← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عملي في الكتاب - هذه النسخ التي وقفت عليها من الكتاب نسخ رديئة بعضها أردأ من بعض، يشيع فيها التحريف والتصحيف والبياض والسقط الذي يصل أحيانا إلى عشر أسطر، فلم يمكن الاعتماد على نسخة واحدة، فاعتمدت على النسخ كلها، على طريقة النص المختار لإخراج نص سليم تطمئن إليه النفس وتركن -حسب الطاقة-. وقد كلفني ذلك جهدا ووقتا لا يعلمه إلا الله سبحانه. وكنت في بداية العمل أشير إلى جميع فروق النسخ بتحريفاتها وسقطاتها إلى قريب نصف الكتاب، فلما استفحل الأمر، ووصلت الفروق في الصفحة الواحدة إلى أكثر من عشر فروق، مزقت الأوراق وكتبت الكتاب مرة أخرى، ولم أشر إلى فروق التحريف والسقط، وإنما أشير إلى ما يكون له وجه في المعنى. - وإذا اتفقت النسخ على خطأ محض أثبت الصواب، ولا أشير إلى الخطأ، وذلك في مواضع قليلة، مثلًا في جميع النسخ: أما لفظه فهو إفعال من جمع مجمع. فأثبتُّ (من أجمع) ولم أشر إلى ما في النسخ. - عزوت الآيات إلى سورها، وخرجت الأحاديث، والشواهد الشعرية. وكان المؤلف ﵀ يعتمد في سياق الأحاديث على ذاكرته -كما أشار إليه في نهاية الكتاب- فيقدم ويؤخر، ويغير من ألفاظه، ويروي بالمعنى، فَصعَّبَ ذلك ووعر طريق الوصول إليها. - كان للمؤلف ﵀ -على غزارة علمه وسعة اطلاعه- بعض الآراء التي تقتضي التنبيه عليها والتعليق فعلقت عليها بما يناسب.

стр. 37

- ترجمت لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب. - أشرت إلى بداية لوحات النسخ بكتابة أرقامها في الحاشية ما عدا نسخة (م) فقد وصلتني بعد أن طبعت الكتاب. وأشكر وأدعو للأخ محمد عزير شمس صاحب الاطلاع الواسع والفهم الثاقب فقد قرأ الكتاب كله، وكتب عليه بعض التعليقات، وفي آخرها "عزير" وخرج لي وضبط كثيرا من الشواهد. فجزاه الله خيرا، وبارك في علمه. وكتبه أحمد حاج محمد عثمان في بيت الله الحرام بمكة المكرمة حامدًا لله ومصليًّا على رسوله صلي الله عليه وسلم ليلة الاثنين السابع من رمضان عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية

стр. 38

صور المخطوطات

стр. 39

لوحة العنوان نسخة (أ)

стр. 40

اللوحة الأولى نسخة (أ)

стр. 41

من الحديث الثالث والثلاثين خالفت هذه النسخة جميع النسخ وأصبحت نصًّا آخر تمامًا

стр. 42

لوحة العنوان نسخة (ب)

стр. 43

اللوحة الأولى نسخة (ب)

стр. 44

آخر لوحة نسخة (ب)

стр. 45

لوحة العنوان نسخة (س)

стр. 46

اللوحة الأولى نسخة (س)

стр. 47

آخر لوحة نسخة (س)

стр. 48

لوحة العنوان الأولى والثانية لنسخة (م)

стр. 49

لوحة العنوان الثالثة لنسخة (م)

стр. 50

اللوحة الرابعة لنسخة (م)

стр. 51

آخر لوحة نسخة (م)

стр. 52

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (أ) الحمد لله مَانِع اللأواءِ ومَانِح النَّعْمَاءِ، الذي جلَّت أياديه على العلماء، حتَّى امتازوا عن غيرهم بمَّا وهب لهم من النُور والضِّياء. أحمده على ما علَّم وأفهم، وأشكره على جزيل ما مَنَّ به وأَنعَم، حمدَ معترف له بجلائل النِّعَم، مستغفرٍ له من سوء ما زلَّت به القدم. والصلاة والتسليم (ب) على سيدنا محمد أكرم المرسلين إلى أكرم الأمم، وأشرف من سعت به في طاعة ربه ساق وقدم، وعلي آله وأصحابه أهل الفضل والكرم، السابقين في حلبة مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَمِ، وسلم تسليما كثيرًا. أما بعد -فهذا- إن شاء الله إملاء نافع وتأليف جامع، يشتمل على شرح الأحاديث الأربعين التي جمعها الشَّيخ الإمام العالم الفاضل محيي الدين أبو زكريَّا يَحْيَى النواوي ﵁ وعن سائر علماء المسلمين. إذ كانت كالمعين والينبوع لعلم الأصول والفروع، موضحا لما تضمنته من المشكلات والغوامض، كاشفا عمَّا اشتملت عليه من السنن والفرائض، باحثا عن ألفاظها ومعانيها، مستخرجا (جـ) لأسرارها المودَعَةِ فيها،

