وهل هي تاء المضارعة أو فاء الكلمة (١)، فيه خلاف، وكذلك الثلاث قبلها وهي "تحاسدوا" و "تناجشوا" و"تباغضوا".
البحث الخامس: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" وذلك لأن فيه تفريقا للقلوب، وتنفيرا لبعضها من بعض، إذ يفسد أحدهما على الآخر مصلحته.
وقد جاء في هذا أو نحوه "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (٢) فإن باع مسلم على بيع مسلم حرم فعله، وفي صحة البيع خلاف، ووجهه ما سبق من أن النهي لمعنى خارج عن المنهي عنه هل يقتضي الفساد أم لا؟.
أما بيع المسلم على الذمي فيحتمل جوازه لنقص حرمته، ولأن القصد من ذلك بين المسلمين أن لا يتنافروا والذمي نافر عن (أ) المسلم لا تؤلفه محاباته في بيع ولا غيره، ويحتمل تحريمه لأنه في ذمة الإسلام، فله ما للمسلم إلا ما خصه الدليل.
أما بيع الذمي على المسلم فلا يجوز له ولا يبعد أن يؤدب عليه لأنه افتيات على المسلمين واستخفاف بحقهم.
فإن قلت: المتبايعان لهما ثلاثة أحوال (ب): قبل المساومة، وبعد المعاقدة،
стр. 352
وفيما بين ذلك، فما محل النهي المذكور عن البيع على البيع؟.
قلنا (أ): هو بين المساومة والمعاقدة حين يسكن أحدهما إلى الآخر، أما قبل التساوم وبعد المعاقدة فلا وجه للمنع.
والبيع على البيع هو أن يشتري سلعة بخمسة مثلًا فيقول له قائل: أنا أبيعك خيرا منها بخمسة، أو مثلها بأربعة، وضرره على البائع.
والشراء على الشراء هو أن يشتري سلعة بخمسة فيقول قائل للبائع: أنا أشتريها منك بستة، وضرره على المشتري.
والبيع على البيع، والشراء على الشراء، والسوم على السوم، والخِطبة على الخِطبة كل ذلك منهي عنه، وكذلك كل ما في معناه مما يفرق (ب) القلوب، ويورث التباغض إلا أن يرضى من له الحق فيجوز، مثل أن يأذن له في شراء ما ساوم عليه، أو في خِطبة من كان خطبها لأن الحق له وقد تركه وزال محذور التنافر.
البحث السادس: "وكونوا عباد الله إخوانا" هذا شبيه بالتعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضكم على بعض كنتم إخوانا، وإن (جـ) لم تتركوا ذلك كنتم (د) أعداء.
والإخوان الإخوة من غير النسب، والإخوة من النسب.
стр. 353
وقوله: "وكونوا إخوانا" أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا فيما سبق ذكره وغيره من فعل المؤلفات وترك المنفرات.
وقوله: "عباد الله" أي: عبادًا لله، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله فحقكم أن تطمعوه بأن تكونوا إخوانا.
فإن قيل: ما وجه طاعة الله في كونهم إخوانا؟.
قلنا: التعاضد على إقامة دينه وإظهار شعائره (أ)، إذ بدون ائتلاف القلوب لا يتم ذلك.
ألا ترى إلى قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الأنفال: ٦٤] الآية.
البحث السابع: "المسلم أخو المسلم" اعلم أن الأخوة تارة تكون نَسَبِيّة بأن يجمع الشخصين ولادةٌ من صلب أو رحم أو منهما، وتارة تكون دينية بأن مجمعهما دين واحد أو رأي واحد.
وفي التنزيل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: ١١] وفي السنة "المسلم أخو المسلم" والأخوة الدينية أعظم من النسبيّة، بدليل أن الأخوين من النسب إذا افترقا في الدين لم يتوارثا، والأجنبيان إذا اتفقا في الدين توارثا، إما بإسلام أحدهما على يدي (ب) الآخر كما كان أولًا ثم نسخ، أو بعموم الدين عند فقد القرابة كما وَرَّثَ الشافعي بيت مال المسلمين لاجتماعهم في
стр. 354
الإسلام أو لغير ذلك.
قوله: "لا يظلمه" أي: لا يدخل عليه ضررا بغير إذن شرعي، لأن ذلك حرام ينافي أخوة الإسلام، بل الظلم حرام حتى للكافر فالمسلم أولى، فالظلم يكون في النفس والدين والمال والعرض ونحو ذلك، وكله حرام منهي عنه بدليل آخر الحديث.
قوله: "ولا يخذله" أي: لا يترك نصرته الجائزة مع القدرة عند الحاجة لأن من حقوق أخوة الإسلام التناصر لقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة: ٤] وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال: ٧٣] وقوله ﵊: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" (١) وسواء كان الخذلان دنيويًّا مثل أن ترى عَدُوًّا يريد أن يبطش به فلا تعينه عليه، أو دينيًّا بأن ترى الشيطان مستوليا عليه في بعض الأعمال أو الأحوال يريد أن يستفزه ويهلكه في دينه فلا تعينه على الخلاص من حبالته بوعظ أو نحوه وكلا النوعين من الخذلان حرام.
قوله: "ولا يكذبه" أي: يخبره بأمر على خلاف ما هو عليه لأنه غش وخيانة، والكذب أشد الأشياء ضررا، والصدق أشدها نفعا، ولهذا كانت رتبة الصدق فوق رتبة الإيمان لأنه إيمان وزيادة، ولهذا قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٠] فأمر المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين ولأن الصدق مرادف التقوى بدليل قوله
стр. 355
عزَّ وجلَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨].
ثم التقوى أخص من الإيمان فكذا الصدق الذي هو رديفها أو كرديفها واستفيد هذا من قوله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨] الآية.
