← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أو كما قال. ويستحب أيضًا الاقتداء بأئمة الدين والصدق فيما يفعلون من الخير ما لم (أ) يكن محل اجتهاد (ب) ويؤدي اجتهاده إلى خلافهم. قوله: "وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال" قلت: لأنَّه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإن كان ضعيفًا كما ظهر من حاله فمقتضاه لا يترتب عليه تحليل ولا تحريم ولا هضم حقٍّ، بل هو طاعة والطاعة لا حرج على فاعلها. وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أيضًا عن النبي ﷺ : "من بلغه عنِّي ثواب عمل فعلمه حصل له أَجرُهُ وإن لم أكن قلته" (١) أو كما قال: فإنَّ قيل: العبادات ونحوها من فضائل الأعمال إِنما يُتَلقَّى عن الشرع، فإذا وقعت اعتمادا على الحديث الضعيف كان ذلك اختراعَ عبادةِ وشرعًا في الدين ما لم يأذن به الله وهو مذموم شرعًا. قلنا (جـ): ليس هذا من باب اختراع العبادات وشرع ما لم يأذن به الله ، بل هو من باب ابتغاء فضل الله تعالى بضعف الأمارات. ثم إن إجماع العلماء على جواز العمل به (٢) يدفع هذا السؤال لأنَّ إجماعهم أقوى منه.

стр. 72

قوله: "ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل اعتمادي على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (١) وقوله ﷺ : "نضرَّ الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها" (٢) ". قلت: أورد الشَّيخ على نفسه بالإشارة السؤال الذي أوردناه قبل، وهو إن كان الحديث المذكور ضعيفًا فكيف اعتمدت عليه في جمع الأربعين؟ وأجاب عنه بالجوابين السابقين: أحدهما: جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (٣). والثاني: أن اعتماده ليس على هذا الحديث الضعيف، بل على الأحاديث الصحيحة في الأمر بالتبليغ نحو "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" قاله في خطبة (أ) الوداع وغيرها "بلغوا عنِّي ولو آية" "نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع، ورب حامل

стр. 73

فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه". قال الشيخ: "نَضَّر الله امرءا" روي بتشديد الضَّاد وتخفيفها، والتشديد أكثر. ومعناه: حَسَّنَه وجمَّلَهُ انتهى كلامه. قلت: وقد رجَّح بعضهم التخفيف. ونَضَرَهُ من قوله ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [سورة المطففين: ٢٤] ورُبَّ مُبَلَّغٍ بفتح اللام. وكان بعض أهل العلم يقول: إنِّي لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة لقوله ﷺ : "نَضَّر الله امرءًا" الحديث. يعني أنها دعوة أجيبت. قوله: "وقد رأيت جمع أربعين أهمَّ من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك" يعني ما جمعه فيه غيره من العلماء من أحاديثهم من أصول الدين وفروعه والجهاد والزهد والآداب والخطب كالأربعين الودعانية (١). قوله: "وكل حديثًا منها" أي: من أربعينه التي جمعها "قاعدة عظيمة من قواعد الدين" أي: أسٌّ من أساسه التي يبنى عليها "وقد وصفه العلماء بأنَّ مدار الإسلام عليه، أو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك" يعني: أنَّ كل حديث منها قد وصف بذلك.

стр. 74

قلت: أول من علمناه قال نحو هذا أبو داود، حيث قال في سننه: إنه ضمَّنَها أربعة آلاف حديث، وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: "إنَّما الأعمال بالنيات". وثانيها: "الحلال بين والحرام بين". وثالثها: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ". ورابعها: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١). وقال بعض أهل العلم. هذه الأحاديث الأربعة عليها مدار الإسلام، فكل واحد منها ربع الإسلام، ثم أضاف النَّاس إلى هذه الأحاديث ما هو من جنسها من الأحاديث الكلية ممَّا ذكر المصنف. وسنبين وجه كون كل حديث منها قاعدةً كليةً من قواعد الإسلام إن شاء الله تعالى. قوله: "ثم ألتزمُ في هذه الأربعين أن تكون صحيحة ومعظمها في (أ) صحيح البُخاريّ ومسلم". قلت: خاصية هذه الأحاديث كونها مشتملة على قواعد الدين وكلياته، أما الصحة فقد شاركها فيها غيرها كثيرًا. قوله: "وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها" يعني إذا سهل حفظها بحذف أسانيدها كثر حفاظها فعم الانتفاع بها.

стр. 75

قلت: ولا جرم قد صَحَّح الله مقصد الشَّيخ فإنَّ حفاظ هذه الأربعين والمشتغلين بها كثير، ولأن المقصود من الإسناد صحة الحديث وقد عُلِمَتْ صحة هذه الأحاديث بدونه، فاستغني عنه، ولهذا لم نعرِّجْ نحن على الكلام فيما يتعلق بالإسناد إلَّا نادرًا إذ كان غيره أهمَّ منه. قوله: "ثم أُتْبِعها بباب في ضبط خفي ألفاظها". قلت: قد بين في أول هذا الباب أنه يذكر فيه شيئًا من الواضحات أيضًا، وأنا أنقل ما يحتاج إليه من هذا (أ) الباب إلى مواضعه من الشرح إن شاء الله . قوله: "وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث لما اشتملت عليه من المهمات واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات" قلت: هذا كما قال، لأنَّ الشريعة إنَّما وردت لمصالح النَّاس وانتظام حالهم في معاشهم ومعادهم، فانتظام حال المعاش بوضع قانون المعاملات على وفق العدل والإنصاف، وبالجملة وضع العدل في جميع أمورهم، وانتظام حال المعاد بالتوحيد والطاعات العملية. ثم الطاعات إما متعلقة بالقلب كالإخلاص والإيمان ونحوهما، أو بالجوارح كالعبادات العملية ونحوها، وهذه الأحاديث مشتملة على أصول جميع ذلك كله، كما سننبِّهُ عليه في مواضعه إن شاء الله .