стр. 53

جاليا لعرائسها على الخُطَّابِ، مُبَرزًا لنفائسها من وراء حجاب الخطاب، صادعًا عن الحق بالبرهان، ملغيًا لما ألغاه الدليل فَوَهَنَ وهَانَ، معتمدًا في ذلك على ما قيل عن أهل الفضائل والعقول: العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. وأرجو من الله أن يأتي هذا الإملاء بَحرًا يقذف ليتائم دُرَرِه ويُنافَسُ (أ) في لآلئِه وجواهره، وأن يكون كالقاعدة الكلية للدين، والمرتِع المَرِي والمشرَبِ الرَّوِي لطلبة المسلمين، فأوصيك أيها الناظر فيه المجيلُ طرفَهُ في أثنَائِه ومضطَاوِيه، أن لا تسارع فيه إلى إنكار خلاف ما ألِفَهُ وهمك، وأحَاطَ به عِلمُك. بل أجِد النَّظرَ وَجَدده، وأَعِد الفِكرَ ثم عاوده، فإنِّك حينئذٍ جدير بحصول المراد. ومن يهد الله فما له من مُضِلٍّ، ومن يضلل الله فما له من هادٍ. وأعلم أن الشَّيخ محيي الدين رحمه الله تعالى كان قد وعد في هذه الأربعين أن يضع لها شرحًا يكون لقُفْلِهَا فتحًا، وإنه وَفَى بِمَا وعَد وسَحَّ سَحَابُه إذ رَعَد. ورأيت هذا الشرح مجلدا لطيفا يكون على التقريب والتَّشبِيهِ قدر نصف أو ثلثي التنبيه (١). ولم يتهيأ لي أن أطالعه ولا شيئًا منه فلذلك لم أعرف مقصوده (ب) فيه ومغزاه، ولم أحط بمبدأ قوله فيه ومنتهاه، غير أنِّي التزمت

стр. 54

في هذا الشرح ما وُفِّقتُ لالتزامه، وأسأل (أ) الله التوفيق لإتمامه، وهو أنِّي أعمد إلى كل حديث فَأَتَكَلَّمُ عليه لفظًا ومعنًى من جهة اللغة، والفروع والأصول، والمعقول والمنقول، وأرُدُّ معناه إلى ما يُنَاسِبُهُ من آي الكتاب مُتَوخِّيًا للتحقيق والصواب مُتَصَرفًا في ذلك بقانون أصول الفقه من تخصيص عام، وتعميم خاص، وتقييد مطلق، وإطلاق مُقيّدٍ، وتبيين مجمل، وغير ذلك، وإن عارض الحديث معارض من كتاب أو سنةٍ تَلَطفتُ في دفع التناقض وكشف شبهة التعارض إلى غير ذلك من الفوائد التيَّ تَسنَحُ في مواضعها وتجمَحُ القريحةُ إلى تقريب شاسعها. كُلُّ ذلك بحسب مبلغي من العلم، وما أوتيته من الفهم. اللَّهُمَّ فهذا ما أملك فهب لي واستوهب لي ما لا أملك، واجعله خالصًا لوجهك مُقَربًا إليك (ب) مقبولا عندك، لا ربَّ غيرك ولا خير إلَّا خيرك، والحمد لله. القول على الخطبة (جـ). وسُميَّت خُطبة لأنَّ العرب كانوا إذا ألَمَّ بهم الخَطبُ وهو الأمر العظيم خطبوا له، فيجتمع بعضهم إلى بعض فيحتالون في دفعه فاشتُقَّ اسم الخُطْبَةِ من الخَطْبِ. قوله: "الحمد لله رب العالمين" كأن الشَّيخ رحمه الله تعالى أحبَّ افتتاح كتابه بما افتتح به كتاب الله . والحمد: قيل. هو الشكر، فهما مترادفان. وقيل: الحمد بالقول بدليل ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [سورة النمل: ٦٠]

