← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

=====

стр. 1262

ومن باب الذي يليه (من الصحاح) [٤٥٢٢] قول عائشة- ﵂: (وبين سحرى ونحرى). السحر الرتة. تريد ما حاذى الرئة من جسدها، قال أبو عبيد: هو ما لصق الحلقوم من أعلى البطن، وقد تحرك الحاء من الكلمتين كما تحرك في النحر لمكان حروف الحلق.

стр. 1263

[٤٥٢٤] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (وما نفضنا أيدينا عن التراب حتى أنكرنا قلوبنا). يريد: أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من الصفاء والألفة والرقة، لانقطاع مادة الوحى وفقدان ما كان بيدهم من قبل الرسول ﷺ من التأييد والتعليم. ولم يرد أنهم لم يجدوها [٣٢٠] على ما كانت عليه من التصديق.

стр. 1264

وفيه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي) يريد: ما ترك من أموال الفئ التي كانت يتصرف فيها تصرف الملاك، ولم يكن ذلك لغيره ونفقة كانت بعده تتعلق بحياة كل واحدة منهم؛ لكونهن محبوسات عن النكاح في الله وفي رسوله، وبقى حكم نكاح النبي ﷺ عليهن باقيا مدة بقائهن، فوجب لهن النفقة في مال الفئ وجوب نفقة النساء على أزواجهن. وأما نفقة عامله فإنها تتعلق بعامة ذلك، وهو العامل الذي استعمله على مال الفئ فاستحق العمالة بقدر عمله، ولم يكن أخذها، فاستثناها من مال الفئ، وإنما لم يجعل نفقة أمها المؤمنين في جملة ما تصدق به؛ لأنها كانت واجبة لهن على ما ذكرنا، ثم لكرامتهن، فإنهن من أهل بيت النبوة، وكان نبي الله ﷺ يتنزه عن تناول الصدقة، وإن كان المتصدق متبرعا. ومن مناقب قريش وذكر القبائل (من الصحاح) [٤٥٣٤] قوله ﷺ : في حديث أبي هريرة- ﵁: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن) يريد الخلاقة. وقوله: (وكافرهم تبع لكافرهم) وإذ قد علمنا أن أحدا من قريش لم يبق بعده على الكفر، علمنا أن المراد منه أن الإسلام لم ينقصهم مما كانوا عليه في الجاهلية من الشرف، فهم سادة في الإسلام كما كانوا قادة في الجاهلية.

стр. 1265

[٤٥٣٧] ومنه قوله ﷺ في حديث معاوية- ﵁ (إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين) يحتمل أنه أراد بالدين الصلاة لما في الحديث: (ما أقاموا الصلاة) وإن أريد به الدين بأصوله وتوابعها فإن الكب ينبغي أن يكون متعلقا بإقامة الدين لا يكون الأمر في قريش؛ فإن منهم من غير وبدل، ولم يصرف عنه الأمر. [٤٥٣٨] ومنه حديث جابر بن سمرة- ﵁: سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش) السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى أن يحمل على المقسطين منهم فإنهم هم المستحقون لاسم الخلافة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء، وإن قدر أنهم على الولاء فإن المراد منه المسمون بها على المجاز. [٤٥٤٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار وأشجع موالي) الحديث: (موالي) يروى على الإضافة أي: أحبابي وأنصاري ويروى موال بالتنوين أي: بعضهم لبعض أحباء وأنصار، ولا ولاء لأحد عليهم إلا لله ولرسوله. [٤٥٤١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ أيضا (والحليفين أسد وغطفان)، إنما يقال لهم الحليفان؛ لأنهم تحالفوا على التناصر، ويقال أيضا لبني أسد وطيئ: الحليفان، وكذلك لبني أسد

стр. 1266

وفزارة، لأن بني أسد لما أجلتهم خزاعة من الحرم خرجت فحالفت طيئا، ثم حالفت بني فزارة. وقد ذكر زهير بن أبي سلمى الأحلاف في شعره، وعنى بها أسدا [٣٢١] وغطفان. وأسد أبو قبيلة من مضر وهو أشد بن ربيعة بن نزار، وهم الذين [....] غطفان وفي بطون قريش أيضا أسد، وهو أسد بن عبد العزي ابن قصي وهم [....] خديجة- ﵂ ومنهم الزبير- ﵁ وفي بني خزيمة أيضا أسد بن خزيمة. (ومن الحسان) [٤٥٤٥] حديث ألي عامر الأشعري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (نعم الحي الأسد، والأشعريون) الأسد بسكون السين أبو حي من اليمن من سبأ بن حمير، ويقال لهم: الأزد، وهو السين أفصح، وهما أزدان: أزد شنوءة وأزد عمان، قال الشاعر: وكنت ذكي رجلين رجل: صحيحة .... ورجل بها ريب من الحدثان فأما الذي صحت فأزد شنوءة .... وأما الذي شلت فأزد عمان و (أزد) الذي في حديث أنس الذي تلو هذا الحديث هم أزد شنوءة قوله: (أزد الله) يريد أنهم جنده وأنصار دينه، فقد أكرمهم الله بذلك فهم يضافون إليه. [٤٥٤٨] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (في تثقيف كذاب ومبير) قد أشارت