стр. 76

الحديث الأول: عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. رواه إمامًا المحدثين (١) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردز به البُخاريّ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصَحُّ الكتب المصنفة. أقول: الكلام على هذا الحديث في إسناده وألفاظه ومعانيه، أما إسناده ففي مواضع: أحدها: أن جد البُخاريّ بردز به بباء موحدة مفتوحة ثم راء مهملة ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي معجمة ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم هاء. قلت: ذكر أبو الحسين ابن الفرَّاء (٢) في الطبقات: أن البُخاريّ ذهبت عينه صبيًّا فرأى في منامه الخليل إبراهيم ﵊ فبرَّك (١) له عليها،

стр. 77

أو دعا له فعادت (١)، فأرى أن قراءة النَّاس البُخاريّ لتفريج الكرب مأخوذ من هذا لأن مصنفه فرجت كربته (٢). الموضع الثَّاني: عمر بن الخطاب ﵁ أول من سمي أمير المؤمنين من الخلفاء (٣) لا مطلقًا، بل أول من سمي أمير المؤمنين من المسلمين عبد الله بن جحش حين بعثه النبي ﷺ في سريَّة في أول مقدمه المدينة فقال له أصحابه: بما ندعوك؟ فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، قالوا: فأنت إذًا أمير المؤمنين (٤). وفي سريتهم أنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٥) [سورة البقرة: ٢١٧ - ٢١٨] الآيتين. الموضع الثالث: هذا الحديث لم يروه عن النبي ﷺ إلا عمر، ولا عن عمر إلَّا علقمة بن وقاص الليثي، ولا عن علقمة إلَّا محمد بن إبراهيم التَّيميُّ، ولا عن محمد إلَّا يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، ثم اشتهر عن يَحْيَى حتَّى رواه

стр. 78

أئمة الحديث السبعة البُخاريّ ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه (١) وغيرهم من أصحاب المسانيد حتَّى صار شبيها بالمتواتر. الموضع الرابع قوله: "إماما المحدثين" هو باعتبار ما كانا عليه من الورع والزهد والجد والاجتهاد في تخريج الصحيح والتصريح به في كتابيهما حتَّى ائتَمَّ بهما في التصحيح كل من بعدهما. وإنَّما قال الشَّافعي ﵁: لا أعلم كتابًا بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك ﵁ قبل ظهور الصحيحين، فلما ظهرا كانا أحقَّ وأولى باسم الصحة. وفي أيّ الكتابين أصحُّ أقوال: ثالثها: أنهما سواء، والمشارقة يرجحون البُخاريّ، وبعض المغاربة مسلمًا. ومما يدل على أن كتابيهما أصح كتب السنة أن المحدثين قسموا الحديث الصحيح إلى سبعة أقسام: أحدها: ما اتفقا عليه، وثانيها: ما انفرد به البُخاريّ، وثالثها: ما انفرد به مسلم، ورابعها: ما خُرجَ على شرطهما، وخامسها: ما خُرجَ على شرط البُخاريّ، وسادسها: ما خُرجَ على شرط مسلم، وسابعها: ما حكم بصحته إمام معتبر ولا معارض له. قلت: فلما قدَّموا الصحيحين ثم ما خُرجَ عليهما في أقسام الحديث الصحيح ومراتبه دلَّ على اتفاقهم على أنهما أصح الكتب المصنفة كما قال الشَّيخ.

стр. 79

وأمَّا ألفاظه: فمنها الأعمال وهي حركات البدن، ويتجوَّز بها عن حركات النفس. ومنها النيات وهي جمع نية بالتشديد والتخفيف، فإنَّ شُددَت كانت من نوى ينوي إذا قصد، وأصلها نِوْيَةٌ قلبت الواو ياءً ثم أدغمت في الياء بعدها فقيل نِيَّة، وإن خُفِّفَت كانت من وَنَى يَنِيْ إذا أبطأ وتأخر من قول الشاعر: مِسَح إذَا ما السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنى ... أثَرْن الغُبَارَ بِالكَدِيْدِ المُرَكَّلِ (١) أي على الإبطاء والتأخُّرِ في الجَرْيِ. وذلك لأن النيَّة تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتَأَخُّر. ولهذا ترى بعض النَّاس ييطئُ في نية الصَّلاة حتَّى تفوته الركعة الأولى مع الإمام (٢). ومنها نوى ينوي إذا قصد، يقال: نواكَ الله بخير، أي قصدك به، ونَوَيْتُ فلانًا وانتويته بمعنى. ومنها الهجرة وهي في الشريعة: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوفًا من الفتنة وطلبا لإقامة الدين، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله إلى ما يحب. وقد ثبت في الحديث "المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هاجر ما نَهَى الله عنه" (٣) وكانت الهجرة في الإسلام مرتين إلى الحبشة وإلى المدينة،

стр. 80

وأفضل المسلمين أصحاب الهجرتين إلَّا ما خَصَّهُ الدليل. وقوله ﵊ "لا هجرة بعد الفتح" (١) يعني من مكّة لأنها حينئذٍ دار الإسلام. أما من سائر بلاد الكفر فهي باقية لقوله ﵊: "لا تنقطع الهجرة حتَّى تخرج (أ) الشّمس من مغربها" (٢). ومنها قوله: "لدنيا يصيبها" أي يحصلها شَبَّه تحصيل الدُّنيا بإصابَة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود. وأمَّا معانيه ففيها أبحاث. الأول: (إنَّما) تقتضي تأكيد الحكم الواقع بعدها اتفاقًا. أما الحصر وهو: إثبات الحكم لما بعدها، ونفيه عما عداه ففيه للأصوليين أقوال (٣): ثالثها: أنها تقتضيه عرفًا لا وضعًا. حجة الحصر مطلقًا من وجوه: أحدها: أنها صُدرَت (ب) في كلامهم والمراد بها الحصر فوجب أن تكون حقيقة فيه، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة. الثَّاني: أنها في غالب مواردها للحصر فوجب أن تكون موضوعة له حملًا لها على غالب مواردها.