стр. 55

والشكر بالعمل بدليل ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سورة سبأ: ١٤] وقيل: الحمد هو المدح بصفات الذّات كالعلم والشجاعة، والشكر هو المدح بصفات الفعل كالعطاء والطاعة. والأشبه أن الحمد هو المدح بجميع الصفات الجميلة ذاتية كانت أو فعليَّةً لأنَّه ضد الذم المترتب على جميع الصفات القبيحة ذاتيةً كانت أو فعليَّةً، والضدان يتعاقبان على محل واحد، فالمدح والذم يتعاقبان على جميع الصفات. والشكر: هو الاعتراف بالنعمة والثناء على من أسداها بالقلب والجوارح لأنَّه ضد الكفر الذي هو جحد النعمة وترك الثّناء على من أسداها بشيء من ذلك. قال الشاعر (١): أفادتكُمُ النعماءُ مِنِّي ثلاثةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضَّمِير المُحَجَّبَا أي: أنهم استحقُّوا عليه بالإنعام طاعة يده، ولناءَ لسانه، ومحبَّةَ قلبه، وهو ضميره. والربُّ: قيل: هو المالك، وقيل: المُرَبي، وقيل: السيد، وقيل: المصلح، وكل هذه صفة الله مع خلقه. والعالمين (أ): جمع عالم وهو في الأصل ما سوى الله إن اشتُقَّ من العلامة لكونه عَلَمًا على خالقه، والعقلاءُ خاصَّة من الجِن والإنس

стр. 56

والملائكة ونحوهم إن اشتُقَّ من العِلْم لاختصاصه بهم. والمراد بالعالمين هاهنا أصناف المخلوقات. سمي كل صنف عالَما كما يقال: عالَم الغيب، وعالَم الشهادة، وعالم العقل، وعالم الطبيعة، وعالم الحِسِّ، وعالم الخيال، والعالم العلوي، والعالم السفلي ونحو ذلك. وروي عن قتادة (أ) وغيره من أهل العلم أن لله ثمانين ألف عالم، كل عالم كالدنيا وما فيها. وقوله : ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ١] ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الجاثية: ١٦] وقوله ﵊: "فاطمة سيِّدَةُ نساء العالمين" (١) أراد به خصوص العقلاء. وقوله ﴿رب العالمين﴾ أراد به عموم الموجودات، بدليل ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٦٤] وكذلك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٧] لأنَّ بركته ﵊ عمَّت الموجودات لأنَّه عَرَّفَ النَّاسَ أحكامها، وما ينبغي فيها وما لا ينبغي فيها. قوله: "قيوم السموات والأرضين" أي: الذي يقومان به ويستقلَّان بقدرته وحكمته. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة فاطر: ٤١] وقال الله ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة الحج: ٦٥].

стр. 57

والقَيَوم أصله قَيْوُوْم على فيعول من أبنية المبالغة. وقيّام أيضًا، وأصله قَيْوَام على فيعال، كذا (أ) قرئ (١) ﴿الحيُّ القيَّام﴾. قوله "مدبر الخلائق أجمعين" الخلائق جمع خليقة وهي الأشياء المخلوقة فعيلة بمعنى مفعولة، ومدبرها أي مصرف أمورها وأحكامها بحسب ما تقتضيه الحكمة، لا أقول: بحسب ما تقتضيه المصلحة لأنَّ في الخلق من عاقبته (ب) أعظم المفاسد وهم الكفار عاقبتهم إلى النَّار. اللهُمَّ إلَّا أن يراد مدبر الخلائق في الدُّنيا، فيصح أن يقال: هو مصرف أمورهم بحسب المصلحة لأنَّ عموم رحمة الله ورأفته اقتضت إفاضة المصالح في الدُّنيا على البَر والفاجر والمؤمن والكافر، فتكون الخلائق جمع خليقة وهي الخلق (٢) والطبيعة. ومنه قوله: وإن تكُ قَدْ ساءَتكِ مِنِّي خليقَةٌ (٣): البيت. قوله: "باعث الرسل صلاته وسلامه عليهم إلى المكلفين": أي مرسلهم. وفي التنزيل ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٣٦] وصلوات الله رحمته المترادفة، وسلامه تحيته، أو تسليمه إياهم من كل مكروه،