стр. 1267

إليهما أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن الزبير- ﵃ في حديثها، وأرادت بالكذاب المختار أبن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، أبوه من جلة الصحابة، أمره عمر أمير المؤمنين- ﵁ على جيش العراق، وإليه ينسب يوم جسر أبي عبيد، وقد استشهد يومئذ وأما ابنه المسمى بالمختار، فلم يكن مختارا؛ بل كان متدلسا مشعوذا يطلب الدنيا بالدين، يظهر الخير ويضمر الشر، حتى استبان منه ما كان يسر؛ لضعف عقله وسوء سيرته، شهد بذلك عليه الأعلام من التابعين، كالشعبي، وسويد بن غفلة، وغيرهما. ومن العجب أنه كان يبغض عليا- ﵁، قد عرف ذلك منه في تارات أحواله، وان يدعى موالاته، وقد نقل عن علي- ﵁ أنه قال فيه: ما له قاتله الله، ولو شق عن قلبه الآن لوجد ملآن من حب اللات والعزى، فلما قتل الحسين- ﵁ دعا إلى نفسه متسترا بطلب ثأره، فلما تمكن من الأمر استخف بمن طاوعه من الأغماد، وادعى أن الملائكة تأتيه بخبر السماء، وأفسد على قوم من المتشيعة عقائدهم، فهم ينسبون إليه في آرائهم الفاسدة وأقاويلهم الزائعة يقال لهم: المختارية. [٤٥٥٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (كنا عند النبي ﷺ فجاء رجل أحسبه من قيس ..) الحديث. هذا الحديث يرويه عن أبي هريرة مينا مولى لعبد الرحمن بن عوف، وله أحاديث

стр. 1268

مناكير عن أبي هريرة، وإلحاق لفظ المنكر به من تزيدات بعض أهل المعرفة بالحديث؛ لأن المؤلف لو كان يعلم أنه منكر لم يكن ليتعرض له، وقد التزم الإعراض عن ذكر ما كان منكرا في عنوان الكتاب. ومن باب مناقب الصحابة (من الصحاح) [٤٥٥٦] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) نصف الشيء والنصيف أيضا مكيال وهو دون المد. والضمير في (نصيفه) راجع إلى أحدهم [٣٢٢] لا إلى المد، والمعنى أن أحدكم لا يدرك بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضيلة ما أدركه أحدهم بإنفاق مد من الطعام أو نصيف منه.

стр. 1269

[٤٥٥٩] ومنه قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين- ﵁ (ثم إن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون). في أكثر نسخ المصابيح: (ثم إن بعدكم)؛ وليس بسديدا؛ وإنما الصواب: بعدهم. وفيه: (ويظهر فيهم السمن): كنى به عن الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الدين؛ فإن الغالب على ذوي السمانة أن لا يهتموا بارتياض النقوس؛ بل معظمه همهم تناول الحظوظ، والتفرغ للدعة والنوم.

стр. 1270

ومن باب مناقب أبي بكر- ﵁ - (من الصحاح) [٤٥٦٦] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ : (إن من أمن الناس على ..) الحديث. يريد: أن من أبذلهم وأسمحهم [من من عليه منا، لا من من عليه منة] إذ ليس لأحد أن يمتن على رسول الله ﷺ ، ثم إنه ورد مورد الإحماد، وإذا حمل على معنى الامتنان عاد ذما على صاحبه؛ لأن المنة تهدم الصنيعة. وفيه: (لا يبقين في المسجد خوخة). الخوخة: كوة في الجدار تؤدى الضوء، وقال الليث: ناس من أهل اللسان يسمون هذا الباب الذي تسميه العرب المخترق: خوخة، فالخوخة على هذا ممر بين بيتين، أو دارين ينصب عليه باب.

стр. 1271

وكان هذا القول منه ﷺ في مرضه الذي توفى فيه في آخر خطبة خطبها، ولا خفاء بأن ذلك تعريض بأن أبا بكر هو المستخلف بعده، وهذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فلذلك؛ لأن أصحاب المنازل اللاصقة بالمسجد قد جعلوا من بيوتهم مخترقا يمرون فيه إلى المسجد، أو كوة ينظرون منها إليه، فأمر بسد جملتها سوى خوخته تكريما له بذلك أولا، ثم تنبيها للناس في ضمن ذلك على أمر الخلاقة، حيث جعله مستحقا لذلك دون الناس، وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة، وسد أبواب المقالة دون التطرق إليها والتطلع عليها، وأرد المجاز فيه أقوى، إذ لم يصح عندنا أن أبا بكسر كان له منزل بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة، ثم إنه مهد المعنى المشار إليه وقرره بقوله: (ولو كنت متخذا خليلا ..) الحديث؛ ليعلم أنه أحق الناس بالنيابة عنه، وكفانا من الحجة على هذا التأويل تقديمه إياه في الصلاة، وإباؤه كل الإباء أن يقف غيره ذلك الموفق، والله أعلم. [٤٥٧٠] ومنه حديث عمرو بن العاص- ﵁ (أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل). السلاسل: رمل ينعقد بعضه على بعض وينقاد، وتلك الجيش لما كانت موجهة إلى أرض بها رمل على ذلك النعت أضيفت إليها، أو كانت ملاقاة الفريقين هناك، فسميت الغزوة بها، ولقد وجدت في بعض الكتب أنها سميت ذات السلاسل؛ لأن الفئة المغزوة وقفت لهم في الصف، وقد شد بعضهم بعضا بالسلاسل، والظاهر أنه قول تقوله مسندا إلى ما تخيله، ويدل عليه أن الراوي جعل ذات السلاسل الجيش الغازية لا المغزوة؛ ثم إن النبي ﷺ لم يبعث [٣٢٣] في زمانه جيشا إلى فارس، ولم يبعث إلى الروم أيضا إلا في غزوة مؤته، وهو الذي ادعاه من ربط البعض إلى البعض عند المصاف من صنيع إحدى الفئتين، فأما العرب فإنها لم تكن تعمل ذلك. [٤٥٧٢] ومنه حديث ابن عمر- ﵁: (كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ..) الحديث. قيل: إنه عنى بذلك مشيخة الصحابة والمستحضرين للرأي والمشورة.

стр. 1272

قلت: وليس في هذا القول ما ينكر عليه، وإنما الإشكال فيما بعده، وهو قوله: (ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم)، فمن هاهنا أحوج المؤول إلى هذا التأويل؛ لأن ابن عمر مع علمه وفضله وزهده وملازمته صحبة رسول الله ﷺ لم يكن ليقول هذا القول إلا من هذا الوجه، وقد عرف أن أل بدر وأهل بيعة الرضوان وأصحاب العقبتين الأولى والثانية يفضلون غيرهم، وكذلك علماء الصحابة وذوو الفهم منهم. والمتبتلون عن الدنيا.

