← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1296–1323 · переход к 1301.

стр. 1296

كان جعفر قد أصيب بمؤتة من أرض الشام، وهو أمير بيده راية الإسلام، بعد زيد بن حارثة- ﵁ فقاتل في الله حتى قطعت يداه ورجلاه، فأرى نبي الله ﷺ فيما كوشف به أن له جناحين مضرجين بالدم يطير بهما في الجنة مع الملائكة. [٤٦٨٤] ومنه قوله ﷺ في حديث يعلي بن مرة الثقفي- ﵁: (حسين سبط من الأسباط)

стр. 1297

السبط مأخذه من السيط وهي شجرة لها أغصان كبيرة، وأصلها واحد، كأن الوالد بمنزلة الشجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها. وقيل في تفسيره: إنه أمة من الأمم في الخير. وقيل: هم خاصة الأولاد. وفي الحديث: (الحسن والحسين سيطا رسول الله ﷺ ) قيل: أي هما طائفتان منه. قلت: ويحتمل أنه أراد بالسيط القبيلة، أي: يتشعب منهما نسله، فما هما بذلك؛ لأنهما هما الأصلان اللذان ينشأ منهما السبط [٣٣٣]. [٤٦٩٠] ومنه: قول أسامة- ﵁ في حديثه: (هبطت وهبط الناس ...) إنما قال: هبطت؛ لأنه كان يسكن العوالي، والمدينة من أي جهة أتيت صح فيها الهبوط، لأنها واقعة في غلظ من الأرض ينحدر إليها السيل. وفيه: (وقد أصمت) أصمت العليل فهو مصمت: إذا اعتقل لسانه، ومن الحديث (أصمتت أمامة بنت أبي العاص) أي: اعتقل لسانها. [٤٦٩٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أسامة- ﵁: (من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد). قلت: لم يكن أحد من الصحابة إلا وقد أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله، إلا أن المعنى الخاص في ذلك عرف في حق زيد بن حارثة. قال الله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ وهو زيد لا خلاف في ذلك ولا شك.

стр. 1298

فيحتمل أنه جعله في هاتين النعمتين تبعا لأبيه، ويحتمل أن بعض الرواة قد عده فيه. وهذا الحديث يرويه عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعمر بن أبي سلمة ضعيف عند بعض أهل الجرح والتعديل. ومن باب مناقب أزواج النبي ﷺ وأهل بيته (من الصحاح) [٤٦٩٣] حديث علي- ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران ... الحديث). الضمير في الأولى عائد إلى الأمة التي كانت فيهم مريم، وفيه الثانية إلى هذه الأمة، ولهذا كرر القول من أولها؛ تنبيها على أن حكم كل واحد منهما غير حكم الآخر، وكلا الفضلين كلام مستأنف. وإشارة وكيع- الذي هو من جملة رواة هذا الحديث- إلى السماء والأرض منبئة عن كونهما خيرا ممن هو فوق الأرض، وتحت أديم السماء. وهو نوع من الزيادة في البيان، ولا يستقيم أن يكون تفسيرا لقوله: (خير نسائها)؛ لأن إعادة الضمير إلى السماء غير مستقيم فيه، ثم إنهما شيئان مختلفان، والضمير راجع إلى شيء واحد. [٤٦٩٤] ومنه: قول جبريل- ﵇ في حديث أبي هريرة- ﵁: (وبشرها ببيت في الجنة من قصب ... الحديث). القصب: كل عظم مستدير أجوع. والقصب أيضا أنابيب الجوهر، وقد فسر القصب في هذا الحديث بلؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف. وقوله: (لا صخب فيه) الصخب: الجلبة والصياح، يريد أن ليس فيه شاغل يشغلها عما تحت وتهوى، ولا تعب يصيبها. ويحتمل أن قوله: (فيه) يتعلق بتحصيله وترتيبه، أي: لا يكون في تحصيله وترتيبه شيء من ذلك، كما يكون في بناء أبنية الدنيا وإصلاح منازلها.

стр. 1299

[٤٦٩٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (كفضل الثريد على سائر الطعام). قيل: إنما ضرب المثل بالثريد؛ لأنه أفضل طعام العرب، ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه. وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم جعل فوقه القدر اللحم. وقد قال ﷺ : (سيد الطعام اللحم) فكأن فضلها على النساء تفضيل اللحم على سائر الأطعمة، واستدلوا في ذلك بحديث عبد الله بن عمر- ﵄: (فضل عائشة على النساء كفضل اللحم على سائر الأدم) [٣٣٤] قلت: وقد يحتمل غير ذلك وكل هذه الأقاويل مستقيمة، غير أن [أصحاب ... ينسبون] القول عن سر ما أودع فيه، وهو أن الثريد مركب من الخبز واللحم، ولا نظير لهما في الأغذية، ثم إنه جامع بين الغذاء واللذة والقوة، وسهولة تناوله، وقلة المؤنة في المضغ، وسرعة المرور في المرئ من غير ما غصة، فضرب لها المثل به ليعلم أنها أعطيت مع حسن الخلق حسن الخلق، وحسن الحديث، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها، والإصغاء إليها، وإلى غير ذلك من المعاني التي اجتمعت فيها، وحسبك من تلك المعاني أنها عقلت من رسول الله ﷺ مل لم تعقل غيرها من النساء، ورون عنه ما لم يرو مثله من الرجال. [٤٦٩٨] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (في سرقة حرير) سرقة، على مثال مرقة: الشقة الجيدة من الحرير. قال أبو عبيد: وأحسبها فارسة قد عربت. وأصلها: سره، قال: والسرق، الشقق من الحرير، إلا أنها البيض خاصة.

стр. 1300

ومن باب جامع المناقب (من الصحاح) [٤٧٠٥] حديث ابن عمر- ﵁: (رأيت في المنام كأن في يدى سرقة حرير) يأول هذا على أن السرقة كانت ذات يده من العمل الصالح، وبياض السرقة منبئ عن خلوصه من الهوى، وصفائه عن كدر النفس.