ويروى أن أعرابيا بايع النبي ﷺ على أن يترك خصلة من خصال وهي الزنا والسرقة والكذب ونحوها، فقال النبي ﷺ : "دع لي منهن الكذب" فذهب الأعرابي فجعل إن همَّ بزنا أو سرقة أو غيرهما قال: كيف أصنع إن فعلت، ثم سأل النبي ﷺ هل زنيت؟ فإن قلت: نعم، حدَّني، وإن قلت: لا، كذبت، وقد عاهدني على ترك (أ) الكذب، فترك الفواحش كلها لترك الكذب (١).
وبالجملة فموضع الكذب من القبح مقابل الصدق من الحسن.
قوله: "ولا يحقره" أي: يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ ولأن الله لم يحقره حين خلقه ورزقه وخاطبه وكلفه فاحتقار المخلوق مثله له تجاوز لحد الربوبية في الكبرياء، وهو حرب عظيم، وهذا وجه قوله ﵊: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" أي: يكفيه من الشر في أخلاقه ومعاشه ومعاده.
ومعنى هذه الجملة أن من حق الإسلام وإخوته أن لا يظلم المسلم أخاه
стр. 356
ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره.
وللإسلام حقوق أخر قد ذكرت في غير هذا الحديث، وقد جمعت في قوله ﵊: " ... حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ومفهوم قوله: "لا يحقر المسلم" أن الكافر يجوز احتقاره إذ لا حرمة له لعصيانه الله ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [سورة الحج: ١٩].
قوله: "التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات" يعني أن محل التقوى القلب الذي هو في الصدر، وتحقيق هذا أن مادة التقوى في القلب؛ لأن حقيقة التقوى اجتناب عذاب الله بفعل المأمور واجتناب المحظور، ومادة ذلك -وهو الخوف الحامل على ذلك الاجتناب- في القلب، هذا تحقيقه فتأمله.
البحث الثامن: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" أقول: كل المسلم مبتدأ وحرام خبره، ودمه وما بعده بدل منه، وجعل هذه الثلاثةَ كُلَّ المسلم وحقيقَتَهُ لشدة اضطراره إليها. أما الدم فلأن به حياته، والمال مادة الدم، فهو مادة الحياة، والعرض به قيام صورته المعنوية، واقتصر على هذه الثلاثة لأن ما سواها فرع عليها، وراجع إليها لأنه إذا قامت الصورة البدنية والمعنوية فلا حاجة إلى غير ذلك.
وقد وقع في هذا الحديث إضافة كل إلى المعرفة، وقد أنكره بعضهم، وقال: لا تضاف إلا إلى نكرة نحو ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] والله أعلم بالصواب.
стр. 357
الحديث السادس والثلاثون:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسَّر على معسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. رواه مسلم بهذا اللفظ (١).
القول في لفظه ومعناه.
أما لفظه فقوله: "نَفَّس" فَرَّج، وهو من تنفس الخناق، وأصله من التنفس (أ)، كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نفسا.
والكربة ما أهَمَّ النفس وغمَّ القلب، كأنها مشتقة من "كرب" التي للمقاربة لأن الكربة تقارب أن تزهق النفس.
والطريق فعيل من الطرق لأن الرجل ونحوها تطرقه.
ويلتمس يطلب ويبغي. والسكينة ثبوت الطمأنينة. وغشيتهم الرحمة خالطتهم وعمتهم. وحفتهم أحاطت بهم ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ
стр. 358
الْعَرْشِ﴾ [سورة الزمر: ٧٥]. وبَطَّأَ بِهِ، وأَبْطَأَ بِهِ: أخَّره.
وأما معناه ففيه أمور:
الأول: فضيلة تنفيس الكرب عن المؤمنين وأن ذلك يجازى عليه بجنسه من تنفيس كرب الآخرة.
والأصل والقياس أن الجزاء يكون من جنس العمل ثوابا وعقابا كالتنفيس بالتنفيس، والستر بالستر، والعون بالعون في هذا الحديث، ونظائره كثيرة في أحكام الدنيا والآخرة.
وقياس هذه القاعدة أن يقطع ذكر الزاني وفرج الزانية لتكون العقوبة في محل الجناية قياسا على قطع اليد والرجل في السرقة، لكن لما كان الذكر والفرج آلة التناسل الحافظ للنوع كان مراعاة (أ) بقائه أصلح.
وإنما كان تنفيس الكرب مطلوبا للشرع مثابا عليه لأن الخلق عيال الله فتنفيس كربهم إحسانٌ إليهم، والعادة أن السيد والملك يحب الإحسان إلى عياله وحاشيته والمحسن إليهم.
وفي الأثر "الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أرفقهم بعياله" (١).
الثاني: فضيلة التيسير على المعسر، والجزاء عليه بحسبه في الآخرة كما مَرَّ في تنفيس (ب) الكربة.
стр. 359
الثالث: فضيلة ستر عورة المسلم، والمكافأة عليها بجنسها كما مَرَّ، ولأن الله حَيِيٌّ كريم، وستر العورة من الحياء والكرم، ففيه تخلق بِخُلُق الله ، والله يحب التخلق بأخلاقه.
فإن قلت (أ): لم قال: "من نَّفَّسَ عن مؤمن كربة .... " وقال: "من ستر مسلما .... ".
قلت (ب): يحتمل أنه من باب تغاير الألفاظ دفعا للتكرار، ويحتمل أن الكربة لما كانت معنى باطنا على ما مَرَّ من (جـ) تفسيرها ناسبت الإيمان الذي هو باطن، وهو التصديق كما مَرَّ في حديث حبريل ﵇، والستر لما كان إنما يتعلق بالأمور الظاهرة غالبا كالأعمال العلانية ناسب وصف الإسلام الذي هو أعمال ظواهر (د).
فإن قيل: لم قال: "نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ... " ولم يقل: من كرب الدنيا، وقال: "ستره الله في الدنيا والآخرة .... " فكافأه بالستر فيهما؟.