стр. 58

فهو السلام ومنه السلام. والمكلفون في عرف الشرع هم العقلاء البالغون من الثقلين الجن والإنس وهم المراد هنا. واختلف في الملائكة هل هم مكلفون أم لا، والتحقيق أنهم مكلفون بالطاعات العملية بدليل: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سوره التحريم: ٦] وهذا (أ) حقيقة التكليف. أما الإيمان بالتوحيد ونحوه من العقائد فليسوا مكلفين به لأنَّه ظاهر مكشوف لهم فتكليفهم به تحصيل الحاصل. قوله: "لهدايتهم" أي: باعث الرسل لأجل هداية المكلفين "وبيان شرائع الدين" أبي: موارده التي يرد النَّاس عليها منه. قلت: لو قال لهدايتهم ببيان شرائع الدين لعله كان أجود ليكون ذاكرا للهداية وسببها. قوله: "بالدلائل القطعيّة وواضحات البراهين". الدلائل جمع دِلالة بكسر الدل وفتحها والمراد بها هاهنا الدليل، وهو في اللغة المرشد إلى المطلوب، وفي اصطلاح الأصوليين ما أمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن، وهو على ضربين: قاطع وهو ما مقدماته قاطعة نحو كل إنسان جسم، وكل جسم مركب، فكل إنسان مركب، وغير قاطع وهو ما مقدماته غير قاطعة نحو الطمأنينة ركن في الصَّلاة، وكل ركن واجب، أو الوضوء عبادة، وكل عبادة يشترط لها النيَّة. وأقل ما يتركب منه الدليل

стр. 59

مقدمتان وقد يتركب من أكثر. والبرهان هو الحجة القاطعة أيضًا ولا شَكَّ أن الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بالآيات المعجزات (أ) دليلًا على صدقهم فكأَنَّ صدقهم مستفاد من دليل مؤلف من مقدمتين قاطعتين على هذا النظم: الرسل جاءوا بالمعجزات، وكل من جاء بالمعجزات فهو صادق، فالرسل صادقون. أما الأولى فثابتة بالحس فإنَّ النَّاس شاهدوا قلب العصا حَيَّة، وإحياء الموتى، وانشقاق القمر، ونحوها من المعجزات. وأمَّا الثَّانية فثابتة بالعقل ضرورة (ب) لأنَّ المعجزات خوارق العادات، وخرق العادات لا يقدر عليه إلَّا الله ، والله لا يؤيد به (جـ) كاذبًا، وقد أيَّدَ به هؤلاء الرسل عليهم الصَّلاة والسلام، فليسوا كاذبين، فهم صادقون بالضرورة، فقام الدليل على صدقهم وانتظم البرهان على حَقِّهم. والواضحات التي لا إشكال فيها ولا غُبَار عليها. قوله: "أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلَّا الله الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" أعلم أن لنبيَّنَا ﷺ أسماءً كثيرة أفرد لها ابن فارس (١) بشرحها تصنيفًا. ونحن نقيم الدليل على أن أشرفها عبد الله، وذلك أنه ﷺ لم يدع

стр. 60

بهذا الاسم إلَّا في أشرف مقاماته وهي مقام الإسراء ونحوه، ومقام الاحتجاج على رسالته بمعجزات القرآن، ومقام دعاء المكلفين إلى الإيمان بتلاوة القرآن. ففي المقام الأول دُعِيَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [سورة الإسراء: ١] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [سورة النجم: ١٠] وفي المقام الثَّاني قال الله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣] وفي المقام الثالث ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [سورة الجن: ١٩] يعني الجن لما دعاهم إلى الإيمان (١). وكذلك لما خُير النبيُّ ﷺ بين أن يكون ملكًا رسولًا، أو عبدًا رسولًا، فاختار ﵊ أن يكون عبدًا رسولًا (٢)، لعلمه بشرف العبودية لله وفي هذا المعنى قال القائل: يا قَومِ قَلبِي عندَ زَهرَاءِ ... يَعرِفُهُ السَّامِعُ والرائِي لا تَدعُني إلَّا بِيَا عَبدَهَا ... فإنَّه أشرفُ أسمائِي (٣) والسبب في ذلك أن الإلاهية والسيادة والربوبية إنَّما هي بالحقيقة لله لا غير، والعبودية بالحقيقة لمن دونه، فإذا (أ) كان في مقام العبودية فهو في رتبة الحقيقة، ورتبة الحقيقة أشرف المراتب، إذ ليس بعد الحقيقة إلَّا

стр. 61

المجاز، ولا (أ) بعد الحق إلَّا الضلال. قوله: "وحبيبه وخليله" أعلم أن حبيب الله من أحبه بدليل: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: ٥٤] ومحبة الله على حسب المعرفة به، وأعرف النَّاس بالله نَبِيُّنَا محمد ﷺ ، وهو أحبَّهُم له وأحَقُّهُم باسم الحبيب. والخليل هو الحبيب الخاص الذي كأنَّه يتخلل قلبَ صاحبِهِ بشدَّةِ محبته له، والنبي ﷺ خليل الله باعتبار المحبة الخاصَّة وقد قال ﵊: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله (١) " وأعلم أن الخُلَّة لما كانت أخَصَّ من المحبَّةِ وأعلى رتبةً كان أحِبَّاءُ الله كثيرًا، ولم تحصل (ب) الخُلَّةُ إلا لاثنين إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما (جـ). قوله: "أفضل المخلوقين" لقوله ﵊: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر (٢) " مع أن ولد آدم أفضل أنواع المخلوقات، فهو ﵊ سيد أفضل أنواع المخلوقات، فهو أفضل المخلوقات بالضرورة.