стр. 1273

ومن مناقب عمر- ﵁ - (من الصحاح) [٤٥٨١] حديث أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون ..) الحديث. المحدث في كلامهم هو: الرجل الصادق الظن، وهو في الحقيقة من ألقى في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدث به. وفي قوله: (وإن يك في أمتي أحد فهو عمر) لم يرد هذا القول مورد التردد، فإن أمته أفضل الأمم، وإذا كانوا موجودين في غيرهم من الأمم فبالحرى أن يكونوا في هذه الأمة أكثر عددا وأعلى رتبة، وإنما ورد مورد التأكيد والقطع، ولا يخفى على ذي الفهم محمله بقول الرجل: إن يك لي صديق فإنه فلان، يريد بذلك اختصاصه بالكمال في صداقته، لا نفي الأصدقاء. [٤٥٨٢] ومنه قوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁: (إيه يا ابن الخطاب): إيه: اسم سمي به لفعل؛ لأنه معناه الأمر، تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيه بكسر الهاء، فإن وصلت نونت. قلت: إيه حديثنا، وقد ذكرناه في حديث عمرو بن الشريد لما استزداه من شعر

стр. 1274

أمية بن أبي الصلت وإذا أسكته وكففته قلت: إيها عنها، ومن حقه في هذا الحديث أن يكون إيها أي: كف يا بن الخطاب عن هذا الحديث. ورواه البخاري في كتابه مجرورا منونا، الصواب فيه إيها. وروى مسلم هذا الحديث في جامعه وليس لهذه الكلمة في روايته ذكر. قلت: وفي قوله (ما لقيك الشيطان سالكا فجا ..) الحديث تنبيه على صلابته في الدين واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض، حتى كان بين يدي رسول الله ﷺ كالسيف الصارم والحسام القاطع، إن أمضاه مضى، وإن كفه كف، فلم يكن له على الشيطان سلطان إلا من قبل رسول الله ﷺ ، وكان هو كالوازع بين يدي الملك، فهذا كان الشيطان ينحرف عن الفج الذي سلكه، ولما كان النبي ﷺ رحمة مهداة إلى العالمين، مأمور بالعفو عن المذنبين، معنيا بالصفح عن الجاهلين- لم يكن ليواجههم فيها لا يحمده من فعل [٣٢٤] مكروه أو سوء أدب بالفظاظة والغلظة والزجر [البليغ، إذا لا يتصور الصفح والعفو مع تلك الخلال] فلهذا تسامح هو فيها، واستحسن استشعارهن الهيبة من عمر- ﵁. [٤٥٨٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ..) الحديث. القليب البئر التي لم تطو، وضدها الطوى، وهي المطوية بالحجارة والآجر، وأنا أرى القليب دون الطوى، والله أعلم.

стр. 1275

ليعلم أن همم أهل الدين موقوفة على المعاني المطلوبة دون القوالب المعمولة، وتأويل هذه الرؤيا راجع إلى السياسات الدينية التي تحتمل الاستخلاف، وتتم به دون الأنباء النبوية، لا تقبل الاشتراك، ولهذا لم تختلف صيغة الرؤيا في حال النبي ﷺ وفي حال الشيخين. وفيما ذكره عن حال كل واحد من الشيخين إشارة إلى قصر مدة الأول منهما، والاضطراب الذي يوجد في زمانه من قبل أهل الردة، وإلى امتداد زمان خلافة الثاني، واتساع رقعة الإسلام وكثرة الفتوح، وعلى هذا النحو أوله جمع من أهل العلم، وقد بقيت عليهم بقية وهي إهمالهم بيان قوله (والله يغفر له ضعفه). والعباد وإن لم يخل منهم أحد في حقوق الله عن تقصير ما، فإن دعاء النبي ﷺ في معرض ما ذكر عنه مشعر بشيء من التقصير، ولم يكن منه- بحمد الله- تقصير فيما تولاه، كيف وقد قام بالأمر- على فترة من لناس، وارتداد أقوام من العرب واتباعهم ذا الخمار ومسيلمة وطليحة، وامتناع آخرين عن أداء الصدقة إلى الإمام- أحسن قيام، ودبره أتم تدبير، وبه كفى الله المؤمنين شرهم، وكف به بأسهم واستأصل شأفتهم، حتى ضرب الدين بجرانه، واستقر الحق في نصابه. والوجه في ذلك أن نقول: إنه لما ذكر ضعف نزعه الذي يؤول إلى ما حدث في زمانه على ما ذكرنا دعا له بالمغفرة في كل ضعف بتداركه في أمره ذلك، أو أخبر بأن الله قد غفر له ضعفه؛ ليتحقق عند السامعين أن الضعف الذي وجد في نزعه لما يقتضيه تغير الزمان وقلة الأعوان غير راجع إليه بنقيصة، فهو فيما يتوهم منه الضعف؛ [لأن لا ضعف له]، فكيف فيما يقوى عليه؟ ويحتمل أنه أحوج في بعض السياسات إلى ملاينة ما لم يكن يأمن غائلة الإمضاء فيه، فأخبر بأنه معان موفق مسدد في ذلك؛ لما ينتابه من التأييد الإلهي، ومما ينبئك عن نظام هذا التأويل أن أبا بكر- ﵁ لما أتى بالأشعث بن قيس مكبلا وكان قد ارتد، فقال لأبي بكر- ﵁ (استبقني لحربك زوجني أختك)، فأطلقه زوجه أم فروة بنت أبي قحافة- ﵂ وروى الطبراني بإسناده في أول كتاب المعجم أن أبا بكر- ﵁ قال: ثلاث قد فعلتها ووددت أني لم أفعل: وددت أني كنت أمرت بقتل الأشعث يوم أتيت به ..) الحديث. عد ذلك على نفسه [٣٢٥] مما غيره خير منه، ولم يفعل ذلك إلا توقيا من غائلة قومه، واستمالة لقلوبهم. وفيه: (ثم استحالت غربا) أي: انقلبت عن حلها التي كانت عليها، والغرب: الدلو العظيمة، و (غربا) مميزا اسحالت الدلو. وفيه: (فلم أر عبقريا) العبقر: موضع تزعم العرب أن الجنة تسكنه، فنسبوا إليه كل ما يعجبوا منه قوى وحذق وجودة صنيعة، وقد مر تفسيره بأكثر من هذا. وفيه: (حتى ضرب الناس بعطن) يريد: حتى رووا وأرووا إبلهم، فأبركوها وضربوا لها عطنا، والعطن: مبرك الإبل حول الماء. وفي الرواية الأخرى: (يفرى فريه) يقال: فلان يفرى الفري: إذا كان يأتي بالعجب في عمله. وقد مر بيانه.

