← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وأما الخيل فإنها لا تطيق من الجهد ما تطيقه الإبل ولا تفيد من الرسل ما تفيده، فهي من هذا الوجه أيضًا بمنزلة سائر التوابع لها لقصورها عن منزلتها مما يراد ويصلح له، ومنها ما كسبت من الأرض فأداة الأبدان التي لا قوام للأبدان إلا عليها، وما عدا ذلك مما يطعم يلد أو يراد للقوات طيبة له، فهو فضل جعلت الزكوات واجبة في أعالي هذه الأجناس التي تعم وتشتد الحاجات إليها، فإن في ارتقاق المحتاجين أن يصيروا على مضض الحاجة التي يقع لهم إليها إهلاكهم، ولم يكن لهم في إخراجهم أهلاكهم، وإنما كان ابتلاؤهم. وجعلت الزكاة مقصورة على هذه الأنواع ليتم الابتلاء الذي يعد فدولهم بإخراجهم والله اعلم. وأما الموضع الآخر: فهو أن هذا الذي ذكر وقع عليه الاقتصار من الزكاة المأخوذة وعلى هذه الأجناس المذكورة. وإلا فالحق الذي يجب لله تعالى في مال الغني لا يقتصر بها على نوع دون نوع، لكنه سبع في الأنواع كلها، بأن لهذه الزكاة التي أوجبها في أصناف مخصوصة، فمن لم يكن عنده سواها، فأخرج زكاتها، فقد قضى حقها. ومن ملكها وملك معها خيلًا وبغالًا وحميرًا وأثاثًا وضياعًا وجواهر حقها، فأخرج الزكاة من الأصناف المعلومة قضى لما يخرجه منها حقها، وحق عامة ما يملكه من صنوف الأموال. ومن قال هذا، قال: إن كانت الزكاة لن تجب إلا في الموال مخصوصة، والصلاة لم تجب إلا في أوقات مخصوصة، ثم لا يجوز أن يقال أنها حتى يلزم لبقاء البدن وسلامته في تلك الأوقات خاصة. لكنه حق لبقائه وسلامته في عامة الأوقات، غير أنه جعل ما يقام من الصلاة، وفي بعض الأوقات قاضيًا حقها وحق غيرها من ساعات العمر كلها، فكذلك الصيام إنما أوجب في شهر من أثنى عشر شهرًا، ثم لا يجوز أن يقال: أنه حق لبقاء البدن وسلامته في ذلك الشهر خاصة، لكنه حق لبقائه وسلامته فيه وفي غيره، إلا أنه جعل الصيام فيه خاصة قاضيًا حقه وحق السنة كلها. وكذلك الحج إنما أوجب في وقت معلوم من سنة ثم أخذه، وليس يجوز أن يقال: أنه حق البقاء والسلامة في تلك السنة، ولكنه حق العمر كله وإن طال وامتد، وأشبه من هذا أمر الزكاة، إنما تجب في ثمر وشجره. لأن الله قال: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ والكل خارج من الأرض.

стр. 877

وأقرب من هذا أن من ملك قضايا من مال زكاة، لم تجب عليه الزكاة حتى يمر به حول، فإذا انتهى الحول وجبت، ثم لا يجوز أن يقال: أنها تقضي حق الملك في الحلول كله. وإن كان كله خاليًا عن الوجوب إلا ساعة الانتهاء. وأقرب من ذلك أيضًا أن من ملك قصايا من مال الزكاة إلى أربعين شاة حولًا، وجبت الزكاة عليه وهو شاة. فلو كانت هاية وعشرين لم تجب فيها أيضًا إلا شاة. فقد صارت الشاة بعد حق الأربعين، وحق لأربعين الأخريين، فلا تتكرر إن كان معها أموال من غير جنس المواشي أن يقضي حقها وحق ملك الأموال. فيكون ما مضى ذكره من الاعتبار أعالي الصفاق والأحوال عليه بتخصيصها بأخذ الزكاة منها، واعتبار الاقضية فيها، إلا أنه لا حق لله تعالى فيما عداها من الأموال والله أعلم. فصل قم أن هذه الزكاة كما أوجبت في هذه الأصناف الثمانية من أجناس المال، ولذلك لثمانية أصناف من طبقات الناس، قال الله : ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل). ولم يدخل غير هؤلاء من المحاويج معهم كالأسير الفقير في أيدي العدو ليفتدي به، فيخرج من أيديهم، ولا في المحبوس ظلمًا في ما لا طاقة له به أو يكفن ميت المعسر ودفنه. لأن الأسير لو كان واجدًا مالًا لزمه أن يفتدي نفسه، والمحبوس ظلمًا في مال يراد عنه لو وجده، فألزمه أن يعطيه. لأن النبي ﷺ قال: (من قتل جون ماله فهو شهيد). ولذلك أهل الصدقات، لأن كل واحد منهم لو كان واجدًا كفايته من ماله. وأما الميت المعسر فلا سبيل إلى تمليكه. شرط الزكاة التمليك. فلهذا لم يكن لهذه الأبواب مدخل في الزكوات والله أعلم.

стр. 878

فصل ومن الأموال ما يظهر كالمواشي والنخل والكرم والزرع فيكون أخذ صدقاتها إلى الولاة. قال لنبينه ﷺ : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولذلك أخذ صدقة الفطر في وجوبها لوقت معلوم، فلا تخفي كما لا تخفي زكاة ما أخرجته الأرض إذا بدأ صلاحه. ومنها ما خفي كالذهب والفضة، فيكون لرب المال تفريق زكاته بنفسه. فكل ما كان أخذ زكاته إلى الوالي، فالسمع والطاعة واجبان له على من خلت الزكاة ماله. ولا ينبغي له أن يقل، ولا أن يكتم إن كان الوالي عدلًا، على ما يجيء بيانه. وإذا أحضر المصدق المال، فإن قدر على دفع حقه إليه في الحال لينصرف لم يحبس. فإن كان ذلك مما يحتاج فيه إلى مهلة وزمان أنزل وأكرم، فإن النبي ﷺ أوصى بالضيف، ومن أكرم الاضياف فيساوى الحق من حقوق الله تعالى، وكان مؤتمنًا عليه ليؤدي كما أمر به إليه، ثم لا يبتغي لرب المال أن يتضجر من الصدقة ويتحرى بها رد له المال. فيكون كمن حبس بعضها عليه فأدى بعضه. فإن وصي رجلًا إياه مصدق رسول الله ﷺ ، فبعث هضيل محلول، فلما أتاه قال النبي (لا يبارك فيه وفي إبله) فبلغ ذلك الرجل فبعث بناقة حسنة، فقال: (اللهم بارك فيه وفي إبله). وقال الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا جاءكم المصدق فلا تصدون، إلا وهو عنكم راض). فقد يدخل في هذا أن لا يطال حبسه، ولا يكثرن عليه ولا يستهان، بل يكرم ويوقر ويعرف حقه. ويدخل فيه أن يؤدي إليه ما يطالب به مما هو حقه، ولا يبخس عنه شيئًا. فأما أن طلب أكثر من حقه فلا يعطي، لأن النبي ﷺ بين فرائض

стр. 879

الصدقات، ثم قال: (فمن سئلها على وجهها فليعطه، ومن سأل فوقها فلا يعطه). وإن سأله الوالي قيمة الزكاة، فإن كان الوالي من أهل الاجتهاد فأداه رأيه إلى أن ذلك جائز، فحكم به على رب المال، جاز عليه حكمه وسقط به أن وقع الحق. وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإنما هو ظلم يظلمه به فلا يسقط به الحق عنه والله أعلم. فصل وينبغي إذ أخذ المصدق زكاة مال رجل كما وجب عليه أن يدعو له بالخير والبركة، قال الله لنبيه ﷺ : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن). وروى عنه أنه لما جاءه ابن أبي أوفى بصدقات قومه قال: (اللهم صلي على آل أبي أوفى). فإن أغفل المصدق أن يدعو لرب المال فحق لرب المال أن يأمر بأن يدعو له. قال النبي ﷺ لشبر بن الجصاص، لما قال له: أن أصحاب الصدقة يعتدون علنا أفمكنتهم من أموالنا قدر ما يريدون علينا؟ فقال: (لا، ولكن أخرجوه لهم، فإن أخذوهم وهم فليصلوا عليكم، وتلا: ﴿وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم﴾. وكان جرير بن عبد الله يقول لنبيه: إذا جاءكم فلا تدعوا، إذا صدق الغنم الماشية أن تأمروه أن يدعو لكم عليها بالبركة، والدعاء أن يقول لرب المال: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. فأما ما قيل في الحديث أن النبي ﷺ نهى سيدًا عن كتمان ماله، فليس على معنى أنه أمره أن يعطي المصدق ما لا يلزمه، ولكن لأن لا يكون قد جاء المصدق فمنعه إحصاء ما كان به إحصاؤه، فلا ينبغي للمصدق أن يتعدى في الصدقة، فإنه إن تعدى، فقد قال

стр. 880

النبي ﷺ : (لا إيمان لم لا أمانة له) والمعتدي في الصدقة كمانعها. وقال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (إياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وإن عدل لم يتعد به فقد قال النبي ﷺ : (العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حق يرجع إلى بيته فليختر الآن لنفسه). وجاء أن النبي ﷺ بعث قيس بن سعد بن عبادة ساعيًا، فقال له أبوه: لا تخرج حق يحدث برسول الله ﷺ عهدًا، فلما أراد الخروج أتى رسول الله ﷺ فقال له: (يا قيس ابن سعد، لا تأتين يوم القيامة على رقبتك بعير له رغاء، أو بقرة لها ثواء، أو شاة لها لها ثغاء، ولا تكن كأبي رغال فقال سعد: وما أبو رغال قال: مصدق بعثه صالح رسول الله ﷺ فوجد رجلا بالطائف في غنم قريبة من المائة سقاها إلا شاة واحدة ومعه بني له صغير لا أم له ويحلب له الشاة عشية، فقال له صاحب الغنم: من أنت؟ فقال: أنا رسول الله ﷺ ، فرحب به. فقال: هذه الغنم، خذ أيها أحببت، فنظر إلى الشاة اللبون، فقال: هذه فقال الرجل: هذا الغلام كما ترى ليس له طعام ولا شراب غيرها قال: إن كنت تحب اللبن فأنا أحبه. فقال: خذ شاتين مكانها فأبى. فلم يزل يزيده ويروج له حتى بدل له خمسين شاة مكانها، فأبى عليه. فلما رأى ذلك عهد إلى قومه فرمي بسهم فقتله. قال: ما ينبغي أن يأتي رسول الله بهذا الخبر أحد قبلي. فأتى صالحًا النبي ﷺ ، فأخبره الخبر. فقال صالح: اللهم العن أبا رغال. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف قيسًا من السعاية). وعنه أنه دعا أبا بكر ﵁ ليخرج ساعيًا ثم قال له: (احذر يا أبا بكر، لا تأتيني تحمل يوم القيامة بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء، تحملها على عنقك ثم تقول: يا رسول الله، أنقذني فأقول: قد حذرتك. فقال أبو بكر: مالي بها