قلنا: يحتمل أن هذا اتفاق لأن الترغيب حاصل بكلا الأمرين، أعني التنفيس والستر في الدارين، أو في أحدهما، ويحتمل أن الدنيا لما كانت محل
стр. 360
العورات والمعاصي احتيج إلى الستر فيها، وأما الكُرَبُ فهي وإن كانت الدنيا محلا لها لكن لانسبة لِكُرَبِهَا إلى كرب الآخرة حتى تذكر معها.
الرابع: فضيلة عون الأخ على أموره والمكافأة عليها بجنسها من الإعانة اللإهية.
وقوله: "ما كان العبد في عون أخيه" أي: مدة كونه في عونه، ولا فرق بين كونه في عونه بقلبه أو بيده أو بهما لأن الكل عون.
فإن قيل: هل يثاب على تنفيس كربة غير المؤمن والتيسير عليه وستره وإعانته أم يختص ذلك بالمؤمن؟.
قلنا: ظاهر الحديث اختصاصه بالمؤمن والمسلم والأخ في الدين، والأشبه أن ذلك يثاب عليه في المومن والكافر لقوله ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" (١) وقوله: "في كل كبد حَرَّى أجر" (٢) ويحمل الحديث المذكور على أن المؤمن أولى بتنفيس الكربة عنه من الكافر لشرف (أ) الإيمان، والأجر عليه أعظم، ثم يليه الذمي، ثم المستأمن، ثم الحربي على حسب قوة تعلقهم بالإسلام وضعفه وهذا أحسن.
الخامس: أن سلوك طريق العلم يجازى عليه بتسهيل طريق (ب) إلى الجنة،
стр. 361
وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن طلب العلم وتحصيله يرشد إلى سبيل الهداية والطاعة الموصلة إلى الجنة، وذلك بتسهيل الله له (أ)، وإلا فبدون لطفه وتوفيقه لا ينتفع بشيء من علم ولا غيره.
والثاني: أنه يجازى على طلب العلم وتحصيله بتسهيل دخول الجنة بقطع العِقَابِ (١) الشاقة دونها يوم القيامة، بأن يُسَهَّلَ عليه الوقوف في المحشر (ب) والجواز على الصراط ونحو ذلك.
والعلم الذي يترتب على التماسه تسهيل طريق الجنة هو العلم الشرعي النافع بنية القربة والانتفاع، ونفع الناس به كعلوم القرآن والحديث والفقه وأصوله ونحو ذلك، لا الخارج عن علم الشرع كالفلسفة من منطق وإلاهي وطبيعي (جـ) ورياضي إلا أن يقصد بتعليمها معرفة مذاهب أهلها للرد عليهم ودفع شبههم (د) وكف شرهم عن الشريعة فيكون من باب إعداد العدة، هذا قول غالب مشايخ الشريعة كالحليمي في شعب الإيمان (٢)، وغيره، وهو
стр. 362
كلام صحيح، غير أنا نستثني من ذلك النطق فإنه علم مفيد لا محذور فيه، إنما المحذور في غيره من علومهم، ولأنه نحو المعاني، كما أن النحو منطق الألفاظ، ولأن بعض فضلاء الأصوليين صَرَّحَ، وبعضهم عَرَّضَ بأن المنطق علم شرعي، وهو كالعربية في أنه من مواد أصول الفقه لأن الأحكام الشرعية لا بد من تصورها والتصديق بها إثباتا أو نفيا، والعلم المرصد لبيان أحكام التصور والتصديق هو المنطق، فوجب أن يكون علما شرعيا، إذ المراد بالعلم الشرعي ما صدر عن الشرع، أو توقف عليه العلم الصادر عن الشرع توقف وجود كعلم الكلام، أو توقف كمال كعلم العربية (أ) والمنطق.
واعلم أني قررت هذا البحث مع علمي بأن أكثر الفقهاء يكرهونه لما تقرر عندهم من النفرة عن المنطق، ومع أني -علم الله- لا أعرف المنطق، وإنما هو شيء قاد إليه الدليل، ثم إن لهم فيه سلفا فاضلا كالغزالي والرازي وأبي الحسين البصري والسيف الآمدي وابن الحاحب وشراح كتابه من بعده كل هؤلاء عارفون بالمنطق فلا وجه لنفرتهم عنه وإنكارهم له (١).
стр. 363
فإن قلت: قوله: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما" عام في كل علم شرعي أو فلسفي، فلم خصصتموه بالعلم الشرعي؟.
قلنا: بدليل قوله: "سهل الله له به طريقا إلى الجنة" والعلوم التي يطلب بها الجنة ويسهل بها طريقها هي الشرعية (أ) دون غيرها.
السادس: أن الاجتماع في بيوت الله لمذاكرة الكتاب
стр. 364
ومدارسته يجازى عليه بأشياء:
أحدها: نزول السكينة عليهم لأنها الطمأنينة، وبذكر الله تطمئن القلوب، والمراد أنها تطمئن للإيمان حتى يفضي بها إلى الروضات (أ) في جوار الرحمن.
الثاني: غشيان الرحمة لهم لأن ذكر الله تعالى إحسان، والرحمة إحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
الثالث: حفت الملائكة بهم لاستماع الذكر تعظيما للمذكور وإكراما للذاكر.
الرابع: ذكر الله لهم فيمن عنده من الملائكة لقوله ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٥٢] ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة العنكبوت: ٤٥] وقوله: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه" (١).
وقوله: "وما اجتمع قوم" قد سبق الخلاف في القوم، فإن قلنا: هم الذكور والإناث فلا إشكال، وإن قلنا: هم الرجال خاصة ألحق النساء بهم في ذلك بالقياس، وأنهن إذا اجتمعن لذكرٍ أو تلاوة حصل لهن الجزاء المذكور لاشتراك القبيلتين (ب) في التكليف.