стр. 1276

(ومن الحسان) [٤٥٨٨] قول علي- ﵁: (ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر) أي: لم نكن نبعد أنه ينطق بها بما يستحق أن تسكت إليه النفوس، وتطمئن به القلوب، وأنه أمر غيبي ألقى على لسانه. ويحتمل أنه أراد بالسكينة الملك الذي يلهمه ذلك القول. [٤٥٩٢] ومنه حديث بريدة- ﵁: (خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء .. الحديث) قد ذكرنا في هذا الباب في حديث سعد ما يبين وجه هذا الحديث وأمثاله. ثم إنا نقول: إنما النبي ﷺ إنما مكنها من ضرب الدف بين يديه؛ لأنها نذرت، فدل نذرها على أنها عدت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم الله عليه، فانقلب الأمر فيه من صيغة اللهو إلى صيغة

стр. 1277

الحق، ومن المكروه إلى المستحب، ثم إن لم يكره من ذلك ما يقع به الوفاء بالنذر، وقد حصل ذلك بأدنى ضرب، ثم عاد الأمر في الزيادة إلى حد المكروه، ولم يرد أن يمنعها؛ لأنه بمنعه ﷺ كان يرجع إلى حد التحريم، فلهذا سكت عنها وحمد انتهاءها عما كانت فيه لمجيء عمر- ﵁. [٤٥٩٣] ومنه قول عائشة- ﵁ في حديثها: (فإذا حبشية تزفن ..) يريد: ترقص. والزفن. الرقص. والأصل فيه اللعب والدفع. وفي حديث آخر: (والحبشة يزفنون) وفيه رواية أخرى: (يلعبون بحرابهم) ولم يرد الرقص في شيء من الحديث، وإن كان معنى الزفن الرقص، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو- ﵁ أن الله تعالى- أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والزمارات والزاهر والكنازات. ومن باب مناقب الشيخين- ﵄ - (من الصحاح) [٤٥٩٤] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (بينما رجل يسوق بقرة ..) الحديث. إنما أراد بذلك تخصيصهما بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب مجال. [٤٥٩٥] وفيه: (فمن لها يوم السبع) السبع- بسكون الباء- وقد مر القول فيه.

стр. 1278

(ومن الحسان) [٤٥٩٧] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما) أنعما أي: زادا على تلك الرتبة والمنزلة وفي أكثر نسخ المصابيح: (لمنهم) واللام زائدة على الرواية، فإنه نقل هذا الحديث عن كتاب الترمذي وفيه (منهم وأنعما) من غير لام. [٤٦٠٢] حديث عبد الله بن حنطب: (أن النبي ﷺ رأى أبا بكر وعمر، فقال: هذا السمع والبصر)

стр. 1279

يريد- والله أعلم- أن منزلتهما في الدين منزلة السمع والبصر، وقد ذهب بعض أهل الحديث في تأويل قوله ﷺ (اللهم، متعنا بأسماعنا وأبصارنا). إلى أن المراد من الأسماع والأبصار أبو بكر وعمر- ﵄. وهذا الحديث مرسل؛ لأن عبد الله بن حنطب لم ير النبي ﷺ وأهل الحديث يفتحون الحاء والطاء من (حنطب) فلعله اسم مرتجل، والذي نعرفه من اللغة حنطب، بالطاء وبالظاء أيضا، والحاء مضمومة فيهما، والطاء والظاء مضمومتان، وهو الذكر من الجراد.

стр. 1280

ومن باب مناقب عثمان- ﵁ - (من الحسان) [٤٦٠٦] حديث: طلحة بن عبيد الله- ﵁ عن النبي ﷺ (لكل نبي رفيق .. الحديث) هذا حديث ضعيف السند، ومع الضعف ليس بمتصل، رواه شريح عن شيخ من زهرة، ولم يسمه. [٤٦٠٧] ومنه قول عثمان في حديث عبد الرحمن بن خباب- ﵁ (بأحلاسها وأقتابها) الحلس: كساء رقيق يجعل تحت البرد. والقتب- بالتحريك- رحل صغير على قدر سنام البعير، والقتب- بالكسر- جميع أداة السانية من علاقها وحبالها، يريد: بجميع أسبابها وأدواتها. وقول الراوي: (جيش العسرة، يريد: جيش غزوة تبوك، وسميت جيش العسرة؛ لأنها كانت في زمان شدة الحر وجذب البلاد، وكان المناهضة إلى عدو جم العدد شديد البأس.

стр. 1281

[٤٦١٠] ومنه: قول عثمان- ﵁ في حديث ثمامة بن حزن القشيري- ﵁ (غير بئر رومة) بئر رومة في العقيق الأصغر، وهما عقيقان: العقيق الأصغر: عق عن حرة المدينة أي قطع. والعقيق الآخر: أكبر من هذا وفيه بئر عروة.

стр. 1282

ومن باب مناقب علي- ﵁ - (من الصحاح) [٤٦١٧] حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ..).