стр. 1301

[٤٧٠٦] ومنه: حديث حذيفة- ﵁: (إن أشبه الناس دلا وسمتا وهديا ... الحديث). قال أبو عبيد: الدل قريب المعنى من الهدى، وهما من السكينة والوقار في المنظر والهيئة والشمائل وغير ذلك وفي الحديث: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يرحلون إلى عمر- ﵁ وينظرون إلى سمته وهديه ودله فيتشبهون به). قلت: ويشبه أن يكون الدل ما يدل على صلاح صاحبه من حسن الحديث وحسن الهيئة. والسمت: السيرة. والهدى: الطريقة المرضية. يقال: فلان حسن الهدى: إذا كان محمود الطريقة في الأمور كلها، وقد فسرنا هذه الكلمات فيما مر من الكتاب. وقوله: (لا يدري ما يصنع في بيته إذ خلا) يريد: إنا نشهد له بما يستبين لنا من ظاهر أمره، ولا يدرى ما بطن منه. [٤٧٠٩] ومنه قول أبي الدرداء- ﵁ في حديثه: (صاحب النعلين والوساد والمطهرة) يريد: أنه خص من رسول الله ﷺ بخدمات ثلاث: بأخذ النعلين إذا جلس في المجلس، وبوضعهما إذا نهض منه، وبتسوية المضجع ووضع الوساد إذا أحب النوم، ويحمل المطهرة إذا أراد الوضوء، وذكر ابن عبد البر في كتابه أنه أسلم وهو غلام، فضمه رسول الله ﷺ إليه، فكان يلج عليه، ويمشي أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك.

стр. 1302

وفيه: (وصاحب السر الذي [٣٣٥] لا يعلمه غيره) قد أشرنا إلى اختصاصه بعلم أسماء المنافقين لذلك. [٤٧١٠] ومنه حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ : (أريت لجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة .. الحديث) امرأة أبي طلحة هي أم سليم أم أنس، وتلقب بالرميصاء. [٤٧١٢] ومنه حديث أبي موسى- ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (يا أبا موسى، لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود). المزمار: واحد المزامير التي تضرب، وقد يستعار في الصوت الحسن، وهو المراد به في الحديث، وأراد بآل داود نفس داود. ويريد: إنك أوتيت لحنا طيبا من ألحان داود ﵇. [٤٧١٣] ومنه حديث أنس- ﵁: (قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك .. الحديث). قلت: الوجه في قراءة على أبي أن يصرف إلى قراءة التعليم لا إلى قراءة التعلم، وقراءة المعلم على الذي يتعلم أبلغ في التعليم من قراءة المتعلم عليه؛ لان المتعلم إذا تفرغ للاستماع كان ذلك أضبط للحرف الذي يقرأ به، وأمكن له من القراءة على وجهها عند الأداء، وأما تخصيص أبي بذلك؛ فلأنه كان إماما في القراءة، أخذ منه قراء التابعين، ثم إنه كان من الأنصار، وهم وإن كانوا من أهل اللغة الفصيحة، فإن لهجتهم في التنزيل لم تكن تقع موقع لهجة المهاجرين في حسن التلاوة وصحة التأدية، فإن القرآن بلغة قريش، فافتقر هو إلى أخذ حسن الأداء من النبي ﷺ افتقاره إلى تعلم القرآن، وكان بالمهاجرين غنية عن ذلك، ثم إن الله- تعالى- أحب أن يجعله أسوة لمن بعده في ذلك؛ لئلا يمتنع أحد عن القراءة على من دونه في العلم والمنزلة.

стр. 1303

[٤٧١٤] ومنه حديثه الآخر (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة ..) الحديث. قلت: قد جمع القرآن جمع من المهاجرين على عهد رسول الله ﷺ فالمراد من الأربعة: أربعة: من رهط أنس، وهم الخزرجيون. ويحتمل أنه أراد أربعة من الأنصار أوسهم وخزرجهم، وهو أشبه، وقد كان بين الحيين مناوأة قبل الإسلام بقيت منها بقية من العصبية بعد الإسلام، فلعله ذكر ذلك على سبيل المفاخرة، وهو الصحيح، لما روى عن أنس أنه قال: (افتخرت الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من اهتز العرش لموته سعد بن معاذ. وقالت الخزرج: منا أربعة فرأوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب. فقوله: (لم يقرأه عنهم) أي: لم يقرأه كله أحد منكم يا معشر الأوس. [٤٧١٥] قول خباب- ﵁ في حديثه: (فهو يهدبها) يقال: هدب الناقة يهدبها [٣٣٦] بالكسر، أي [احتلبها] وهدب الثمرة: إذا اجتناها. [٤٧١٦] ومنه حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ) (اهتز) [اهتشاشا وسرورا بنقلته من الدار الفانية، إلى الدار الباقية] وذلك لأن أرواح السعداء الشهداء [مستقرها] تحت العرش، تأوى إلى قناديل معلقة هنالك، ولو ذهب ذاهب إلى أنه اهتز استعظاما لتلك الوقعة، فله وجه. قال ابن ميادة: الريح تبكي شجوها .... والبرق يلمع في غمامه ومنهم من ذهب في العرش إلى السرير الذي حمل عليه، وليس بشيء، لودود الرواية بعرض الرحمن. [٤٧١٧] ومنه قوله ﷺ في حديث البراء بن عازب- ﵁: (المناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين). يريد: أن المناديل التي يمسح سعد بها يده خير من هذه.

стр. 1304

وفيه تنبيه على بعد المناسبة بين حلل الدارين، حتى إن أرفع شيء من هذه لا يقاوم أوضع شيء من تلك، فلا جائز أن يقابل أعلاها وأنفسها بما هو الأدنى في الدار الآخرة. ولولا النظر إلى تقريب المعنى من الأفهام؛ لم تقع هذه المناسبة موقعها في الكلام، وأين الماء من السماء. [٤٧٢٠] ومنه قول عبد الله بن سلام- ﵁ في حديثه: (فأتاني منصف) المنصف- بكسر الميم: الخادم.