стр. 881

طاقة فأعفني). فأعفاه رسول الله ﷺ ، ودعا أبا عبيدة الجراح ﵁ فأمره فخرج. فصل ثم أن الزكاة وإن كانت فريضتها عادية عن الستر كما وصفت فيما تقدم، فإن التبرع بالصدقات مستحب مندوب إليه. قال الله : ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾. فأبان بذكر الزكاة مع الصلاة في آخر الآية. أن المراد بقوله تعالى: ﴿وآتي المال على حبه﴾ غير الزكاة، فليس إذا إلا صدقة التطوع. وقال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له﴾ وقال ﴿واقرضوا الله قرضًا حسنًا، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خير وأعظم أجرًا﴾. وقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. إلى غير ذلك من آيات كثيرة فيها الندب إلى الصدقة والترغيب فيها. فصل ثم أن صدقة التطوع لا تختص ببعض الأموال كما اختصت الزكاة. لكن الأموال كلها محل لصدقة التطوع، وهذا كالصلاة التي يختص فرضها ببعض الأوقات ثم تشترك الأوقات

стр. 882

كلها في التطوع. وقد جاء في فضلها والترغيب فيها أخبار عن النبي ﷺ فمنها: ما روى أن النبي ﷺ قال: (مال وارثه أحب إليه من ماله. قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا مال وأرثه أحب إليه من ماله. مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت). وعنه ﷺ : ﴿الهاكم التكاثر﴾. قال: (يقول ابن آدم: مالي وأنى لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت). وعنه قال: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس). وعنه ﷺ : (اتقوا النار بشق تمرة). وعنه ﷺ أنه قال لكعب بن عجرة: (يا كعب، الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، ولا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، فالناس غاديان، فمناع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها) وعنه ﷺ : (الصدقة وقيام الليل يكفران الخطيئة)، وتلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطعمًا ومما رزقناهم ينفقون﴾. وعن سمرة أنه قال: ما خطبنا رسول ﷺ إلا وحثنا على الصدقة ونبأنا عن المسألة، وعن ابن عمر ﵄ قال: الصدقة تمنع المصيبة، والصائم يمنع من قدر السوء، وعنه ﷺ : (الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء). وعنه ﷺ : (إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منا إلا الطيب، ثم يربيها لأحدكم كما يربي أحد فلوه أو فصيلة

стр. 883

حتى تكون الثمرة مثل الجمل). وعنه ﷺ : (ما نقصت صدقة مالا، فتصدقوا ولا تعفوا عبد عن مظلمة، ابتغاء وجه الله إلا رفعه الله بها، غدًا يوم القيامة، ولا يفتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر). وقوله ﷺ (لا تنقص صدقة مالا فتصدقوا) يدل ساقه على أن المراد به أن ما يخرجه المؤمن ماله في وجه الصدقة لا يعرضه للفقر، وما كانت صدقة قط سببًا لفقر صاحبها، فتصدقوا ولا تخشوا أن تفتقروا إذا تصدقتم. وهذا إذا كانت الصدقة مستوفية شرائطها التي تذكر بعد هذا إن شاء الله. وعن عائشة ﵂ قالت: أهديت لنا شاة مستوية، فقسمتها كلها إلا كتفها، فلما دخل رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال (شاتكم كلها لكم إلا كتفها) وقال ﵇: (من استطاع منكم أن يبقي النار ولم يستو ثمره فليفعل). ومما جاء في قول الله ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. روى أنها لما نزلت، قال أبو طلحة: يا رسول الله، إني أحب أموالي وإني جعلتها لله، فقال النبي ﷺ : (في قرابتك). فقسمها أبو طلحة بين قرابته أبي بن كعب وحسان بن ثابت واعتق بن عمرو جارية يقال لها أرميته وقال: إني سمعت الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ واني كنت والله لأحبك، فاذهبي فأنت لوجه الله. وقال ابن عمر لصفية: إن عبد الله بن جعفر أعطاني سبعة آلاف دينار أو عشرة آلاف دينار. قالت: فما ينتظر؟ قال: خير من ذلك هو حر لوجه الله، ثم قرأ: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ومما جاء في قوله : ﴿واقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾. روى أنها لما نزلت قال الدحداح: إن الله يريد منا القرض، قال: نعم يا أبا الدحداح. قال: فإني

стр. 884

أقرضت ربي حائطي. قال وكانت فيه ستمائة نخلة. فجاء إلى الحائط وقال لأم الدحداح: اخرجي فقد أقرضته ربي. فصل أن لصدقة التطوع شرائط، فمنها: أن تكون من فضل المال، فأما من كان ماله مستغرقًا حاجته فلا ينبغي له أن يتصدق بماله ويدع عياله، ولا ينبغي لأحد أن يتصدق بجميع أمواله ويحوج نفسه إلى غيره. ومنها: إذا تصدق بدأ بذوي أرحامه ولا يميز فيها بين الواصل والقاطع بل يبدأ بذي الرحم الكاشح. ومنها: أنه إن فضل عن ذي قرابة فضل آثر به الجيران، فإن فضل منهم صدقة، إلى المتعففين من المحتاجين، وهم الذين لا يسألون الناس. ومنها: أن لا يحصي ما يتصدق به فيعرض ذلك على قلبه ويبته كما يبت حساب تجارته. ومنها: أن يخفي صدقته إذا استطاع لم يتخذ بها. ومنها: أن لا يمن على السائل لا يؤذيه بالتعيير. ومنها: أن يحبس أصل المال إذا أراد الصدقة ويسأل المنفعة. ومنها: أن يتصدق بأحب أمواله إليه. ومنها: أن تكون صدقته في سبيل الله بأن يعين عازبًا. ومنها: أن يتصدق في مرضه أو بعد موته. ومنها: أنه إذا أراد الصدقة في وقت دون وقت، تحرى بصدقته يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان. ومنها: أن يؤثر مناولة المحتاج بيده، ولا يكلها إلى غيره. ومنها: أن يكون مقلاً فيسمح بالفضل عن ضرورته. ومنها: أن يتصدق من كسب يده. فأما أن الصدقة من فضل المال، فإن الله يقول: ﴿يسألونك ماذا تنفقون؟

стр. 885

قل: العفو﴾ وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أعطى شر ماله فهو شر له، ولا يلوم الله على الكفاف). وعن ابن عباس ﵄ في تفسيره لقول الله : ﴿العفو: الفضلة على العيال وماله، وكذلك الحسن ومحمد بن كعب القرطبي. وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ بمثل البيضة من الذهب قال: يا رسول الله هو صدقة وما تركت بعدي مالاً غيرها. ثم مضى الرجل. فأخذها فتحيفه بها ولو أصابه لا وجعه، ثم قال: (ينطلق أحدكم فيخلع من ماله أجمع ثم يصير عيالاً على الناس). واستأذن أبو لبابة رسول الله ﷺ في أن يتخلع من ماله صدقة إلى الله ورسوله فقال له رسول الله ﷺ : (يكفيك من ذلك الثلث). وعنه ﷺ قال: (خير الصدقة ما أنفقت عن غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول). وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لرجل من بني عبده وجاءه باكيًا، قال له: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، وإن فضل شيء عن أهلك ففي ذي قرابتك، فإن فضل من ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا. فيبر بذلك وعن يمينك وعن شمالك). وعنه ﷺ أن رجلاً جاء إليه فقال: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: (أنفقه على نفسك فقال عندي آخر: فقال: أنفقه على ولدك. فقال: عندي آخر، فقال: أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أعلم). وعنه ﷺ : (أن أفضل دينار، دينار ينفقه الرجل على عياله، دينار ينفقه

стр. 886

الرجل على دابته في سبيل الله، دينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله). فبدأ بذكر العيال. وأيضًا الابتداء بذكر القرابة والرحم، فلما روى أن رسول الله ﷺ قال (إن صدقة القرابة تضاعف بضعفين: ضعف للقرابة وضعف للصدقة). وعنه ﷺ : أن رجلاً قال له ﷺ : (بما أفضلت الصدقة جناتها: للنائبة وابن السبيل. فقال لي رسول الله ﷺ : أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك). ودل ذلك أيضًا حديث أبي طلحة وقد تقدمت روايته. وأما التسوية بين الواصل والقاطع، فلما روى عن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بسبع نحب المساكين والدنو منهم، وأن أصل الرحم وأن أدرى وأن أقول الحق وإن كان مرًا وأن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر من هو فوقي، وأن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأن لا أخاف في الله لومة لائم. وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة. وعنه ﷺ : (ليس الواصل بالمكافيء، ولكن لمن إذا انقطعت رحمه وصلها). وعنه ﷺ قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) ومعنى ذلك أنه لا يتهيأ له إيتاؤة إلا بعصيان هواه، فإنه يميل به نحو الإعراض عنه. وأما صرف ما يفضل عن القرابة إلى الجيران، فلقول الله : ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾. ولقول النبي ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). يدل ذلك على أن الجوار يتبع القرابة وكان النسب. ألا ترى أن تأكيد الوصية بالجار كيف أوهم توريثه. فعلم أنه أولى الأسباب منزلة من الوراثة والله أعلم.

