← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بذلك دونهم، وإنما حمل أصحابَهُ على حمل الحديث عليه كثرةُ أتباعه وانتشار مذهبه في الأقطار، وذلك أمارة على ما قالوه. وكذلك "الأئمة من قريش" لا اختصاص للشافعي به، ثم (أ) هو محمول على الخلفاء في ذلك، وَرِدْفٌ على ذلك، احتجَّ به أبو بكر ﵁ يوم السقيفة. وكذلك "تعلموا من قريش" لا اختصاص لأحد به. أما قوله: "عالم قريش يملأ الأرض علما" فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، وهو أحق به لسبقه وصحبته ودعاء النبي ﷺ له في قوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١) وكان يسمى بحر العلم وحبر العرب، وإنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لاشتهار مذهبه وكثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكره أحد. وأما الرواية في أبي حنيفة وأحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها. أما حديث "هو سراج أمتي" فأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وذكر أن مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية إخماله (ب) فتحدثوا مع مأمون بن أحمد السلمي (٢)، وأحمد بن عبد الله الجويباري (٣)، وكانا كذابين

стр. 317

وضَّاعين فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة، وذم الشافعي، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. وأما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعا، لأنا قدَّمنا أن أحمد كان أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة، حتى ثبت أنه كان يذاكر بألف ألف حديث، وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله ، فما لم تجدوه فيه فليس بشيء. ثم إن هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب أحمد ابن حنبل ليس في مسنده، فلو كان صحيحًا لكان هو أولى الناس بإخراجه والاحتحاج به في محنته التي طبق الأرض ذكرها. فانظر بالله أمرًا يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم وذم بعضهم، وما سَبَبُه إلّا تَنَافِيْهِم في المذاهب، بتحكيمهم الظواهر ونحوها على رعاية المصالح، الواضع بيانُها الساطعِ برهانُها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شيء مما ذكرناه عنهم. واعلم أن (أ) من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص. وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة (ب) استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعهم من ذلك،

стр. 318

وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع علمه أن النبي ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاه" (١) خطبة الوداع، وقال: "قيدوا العلم بالكتابة (أ) " (٢) قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي ﷺ لانضبطت السنة، ولم يبق بين أحد (ب) من الأمة وبين النبي ﷺ في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما (٣).

стр. 319

الوجه الثالث (١): فقد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح ونحوها في قضايا؛ منها: معارضة ابن مسعود النص (أ) والإجماع في التيمم لمصلحة الاحتياط للعبادة كما سبق. ومنها قوله ﵊ لأصحابه حين فرغ من الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٢) فصلى بعضهم قبلها، وقالوا: لم يرد منا ذلك، وهو شبيه بما ذكرناه. ومنها قوله ﵊ لعائشة: "لولا قومك حديث عهد بالإسلام لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم" (٣) وهو يدل على أن بناءها على قواعد إبراهيم هو الواجب في حكمها، فتركه لمصلحة التألف (ب). ومنها أنه ﵊ لما أمرهم يحعل الحج عمرة، قالوا: كيف وقد سَمَّينَا الحَجَّ؟ (٤) وتوقفوا، وهو معارضة للنص بالعادة، وهو شبيه بما نحن فيه، وكذلك يوم الحديبية لما أمرهم بالتحلل توقفوا تمسكا

стр. 320

بالعادة في أن لا حلَّ (أ) قبل قضاء المناسك، حتى غضب النبي ﷺ ، وقال: ما لي آمر بالشيء فلا يفعل (١). ومنها ما روى أبو يعلى الموصلي في مسنده أن النبي ﷺ بعث أبا بكر ينادي: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فوجده عمر فَرَدَّهُ، وقال: إذن (ب) يتكلوا (٢). وكذلك رَدَّ عمر أبا هريرة عن مثل ذلك في حديث صحيح (٣). وهو معارضة لنص الشرع بالمصلحة. ومنها ما روى الموصلي أيضًا أن رجلا دخل المسجد يصلى فأعجب الصحابة سمته، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "اذهب فاقتله" فذهب فوجده يصلي، فرجع عنه، ثم أمر عمر بذلك فرجع عنه، كلاهما يقول: كيف أقتل رجلا يصلي؟ ثم أمر عليا بقتله فذهب فلم يجده، فقال النبي ﷺ : "لو قتل لم يختلف من أمتي إثنان" (٤). فهذان الشيخان قد تركا النص،

стр. 321

ولا مستند لهما إلا استحسان إقباله على العبادة. ولا يقال: إنما تركا هذا النص على قتله بقوله ﵊: "نهيت عن قتل المصلين" (١) لأن ذلك نسخ في حق هذا الشخص لهذا النص الخاص المتأخر، فظهر أن تركهما للأمر (أ) بقتله إنما كان استحسانًا منهما مُجَرَّدًا، وهو من باب ما نحن فيه من معارضة النصوص ونحوها بالمصالح. هذا مع أن النبي ﷺ لم ينكر عليهما ترك أمره، ولا عاتبهما، ولاَ ثرَّب عليهما، بل سلَّم لهما حالهما، وأجاز اجتهادهما لما علم من مرتبتهما وصدقهما (ب) في ذلك، فكذلك من قدم رعاية مصالح المكلفين على باقي أدلة الشرع، يقصد بذلك إصلاح شأنهم وانتظام حالهم وتحصيل ما تفضل الله به عليهم من الصلاح وجمع الأحكام عن التفريق (جـ)، وائتلافها عن الاختلاف، فوجب أن يكون جائزا إن لم يكن متعينا، ووجب أن يكون تقديم رعاية المصالح على باقي أدلة الشرع من مسائل الاجتهاد على أقل أحواله، وإلا فهو راجح (د) متعين كما ذكرنا، فقد ظهر بما قررناه أن

стр. 322

دليل رعاية / المصالح أقوى من دليل الإجماع فلنقدم (أ) عليه، وعلى غيره من أدلة الشرع عند التعارض بطريق البيان. فإن قيل: حاصل ما ذهبتم إليه تعطيل أدلة الشرع بقياس مجرد، وهو كقياس إبليس فاسد الوضع والاعتبار. قلنا: هذا وَهَمٌ، واشتباه من نائم بعيد الانتباه، وإنما هو تقديم دليل شرعي على أقوى منه (١) وهو متعين، للإجماع على وجوب العمل بالراجح، كما قدمتم أنتم الإجماع على النص، والنص على الظاهر. وقياس إبليس وهو قوله ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ [سورة الأعراف: ١٣] لم يقم عليه ما قام على رعاية المصالح من البراهين، وليس هذا من باب فساد الوضع، بل من باب تقديم الراجح (ب) كما ذكرنا. فإن قيل: الشرع أعلم بمصالح الناس وقد أودعها أدلة الشرع وجعلها أعلامًا (جـ) عليها يعرف بها، وترك أدلته لغيرها مراغمة ومعاندة له. قلنا: أما كون الشرع أعلم بمصالح المكلفين فنعم، وأما كون ما ذكرناه من رعاية المصالح تركا لأدلة الشرع بغيرها فممنوع، بل إنما يترك أدلته بدليل شرعي راجح عليها مستند إلى قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار"