стр. 365
فإن قلت: قوله: "في بيوت الله" هل هو قيد في حصول الجزاء المذكور أم لا؟.
قلنا: يحتمل ذلك إظهارًا لتشريف بيوت الله على غيرها، والأشبه أنه لا يختص، بل الذكر في بيوت الله كالذكر في غيره لأن الأرض كلها مسجد، غير أنه في البيوت المعدة للعبادة أكمل (أ).
السابع: أن الإسراع إلى السعادة إنما هي بالأعمال، لا الأنساب لقول الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١٣] وقوله ﵊: "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم".
وقوله ﵊: "كلكم من آدم، وآدم من تراب" (١) ولأن الله خلق الخلق لطاعته، وهي المؤثرة لا غيرها ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
واعلم أن الناس إما عامل بنسب، أو لا عامل ولا نسب، أو عامل لا نسب (ب)، أو نسب لا عامل، والتأثير ذلك كله للعمل لا للنسب.
والله أعلم بالصواب.
стр. 366
الحديث السابع والثلاثون:
عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بَيَّنَ ذلك، فمن هَمَّ مجسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هَمَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة. رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف (١).
قوله: "إن الله كتب الحسنات والسيئات" أي: أمر الحفظة بكتابتها، أو كتبها في علمه على وفق الواقع منها.
قوله: "ثم بين ذلك" أي: فَصَّله، يعني النبي ﷺ فَصَّل بقوله: "فمن هَمَّ بحسنة .... " إلى آخره ما أجمله بقوله: "إن الله كتب الحسنات والسيئات".
ثم اعلم أن الإنسان إذا هَمَّ بعمل فإمَّا أن يَهُمَّ بحسنة، أو سيئة، وعلى التقديرين فإما أن يعملها أو لا يعملها، فإن هَمَّ بحسنة ولم يعملها كتبت حسنة؛ لأن الهمَّ بالحسنة سبب إلى عملها، وسبب الخير خير، فالهَمُّ بالحسنة خير، وإن هَمَّ بها وعملها كتبت عشر حسنات بالتضعيف تفضلا ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠] ثم تضاعف بحسب النية
стр. 367
والإخلاص ونحوهما من الأعمال الصالحة إلى ما ذكر في الحديث، لقوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] يعني بعد سبعمائة ضعف بدليل الحديث " ... إلى أضعاف كثيرة ... " فإن هَمَّ بسيئة ولم يعملها كتبت حسنة كاملة لأنه إنما تركها بعد أن هَمَّ بها مراقبة لله .
وفي بعض الحديث "إنما تركها من جَرَّائي" (١) أي: من أجلي، وإن هَمَّ بسيئة فعملها كتبت سيئة واحدة أخذًا (أ) بالتفضيل في جانب الخير والشَر وكقوله ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠].
قلت: ثم إن الشيخ محيي الدين المصنف رحمه الله تعالى عقب هذا الحديث بكلام تضمن (ب) تنبيها على بعض فوائد الحديث، وأنا أذكرها بلفظه.
قال رحمه الله تعالى: فانظر يا أخي -وفقنا الله وإياك- إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ، وقوله: "عنده" إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: "كاملة" للتأكيد وشدة الاعتناء، وقال في السيئة التي هَمَّ بها
стр. 368
ثم تركها، "كتبها الله حسنة كاملة" فأكدها بكاملة، "وإن عملها كتبها الله سيئة واحدة" فأكَّد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها بكاملة. فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبه التوفيق. انتهى كلامه.
قلت: حاصل هذا أن لفظ الحديث نطق معناه في إفادة فضل الله وبِطَوْلهِ بتضعيف الحسنات وتكميلها والاعتناء بها، وإفراد السيئة وتقليلها، وبالجملة مسامحة الله خلقه في المعاملة تضعيفا في الخير، وتخفيفا في الشر، ولذلك جاء في بعض الروايات الصحيحة "ولا يهلك على الله إلا هالك" (١) أي: لا يُعَاقَبُ مع هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط.
واعلم أن قوله في أول الحديث: عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه يقتضي أنه من الأحاديث الإلاهية المنسوبة إلى كلام الله نحو "أنا عند ظن عبدي بي" (٢) وليس المراد ذلك، إنما المراد فيما يحكيه عن فضل ربه، أو حكم ربه، أو نحو ذلك. والله أعلم بالصواب.
стр. 369
الحديث الثامن والثلاثون:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. رواه البخاري (١).
أقول: هذا من الأحاديث الإلاهية لأنه من كلام الله ، غير أنه ليس له حكم القرآن لعدم تواتره.
قوله: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب" أي: أعلمته أني محارب له، ومنه ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٠] وولي الله من تولاه بالطاعة والتقوى، فتولاه (أ) الله بالحفظ والنصرة.
وقد استمرت العادة أن عَدُوَّ العدو صديق، وصديقَ الصديق صديق، وعَدُوَّ الصديق عَدُوٌّ، وصديقَ العَدُو عَدُوُّ، فكذلك عَدُوُّ ولي الله عَدُوُّ اللهِ، فلا جرم يحاربه الله تعالى، ومحاربة الله عبده تحصل بأكل الربا، وبمعاداة أوليائه وبقطع الطريق خصوصا، وبالجملة بعموم معاصيه، وإنما الصور المخصوصة التي ذكرناها وردت في الكتاب والسنة.
стр. 370
قوله: "وما تقرب إليَّ عبدي" إلى آخره.
اعلم أن التقرب إلى الله تعالى إما أن يكون بالفرائض أو بالنوافل، وأحبها إلى الله وأشدها إليه تقريبا (أ) الفرائض لأن الأمر بها جازم، وهي تتضمن أمرين:
الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، بخلاف النوافل فان الأمر بها غير جازم، ويثاب على فعلها، ولا يعاقب على تركها، فالفرائض أكمل، فكانت إلى الله أحب وأشد تقريبا.