стр. 887

وأما أن لا يخفي ما يتصدق به، فلما روى عن رسول ﷺ أن عائشة ﵂ ذكرت عدة من مساكين أو عدة من صدقة، فقال لها (أعطي ولا تخفي فيخفي عليك). وأما إخفاء الصدقة فلقول الله : ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾. وجاء عن النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في عبادة الله، ورجل تصدق بصدقة فخفاها حتى لا تعلم شماله ما تعطي يمينه ...). ومعنى ذلك أنها إن لم تكن واجبة فيها الرياء عند الابتداء، فإذا أخفيت كانت عن الرياء أبعد. وإما إيثار المتعففين، فلقول الله : ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾. إلى آخره. ولأن الغالب أن المتعفف الذي لا يسأل أشد حاجة من السائل المتردد. فكانت الصدقة عليه أحسن موقعًا منها على من ليس في الحاجة مثله. وأما أن لا يعلى بها على السائل، فلقول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. وقال: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾. ومعنى هذا والله أعلم: أن الصدقة تسر السائل وتعطي للمعطي أجرًا، والمن والأذى بسوء السائل، ويوجب على المعطي إثمًا. فإن ذهب أحدهما بالآخر قصاصًا صار المعطي كأن لم يعط ولم يمتن عليه. وإذا انصرفت إلى وجهه ارتفع حكم التضعيف وذهب منها السرور على المعطي، أولاً بإدخال الإساءة عليه ثانيًا فصار كل واحد من العطاء والمن كأن لم يكن. وأما إيثار المحسن على غيره، فلأن النبي ﷺ قال لهم لما قال له: إني أصبت مالاً كثيرًا لم أصب مثله قط، وإني أريد أن أتصف به إلى الله ، فقال له النبي ﷺ : (أحبس الأصل وسبل الثمرة). ولأنه إذا أخذ من

стр. 888

كانت الرهبة صدقة والثمرة ما دامت ثم صدقة، وإذا ملك الأصل كانت هذه الصدقة ولم تكن الثمرة صدقة فكانت أعم الصدقتين أولى بالفضل والله أعلم. وأما التصدق في حال الصحة والقوة، فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصدقة أن تعطيها وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تؤخر، حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان ولفلان كذا أو قد صارت لفلان). وعنه ﷺ : (لأن يتصدق الرجل بدرهم في حياته خير له من مائة بعد موته). وأما تحري شهر رمضان من الشهور تحرى يوم الجمعة من الأيام الضرورة، فلما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (سيد الأيام يوم الجمعة، وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وإذا كان كذلك، كان البر فيه أفضل منه في غيره). وجاء عن رسول الله ﷺ : (أفضل الصدقة، صدقة في رمضان). وجاء عن كعب أنه قال: الصدقة الصدقة يوم الجمعة، أعظم من الصدقة في سائر الأيام، وعنه ﷺ : (إن الصدقة تضاعف في يوم الجمعة). وأما مناولة المحتاج فلما روى عن النبي ﷺ : أنه لم يكن كل خصلتين إلى أحد من أهله كان يناول المسكين بيده، ويضع طهوره من الليل ويخرجوه. وكانت جارية من اليمن قد ذهبت بصرة فجعل خيطًا في مصلاه إلى باب حجرته، ويضع عنده مكتلاً فيه تمر، فإذا سلم المسكين أخذ من ذلك المكتل وأخذ بالخيط حتى ينتهي إلى باب الحجرة يناول المسكين بيده، وكان أهله يقولون: نحن نكفيك فيقول: سمعت رسول الله ﷺ : (مناولة المسكين تقي ميتة السوء).

стр. 889

وأما التصدق بأحب الأموال فقد مضت الروايات فيه. وأما التصدق بأنفس الأموال فقد يدخل في الأحب لأن الأغلب هو الأحب. وجاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الزكاة أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها). فإذا كان هذا في العتق هكذا، فهو في كل صدقة مثله. وأما صدقة المقل فقد روى عن النبي ﷺ أنه سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد المقل قيل: أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهاجر لألاء ربك). وجاء أن رجلاً جاء إليه فقال: (يا رسول الله، كانت لي مائة أوقية فتصدقت منها بعشرة أواق، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة دنانير. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله كانت لي عشرة فتصدقت منها بدينار. فقال رسول الله ﷺ : (قد أحسن كلكم وأنتم في الأمر سواء، قد تصدق كل منكم بعشر ماله). وهذا والله أعلم نسبة أن تكون، لأنهم قد سمعوا النبي ﷺ يحث على الصدقة فقال: (كل واحد منهم في نفسه الصدقة بعشر ما عندي). ثم جاء وافترضوه على النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون معنى: هم في الآخرة سواء. أن المتصدق بدينار، واشق على صاحب العشرة من المتصدق بعشرة على صاحب المائة، لأنه يبقى له وراء الصدقة بتسعة دنانير، فذلك تسعون، فيكون ما يقصد صاحب العشرة من عشر نفسه بالدنانير التي أخرجها أشد مما يعطيه صاحب الماية، إلا أنه احتمل ذلك لوجه الله ما لحق الأجر بصاحب المائة، لكان ما يحمله وراء إزالة الملك من صور القلة احتسابًا عند الله تعالى. وقال عثمان بن عفان: لدرهم ينفقه أحدكم من جهد خير من عشرة ينفقها غيظًا من مضر، ويستحب للمتصدق أن يتصدق بزوجين قال رسول الله ﷺ (من أنفق زوجين في شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أي أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل

стр. 890

الصيام دعي من باب الصيام باب الريان). قال أبو بكر: ما على من يدعي من تلك الأبواب ضرورة، وهل يدعي منها كلها يا رسول، فقال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر. وأما معونة الغازي، فلما روى عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: (خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط أو طروقة فحل). فصل وإذا كانت الصدقة على السائل، فلسؤاله شروط وآداب. وللإعطاء مثلها. فمن شروط السؤال أن يكون عن حاجة، فإن لم يكن عن حاجة فهو منهي عنه ولا يستحق أن يعطي. قال النبي ﷺ : (من سأل الناس وله غني، كانت شيئًا في وجهه يوم القيامة). وعنه ﷺ قال: (المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء القي على وجهه، ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو ينزل به الأمر لا يجد منه بدًا). وعنه ﷺ أن رجلاً جاءه فقال: يا رسول الله أوصني وأوجز فقال: (عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه هو الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع، ترى أنك لن تصلي صلاة بعدها، وإياك وما يعتذر منه، فإن أنت غنيًا عطيته من غير مسألة ولا إسراف نفس فليفعله ولا يرده، فإنه رزق ساقه الله إليك). وفي بعض الروايات: (ساقه الله إليك). وأرسل النبي ﷺ إلى عمر قال: فرده. فلما جاءه قال: (ما حملك أن ترد ما أرسلت

стр. 891

به إليك؟ قلت: يا رسول الله، أليس قلت: أن خيرًا أن لا تأخذ من الناس شيئًا؟ قال: إنما ذلك أن تسأل الناس بسر ما جاءك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله) وفي بعض الروايات: (ساقه الله إليك، ومن قدر على أن يكتسب ما يكفيه فذلك أولى به من أن يسأل الناس). قال النبي ﷺ : (لئن يحتزم أحدكم حزمة من حطب يحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلاً يعطيه أو يمنعه. ولئن يأخذ ترابًا يجعله في فيه خير له من أن يجعل فيه من حرم الله تعالى). ومن آداب السؤال أن لا يقوم السائل في المساجد فيسأل. قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تسألوا الناس في مساجدهم فتبخسوهم، ولكن سلوهم في منازلهم، فمن أعطى أعطى، ومن منع منع، وعن الحسن يرفعه قال: ينادي مناد يوم القيامة ليقم بغيض الله، فيقوم سؤال المساجد. ومنها أن لا يسأل بالقرآن، وقد ذكرته فيما تقدم. وعنه قال: جاء عابد بن عمرو من المسجد الجامع حتى إذا بلغ أصحاب إذا رجل والناس مجتمعون عليه، فنظر فاذا رجل يقرأ ويسأل، فالتمس سوطًا فوجده. ثم أتى الناس فقال: أفرجوا، فعلا رأسه ضربًا حتى سبقه عدوًا، فقال: يا عباد الله، ما كنت أرى أني أبقى حتى أرى أحدًا يسأل كتاب الله شيئًا. ويجوز وجه الكراهية في هذا أنه ربما لم يعط، فيكون عوض كتاب الله أن لا يزد المتسول به، وفي ذلك بعض الغيظ من حرمة. أو يكون أنه إذا التمس بالقرآن مالاً كانت منزلته كمنزلة من يلتمس بالصلاة والصيام مالاً وذلك لا معنى له. ومنها أن لا يلح إذا سأل. قال الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس الحافًا﴾ وقال الحسن: إذا جد السؤال جد المنع، وعن عائشة ﵂ قال: أمرني رسول الله

стр. 892

صلى الله عليه وسلم إذا الحف السائل في المسألة أن لا أعطيه شيئًا، وأمرني إن لم يكن شيئًا أعطيه، اعرض عليه شربة ماء، فإن أباها، قلت: رزقنا الله وإياك. ونهاني أن أقول: بورك فيه، فإنه يأتينا البر والفاجر. وعن عطاء يرفعه، قال: (إذا ازددت السائل ثلاثًا فلم يذهب، فلا بأس أن تزيده) وكان الحسن رحمه يحبس السؤال يوم الجمعة عند الخطبة. وكان عكرمة لا يرى جهة. وسمع ابن مسروق رجلاً يقول: إن الزاهدين في الدنيا الراغبون في الآخرة، فقال: إني لأكره أن أعطي مثل هذا الرجل، أعطوني، تصدقوا علي. ومنها: أنه إذا أعطى شيئًا لم يسخطه. جاء عن النبي ﷺ : (إن سائلاً سأله فأعطاه، فوخس بها. فجاءه آخر فأعطاه ثمرة فأخذها وقال: ثمرة من رسول الله ﷺ . قال: اجلس. ثم أرسل رسولاً إلى أم سلمة: ابعثي لي بصرة الدراهم، فجيء بها فقال: أعطها إياه). قال انس حرر بها نحوًا من أربعين. ومنها: أنه إذا سأل لم يسأل بالله ﵎. قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطي به). وهذا الحديث يدل على أن السؤال بالله يختلف، فإذا كان المسؤول ممن يعلم السائل، أنه إذا سأله بالله اهتز لإعطائه واغتنمه جاز له أن يسأله. وإن كان ممن يلتوي ويضجر ولا يأمن أن يرد فحرام عليه أن يسأل بالله ، ويثيبه أن يكون ما جاء عن النبي ﷺ : (إن كنت لابد سائلاً فسل الصالحين) موضوعًا في هذا الموضع وكان سلمة إذا سئل بوجه الله انف وقال: إذا لم يعط بوحه الله فبماذا يعطي، وكان يقول في مسألة الحاف. ومعنى أنه كان يكره له السؤال بالله ضيفة أن يضطر به من ليس به العطاء، فيكون كأنه انتزعه وهو كاره. وقام رجل في مسجد فيه عويم بن ساعدة وكان بدويًا فقال: إني أسألكم بوجه الله