стр. 323

كما قلتم في تقديم الإجماع على غيره من الأدلة. ثم إن الله جعل لنا طريقا إلى معرفة مصالحنا عادة، فلا نتركه لأمر مبهم يحتمل أن يكون طريقا إلى المصلحة، ويحتمل أن لا يكون. فإن قيل: إجماع الأمة حجة قاطعة فلا يُخَالَفُ. قلنا: إن عنيتم بكونه قاطعا القطع (أ) العقلي الذي لا يحتمل النقيض كقولنا: الواحد نصف الاثنين، فلا نسلم أن الإجماع قاطع بهذا المعنى، وإن عنيتم به استناده إلى دليل قاطع فقد سبق تفصيل جوابه في الاعتراض على دلالة الآية الثانية من أدلة الإجماع، وإن عنيتم به أنه لا يجوز خلافه فهو عين الدعوى ومحل النزاع، بل عندنا يجوز خارقه بأقوى منه وقد بيناه. فإن قيل: خلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة واسعة (ب) فلا يحويه حصرهم في جهة واحدة لئلا يضيق عليهم مجال الاتساع. قلنا: هذا الكلام ليس منصوصا عليه من جهة الشرع حتى يُمتثل، ولو كان لكنَّ مصلحة الوفاق أرجح من مصلحة الخلاف فتقدم. ثم ما ذكرتموه من مصلحة الخلاف بالتوسعة على المكلفين مُعَارَضٌ بمفسدة تعرض منه، وهو أن الآراء إذا اختلفت وتعددت اتبع بعض الناس رخص (جـ) المذاهب فأفضى إلى الانحلال والفجور كما قال بعضهم:

стр. 324

فَاشْرَبْ وَلُطْ وَازْنِ وَقَامِر وَاحْتَجِجْ ... فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ إمامِ (١) يعني بذلك شرب النبيذ، وعدم الحد في اللواط على رأي أبي حنيفة، والوطء في الدبر على ما يعزى إلى مالك، ولعب الشطرنج على رأي الشافعي. وأيضًا فإن بعض أهل الذمة ربما أراد الإسلام فيمنعه كثرة الخلاف وتعدد الآراء ظنا منه أنهم يخطئون (٢) في عمياء، لأن الخلاف منفور عنه بالطبع، ولهذا قال الله ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابها﴾ [سورة الزمر: ٢٣] أي: يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، لا يُختَلَفُ إلا بما فيه من المتشابهات، وهي ترجع إلى المحكمات بطريقها، ولو اعتمدت رعاية المصالح المستفادة من قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" على ما تقرر لَاتَّحَدَ طريقُ الحكم، وانتفى الخلاف فلم يكن ذلك شبهة في امتناع (أ) من أراد الإسلام من أهل الذمة وغيرهم. فإن قيل: هذه الطريقة التي سلكتها إما أن تكون خطأ فلا يلتفت إليها، أو صوابا فإما أن ينحصر الصواب فيها أو لا، فإن انحصر لزم أن الأمة من أول الإسلام إلى حين ظهور هذه الطريقة على خطأ، إذ لم يقل بها أحد

стр. 325

منهم، وإن لم ينحصر فهي طريق جائزة من الطرق، لكن طرق الأئمة التي اتفقت الأمة على اتباعها أولى بالمتابعة لقوله ﵊: "اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار" (١). فالجواب أنها ليست خطأ، لما ذكرنا عليها من البرهان، ولا الصواب منحصر فيها قطعا، بل ظنا واجتهادا، وذلك يوجب المصير إليها، إذ الظن في الفرعيات كالقطع في غيرها، وما يلزم على هذا من خطأ الأمة فيما قبله لازم على رأي كل ذي قول أو طريقة انفرد بها غير مسبوق إليها، والسواد الأعظم الواجب اتباعه هو الحجة والدليل الواضح، وإلا لزم أن يتبع العلماء العامة إذا خالفوهم، لأن العامة أكثر، وهو السواد الأعظم. والله أعلم بالصواب. واعلم أن هذه الطريقة التي قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام. وتقرير ذلك أن الكلام في أحكام الشرع إما أن يقع في العبادات والمقدرات ونحوها، أو في المعاملات والعادات وشبهها، فإن وقع في الأول اعتبر فيه النص والإجماع ونحوهما من الأدلة، غير أن الدليل على الحكم إما أن يَتَّحِدَ أو يَتَعَدَّدَ، فإن اتَّحَدَ مثل أن كان فيه آية أو حديث أو قياس أو غير

стр. 326

ذلك ثبت به، وإن تَعَدَّدَ الدليل مثل أن كان آية وحديثا وقياسا واستصحابا ونحوها، فإن اتفقت الأدلة على إثبات أو نفي ثبت بها، وإن تعارضت فيه فإما تعارضا يقبل الجمع، أو لا يقبله، فان قبل الجمع جمع بينهما لأن الأصل في أدلة الشرع الإعمال، لا الإلغاء، غير أن الجمع بينهما يجب أن يكون بطريق قريب واضح لا يلزم منه التلاعب ببعض الأدلة، وإن لم يقبل الجمع فالإجماع مقدم على ما عداه من الأدلة التسعة عضر، والنَّصُّ مقدم على ما سوى الإجماع. ثم إنَّ النص منحصر في الكتاب والسنة، ثم لا يخلو إما أن ينفرد بالحكم أحدهما أو يجتمعا فيه، فإن انفرد به أحدهما فإما الكتاب أو السنة، فإن انفرد به الكتاب فإما أن يَتَّحِدَ الدليلُ أو يَتَعَدَّدَ، فإن اتحد بأن كان في الحكم آية واحدة عمل بها إن كانت نَصًّا أو ظَاهِرًا فيه، وإن كانت مجملة فإن كان أَحَدُ احتماليها أو احتمالاتها أشبَهَ بالأدب مع الشرع عمل به، وكان ذلك كالبيان، وإن (أ) استوت احتمالاتها في الأدب مع الشرع جاز الأمران، والمختار أن يتعبد بكل منهما مرة، وإن لم يظهر وجه الأدب فيها وقف الأمر على البيان، وإن تَعَدَّدَ الدليل من الكتاب بأن كان في الحكم منه آيتان فأكثر فإن اتَّفَقَ مقتضاهن فكالآية الواحدة، وإن اختلف فإن قبل الجمع جمع بينهن بتخصيص أو بتقييد أو نحوه، فإن لم يقبل الجمع فإن علم نسخ بعضها بعينه فالعمل على ما سواه، وإن لم يعلم نسخ بعضها بعينه فالمنسوخ