стр. 1283

قلت: كان هذا القول من النبي ﷺ مخرجه إلى غزوة تبوك، وقد خلف عليا- ﵁ على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه، فلما سمع به على- ﵁ أخذ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني، فقال: كذبوا، إنما خلفتك لما تركت وراءي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى يا علي، أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) تأول قول الله- سبحانه-: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾ والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة كانت بعد رسول الله ﷺ إلى على قول زائغ عن منهج الصواب، فإن الخلافة في الأهل في حياته لا تقتضي الخلافة في الأمة بعد الممات، والمقايسة التي تمسكوا بها تنقض عليهم بموت هارون قبل موسى- ﵉ وإنما يستدل بهذا الحديث على قرب منزلته واختصاصه بالمؤاخاة من قبل رسول الله ﷺ . (ومن الحسان) [٤٦٢٢] حديث زيد بن أرقم- ﵁ عن النبي ﷺ : (من كنت مولاه فعلى مولاه) المولى ينصرف من وجوه: يستعمل في ابن العم، قال الله تعالى- ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾، وفي المعتق، ومصدره الولاية. وفي المعتق، ومصدره الولاء. وفي المحب وفي الجار وفي الناصر وفي الصديق وفي المأوى وفي الذي يسلم على يدي رجل، وفي المولاة. والأصل في الجميع القرب. وقد اختلف أقاويل أهل التأويل في هذا الحديث [فمنهم: من] كنت أتولاه فعلى يتولاه. وقيل: من كان يتولاني فعلى يتولاه وقيل: كان سبب ذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي- ﵁: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (من كنت مولاه فعلي مولاه) ونقل عن

стр. 1284

الشافعي- رحمة الله عليه- أنه قال: أراد بذلك ولاء الإسلام. قال الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا﴾. [٤٦٢٣] ومنه قوله ﷺ في حديث حبشي بن جنادة- ﵁ (ولا يؤدى عني إلا أنا أو علي). قلت: كان من دأب العرب إذا كان بينهم مقاولة في نقض وإبرام وصلح ونبذ عهد ألا يؤدى ذلك إلا سيد القوم، أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، ولما كان العام الذي أمر رسول الله ﷺ أبا بكر- ﵁ أن يحج بالناس، رأى بعد خروجه أن يبعث عليا- ﵁ خلفه لينبذ إلى المشركين عهدهم ويقرأ عليهم سورة (براءة) وفيها: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ إلى غير ذلك من الأحكام، فقال قوله هذا تكريما له بذلك، فلما حصر الموسم بعث معه أبو بكر- ﵁ أبا هريرة في آخرين، ليبلغ علي- ﵁ عن النبي ﷺ وينادى به المبعوثون معه في الناس. [٤٦٢٥] ومنه حديث أنس- ﵁: (كان عند النبي ﷺ طير ... الحديث). قلت: نحن وإن كنا لا نجهل- بحمد الله- فضل علي- ﵁ وقدمه وبلاءه وسوابقه في الإسلام واختصاصه برسول الله ﷺ لقرابته القريبة، ومؤاخاته إياه في الدين، ونتمسك من حبه بأقوى وأولى ما يدعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن نضرب عن تقدير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحا، لما نخشى فيها من تحريف الغالين، وتأوييل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وهذا باب أمرنا بمحافظته، وحمى أمرنا بالذب عنه، فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق، ونقدم فيه الصدق، وهذا حديث يريش به المبتدع سهامه، ويوصل [٣٣٨] به المنتحل جناحه، فيتخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة أبي بكر- ﵁ التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة، وأقوم عماد أقيم به الدين، بعد رسول الله ﷺ . -فنقول- وبالله التوفيق: هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريته من الأخبار الصحاح، منضما إليها إجماع الصحابة، لمكان سنده، فإن فيه لأهل النقل مقالا، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع، ولاسيما الصحابي الذي يرويه ممن دخل في هذا الإجماع، واستقام عليه مدة

стр. 1285

عمره، ولم ينقل عنه خلافه، فلو كتب عنه هذا الحديث، فالسبيل أن يأول على وجه لا ينتقض عليه ما اعتقده، ولا يخالف ما هو أصح منه متنا وإسنادا، وهو أن يقال: يحمل قوله: (بأحب خلقك) على أن المراد منه، أئتنى بمن هو من أحب خلقتك إليك، فيشاركه فيه غيره، وهم المفضلون بإجماع الأمة، وعلى هذا مثل قولهم: فلان أعقل الناس وأفضلهم. أي: من أعقلهم وأفضلهم، ومما يبين لك أن حمله على العموم غير جائز، هو أن النبي ﷺ من جملة خلق الله، ولا جائز أن يكون على أحب إلى الله منه. فإن قيل: ذلك شيء عرف بأصل الشرع؛ قلنا: والذي نحن فيه عرف أيضا بالنصوص الصحيحة وإجماع الأمة، فيأول هذا الحديث على الوجه الذي ذكرناه، أو على أنه أراد به: أحب خلقه إليه من بنى عمه وذويه، وقد كان النبي ﷺ يطلق القول وهو يريد تقييده، ويعم به وهو يريد تخصيصه، فيعرفه ذو الفهم، بالنظر إلى الحال أو الوقت، أو الأمر الذي هو فيه. [٣٦٢٩] ومنه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يا علي، ليس لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك) هذا الحديث رواه الترمذي في جامعه عن علي بن المنذر، عن ابن فضيل ثم ذر بعد سياق الحديث عن علي بن المنذر، أنه قال: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك. قلت: لم يستصعب علينا حديث مما تعنينا بشرحه من أحاديث هذا الكتاب استصعاب هذا الحديث؛ لأن المعنى إنما يستخرج من اللفظ، والحديث المشكل إنما يعرف بنظائره، وهذا حديث لا ينبئ لفظه عما روى من معناه، ولم يعرف له نظير في الأحاديث فيراجع فل حل مشكله إليه. وهذا الذي نقله الترمذي عن ابن المنذر، عن ضار بن صرد قول لا يستقيم على اللهجة العربية، فإن المفهوم من قوله: (لا يجنب في هذا المسجد) لا تصيب الجنابة، ولم يسمع في معناه: لا يستطرقه جنبا، وإن كان عول في هذا الاستنباط على قوله سبحانه: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ مع ما فيه من الخلاف، فما