стр. 1305

[٤٧٢٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس: (لولا الهجرة، لكن امرءا من الأنصار) المراد منه إكرام الأنصار، والتعريض بأن لا رتبة بعد الهجرة أعلى من النصرة، ولولا الهجرة، ما كنت أعدل بالأنصار أحدا، ولا أبتغى بهم بدلا. وفيه: (ولو سلك الناس واديا ...) الحديث. لم يرد بذلك المتابعة؛ فإن المتابعة حق له على كل مؤمن،

стр. 1306

وإنما أراد به الموافقة أي: كنت أختار موافقتهم على موافقة غيرهم، لما لهم من حق الجوار، ووفاء الذمة، وحسن العهد فيما بايعوني عليه. وفيه: (الأنصار شعار، والناس دثار) الشعار: ما يلي الجسد منا لثوب لمماسته الشعر، و (الدثار) ما فوق الشعار. يريد: أنهم بطانتي وأقرب الناس إلى. وفيه: (إنكم سترون بعدي أثرة) أي: يستأثر غيركم بحقكم فاصبروا. وقد مر القول فيه. [٤٧٢٨] ومنه: قول ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (كلا، إني عبد الله ورسوله) كلا: ردع. أي: ليس الأمر على ما توهمتم. وقوله: (إني عبد الله ورسوله) أي: كوني على هذه الصفة يقتضى أن لا أعود إلى دار تركتها لله، وأن لا أرغب في بلدة هاجرت منها إلى الله. قوله: (هاجرت إلى الله وإليكم) يعني: أن القصد في الهجرة كان إلى الله، وأن التهاجر من دار قومي كان إلى داركم. وقوله: (المحيا محياكم والممات مماتكم) يريد: ما حييت أحيا في بلدكم، كما تحيون فيه، وإذا توفيت في بلدكم كما تتوفون، لا أفارقكم حيا ولا ميتا. وفيه: (إلا ضنا بالله ورسوله) يريدون: ما قلنا قولنا ذلك إلا ضنة بما آتانا الله من [٣٣٧] كرامته، خشية أن يفوتنا فيناله غيرنا، وشحا برسول الله ﷺ أن ينتقل من بلدتنا إلى بلدته. [٤٧٣٠] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (فإنهم كرشي وعيبتي) الكرش لكل

стр. 1307

مجتر: بمنزلة المعدة للإنسان، وكرش الرجل أيضا: عياله من صغار ولده، والكرش أيضا: الجماعة من الناس، و (العيبة): ما يجعل فيه الثياب. وذكر الهروي عن ابن الأعرابي في تفسير الكلمتين: أنهم خاصتي وموضع سري، وهو مستفيض في اللغة العربية. قال: والعرب تكنى بالعيبة عن الصدر. وفسر بعضهم الكرش في هذا الحديث بالجماعة؛ كأنه يريد أنهم أسرته التي يتقوى بهم، وهو تأويل مستقيم على الوضع اللغوي. قلت: والعرب تستعمل الكرش في كلامهم موضع البطن، تقول: تزوج فلان فلانة فنثرت له كرشها وبطنها: إذا كثر ولدها له. والبطن مستودع مكتوم السر، والعيبة مستودع مكنون المتاع، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فيحتمل أنه ضرب المثل بهما إرادة اختصاصهم به في أموره الظاهرة والباطنة. [٤٧٣١] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عباس- ﵁: (إن الناس يكثرون ويقل الأنصار) يريد: أن أهل الإسلام يكثرون، ويقل الأنصار؛ لأن الأنصار هم الذين آووا رسول الله ﷺ ونصروه، وهذا أمر قد انقضى زمانه، لا يلحقهم اللاحق، ولا يدرك شأوهم السابق، وكلما مضى منهم واحد مضى من غير بدل، فيكثر غيرهم ويقلون. [٤٧٣٣] ومنه حديث أبي أسيد الساعدي- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (خير دور الأنصار ...) الحديث. يريد: خير بطونها وعمائرها، وإنما كنى عنها بالدور؛ لأن كل واحد من تلك البطون كانت لها محلة تسكنها، والمحلة تسمى دارا ودارة.

стр. 1308

(ومن الحسان) [٤٧٣٩] قوله ﷺ في حديث حذيفة بن اليمان- ﵁: (وتمسكوا بعهد ابن أم عبد) يريد: عهد عبد الله بن مسعود، وهو: ما يعهد إليهم ويوصيهم به، وأرى أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة، فإنه من أول من شهد بصحتها، وأثار إلى استقامتها من أفاضل الصحابة، وأقام عليها الدليل، فقال: لا نؤخر من قدمه رسول الله ﷺ ألا نرتضى لدنيانا من ارتضاه لديننا. ومما يؤيد هذا المعنى: المناسبة الواقعة بين أول الحديث وآخره، ففي أوله: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، وفي آخره: (وتمسكوا بعهد ابن أم عبد) ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله- في حديث حذيفة أيضا: (لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم: ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه) وهذه إشارة إلى ما أسر إليه من أمر الخلافة في الحدث الذي نحن فيه. ويشهد لذلك الاستدراك [٣٣٨] الذي أوصله بحديث الخلافة فقال: (لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه) وحذيفة هو الذي يروى عن رسول الله ﷺ : (اقتدوا بالذين من بعدي) ولم أرد في التعريض بالخلافة في [سنن] الرسول ﷺ أوضح من هذين الحديثين، ولا أصح من حديث أبي سعيد: (سدوا عني كل خوخة).