стр. 81

الثالث: أن (إنَّما) مُرَكَّبَة من (إنَّ) التي هي للإثبات، و (ما) التي هي للنفي، فاقتضت إِمَّا نفى الحكم عما بعدها، وإثباته لغيره وهو باطل إجماعًا، أو إثبات الحكم لما بعدها ونفيه عن غيره، وهو المطلوب. واعترض على الأول بأنها وردت لغير الحصر فوجب أن تكون حقيقة فيه بعين ما ذكرتم. وعلى الثَّاني بمنع أنها في غالب مواردها للحصر. سَلَّمناه لكن لا نُسَلِّمُ أنَّ ذلك يوجب أنها موضوعة للحصر لجواز غلبة الاستعمال في غير ما وضعت له. وعلي الثالث: بأنَّا لا نُسَلِّمُ تركيبها من (إنَّ) و (ما) بل هي كلمة موضوعة من أصلها كذلك من غير تركيب. سلمناه لكن لا نُسَلِّمُ أن "ما" فيها للنفي، إذ لها معاني غير ذلك فتخصيص النفي من بينها هاهنا تحكم. سلمنا أنها النافية لكن لا نُسَلِّمُ أنَّ معنى مُفْرَدَيْهَا أعني "إنَّ" و "ما" بعد التركيب مَعْنَاهُمَا قَبلَهُ، لأنَّ التركيب يُغَيرُ معاني المفردات نحو "لولا" هي مُرَكَّبَةٌ من "لو" و "لا" وليس معناها معنى واحد منهما. حجة القائلين بعدم الحصر من وجوه: أحدها: أنها وردت لغير الحصر كثيرًا فلتكن حقيقة فيه كما سبق. الثَّاني: أنا إذا قلنا: إنَّما قام زيد، حسن أن يقال: فهل قام عمرو؟ ولو كانت للحصر لما حسن هذا الاستفسار (أ)، لأنَّه استعلام المعلوم وتحصيل الحاصل.

стр. 82

الثالث: لو كانت للحصر لاستوى قولنا: إنَّما قام زيد، وقولنا: ما قام إلَّا زيد، لكنهما لا يستويان، إذ الثَّاني أقوى من الأول. الرابع: أن أسامة بن زيد ﵁ روى "إنَّما الرِّبا في النسيئة" (١) ولم ينحصر الرِّبا فيها، بل هو ثابت في التفاضل. والجواب عن الأول: بالمعارضة بما سبق. وعن الثَّاني: بأنَّه إنَّما حسن الاستفسار لاحتمال أنها استعملت في غير الحصر مجازًا، لا لأنها ليست تقتضي الحصر. وعن الثالث: بالتزام استواء الصيغتين في الحصر، ولئن سلمنا تفاوتهما فيه لكن لا يلزم أنَّ (إنما) ليست للحصر، لجواز أن للحصر قدرًا مشتركًا استويا فيه، واختصت إحداهما بمزيد قوة فيه، كما اشتركت السِّين وسوف في معنى التنفيس، وكانت سوف أكثر تنفيسا لكثرة حروفها، وكذلك "ما قام إلَّا زيد" أكثر حروفًا من "إنَّما قام زيد" ولأن الحصر في "إنَّما قام زيد" معنوي، وفي "ما قام إلَّا زيد" لفظي، فاقتضى التصريح (أ) فيها بـ (ما) و (إلا) جمعًا بين النفي والإثبات بالمطابقة. وعن الرابع: أن ابن عباس من أهل اللسان وقد فهم من حديث أسامة الحصر وقال به، وإنَّما ثبت (ب) الرِّبا في التفاضل عند من ذهب إليه بأدلة أخر

стр. 83

ناسخة لمفهوم الحصر في حديث أسامة، كما نسخ حدَّثنا عائشة ونحوه في التقاء الختانين (١) مفهوم حديث "إنَّما الماء من الماء" (٢). حجة القائلين باقتضائها للحصر (أ) عرفا لا وضعا لأن الوضع غائب عنا، وعليه من الشبه ما سبق فلا يثبت بالشك. أمَّا في عُرفِ الاستعمال فنحن نجدهم يبادرون عند إرادة الحصر إلى "إنَّما" كما يبادرون إلى تصريح النفي والإثبات بما كان إلَّا كذا نحو قوله: ......................... وإنَّما ... يدافعُ عن أحسابهم أنا أو مثلي (٣) ............................. ... وإنَّما العزة للكاثر (٤) وقوله ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة التحريم: ٧] كما قال ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [سورة الصافات: ٣٩] و ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة طه: ٨٩] كما قال ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ [سورة ص: ٦٥] وهو كثير، فثبت أنها للحصر يعرف الاستعمال. قلت: الأشبه أنها ليست للحصر مطلقًا لقوله ﵊ "ما من نبي من الأنبياء إلَّا وقد أوتي من الآيات ما آمن عليه البشر، وإنَّما

стр. 84

كان الذي أوتيته وحيًا" (١) فلو كانت إنَّما للحصر لانحصرت آيات النَّبيِّ ﷺ ومعجزاته في الوحي، وانتفى غيره بإقرار النَّبيُّ ﷺ بحصرها في القرآن، فكنَّا نحتاج في إثبات غيره من المعجزات بعد ذلك إلى تعب لأنَّ الخصم يقول لنا: أنتم تثبتون لنبيكم من الآيات ما هو مصرح بنفيه، ومن المعلوم أن من نفى بَينَتَهُ لم تسمع منه بعد ذلك. أما إذا جعلنا إنَّما للإثبات المؤكَّد لا يلزمنا هذا السؤال، لأنَّا نقول: إنَّما (أ) أراد النَّبيُّ ﷺ بهذا الكلام إثبات الوحي، لا نفي ما عداه، وقد ثبت له غيره من الآيات ما لا يُحصى، وقوله (ب) ﵊ غير منكر له، فيجب القول بثبوته. فرع: من قال: إن (إنما) للحصر قال: إن حصرها قد يكون عامًّا نحو ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ وقد يكون خاصًّا باعتبار أمر خاص نحو ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النساء: ١٧١] أي: باعتبار إنكار منكري التوحيد (جـ) لا مطلقًا، فإنَّ لله صفات كثيرة غير التوحيد (جـ). وللحصر أدوات وأنواع ذكرت في كتب الأصول. البحث الثَّاني: قوله: "الأعمال بالنيات" الأعمال مبتدأ وبالنيات

стр. 85

متعلق بالخبر المحذوف، واختلف فيه، فمنهم من قدره بالصحة، أى: الأعمال صحيحة أو جائزة بالنيات، فيحصر صحتها وجوازها فيما إذا كانت منوية فيقتضي أن لا يصح عمل إلا بنية إلا بدليل مخصص، ومنهم من قدره بالكمال، أي: الأعمال كاملة بالنيات فيكون المحصور في النيَّة كمالها لا صحتها، ولا يلزم من ذلك انتفاء صحتها بدون النيَّة، وكلا الأمرين جائز لكن الأول أظهر لقوله ﵊: "وإنما لكل امرئ ما نوى" إلى آخر الحديث، مع ما روي من قوله ﵊: "ليس للمرء من عمله إلَّا ما نواه، ولا عمل إلَّا بالنية" (١) فإنَّ ذلك قوي جدًّا في إرادة حصر صحة الأعمال في النيات، لا حصر الكمال فقط. البحث الثالث: قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" أي: جزاء ما نوى من خير أو شر، فهو من باب حذف المضاف نحو واسأل القرية أي: أهل القرية ونحوه. وحكى عن الشَّافعي ﵁ أنه قال: يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه. قال: يريد الأبواب الكلية كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والطلاق ونحوها من الأبواب، أما المسائل الجزئية التفصيلية فأكثر من أن تحصر (أ).

