي وربك الله. قال مجاهد: إذا رأيتموه فلا تستقبلوه فتكبروا، ولكن قولوا: الحمد لله الذي أذهب شهر كذا وجاء شهر كذا. وكره مجاهد الصوت والإشارة عند رؤية الهلال. وعن إبراهيم أنه كان يكره إذا رأوا الهلال أن يستشرقوا له ويرفعوا رؤوسهم، وقال عبد العزيز بن أبي داود: كان المسلمون يقولون عند حضرة شهر رمضان: اللهم أطل شهر رمضان وقصره، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه صبرًا واحتسابًا، وارزقنا منه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، واعدنا من البترة والكسل والنعاس، ووفقنا فيه لليلة القدر، واجعلها لنا خيرًا من ألف شهر، ثم يستقبلوا العمل، فيجتهدوا في أن ينقضي عنهم، وقد أحرزوا حظوظهم من خيره وبركته، ويقدموا فيه إلى الله تعالى بموجبات رحمته ومغفرته، ولا يكونوا كمغفل فرصة، قد أمكنه انتهازها، ومضيع خطوه تيسر إجراؤها وبالله التوفيق. فصل وقد ذهب بعض السلف في الصوم إلى ما ليس بمذهب. روى عن إبراهيم أنه قال: بلغني أن من أقل الأعمال أجرًا الصوم، وعنه أنه كان يقال: الصوم أقل الأعمال تضعيفًا، وهذا خلاف ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له

стр. 933

ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وخلاف ما أخبر به من تضعيفه لأنه قال أثرًا عن الله : (كل حسنة يعملها ابن آدم تضاعف له إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإني لي، وأنا أجزي به) فأبان أنه يزيد الصوم على سبعمائة ضعف، فكيف يجوز لأحد مع هذا أن يقول أنه أقل الأعمال تضعيفًا. وأيضًا فإن الصوم زكاة الجسد، وليس يجوز أن تقصر زكاة الجسد عن زكاة المال، لا في التضعيف ولا في غيره، وبالله التوفيق. * * *

стр. 934

الرابع والعشرون من شعب الإيمان وهو باب الاعتكاف قال : ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ وقال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وكان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، لأنه كان يزداد فيه جدًا واجتهادًا. وروى عنه أنه كان إذا دخلت العشر أحيى الليل وشد المئزر وأيقظ أهله). وقال عطاء: سألت عائشة ﵂: كيف يصنع رسول الله ﷺ إذا دخل رمضان؟ فقالت: كان ينام ويصلي ويأكل ويشرب، حتى إذا كان عشر البواقي شد ازاره وشمر، فليس له هم إلا الصلاة والدعاء، وقيل في معنى قوله (وشد المئزر) أنه عبارة عن التشمير ويدل عليه أنه قيل في بعض الروايات (رفع المئزر). وقيل معناه: كف عن النساء. ويدل عليه أنه قيل في بعض الروايات (شد المئزر واجتنب النساء) فلما كانت عادة رسول الله ﷺ في عشر الأواخر اعتزل النساء، والجد والاجتهاد في العبادة، تحرى الاعتكاف فيها لوجهين: أحدهما أن الاعتكاف فيها أفضل منه فيما سواها. كما أنه في شهر رمضان -في الجملة -أفضل منه في غيره، لأن أفضل أعشار الشهر العشر الأواخر. كما أفضل الشهور شهر رمضان. والوجه الآخر أن الإمامة في المسجد عون له على ما يريده من العبادة، فإن المسجد مبني للعبادة، فكما أن من أوى إلى بيته مالت نفسه إلى ما بنيت البيوت له من الجمام

стр. 935

والراحة. فكذلك إذا أوى إلى المسجد مالت نفسه ما بنيت المساجد له، وليس ذلك إلا الذكر والصلاة وقراءة القرآن وكان قلبه مع ذلك عن تذكر النساء وأمرهن غافلاً. ويستحب لكل من أراد الاعتكاف أن يعتكف في شهر رمضان. وإن كان يريد اعتكاف شيء من الشهر اعتكف العشر الأخير كما فعله رسول الله ﷺ ، وإن يزداد في العشر الأواخر جدًا واجتهادًا. ثم في أوتارها خاصة إذا كانت ليلة القدر فيها. فإن لم يكن الحظ فيها الدوام، وإنما للمستثمرين المجتهدين القوام، ولأن هذا الشهر يعظم غيره ويزكيه، وقوة الأمل فيه رحمة الله وبركاته، ويتحبب إلى أولياء الله، منهم مغتمون بذهابه كما يفرحون بمجيئه، وحكم كل من يغتم جواره ويكره فراقه أن يكون عام الولوع به ومعرفة حقه عند دنوها به أشد وأكثر. ولقد أوصى الله تعالى رسوله ﷺ الأولاد بالوالدين إن بلغوا الكبر، وذلك إنهم إذا بلغوا الكبر، فقد قاربوا القرآن، إذ ليس بعد الكبر إلا محتوم القدر، هكذا الشهر إذا انقضى منه عشر بعد عشر، فليس بعد العشر الثالث إلا الذهاب الكارف. فينبغي لمن كان يسره جواره وبسوؤه إدباره أن يقل في هذا العشر قراره، ويكثر صلاته واستغفاره، ويزداد قرآنه وأذكاره، ويكون في المسجد اعتكافه ويقل إلى المنزل اختلافه إلا فيما لابد منه ولا غنى به والله أعلم. فصل الاعتكاف قريب المعنى من الصيام، وكأنه أحد الصائمين كما أن الطواف قريب المعنى من الصلاة، وكأنه أحد الصلاتين، لأن الصيام هجر المألوف من الطعام والشراب والنساء وكذلك الاعتكاف هجر المألوف من المسكن والبناء، فيجتمع الصيام والاعتكاف في أن شرطهما اعتزال النساء. ثم يختص الصيام بهجر الطعام والشراب، ويختص الاعتكاف بهجر المنازل والبيوت، لأنه لا يصح إلا في المساجد. ووجه القربة في الاعتكاف إلى المعتكف يزر البيت لوجه الله تعالى، فيهجر الإستراحة والتبسط في الحديث، والاشتغال عن الذكر والنوم الطويل ونحو ذلك ويقيم في موضع الصلاة منتظر الصلاة بعد الصلاة معرضًا عن اللغو، رافضًا لجميع اللهو، لا يهمه إلا التعبد كما قال الله : ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم

стр. 936

تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله﴾. الآية، فهو كالصوم الذي يذر فيه العبد طعامه وشرابه ليقمع شهواته، وتخف نحو الطاعات حركاته وبالله التوفيق. ولتناسب ما بين هاتين العبادتين أخبار لعلها الجمع بينهما، فرأوا أن يكون الإعتكاف في حال الصوم، فإن النبي ﷺ لم يرو عنه أنه اعتكف إلا في شهر رمضان إلا عامًا ترك فيه الاعتكاف في العشر الأواخر بعده ثم قضاه في العشر الأول من شوال. وإنما أرادوا بذلك أن يكمل الإمساك عن عامة ما تميل النفس إليه، والرفض لجميع ما ينقل إليه من المطعم والمشرب والمسكن والمنكح، فلا يبقى من مواقع العبادة والقواطع عنها في العادة شيء عقل بالنفس إلى الحمام، وتحول بينهما وبين أن يقوم بخدمة الله تعالى حق القيام وبالله التوفيق. * * *

стр. 937

الخامس والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في المناسك قال الله : ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾. وقال : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفرفان الله غني عن العالمين﴾. وقال النبي ﷺ : ﴿بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت) وقال: (من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائز، أو حاجة ظاهرة، ثم مات ولم يحج، إن شاء يموت يهوديًا وإن شاء نصرانيًا). وهذا أعظم ما يكون من التغليظ، وإنما قال هذا، لأنه لم يكن لهاتين الطائفتين في الحج نصيب، ولم يكن من دينهم، كما كان فرض الصلاة والصيام والزكاة من دينهم. فجعل من ترك الحج من المسلمين كالمتشبه بمن لم يشرع له بالحج، وكانوا صنفين، فقال (فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا) أي مثل أحدهما فليختر أيها شاء، فيضرب له المثل والله أعلم. وقوله ﴿ومن كفر﴾ معناه: ومن لم يحج، إلا أنه سماه كفرًا، كما سمى النبي ﷺ ترك الصلاة كفرًا، ليبين أن فعل كل واحد منهما إيمان، ولولا ذلك لما كان تركه كفرًا.

стр. 938

وقد يجوز أن يكون ذلك منه تسمية ابتداء في هذين الأمرين، فصار الكفر إسمًا لهما شرعيًا كاسم النفاق لما يراد به، وكالإيمان والإسلام لما يراد بهما، وغير ذلك من أسماء كثيرة لم تكن سمعت ولا عرفت وإنما بلغت من الرسول ﷺ ويحتمل معنى آخر، وهو أن المراد من فعل ما يفعله الكفار، فحبس ولم يحج، مما قيل في قوله تعالى في قصة يونس: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾. معناه: ففعل فعل من يظن أن لن نقدر عليه، وهو المتهرب من تبليغ الرسالة وركوب البحر مع ركابه وهكذا قول النبي ﷺ في الصلاة (من تركها فقد كفر). أي فعل ما يفعله الكفار والله أعلم. فصل ومعنى ﴿حج البيت﴾ والبيت هو الكعبة، وإنما تعرف حقيقة الحج ومقداره بين العبادات بمعرفة البيت والوقوف على السبب الداعي إلى تفضيله وتشريفه، وقد أشار الله تعالى إلى أصل ذلك في كتابة، فقال: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا﴾. وقال في آية أخرى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. وأغلب ما قيل في معناه: أن المراد به خلاف الحديث، فحصل على الاثنين، أن الكعبة بيت عتيق، وأنه أول بيت وضع في الأرض، ولم يذكر الله تعالى واضعه. فيحتمل أن يكون الله تعالى أخبر به عنه ما أخبر آدم من الجنة. ويحتمل أنه كان أحدثه قبله. ويحتمل أن يكون أمر آدم فبناه. ويحتمل أن يكون أمر الملائكة فبنته. لا يخرج وضعه في الأرض من هذه الأربعة الأوجه. وأما ما كان من هذا فينبغي أن يعلم أن وضعه فيه لم يكن أسكنه ساكن، وإنما كان ليجعل معبدًا، وذلك أن الله قد جعل في بعض سماواته بيتًا وسماه بيت المعمور، وجعله تعالى لملائكته، وجعل فوق السموات العرش وشرفه باسم نفسه، فقال:

стр. 939

﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾. وقال: ﴿وكان عرشه على الماء﴾. وجعله للملائكة المقربين مطافًا وجعل لهم حوله صنافًا. فإنما خلق هذا البيت في الأرض ليكون فيها سكان البيت المعمور في مكانه من السموات، ومكان العرش حيث هو لمن في السموات. وجاء عن الحسن ومجاهد: أن الكعبة تحت البيت المعمور وبحذائه. وقال قتادة: ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش. وإذا كان كذلك، فهو إذًا إنما وضع تحت البيت المعمور الذي هو يحاذي العرش، ليكون معناه في الأرض، معنى ما هو بحيالهما حيث هما. وكان العرش إنما يشرق باسم الله تعالى ليكون متعبدًا للملائكة المقربين يطوفون حوله ويصفون ويسبحون لله . والبيت المعمور بيت حيث هي بحياله ليكون معبد الملائكة الذين هم في تلك السموات. فكذلك الكعبة إنما شرفت باسم الله تعالى، وضعت في الأرض بحيال البيت المعمور ليكون متعبدًا لسكان الأرض، فخصه الله بعبادتين: أحدهما الطواف فلا يجوز إلا حوله. والآخر: الصلاة فلا تجوز إلا إليه. وذلك على صحة ما قلنا من أن هذا البيت وضع في الأرض ليكون متعبدًا لا يسكنه ساكن أن الله اختار له وضعه للناس. ومعلوم أنه لا يحمل الناس ولا يسمعهم، فصح أن معنى وضعه للناس إن شاء، وآتوا العبادة حوله، ويتشاركوا في الصلاة إليه. ودل عليه أيضًا أن النبي ﷺ أخبر: (أن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض). ولو وضعه لهم ليستكفوه لما حرمه ولما حرم ما حوله، كما لم يفعل ذلك بالمساكن التي هي في مشارق الأرض ومغاربها. فقد ظهر بما وصفنا السبب الذي تعلق الصلاة والطواف بالبيت لأجله. ويؤكد ذلك أن الصلاة إذا كانت عبادة لله ، ولم يكن بدًا إذا وقف الرجل يصلي من أن يستقبل جهة من الجهات، كان أولى جهة بأن يستقبلها جهة البيت المشرف بأمامه المعظم بإضافته إليه. فصارت قبلة لإبراهيم ﷺ ، ثم بعد ذلك لنبينا محمد ﷺ من هذا الوجه والله أعلم.

стр. 940

فأما الحج الذي يراد به الفضل على سبيل الزيادة، فإنما يتفرع عن تشريف الله تعالى هذا البيت بإضافته إلى نفسه وإطلاقه للناس أن يقولوا: لا يكون إلا من توقيف متوارث أو نص متناقل. وقد قال الله : ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾. وقال: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾. ولما أخبر أنه بيت حرام، وكانت تلك الحرمة حقه جل ثناؤه وعلمنا أنه خلق البيت ليضاف إليه لا ليضاف إلى أحد من عباده، فاقتضى ذلك أن يؤمه الناس بحجه وزيارته. فإن تعظيم الله تعالى إذا كان في الأرض بيته بحرم يشرف باسمه أن يزار ويعبد عقيدة، وتعظيمه تقربًا بذلك وتعظيمًا وتكريمًا لاسمه. وإن كان يعلم أنه لا يحتاج إلى البيوت ولا يسكنها، فإن الملائكة الذين هم حول العرش يعلمون أن الله لا يحتاج إلى سرير ويتعظم بالجلوس عليه. وأنه لا يجوز أن يتوهم عليه بهذا، ولا أن يظن به. فإنه قد كان ولا عرش ولا بيت، لم يزل لا في مكان، ولا يزال لا في مكان، ولا يمكن أن يحويه مكان أو يحصره أو يحيط به مكان. ثم لم يمكنهم ذلك من تعظيم العرش بعد أن شرفه باسمه، والصف حوله، والتسبيح عنده، وكذلك غلب بأن الله تعالى لا يحتاج إلى البيت ولا يمنعهم من تعظيم بيت قد شرفه باسمه وحرمه وبحرمته ما حوله. ومن التعظيم أن يزوره، وأن لا يقطع وفودهم عنه. فهذا سبب الحج. وذكر وهب بن منبه في كتابه: أن آدم صلوات الله عليه لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها، لما رأى من سعتها، ولم ير فيها أحدًا غيره، فقال: رب، أما أرضك هذه عامر يسجد فيها ويقدس لك غيري، قال الله : ﴿إني لأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، واجعل فيها بيوتًا ترفع لذكري ويستحي فيها خلقي، وسيأتونك منها بيتًا اختاره لنفسي وأخصه بكرامتي واوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي لتعظيمه بعظمتي، وأخرمه بحرمتي، وأجعله أحق البيوت وأولاها بذكري، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني أخبرت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، ومن قبل ذلك، فهو صفوتي من البيوت، ولست أسكنه، ولا ينبغي أن أسكن البيوت،