стр. 1309

[٤٧٤٠] ومنه حديث علي- ﵁ قال: رسول الله ﷺ : (لو كنت مؤمرا من غير مشورة، أمرت عليهم ابن أم عبد) وفي بعض طرقه: (لو كنت مستخلفا) قلت: ومن أي وجه روى هذا الحديث، فلابد أن يأول على أنه ﷺ أراد تأميره على جيش بعينها، أو استخلافه في أمر من أموره حال حياته، ولا يجوز أن يحمل على غير ذلك، فإنه- وإن كان من العلم والعمل بمكان، وله الفضائل الجمة والسوابق الجليلة- فإنه لم يكن من قريش، وقد نص رسول الله ﷺ على أن هذا الأمر في قريش، فلا يصح حمله إلا على الوجه الذي ذكرنا.

стр. 1310

[٤٧٤٦] ومنه قول المنافقين في حديث أنس- ﵁ وذلك لحكمه في بني قريظة. يريدون: قول سعد بن معاذ لما نزلت بنو قريظة على حكمه معتمدين على حسن رأيه فيهم: (حكمت فيهم بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية) فنسبوه- أعنى المنافقين- إلى الجور والعدوان، وقد شهد رسول الله ﷺ له بالإصابة في حكمه، وقد ذكرنا القصة من قبل ذلك. [٤٦٤٧] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر) يريد بالخضراء: السماء، وبالغبراء: الأرض. قلت: وهذا من العام الذي يراد به الخاص، ويحمل قوله ﷺ هذا على التأكيد والمبالغة في صدقه، على

стр. 1311

ما هو مذهب العرب في هذا النوع، لا على أنه أصدق من غيره على الإطلاق، لا يصح أن يقال: أبو ذر أصدق من أبي بكر- ﵁ وهو صديق هذه الأمة، وخيرها بعد نبيها، ولو ذهبت إلى العموم لم يستقيم؛ لأن رسول الله ﷺ كان ممن أظلته الخضراء، وأقلته الغبراء، وكان أصدق من أبي ذر وغيره. وفي رواية: [أبي ذر] شبه عيسي بن مريم) يريد: شبهه في الزهد والتقشف والانتباذ من الناس وحدانا. [٤٧٥٤] ومنه حديث عقبة بن عامر- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أسلم الناس، وآمن عمرو ابن العاص). قلت: هذا أيضا من العام الذي يراد به الخاص، والمراد من الناس مسلمة الفتح من أهل مكة. أسلم عمرو قبل الفتح طائعا راغبا مهاجرا إلى المدينة. وقد اختلف في السنة التي خرج فيها إلى رسول الله ﷺ فمنهم من قال: خرج بين الحديبية وخيبر. ومنهم من قال: خرج سنة ثمان قبل الفتح. والصحيح أنه رجع من [٣٣٩] الحبشة حين أرسلته قريش إلى النجاشي [ليستل] من هاجر من المسلمين إلى الحبشة، وقد وقع في قلبه الإسلام، فخرج من مكة هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة العبدرى الحجبي فلما دخلوا على رسول الله ﷺ المسجد ونظر إليهم قال: (رمتكم مكة بأفلاذ كبدها) فقوله: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) تنبيه على أنهم رهبة، وآمن عمرو رغبة، فإن الإسلام يحتمل أن يشوبه كراهة، والإيمان لا يكون إلا عن رغبة وطواعية. [٤٧٥٥] ومنه قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁: (إن الله كلم أباك كفاحا) كفحته كفحا: إذا استقبلته كفة كفة، وكافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس. ومنه المكافحة، يقال: لقيته كفاحا.

стр. 1312

ومعنى الحديث- والله أعلم- أنه كلم أباك من غير واسطة بينه وبين الله. وفي الحديث: (إني لأكفحها وأنا صائم) أي: أواجهها بالقبلة. [٤٧٥٧] ومنه حديث أنس- ﵁ عن النبي ﷺ : (كم من أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له ... الحديثّ) الطمر: الثوب الخلق، وفلا لا يؤبه له. أي: لا يبالي به. وأنت تئبه- بكسر الباء- مثل [تبخل] أي: تبالي. وبقية الحديث قد مر تفسيره. [٤٧٦٠] ومنه حديث أبي طلحة الأنصاري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أقرئ قومك السلام، فإنهم ما علمت أعفة صبر) يريد: فإنهم صبر، على ما علمت، أو الذي علمت منهم أنهم

стр. 1313

كذلك، يتعففون عن السؤال، ويتحملون الصبر عند القتال، وهو مثل ما في الحديث: (يقلون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع). ومن باب ذكر اليمن والشام (من الصحاح) [٤٧٦٦] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وألين قلوبا). الرقة إذا كانت في جسم تضادها الصفاقة، يقال: ثوب صفيق، وثوب رقيق. ومتى كانت في نفس تضادها الغلظة والجفوة، وكذلك اللين في الأجسام تضاد الخشونة، وفي القلوب تضاد القسوة. وأهل اللغة يعدون الفؤاد والقلب شيئا واحدا، وكلام النبوة يحكم بالتمييز بينهما، وكل واحد من الاسمين ينبئ عن صفة أخرى، وذلك أن الفؤاد إنما سمى فؤادا لتفأده، وهو التوقد. يقال: فئدت اللحم، أي: شويته. والقلب إنما سمى قلبا لكثره تقلبه، فلعله أراد بالأفئدة: ما يظهر منها للأبصار، وبالقلوب ما يظهر منها للبصائر. ولبعض مشايخ الصوفية في شرح ذلك كلام يشير فيه إلى أن الفؤاد هو القلب بشغافه وغلافه، وعلى هذا فنقول: يحتمل أنه أشار إلى رقة حجاب القلب، فيخلص القول إليه سريعا، وإلى لين جوهره، فيؤثر