стр. 327

منها مبهم، ويستدل عليه بموافقة السنة غيره، إذ السنة بيان الكتاب وهي إنما تبين ما ثبت حكمه، لا ما نُسِخَ. وإن انفردت السنة بالحكم فإن كان فيه حديث واحد، فإن صح عمل به كالآية الواحدة، وإن لم يصح لم يعتمد عليه وأخذ الحكم من الكتاب إن وجد، وإلا فمن الاجتهاد إن ساغ مثل أن يعمل بما هو الأشبه بالأدب مع الشرع وتعظيم حقه، وإن لم يَسُغْ فيه الاجتهاد وقف على البيان، وإن كان فيه أكثرُ من حديث فإن صحت جميعها فإمَّا أن تتساوى في الصحة أو تتفاوت، فإن تساوت في الصحة فإن اتفق مقتضاها فكالحديث الواحد، وإن اختلف فإن قبل الجمع جمع بينهما، وإلا فبعضها منسوخ، فإن تعين، وإلا استدل عليه لموافقة الكتاب أو الإجماع غيره، أو بغير ذلك من الأدلة، وإن لم يصح جميعها فإن كان الصحيح منها واحدا فكما لو لم يكن في الحكم إلا حديث واحد وإن كان الصحيح أكثر من واحد فإن اتفقت عمل بها، وإن اختلفت جمع بينهما إن أمكن الجمع، وإلا فبعضها منسوخ كما سبق فيما إذا كان جميع الأحاديث صحيحا، فإن تفاوتت في الصحة بأن كان بعضها أصح من بعض، فإن اتفق مقتضاها فلا إشكال، وهي كالحديث الواحد، وإن تعارضت فإن قبلت الجمع جمع بينهما، فإن لم تقبله قدم (أ) الأصح فالأصح، ثم إن اتحد الأصح عمل به، وإن تعدد فإن اتفق فكالحديث الواحد، وإن تعارض جمع بينه إن قبل الجمع، وإلا فبعضه منسوخ معين أو مبهم

стр. 328

يستدل عليه بما سبق. وإن اجتمع في الحكم كتاب وسنه فإن اتفقا عمل بهما وأحدهما بيان للآخر (أ) أو مؤكد له، وإن اختلفا فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن فإنه اتَّجهَ نسخ أحدهما بالآخر نسخ به، وإن لم يَتَّجِهْ فهو محل نظر وتفصيل. والأشبه تقديم الكتاب لأنه الأصل الأعظم فلا يترك بفرعه (ب). هذا تفصيل القول في أحكام العبادات. أما المعاملات ونحوها فالمتبع فيها مصلحة الناس كما تقرر، فالمصلحة وباقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فبها ونعمت كما اتفق النص والإجماع والمصلحة على إثبات الأحكام الخمسة الكلية الضرورية، وهي قتل القاتل والمرتد وقطع السارق وحد القاذف والشارب ونحو ذلك من الأحكام التي وافقت فيها أدلة الشرع المصلحة، وإن اختلفا فإن أمكن الجمع بينهما بوجه ما جُمِعَ، مثل أن يحمل بعضُ الأدلة على بعض الأحكام أو الأحوال دون بعض، على وجه لا يخل بالمصلحة، ولا يُفضي إلى التلاعب بالأدلة أو بعضها، فإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها لقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" وهو خاص في نفي الضرر المستلزم لرعاية المصلحة فيجب تقديمه، ولأن المصلحة هي المقصود من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام، وباقي الأدلة كالوسائل، والمقاصد واجبة

стр. 329

التقديم على الوسائل. ثم إن المصالح والمفاسد قد تتعارض، فتحتاج إلى ضابط يدفع محذور تعارضها، فنقول: كل حكم تفرضه فإما أن تتمحض مصلحته، أو مفسدته، أو يجتمع فيه الأمران، فإن تَمحَّضَت مصلحته فإن اتحدت مصلحته بأن كانت فيه مصلحة واحدة حُصلَتْ، وإن تعددت بأن كان فيه مصلحتان أو مصالح فإن أمكن تحصيل جميعها حُصلَ، وإن لم يمكن حُصلَ الممكنُ، فإن تعذَّرَ تحصيل ما زاد على المصلحة الواحدة فإن تفاوتت المصالح في الاهتمام بها حُصلَ الأَهَمُّ منها، وإن تساوت في ذلك حُصلَتْ واحدةٌ منها بالاختيار إلا أن يقع هاهنا تهمة فبالقرعة. وإن تَمَحَّضَت مفسدته فإن اتَّحَدَتْ دُفِعَتْ، وإن تَعَدَدَّتْ فإن أمكن درء جميعها دُرِئَتْ، وإن تعذر دُرِئَ منها الممكنُ، فإن تَعَذَّرَ دَرْأُ مازاد على مفسدة واحدة، فإن تفاوتت عظم المفسدة دُفِعَ أعظمها، وإن اتساوت في ذلك فبالاختيار أو بالقرعة إن تحققت (أ) التهمة. وإن اجتمع فيه الأمران المصلحة والمفسدة فإن أمكن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة تعين، وإن تعذر فعل الأهم من تحصيل أو دفع إن تفاوتا في الأهمية، وإن تساويا فبالاختيار أو القرعة إن اتَّجَهَتْ التُّهْمَةُ. وإن تعارض مصلحتان أو مفسدتان، أو مصلحة ومفسدة وترجح كل واحد من الطرفين بوجه (ب) دون وجه اعتبرنا أرجح الوجهين تحصيلا أو دفعا،