стр. 62

فإنَّ قيل: كيف هذا مع قوله ﷺ : "لا تفضلوني على يونس، ومن قال أناخير من يونس بن متَّى فقد كذب" (١). قلنا: هذا منه على جهة التواضع، أو حفظًا لمنصب الأنبياء عمن ينتقِصُهُم بواسطة تفضيله عليهم، أو أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه أنه أفضل البشر. قوله: "المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين" أعلم أن القرآن يجوز أن يُسمَّى معجزًا وصفًا له باعتبار لفظه أو كونه كتابًا معجزًا، ويجوز أن يُسَمَّى معجزة على معنى أنَّه آية معجزة. ومِنْ فَضْلِ القرآنِ على سائر المعجزات دوامه وانقطاعها، واختلف النَّاس في قدمه، ولم يختلفوا في حدوثها. وفي الصحيح عنه (أ) ﷺ أنه قال: "ما من نبي من الأنبياء إلَّا وقد أوتى ما مثله آمن عليه البشر، وإنَّما كان الذي أوتيته وحيًا، وإنّي أرجوا أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (٢) قلت: وما ذاك إلا لأنه معجز مُستَمِرٌّ دائم بين أظهر النَّاس يرشدهم إلى الإيمان بمن أنزل عليه على تعاقُب الأعصار واختلاف الليل والنهار، فبالضرورة تكثر اتباعه، بخلاف باقي معجزات الرسل فإنَّها لولا تصديق القرآن لها لما آمن بها إلَّا قليل لانقطاع وجودها

стр. 63

وعدم إحساس النَّاس بها. قوله: "وبالسنن" أي: المكرم بالسنن "المستنيرة للمسترشدين" أعلم أن سنة النَّبيِّ ﷺ على ضربين: أحدهما: ما أوحي إليه وحيًا لقوله ﷺ : "إن جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني القرآن" (١). والثاني: ما ألهمه الله التكلم به بيانًا للقرآن، وفي كلا الوجهين له إكرام، أعني الوحي والإلهام. والمستنيرة ذات النور كناية عن الهدى الذي تضمنته. والمسترشد طالب الرشاد. قوله: "المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين" أما الأول: فأشار (أ) إلى قوله ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا" (٢) أى: أوتيت الكلم الجوامع وهي المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة. ولا نعلم لأحد أجمع من كلماته ولا أكثر وقد تضَمَّنَت دواوين الحديث، وسيأتي التنبيه في أثناء هذا الكتاب على بعضها إن شاء الله تعالى. وأمَّا

стр. 64

الثَّاني: فأشار (أ) إلى قوله ﷺ : "بعثت بالحنفية السَّمحة السَّهلة" (١) وقوله ﷺ : "الدين يُسر" (٢) ولا يعلم في الأديان أسمح من دينه ﷺ ، يعرف ذلك من استقرى الأديان. ويكفي من ذلك قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة المائدة: ٦] ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٦٦] ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨] مع قوله : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٧] قيل: كانت بنو إسرائيل يقرضون مَحَلَّ البول من جلودهم إذا أصابهم، ولا يُجزِئُهم غسله، وإذا أتى أحدهم ذنبا أصبح مكتوبًا على باب داره، فيقام عليه حده، وكانت توبتهم بقتل أنفسهم، وكان موجب القتل عندهم القصاص عينا ولا يقبل الدية. وفي الصحيح "فضلنا على الأمم بخمس" (٣) الحديث كل هذا ونحوه من سماحة هذا الدين وتشديد غيره. قوله: "صلوات الله عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين" أي باقيهم اشتقاقًا لها من السؤر بالهمزة، وهو بقية الماء ونحوه في إناء وغيره،