стр. 1314

الوعظ فيه تأثير بليغا. ومنه: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) اليمن [٣٤٠] ما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور قال أبو عبيد: مكة أرض تهامة من أرض اليمن، وبهذا سميت مكة وما وليها من أرض اليمن [تهامة] على هذا التقدير يمانية، ومنها ظهر الإيمان. قال: وفيه وجه آخر، وهو: أن النبي ﷺ قال هذا القول وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة، وقيل: عنى بهذا القول الأنصار؛ لأنهم يمانون. قلت: هذه وجوه متقاربة، مع ما فيها من التعمق، وبعد التناسب بين الفصل الأول والثاني، فإنه قال: (أتاكم أهل اليمن) يخاطب بذلك أصحابه، والجمهور منهم أهل الحرمين وما حولهما، فعلمنا أن المبشر بهم غير المخاطبين، ثم وصفهم بقوله: (هم أرق أفئدة) ثم أشار إلى ثمرة رقة الفؤاد ولين القلب، وهي الإيمان والحكمة. وقوله: (الإيمان يمان) لا ينفى كونه حجازيا، وإنما ينبئ عن استعداد أهل اليمن لقبول ذلك، وفشوه فيهم واستقرار أمرهم عليه، فإنهم هم الذين فتحت بأمدادهم الشام والعراق، زمن عمر بن الخطاب- ﵁ والحكمة: كل كلمة صالحة تمنع صاحبها عن الوقوع في الهلكات، فلما كانت قلوبهم معادن الإيمان وينابع الحكمة، وكانت الخلتان منتهى همهم، نسب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم ومساقط رءوسهم، نسبة الشيء إلى مقره و (يمان) نسبة إلى اليمن، والألف عوض من ياء النسب، فلا يجتمعان، وكذلك يمنى، ومنهم من يجمع بين الألف وياء النسبة فيقول: يماني- بالتشديد، وقال أمية بن خلف: يمانيا يظل يشد كيرا .... وينفخ دائما لهب الشواظ والصحيح ما قدمناه. وفيه: (والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين) الفخر: المباهاة والمنافسة في الأشياء الخارجة عن الإنسان، كالمال والجاه. والفدادين يروى من وجهين- بالتشديد وهو الذين تعلو أصواتهم في أموالهم ومواشيهم، من قولهم: رجل فداد: إذا كان شديد الصوت. وبالتخفيف، وهي: البقر التي تحرث، واحدها فدان- بالتشديد- تقديره: وفي أهل الفدادين. وأرى أصوب الراويتين بالتشديد؛ لما في حديث ابن مسعود، الذي يتلو هذا الحديث: (والجفاء والغلظ في الفدادين) والتخفيف في هذه الراوية غير مستقيم، وتقدير الحذف فيه مستبعد رواية ومعنى، فرددنا

стр. 1315

المختلف فيه إلى المتفق عليه، هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه رأى سكة شيئا من آلة الحرث، فقال: (ما دخل هذا دار قوم إلا أدخل عليهم الذل) وأين إيقاع الفخر والخيلاء من موقع الذل. (ومن الحسان) [٤٧٧١] حديث زيد بن ثابت- ﵁: (أن النبي ﷺ نظر قبل اليمن فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في [٣٤١] صاعنا ومدنا). قلت: لم يكن في هذا الحديث إشكال، سوى أنه جمع بين فصلين في كلم إذا تصفحهما الجاهل، عدهما من الفصول المتنافرة، ومعاذ الإله أن يظن به غير الكمال في سائر الأحوال. ووجه التناسب بين الفصلين أن أهل المد مازالوا في شدة من العيش، وعوز من الزاد، لا تقوم أقواتهم بحاجتهم، فلما دعا الله بأن يقبل إليهم بقلوب أهل اليمن إلى دار الهجرة، وهم الجم الغفير، دعا الله بالبركة في طعام أهل المدينة، ليتسع على القاطن بها والقادم عليها، فلا يسأم المقيم من القادم عليه، ولا تشق الإقامة على المهاجر إليها. [٤٧٧٣] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ستخرج نار من نحو حضر موت .. الحديث). يحتمل أنها تكون رأى عين، وهو الأصل، ويحتمل أنها فتنة عبر عنها بالنار، وعلى التقديرين فالوجه فيه أنه قبل قيام الساعة؛ لأنهم قالوا: (فما تأمرنا) يعنون: في التوقى عنها، فقال: (عليكم بالشام).

стр. 1316

[٤٧٧٤] ومنه حديثه الآخر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ستكون هجرة بعد هجرة .. الحديث). كان من حق الثانية أن يؤتي بها مع لام العهد؛ لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وغنما أتى بها منكرة ليساوق الأولى في الصيغة، إضمار في الكلام، أي: بعد هجرة حقت ووجبت. وإنما حسن الحذف اعتمادا على معرفة السامعين. والمعني: ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة، وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله في البلاد، ويستولى الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، ويبقى الشام تسوسها العساكر الإسلامية منصورة على من نأواهم، ظاهرين على الحق، حتى يقاتلوا الدجال: فالمهاجر إليها حينئذ فار بدينه، ملتجئ إليها لصلاح آخرته، فكثر سواد عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله. وفيه: (تقذرهم نفس الله) ضرب المثل للمتخلفين عن حزب الله الذابين عن حريمه؛ رغبة في الدنيا، ورهبة عن القتل والقتال، ورضي بما هم فيه من الذل والهوان في قلة التوفيق وعدم القبول بالشيء المستقذر الذي تنفر عنه الطباع، وتأباه الأنفس، وهو قول مناسب لما في التنزيل: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ ونفس الله: ذاته، وهو وإن كان من حيث جعل له مضاف إليه يقتضى المغايرة وإثبات شيئين من حيث الغيار، فإنه على سبيل الاتساع، وتعالى الله الملك عن الأنثوية ومشابهة المحدثات علوا كبيرا. [٤٧٧٥] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن حوالة- ﵁: (فأما إن أبيتم، فعليكم بيمنكم) هذا كلام معترض أدخله بين قوله: (عليكم بالشام) وبين قوله: (واسقوا من غدركم)؛ فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهلها) رخص به العرب، واليمن من أرض العرب. ومعنى قوله: (واسقوا من غدركم) أي: ليسق كل واحد من غديره الذي يختص به. وغدر جمع غدير،