ويقال: إن النفل جزء من سبعين جزءًا من الفرائض (ب)، فركعة الفرض مثلًا بسبعين من النفل، فبالضرورة يكون الفرض أحب إلى الله ، وأشد تقريبا في الأصل، فصار الفرض كالأصل والأُس، والنفل كالفرع (جـ) والبناء على الأس.
وسِرُّ ذلك أن الفرض فيه العمل والإيمان بوجوبه، وهو من باب الإيمان بالغيب، وهو عظيم.
قوله: "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" هذا معلوم من الشاهد، فإن الإنسان إذا داوم على خدمة (د) السلطان ومهاداته أَحَبَّه وقربه.
стр. 371
قوله: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به" إلى آخره.
اختلف الناس في وجه هذا الكلام، والعلماء المعتد بقولهم على أنه مجاز وكناية عن نصرته وتأييده وإعانته حتى كأنه نزل نفسه من عبده منزلة الجوارح والآلات التي يدرك ويستعين بها، ولهذا يقول في رواية "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي".
والاتحادية زعموا أن الكلام على حقيقته وأن الله هو عين عبده، أو حال فيه كما أشرنا إليه من دليلهم في حديث جبريل ﵇.
وقوله: "وإن سألني أعطيته" يعني ما سأل "ولئن استعاذني لأعيذنه" يعني مما يخاف لأن التقدير أنه تقرب إلى الله فأحبه، وهذه حال (أ) الحبيب مع المحب يعطيه ما سأل ويعيذه مما استعاذ.
وقوله: "حتى أحبه" بضم الهمزة وفتح الباء، ويبطش بفتح الياء وكسر الطاء، واستعاذني ضبط بالنون والباء ثاني الحروف، وكلاهما صحيح، يقال: استعذت زيدًا من كذا، واستعذت به من كذا.
وقوله: "مما افترضته عليه" أي: من أدائه كما صرح به في رواية.
وهذا الحديث يرجع إلى قوله ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وقوله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: ١٨] إذ هو شبيه بقوله: "ويده التي يبطش بها" وقوله: "فبي يسمع وبي يبطش (ب) ".
стр. 372
وهذا الحديث أصل في السلوك إلى الله والوصولِ إلى معرفته ومحبته، وطريقُهُ أداءُ المفروضات، وهي إما باطن وهو الإيمان، أو ظاهر وهو الإسلام، أو مركب منهما وهو الإحسان فيهما كما مَرَّ في حديث جبريل ﵇، والإحسان هو المتضمن لمقامات السالكين التي ذكرها شيخ الإسلام الأنصاري (١)، وغيره من التوكل والزهد والإخلاص والمراقبة والتوبة واليقظة ونحوها، وهي كثيرة، فإذًا حديث جبريل جمع الشريعة والحقيقة (٢).
والله أعلم بالصواب.
стр. 373
الحديث التاسع والثلاثون:
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما (١).
قلت: وقد يروى هكذا "عفي لأمتي عن الخطأ" (٢) الحديث، وهو أحسن انتظامًا، ووجه انتظام الأولى أن تجاوز ضُمنَ (أ) معنى ترك تقديره: إن الله ترك لي عن أمتي الخطأ، أو تقديره: إن الله تجاوز لي من أمتي عن الخطأ (٣).
وأحْسِبُهَا مُرَكَّبَةً من عَجُزِ هذا الحديث، وَصَدرِ قَولهِ: "أن الله تجاوز لأمَّتِي عمَّا وسوست به صُدورُهَا" الحديث.
وبالجملة إذا فُهِمَ المعنى فلا مبالاة باضطراب الألفاظ.
وهذا الحديث عام النفع، عظيم الوقع، وهو يصلح أن يسمى نصف الشريعة؛ لأن فعل الإنسان إما أن يصدر عن قصد واختيار، وهو العمد مع الذكر اختيارا، أو لا عن قصد واختيار، وهو الخطأ والنسيان، أو الإكراه، وهذا القسم معفو عنه، والأول مؤاخذ به، فإذن هذا الحديث نصف
стр. 374
الشريعة بهذا الاعتبار.
والعفو عن هذه الأفعال هو مقتضى الحكمة والنظر مع أن الله لو وَاخَذَ بها لكان عادلا.
ووجه ذلك أن فائدة التكليف وغايته تمييز الطائع من العاصي ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [سورة الأنفال: ٤٣] لكن الطاعة والمعصية يستدعيان قصدا ونية يستند إليهما الثواب والعقاب، والمخطئ والناسي لا قصد لهما، وكذلك المكره إذ القصد لمن أكرهه لا له، وهو كالآلة المكرهة، ولهذا ذهب غالب الأصوليين إلى أن هؤلاء الثلاثة غير مكلفين.
ووجه عموم نفع هذا الحديث أن الفعل خطأ ونسيانا وإكراها يقع في الطهارات والصلوات والصيام والحج والطلاق وغيرها من أبواب العلم في صور كثيرة ومسائل عديدة.
ثم قوله: "عفي لأمتي عن الخطأ، وتجاوز لي عن أمتي الخطأ" هل التجاوز عن حكم الخطأ، أو عن إثمه، أو عنهما جميعا؟ وكل محتمل، والأشبه العفو عن الإثم، فمن ثم قيل: الكلام في الصلاة، والأكل في الصوم والوطء فيه، وفي الحج ناسيا يبطلهن حكما، ولا إثم على الفاعل.
وفي هذه المسائل ونحوها خلاف بين الأئمة، فإن قلنا: العفو عن حكم الفعل وإثمه احتيج في تعليق الأحكام ببعض صور الخطأ والنسيان والإكراه إلى دليل منفصل، وذلك كالقتل إذا كان عمدا أثم القاتل، ولزمه الضمان حكما، وإن كان خطأ سقط الإثم، والضمان حكما بمقتضى العفو عنهما،
стр. 375
لكن الإجماع على وجوب الضمان بالدية ما لم يَعْفُ الولي، فيحتاج لوجوب (أ) الضمان إلى دليل منفصل، وهو أن الضمان حق المكلف واستيفاؤه من باب العدل، لا من باب التكليف، ودليل العدل قائم قاطع فلتجب الدية في الخطأ بموجبه.