стр. 1286

وجه التخصيص في الحديث بقوله: (غيري وغيرك) فإن قيل: لأنه لم يكن لهما مما عبر المسجد. قلنا: لم يذكر ذلك في الشيء من النقل المعتد به. وذكر أصحاب التفاسير في سبب نزول الآية أن رجالا من [٣٣٩] الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة، ولا يجدون ممرا إلا في المسجد فرخص، إن صح هذا، ولا أراه يصح، ولا دلالة فيه على هذا التأويل، فإن الرخصة في الشرع لا تختص بأحد من الأمة دون آخرين. وقد صح عن علي- ﵁ أنه قال: (والله، ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس) ثم إن نبي الله ﷺ كان أحق الناس بتعظيم بيوت الله ومحال عبادته، فكيف يحل لنفسه ولعلى استطراق المسجد جنبا، ويحرمه على من دونهما.

стр. 1287

فإن قيل: يحتمل أنهما كانا لا يجدان سوى المسجد ممرا، وغيرهما- وإن كان له باب إلى المسجد- فإنه كان يجد ممرا سواه. قلنا: سبيل ذلك النقل، وقد ذكرنا أنه لم يرد به نقل يعتد به، ثم إنا تدبرنا أمر النبي ﷺ في بناء المسجد وبناء حجرات أمهات المؤمنين، ومنازل بناته بجنب المسجد، بعد أن بني المسجد، فرأينا أن ممر تلك الدور التي بنيت بجنب المسجد له أو لغيره، مما كان قبل بناء المسجد أو بعده لا يخلو من أمور ثلاثة: إما أن كان لتلك الدور التي ألزقت بالمسجد قبل بناء المسجد ممر، فبقى على حاله؛ لأنه مع تعلق حق أحد به لا يصير مسجدا. ولم يكن هناك قبل البناء ممر، فاستثنى النبي ﷺ قبل جعل الحائط مسجدا، ممرا لنفسه ولغيره، فالمنهج فيه لا يكون متعرضا لشيء من حرمة، فإنه يعبر في سبيل اكتنف المسجد بكنفيه. أو لم يكن لها حق ممر، ولم يفرز لها ممل قبل جعل الأرض مسجدا، فهذا مما لا يجوز أن يستطرق، سواء كان المستطرق جنبا أو غير جنب؛ لأنه مسجد، وليس لأحد أن يتخذ من بيوت الله ما ليس له بحق. فتبين لنا من هذه التقسيمات الثلاث أن الذي يذهب في هذا الحديث إلى أنه كان يستطرق المسجد جنبا ذهب إلى قول ظاهر الفساد، اللهم إلا أن يقدر أن النبي ﷺ جعل لنفسه ممرا في الأرض التي كان يريد أن يتخذها مسجدا ولبيت فاطمة- ﵂ مستثنى من جملة المسجد، ولم يكن لغيرهما ذلك، فلهذا قال: غيري وغيرك، والحديث حينئذ يكون حجة على من يجوز عبور الجنب في المسجد، لا له، ويكون قوله: (في هذا المسجد) على الاتساع لكون الممر متصلا بالمسجد من طرفيه.

стр. 1288

وهذا التأويل تأويل حسن، لولا أن لفظ الحديث وهو قوله: (لا يجنب) غير منبئ عن الاستطراق على ما ذكرنا، وقوله على وجه الاحتمال: لعل لفظ الحديث يجنب من الثلاثي: أي: يقود فرسه، فظن بعض الرواة أنه من الجنابة، فرواه على صيغة الرباعي، وهم سيان في المعنى، يقال: أجنب الرجل وجنب- بالضم- يجنب، وعلى هذا يكون (غيري وغيرك) محمولا على أن حق الممر كان لهما- والله أعلم. ومن باب مناقب العشرة (من الصحاح) [٤٦٤١] قوله ﷺ في حديث الزبير- ﵁ (أوجب طلحة)، يريد: أوجب لنفسه الجنة، يدل عليه قوله- فيمن شهدوا بالخير-: (وجبت) قالوا: وما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجب له الجنة ..) الحديث. [٤٦٤٢] ومنه (٣٣١) قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁: (نظر رسول الله ﷺ إلى طلحة ابن عبيد الله، فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضي نحبه .. الحديث) النحب: النذر، والنحب: المدة والوقت. ومنه يقال: قضي فلان نحبه: إذا مات. وعلى المعنيين يحمل قوله- سبحانه- ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ فعلى النذر، أي: نذره فيما عاهد الله عليه من الصدق في مواطن القتال، والنصرة لرسول الله ﷺ وعلى الموت، أي: مات في سبيل الله. وذلك أنهم عاهدوا الله أن يبذلوا نفوسهم في سبيله، فأخبر أن طلحة ممن وفى بنذره، أو ممن ذاق الموت في سبيله، وإن كان حيا، يدل عليه حديثه الآخر: (من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة) وكان طلحة قد

стр. 1289

جعل نفسه يوم أحد وقاية لرسول الله ﷺ وذكر أنه أصيب يومئذ في جسده ببضع وثمانين من بين طعنة وضربة ورمية، وكان يقول: عقرت يومئذ في سائر جسدي، حتى عقرت في ذكرى. وكان الصحابة- رضوان الله عليهم- إذا ذكروا يوم أحد قالوا: ذاك يوم كان كل لطلحة. ومن باب مناقب أهل البيت (من الصحاح) [٤٦٤٩] قول عائشة- ﵂ في حديثها) وعلى مرط مرحل) المرط: واحد المروط، وهي أكسية من خز وصوف به علم. وقيل: عليه صورة الرحال، وقد ذكرناه.