стр. 330

فإن تساويا في ذلك عدنا إلى الاختيار أو القرعة. فهذا ضابط مستفاد من قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" يتوصل به إلى أرجح الأحكام غالبا، وينتفي به الخلاف بكثرة الطرق والأقوال، مع أن في اختلاف الفقهاء فائدة عرضية خارجة عن المقصود، وهي معرفة الحقائق التي تتعلق بالأحكام وأعراضها ونظائرها وأشباهها، والفرق بينها، وهي شبيهة بفائدة الحساب من جزالة (أ) الرأي. وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها لأن العبادات حقُّ الشرعِ خَاصٌّ به، ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانا ومكانا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رَسَمَ له سَيدُهُ، ولأن غلام أحدنا لا يعد مطيعًا (ب) خادمًا له إلا إذا امتثل ما رَسَمَ له سَيدُهُ، أو فعل ما يعلم أنه يرضيه فكذلك هاهنا؛ ولهذا لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع أسخطوا الله وضلوا وأضلوا، وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسية شرعية وضعت لمصالحهم فكانت هي المعتبرة، وعلى تحصيلها المُعَوَّلُ (جـ). ولا يقال: إن الشرع أعلم بمصالحهم (د) فيؤخذ (هـ) من أدلته؛

стр. 331

لأنا (أ) نقول: قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأَخَصُّهَا فلنقدمها في تحصيل المصالح. ثم إن هذا إنما يقال في العبادات الى تَخفَى مصالحها على (ب) مَجَارِي العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإن (جـ) رأينا دليل الشرع متقاعدا عن إفادتها، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أَنَّا أُحِلْنَا بتمامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه، بالمنصوص عليه، بجامع بينهما. والله أعلم بالصواب.

стр. 332

الحديث الثالث والثلاثون: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموالَ قومٍ ودماءَهمْ، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا (١)، وبعضه في الصحيحين. الكلام على هذا الحديث في مباحث: الأول: قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم" إن قيل: قد اشتهر في (لو) أنها تقتضي امتناع الشيء لامتناع غيره، فهي إذًا هاهنا تقتضي امتناع دعوى رجال أموال غيرهم، لامتناع أن يعطى الناس بدعواهم، لكن ذلك لم يمتنع (أ)، إذ دعوى بعض الناس مال بعض ودمه كثير جدًّا. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن قولهم في (لو): إنها تقتضي امتناع الشيء لامتناع غيره (٢)، هي عبارة مشايخ النحاة، أما عبارة إمام الفن سيبويه فيها فهي: إنَّ (لَوْ) لِمَا كان سيقع لوقوع غيره (٣). وعلى هذا فلا إشكال، فإن (ب) دعوى

стр. 333

رِجَالٍ مَالَ قَوْمٍ كان سيقع، لوقوع إعطاء الناس بدعاويهم (أ). فإن قيل: الإشكال باق لأن الناس يدعى بعضهم مال (ب) بعض، سواء أعطُوا بدعاويهم (جـ)، أو لم يعطَوا. فجوابه بالوجه الثاني: وهو أن المراد بدعوى الرجال أَمْوَالَ قَومٍ إعطاؤهم إياها، ودفعها إليهم. وتقدس الحديث: لو يعطى الناس بدعواهم لأخذ رجال أموالَ قومٍ وسفكوا دماءهم، فوضع الدعوى موضع الأخذ، لأنها سببه، ولا شك أن أخذ مال المُدَّعَى عليه يمتنع، لامتناع إعطاء المُدَّعِي بمجرد دعواه (١)، وكذلك أخذ مال المُدَّعَى عليه سيقع لوقوع إعطاء المُدَّعِي بدعواه (٢)، ولا يقع بدون ذلك. فصح معنى (لو) في الحديث على القولين فيه. البحث الثاني: أن الرجال هم ذكور بني آدم بلا خلاف، أما القوم فهل يختص بالرجال، أم يعمهم والنساء؟ فيه قولان: حجة الأول: قوله ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن﴾ [سورة الحجرات: ١٢].

стр. 334

وقول زهير (١): وما أَدرِي -وَسَوفَ إِخَالُ أَدْرِيْ- ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ وجه الدلالة أنه في الآية قابل بين القوم والنساء مقابلة صحيحة، والمقابلة الصحيحة إنما هي بين الرجال والنساء، فالقوم إذًا هم الرجال، لا غير. حجة الثاني: قوله ﴿كذبت قوم نوح﴾ [سورة الشعراء: ١٠٦] ونحوه، والمراد الرجال والنساء جميعا، وكذلك العرب يقول (أ) أحدهم: هذا ليس في أرض قومي، وليس من لسان قومي ونحوه، ومراده الرجال والنساء. فقد بان مأخذ القولين، وعلى كل واحد منهما اعتراض: أما الأول: فيعترض عليه بأنه إنما دل على أن القوم هم الرجال خاصة بقرينة التقسيم، إذ قابل بين القوم والنساء، كما يقابل بين الرجال والنساء، حتى إنه لولا ذلك لم يدل على اختصاص القوم بالرجال. وأما الثاني: فيعترض عليه بأن النساء إنما دخلن في لفظ القوم بقرينة التكليف ونحوها (ب)، ولولاها (جـ) لما دخلن فيه. إذا عرف هذا فالمتداعيان إما رجلان، أو امرأتان، أو رجل وامرأة. فإن قيل (د): فلم قال: "لادَّعى رجال أموال قوم" ولم يقل: رجالٌ

стр. 335

أموالَ رجالٍ، أو قومٌ أموالَ قومٍ؟ قلنا: يحتمل أنه غاير بين اللفظين دفعا لتكرار (أ) أحدهما بغير فائدة، ويحتمل على القول بأن النساء يدخلن في لفظ القوم أن يقال: لما كان الغالب أن المدعي إنما يكون رجلا إذ (ب) المرأة ليست من أهل الدعوى وحضور مجالس الحُكَّامِ، والمُدَّعَى عليه يكون رجلا وامرأة قال: "لا دَّعى رجال أموال قوم" حملا على الغالب في ذلك. البحث الثالث: لم قدم ذكر الأموال على الدماء مع أنها أهم من الأموال وأعظم خطرا، ولذلك أول ما يُقْضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء (١). وجوابه: أن الخصومات في الأموال أكثر، لأن أخذها أيسر (جـ)، وامتداد الأيدي إليها أسهل (د)، ولهذا ترى الإنسان يسرق ويغصب ويخطف ويجحد المال في عمره ألف مرة وأكثر، ولعله لا يقتل أحدا أبدا، وإن قتل فنفسًا واحدة أو نفسين، وهو قليل بالنسبة إلى أخذ المال. ولو قدم ذكر الدماء على الأموال هاهنا لكان ذلك لكونها أهم كما ذكرنا، على أن عطف الدماء على الأموال بالواو، وهي لا تفيد ترتيبا.