стр. 86

ومن مشهور مسائل هذا الباب أن النيَّة شرط في الوضوء للحديث والقياس على التَّيمم. وقال أبو حنيفة: لا تشترط، وأجاب عن الحديث بأنَّ معناه الأعمال كاملة بالنية، ونحن نقول به، ولا يلزم منه نفي الصحة كما سبق. وهو أيضًا (أ) عام مخصوص بِرَد الغصوب والأمانات ونحوها وهي أعمال، ولا تتوقف صحتها على النيَّة، فَيُخَصُّ محل النزاع بالدليل (١)، وفرَّق بين الوضوء والتيمم بأنَّ الماء يطهر (ب) بطبعه فاستغنى بقوته عن النيَّة بخلاف التَّيمم. وأيضًا فقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أمر بالتيمم وهو القصد، وهو حقيقة النيَّة بخلاف الوضوء فإنَّ الآية (جـ) وهي ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْتسِلُوا﴾ ليس فيها تصريح بالنية ولا تعريض. وأجيب عن الأول بأنا قد (د) بينا أن المحصور في النيات هو الصحة لا مجرد الكمال، والحديث عام في الوضوء وغيره، ولا مخصص له منه، ولا نُسَلِّمُ أن الماء يطهر (هـ) بطبعه لأنَّ الطهارة عبادة لا تأثير فيها للطبع بخلاف

стр. 87

الري فإنَّه ليس بعبادة، والوضوء والتيمم طهارتان (أ) فكيف يفترقان، وهذا لفظ الشافعي في إلزامهم النيَّة للوضوء قياسًا على التَّيمم (١). واختلف العلماء في النيَّة في الطهارات فأوجبها الشَّافعي وأحمد ﵄ في آخرين في الطهارة بالمائع والجامد (٢)، ونفاها زفر (٣) والحسن بن صالح (٤) فيهما لأن الطهارة وسيلة إلى العبادة فلا تعتبر فيها (ب) النيَّة، إنَّما النيَّة للعبادات (٥)، وأوجبها أبو حنيفة ﵁ في التَّيمم دون الوضوء لما مَرَّ. ومن مسائل النيَّة أنه لو وطئ امرأة أجنبية يظنها (جـ) زوجته أو أمته لا إثم عليه، ولو وطئها يعتقدها (د) أجنبية فإذا هي مباحة له أثم ولولا مصادفة

стр. 88

المحل المباح لَحُدَّ، وكذا لو شرب مباحًا يعتقده حرامًا أثم. أو بالعكس لا يأثم. ولو قال لامرأته: أنت طالق يظنها (أ) أجنبية طلقت زوجته لمصادفة الطلاق محله. ولو قال لأجنبية: أنت طالق وظَنَّها (ب) زوجته اختلف فيه، والأشبه طلاق زوجته اعتبارًا للنية، وقيل: لا تطلق لفوات المحل. ولو قال لرقيق له: أنت حُرٌّ يَظُنُّه أجنبيًّا عتق لمصادفة العتق مَحَلَّه، وفي عكسه خلاف، العتق للنية، وعدمه لفوات المحلَّ. وعلي هذا القياس في مسائل الشريعة والحقيقة والمعاملات الظاهرة والباطنة، ولهذا افتتح البُخاريّ كتابه به مع أنه لا يناسب ترجمة "باب بدء نزول الوحي"، إنما أراد التنبيه على تصحيح النيَّة في الأعمال حتَّى قال بعضهم: ينبغي لكل بادئ عمل أو مصنف (جـ) كتاب أن يفتتح به. وقد روى أبو يعلى الموصلي في مسنده أن النبي ﷺ قال: "يقول الله للحفظة يوم القيامة: "اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: رَبَّنَا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا فيقول: إنَّه نواه" (١).

стр. 89

قلت: ولهذا المعنى ونحوه قيل: "نية المرء (أ) خير من عمله" (١) وقد ذهب بعض العلماء إلى وقوع الطلاق بالنية المجردة، ولزوم النذر بها اعتمادا على هذا الحديث، ولا يَرِدُ عليهم (ب) قوله ﵊: "إن الله تجاوز لأمَّتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به" (٢) لأنَّ المعفو (جـ) عنه في هذا الحديث هو الخطرات والهمم الضعيفة، بخلاف ما عقدت عليه العزائم، وهم إنَّما يوقعون الطلاق ونحوه بالنية إذا قويت وصارت عزيمة أكيدة. وسيأتي الكلام في نحو هذا إن شاء الله . البحث الرابع: قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" هذا تفصيل لما سبق في قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" وإنَّما فرض الكلام في الهجرة لأنها السبب الباعث على هذا الحديث وذلك لأن رجلًا من أهل مكّة كان يهوى امرأة يقال لها: أم قيس فهاجرت إلى المدينة فهاجر الرجل لأجلها لا تدينًا فَعَرَّض النبي ﷺ به في الحديث تنفيرا عن (د) مثل قصده، وكان ذلك الرجل

стр. 90

بعد يُدعى مهاجر أم قيس (١). ثم قيل على هذه الجملة: إن قاعدة الجملة الشّرطيّة أن يكون الشرط فيها غير الجزاء نحو من أطاع أُثيب، ومن عصى عوقب، أما هذه الجملة فالشرط فيها هو الجزاء بعينه، وهما الهجرة إلى الله ورسوله، فهو بمثابة قولنا: من أكل أكل، ومن شرب شرب، ومن كان مؤمنًا فهو مؤمن ومن كان كافرًا فهو كافر. وجوابها أن الشرط والجزاء في هذه الجملة إنَّما اتحدا لفظا لا معنًى، والاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ. ومعنى الكلام من كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا ونية، فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا؛ أي: من هاجر إلى الله كان أجره على الله، وكانت هجرته مقبولة فاندفع السؤال. البحث الخامس: قوله: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" قلت: اللام في لدنيا يحتمل أنها للتعليل على بابها، أي: من كانت هجرته لعلة دنيا أو لأجل دنيا، ويحتمل أنها بمعنى إلى، أي: من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها لأنه قابله بقوله:

стр. 91

"فهجرته إلى ما هاجر إليه" ولم يقل فهجرته لما هاجر إليه، وهذا جيدٌ، والأول أشبه، وتقديره فمن كانت هجرته لأجل دنيا يحصلها انتهت هجرته أو كانت نهاية هجرته إلى ذلك، لا يحصل له غيره. وقوله: "لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور كان يُحبها لمالها وجمالها فجمعهما في التعريض به. ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها، وغيره من النَّاس هاجر لتحصيل (أ) دنيا من جهةٍ ما فَعَرَّض بهما، ويحتمل أنه ﵇ عرَّض لطلب نكاح المرأة، وأنشأ ذكر المال إنشاءً تقريرًا لقاعدة زجر النَّاس عن قصده بنيَّة الهجرة كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته" (١) فزاد على السبب تمهيدًا لقاعدة أخرى، وهذا من باب زيادة النص على السبب. البحث السادس: يقال: لم اتحد الشرط والجواب في الجملة السابقة واختلفا هاهنا؟ وَهلَّا قيل: من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها كما قيل: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"؟. والجواب أن اتحاد الشرط والجزاء خلاف الأصل، وإنَّما اتحدا في قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" تبركا

стр. 92

وتعظيمًا لهما بتكرار ذكرهما، وكونه أبلغ في حصول مقصود (أ) الهجرة إليهما، لأنَّ من سعى إلى خدمة الملك تعظيمًا له أجزل عطاءً ممن يسعى ليأخذ كسرة من سماطه، بخلاف الدنيا والمرأة فإنهما لا يستحقان التعظيم ولا يحصل بذكرهما تبرك، والعدول عن ذكرهما أبلغ في (ب) الزجر عن قصدهما كأنه قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" وهو حقير مهين لا يجدي، وأيضًا فإنَّ ذكر الدُّنيا ونكاح المرأة ممَّا يستحلى عند عامة النَّاس فلو كرَّر ذكره ربما عَلِقَ بقلب (جـ) بعض السامعين فيقول: قد رضيا أن (د) تكون هجرتي إلى دنيا أصيبها أو امرأة أنكحها، فهل العيش إلَّا ذلك؟ فكان قوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" أبلغ وأجدر باندفاع هذا المحذور. البحث السابع: هذا الحديث أصل في الإخلاص وله مرجع إلى الكتاب والسنة. أما مرجعه من الكتاب فكل آية تضمنت مدح الإخلاص أو ذم الرياء نحو ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة: ٥] ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة غافر: ١٤] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة يوسف: ٢٤] ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: ١١٠] ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾

стр. 93

[سورة البقرة: ٢٦٤] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية [سورة البقرة: ٢٦٦] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٦] الآية. وأمَّا مرجعه من السنة فقوله ﵊: "يقول الله "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه غيرى فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" (١) وفي رواية "تركته وشركه" (٢). وعن أبي موسى أن رجلًا قال يا رسول الله: الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٣) رواه السبعة الذين رووا حديث "إنَّما الأعمال بالنيات". البحث الثامن: قوله: "الأعمال بالنيات" قدمنا (أ) أن معناه الأعمال صحيحة بالنيات، ثم الصحة هي ترتب آثار الفعل عليه، لكن هذا الحديث مخصوص (ب) بالحس والنظر، أما تخصيصه بالحس فلأن الأعمال العادية

стр. 94

كالأكل والشرب والنوم والنكاح وبناء الدور وزرع الزروع (أ) ونحوه تصح بدون النيَّة إذ يترتب آثارها عليها بمجرد عملها، وأمَّا تخصيصه بالنظر فلأن قضاء الديون ورد الغصوب والأمانات ودفع النفقات الواجبة تصح (ب) ويترتب أثرها عليها وهو براءة العهدة منها بدون النيَّة، وهذا التخصيص إنَّما لحق الجملتين الأوليين من الحديث وهما: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" لعمومهما في أعمال العادات والعبادات، أما الجملتان الأخيرتَان وهما "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها" فهما على عمومهما لم يُخَصَّا بشيء لاختصاصهما بالهجرة التي هي من أعمال العبادات، والعبادات تشترط لها النيات. البحث التاسع: إن قيل: لم قال: "إنَّما الأعمال بالنيات" ولم يقل: إنَّما الأفعال؟ قلنا: قال بعض العلماء: إنَّما قال: إنَّما الأعمال لأنَّه لو قال: إنَّما الأفعال بالنيات لتناول أفعال القلوب، ومنها النيَّة، ومعرفة الله تعالى، فكان يلزم أن لا يصحَّا إلَّا بالنية، لكن النيَّة فيهما محال. أما في النيَّة فلأنها لو توقَّفَت على نيَّة أخرى لتوقَّفت الأخرى على نيَّة أخرى، ولزم تسلسل النيَّات، أو الدور وهما محالان، وأمَّا معرفة الله فلأنها لو توففت على النيَّة -مع أن النيَّة قصد المنوي بالقلب (١) -

стр. 95

لزم أن يكون الإنسان عارفًا بالله قبل معرفته به، وأن يكون الله معروفًا له قبل أن يكون معروفًا له، وأن يكون المُكَلَّفُ عارفًا بالله غير عارف به في حالة واحدة وكل ذلك محال. تم الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى، وهو من أحاديث أعمال القلوب والطاعات المتعلقة بها، وعليه مدارها وهو قاعدتها، وهي قاعدة، فهذا الحديث قاعدة الدين لتضمنه حكم النيات التي محلها القلب بخلاف الذكر الذي محله اللسان، ولهذا لو نوى الصَّلاة بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ (أ) الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح. والله أعلم.