стр. 1290

[٤٦٥٠] ومنه: حديث البراء- ﵁: (لما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : إن له مرضعا في الجنة) المرضع- بفتح الميم- الرضاع ومحل الرضاع أيضا، كالمدخل. وذكر الخطابي أنه يروي أيضا بضم الميم. قلت: وأصوب الروايتين الفتح؛ لأن العرب إذا أرادوا الفعل ألحقوا به هاء التأنيث، وإذا أرادوا أنها ذات رضيع اسقطوا الهاء، وقالوا: امرأة مرضع، بلا هاء، ولما كان المراد من هذا اللفظ أن الله يقيم له من لذات الجنة وروحها ما تقع منه موقع الرضاع، فإنه كان رضيعا لم يستكمل مدة الرضاع، كان المصدر فيه أقوم وأصوب، ولو كان على ما ذكره من الرواية لكان من حقه أن يلحق به هاء التأنيث. (ومن الحسان) [٤٦٥٣] ومنه: حديث زيد بن أرقم- ﵁: (قام رسول الله ﷺ خطيبا بماء يدعى:

стр. 1291

خما ..) الحديث، خم- بتشديد الميم- موضع بذي الحليفة به دجلة وماء آجن، أكثر بلاد الله وباء، وقد ذكرناه. [٤٦٥٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ثم لكع) لكع: الصبي الصغير، ومن حقه أن ينون، وإن كان معرفة، فإن الذي لا يصرف في المعرفة هو المعدول عن الكع، والذي في هذا الحديث ليس بمعدول، وإنما [٣٣١] هـ مثل صرد نغر. [٤٦٥٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي بكرة- ﵁: (إن ابنى هذا سيد ..) الحديث هذا الحديث رواه جمع من الصحابة، وكفى به شرفا وفضلا، فلا أسود ممن سماه رسول الله ﷺ سيدا. وقوله: (ولعل الله أن يصلح به فئتين) وفي بعض طرقه: (وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين) إنما وصفهم بالعظيمتين؛ لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين، فرقة معه، وفرقة مع معاوية، وكان الحسن- ﵁ يومئذ أحق الناس بهذا الأمر، فدعاه ورعه وشفقته على أمة جده إلى أن ترك الملك والدنيا، رغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لقلة ولا ذلة، فقد بايعه على الموت أربعون ألفا، وقال: والله، ما أحببت منذ علمت ما ينفعني ويضرني أن لي أمر محمد ﷺ على أن يهراق في ذلك محجمة دم،

стр. 1292

وشق ذلك على بعض شيعته، حتى حملته العصبية على أن قال- عند الدخول عليه-: (السلام عليك يا عار المؤمنين، فقال: العار خير من النار). [٤٦٦٤] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵄: (إن كنتم تطعنون في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه). قلت: إنما طعن من طعن في إمارتهما؛ لأنهما كانا من الموالي، وكانت العرب لا ترى تأمير الموالي، وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف، فلما جاء الله بالإسلام، ورفع قدر من لم يكن له عندهم قدر بالباقة والجرة والعلم والتقى؛ عرف حقهم المحفوظون من أهل الدين، فأما المرتهنون بالعادة والممتحنون بحب الرئاسة من الأعراب ورؤساء القبائل، فلم يزل يختلج في صدورهم شيء من ذلك، لاسيما أهل

стр. 1293

النفاق، فإنهم كانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير عليه، وكان رسول الله ﷺ قد بعث زيد بن حارثة- ﵁ أميرا على عدة سرايا، وأعظمها جيش مؤتة، وسار تحت رايته في تلك الغزوة نجباء الصحابة، منهم: جعفر بن أبي طالب- ﵁ وكان خليقا بذلك لسوابقه وفضله، وقربه من رسول الله ﷺ ثم كان يبعث أسامة، وقد أمره في مرض على جيش فيهم جماعة من مشيخة الصحابة وفضلائهم- ﵃ وكأنه رأى في ذلك- سوى ما توسم فيه من النجابة- أن يمهد الأمر ويوطئه لمن يلي الأمر بعده؛ لئلا ينزع أحد يدا من طاعة، وليعلم كل منهم أن العادات الجاهلية قد عميت مسالكها، وخفيت معالمها. (ومن الحسان) [٤٦٦٦] قول جابر- ﵁ في حديثه، (وهو على ناقته: القصواء) قد ذكرنا في باب الحج معنى القصواء، وأنه لم يكن بها جدع، وأنها تارة تلقب بالجدعاء، وتارة بالعضباء، وأخرى بالقصواء، اعتورتها هذه الألقاب على حسب ما خيل للناظرين إليها، فمن ثم فليتفقد بيان ذلك. وفيه: (وعترتي أهل بيتي). وقد أكثر أصحاب الغريب في العترة، فمنهم من قال: عترة الرجل: أولياءه. ومنم من قال: عترة النبي ﷺ بنو عبد المطلب. وقال القتبي: عترة الرجل أهل بيته الأدنون والأبعدون. واستدل بحديث أبي بكر- ﵁ نحن عترة رسول الله ﷺ وبيضته التي تفقأت عنه. قلت: وفي حديثه أيضا حين سارره ﷺ في أسارى بدر: يا رسول الله، عترتك وقومك). كأنه أراد بالعترة العباس ومن أسره معه من بني عبد المطلب وبقومه قريشا، على نحو من هذا فره الأزهري، والقول الأمثل في العترة من طريق اللغة، هو أن عترة الرجل: أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة بينها رسول الله ﷺ بقوله: (أهل بيتي) ليلعم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه.