стр. 893

الكريم، فقال عويم بن ساعدة: كذبت. فبخل الله ليس بوحه الله الكريم سألتنا، ولكن سألتنا بوجهك الرفيق اللئيم، وكره عطاء أن يسأل بوجه الله شيء إلا ما كان من أمر الآخرة. ومنها أنه إذا سأل لم يسأل مقدارًا معلومًا من مال معلوم. قال رسول الله ﷺ : (لا يسأل أحد وقية ذهب أو عدلها إلا سأل الحافًا). فصل وأما المسؤول فينبغي له إذا سئل بالله وبوجه الله أن لا يمنع. وقال رسول الله ﷺ : (من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل الله فأعطوه ومن دعاكم بالله فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه به، فارعوا له برًا أن قد كافأتموه). وقال عبد الله بن عمر: ومن سئل بالله فأعطى فله سبعون أجرًا. وما يؤمن به المسؤول أن لا يرد السائل ولو لطلب فحرن، وقد مضى في هذا الباب. ومنه أن يعطيه طيب النفس منشرح الصدر، وينوي عند إعطائه سائلاً وعن سائل أن يتصدق عليه، أو أنه يعطيه لوجه الله تعالى، وأن يقال له: نعطيه شكرًا لنعمة الله أنعمها الله عليه، أو أنه يعطيه استدفاعًا عن الله، لئلا قد يطلبه الله أو يخشاه، ويفرق منه فكل ذلك جائز، وإن لم يحضر المسؤول شيئًا يعطيه فليدع السائل وليسأل الله تعالى أن يرزقه ويجبره. فإن كان السائل دعا بدعاء، وإن كان لم يدع له، فذلك أجزى أن يشرح صدره إذا صرف بغير شيء. وإن كان المسؤول غنيًا، وعنده قوم، فينبغي لهم أن يعينوا السائل بالشفاعة، فعسى أن يعطي إن لم يكن في نفسه الإعطاء، ويزيد إن كان في نفسه الإعطاء. قال أبو موسى: كنا عند النبي ﷺ فسأله سائل فقال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء.

стр. 894

وقال جابر ﵁: قام سائل إلى النبي ﷺ فسأله، فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله ما كنت تعرض عن السائل فقال: (ما أعرضت عنه أن لا يكون من شحاحتي، ولكن أردت أن يشفع له بعضكم فيؤجر، فإن الله في حاجة المسلم ما كان في حاجة أخيه، ومن سره أن يعلم منزلته عند الله فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإنه ينزل العبد حيث ينزل في نفسه). وإن حضر سائل مجلس عالم الناس على عطائه والإحسان إليه، فينبغي للعالم أن يفعل ذلك. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فحثه عليه فما بقي في المجلس رجل تصدق بأقل أو أكثر، فقال رسول الله ﷺ : (من استن خيرًا فاستن به كان له أجره كاملاً، ومن أجور من استن به ولا ينقص من أجورهم شيء). وسأل النبي ﷺ لجماعة مضر الذين جاؤوه محتاجين الثمار متقلدي السيوف، فأعطوا حتى تهلل وجهه، وذهب عنه ما كان يجده بهم. وسئل عبد الله بن مسعود عن رجل أخذ لمسكين من رجل آخر دراهم، فاستقبله مسكين آخر ليعطيه منه. قال: هي للذي أخذها له. وإذا سئل رجل فرد، فقد قلنا أن المسؤول يدعو له بالرزق. وروى في هذا الباب عن عائشة ﵂ إنها قالت: لا تقولوا للسائل: بورك فيك: فإنه يسأل المسلم والكافر والبر والفاجر، ولكن قولوا: يرزقنا وإياك. وقال عون بن عبد الله ﵁: كنا عند محمد بن كعب القرطبي ﵁ فتكلم ولحيته تزين بالدفوع، فكان مما أوصانا قال: يا أخواني لا تنسوا الفضل بينكم، إذا أتاكم سائل، فلم يكن عندكم شيء تعطونه فلا تدعوا أن تردوا عليه ردًا جميلاً. وإذا تصدق المسؤول على السائل وأيده حاجته تصدقه، وأولى جارًا أو غير جار معروفًا، فدعا له. فقد قيل أن المعطي يرد عليه مثلى دعائه، فيخلص له بره ومعروفه.

стр. 895

قال عطاء بن السائب خرج أبو عبد الرحمن من المسجد، غلامه يقوده، فلمسه، فإذا معه زاده. فقال: تصدق بهذا فإنك ترجع أهلك الآن، فأعطاه مسكينًا. فقال: بارك الله فيكم. وشغلت أنا بالقراءة. ثم أنه قال بحق الصوت. وقيل: فقلنا إنما هو مسكين. فقال: إن عائشة قسمت لحم بقرة، فلما رجع الرسول قالت: ما قالوا؟ قال: بارك الله فيكم، فقالت عائشة وفيهم. وقالت: إنما هي حسنة فيردون إلى مثلها، فأريد أن أكافئهم بما قالوا فتخلص لي هديتي. وقال عون بن عبد الله: إذا أعطيت المسكين، فقال: بارك الله فيك، فقل: أنت بارك الله فيك. فصل وإذا أخرج الرجل السائل الصدقة فوجده قد ذهب، فإن عمرو بن العاص ﵀ كان يأمر بعزل المعطي الآخر. وبه قال الحسن وإبراهيم وبكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين، وقال ابن عمر: إذا أرسلت إلى رجل بصدقة فردها عليك فهي من مالك وإذا لم تدركه فأمضها على سبيلها، قال إبراهيم: لا ترجع في شيء جعلته لله، وهذا استحباب، فإن رده إلى مكانه أو أكله فلا بأس، لأنه في ملكه لم يقتضه المتصدق. فصل ومما يدخل في باب شكر نعمة المال أن لا يكتم الغني ماله ويوهم أنه فقير، لئلا يسأل. قال الله : ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾. وقال رجل: رآني رسول الله ﷺ وأنا رث الثياب، فقال (ألك من مال؟ قلت: نعم، من كل المال: من الخيل والإبل والغنم قال: فليس عليك أثر نعمة الله).

стр. 896

ويلتحق بهذا أن المال إذا كان زرعًا أو كرمًا أو نخلاً، فلا ينبغي أن يحصد الزرع ليلاً، أو يجد الثمار ليلاً، فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك لما فيه من الرغبة عن المعروف، والاحتراز من أن يحضر المساكين فيأخذوا لقط الثمار. والسابل وما انتثر من الحبوب، أو يزدحموا فتجاوز عطيتهم العشر، وذلك مباين لأخلاق أهل الدين لأن الله بعث نبينا محمد ﷺ بمكارم الأخلاق، وهذا ليس منا. فأما إن كان لكتمان المال ولحق العشر فهو كفر، وقد قال الله : ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصر منها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون﴾. إلى آخر القصة. فأبان أنهم لما عزموا على حبس حقوق المساكين عوقبوا في الدنيا باحتياج المال. وأن العذاب الذي هو لهم الآخرة أكبر منه، فلا يحل لأحد أن يفعل ذلك، وإلا ضاق الذي أوجب الله تعالى لهم الحق، ولا فرق بين أن تقع منه هذه الجباية في هذه الصدقة، وبين أن تقع في سائر الصدقات وبالله التوفيق. * * *

стр. 897

الثالث والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في الصيام قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وقال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت). وعنه ﷺ (الصيام جنة حصينة من عذاب الله). وعنه ﷺ قال: (الصيام جنة من النار كجنة أحدكم للقتال). وعنه ﷺ قال: (الصيام جنة ما لم يجرفها). يعني والله أعلم ما لم يفسد الصائم صومه فيكون كالمحتمي إذا خرق حميه، وجاء عنه ﷺ (على كل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصيام). وعنه ﷺ قال: (إسباغ الوضوء شطر للإيمان، والحمد لله تملأ الميزان والتكبير والتسبيح تملأ السموات والأرض، والصلاة نور والزكاة برهان، والصيام ضياء، والقرآن حجة لك وعليك كل نفس تغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها). وعن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد فإذا النبي ﷺ فيه فقال: (صليت يا أبا ذر فقلت: لا، قال: فصليت ثم جئت. فقال: يا أبا ذر، تعوذ بالله من شيطان

стр. 898

الإنس والجن فقلت: يا رسول الله والإنس شياطين قال: نعم ثم قال: قل يا أبا ذر، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها كنز من كنوز الجنة. قلت: يا رسول الله ما أعظم ما أنزل الله عليك؟ قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. حتى فرغ من الآية. قلت يا رسول الله، ما الصلاة؟ قال: خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر. قلت: فما الصيام؟ قال: فرض مجزي فما الصدقة. قال: ضعف مضاعف عند الله مزيد. قلت فأيه أفضل؟ قال جهد المقل أو سر إلى فقير. قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان قبل؟ قال: آدم. قلت: ونبينا كان؟ قال: نعم. قلت: فكم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر) وعنه ﷺ : (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر تذهب وغر الصدر) وجاء عنه ﷺ : (سافروا تصحوا وصوموا تصحوا وأغزوا تغنموا). وقد أبان الله بقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ أن الصوم من أسباب التقوى الذي هو خير زاد المؤمن، من تزوده بين دنياه لآخرته. قال الله : ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. سماه الله. ويقول الله بالأسماء الخمسة التي ذكرتها: أحدها أنه جنة، والثاني أنه زكاة الجسد، والثالث أنه ضياء، والرابع أنه فرض مجزى والخامس أنه صبر. وهذه الأسماء الخمسة إبانة لمنزلة الصيام من العبادات. ثم إبان بقوله (صوموا تصحوا) أن فيه وقاء لعبادة منفعة أخرى، وهو أنه سبب لصحة البدن. فأما أخبار الله بأن فرض الصيام على المؤمنين ليتقوا، وهو نظير قوله في الصلاة ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. لأن الانتهاء عن الفحشاء والمنكر هو التقوى. وحقيقة التقوى فعل المأمورية والمندوب إليه. فاجتناب المعنى فيه والمكره المنزه عنه، لأن المراد من التقوى وقاية العبد نفسه النار، وهو إنما يقي نفسه النار بما ذكرت. فبان أنه التقوى والصلاة أحد شقيها كما وصفها به الكتاب، لأن من حب الله تعالى إليه الصلاة ووفقه لها، ودلل أعضاؤه وجوارحه بها، لم يكن منتهيًا عن الفحشاء