стр. 65

ويستعمل أيضًا بمعنى جميع اشتقاقًا لها من سُورِ المدينة لأنَّه جامع محيط بما وراءه منها. قوله: "وآل كل وسائر الصالحين" أي: آل كل واحد من النبيين لكن حذف المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، نحوه ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [سورة النمل: ٨٧] وقبل وبعد أشباه ذلك. قوله: "أما بعد" قيل: هي فصل الخطاب لأنَّ المتكلم يفصل بها بين خطبته وبين غرضه. وأول من نطق بها داود لقوله : ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١) [سورة ص: ٢٠]. وقيل: قُسُّ بن ساعدة الإيادي، وقيل: يعرب بن قحطان فعلى هذا فصل الخطاب الذي أوتيه داود هو: البَينة على المدَّعي واليمين على من أنكر (٢). قوله: "فقد رُوينَا عن عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵃ من طرق كثيرات بروايات متنوعات أن رسول الله ﷺ قال". أكثر النَّاس يقولون: رَوَينا بفتح الواو مخففةً من روى يروي إذا نقل عن غيره (أ)، مثل رمي يرمي، والأجود رُوينَا بِضم الراء وكَسْرِ الواو مُشَدَّدَةً أي:

стр. 66

رَوَّانَا مَشَايِخُنَا، أي: نقلوا لنا فسمعنا، كذا حَرَّر هذه اللفظة بعض أئمة (أ) الحديث. قوله ﷺ : "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا بعثه الله تعالى يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء"، وفي رواية "بعثه الله فقيها عالمًا"، وفي رواية أبي الدرداء "كنت له يوم القيامة شافعًا وشهيدًا"، وفي رواية ابن مسعود "قيل له: ادخل من أي أبواب الجنةِ شئتَ"، وفي رواية ابن عمر "كُتِبَ في زمرة العلماء، وحُشِرَ في زمرة الشهداء". قلت: ذكر المصنف رحمه الله تعالى في آخر الكتاب أن معنى حفظها أي (ب): ينقلها إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها، هذا حقيقة معناه، وبه يحصل انتفاع المسلمين لا بحفظ ما ينقله إليهم، انتهى كلامه. قلت: الحفظ هو: ضبط الشيء ومنعه من الضياع، فتارة يكون حفظ العلم بالقلب وإن لم يكتب، وتارة في الكتاب وإن لم يحفظ بقلبه، والمراد ما ذكره الشَّيخ، فلو حفظ في كتابه ثم نقله إلى النَّاس دخل في وعد الحديث وإن لم يحفظها في قلبه، ولو حفظها في (جـ) قلبه ولم ينقلها إليهم لم يدخل في وعد الحديث ولو كتبها في عشرين كتابًا. وبهذا المعنى فَسَّرَ البُخاريّ قوله ﵊: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها

стр. 67

دخل الجنة" (١) أي: من حفظها مَسْتَظهِرًا. قلت: لا يخلو الشخص في حفظ هذه الأحاديث من أن يحفظها بكتابه وقلبه، أو يحفظها في أحدهما دون الآخر، وعلى التقديرات فإما أن ينقلها إلى النَّاس أولًا ينقلها فهي ستة أقسام، وحكمها ظاهر. وأعلم أن هاهنا تحقيقًا وهو أن الناقل للحديث إلى المسلمين لينتفعوا به إما أن يكون قد استخرجه بطريق الإسناد والاجتهاد كما استخرج البُخاريّ ومسلم ونحوهما من أئمة الحديث، أو نقله (أ) من دواوين الأئمة المفروغ منها كالمصنف في نقله هذه (ب) الأربعين من الصحيحين وغيرهما، فإنَّ استخرجه بالإسناد والاجتهاد دخل في وعد الحديث المذكور بلا توقف، وإن نقلها من الدواوين المفروغ منها ففي دخوله نظر، لأنه لم يحفظه هو على الأمة، إنَّما حفظه صاحب الكتاب المُدَوَّنِ المفروغ منه الذي تعب في تخريجه وإسناده، وإن دخل في وعد الحديث فلا يكون كدخول المُسْنِد المجتهد، بل يكون له أجر إفراد الحديث من هذا الديوان وتقريب تناوله على من أراده لا أجر إسناد واجتهاد. وحاصل هذا أنه لم يحفظه الحفظ التَّام فلا يدخل في الوعد الدخول التَّام. هذا (جـ) مقتضى النظر عملًا بقوله ﷺ : "ثوابك على