стр. 336

البحث الرابع: قوله: "لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" إن قيل: لكن معناها الاستدراك، وهي إنما تكون بين نفي وإثبات نحو ما قام زيد، لكن عمرو قام، وزيد قائم، لكن عمرو لم يقم. وليست لكن هاهنا كذلك، إذ لا (أ) بعدها إثبات، ولا نفي قبلها. قلنا: هي كذلك في المعنى، إذ معنى قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم" لا يعطى الناس بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، وهي على المدعي، وهو كلام صحيع جار على القاعدة في لكن. البحث الخامس: قد كان يمكن أن يقال: البينة على المدعي واليمين على المنكر، والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والبينة على من ادعى واليمين على المنكر، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، كما في لفظ الحديث، فلم خص هذه العبارة، دون العبارات الثلاث الأُوَّلِ؟ قلنا: يحتمل أن يكون هذا من باب الاتفاق، وأنه لو أتى بغير هذه العبارة من تلك العبارات لجاز، ويحتمل أن يقال: إن في المدعى ضربا من التعريف المعنوي لظهوره وإقدامه على الدعوى فأتى فيه بلام التعريف المناسب له، والمنكر فيه ضرب من الإبهام والتنكير لاستخفائه (ب) وتأخره وكونه إذا (جـ) سكت لم يترك، فأتي فيه بِمَنْ إذ فيها إبهام وتنكير شبيه بحاله،

стр. 337

ويحتمل أن يجعل هذا السؤال دوريًّا مردودًا لأنه لو أتى بغير هذه العبارة لقيل: لم لم يأت بغيرها؟ البحث السادس: وجه الحكمة في أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر هو أن جانب المدعي ضعيف لدعواه خلاف الأصل، وجانب المنكر قوي لموافقته الأصل (أ) في براءة ذمته، والبينة حجة قوية لبعدها عن التهمة، واليمين حجة ضعيفة لقربها منها، فجعلت الحجة القوية وهي البينة في الجانب الضعيف وهو جانب المدعي، والحجة الضعيفة في الجانب القوى وهو جانب المنكر تعديلا، وهو توجيه حسن ذكره بعض أهل العلم. واعلم أن قوله: "واليمين على من أنكر" عام خُصَّ بِصُوَرٍ استثنيت منه: إحداهن: اليمين مع الشاهد الواحد في جانب المدعي. الثانية: يمين المدعى إذا ردَّها عليه المنكر على رأي الشافعي (١)، ورواية عن أحمد، ووجه في مذهبه (٢). الثالثه: يمين ولي الدم في القسامة وهو مدعي. الرابعة: أيمان الأمناء حين يتهمون في دعاويهم كالوكيل والمرتهن ونحوهما وما وجد من هذه الصور. والله أعلم بالصواب.

стр. 338

الحديث الرابع والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. رواه مسلم (١). هذا الحديث قاله أبو سعيد حين غَيَّرَ مروان أو غيره شيئًا في الصلاة، فقام رجل فقال: غيرتم يا مروان أو نحو هذا، فلم يلتفت إليه، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ ... الحديث. والمنكر ما لا يجوز في الشرع، فدليله يأباه وينكره، والمعروف خلافه. قوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره" هو خطاب للأمة جميعها، حاضرها حينئذ بمشافهتها بالأمر، وغائبها ممن يأتي لقوله ﵊: "حكمي على الواحد حكمي (أ) على الجماعة" (٢) أو لأن الحاضر يتضمن (ب) الغائب. وقوله: "رأى" يحتمل أنه من رأي (جـ) العين، ثم يقاس عليه ما علمه ولم يره فيجب تغييره مع القدرة؛ لأن المقصود دفع مفسدة المنكر، ولا فرق

стр. 339

بين ما أبصره، أو علمه ولم يره، ويحتمل أن رأى من رؤية القلب، أي: من علم منكم منكرا فليغيره، فهو أعم مما أبصره أو علمه، وهو أشبه في النظر وإن كان لفظ رأى ظاهرا في الإبصار. وقوله: "فليغيره" أي: يزيله ويبدله بغيره، وغير المنكر هو المعروف، وهو ما عرفه الشرع وأجازه من واجب أو مندوب أو مباح، ولا واسطة بينهما على هذا، أعني تفسير المعروف والمنكر. مما يجوز وبما لا يجوز، وربما أريد بالمعروف الطاعة، وبالمنكر المعصية، فعلى هذا ثبتت الواسطة بينهما، وهو المباح إذ ليس بطاعة ولا معصية. ثم الأمر بتغيير المنكر يقتضي وحوب إنكاره مطلقا، والتحقيق التفصيل وهو أن من رأى منكرا فإن قدر على إنكاره، وأمن على نفسه، ولم يخف تزايد المنكر بإنكاره -وبالجملة إن لم يعارض مصلحةَ الإنكار مفسدة راجحة ولا مساوية- لزمه الإنكار، وإن عجز عن إنكاره فهو معذور، والمكلف به غيره من الناس، إذ إنكاره فرض كفاية، وإن قدر على إنكاره ولكن خاف على نفسه ضررًا من هلاك أو غيره فيه احتمالان: أحدهما: لا يجب؛ لقوله ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [سورة النحل: ١٠٧] فأجاز النطق بكلمة الكفر عند الخوف والإكراه وهو في معنى ترك إنكار المنكر لذلك. والثاني: يجب؛ لعموم قوله: "فليغير" ولقوله ﵊: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول الله : ما منعك إذ رأيت كذا وكذا أن تنكره؟ فيقول: يا رب خشيت الناس، فيقول الله : أنا