стр. 899

والمنكر، وكذلك الصيام من تبعها، لأن الممتليء من الطعام والشراب رأس البواعث على الفواحش والمناكير، ولذلك قالت العرب في أمثالها التي شهدت العلماء بأنها حكم، وتلقوها عنهم ودونوها وجلدوها دبرت به البطنة، أي يملأ ويتبع. فجملة ذلك على أن يغمض ويثبت بمثل هذا لمن حسنت حاله واستجمع أمره، فصار لذلك يشغل بطلب ما لا يعنيه، ويتعرض لما لا ينبغي له. ومثلها في العادات أن الجائع أو العطشان لا يجد في نفسه من باقي الشهوات ما يجده منه المملي من الطعام والشراب، ولكن كل شهوة هاجت وتحركت في نفس واحد. فإنما يهيج ويتحرك بعد سكون ثائرة الجوع والعطش، وحقيق أن يكون كذلك، فإن الحاجة إلى الطعام والشراب ضرورة لا قوم للأبدان إلا بهما، والحاجة إلى ما ورائهما من الشهوات زيادة ولا شك إذ ألهم بالزوائد إنما يحدث بعد تقضي الهم بالأصول والأركان. وإذا كان كذلك فقد حصل من الصيام والتقوى إذا كان يجاب إلى الصيام من الجوع والعطش ما يخمد به شهواته فينقطع به ولا يأتي في فضلها ما لا يرضاه الله تعالى. ولهذا قال النبي ﷺ : (عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء). فأمر بالنكاح ليكثر المؤمنون وعباد المسلمين، ثم أمر من لا يقدر عليه للفقر وسوء الحال أن يصوم. وأخبر أن صومه له وجاء. أي يقطع شهوته، فلا ينادي بها وفي ذلك صحة ما وصفت وبالله التوفيق. ولمعنى الآية وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لعلكم تتقون الكفران والتغافل، فصدوا النعمة عن شكرها. وذلك أن الناس كانوا مملئين طول الدهر ليلاً ونهاراً من الأكل والشرب، فنسوا الجوع والعطش، وغفلوا عن شدتها، ويحسب ذلك يحملون موقع نعمة الله عليهم بالطعام والشراب، ويغفلون عن شكرها. ففرض الله عليهم مدة من المدد ليستشعروا أن المتمكن من الأكل والشرب لا يقع بمجرده وجود الطعام، لكن يحتاج مع الموجود إلى إطلاق المولى وإباحته، فيكون ذلك أطرأ لإيمانهم، ثم يكفوا

стр. 900

عنهما لوجه فيكون ذلك عبادة، ثم يجدوا خلاء الكف توخانا إليهما ويصبروا، فيكون ذلك أذكارًا لقدر النعمة التي كانت عليهم طول الدهر بالإطلاق والإباحة، إذا أردت اليهم شكروها وأدوا حقها. ولاشك أن هذا من أبواب الفتوى، وهو نظير ما قيل في الأمراض والأسقام، إنما ممن يمتحن الله بها عباده ليصروا عليها في أزمانها فيأخذهم بها وينسهم، ويذكروا عندها النعمة التي كانت عليهم بالصحة والقوة من قبل، حتى ان عادت عليهم شكرها، ولم يغفلوا عن حقها. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لعلكم تتقون البخل وإهمال المحتاجين والتغافل عنهم، وذلك أن الجوع والعطش أمران حيل الناس عليهما، وأنهم أغنياء يهكففون وضعفاء محتاجون، فإذا استمر للواجدين الأكل والشرب سهوا أو غفلوا ولم يدنها بالجوع. وإذا لم يدركوه لم يذكروا أهله والمبتلين به، فقص عليهم الصوم مدة حتى إذا أحسنوا من تأخر الطعام عنهم، وفيه المعهود من الضحى وانتصاف النهار إلى الماء من الجهد يذكروا لذلك حال من يطوي يومًا بلياليه أو أكثر من ذلك لاظمأ ولا طاعمًا لشدة ضره وفقره وفاقته. فيصير ذلك قبسًا لعطفهم وإحسانهم إليهم، وشكرهم نعمة الله عندهم، وفضله له بهم. وقد جاء عن يوسف ﵇ أنه كان يجوع، فقيل له: أتجوع وخزائن الأرض بيدك يراد خزائن مصر فقال: إني أخاف أن أشبع فأنسى الجياع، وهكذا الناس كلهم إذا استمر بهم التمكن من الطعام والشراب، نسوا الجياع، فامتحنوا بالصوم مدة ليجوعوا، فيذكرهم جوعهم جوع غيرهم. فيرحموهم ويواسوهم، ولا يستبدوا بالنعم التي أتوها ويشركوا غيرهم فيها، فيما أعطوها. ولا شك أن المواساة والعطف والإحسان من التقوى، وليس بين هذه الأوجه مناف. فقد يجوز أن تكون جميعها مرادًا بالآية والله أعلم. فأما ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (إن لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصيام) فهو والله أعلم إخراج شيء من المال لوجه الله تعالى. وهذا والله أعلى رتب الصيام على الزكاة. فلما حد أركان الإسلام وذكره على أثرها، فإنه كان داخلاً في معناها. وإنما فرق بينهما أن الزكاة حق المال، والصيام حق البدن.

стр. 901

وقد يحتمل قول الله ﴿لعلكم تتقون﴾ على هذا المعنى، لعلكم تتقون أنفسكم النار، بأن ينقص من أجسادكم بعضها بالجوع والعطش، وترك اللذة لوجه الله تعالى. فيصير ما ينقصونه منها بهذه الأسباب عوضًا مما كانت النار تأخذها منكم لو وافيتم القيامة وأبدانكم بترك صحة الترف وجيوبكم من السرف والله أعلم. وإنما قوله ﷺ : (الصوم جنة). فقد يجوز أن يكون هذا معناه أيضًا. ويجوز أن يكون الصائم أدل المهجة في سبيل الله. لأن الله جعل قوام الأبدان بالطعام والشراب، فمن تركهما بأمره فقد استسلم للهلاك، إلا أن يعصمه الله منه، ومن يفعل ذلك فقد صار في جنة من العذاب، لأنه لا شيء أعز على أحد من نفسه، فإذا سمح بها، فقد جاء بأقصى ما يقدر عليه من يطلب مرضاة الله تعالى، فقضي حق العبودية من نفسه، وكان الله تعالى أكرم من أن يعذبه. وأما قوله ﷺ : (الصوم ضياء). فيحتمل أن يكون معناه أنه ضياء للقلب. لأن الشهوات إذا انفرقت به انجلى عن القلب الظلام الغاشي إياه، باستيلاء الشهوات على النفس، فأبصر الصائم مواقع النظر له من عبادة الله تعالى بأثوابها وابتدر إليها، ومواقع الضرر الذي يلحقه من معاصي الله تعالى، فاعتزلها وكف عنها. وأما قوله ﷺ (الصيام فرض مجزى). فيحتمل أن يكون معناه كالزكاة، لأن الزكاة إخراج شيء من المال على التراب الموعود. والصيام بعض شيء من الجسد على التراب الموعود، فكل آخذ منها فرض مجزى. وأما قوله (شهر الصبر). فيحتمل أن يكون بمعنى تسمية الصيام صبرًا، لأن الصبر في لسان العرب الحبس، والصيام يحبس نفسه عن أشياء جعل الله قوم بدنه بها. فكان مستحقًا لاسم الصبر، وقد قيل في قوله ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾. وقد يجوز أن يكون المراد جميع جهات الصبر والله أعلم.

стр. 902

وقد جاء وراء ما ذكرنا من تعظيم ذكر الصوم أخبار منها عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصوم نصف الصبر). وهذا والله أعلم -أن جميع العبادة فعل أشياء وكف عن أشياء، والصوم يقمع الشهوات، فييسر به الكف عن المحارم، وهو ينتظر الصبر، لأنه صبر عن الشهوات. ويبقى وراءه للصبر على الأشياء وهو يتكلف الأفعال المأمور بها، فلما كان الصبر أن يتحير عن الأشياء، وصبر على الأشياء والصوم يعين على أحدهما، فهو إذًا نصف الصبر والله أعلم. ومحمد ﷺ قال: (أن لكل شيء بابًا، وباب العبادة الصيام) وهذا -والله أعلم -معنى راجع إلى معنى ما تقدم. وعنه ﷺ : (الصائم لا ترد دعوته). وجاء عن بعض السلف في قوله : ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ قال الصوم روى أن عبد الله أتى بشراب فقال: أعطه لقمة، فقال: إني صائم، فقال: أعطه مشروبًا فقال: إني صائم، فقال أنهم ﴿يخافون يومًا تنقلب فيه القلوب والأبصار﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (كل حسنة يعملها ابن آدم تضاعف عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، فإن الله يقول: (الصوم لي وأن أجزي به. للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). وفي بعض الروايات: (وفرحة عند لقاء ربه). وفي بعضها: (فإنه لم يترك الطعام والشراب لأجلي). وفي بعضها (بترك شهوته لأجلي). وفي بعضها (كل عمل ابن آدم كفارة، والصوم لي وأنا أجزي). أي أن كل عمل يعمله ابن آدم من الطاعات فإنما هو ينو ولا ينقص من بيته شيئًا، فإني لم أفرض عليه عبادة تعرضه للنقصان، ولا يؤمن أن تكون سببًا لهلاكه، إلا الصوم. وذلك أن الله حيل الناس على أن تكون أبدانهم دائمة التحلل بالبخارات التي تخرج من المسام والعروق والتنفس، فهي