стр. 68

قدر نصبك" (١) وقوله: "أفضل الأعمال أحمزها" (٢) أي: أشقها ونحوه. ولله أن يتفضل عليه بالأجر التامّ وإن لم يحفظ الحفظ التَّام، كما ثبت في صحيح مسلم أنه ﵊ قال: "من سأل الله الشهادة خالصًا من قلبه بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (٣)، ونحوه. وهاهنا تنبيه وهو أن من حفظ على الأمة أربعين حديثًا فإنَّ كانت صِحاحًا أو حسانًا دخل في وعد الحديث المذكور، وإن كانت ضعيفة فإنَّ كانت في الترغيب وفضائل الأعمال دخل أيضًا لأن الضعيف يعمل به في ذلك، وإن كانت في الأحكام وبيان الحلال والحرام لم يدخل، لأنَّ الضعيف لا يعمل به في ذلك، فإنَّه لم يحفظ على الأمَّةِ ما ينفعهم. قوله: "واتفق الحفَّاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه" قلت: هذا الحديث: "من حفظ على أمَّتي أربعين حديثًا" إلى آخره ذكره الشَّيخ أبو الفرج ابن الجوزي في "الموضوعات" أو في كتاب "العلل المتناهية" من رواية جماعة من الصّحابة (٤) بطرق كثيرة وضعف الجميع بالقدح في أسانيدها،

стр. 69

ولم يصحح منها طريقًا واحدًا، وحسبك من حديث يكون في الموضوعات ونحوها، وإن كان الشَّيخ أبو الفرج تسامح في بعضها لكن هذا الحديث لم يقع فيه تسامح، بل هو ضعيف بحسب قانون علم النقل، على موجب العدل. فإن قيل: إذا كان هذا الحديث لم يصح فكيف أتعب جماعة من الأئمة أنفسهم في تخريج الأربعينات اعتمادا عليه؟. فجوابه من وجهين". أحدهما: أنهم لم يعتمدوا عليه، بل على ما اعتمد عليه المصنف في تخريج هذه الأربعين ممَّا ذكره بعد من الأحاديث الصحيحة. والثاني: أن هذا الحديث وإن لم يصح فهو من باب الترغيب وفضائل الأعمال والعمل فيها جائز باتفاق العلماء (١) كما حكاه المصنف بعد. قوله: "وقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات" قلت: كأنه ذكر هذا تَأَسيًا واقتداءً بهم، وقد صرح بهذا بعدُ. ثم ذكر جماعة منهم بأعيانهم وأدرج من لم يعينه منهم بقوله (أ): "وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين" وممن لم يُسمهِ الطَّائي صاحب "الأربعين الطائية" (٢)، وقد سمعناها ببغداد، والشيخ عز الدين بن عبد السلام،

стр. 70

أو ولده جمع "الأربعين الإلاهية" (١) وهي أحاديث يرويها النَّبيُّ ﷺ عن ربه كالحديث الرابع والعشرين من هذه الأربعين، والشيخ زكي الدين المنذري جمع أربعين حديثًا (٢) لكن أظن جمعه إياها بعد المصنف رحمهما الله تعالى. قال: "ثم محمد بن أسلم الطُّوسي (٣) العالم الرباني" قلت: الرباني هو الذي يربي النَّاس بعلمه، وقيل: هو الذي انتهى علمه إلى معرفة ربه. قوله: "وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثًا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام" قلت: تستحبُّ استخارة الله تعالى في جميع الأمور لأنها استشارة للرب، والمستشار مؤتمن. وحديث الإستخارة ثابت في الصحيح من رواية جابر (٤). وفي بعض السنن: "من سعادة ابن آدم الرضا بالقضاء واستخارة الله في أموره، ومن شقاوته ترك ذلك" (٥)

стр. 71

أو كما قال. ويستحب أيضًا الاقتداء بأئمة الدين والصدق فيما يفعلون من الخير ما لم (أ) يكن محل اجتهاد (ب) ويؤدي اجتهاده إلى خلافهم. قوله: "وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال" قلت: لأنَّه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإن كان ضعيفًا كما ظهر من حاله فمقتضاه لا يترتب عليه تحليل ولا تحريم ولا هضم حقٍّ، بل هو طاعة والطاعة لا حرج على فاعلها. وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أيضًا عن النبي ﷺ : "من بلغه عنِّي ثواب عمل فعلمه حصل له أَجرُهُ وإن لم أكن قلته" (١) أو كما قال: فإنَّ قيل: العبادات ونحوها من فضائل الأعمال إِنما يُتَلقَّى عن الشرع، فإذا وقعت اعتمادا على الحديث الضعيف كان ذلك اختراعَ عبادةِ وشرعًا في الدين ما لم يأذن به الله وهو مذموم شرعًا. قلنا (جـ): ليس هذا من باب اختراع العبادات وشرع ما لم يأذن به الله ، بل هو من باب ابتغاء فضل الله تعالى بضعف الأمارات. ثم إن إجماع العلماء على جواز العمل به (٢) يدفع هذا السؤال لأنَّ إجماعهم أقوى منه.