стр. 340

كُنتُ أَحَقَّ أن تخشى" (١) وهذا يقتضي أن لا يسقط الإنكار عند الخوف، وإن أمن على نفسه لكن عارض مصلحة الإنكار مفسدة راجحة أو مساوية، أي: مثل من خشى إن أنكر قتل نفس قتل نفسين أو نفس أخرى فإن كان لزوم تلك المفسدة المعارضة متيقنا سقط (أ) الإنكار، وإن كان مشكوكا فيه لم يسقط، وإن كان مظنونا فهو محل نظر فليرجع (ب) فيه إلى اجتهاد المنكر بحسب ما يقتضيه الحال والقرائن ونحوها، فإن ترجح عنده الإنكار أنكر وإلا ترك. وظاهر الحديث أن من علم منكرا فعليه تغييره على التفصيل المذكور ولا يتوقف ذلك على إذن الإمام لقوله: "فليغيره بيده" وهو مخصوص بما إذا خاف من ترك إذن الإمام مفسدة راجحة أو مساوية من انحراف ولي الأمر عليه، أو تعلقه عليه بأنه افتات عليه ونحوه فيجب حينئذ استئذان من ولي الأمر في الإنكار (جـ) دفعا للمفسدة المذكورة. وقوله: "من رأى منكم منكرا" عام في الأشخاص مخصوص بما لا تكليف (د) عليه كالصبي والمجنون، أو لا قدرة له على الإنكار كالعاجز عنه فلا يجب على هؤلاء. وربما قيل: إن الخطاب بقوله: "من رأى منكم"

стр. 341

للمكلفين القادرين فلا تخصيص إذ لم يتناول غير المكلف وغير القادر حتى يُخصَّا منه. وقوله: "فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" هذا تنزل في تغيير المنكر بحسب الاستطاعة الأبلغ في ذلك فالأبلغ، إذ اليد أبلغ في التغيير ككسر أوعية الخمر والملاهي من يد (أ) مستعمليها، ثم اللسان بأن يغوث عليهم ويصيح فيتركوا ذلك، أو يسلط عليهم بلسانه من يفعل ذلك، ثم القلب بأن ينكر المنكر بقلبه وينوي أنه لو قدر على تغيير المنكر لغيره لأن الإنسان يجب عليه كراهة ما يكرهه الله من المعاصي، والأعمال بالنيات. وشبيهه بهذا التنزل والتدريج قوله ﵊ لعمران بن حصين: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١). وقول الفقهاء: يتنزل في دفع الصائل من الكلام إلى العصا إلى السيف ونحوه، الأسهل فالأسهل، غير أن التنزل في تغيير المنكر من الأعلى إلى الأدنى، بخلاف دفع الصائل فإنه من الأدنى إلى الأعلى، والمعتبر في ذلك تحصيل المصلحة وأمن المفسدة. قوله: "وذلك أضعف الإيمان" يعني (ب) التغيير بالقلب، ظاهره أن

стр. 342

تغيير المنكر من الإيمان، وتأويله على ما سبق من أنه من آثار الإيمان ومقتضاه، لا من حقيقة معناه إذ سبق في حديث جبريل ﵇ أن الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فوجب تأويل هذا على ما ذكرنا جمعا بين الحديثين (١)، فالتقدير إذًا: وذلك أضعف آثار الإيمان وثمراته؛ لأن تغيير المنكر بالقلب لازم وهو كراهة الشخص له، وتغييره باليد واللسان مُتَعَدٍّ، إذ فيه كراهة المنكر وإزالته. وجاء في حديث آخر "وهو أضعف الإيمان" "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (٢) لأنه إذا لم يكره المنكر بقلبه فقد رضي بمعصية الله وليس ذلك من شأن أهل الإيمان. فإن قيل: إذا رضي بالمنكر بقلبه ولم يكره هل يكفر بذلك أم لا؟

стр. 343

قلنا: إن رضيه معتقدا جوازه فهذا تضمن (أ) تكذيب الشرع في تحريمه وهو كفر، وإن رضي به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاده تحريمه فهو فسق لا كفر. واعلم أن هذا الحديث يصلح أن يكون نصف الشريعة لأن أعمال (ب) الشريعة إما معروف يجب الأمر به، أو منكر يجب النهي عنه، فهو نصف بهذا الاعتبار. ثم الناس إما آمِرٌ بمعروف ناه عن المنكر فهو المؤمن العدل، أو لا آمِرٌ بمعروف ولا نَاهٍ عن منكر، فإن كان مع عدم الحاجة إلى ذلك فهو معذور، وإن كان مع الحاجة إليه فإن كان لعذر (جـ) مُسقطٍ ذلك عنه، وأقام غيره مقامه فلا حرج عليه، وإلا فهو آثم فاسق، أو آمِرٌ بالمعروف غير نَاهٍ عن المنكر ففي تركه النهي عن المنكر التفصيل المذكور في القسم قبله، أو ناهٍ عن المنكر غير آمِرٍ بالمعروف فالتفصيل المذكور أيضًا، أو آمِرٌ بالمنكر نَاهٍ عن المعروف فهو منافق لأن الله وصف المنافقين بذلك. ثم النفاق على ضربين: نفاق في الإيمان، ونفاق في الأعمال فهذا لا بد له من أحدهما. واعلم أن هذا الحديث يرجع إلى قوله ﴿كنتم خير أمة

стр. 344

أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [سورة آل عمران: ١١١] ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [سورة التوبة: ٧٢] وقوله ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ [سورة المائدة: ٨٠] وأشباه ذلك. ومن السنة إلى قوله ﵊: "إذا ظهر المنكر في أمتي فلم ينكروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" (١) في أحاديث أخر مشهورة. والله أعلم بالصواب.

стр. 345

الحديث الخامس والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. رواه مسلم (١). هذا حديث كثير الفائدة كبيرها، وفيه أبحاث: الأول: "لا تحاسدوا" أي: لا يحسد بعضكم بعضا، وقد أجمع (أ) الناس من المشرعين وغيرهم على تحريم الحسد وقبحه، ووردت نصوص الشرع بذلك، وهذا الحديث يقتضي تحريمه. فإن قيل: ما معنى قوله ﵊: "لا حسد إلا في اثنتين ... " (٢) الحديث هل هو إباحة للحسد في الخصلتين المذكورتين أم لا؟. قلنا: الحسد لا يباح بوجه من الوجوه. وأما قوله: "لا حسد إلا في اثنتين" فالمراد به الغبطة، أي (ب): ليس

стр. 346

شيء في الدنيا حقيق بالغبطة عليه إلا هاتان الخصلتان: إنفاق المال، والعلم في سبيل الله . والفرق بين الحسد والغبطة أن الحسد تمني زوال النعمة عن الغير، والغبطة تمني الإنسان مثل ما لغيره من غير أن يزول عن الغير ماله. وفي ذم الحسد آيات وأحاديث مشهورة. ووحه قبح الحسد أنه اعتراض على الخالق ومعاندة له، حيث ينعم على زيد فيكره عمرو إنعامه عليه، ثم يحاول نقض فعله وإزالة فضله. وفي المعنى قول بعضهم (١): ألاَ قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِي حَاسِدًا ... أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ أَسَأْتَ عَلَى اللهِ فِي حُكْمِهِ ... لأَنَّكَ لَمْ تَرضَ لِي مَا وَهَبْ يعني على الله ، حيث كرهت فضله وعاندت فعله. وقال أبو الطيب (٢): وَأَظْلَمُ أَهْلِ الأرْضِ مَنْ بَاتَ حَاسِدًا ... لِمَنْ بَاتَ فِي نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ ووجه ظلم الحاسد أنه يجب عليه أن يحب لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب لنفسه زوال النعمة، فقد أسقط حق محسوده عليه، ولأن في الحسد