стр. 96

الحديث الثَّاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتَّى جلس إلى النَّبيِّ ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفَّيه على فخديه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصَّلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنَّ لم تكن تراه فإنَّه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمَّة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق فلبثت مليًّا. ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنَّه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. رواه مسلم (١). الكلام على هذا الحديث في لفظه ومعناه. أما لفظه فمنها قوله: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا

стр. 97

رجل" أي: كان طلوعه علينا بَيْنَ، أو في أثناء أزمنة كوننا عند النبي ﷺ ، لأن بين تقتضي شيئين فصاعدًا، وهذا تأويله هاهنا. وقد يقال في بينما: بينا بحذف الميم تخفيفًا، قال الشاعر: بَينَا نَحنُ نَرْقُبُهُ أتانَا ... مُعَلّقَ وَفْضَةٍ وَزِنَادَ رَاعِي (١) ومنها قوله: "ذات يوم" ذات ها هنا تأنيث ذو بمعنى صاحب، أي: بينا نحن في ساعة ذات مرَّة في يوم فحذفت هذه المضافات لوضوح الأمر كما حذفت من قوله: إذَا أقَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا ... نَسِيمَ الصِّبا (٢) .......... أي: تضوَّع تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا. ومنها قوله: "لا يُرى عليه أثر السفر" هو بضم الياء آخر الحروف من يُرَى على ما لمَّ يسمَّ فاعله، وهو أبلغ من نرى بالنون على تسمية الفاعل ومنها قوله: "أخبرني عن أمارتها" بفتح الهمزة أي: علامتها وربما روي أماراتها على الجمع، يقال: أمارة وأمارات وأمار، نحو ضلالة وضلالات وضلال، من باب ما بين واحده وجمعه حذف الهاء نحو تمرة وتمر. أما الإمارة بكسر الهمزة فالولاية. ومنها "رَبَّتها" أي: سيدتها ومالكتها تأنيث رَبٍّ وقد سبق معناه. ومنها "الحفاة" بحاء مهملة جمع حاف وهو الذي لا نعل له. والعُرَاة

стр. 98

جمع عار. والعالة جمع عائل وهو الفقير ومنه ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [سورة الضحى: ٨] و ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لا تعولوا﴾ [سورة النساء: ٣] أي: لا تفتقروا. ورعاء الشاء رعاة الغنم ومنه ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [سورة القصص: ٢٣] ومنها قوله: "فلبثت مليا" قال الشَّيخ: هو بتشديد الياء أي: زمانًا كثيرًا، وكان ذلك ثلاثا. هكذا جاء مبينًا في رواية أبي داود والترمذي (١) وغيرهما انتهى. قلت: مَلِيٌّ غير مهموز ومنه ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [سورة مريم: ٤٦] لأنه من الملوان وهو الليل والنهار ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [سورة القلم: ٤٥] وإن الله ليملي للظالم، ولا همز في شيء من ذلك. أما الملئ ضد المعدم، فمهموز لأنَّه من ملأ كيسه ونحوه مالًا، ومن الملاءة (أ) وهي اليسار، وكذلك الملأ الأعلى، والملأ من النَّاس مهموز ذلك كله. وقوله: "فلبثت مليًّا" أي: زَمَانًا مَلِيًّا أي: طويلًا فحذف الموصوف لظهوره. ومنها جبريل، وهو اسم أعجمي سرياني، قيل: معناه عبد الله. والدين: الملة والشريعة، ويستعمل أيضًا في الجزاء، ومنه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: الجزاء، وبمعنى العادة ومنه قوله (٢):

стр. 99

كَدِيْنكَ مِن أُم الحُوَيرِثِ قَبلَهَا ... ........................ وروي كدأبك، وهو أشهر. وقول الآخر (١): تَقُولُ: وَقَد ذَرَأتُ لَها وَضِيْني ... أَهَذا دِيْنُهُ أَبَدًا وَدِيني أي: عادته وعادتي. وأمَّا معانيه ففيها أبحاث: البحث الأول: قوله: "شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر" هو إشارة إلى غرابة هذه القضية لأنَّ الرجل هيئته هيئة حاضر لا يخفى عليه أمر الدين مع اشتهاره غالبًا خصوصًا في المدينة، وسؤاله سؤال أعرابي وارد غير عالم بالدين. وهذا بخلاف حديث طلحة بن عبيد الله جاء أعرابي ثائر الرأس من أهل نجد يُسمع دويُّ صوته الحديث (٢)؛ إذ وصفه بصفة الأعراب الواردين فلم يكن في سؤاله غرابة ولا عجب. وقوله: "بياض الثياب، وسواد الشعر" مطابقة جَيدَةٌ تامَّةٌ.

стр. 100

وفيه أيضًا استحباب التجمل وتحسين الهيئة للعالم والمتعلم لأن هذا الرجل هو جبريل ﵇ كما بين في آخر الحديث وهو معلم من جهة لقوله ﵊: "جاء يعلمكم دينكم" ومتعلم من جهة أنه في سورة سائل. قوله: "ولا يعرفه منا أحد" إشارة إلى غرابة القضية أيضًا لأن هيئته تقتضي أنه من أهل المدينة، ولو كان منها لعرفناه أو بعضنا فقد حصل فيه (أ) أمارة معرفتنا لَهُ، مع عدم معرفتنا لَهُ. والله أعلم. البحث الثاني: قوله: "فأسند ركبتيه إلى ركبتيه" تقتضي أنه جلس بين يدي النبي ﷺ وإلا لم يتصور إسناد ركبتيه إلى ركبتيه، لأنه لو جلس إلى جانبه لما أمكنه إلا إسناد ركبة واحدة منه إلى ركبة واحدة من النبي ﷺ ، وهذا جلوس المتعلمين بين يدي المشايخ (ب) للتعلم. وقوله: "ووضع كفيه على فخذيه" الضمير في كفيه للرجل، وفي فخذيه يحتمل أنه للرجل أيضًا، وأنه وضع كفيه على فخذي نفسه معتمدا عليهما وقت السؤال، ويحتمل أنه للنبي ﷺ وأن الرجل وضع كفيه على فخذي النبي ﷺ استئناسًا باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه جبريل ﵇ لتبليغ (جـ) الوحي، وهذا الاحتمال أرجح، وإنما رُجحَ