стр. 903

كذلك تحتاج في البقاء إلى أن يعوض منها الطعام والشراب، فإن حبسها عنها آذاها لتحلل إلى الضعف الذي لا تفارق مثله الجنابة، والصائم يحبسهما عن نفسه فهو إذا تأذى منه مدة طويلة وأيامًا متتابعة يعرض نفسه لضعف بهذا، أو يفرط عليه فيقتله. ولولا أن الصوم إذا اتصل خيف منه على الصائم، لم يرخص للمسافر والمريض في الفطر، فإذا رخص لهما فيه لأنه سبب لضعف البدن، المرض سبب له، والرفت سبب له. فلا يؤمن أن يكون من اجتماع شيء مكف عاجل. وليس هذا أيضًا مما يخفي، لأن صيام اليوم الواحد يضعف في العيان فإذا تواتر انهال وانحل، والنقصان بالصائم يتعجل. ثم قد يصير النهول والنحول إلى حد لا يرجع منه إلى الصلاح، ولا يزال يتزايد حتى يكون منه الهلاك فصار إلا يسأل في هذا بمنزلة هذه، وهو الأكل والشرب، فإن الواحد قد يأكل أكلة في غير وقتها فيبلط به فيموت، وقد يجد في مرض منه فلا يزال يثقل عليه حتى يهلكه، فصح أن الأمر على ما وصفنا، بدءًا من أن الصيام تعريض من الصائم نفسه للنقصان الذي قد يقف، وقد يؤدي إلى الهلاك، كالصائم إذًا بصيامه مؤثر الرجوع إلى الله تعالى، مستسلم لذلك منشرح الصدر له، وكان صومه له عز اسمه من هذا الوجه. فأما سائر الأعمال المفروضة على العبد فليس في شيء منها هذا المعنى، وإنما كلها أعمال تؤدي مع بقاء النفس وسلامتها، فصار ذلك فرقًا بينه وبينها. وأما قوله (وأنا أجزي به). فمعناه -والله أعلم -وأنا القائم بجزائه، والمالك له وليس ذلك مما أخبرتكم به من أن الحسنة بعشر أمثالها. فإن مثل النفقة في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. لكن جزاء الصوم يجل عن هذا كله وأنا أعلم به وإلي أمره. فإن ذكر ذاكر الجهاد في سبيل الله، فليعلم أن الجهاد غير مود إلى الهلاك الذي يؤدي حبس الطعام والشراب عن البدن، لأن الله أخبر أن الأمر بخلاف هذا، ونهانا أن نقول لمن يقتل في سبيل الله أنه ميت، ووصفه بأنه حي عنده يرزقه، وأنه فرح مستبشر، ثم يرحو أن يلحقه من إخوانه. ولم يخبرنا عمن كان الصوم سببًا لهلاكه بمثل هذه الحال. فعلمنا أنه كسائر الأموات الذي ينقطع عنهم رزق الدنيا، فلا

стр. 904

يصلون إلى رزق الآخرة -يعني يوم القيامة -وينقضي الحساب ويصارون إلى الجنة، فكانت المقارنة بالجهاد متناقضة من هذا الوجه. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: أن الصوم مؤد إلى الهلاك وهو منهي عنه إذ خيف الهلاك؟ قيل: هو منهي إذا كان يريد الصوم مجهودًا بمرض أو سفر أو كبر، فيكون الهلاك إذا حدث حادث من مجموع الجهتين: الصوم وغيره. وليس إذا كان التعرض للهلاك بمجرد الصيام قرينة، وجب أن يكون التعرض له بكل شيء مثله. فإن تعريض المال للنقصان بالصدقة قرينة، ولا يجب أن يكون تعريضه بكل شيء قرينة. فإن هذا الذي ورد به الكتاب من وضع الصوم عن المريض، والمسافر والشيخ الكبير يبين ما يجري في تقريره. لأن المريض والمسافر لما رخص لههما في الفطر أمر بالقضاء، ولو لم يكن تعريض البدن للهلاك أو النقصان بالصوم من جملة حقوق الله تعالى على عباده، لأسقط الصوم لا إلى قضاء، كما أسقط الركعتين من المسافر لا إلى قضاء، وأسقط عن المريض القيام لا إلى القضاء. ولما لم يسقط علمنا أنه وضع عنه الصوم وحده لئلا ينقصهما أو يتبعهما اجتماع الصوم وغيره، فلا يكون ما يحدث عليهما من ذلك من الهلاك عن الصوم وحده وهكذا الشيخ الكبير لما وضع عنه الصوم ألزمه الفدية. فكان المسكين للحياة بطعام يؤتيه مقام ما يتركه من تعريضه نفسه للهلاك بالصوم، لأنه لو صام وهلك لم يكن يهلكه الصوم بانفراده هو القاتل له. ولو لم يكن ذلك في معنى المستحق لسقط عنه الصوم بالفدية كالصلاة إذا عجز عنها، ولما كان الصوم إذا عجز عنه سقط إلى الفدية، علمًا أن ذلك إنما كان من الوجه الذي ثبت والله أعلم. وأما قوله ﷺ : (كل عمل ابن آدم كفارة، والصوم لي). فمعناه ما ذكرت أن جميع الطاعات كفارات، والصيام أيضًا كفارة، لكنه أخص لي لأنه تعرض للجوع كما مضى بيانه. وأما قوله ﷺ : (للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة).

стр. 905

فمعناه -والله أعلم -فرحة عند إفطاره لما يجب له من الثواب الذي لا يعلمه إلا الله في فرحة يوم القيامة بما يصل إليه منه. فإن ما وجب له من فضل الله لن يخلفه الله إياه. ويحتمل وجه آخر: وهو أن للصائم فرحتين: إحداهما عند الإفطار، وهو أن يصدق الله تعالى بنفسه عليه عند انسلاخ النهار. ولم يأذن له في وصل الليل بالنهار فيتعجل هلاكه، لكنه زال يعرض بالقيام للهلكة، فقد وعي الله تعالى منه بما دونها أو مثله ليزداد خيرًا وبرًا في أيام مهلته، فله بهذا البر الوارد عليه من الله تعالى فرحة، وما يرد عليه ويوم القيامة من الثواب فرحة. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن له فرحة عند إفطاره. وجاء في الحديث من أن للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة، وله يوم القيامة فرحة بالثواب والجزاء وأما ذكر الخلوف، فإنه أطيب عند الله من ريح المسك، فقد يجوز أن يكون معناه أنه ليس في حكم الله تعالى أذى كالخلوف الذي يحدث في غير الصوم، فيأمر بإزالته بالسواك، ولكنه في حكم الطيب الذي يستدام. فقد يدخل في هذا المعنى أن الله تعالى يأمر الصائم عليه لأنه في الطباع من باب الأذى الذي لو خلي المرء فيه واختاره، لكان بر عليه، وإذا صبر عليه ولم يزله أماته الله تعالى به والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس في الصوم رياء) وليس معنى هذا أن المراءاة الصوم لا تمكن، لأن من صام ليقال: قد صام، ثم أخبر الناس بصيامه، فقد رأى به. وإنما معناه أن الصلاة قد لا تكون رياء. ولكن المصلي يرائي بالتخشع فيها وتطويلها وتحسينها. والصدقة قد لا تكون رياء، ولكن المتصدق يرائي بكثرتها وتحسنها ومناولتها السائل بيده ونحو ذلك. والحج قد لا يكون رياء، ولكن الحاج يرائي الإحرام قبل الميقات، والأول أشهر الحج، وإطالة الدعاء وإدمان الوقوف والاستكثار من الطواف بالبيت ونحوه. والجهاد قد لا يكون رياء. ولكن المجاهد يرائي بفضل حذر ظهره في القتال فوق ما يفعله غيره. وأما الصوم كان كله كف وإمساك معقود بالسنة، فإذا سلم أصله من المراءاة سلم عن أن يكون فيه وما بعد ذلك والله أعلم.

стр. 906

ومما ميز عظيم قدر الصوم أن جفنه الصوم التعرض لإتلاف النفس وإثارة الجنس أعيى النفس أن تقوم بالطعام والشراب، والحبس يبقى بالسائل وإذا وقع امتناع الأكل والشرب والمباشرة فقد وقع القصد إلى إتلاف النفس وإثارة الجنس، فلم يكن في العبادات أشد إداء لحق العبودية منه، واستوجب بذلك أن يكون من أركان الإسلام. فإن قيل صيام يوم الأحد ليس منه واحد من هذين المعنيين، قيل: الصيام معناه ما ذكرت والصائم يدخل في الصوم معتقدًا أنه كان عنده ما عنده، والله تعالى عليه، فإن كان الليل إذا حضر تصدق الله عليه بإباحة ما كان حظره عليه، فلذلك لا يخرجه من أن يكون فداء، وقد وفي من نفسه الطاقة بتسليم النفس والحبس، فطاب نفسًا عنهما كمن أحضر ما لا يؤتيه مستحقه ليتصدق به عليه، ولا يخرج بذلك من أن يكون منتهيًا إلى ما كان عليه من حقه والله أعلم. فصل ثم أن الصوم الذي ذكرت بمنزلة من العبادات إذا فرض الله في السنة شهرًا واحدًا وهو شهر رمضان. فأما تقريره شهرًا، فلأن الصوم فيما دونه لا يبين كثيرًا في قمع الشهوات، وتقرير موقع النعمة بالطعام والشراب وفيما فوقه يتدرج ويسبق ويخرج الشهر عدل بين ذلك، لأنه ليس من المدة التي لا يجعل غرض الصوم فيها لغيره، ولا من المدد التي تجمع إلى تحصيل غرض الصوم فيها الإخراج والتسبق، فقصر الغرض على شهر لهذا المعنى إن شاء الله. ثم جعل ذلك الشهر شهر رمضان، لأنه هو الذي أنزل فيه القرآن، الجامع للأمر والنهي والوعد والوعيد، فكان أولى بأن يكون تعظيم النفس ورياضتها فيه ليكون إلى العمل بما جاء به القرآن أساسًا. وعليه أحرص، قال الله : ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أيامًا معدودات﴾. ثم أبان أنها