стр. 1317

مثل: سرير وسرر، والأجناد المجندة بالشام لاسيما أهل الثغور والنازلين في المروج من شأنهم أن تتخذ كل رفقة لنفسها غديرا تستنقع فيه الماء للشرب والتطهر وسقى الدواب، فوصاهم بالسقي مما يختص بهم، وترك المزاحمة فيما سواه، والتغلب؛ لئلا يكون سببا للاختلاف وتهييج للاختلاف وتهييج الفتنة. وفي سائر نسخ المصابيح: (فإن الله قد توكل لي بالشام) والصواب: قد تكفل لي، وهو سهو، إما في أصل الكتاب، أو من بعض رواة الحديث، فنقل على ما وجد. والمعنى: أن الله ضمن لي حفظها وحفظ أهلها القائمين بأمر الله، على ما في الحديث. ومن باب ثواب هذه الأمة (من الصحاح) [٤٧٧٨] حديث أنس- ﵁ قال رسول الله ﷺ (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) أي: من لو حلف على الشيء متأليا على الله لصدق يمينه، ولقد مر بيانه بالشواهد المسفرة.

стр. 1318

[٤٧٧٩] ومنه: حديث أبي أمامة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله .. الحديث) الأمة القائمة بأمر الله، وإن اختلف فيها، فإن المعتد به من الأقاويل أنها الفئة المرابطة بثغور الشام، نضر الله بهم وجه الإسلام، لما في بعض طرق هذا الحديث: (وهم بالشام) وفي بعضها: (حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) وفي بعضها: (قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس). فإن قيل: فما وجه هذا الحديث وما في معناه الأحاديث التي وردت في الشام، وقد عاثت الذئاب في القطيع، وعبرت الجنود العاتية عن الفرات، وأناخت على ما وراءه من البلاد كمنبج وسروج وحلب وما حولها؟ قلنا: إنه اراد بقوله: (لا يضرهم) كل الضرر، وقد أضر الكفار يوم أحد بأصحاب النبي ﷺ وغيره، ولما كانت العاقبة للتقوى، لم يعد ذلك ضررا عليهم، مع أن الفئة الموعودة لهم بالنصر هم الجيوش الغازية بها، ولم يصبهم- بحمد الله إلى اليوم- غضاضة ولا هوان، بل كانت لهم النصرة، وعلى عدوهم الدبرة، وأما ما أصيب ومن أصيب من أفتاء الشام وسكانها، فإنها اليسير بالنسبة إلى ما سلم منها. والنبي ﷺ إنما أراد بذلك معظمها ومعظم جنودها. ومما يؤيد ذلك ما روينا من مسند أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبوا دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق، حتى تقوم الساعة) وهذا الحديث يفصل ما أجمل في غيره من أحاديث الشام، مع احتمال أن تكون تلك البلاد [٣٤٣] لم تعد يومئذ من جملة الشام، وكانت منضمة إلى ما في أيدي الروم. أو كانت من أرض الشام بها عبرة، ومما يدل على صحة ما ذكره أهل النقل وعلماء العربية أن الشام كانت خمسة أجناد: جند بحمص، وجند بقنسرين، وجند بدمشق، وجند بفلسطين، وجند بالأردن، وهي أعلى الشام من الأرض المقدسة، والله أعلم.

стр. 1319

(ومن الحسان) [٤٧٨١] حديث أنس- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (مثل أمتي مثل المطر ... الحديث) لا محمل لهذا الحديث على التردد في فضل الأول على الآخر، فإن القرن الأول هم المفضلون على سائر القرون، من غير مثنوية، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وفي الرابع اشتباه من قيل الراوي. وإنما المراد منه: نفعهم في بث الشريعة والذب عن الحقيقة، والمطر ينبت الزرع في الأول، ثم يربيه عند استوائه على سوقه في الآخر، فلا يدرى أنفعه في الأول أجدى أم في الآخر، فكذلك هذه الأمة، أقام الدين منهم الأولون، ومهد قواعدها الآخرون. وفيه إشارة إلى أن آخر هذه الأمة يعود في الخير والصلاح في آخر الأمر إلى ما كان النمط الأول، على ما ورد في الأحاديث عند خروج المهدي ونزول عيسي بن مريم- ﵊ بخلاف الأمم السالفة، فإنهم انقرضوا على تبديل من الدين، وتحريف من الكتاب ﴿فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾ أعاذنا الله من سوء السيرة، وقبح الأحدوثة. هذا آخر ما تكفلت بشرحه من الكتاب، وتصديت لكشفه من فصل الخطاب، وتوخيت بيانه ببسط المقال في حل عقدة الإشكال مما تلفقته من أفواه الرجال، والتقطته من مصنفات أئمة الإسلام، وأعنت عليه من طريق الفهم وسبيل الإلهام، وهذا هو القدح المعلى، والقسط الأجزل في فتح الغلق عن جوامع الكلم التي هي درر الغيب ودور الوحي، تبرزت عن حجال الجلالة، وتماطرت في حريم الرسالة، جل موردها عن وصمة الجهالة، كما عز مصدرها عن سمة الإحالة، فهو الكلام الذي لم تكلمه فرطه، والحديث الذي لم يحدث به سقطة، طلع عن المطلع الذي عصم عن هبوة الهوى، ونبع عن المنبع الذي قدس عن القذر والقذى ﴿وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحي﴾. فهذا هو الكلام الذي يحق أن يشرح فيعقل، والحديث الذي يجيب أن ينقل فيقبل: تلك المكارم، لا قعبان من لبن .... شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا

стр. 1320

ولقد وفيت لإخواني بما وعدتهم، بعد أن عالجته وعد المتلمس، ومارسته كؤود المطلب، فتصدعت الشوامخ، وتصعدت الشواهق، حتى تركت ما كان صعب المرتقى وعلا المنحدر كالكثيب الأهيل، والطريق الملحوب بالعراء، فأوضحت ما أشكل، وفتحت منه ما استغلق. وإني وإن لم أكن لأشق غبار قوم أحرزوا فلج النصال، وجروا إلى [٣٤٤] أبعد الغايات ولم يكن بي غنى عن [أخذ أسمائهم ونبيل آثارهم فتقدمت فيه بمصاص] القول ولبابه وأودعته من المعاني الغريبة التي ألقيت في حدثي، والوجوه العويصة التي وقعت في نفسي، ما لا يهى عراه ولا ينقض قواه، ولا يتزلزل بنيانه، ولا يخلخل أركانه، ثم إني لم أتخذ فيه درسا خفيا، ولا طريقا معورا، بل سلكت سبيلا بين الأعلام، واضح المنهج، كل ذلك بفضل الله ورحمته على عبد لم ير غير الكتاب مطلبا ومعتمدا، ولم يعرف سوى السنة مذهبا ومعتقدا، فهداه إلى ما هداه إليه، وأعانه على ما أعانه عليه. [وأزل] نعمه في ذلك من وراء الآمال، ومع هذا فلقد أسأرت في الأحاديث المشروحة للآخرين، كما أسأر لي فيها الأولون؛ لأن كلام النبوة سبيل لا يدفع، وبحر لا ينزف، ولا آمن فيما أوردته عن عثرة قلم، وكبوة الذهن، وهفوة الحفظ، وغفلة القلب، فأحرج على من عثر ينزف، ولا آمن فيما أوردته عن عثرة قلم، وكبوة الذهن، وهفوة الحفظ، وغفلة القلب، فأحرج على من عثر على شيء من ذلك أن يفتق رونقه، ويرقع خرقه، ويضم نشره. وإن وجد فيه مما عزوته إلى نفسي في كتاب غيري، فلا يسلكن به مسلك التقول والانتحال، ونعوذ بالله من الخيانة، فإنها بئست البطانة، وليعده من باب توارد الخواطر، ولقد استبهم على وجه قوله ﷺ : (بنت لبون أنثي) ففتشت منه بطون الدفاتر، وفاوضت فيه من صادفته بصدد الفهم من أهل العلم، فلم أصدر عن تلك الموارد ببلة، ثم إن الله- تعالى- ألهمني فيه وجه الصواب، على ما قررته في باب الزكاة من الكتاب، وبعد برهة من الدهر، كنت أتصفح كتابا لبعض علماء المغرب، فوجدته قد سبقني بالقول فيه عن نفسه أو عن غيره على شاكلة ما جئت به، ولو اطلع مطلع على القولين، لقضى على بالانتحال، وأنا أستجير بالله أن أكون خفيف العنان، قلق الوضين، يكذب شاهدي غائبي، ويخالف سريرتي علانيتي، وإذ قد علمت وتحققت بالعون والتيسير من قبل الله في إنشاء هذا الكتاب، وسميته بالميسر، ولئن صدق الأمل، واستأخر الأجل، فأنا متطلع وراء ذلك إلى الإتيان بمثله في بيان كتاب الله العزيز، ويا بعد ما يمنيني طول الأمل ويرجينى فيه نفسي، من حب الحياة، وأني لي بهذا، وقد آن تكون القريحة مكدودة، وحان أن تصير الوديعة مردودة، ويا للمنايا على الحوايا، والشيخ قد خيم بمعترك المنايا، فإن أدركت أمنيتي قبل أن تدركني منيتي؛ فهي الغاية التي ليس دونها منزع لمنية، ولا متجاوز لأمل، وإن كانت الأخرى، فلست بأول من طمع في غير مطمع: متى إن يكن حقا، تكن أصدق المنى .... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا هذا، ونحن نعود في المختتم إلى ما بدأنا به في [٣٤٥] المفتتح، فنقول:

стр. 1321

الحمد لله الذي لم يفتتح بأفضل من حمده الخطاب، ولم يختتم بأحمد من ذكره كتاب، حمدا تطير إليه النفوس العلوية وتطرب منه العقول القدسية، ويستمع له الكرام البررة، وتصعد به الملاك السفرة، فينتهي مسموعه إلى الملأ الأعلى، ويستوى مرفوعه إلى سدرة المنتهى، ثم الصلاة على من بدا منه البدايات، وانتهى إليه النهايات، ومهد له الصواب، وسخر له الخطاب، وفتح به المعاني المكنونة، وختم به الألفاظ المصون، فله جمال هذا الأمر، وذكره، وسناؤه وبهجته وذخره، محمد المكرم وجهه بجوامع الكلمات، المنوه باسمه في ملكوت السموات، رحمة الله المهداة للأمم سلفها وخلفها، النازل من آل إبراهيم في ذراها وذروتها وبنت شرفها، وعلى آله وعترته، وأزواجه وذريته، وعلى سائر المكرمين بصحبته، ثم إني أقول واقفا موقف الأسير، متدرعا لبسة البائس الفقير، بعد أن اعتاص على الأمر، وأحاطت بى الآفات، وضاق على السبيل، وبليت بنفس يملكني هواها، بعد أن ضعفت قواها، وانتكثت مرائرها، وتضعضت دعائمها، وهأنا أناجيك بلسان الضراعة، بعد أن أضاق الذنب ذرعى، وأقض الفترة في مضجعي، وهد الشيب ركني، وآلم قلبي ما ألم بى، مستمدا من بحر جودك، ومستطما أشايب رحمتك، يا من يعلم دفائن الصدور، ومخبآت النفوس، يا من يسمع حنين الأرواح وأنين القلوب، يا من له الخلق والأمر، يا من بيده الحل والعقد، يا من ينعش المذنب من سقطته، يا من يشيل العبد عن صرعته، يا من يميط الشر والأذى، يا من يمسح الجفون عن القذى، يا من معروفه غير وعر على طلابه، يا من أعطى فأحسن، يا من أسدى فأجزل، يا من أجدى فأفضل، بلغ السيل الزبي، واتسع الخرق على الراقع، فتقبل توبتي، واغسل حوبتي، وارحم شيبتي، ولا تسألني عما جنيت، ولا تفضحني فيما ادعيت، وإذا انقضت الأنفاس المعدودة، وأحاط بى اليوم الموعود، فلا تضيع من حقق الرجاء في كونه مفنيا عمره ببابك، وأدرك بتنفيس الكربة وإرخاء الخناق من أنفق أنفاسه في تلاوة كتابك، وإذا ضمني البيت المظلم، والمنزل الوحش، وفارقني الخل والخدين، ونسيني المصاحب والقرين، فأفض شآبيب رحمتك، وأرسل عزالى مغفرتك على الأشلاء المتمزقة، والأجزاء المتفرقة، ولا تضحني عن ظلم يوم يبعثون، ولا تخلني من صنعك يوم يعرضون، وارحم أبوي اللذين آوياني، ولطفا بي، وعطفا على، وسهرا في، وآثراني على أنفسهما، وأشفقا على في حياتهما، ونظرا [٣٤٦] إلى بعد وفاتهما، وقوما أودى وأصلحا [عوجي]، وأدباني فيك ودعواني إليك، وأعاذني بك أن أربع غير مربع، أو أفزع إلى غير مفزع، ولم تزل ترجف بي بوادرهما خشية أن