стр. 941

ولا ينبغي أن يحملني، أجعل ذلك البيت، ولمن بعدك يا آدم حرمًا وأمنًا، أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته، فمن حرمه بحرمي، فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حريمي، ومن آمن أهله فقد استوضئت بذلك آياتي. ومن أخانهم فقد أحقرني في ذمتي، ومن عظم شأنه عظيم في عيني، ومن صغر شأنه صغر في عيني. ولكن تلك حوزة وبطن مكة حوزتي التي حزت لنفسي دون خلقي، فأنا الله، دونكه أهلها بقربي وجيران بيتي وعمارها وزوارها وفدى واهنأني في كنفي وضماني وذمتي وجواري أجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجًا شعثًا غبرًا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق بالتكبير عجيجًا، ويرجون بالتلبية رجيحًا، فمن اعتمره ولا يريد غيري، فقد زارني وضافني ووفد إلى ويؤت لي، فحق لي أن ألحقه بكرامتي، وحق الكريم أن يكرم وفده، وزواره وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته يعمره، يا آدم ما كنت حيًا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن ونبيًا بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك، يقال له محمد، وهو خاتم النبيين، فاجعله من عماره وحماته وولاته وحجابه وسقائه يكون أمنيتي عليه ما دام حيًا. فإذ انقلب إلي وجدني قد دخرت من أجره وفضله ما يتمكن منه من القربة إلي والوسيلة عندي وأفضل المنازل في دار المقامة، واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك، يكون مثل هذا النبي وهو أبوه إبراهيم، ارفع له قواعده، واقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرامه ومواقفه، واعلمه مشاعره ومناسكه، واجعله قانتًا قائمًا بأمري داعيًا إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل، وينذر لي فيفي، فيعدني فأنجز. أستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده، واشفعه فيهم، واجعلهم أهل ذلك البيت، وولاته وحماته وسقاته وحرمه وخزانه وحجابه حتى يبتدعوا أو يغيروا ويبدلوا، فإذا فعلوا ذلك، فأنا أقدر القادرين على أن أستبدل بمن أساء، واجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة قائم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن يطوفون فيه آثاره، ويبتغون فيه سنة، ويقتدون فيها بهداه. فمن فعل ذلك منهم أوفي نذره واستكمل نسكه، وأصاب نعتمه، ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه ولم يوف نذره، وأخطأ بغيته. فمن سأل عني: أين أنا؟ فأنا مع

стр. 942

الشعث الغبر الموفين نذورهم، المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم، الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون. وهذا الحديث يدل على أن البيت إن لم يكن موضوعًا حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، هذا ظاهره. وقد يحتمل أن يكون موضوعًا، وإنما أراد الله بقوله: سيأتونك منها بيتًا لي أدلك عليه وأرشد إليه، وأن قد وضع، وكل بيت ذكرته، فإنما يوضع بعده. فصل وإذا ظهر أصل الحج، فالحج أن يتجرد من يريده عن لباس العباءة ويلبس ازازًا أو رداءًا ويلبي، معتقدًا أنه قد أحرم بحج، وذلك في وقت الحج. فإن وصل إلى البيت قبل عرفة طاف وسار ثم خرج إلى عرفة يوم عرفة، ووقف بها بعد زوال الشمس إلى غروبها، ثم أفاض إلى المشعر الحرام، وأقام به حتى يصلي الصبح، ثم يدفع إلى منى، فإذا طلعت الشمس رمي جمرة العقبة بسبع حصات، وإن كان معه هدى ذبحه أو نحره، ثم حلق رأسه ثم أفاض إلى مكة، يأتي البيت، وذلك يوم النحر، وطاف سبعًا، وصلى خلفها وخلف كل طواف إذا فرغ منه ركعتين، ويخرجه السعي الذي قدمه، فإن لم يكن سعى من قبل هذا اليوم بعد الطواف، ثم عاد الليل إلى منى ويقيم بها ثلاثة أيام. يرمي بالجمرات الثلاث كل يوم بعد زوال الشمس بإحدى وعشرين حصاة، وكل جمرة سبع. وإن شاء أن ينفر الثالث نفر. فإذا فرغ مما ذكرت، فقد فرغ من الحج. ويحرم عليه إذا أحرم ولبس المخيط وحلق الشعر، وتقليم الأظافر، وقتل الصيد والاستمتاع بالنساء والنكاح والتطيب، ويحل له منها إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، كل شيء إلا النساء. فإذا طاف وسعى حل له كل شيء ما كان حرامًا عليه، والفرض من الأعمال التي قدمت ذكرها الإحرام، وأدنى الوقوف بعرفة في وقته والطواف يوم النحر، والسعي وما شاء منها إلا يتفرغ. وكل ذلك مذكور في كتب الأحكام، وإنما نورد في هذا الكتاب ما يعلم أنه يشذ عني غيره أو يتعدد وجوده مجتمعًا فيه، فنقول -وبالله التوفيق -: أن الحج عبادة تجمع الإيمان وعامة العبادات التي هي من أركانه، لأن نفسه إيمان، وما