وإن قلنا: إن العفو في الخطأ عن الإثم فقط بقي الحكم على أصل اقتضاء الفعل له عمدا، فيسقط الإثم عن القاتل خطأ بموجب العفو في الحديث المذكور، ويبقى وجوب الضمان على الأصل لأنه كان واجبا حال العمد، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
والفرق بين العمد والخطأ حاصل بارتفاع الإثم، أما ترتب الإثم على الخطأ (ب) ونحوه فهو تكليف ما لا يطاق.
وهاهنا مسألة تتعلق بالإكراه، وهي مسألة التقية التي اختلف فيها الشيعة وأهل السنة، وحجة أهل السنة على إنكارها: هو أن التقية نفاق، والنفاف حرام، فالتقية حرام.
أما أن التقية نفاق فلأن النفاق هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر مخافة لحوق المكروه، والتقية هي إظهار الإنسان خلاف ما يُبطنه خيفة على نفسه وهذا هو حد النفاق بعينه.
وأما أن النفاق حرام فلورود الشرع بذم المنافقين عليه، ولا يذمهم إلا على حرام. والإجماع يُثبت أن التقية حرام.
стр. 376
وحجة الشيعة: أن التقية ثابتة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وفتاوى العلماء والنظر.
أما الكتاب فلقوله (أ) ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل: ١٠٧] وهو نص في التقية، إذ هو تجويز لإظهار (ب) الكفر وإخفاء الإيمان خوفا، وقوله ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران: ٢٩] وقرئ ﴿تقية﴾ (١) باللفظ المتنازع فيه.
وأما السنة فلأن النبي ﷺ استأذن عليه رحل فقال: "بئس فتى العشيرة هذا" ثم دخل الرجل فَأَلاَنَ له القول وضحك إليه، فلما سئل عن ذلك قال: "إن أشر الناس من أكرمه الناس اتقاء فحشه" (٢) وكذلك صالح الكفار يوم الحديبية على أمور هو يعتقد خلافها، وذلك عين التقية، ولقوله ﵊ لعمار بن ياسر: "إن عادوا فعد" (٣).
стр. 377
قالوا: ولأن عليا ﵁ إنما بايع أبا بكر ﵁ تقية، لما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت في أثناء حديث البيعة: فكان لعلي وجه من الناس في حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع لمصالحة أبي بكر، فقال له: موعدك البيعة العشية ... (١) الحديث.
ومعنى ضرع: ذلَّ وخضع وانقاد، وهو نصٌّ فيما ادعيناه.
وأما فتاوى العلماء فلأن أكثرهم على أن يمين المكره وطلاقه وهبته وتصرفاته لا تنفذ (أ) حتى ضرب مالك في ذلك سبعين سوطا على أن يفتي بانعقاد يمين المكره فلم يفعل، دليل ذلك قوله ﷺ : "لا طلاق في إغلاق" (٢) أي: في إكراه.
وأما النظر فلأن في التقية جمعا بين مصلحتين حفظ الاعتقاد (١) الباطن، ودفع الضرر عن الظاهر، ونقلوا عن جعفر الصادق أنه قال: "التقية ديني ودين آبائي" (٣).
стр. 378
وأجابوا عن حجة (أ) الأولين؛ أن قولكم: التقية نفاق؛ يمكن تسليمه، لكن لم قلتم: إن كل نفاق حرام، وظاهر أنه ليس كذلك، فإن النفاق ضربان: لغوي، وعرفي، فاللغوي هو إظهار الإنسان خلاف ما في نفسه خوفا من المكروه، والعرفي إظهار الإيمان والسنة وإخفاء الكفر والبدعة خوفا من المكروه، فالنفاق لغة أعم منه عرفا، والحرام إنما هو النفاق عرفا، لا النفاق لغة، وإلا لوجب أن يكون من أظهر الكفر وأخفى الإيمان خوفا منافقا آثما، وهو خلاف نص القرآن، وحينئذ نقول: التقية التي فيها النزاع -إن سلَّمنا أنها نفاق- فهي نفاق لغوي، لا عرفي فلا يكون حراما (١).
واعلم أن هذا النزاع الطويل بينهم في التقية استدلالًا وحوابا ذاهب في السائب هدرًا (ب)، فإن جُلَّ (جـ) الخلاف بينهم إنما هو في مبايعة علي بن أبي طالب أبا بكر ﵄ تقية، فادَّعاه الشيعة كما مَرَّ، ونفاه أهل السنة لأنه نفاق، وهو لا ينبغي نسبته إلى علي ﵁.
أما التقية في غير ذلك فلا مبالاة بإثباتها وجوازها، وإنما يكره عامة الناس لفظها لكونها من مستندات الشيعة، وإلا فالعلماء مطبقون على
стр. 379
استعمالها، وبعضهم يسميها مداراة، وبعضهم مصانعة، وبعضهم عقلا معيشيا، ودَلَّ عليها دليل الشرع كما سبق (١).
وهذا الحديث يرجع إلى قوله ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٥] ونحوه.
والله أعلم بالصواب.
стр. 380
الحديث الأربعون:
عن ابن عمر ﵄ قال أخذ رسول الله ﷺ بمنبكي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. رواه البخاري (١).
وهذا الحديث أصل في الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة.
قال الشيخ: معناه لا تَرْكَنْ إليها ولا تتخذها وطنا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله. انتهى.
قلت: عابر السبيل المارُّ على الطريق قاطعًا (أ) لها بالسير، أو من في معناه غير مقيم بها.