стр. 347

تعب النفس وحزنها بغير فائدة بطريق (أ) محرم (ب)، فهو تصرف رديء ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ [سورة النساء: ٥٤]. وفي الحكمة: الحَسُوْدُ لَا يَسُوْدُ (١)، وَالحَسُوْدُ مَحْبُوْسٌ فِي جِلْدَتِه. وفي ذم الحسد (جـ) من الشعر ما يطول ذكره. البحث الثاني: قوله: "ولا تناجشوا" أي: لا ينجش بعضكم على بعض، وهو أن يزيد في ثمن المبيع غير راغب فيه، لِيُغِرَّهُ (د) واشتقاقه من نَجَشْتُ الصيدَ إذا أثرته، كأن الناجش بالجيم والشين المعجمة يثير كثرة الثمن بنجشه. والنجش محرم للنهي عنه، ولأنه غش وخداع، وهما حرام، "من غشنا فليس منا" (٢) ولأنه ترك النصح الواجب وترك الواجب حرام. ثم النجش إما أن يكون بمواطأة البائع أو بدونها، وعلى التقديرين فقد اختلف في صحة البيع المنجوش فيه، فقيل: يبطل لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وقيل: لا يبطل لأن النهي فيه ليس راجعا إلى العقد، ولا ما يلزمه من ركن أو شرط.

стр. 348

نعم (أ) للمشتري الرجوع على البائع بمقدار ما غبن بالنجش، ويحتمل أن له الخيار في (ب) الرد أو الإمساك كالمصراة. وقد اختلف الأصوليون في النهي، فقيل: يقتضي الفساد مطلقا لأن الشرع إنما نهى (جـ) عما ترجحت مفسدته، وإعدام المفاسد واجب، وطريقه (د) إفساد المنهى عنه، وقيل: لا يقتضي الفساد لأن ترتيب الصحة على سبب حرام ليس محالا عقلا، فكذا شرعا، وقيل: يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات. والفرق أن العبادات حق الله تعالى، وهو غني عن عبادة منهى عنها، بخلاف المكلف فإنه قد يحتاج إلى عقد منهي عنه، فلو اقتضى النهي فساد المعاملات ضاق على المكلفين طرق المعاش، وقيل: إن رجع النهي إلى معنى في المنهي عنه اقتضى الفساد، وإن رجع إلى أمر خارج عنه لم يقتض الفساد. والتحقيق أن النَّهي إن كان لذات المنهي عنه، أو لوصف لازم له اقتضى الفساد، وإن كان لأمر خارج أو وصف غير لازم فلا. البحث الثالث: "لا تباغضوا" أي: لا يبغض بعضكم بعضا، والبغض للشيء هو النفرة منه لمعنى (هـ) مستقبح فيه.

стр. 349

والظاهر أن البغض والكراهة واحد، أو هما متقاربان. واعلم أن التباغض بين شخصين إما من الطرفين بأن يُبغض كل واحد منهما صاحبه، أو من أحدهما بأن يبغض أحدهما صاحبه دون الآخر، فهي ثلاث صور. ثم البغض فيهن إما لله أو لغيره، والتباغض والبغض حرام للنهي عنه إلا في الله فإنه واجب ومن كمال الإيمان، لقوله ﴿لا تتخدوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [سورة الممتحنة: ١] وقوله ﵊: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (١). فإذًا عموم النهي عن التباغض مخصوص بالبغض في الله ، فهو محرم خص بواجب أو مندوب، فإذا تباغض اثنان في الله أثيبا على غيرتهما لله وتعظيم حقه، وإن كانا عند الله من أهل السلامة أو الزلفة، وذلك بأن يؤدي كل منهما اجتهاده إلى اعتقادٍ أو عملٍ ينافي اجتهاد الآخر فيبغضه على ذلك، وهو معذور عند الله بخروجه عن عهدة التكليف بالاجتهاد. وأحسب -إن شاء الله تعالى- أن تخالف (أ) طوائف الأمة وفرقها من

стр. 350

هذا الباب ما لم يتضمن رأي بعضها كفرا أو فسقا بواحا. وما ذاك إلا كاثنين اختلفا في جهة القبلة فصلى كل منهما إلى جهة، فكل منهما يعتقد خطأ صاحبه، ومجرم عليه الائتمام به، وهما معذوران مأجوران، ولاَ تحْسَبَنَّ هذا قياسا فاسدا، إذ هو قياس أصل على فرع، وقطعي على اجتهادي، إذ قد بيّنا قَبْلُ أن أكثر العقائد المختلف فيها بين الأمة احتهادي أو يلحق (أ) بالاجتهادي. واعلم أن كل متباغضين فإما أن يبغض كل منهما الآخر في الله ، أو يبغض أحدهما صاحبه في (ب) الله والآخر يبغضه في غير (جـ) الله ، وبكل حال فالمبغض في الله مثاب، والمبغض لغير (د) الله معاقب لفعله المحرم. البحث الرابع: "لا تدابروا" أي: لا يدبر بعضكم عن بعض، أي: يعرض عنه بما يجب عليه من حقوق الإسلام من الإعانة والنصرة ونحوهما، ولا ملازمة بين التباغض والتدابر لأن الشخص قد يبغض صاحبه عادة، ويقبل عليه بتوفية حقوق الإسلام عبادة، وقد يعرض عنه وهو يحبه خشية تهمة، أو تأديبًا له ونحو ذلك، وفي نحو هذا قيل: لَا يَكْتُمُ الحُبَّ إلا خَشْيَةُ التُّهَمِ. وقوله: "ولا تدابروا" أصله تتدابروا بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا،