стр. 72

قوله: "ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل اعتمادي على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (١) وقوله ﷺ : "نضرَّ الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها" (٢) ". قلت: أورد الشَّيخ على نفسه بالإشارة السؤال الذي أوردناه قبل، وهو إن كان الحديث المذكور ضعيفًا فكيف اعتمدت عليه في جمع الأربعين؟ وأجاب عنه بالجوابين السابقين: أحدهما: جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (٣). والثاني: أن اعتماده ليس على هذا الحديث الضعيف، بل على الأحاديث الصحيحة في الأمر بالتبليغ نحو "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" قاله في خطبة (أ) الوداع وغيرها "بلغوا عنِّي ولو آية" "نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع، ورب حامل

стр. 73

فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه". قال الشيخ: "نَضَّر الله امرءا" روي بتشديد الضَّاد وتخفيفها، والتشديد أكثر. ومعناه: حَسَّنَه وجمَّلَهُ انتهى كلامه. قلت: وقد رجَّح بعضهم التخفيف. ونَضَرَهُ من قوله ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [سورة المطففين: ٢٤] ورُبَّ مُبَلَّغٍ بفتح اللام. وكان بعض أهل العلم يقول: إنِّي لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة لقوله ﷺ : "نَضَّر الله امرءًا" الحديث. يعني أنها دعوة أجيبت. قوله: "وقد رأيت جمع أربعين أهمَّ من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك" يعني ما جمعه فيه غيره من العلماء من أحاديثهم من أصول الدين وفروعه والجهاد والزهد والآداب والخطب كالأربعين الودعانية (١). قوله: "وكل حديثًا منها" أي: من أربعينه التي جمعها "قاعدة عظيمة من قواعد الدين" أي: أسٌّ من أساسه التي يبنى عليها "وقد وصفه العلماء بأنَّ مدار الإسلام عليه، أو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك" يعني: أنَّ كل حديث منها قد وصف بذلك.

стр. 74

قلت: أول من علمناه قال نحو هذا أبو داود، حيث قال في سننه: إنه ضمَّنَها أربعة آلاف حديث، وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: "إنَّما الأعمال بالنيات". وثانيها: "الحلال بين والحرام بين". وثالثها: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ". ورابعها: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١). وقال بعض أهل العلم. هذه الأحاديث الأربعة عليها مدار الإسلام، فكل واحد منها ربع الإسلام، ثم أضاف النَّاس إلى هذه الأحاديث ما هو من جنسها من الأحاديث الكلية ممَّا ذكر المصنف. وسنبين وجه كون كل حديث منها قاعدةً كليةً من قواعد الإسلام إن شاء الله تعالى. قوله: "ثم ألتزمُ في هذه الأربعين أن تكون صحيحة ومعظمها في (أ) صحيح البُخاريّ ومسلم". قلت: خاصية هذه الأحاديث كونها مشتملة على قواعد الدين وكلياته، أما الصحة فقد شاركها فيها غيرها كثيرًا. قوله: "وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها" يعني إذا سهل حفظها بحذف أسانيدها كثر حفاظها فعم الانتفاع بها.

стр. 75

قلت: ولا جرم قد صَحَّح الله مقصد الشَّيخ فإنَّ حفاظ هذه الأربعين والمشتغلين بها كثير، ولأن المقصود من الإسناد صحة الحديث وقد عُلِمَتْ صحة هذه الأحاديث بدونه، فاستغني عنه، ولهذا لم نعرِّجْ نحن على الكلام فيما يتعلق بالإسناد إلَّا نادرًا إذ كان غيره أهمَّ منه. قوله: "ثم أُتْبِعها بباب في ضبط خفي ألفاظها". قلت: قد بين في أول هذا الباب أنه يذكر فيه شيئًا من الواضحات أيضًا، وأنا أنقل ما يحتاج إليه من هذا (أ) الباب إلى مواضعه من الشرح إن شاء الله . قوله: "وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث لما اشتملت عليه من المهمات واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات" قلت: هذا كما قال، لأنَّ الشريعة إنَّما وردت لمصالح النَّاس وانتظام حالهم في معاشهم ومعادهم، فانتظام حال المعاش بوضع قانون المعاملات على وفق العدل والإنصاف، وبالجملة وضع العدل في جميع أمورهم، وانتظام حال المعاد بالتوحيد والطاعات العملية. ثم الطاعات إما متعلقة بالقلب كالإخلاص والإيمان ونحوهما، أو بالجوارح كالعبادات العملية ونحوها، وهذه الأحاديث مشتملة على أصول جميع ذلك كله، كما سننبِّهُ عليه في مواضعه إن شاء الله .
следующие страницы →