ولا شك أن الإنسان إنما أوجد ليمتحن بالطاعة والمعصية ليكون من أهل الثواب أو العقاب، أو من أصحاب اليمين، أو الشمال بدليل قوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] وقوله ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
стр. 381
عَمَلًا﴾ [سورة الملك: ٢] وحينئذ هو كعبد أرسله سيده في حاجة إلى بلد غربة، فهو فيه غريب عابر سبيل فشأنه أن يبادر بقضاء ما أرسله فيه ثم يعود إلى وطنه.
وقول ابن عمر ﵁ هو مقتضب من معنى الحديث لأن الغريب لا يدري متى يتوجه إلى وطنه مساء أو صباحًا فهو إذا أمسى في بلد غربة لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، فكذلك الإنسان في الدنيا الذي هو مشبه (أ) بالغريب في حاله وإمكان (ب) حدوث ترحاله (جـ).
وقوله: "خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" أي: اعمل في حياتك ما تلقى (د) نفعه بعد موتك، وبادر أيام صحتك فإن المرض قد يطرأ فيمنعك من العمل فتقدم المعاد بغير زاد.
والله أعلم بالصواب.
стр. 382
الحديث الحادي والأربعون:
عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
أقول: هذا الكتاب هو (كتاب الحجة في اتباع المحجة في عقيدة أهل السنة) وهو كتاب جيد نافع، وقدره كالتنبيه مرتين، أو مرة ونصفا، وقد طالعته أو أكثره، ولا استحضر الآن اسم مصنفه (١).
وهذا الحديث على وجازته واختصاره من الجوامع لهذه (أ) الأربعين وغيرها من السنة، وبيانه أن النبي ﷺ إنما جاء بالحق وصَدَّقَ المرسلين، ثم إن شئت فسرت الحق بالدين، وهو مشتمل على الإيمان والإسلام والإحسان، والنصح لله ولرسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعلى الإيمان والاستقامة، وهذه أمور جامعة لا يبقى بعدها إلا تفاصيلها التي هي في ضمنها، وإن شئت فسرت الحق بالتقوى، وهي مشتملة على ما ذكرناه أيضًا، فإذا (ب) كان هوى الإنسان تبعا لما جاء به النبي ﷺ من الدين والتقوى فقد استوفى حقيقة الإيمان.
стр. 383
ثم (أ) اعلم أن كلا من الناس إما أن يكون هواه تابعا لما جاء به الرسول، أو يكون ما جاء به الرسول تابعا لهواه، أو يكون هواه تابعا لبعض ما جاء به الرسول دون البعض.
والأول: المؤمن الكامل.
والثاني: الكافر لأن التقدير أنه أعرض عن جميع ما جاء به الرسول إلى هواه، ومما جاء به الرسول الإيمان، ومن أعرض عن الإيمان فهو كافر لا محالة.
والثالث: إما أن يكون البعض الذي تابع فيه الرسول هو أصل الدين دون فروعه، أو فروعه دون أصله، فإن تابعه في أصل الدين وهو الإيمان، وخالفه فيما سواه فهو مؤمن فاسق، وإن كان بالعكس فهو منافق.
واعلم أن الهوى يميل بالإنسان بطبعه إلى مقتضاه ولا يقدر على جعله تبعا لما جاء به الرسول إلا كل ضامر مهزول.
وحقيقة الهوى شهوات النفس، وهي ميلها إلى ما يلائمها (أ)، وإعراضها عما ينافرها، مع أنه ربما كان عطبها في الملائم وسلامتها في المنافر.
ويقال: إن هشام بن عبد الملك لم يقل في عمره إلا بيتا واحدًا، وهو قوله:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوَى قَادَكَ الهَوَى ... إِلَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيكَ مَقَالُ (١)
стр. 384
وقال آخر (أ):
إِنَّ الهَوَان هُوَ الهَوَى قُصِرَ اسْمُهُ ... فَإِذَا هَوِيْتَ فَقَدْ لَقِيْتَ هَوَانَا (١)
وقال آخر (ب):
أَنَا بِالهَوَى رَاضٍ وَأَعْلَمُ أَنَّهُ ... عِزي وَإنْ ضُمَّتْ إِلَيهِ النُّون
وقال ابن دريد (٢):
وَآفَةُ العَقْلِ الهَوَى فَمَن عَلاَ ... عَلَى هَوَاهُ عَقْلُهُ فَقَد نَجَا
وقال بعض الأصوليين في مسألة تفضيل الملائكة على البشر: من غلب عقله هواه فهو خير من الملائكة، ومن غلب هواه عقله فالبهيمة خير منه.
والله أعلم بالصواب.
стр. 385
الحديث الثاني والأربعون:
عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتي لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (١).
الكلام على لفظه ومعناه.
أما لفظه فآدم قيل: هو أعجمي لا اشتقاق له، وقيل: هو عربي مشتق من أديم الأرض لأنه خلق منه، وهو لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل إذ وزنه أفعل مثل أحمد.
قوله: "إنك ما دعوتني" أي: مدة دعائك، فهي زمانية نحو ﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [سورة فاطر: ٣٨] وعنان السماء بفتح العين قيل: هو السحاب، وقيل: ما عَنَّ لك منها، أي: ظهر إذا رفعت رأسك.
وقراب الأرض بضم القاف وكسرها لغتان، والضم أشهر، ومعناه ما يقارب ملأها، وقيل: ملأها، وهو أشبه (أ) لأن الكلام في سياق المبالغة.
وأما معناه فالدعاء سؤال النفع والصلاح.
والرجاء: تأميل الخير، وهو اعتقاد قرب وقوعه.
стр. 386
وقوله: "إنك ما دعوتي ورجوتني غفرت لك" لأن الدعاء مخ العبادة، والرجاء يتضمن حسن الظن بالله وهو يقول: "أنا عند ظن عبدي بي" (١) وعند ذلك تتوجه رحمة الله تعالى إلى العبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء.