стр. 351

وهل هي تاء المضارعة أو فاء الكلمة (١)، فيه خلاف، وكذلك الثلاث قبلها وهي "تحاسدوا" و "تناجشوا" و"تباغضوا". البحث الخامس: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" وذلك لأن فيه تفريقا للقلوب، وتنفيرا لبعضها من بعض، إذ يفسد أحدهما على الآخر مصلحته. وقد جاء في هذا أو نحوه "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (٢) فإن باع مسلم على بيع مسلم حرم فعله، وفي صحة البيع خلاف، ووجهه ما سبق من أن النهي لمعنى خارج عن المنهي عنه هل يقتضي الفساد أم لا؟. أما بيع المسلم على الذمي فيحتمل جوازه لنقص حرمته، ولأن القصد من ذلك بين المسلمين أن لا يتنافروا والذمي نافر عن (أ) المسلم لا تؤلفه محاباته في بيع ولا غيره، ويحتمل تحريمه لأنه في ذمة الإسلام، فله ما للمسلم إلا ما خصه الدليل. أما بيع الذمي على المسلم فلا يجوز له ولا يبعد أن يؤدب عليه لأنه افتيات على المسلمين واستخفاف بحقهم. فإن قلت: المتبايعان لهما ثلاثة أحوال (ب): قبل المساومة، وبعد المعاقدة،

стр. 352

وفيما بين ذلك، فما محل النهي المذكور عن البيع على البيع؟. قلنا (أ): هو بين المساومة والمعاقدة حين يسكن أحدهما إلى الآخر، أما قبل التساوم وبعد المعاقدة فلا وجه للمنع. والبيع على البيع هو أن يشتري سلعة بخمسة مثلًا فيقول له قائل: أنا أبيعك خيرا منها بخمسة، أو مثلها بأربعة، وضرره على البائع. والشراء على الشراء هو أن يشتري سلعة بخمسة فيقول قائل للبائع: أنا أشتريها منك بستة، وضرره على المشتري. والبيع على البيع، والشراء على الشراء، والسوم على السوم، والخِطبة على الخِطبة كل ذلك منهي عنه، وكذلك كل ما في معناه مما يفرق (ب) القلوب، ويورث التباغض إلا أن يرضى من له الحق فيجوز، مثل أن يأذن له في شراء ما ساوم عليه، أو في خِطبة من كان خطبها لأن الحق له وقد تركه وزال محذور التنافر. البحث السادس: "وكونوا عباد الله إخوانا" هذا شبيه بالتعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضكم على بعض كنتم إخوانا، وإن (جـ) لم تتركوا ذلك كنتم (د) أعداء. والإخوان الإخوة من غير النسب، والإخوة من النسب.

стр. 353

وقوله: "وكونوا إخوانا" أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا فيما سبق ذكره وغيره من فعل المؤلفات وترك المنفرات. وقوله: "عباد الله" أي: عبادًا لله، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله فحقكم أن تطمعوه بأن تكونوا إخوانا. فإن قيل: ما وجه طاعة الله في كونهم إخوانا؟. قلنا: التعاضد على إقامة دينه وإظهار شعائره (أ)، إذ بدون ائتلاف القلوب لا يتم ذلك. ألا ترى إلى قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الأنفال: ٦٤] الآية. البحث السابع: "المسلم أخو المسلم" اعلم أن الأخوة تارة تكون نَسَبِيّة بأن يجمع الشخصين ولادةٌ من صلب أو رحم أو منهما، وتارة تكون دينية بأن مجمعهما دين واحد أو رأي واحد. وفي التنزيل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: ١١] وفي السنة "المسلم أخو المسلم" والأخوة الدينية أعظم من النسبيّة، بدليل أن الأخوين من النسب إذا افترقا في الدين لم يتوارثا، والأجنبيان إذا اتفقا في الدين توارثا، إما بإسلام أحدهما على يدي (ب) الآخر كما كان أولًا ثم نسخ، أو بعموم الدين عند فقد القرابة كما وَرَّثَ الشافعي بيت مال المسلمين لاجتماعهم في

стр. 354

الإسلام أو لغير ذلك. قوله: "لا يظلمه" أي: لا يدخل عليه ضررا بغير إذن شرعي، لأن ذلك حرام ينافي أخوة الإسلام، بل الظلم حرام حتى للكافر فالمسلم أولى، فالظلم يكون في النفس والدين والمال والعرض ونحو ذلك، وكله حرام منهي عنه بدليل آخر الحديث. قوله: "ولا يخذله" أي: لا يترك نصرته الجائزة مع القدرة عند الحاجة لأن من حقوق أخوة الإسلام التناصر لقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة: ٤] وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال: ٧٣] وقوله ﵊: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" (١) وسواء كان الخذلان دنيويًّا مثل أن ترى عَدُوًّا يريد أن يبطش به فلا تعينه عليه، أو دينيًّا بأن ترى الشيطان مستوليا عليه في بعض الأعمال أو الأحوال يريد أن يستفزه ويهلكه في دينه فلا تعينه على الخلاص من حبالته بوعظ أو نحوه وكلا النوعين من الخذلان حرام. قوله: "ولا يكذبه" أي: يخبره بأمر على خلاف ما هو عليه لأنه غش وخيانة، والكذب أشد الأشياء ضررا، والصدق أشدها نفعا، ولهذا كانت رتبة الصدق فوق رتبة الإيمان لأنه إيمان وزيادة، ولهذا قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٠] فأمر المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين ولأن الصدق مرادف التقوى بدليل قوله

стр. 355

عزَّ وجلَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]. ثم التقوى أخص من الإيمان فكذا الصدق الذي هو رديفها أو كرديفها واستفيد هذا من قوله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨] الآية. ويروى أن أعرابيا بايع النبي ﷺ على أن يترك خصلة من خصال وهي الزنا والسرقة والكذب ونحوها، فقال النبي ﷺ : "دع لي منهن الكذب" فذهب الأعرابي فجعل إن همَّ بزنا أو سرقة أو غيرهما قال: كيف أصنع إن فعلت، ثم سأل النبي ﷺ هل زنيت؟ فإن قلت: نعم، حدَّني، وإن قلت: لا، كذبت، وقد عاهدني على ترك (أ) الكذب، فترك الفواحش كلها لترك الكذب (١). وبالجملة فموضع الكذب من القبح مقابل الصدق من الحسن. قوله: "ولا يحقره" أي: يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ ولأن الله لم يحقره حين خلقه ورزقه وخاطبه وكلفه فاحتقار المخلوق مثله له تجاوز لحد الربوبية في الكبرياء، وهو حرب عظيم، وهذا وجه قوله ﵊: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" أي: يكفيه من الشر في أخلاقه ومعاشه ومعاده. ومعنى هذه الجملة أن من حق الإسلام وإخوته أن لا يظلم المسلم أخاه
следующие страницы →