стр. 943

فيه من الإحرام الجامع لهذه المحظورات التي سبق ذكرها، يضاهي إحرام الصلاة التي يحرم به الكلام، وكشف العورة والإعراض عن القبلة، والمشي وسائر الأعمال التي ليست بصلاة، إلى غير ذلك. ويضاهي الصلاة المحرم للطعام والشراب والمباشرة، وأما ما فيه من التلبية، وأذكار الوقوف والطواف والسعي، فهو شبيه بأذكار الصلاة في القيام والركوع والسجود والقعود، وما فيه من الطواف والسعي فيشبهان بركعات الصلاة. وما فيه من المقام بمنى والرمي، فإنه شبيه بالمرابط في سبيل الله والجهاد. وأما الوقوف بعرفة والمشعر الحرام فشبه بالاعتكاف في المساجد. وأما ما يلزم على حضور هذه المشاهدة، وتكلف هذه المناسك من مزية في المال فهو نظير الزكاة. فقد اجتمعت في الحج معاني العبادات كلها، فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا. وقال أبو الشعيا جابر بن يزيد: الصوم والصلاة يجتهدان البدن ويجهدان المال والصدقة تجهد المال ولا تجهد البدن. وأني أعلم شيئًا أجهد المال والبدن من هذا الوجه -يعني الحج. وفي ذلك ما يبين عظم قدر الحج وجلال موقعه من العبادات. فصل ثم أن أعرض الحج أن الناس كما أنهم لما كانوا لا يتمالكون من أن يعرض فيهم في العبادة الكسل، ويتصل بكثير من طاعاتهم الخلل، فكان تعالى رحيمًا بعباده، ورفقًا بجميع خلقه، نظر لهم بأن جعل لهم أوقاتًا معلومة ضاعف ثواب أعمالهم، ودلهم عليها ليكون ذلك متعة لهم على الجد في العمل، حتى إذا فعلوا ما أمرهم به، ورغبوا فيما رغبهم فيه، غدا اليسير من عملهم كثيرًا. بها، جزاء موفورًا، فكذلك لما كانوا لا يتماسكون عن أن تبدر منهم بوادر العصيان، ويجدف منهم حوادث الإسراف والطغيان بين لهم في الدنيا معادًا يعودون إليه إذا أرادوا النزوع عما أسخط الله تعالى معتصمًا يعتصمون به، إذا هموا بالرجوع إلى ما يرضي الله ، فجعل ذلك حج بيته الحرام، ووصف لهم

стр. 944

مثابًا ومنابًا يقصدونه إذا ثابوا إليه، لأنهم لا يعضلون إلى عبادة، وليس يدني مكاني فيقعدني مكانه، وإذا نظروا لم يجدوا موضعًا يحققون الإنابة إليه بحضوره أولى من البيت المشرف باسمه، الحرم بحرمته، المجعول وجهه قبلة للمصلين، وما حوله للطائفين. فيقومون البيت منصورين بضم العبيد إلا ثابوا المستعصين، يريدون الرجوع إلى مولاهم حتى إذا بلغوا الميقات، وفضوا ملابسهم المعتادة، واغتسلوا ولبسوا الرباط كما يفعل بالحي إذا مات، فيغسل ويكفن في الرباط، كأنما هجروا الدنيا وزينتها، وخلفوها وراء ظهورهم، واحرموا عائدين على أنفسهم أن يدوموا على ما هم عليه، ولا يتلذذوا بطيب ولا مباشرة، ولا يلهوا باصطياد، ولا يتنعمون بأخذ شعر، ولا بتقليم ظفر، إلى أن يأذن الله تعالى لهم فيه، متصورين بصورة العبيد الذين ذكرناهم إذا أشرفوا على بلد مولاهم، فغيروا أحوالهم وتهيبوا بهيبة الخشوع والذلة، منتظرين ما يمن به عليهم مولاهم من العفو، فيكون من أقلهم تلك الحال عند ذلك لا قبله. فإذا وصلوا إلى مكة ثم يعرجون على شيء دون الطواف، كما أن العبد الراجع بعد فطافوا حول البيت متصورين بصورة عبد لاذ بسيده، وهو يقول له: أن لك وإليك، لا مذهب لي عنك، ولا منقلب إلا حولك، وذاك أن الطواف إذا كان حول البيت، كان الطائف لازمًا بالبيت لكل حال. وكلما ذهب عن وجه البيت إذا افتتح طواف أعاد إليه إذا ختمه، فكأنه يقول: أينما ذهبت فلست بذاهب عنك، وحيث ما مضيت، فإني راجع إليك، والإشارة في ذلك إلى أن بنت وأتيت، فلست المحدث ما يبعدني عنك، وأن أكون جلال ما ألابسه من الأشغال والأعمال خارجًا إلى ما يسخطك، كما أني في ذهابي عن باب بيتك طائعًا لست مهاجرًا إياه، ولا مفارق له، ولكني متمسك بجوار عابد إذا استدرت عن قيامه. وله وجه آخر: وهو أنه قد جاء يزور البيت، ولكل حرمة الحرمة التي بجميعه، فلا يكون محدثًا عهدًا بجميع آخر البيت إلا بأن يستدير حوله، فاحتاج إلى الطواف لذلك، ثم الزيادة على المرة الواحدة للولوع بما أصاب، والحرص على الإستنكار منه وإظهار السرور به، وكل ذلك ملائم للعادات ليس بخارج منها. وله وجه آخر: وهو أن يتصور الطائف بصورة من إناء البيت من أحد وجوهه، فخاف صدا فيجاوزه إلى وجه آخر، فخاف صدا فيجاوزه إلى وجه ثالث، فخاف صدا