стр. 907

شهر رمضان، ثم أشار إلى معناه، فقال: ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾. ومعنى أنزل القرآن فيه: بأنه ينزل في كل ليلة قدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ما ينزل إلى مثلها من الغمام. ثم كان جبريل ﵇ ينزله تخوفًا إلى النبي ﷺ طول السنة، فأنزل القرآن كله من اللوح إلى بيت العزة في عشرين ليلة من عشرين سنة، بهذا جاءت الرواية والله أعلم. وشهر الصوم له أسماء: احدها شهر رمضان. وقد جرت العادة بأن لا يقال رمضان كما يقال رجب وشعبان، وإنما يقال: "شهر رمضان" والآخر: شهر الصبر، والثالث حطة، والرابع: سيد الشهور. وأما قولهم، شهر رمضان، فلأن الله ، هكذا ذكر في كتابه. وأغلب ما جاء عن النبي ﷺ من ذكره فعلى هذه الصفة. ويقال: أن من السلف من كان يكره أن يقال: جاء رمضان، وذهب رمضان، ويقول: لا يدري، لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى، تأويل هذا القول يلزمه أن يقول في رجب وشعبان وشوال وصفر مثل قوله في رمضان وإلا فهو متناقض واشتقاق الاسم يدل على أنه لا يجوز بأن يكون من أسماء الله تعالى، لأنه من الرمض، وهو القلق من شدة الحر. وقد روى عن النبي ﷺ ذكر رمضان، وعن أصحابه لذلك مجردًا عن ذكر الشهر، لكن الأغلب أنهم لم يذكروه إلا مفردًا باسم الشهر تحريًا لموافقة الكتاب، وهو قول الله ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. وليس معنى قول الله "شهر رمضان" أن في ذكره رمضان بلا شهر، معنى من معاني القبح، وإنما هو أن الله ذكر أنه كتب علينا الصيام أيامًا معدودات، وما دون الشهر يلحقه هذا الاسم. فلما أراد أن يبين أنه شهر كامل فعرفنا أي شهر هو، قال: "شهر رمضان" ليعلم تلك الأيام المعدودات ليست بمطلقة، ولكنها من شهر مخصوص. وأن ذلك الشهر مستوفي الإقتصار على بعضه غير جائز. وليس هذا ما يمنع من أن يقال: رمضان من غير أن يذكر الشهر معًا، والله أعلم.

стр. 908

وأما تسميته شهر الصبر، فقد روينا فيما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر تذهب وغر الصدر). ويثبت معنى هذا الحديث ما فيه الكفاية. وأما تسميته حطة، فقد روى أن أبا هريرة ﵁ سأل كعبًا ﵁ كيف تجدون رمضان عندكم؟ نجد في كتاب الله حظة تحطيه الخطايا. فقد يجوز أن يكون كعب أراد بهذا: أنه وجد في التوراة مما جرى فيها من ذكر النبي ﷺ وأمته أنه يفرض عليهم صيام شهر يدعي رمضان، ويجعل ذلك كحطة لهم. ويجوز أن يكون أراد به، وجد أيام الصوم في كتابهم شيء خطه، فلما كانت أيام صوم المسلمين شهر رمضان أي أنه مستحق لهذا الاسم. وأما تسمية سيد الشهور، فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: (سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة) ويحتمل تسمية هذا الشهر سيد الشهور وجهين: أحدهما أنه شهر القرآن الذي هو جامع الشريعة، لأن فيه اتزان. والآخر: أن ليلة القدر إحدى لياليها وهي كما قال الله ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. واستحق من هذين الوجهين أن يدعى سيد الشهور. وأعظمها حرمة ذو الحجة لأنه من أشهر الحرام، وليس رمضان منها. فصل وجاء عن النبي ﷺ في تعظيم قدر هذا الشهر أخبار: منها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب. وصفدت الشياطين، ونادي منادي باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله في ليلة عتقاء من النار). فأما انفتاح أبواب الجنة، وتغليق أبواب النار،

стр. 909

فقد يجوز أن يكون على ظاهره. ويجوز أن يكون مثلاً. فإن أجرى على ظاهره، وجهه: أن أبواب الجنة تفتح فيقال لأصحابه من قبل الله تعالى الجنة. ولا مدخل للمؤمنين غيرها فلا تكتلوا ولا تقتروا فإنكم تصلون إلى الجنة في هذا الشهر اليسير من العمل الذي لا يصلون لمثله إليها في غيرها. وينحنون من النار ما لا ينحنون فيما سواه، فإنكم إن أخلدتم إلى تقصير في العبادة وجريتم في المعاصي على عادتكم، كنتم الممتنعين من دخول الجنة بعدما فتحت لكم. والمعرضين لفتح باب النار بعدما غلقا دونكم. فإن قيل: أن ذلك مثل، وجهه: أن الله وعدني هذا الشهر تضعيف الحسنات، وجعل فيه ليلة خير من ألف شهر، فصارت الجنان كأن أبوابها فتحت، ونعيمها أتيحت. وصارت النيران كأن أبوابها غلقت وشدائدها أبطلت. لأن الحسنات إذا ضعفت في عامة الشهر، ثم كانت ليلة القدر كألف شهر. فالغالب أن أحدًا من المؤمنين لا يبلغ ساقه من الكثرة أن لا يعم بها هذه الحسنات المضاعفة حتى تصير كأنها لم تكن. وإذا اتفق ذلك، فلا مؤمن إلا وقد استوجب الجنة وحرم على النار. فصارت الجنات كأنها أتيحت للمؤمنين في هذا الشهر والنيران كأنها رفعت عنهم. فإن قصر مقصر فجرى في هذا الشهر على عادته في التثاقل عن الطاعات والدوام على المعاصي والسيئات، فإنما أوتي من قبل نفسه، وهو الذي أراده الرسول لقوله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم. وأما تصفيد الشياطين، فقد يجوز أن يكون أراد بذلك آياته خاصة، ويكون وجهه أن القرآن كان ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة، قدر ما يكفي لتلك السنة إلى مثلها من العام القابل. فكانت الشياطين تصفد في رأس الشهر لئلا يتمكنوا من السرقي في أسباب السماء لاستراق السمع، مبالغة في حراسة القرآن يشهد، أو شيئًا منه، أو يعلم ما يراد تنزيله منه، أو مقداره، قبل أن يبلغ النبي ﷺ ذلك غيره. وإن كانت الحراسة قد رفعت الشهر والحراس، فيكون ذلك نظير قوم يحنثون في موضع، ويوكل بهم جماعة تحرسهم تنفق وقت يراد به المبالغة في حفظهم، فيراد ما كان أمنه أن يقيدوا. فكذلك هذا والله أعلم.

стр. 910

وعلى هذا كان تصفيد الشياطين في شهر رمضان مقصورًا على زمان النبي ﷺ خاصة. ويدل عليه أنه قال في بعض ألفاظ هذا الحديث سلسلت مردة الشياطين، فخص المردة بالذكر. وقال الله تعالى في قصة لمسترقة ﴿وحفظًا من كل شيطان مارد﴾. فالأغلب إلا شبه والله أعلم، أن يكون التصفيد لمسترقة السمع الذين لهم فضل قوة، وفيهم فرط خبث، فلاجتماع الأمرين لهم يعدون صعود السماء للسماء، للوقوف على ما فيها، فيصفدون في هذا الشهر لئلا يقدروا على الرقي، فيكون ذلك أحسم لشرهم وأبلغ في حراسة الوحي من أن يحلها الصعود، حتى إذا حصلوا في مقاعدهم أو أحفظ منهم حفظه رمي ببعض الشهب والله أعلم. وقد قيل: أن تصفيد الشياطين مثل لتطهير أنفس الصيام من البواعث على المعاصي في هذا الشهر واشرابها حب الطاعات، والحرص على العبادات، وذلك لما ينقمع من شهواتهم، ويقبلون عليه من قراءة القرآن، والاجتماع مع العلماء وأشراعهم إلى الذكر، فإنهم إذا حسموا أطماعهم في هذا الشهر من الملاذ التي هي محللة في غيره، أو محللة في أمثاله كانوا لها عن الملاذ التي هي محرمة في الشهور غيره أشد حسمًا. وإذا وطنوا أنفسهم على قراءة القرآن ومجالسة العلماء لم يجمعوا إليها ما لا يليق بهما، ولم يقبلوا عليهما إلا ليكون عملهم بحسب ما يتلون في القرآن ويسمعونه من أهل العلم. وإذا قاموا النوم، واحتاجوا إلى صيام الغد ويبيت النية له من الليل، وعلموا أنهم مندوبون إلى قيام الليل، ورأى بعضهم بعضًا وهم يصلون في المساجد وفي البيوت، كان المنهمكون في الفساد قبل الشهر بين حالين: أما أن تقيدوا بالصالحين فيصلوا كما يصلون. وأما أن يرتدعوا في الشهر عما كانوا يأتونه في غير الشهر، وما منعه الله تعالى من محق السرور، وأسباب الفساد فيه يتصفيد الشياطين، لأنهم هم الذين يغرون الناس بالمعاصي ويوسوسون إليهم بها. فإذا ضعفت آثارهم وذهبت مكائدهم في هذا الشهر، صاروا كأنهم صفدوا، فصاروا لا يصلون إلى اختلاط بالإنس، وحملهم ما كانوا يحملونهم عليه من قبل والله أعلم.