وقوله: "ولا أبالي" كأنَّه من البال، فإذا قال القائل: لا أبالي، كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر، أو شبيه (أ) بذلك.
قوله: "لو بلغت ذنوبك عنان السماء" إلى آخره أي: ملأت الأرض والفضاء حتى ارتفعت إلى السماء "ثم استغفرتني غفرت لك" وذلك لأن الله كريم، والاستغفار استقالة والكريم يقبل العثرة ويغفر الزلة.
وقال حاتم الطائي:
وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادخَارَهُ ... وأُعْرِضُ عَن شَتْمِ اللَّئِيمِ تكَرُّمَا (٢)
وفي التنزيل ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [سورة نوح: ١١] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة هود: ٣] الآية ونحوها (ب). وفي الحديث "لو أنكم لا تذنبون لذهب الله بكم،
стр. 387
ولجاء بقوم غيركم، فيذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم" (١) وفي التنزيل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر: ٥٥] وهذا الحديث على عمومه لأن الذنب إما شرك فيغفر بالاستغفار منه وهو الإيمان، أو دونه فيغفر بالاستغفار منه وهو سؤال المغفرة، وحقيقة لفظه اللهم اغفر لي، ويقوم مقامه استغفر الله؛ لأنه خبر في معنى الطلب.
قوله: "لو أتيتني بقراب الأرض خطايا" إلى آخره معناه أن الإيمان شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك لأن الإيمان أصل يبنى عليه فبقول الطاعات غفران المعاصي.
أما مع الشرك فلا أصل يبنى عليه ذلك ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
والترمذي يجوز فيه ضم التاء والميم، وفتحهما، وكسرهما.
واعلم أن الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى صدر الخطبة أنه يأتي بأربعين حديثًا، وقد أتى باثنين وأربعين فقد زاد خيرا، وكأنه أعجبه الحديثان الزائدان، وهما جديران بذلك، فناسب عنده إلحاقهما لأن أولهما: من باب الوعظ بمخالفة الهوى ومتابعة الشرع، وثانيهما: ترغيب في الدعاء والرجاء والاستغفار من الذنوب والإطماع في رحمة علام الغيوب، فكان ختم الكتاب به مناسبا.
فإن قيل: ما وجه تخصيص الأربعين دون سائر مقادير العدد حتى صنف
стр. 388
العلماء أربعينياتهم؟.
قلنا: أما الحديث في ذلك فقد سبق أنه لم يصح، وإنما (أ) ذهب العلماء في ذلك إلى ما روي عن بعض السلف (١) أنه قال: يا أهل الحديث أدّوا زكاة الحديث ربع العشر (ب)، اعملوا من كل أربعين حديثًا بحديث، قال النبي ﷺ : "أدوا ربع عشر أموالكم، من (جـ) كل أربعين درهما درهم" (٢) وإنما قال ذلك لأنه أقل عدد له ربع عشر صحيح، وإلا فزكاة الفضة إنما تجب في مائتي درهم فصاعدا.
وليكن هذا الحديث آخر الإملاء في شرح الأربعين، وقد كنت التزمت في خطبتها التزاما، ثم لم يتهيأ لي في أثنائها تحقيق مراعاته لأسباب عرضت.
فإن رأيتني أيها الناظر قد وفيت بما التزمت فبها ونعمت، والحمد لله، وإن رأيتني أخللت بشيء منها فقد أوضحت لك العذر.
стр. 389
ثم اعلم أني إنَّما أشرت إلى تقرير قواعد الأحاديث على وجه كلي في جميعها أو بعضها، وإلا فلو قررت على جهة (أ) التفصيل لاستدعى تطويلا (ب) أقل ما يكون في ثلاث مجلدات تفصل في أحدها أحكام الإيمان، وهو علم أصول الدين، وفي الثاني حكم الإسلام، وهو أحكام العبادات وما يتبعها من أحكام الفروع، وهو علم الفقه أخذا من قوله ﷺ : "قل آمنت بالله ثم استقم" مع حديث حبريل ونحوه من الأحاديث الكلية، وفي الثالث حكم الإحسان، وهو علم التصوف والمعاملة والمراقبة، على ما دل عليه حديث جبريل من الإيمان والإسلام والإحسان.
واعلم أنه قد فات الشيخ أن يلحق بالأربعين حديث "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر" فإنه من الجوامع في علم الفرائض، وهو نصف العلم على ما عرف ولو ألحقه لتكلمنا عليه وضَمَّنَّا الكلام عليه قواعد علم الفرائض (جـ) التي يحتاج إليها ولا يستغني كثير من الناس عنها، لكن حكم المصنف وحسن نظره لا ينكر، ولعله ترك ذلك لضرب من النظر. والحمد لله رب العالمين.
واعلم أني أملأت هذا الشرح إملاء فلذلك تراني أورد الحديث المستشهد به باللفظ تارة، وتارة بالمعنى، وتارة أحفظ منه صدره، أو عجزه،
стр. 390
وربما اقتصرت على عنوانه واليسير (أ) منه، وأكثرت (ب) في كلامي التردد كقولي: كذا، أو كذا، أو كما قال، أو نحو ذلك، أو شبيه به، كل ذلك احترازا من أن أجزم فيه بشيء من (جـ) غير يقين، فلا تنكر ذلك فقد عرفت (د) عذري فيه، غير أنك لا تجد فيه حكمًا إلا (هـ) ظاهر الحجة، واضح المحجة إن شاء الله .
وكان ابتدائي فيه يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الآخر، وفراغي منه يوم الثلاثاء ثامن عشرينه (كذا) كلاهما من سنة ثلاث عشر (كذا) وسبعمائة بمدينة قوص من أرض الصعيد حامدًا لله ومصليا على رسول الله ﷺ ومَجَّد وكرَّم وفخَّم وَعَظَّمَ (١).