стр. 945

فيجاوزه إلى الرابع، فخاف صدا فعاد إلى الأول، ثم لم يزل يستدير ويتحول من صفحة إلى صفحة حتى استكمل سبعًا موعد الآذن وبشر بالقبول، وقيل له: قد وقع فعلك موقعه فانصرف الآن إلى يوم الزيارة. ويخرجون إلى عرفة كان مباح الزوار جعل فيها لأنها من الحل فلا ينبغي لمن لم يؤذن لقاء الزيارة، وهي من همه أن يقوم مقامه في الحرم، ومنه يزور لأن الزائر في العادة من يقصد غيره وهو بمعزل عنه. فأما من كان عنده فلا زيارة تقع منه له. وإذا كان حرم البيت كالبيت فالمقيم فيه كالمقيم في البيت أو عنده، فلا تتعذر منه زيارته، فجعل مجمع الزوار قبل مجيء وقت الزيارة عرفه، فإذا جمعوا بها وبقوا طويلاً، ودعوا وتضرعوا حتى إذا طال ذلك عليهم وجن الليل، إذن لهم في تورد الحرم والدنو ليلاً، فيأتون المزدلفة ويقيمون بها ليلهم داعين ضارعين، حتى إذا أسفر النهار، قدموا منها إلى منى، وأمروا أن يرموا بها جمرة العقبة بسبع حصاة كأنهم مخاطبون الشيطان ويقولون: لا مطمع لك فينا بعد اليوم، فقد بايعناك وقطعناك. ويتصورون بصورة من يدخر عدوا ويقذفه يريد تنحيته عن نفسه وإبعاده، ويرمونه بسبع حصاة. كما يطوفون حول البيت سبعًا ليكون مكان كل طوفة بالبيت رمية وحرقة للشيطان. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون رمي الحصى تأويلاً لإسقاط الالواث والارجاس عن أنفسهم. كأنهم يقولون: قد طرحنا بذنوبنا وأحلامنا فتتبرأنا منها، كما القينا هذه الحصى من الدنيا، وأبعدناها عن أنفسنا. والرمي مثل الإبعاد. وفيه وجه آخر: وهو أن المناسك كلها موروثة عن إبراهيم ﵇ قال النبي ﷺ ﴿يا أيها الناس أقيموا على مشاعركم فإنكم على ارث من ارث أبيكم إبراهيم﴾. وروى أن إبليس أعرض له بمنى فزجره بحصيات رماه بها لئلا يفسد عليه نسكه، فأوجب حق الإقتداء به، أن يرمي مثل تلك الحصيات كل خارج، تبركًا لمبايعته، وإتباع سبيله. أن ترى أن الاقتداء بأمته في السعي، كيف كان واجبًا على ما يذكر في معناه فأولى أن يجب الاقتداء في الرمي به نفسه. وفيه وجه رابع: وهو ما روى أن الله لما فدى إسماعيل بكبش، أتاه