стр. 1322

أشب خليع العذار، مرفوض الرباط، ملفوظ اللجام، اللهم فاجزهما عني خير ما جزيت والدا عن ولده، وآنس وحشتهما، وارحم غربتهما، وكما رفعتني ببركة دعائهما عن حضيض الهوان، فأعد عليهما دعائي بالرحمة والرضوان. واجز عنا أئمة الإسلام وأعلام الطريقة خيرا، لاسيما من علمنا وأدبنا ونصحنا فيك، وهدانا إليك، وأخلفنا في أولادنا وذرياتنا، فاسلك بهم الصراط المستقيم، وأرهم سبيل المتقين، واجعلهم من عبادك الصالحين وعن نشأ منهم-عياذا بك- من يرغب عن الكتاب والسنة، ويتبع غير سبيل المؤمنين، فأنا أبرأ إليك من خلالته، وأتقرب إليك بعداونه، وأشهدك اللهم، أني سلم لمن سالمته، حرب لمن حاربته. اللهم إنك تعلم أن ما أضمره قلبي أكثر مما أظهره لساني. اللهم، واهد أمة محمد ﷺ إلى البيضاء النقية، التي بها، وثبتهم عليها، ووفقهم لانتهاج سبل الرشاد، وانصر الذابين عن حقيقة الإسلام القائمين بأمرك دون حوزته وحماه، ولا تجعلهم نهزة للطالب، وفرصة للمحارب، وارفع ألوية الهدى، ونكس بنود الضلال، وأيقظنا وسائر إخواننا عن سنتنا، ونبهنا عن رقدتنا، ولا تدعنا غائب الشخص نائم القلب، ذاهب العقل، إنك أنت المنعم المنان. قال المصنف- ﵀ وقع الفراغ من إنشاء هذا الكتاب في آخر جزء من آخر النهار من يوم الجمعة السادس من صفر ستين وستمائة، والحمد لله رب العالمين، وصلوات الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله. هذا آخر كلامه، وأنا أقول: وقع الفراغ من كتابته بعد العصر من يوم الإثنين السادس والعشرين لشعبان المكرم بمكة المشرفة [المبركة] برباط ربيع، على يد مالكه يوسف بن محمد المالكي [البارساى] سنة ٨١١ هـ وهذه النسخة سادس نسخة كتبتها من هذا التأليف، رحم الله مصنفه، وغفر لمالكه ولوالديه وللمسلمين أجمعين، ولله الحمد والمنة وأسأله التوفيق. الحمد لله رب العالمين بعث شارح هذا الكتاب- تغمده الله برحمته- بأجزاء من هذا الشرح إلى الإمام مجد الدين إسماعيل، بعد أن كتب على ظاهرها: بعثت إلى بحر العلوم بضاعة .... من العلم مزجاة، أوان كسادها ولا شك أن ينفى العوار بفضله ... فلا يطعمن ذو نيرب في فسادها فأجابه الإمام مجد الدين إسماعيل- سقى الله ثراه: جمعت إمام الحق فيها فرائدا .... يفوز بها الطلاب عند ارتيادها فليس يرى من كان العلم راسخا .... سوى الذهب الإبريز حين انتقادها جزاك إله خير جزائه .... ووفقت في إتمامها لسدادها

стр. 1323

وقال الإمام عز الدين المراغي، لما وقف على هذا الشرح، وما كتب عليه مجد الدين. قرأت قريض الحبر في مدح شرحكم .... فرائد أصل العلم بعد شرادها وما قد كشفتم من حقائق حكمة ... عسير على الأفهام بعض انتقادها لعمري، لقد أثني وبالغ في الثنا .... فوقفت في إتمامها لسدادها ولكنه لا يستطيع حقيقة ... وكل بليغ حسن بعض استدادها أنرت مصابيح الهدى لجماعة ... فضاء سبيل الشرع حان انسدادها فأحييت علما كان يذهب ضائعا ... فأعطيت جمع الخلق سول مرادها وقال المولى الأعظم سلطان العلماء تاج الدين تغمده الله برحمته: كتاب يسمى (بالميسر) شعلة .... أضاء طريق الحق نور اتقادها مشاعل في شرح المصابيح أوقدت ... يشق ظلام الريب نارها زنادها أبان أحاديث المصابيح كلها .... وجوه معانيها، وصدق سنادها وألفاظه السحر الحلال وإنها .... موارد إلهام لفرط سدادها يشابه من آثار حسن بيانها ... تباشير إصباح بياض سوادها تكاد معانيها خلال حروفها ... بأنوارها تمحو سواد مدادها كلام يضاهى السلسبيل ممهد .... قواعد في الإسلام بعد انهدادها ولغيره: شرح المصابيح مشكاة المصابيح ... منه تشعشع أضواء المصابيح فيه على الفكر أبواب مغلقة .... لكنما شرحه خير المفاتيح يا روح الله في الفردوس شارحه ... وجاد تربته صوب المجاديح فقد تشمر عن ساق المجد له .... وخلص الفكر عن كد التباريح