стр. 101

الاحتمال في ضمير فخذيه، دون ضمير ركبتيه، لجواز وضع الإنسان يده على فخذيه، وعلى فخذي غيره، واستحالة إسناد ركبتيه إلى ركبتي نفسه والله أعلم. البحث الثالث: قوله: "يا محمد أخبرني عن الإسلام" فيه فوائد: الأولى: جواز تسمية المتعلم شيخه، والمرؤوس رئيسه باسمه، لكن قد غلب في العرف تسمية المشايخ والرؤساء بالأسماء الشريفة المفخمة فينبغي اتباعه إلا أن يعلم أن الشيخ لا ينقبض من تسميته باسمه الأصلى، ولا يكون ذلك على سبيل الوضع منه، فيكون ذلك هو الأولى اتباعا لهذه السنة وغيرها، ولأنه أقرب إلى التواضع وأولى بالصدق. الثانية: أن للمسؤول من مفت وغيره أن يجيب عن السؤال معتمدا على ما فهم بالقرينة، وذلك لأن هذا السائل قال: أخبرني عن الإسلام، وهو سؤال مجمل، يحتمل أن يكون عن حقيقة الإسلام، وعن شروطه، وعن أركانه، وعن زمانه ومكانه، وغير ذلك من لواحقه، ثم إنه ﵊ أجابه بماهية الإسلام وحقيقته مبادرًا من غير استفسار، وما ذلك إلا لما فهمه بالقرينة من أنه سأل عن الماهية، ولأن القرائن كالنصوص فجاز الاعتماد عليها في الخطاب سؤالًا وجوابًا وشواهده كثيرة. الثالثة: فيه دليل على أن الإسم غير المسمى لأن جبريل قال: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ فأتى بأسمائها وأجابه النبي ﷺ بمعانيها، ولو كان الإسم هو المسمى لما احتاج إلى السوال عنه لعلمه به، ولما أجابه

стр. 102

النبي ﷺ بل كان يقول له: إنك عالم بمسمى ما سألت عنه، لأنك عالم باسمه لتلفظك به. واعلم أن للناس في هذه المسألة أقوالًا: أحدها: أن الإسم غير المسمى كما قلنا. والثاني: أنه هو المسمى لقوله ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [سورة الأعلى: ٦٢] والتسبيح إنما هو للرب فدلَّ على أن اسمه هو هو، وحوابه: أنه ضمن (سبح اسم) معنى اذكر فكأنه قال: اذكر اسم ربك كقوله ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلًا﴾ [سورة الإنسان: ٢٥] وعكس ذلك قوله ﴿واذكر ربك﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٥] ضمن (اذكر) معنى سبح ونزه، أي: نزه ربك عما لا يليق به، واحتجوا أيضًا بقوله ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ [سورة مريم: ٧] ثم قال: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ [سورة مريم: ١٢] فنادى الاسم فدلَّ على أنه المسمى. وجوابه أن المعنى: يا أيها الغلام الذي اسمه يحيى. والثالث: أن الاسم المسمى (١) لا هو هو، ولا هو غيره، كالواحد من العشرة لا هو هي ولا هو غيرها، وجوابه أن هذا لا يتحقق، لأن قولنا: إن هذا الشيء لهذا الشيء، إما بمعنى أنه يملكه أو يستحقه أو يختص به اختصاص الموصوف بالصفة ونحوه، وعلى كل تقدير هو يقتضي المغايرة لأن ملك الشيء نفسه واستحقاقه لها واختصاصه بها محال.

стр. 103

واعلم أن المغايرة تارة تكون بالذات نحو زيد غير عمرو، وتارة بالأحوال والصفات، نحو قولنا: وجه زيد اليوم غير وجهه أمس، وقد دخل عمرو بغير الوجه الذي خرج به، أي: حاله وصفته الآن غير حاله وصفته الذي كان، والمغايرة بين الإسم والمسمى بالذات لأن الاسم لفظ محل وجوه اللسان كلفظ زيد الذي هو الزاي والياء والدال، والمسمى ذات محل وجودها الأعيان كشخص زيد الطويل المنتصب القامة الذي هو حيوان ناطق، وهذه مغايرة ذاتية بالضرورة (١). واعلم أن لنا اسما ومُسَمَّى بفتح الميم، ومُسَمِّي بكسرها، وتسمية، فالاسم هو اللفظ الموضوع للذات لتعريفها أو تخصيصها عن غيرها كلفظ زيد، والمسمَّى: هو الذات المقصود تمييزها بالاسم كشخص زيد، والمسمي: هو الواضع ذلك اللفظ لتلك الذات كأبي زيد الذي وضع اسمه لشخصه، والتسمية: هي وضع ذلك اللفظ لتلك الذات، والوضع هو تخصيص لفظ بمعنى بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ فهم ذلك المعنى، فبهذا التفصيل يعلم أن الاسم غير المسمَّى بالضرورة.

стр. 104

ومن شبه الخصم أن الله قال ﴿اعبدوا الله﴾. فإن عبدتم المسمى خالفتم النَّصَّ، وإن عبدتم الاسم سلَّمتُم أنه المسمَّى، وجوابه أنَّا نعبد المسمَّى وهو الذات التي اسمها "الله" والتقدير: اعبدوا المسمى أو الذات التي اسمها الله واندفع الإشكال. وليس ﴿اعبدوا الله﴾ نصًّا في عبادة الاسم ولا ظاهرا ولا له على ذلك دلالة (أ) أصلًا. ومن شبههم أنَّا لو كتبنا الجلالة على قرطاس أو أرض فإن كانت هي المعبود كان ذلك إشراكا وإن كان المعبود غيرها كان كفرا لعبادة غير الله . وجوابه أن الجلالة المكتوبة معظَّمَةٌ، والمعبود غيرها وهو مدلولها ومسمَّاها وهو الذَّات القديمة الواجبة الوجود، ولا نُسَلِّمُ أن عبادة غيرها عبادة غير الله حتى يكون كفرًا. البحث الرابع: قوله ﵇: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا قال: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت" الكلام عليه من (ب) أمور:

стр. 105

أحدها: أن قوله: تشهد منصوب بأن، وباقي الأفعال عطف عليه، وهي تقيم، وتؤتي، وتصوم، وتحج. فأمَّا تؤمن فنصب بأن مباشرة مثل تشهد. وتنبيهنا على هذا لأن بعض الناس يغلط فيه فيرفع بعض هذه الأفعال ظنًّا أنها مستأنفة. الثاني: لم قيد الحج بقوله: إن استطعت إليه سبيلا، ولم يقيد بذلك الصلاة والزكاة والصوم مع أنَّها إنَّما تجب بالاستطاعة (أ) لقوله ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن: ١٦] وهذه العبادات من التقوى. وقوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعم" وكان ينبغي أن يقيد الجميع بالإستطاعة أولًا يقيد أحدًا (ب) منها بها. فالجواب أن الخطب في هذا يسير، وأنه ﵊ تابع القرآن في قوله ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] ولم يقل ذلك في خصوص غيره من العبادات، فإن قيل: ينتقل السؤال إلى القرآن لم قيد الحج بالاستطاعة دون غيره؟ قلنا: لأنه يتعلق بقطع مسافة، وفيه من المشقة ما ليس في غيره فكان أحقَّ بالتقييد بالاستطاعة من غيره. الثالث: قوله: "فعجبنا له يسأله ويصدقه" لأن سُؤاله يقتضي عدم العلم بما سأل عنه وتصديقه النبي ﵊ فيما أجابه به يقتضي