стр. 946

إبراهيم بمنى، فلما هم بأخذه استعصى عليه، فلم يزل إبراهيم يرميه بالحصى حتى ألجأه إلى سفح الجبل فأخذه. فقد يجوز أن يكون رمي الحجاج للاقتداء بإبراهيم، وتفاؤلاً بأن رميه بالحصى عاد عليه بادراك بعثه. فيرمي أن ما لنا يزكيه، فيما نقتدي به منه، ويعذنا الله من النار كما أعاذ إسماعيل من الذبح والله أعلم. وفيه وجه خامس: وهو أن الطواف بالبيت لما عادل الصلاة، وهو فعل مجرد ذكر معه، فكذلك الرمي يعدل بالاستغفار، وإن كان فعلاً مجردًا لا ذكر معه. فالطواف التجاء والرمي استغفار. وكان الرامي يقول: اللهم ارم بأوزار عني كرمي هذه الحصيات. ويشبه أن تكون سبع حصيات قائمة مقام سبع استغفارات كل واحدة بعشرة فتلك سبعون. تم أمروا بتتابعها سبعون حصاة لتكون سبعين استغفارة بالحقيقة، والعدد دون التضعيف وذلك في أربعة أيام والله أعلم. ثم إذن لهم في حلق رؤوسهم ومعاودة العادات في لباسهم وتطيبهم تيسيرًا لهم بالقبول والاستعفاف، وتر فيها في العاجل بينهم. ثم قيل لهم: قد جاء وقت الزيارة، فأحضروا. فيلاحقون من منى إلى مكة، ويأتون المسجد متوجهين نحو البيت، حتى إذا دنوا من البيت بدأوا فقبلوا الحجر الأسود كأنما قصدوا متعظمًا، فيكشف لهم عن يمينه، لأن الحجر للبيت بمنزلة اليد، فإنه منصوب في وجه البيت من قبل اليمين. وقيل أن تقبيل الحجر بمنزلة تقبيل العبد باب دار سيده، إذا لم يصل إلى تقبيل يده، فكذلك لما استحال أن تكون فيه خارجة تلمس وتقبل عنه على تقبيل باب بيته، ثم مضوا على إيمانهم وتركوا البيت على يسارهم حتى تطوفوا سبعًا، فإذا عرفوا خرجوا على المسعى فسعوا بين الصفا والمروة متيمنين به متقابلين لدرك المراد والوصول إلى البغية. إذا كانت هاجر لما سعت بينهما ورجعت إلى إسماعيل وجدته، وقد كفاها الله فيه ما كانت بحذره، وأنيط له من الماء ما كانت تطلبه، فلذلك يرجو كل حاج أن يرجع من السعي إلى ما جاء يطلبه، ذلك العفو والمغفرة، ويحلون بعدما ذكرنا الحل الكامل، فكأنما قيل للضارب منهم: ما مضى فقد مضى، فاستأنف العمل. ثم يرجعون إلى منى ويقيمون بها ثلاثًا يرمون كل يوم إذا زالت الشمس بإحدى وعشرين

стр. 947

حصاة، كل جمرة بسبع، فمن قال: أن المقصود بالرمي الشيطان جعل المقام بمنى، في هذه الأيام -بمنزلة المرابطة في سبيل الله. والرمي كل يوم منها بعد الزوال، بمنزلة ركضة تقع من العدو، فيرموا بالسهام ليزجروا على دار الإسلام. ومن قال: إن المقصود بها الاستغفار جعل المقام بما في هذه الأيام كالاعتكاف في المسجد، والرمي كل يوم منها بعد الزوال كالصلاة والاستغفار، وكل واحد منهما محتمل والله أعلم، وفي الوجهين يراد للثبات على حكم قصد البيت، وترك الاستعجال بالصدر عنه، والتبرك بالرجوع إلى الموضع الذي فيه لحقتهم البركة، ورجوا فيه آثار الوفاق، وإمارات القبول، وليكون قصدهم البيت لطواف الوداع والصبر منه، كما كان قصدهم إياه لزيادة منه، ولم يرجعوا إلى عرفة لأن عليهم بقايا نسك ليست بعرفة موضعًا، ولأنها كانت مباحهم حين كانوا محرمين وهم الآن محلون فكان المقام بمنى الذي الإحلال أليق بهم من المقام بعرفة والله أعلم. فصل ولأجل ما وصفنا به الحج من الكمال والتمام وبينا الغرض في التعبد به، لم يشرع في العمر إلا مرة واحدة، ولم يفرض إلا على من كمل حاله. فإن الفرض الكامل كما لا يليق إلا بكامل الحال، وإن كان الغرض من الحج الإنابة والتوبة والأعذار إلى الله تعالى، لم يلق به العدد، وكان دخول العدد فيه موهنًا أمره. فإن النفس إنما مالت من إعدادها إلى خلاف الجميل تعجلاً على بلاء فيه بما يستقله منها. وإذا كان الحج واحدًا كانت النفس من مثل هذا أنزع، والقلب من الهم به أنزع وبالله التوفيق. فصل ويرجع إلى ما بدأنا به من الكلام في قوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾. فنقول: قد روى في الأخبار أنه أهبط لآدم خيمة من خيام الجنة، فضربت في موضع

стр. 948

ليسكن إليها، يطوف حولها، ولم تزل باقية حتى قبض الله آدم، ثم رفعت. وهذا من طريق وهب. وروى أنه أهبط معه بيت، فكان يطوف حوله والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمن الغرق ثم رفعه الله، فصار إلى السماء. وهو الذي يدعي البيت المعمور، ويسمى الصراح. وذكر رسول الله ﷺ أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا. والذي وقع إلي من الحديث هذا لا يتجاوز إلى قتادة إلى آخر قومه. وجاء عن ابن عباس: إن آدم عندما أهبط إلى الأرض قال: يا رب، مالي لا أسمع صوت الملائكة وجنتهم؟ قال: خطيئتك، ولكن اذهب فابن لي بيتًا تطوف حوله كما رأيت الملائكة يصنعون حول عرشي. فأقبل آدم يتخطى حتى أتى مكة، فوضع البيت. فقد يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة مع أنه أهبط مع آدم بيت، أي أهبط معه مقدار البيت المعقور، طولاً وعرضًا وسمكًا. ثم قيل له: أين بيت تقدره. ويجوز أن يكون في الأرض تختًا له، فكان خياله موضع الكعبة فبناها فيه. وأما الخيمة، فقد يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها، فبناها كانت في جوف الكعبة طمأنينة لقلب آدم، عاش، ثم رفع، فتتفق هذه الأخبار. ثم لما كان زمان الغرق رفع البيت الذي بناه آدم، فصار البيت المعمور، ذلك الذي كان معمورًا في السماء، أي بطل أثره بالغرق، فخاض البيت المعمور ما كان في السماء. وأما الذي كان في الأرض بحياله فإنه ضرب، ولم يزل خرابًا إلى أن أمر إبراهيم ﵇ بتحديده. فاجتمع بما وصفنا للبيت من الفضائل الموجبة لتعظيمها، أنه بدل بخيمة من خيام الجنة كانت مضروبة. ثم أن أهله بني آدم صلوات الله عليه، وأنه أمر ببنائه ليكون له في الأرض مكان العرش للملائكة فوق السموات. ثم أنه يقدر البيت المعمور وحياله، ثم أنه رفع، وبقي ما بقي، فأراد الله تعالى تجديده، أجرى ذلك على يدي إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهما، وأحيى تلك المشاعر كلها بهما، وأراهما المناسك، ولم تزل باقية من ذلك الوقت إلى الآن تشهد وتؤدي حقها من الوجه الذي أمر الله . ثم أن إبراهيم ﵇ لما فرغ من بناء البيت؛ دعا فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً

стр. 949

منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾. فاستجاب الله دعاءه وبعث فيهم نبينا محمدًا ﷺ ، فكان يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم) وإذا كان كذلك فهو إذًا من بركات البيت وخيراته، إذ كان سببه الدعاء الذي دعا به إبراهيم ربه لحين فرغ من بنائه، واجبًا أن تكون طاعته له لي ببناء البيت وسيلة يوفى بها سؤله، وتستجاب دعوته. ثم أن الله خلق نبينا بمكة وبناءه فيها، وابتدأ تنزيل الكتاب عليه فيها. وفتحها بعد استيلاء المشركين عليها له وعلى يده، حتى طهر البيت من أرجاس المشركين وأخرج الأصنام والتماثيل التي كانوا نصبوها فيه منه. وأعاده ركنًا نقيًا كما كان مكان البناء والعمارة جاريين على يدي إبراهيم وإسماعيل والتنزهه والطهارة واقعين على يدي نبينا محمد ﷺ جميعًا. ثم أن الله جعله قبلة للناس، فقال ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وقال لنبيه ﷺ : ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وأن فرض مع هذا كله قصده وزيارته، وأمر عباده أن يخفوا حوله بالطواف إظهارًا للولوع والملازمة له، كما يحف العبيد ببيوت ساداتهم، ثم يشرع لهم لذلك القصد آدابًا، وهيأ قبله أسبابًا، بها يتم منهم التعظيم، ويكمل الإجلال والتفخيم، ويتوفر التشريف والتكريم كما سبق بيانه حبًا به، وتفضيلاً لم يكن في ذلك ما ينكره إلا ضعيف عقله سفيه، وأنه كما قال الله : ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وبالله التوفيق. فصل فأما ما دون البيت فإن المسجد فلا يعتد به، وأما خارج المسجد ففي تقدير الحرم

стр. 950

للمسجد إلى آخر حدود الحرم، وجملة الحرم ما أذكره وهو على طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت تقارب ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن طرف أصله لبن في بينة لبن سبعة أمثال. ومن طريق جدة منقطع الأعشاش عشرة أميال، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمره أحد عشر ميلاً، ومن طريق العراق على بينة جبل بالمنقطع سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة شعب أبي عبد الله بن خالد سبعة أميال. وجاء في الآثار: أن إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم، وأن جبريل ﵇ دله على مواضعها، فإن غنم إسماعيل كانت ترعى في الحرم، ولا تجاوزه ولا تخرج، فإذا بلغت منتهاه من ناحية من نواحيه رجعت حنانة فيه. وقيل أن حدود الحرم مواقف الملائكة التي كانت تحرس آدم لئلا تؤذيه الشياطين والسباع، ثم أنه قد جاء في تعظيم البيت والحرم أخبار: فمنها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه وقف على الحجون يوم الفتح فقال: (والله أنك لخير أرض وأحب أرض الله إلى الله، ولو أني أخرجت منك ما خرجت). وقال: (إن مكة حرام حرمها الله يوم خلق السموات والأرض والقمر، ووضع هذين الأحبشين لم تحل لأحد قبل، ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس، وهي في ساعتي حرام هذه لا يجلى جلاؤها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يرفع لقطتها إلا منشدها! فقال العباس: يا رسول الله، إلا الاذخر فقال: إلا الاذخر). وعن النبي ﷺ قال: ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمسلط بالحروب ليذل من أعز الله، أو يعز من أذل الله، والمستحل من غير في ما حرم الله، والتارك لسنتي). ومعنى قوله (وكل نبي مجاب الدعوة) أراد بقوله (ستة لعنهم الله) الدعاء لا الخبر، ثم قال: (وكل نبي مجاب الدعوة) أي قد دعوت عليهم، وأنا نبي، والنبي لا ترد دعوته. وعنه ﷺ قال: (كان النبي إذا
следующие страницы →