стр. 911

ومن قال هذا، قال: ليس بأكثر مما جاء في القرآن من قوله الكفار: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سدًا، ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾. ومن قوله : ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾. ومن قوله : ﴿صم بكم عمي﴾. فإذا جاز أن يكون الله قد شبه الكفار، وأعراضهم عما يسمعونه ويرونه من آيات الله وبيناته ونزولهم منزلة من لا يسمع دعاء، ولا يرى آية ولا يعقل حجة مقبولة المعلول، الممنوع بعله، يراود عنه مما يمتنع العل عن مثله. فكذلك يجوز أن يكون تصفيد الشياطين عبادة من قلة تمكنهم في هذا الشهر من هذا الناس عن الطاعات وإغوائهم بالمعاصي والسيئات والله أعلم. وقيل: إن ذلك حقيقة وليس بمثل، والمعنى أنه حال بينهم وبين السلطان الذي لهم على نفوسهم اليأس في هذا الشهر بأصفاد تليق بهم، فلا يتهيأ لهم معه الخلوص إلى النفوس، وإحضار الفساد للقلوب، وإن اجتماع المسلمين على الصلاة والصيام في الشهر مع تكاسل بعضهم على الصلوات المكتوبات في غيره، والسماحة بالصدقات مع التحل بالزكاوات فيما سواه. والإقبال على القرآن مع التغافل عنه في أكثر الأوقات، والميل إلى مجالسة أهل العلم ومساءلتهم هذا الإعراض عنه، وترك الإشتغال به من قبل، وتركهم شرب الخمور مع الحرص عليها طول السنة، ليس الإنقطاع مكائد الشيطان عنهم، ولا ذلك لم يكونوا في هذا الشهر إلا كما يتكاسلوا عن الصلوات في أوقاتها. فإن صيام يوم من أوله إلى آخره أشق من ركعتين أو أربع ركعات، فلما كان ذلك لا يقع منهم، علمنا أن الشياطين قد سمعوا عنهم، فمن ذلك ينتشروا للطاعة والعبادة والله أعلم. فإن قيل: ليسوا مع ما وصفتم لا يخلون من وجوه من المناكير، والعظائم منهم، نحو قطع الطريق، وقتل النفوس والرق، فهلا علمتم بذلك أن الشياطين غير ممنوعين عنهم إن كانت هذه المعاصي لا تقع من الناس إلا باعوا الشياطين.

стр. 912

فالجواب: أن الشياطين وإن صفدوا في هذا الشهر، فإن الإناء التي علقت بنفوس الصائمين من تسويل شر لهم، وتحبيب باطل إليهم لا يخلع عنها بتصفيدهم، ولا يفارقها بل يلزمها فيكون بحالها وجود ما ذكرتم لها ومن قبلها. فأما حدوث مادة جديدة لشر مستأنف لم يكن خطر بالقلب قبل الشهر ولا تتهيب النفس عليه. فهذا لا يكون في الشهر. فإن قيل: وماذا يعني تصفيدهم في الشهر إذا كانوا قد قدموا من الإناء ذي الفتحة، ما لزمت نفوس الآدميين، فصاروا يعملون بها في الشهر مثل ما يعلمون بها في غيره. قيل: أن تلك الآثار تزداد بانقطاع المواد عنها ضعفًا ورضاء، ولولا ذلك لكان الناس كلهم في الشهر، كما يكون قبله أو بعده. وليس كذلك بل تباين أحوالهم في غيره مباينة شديدة. ثم المكائد المبتدأة لا تقع أصلا، فلا يحل التصفيد من أن يقع ويفيد وبالله التوفيق. وأما قوله: (وينادي مناد يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر)، فقد يجوز أن يكون مثلا لترغيب الله تعالى الموصل في زوائد الخيرات والحسنات في هذا الشهر حتى يجازوا كأنهم ينادون كل ليلة، فيقال لهم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. وقد يجوز أن يكون حقيقة لا مثلا، وأن يكون ملك ينادي بذلك ليزداد العباد حسدًا في الخير، وبعدًا من الشر. فإن قيل: ما معنى هذا النداء وهم لا يسمعونه؟ قيل: ليس كذلك، لأن الصادق قد أبلغهم إياه وأخبرهم، فصاروا سامعين له، وليس كل نداء يسمع من المنادي. ولكن من سمعه من صادق فبلغه عنه، فكأنما سمعه منه، فكذلك هذا والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ : (تعظيم قدر هذا الشهر فلم يغفر) فقال انس: (رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده، فلم يغفر له، فقال: آمين. رغم انف امريء

стр. 913

ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقال: آمين). ومعنى هذا -والله أعلم -رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده وأدرك هذا الشهر، وذكرت عنده فلا هو صلى عليك فعرف حقك، ولا عمل في هذا الشهر ما يتوصل به إلى المغفرة، فعرف حقه. ولا بر والديه. أو الذي أدرك مثلهما فعرف حقه، فإن الأمر إن لم يكن على هذا وجب أن يكون من ترك الثالثة وعمل بالآخرين غير مغفور له. وهذا غير جائز، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين، فقال: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾. فصح أن معنى الحديث ما ذكرت. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا سلم رمضان سلمت السنة كلها). ومعي هذا ما جاء في حديثه من قوله: (الشهر إلى الشهر كفارة لما بينهما). أي أن شهر رمضان إذا سلم كان كفارة لما بعده إلى الشهر القابل، فتصير السنة سالمة بسلامة الشهر والله أعلم. ومن عظم قدر هذا الشهر اختصاصه بليلة القدر، قال الله : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. وقال: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. فظهر بذلك أن ليلة القدر في شهر رمضان. معنى ليلة القدر التي نقل الله تعالى لملائكته جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم محياهم ومماتهم إلى ليلة القدر من السنة القابلة، وكان يدخل في هذه أيام حياة النبي ﷺ أن يقدر منها ما هو منزله من القرآن إلى مثلها من العالم القابل، وإنما قيل ليلة القدر، لم يقل ليلة الكذب، وأن المعروف من قرينة القضاء وتحديده ليكون ما يلقى إلى الملائكة في السنة مقدار بمقدار يحضره عليهم. وما قال على هذا المعنى فهو كالقدر - بتسكين الدال - يقال: قدرته أقدره قدرًا، كما يقال: حذرته أحذره حذرًا. ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. من هذا. لأنه مجاوزًا لمعنى ما عظموه حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته. وقال الله في

стр. 914

وصف هذه الليلة: ﴿إنا أنزلنا في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. فأخبر أنها مباركة. أي مبارك فيها لأولياء الله ، فإنها جعلت خير من ألف شهر أي إذا أحبوها وقدروها حق قدرها، فظلوا بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، ولم يلهوا منها، ولم يلغوا، كانوا كأنهم فعلوا ذلك شهرًا وأكثر: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. أي كل أمر مبني على السداد. والحكيم بمعنى يتحكم. وقد جاءت في هذه الليلة أخبار مجمعة، المعنى فيها: أنها أوتار العشر الأواخر. وروت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان). ثم فيها وجهان: أحدهما: ما روي عن أبي قلابة ﵁ من أنها تحول في ليالي العشر، أي تكون سنة إحدى ليلة غيرها. والآخر: أنها إحدى الأوتار بعينها كلها، فإن كانت ذلك، فينبغي أن تكون ليلة خمس وعشرين، إن كان ما روى أن القرآن أنزل لأربع وعشرين من رمضان صحيحًا. فإن وهبًا ذكر أن صحف إبراهيم أنزلت أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة بعد ذلك لسبعمائة عام لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. وأنزل الفرقان بعد ذلك بستمائة وعشرين عامًا لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان. وإن لم يثبت هذا فهي ليلة مشكلة. وسأل أبو ذر عنها رسول الله ﷺ ، وأقسم عليه ليخبرنه بها حتى أعطيه، وقال: (لو أذن الله تعالى أن أخبركم بها لأخبرتكم، إلا أمر أن يكون أحد التسعين). يعني في العشر الأواخر لسبع خلون منها، أو لسبع بقين منها، وهو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين. ودلت الأخبار على أن النبي ﷺ كان يعلم هذه الليلة وقتًا، غير أنه لم يكن ما دون في الأخبار يردها ثم أنسيها. فأما أنه لم يؤذن له في الأخبار بها، فلئلا يتكلون على عملهم بها، صحبوها دون سائر الأوتار، بل يخفوا الأوتار كلها فعصوها في

стр. 915

جملها. وكان عبد الله يؤيد الناس على هذا، فيقول: من يقم الحول يصبها. فقال أبي بن كعب، والله لقد علم ابن عبد الرحمن أنها في رمضان، لكنه أراد أن يعمي على الناس لئلا يتكلون. وأما أنه انسبها قليلا يسأل عن شيء من أمر الدنيا فلا يخبرنه، أو لأنه كان محيولاً على أكرم الأخلاق وأحسنها، وعلم الله تعالى من قلبه الرأفة نبأ منه، وأنه ليس عليه أن يسأل شيئًا مما عنده، فيبخل به، فأنساه علم بهذه الليلة حتى إذا سئل عنها لم يخبر بها، لم يكن كأنما علم عنده. وذكر النبي ﷺ أنه رأى هذه الليلة ثم أنسيها. ورأى أنه يسجد في صبحتها في ماء وطين. فقال أبو سعيد الخدري ﵁: كان ذلك ليلة ثلاث وعشريين، قال عبد الله بن أنيس: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ يعني من صبحتها -فانصرف، وإني أرى الماء والطين على أنفه وجبهته، ثم جاء مع هذا عن النبي ﷺ قال: (ليلة القدر ليلة أربع وعشرين). وروى ابن عباس ﵁ أن رجلا قال: يا نبي الله، أتي رجل شيخ كبير، يشق علي القيام، فمرني بليلة، لعل الله تعالى يرقبني فيها ليلة القدر، فقال: (عليك بالسابعة) بهذا يدل على أنها ليلة سبع وعشرين. ولابد من تأويل هذه الأخبار بعد أن قال النبي ﷺ : (رأيت هذه الليلة ثم أنستها). فنقول -وبالله التوفيق -: وقد يجوز أن يكون أبو سعيد تنبأ له عن ليلة القدر وقد مضت من تلك السنة. فقال: هي ليه ثلاث وعشرين، أي كذلك لا شك، ثم لا يدري أن تكون في القابلة فيها أو في غيرها. وكذلك قوله لثلاث: فأما قوله للسائل (بالسابعة). فيحتمل أنه كان الأغلب على ظنه في تلك السنة أنه ليلة سبع وعشرين. فلذلك أمره بها. والرجل لم يسأله عنها قطعًا، وإنما سأله عن ليلة لعلمه يوافق فيها ليلة القدر. وحاصل هذه الليلة يمكن أن
следующие страницы →