стр. 106

أنه عالم به، فكان ظاهر حاله أنه عالم بذلك، غير عالم به، وهو محل التعجب (أ)، وإنما زال التعجب عنهم بقوله ﵊: "أنه حبريل أتاكم يعلمكم دينكم". فتبين أنه كان عالما في صورة متعلم لقصد التعليم والتبيين لهم وذلك لا عجب فيه. الرابع: الإسلام مصدر أسلم إسلاما، وهو في اللغة الطاعة والانقياد، وفي الشرع ما فَسَّر به في هذا الحديث، وهو الأعمال الظاهرة كالشهادتين وباقي العبادات. والإيمان مصدر آمن إيمانًا وزن أكرم إكرامًا فالهمزة الثانية في آمن نظير الكاف في أكرم فإذًا آمن من أفعل، لا فَاعَلَ إذ لو كان فاعل لكان مصدره فِعَالًا نحو قاتل قِتَالًا، وضارب ضِرَابًا ونحوه وهو قياس في مصدر فاعل الفِعَال والمفاعلة كالمقاتلة والمضاربة. الخامس: اختلف في الإسلام والإيمان هل هما واحد أو متغايران وهذا الحديث يقتضي تغايرهما لأن حبريل ﵇ سأل عنهما سؤالين، وأجيب عنهما بجوابين، وفُسرَ له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج، وفُسرَ الإيمان بعمل القلب وهو التصديق، ولو كانا واحدًا لكان السؤال والجواب عن أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر، ولكان تفسير أحدهما هو عين تفسير الآخر كما لو سأل عن الخمر والعقار لكان حوابه أنهما جميعا الشراب المسكر.

стр. 107

احتج القائل بأنهما واحد بقوله ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] والمراد بهما آل لوط، فوصفهم تارة بأنهم مؤمنون، وتارة بأنهم مسلمون، فَدَلَّ على أن الإسلام والإيمان شيء واحد. وحوابه أنه معارض بقوله ﴿قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [سورة الحجرات: ١٤] الآية فنفى الإيمان عنهم وأثبت الإسلام، ولو كانا واحدًا لمّا صَحَّ ذلك. ثم الجواب عن الآية الأولى أنه وصف آل لوط بمجموع الأمرين الإيمان والإسلام لأنه أمدح وأكمل، وأيضًا لئلا تتكرر فاصلة واحدة في آيتين متواليتين. واحتج أيضًا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: هل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم" (١) الحديث. ففسر الإيمان هاهنا بما فسر به الإسلام في حديث جبريل من الأعمال الظاهرة فدلَّ على أنهما شيء واحد. وجوابه من وجوه: أحدها: أن حديث حبريل مصطحب، وحديث ابن عباس هذا مضطرب لأن فيه أنه ﵊ أمرهم بأربع ولم يأمرهم إلا

стр. 108

بالإيمان وحده (١). فإن قيل: الإيمان يشتمل على الأربع ولذلك فسَّره بها. قلنا: هذا لكم أن تقولوه، غير أنه فسر الإيمان بخمس: إحداهن: الشهادتان، والثانية: الصلاة، والثالثة: الزكاة، والرابعة: الصوم، والخامسة: أداء الخمس من الغنيمة، وفي بعض الروايات أنه قال: شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة (٢).

стр. 109

وهو يقتضي أنها ستٌّ، فإذا أخبر بأنه أمر (أ) بأربع، ثم أمر بست، كان ذلك اضطرابا في الحديث لعدم مطابقة العدد المعدود والخبرِ المُخبَرَ. وقد روي هذا الحديث من غير جهة ابن عباس في الصحيح (١)، وهو مضطرب أيضًا كذلك (٢)، فالاضطراب لازم له، فلا يعارض حديث جبريل المنتظم المصطحب. فإن قيل: الاضطراب إنما يكون في الإسناد لا في المتن قلنا: بل يكون فيهما واضطراب هذا الحديث في متنه. الوجه الثاني: أن حديث ابن عباس ليس فيه ذكر الحج فلا يخلو وقوعه إما أن يكون بعد فرض الحج أو قبله فإن كان بعده فمحال أن لا يذكره النبي ﷺ للقوم في جملة خصال الإيمان خصوصًا وهم في مقام البيان. وحينئذ يكون سقوط الحج من الحديث مؤكدا لاضطرابه موجها للقدح فيه لترك راويه بعض مهماته (٣)، وإن كان قبله فابن عباس كان حينئذ صغيرًا لا يضبط ما يروي فلا تعارض روايته رواية عمر المتقن الضابط المشاهد لما روى، ويترك حديث ابن عباس هاهنا إما لذلك كما ترك حديثه أن النبي ﷺ تزوج ميمونة

стр. 110

وهو محرم (١)، أو حملا لحديثه على أنه أرسله عن غيره كما أرسل حديث: "إنما الربا في النسيئة" (٢) عن أسامة بن زيد، ومراسيل الصحابة وإن كانت صحيحة لكنها لا تعارض متصلاتهم، وحديث عمر في مغايرة الإسلام الإيمان متصل فلا يعارضه مرسل ابن عباس في اتحادهما. الوجه الثالث: أن حديث ابن عباس قول رسول واحد وهو النبي ﷺ وحده، وحديث جبريل قول رسولين محمد ﷺ ، وجبريل ﵇ لأنه أقَرَّ النبي ﷺ على ما قاله، وتقريره كقوله وقول رسولين أرجح من قول رسول واحد (٣). فإن قيل: النبي ﷺ معصوم وحده، ومع غيره فلا أثر لهذا الترجيح. قلنا: الترجيح بين أخبار الآحاد يحصل بما ذكرناه، وما هو دونه في القوة كالترجيح بكثرة الرواة والروايات وهذا شبيه بقول عبيدة السلماني لعلي حين
следующие страницы →