стр. 1294

[٤٦٧٠] ومنه قول العباس في حديث المطلب بن ربيعة- ﵄ (بوجوه مبشرة) مبشرة بضم الميم وسكون الباء وفتح الشين يريد: بوجوه عليها البشر، من قولهم: فلان مؤدم مبشر: إذا كانت له أدمة وبشرة محمودتان. [٤٦٧١] ومنه قوله ﷺ في حديث علي- ﵁: (إن عم الرجل صنو أبيه) وقد فسرناه في باب الزكاة. [٤٦٧٣] ومنه قول ابن عباس- ﵁ في حديثه: (وألبسنا كساءه) أشار بذلك إلى أنهم خاصته وأنهم بمثابة النفس الواحدة منه التي يشملها كساء واحد، وأنه يسأل الله- تعالى- أن يبسط عليهم رحمته بسط الكساء عليهم، وأن يجمعهم في الآخرة تحت لوائه، وفي هذه الدار تحت رايته، لإعلاء كلمة الله ونصر دعوة رسوله. [٤٦٧٣] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (رأيت جعفر يطير في الجنة مع الملائكة).

стр. 1295

=====

стр. 1296

كان جعفر قد أصيب بمؤتة من أرض الشام، وهو أمير بيده راية الإسلام، بعد زيد بن حارثة- ﵁ فقاتل في الله حتى قطعت يداه ورجلاه، فأرى نبي الله ﷺ فيما كوشف به أن له جناحين مضرجين بالدم يطير بهما في الجنة مع الملائكة. [٤٦٨٤] ومنه قوله ﷺ في حديث يعلي بن مرة الثقفي- ﵁: (حسين سبط من الأسباط)

стр. 1297

السبط مأخذه من السيط وهي شجرة لها أغصان كبيرة، وأصلها واحد، كأن الوالد بمنزلة الشجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها. وقيل في تفسيره: إنه أمة من الأمم في الخير. وقيل: هم خاصة الأولاد. وفي الحديث: (الحسن والحسين سيطا رسول الله ﷺ ) قيل: أي هما طائفتان منه. قلت: ويحتمل أنه أراد بالسيط القبيلة، أي: يتشعب منهما نسله، فما هما بذلك؛ لأنهما هما الأصلان اللذان ينشأ منهما السبط [٣٣٣]. [٤٦٩٠] ومنه: قول أسامة- ﵁ في حديثه: (هبطت وهبط الناس ...) إنما قال: هبطت؛ لأنه كان يسكن العوالي، والمدينة من أي جهة أتيت صح فيها الهبوط، لأنها واقعة في غلظ من الأرض ينحدر إليها السيل. وفيه: (وقد أصمت) أصمت العليل فهو مصمت: إذا اعتقل لسانه، ومن الحديث (أصمتت أمامة بنت أبي العاص) أي: اعتقل لسانها. [٤٦٩٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أسامة- ﵁: (من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد). قلت: لم يكن أحد من الصحابة إلا وقد أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله، إلا أن المعنى الخاص في ذلك عرف في حق زيد بن حارثة. قال الله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ وهو زيد لا خلاف في ذلك ولا شك.

стр. 1298

فيحتمل أنه جعله في هاتين النعمتين تبعا لأبيه، ويحتمل أن بعض الرواة قد عده فيه. وهذا الحديث يرويه عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعمر بن أبي سلمة ضعيف عند بعض أهل الجرح والتعديل. ومن باب مناقب أزواج النبي ﷺ وأهل بيته (من الصحاح) [٤٦٩٣] حديث علي- ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران ... الحديث). الضمير في الأولى عائد إلى الأمة التي كانت فيهم مريم، وفيه الثانية إلى هذه الأمة، ولهذا كرر القول من أولها؛ تنبيها على أن حكم كل واحد منهما غير حكم الآخر، وكلا الفضلين كلام مستأنف. وإشارة وكيع- الذي هو من جملة رواة هذا الحديث- إلى السماء والأرض منبئة عن كونهما خيرا ممن هو فوق الأرض، وتحت أديم السماء. وهو نوع من الزيادة في البيان، ولا يستقيم أن يكون تفسيرا لقوله: (خير نسائها)؛ لأن إعادة الضمير إلى السماء غير مستقيم فيه، ثم إنهما شيئان مختلفان، والضمير راجع إلى شيء واحد. [٤٦٩٤] ومنه: قول جبريل- ﵇ في حديث أبي هريرة- ﵁: (وبشرها ببيت في الجنة من قصب ... الحديث). القصب: كل عظم مستدير أجوع. والقصب أيضا أنابيب الجوهر، وقد فسر القصب في هذا الحديث بلؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف. وقوله: (لا صخب فيه) الصخب: الجلبة والصياح، يريد أن ليس فيه شاغل يشغلها عما تحت وتهوى، ولا تعب يصيبها. ويحتمل أن قوله: (فيه) يتعلق بتحصيله وترتيبه، أي: لا يكون في تحصيله وترتيبه شيء من ذلك، كما يكون في بناء أبنية الدنيا وإصلاح منازلها.

стр. 1299

[٤٦٩٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (كفضل الثريد على سائر الطعام). قيل: إنما ضرب المثل بالثريد؛ لأنه أفضل طعام العرب، ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه. وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم جعل فوقه القدر اللحم. وقد قال ﷺ : (سيد الطعام اللحم) فكأن فضلها على النساء تفضيل اللحم على سائر الأطعمة، واستدلوا في ذلك بحديث عبد الله بن عمر- ﵄: (فضل عائشة على النساء كفضل اللحم على سائر الأدم) [٣٣٤] قلت: وقد يحتمل غير ذلك وكل هذه الأقاويل مستقيمة، غير أن [أصحاب ... ينسبون] القول عن سر ما أودع فيه، وهو أن الثريد مركب من الخبز واللحم، ولا نظير لهما في الأغذية، ثم إنه جامع بين الغذاء واللذة والقوة، وسهولة تناوله، وقلة المؤنة في المضغ، وسرعة المرور في المرئ من غير ما غصة، فضرب لها المثل به ليعلم أنها أعطيت مع حسن الخلق حسن الخلق، وحسن الحديث، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها، والإصغاء إليها، وإلى غير ذلك من المعاني التي اجتمعت فيها، وحسبك من تلك المعاني أنها عقلت من رسول الله ﷺ مل لم تعقل غيرها من النساء، ورون عنه ما لم يرو مثله من الرجال. [٤٦٩٨] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (في سرقة حرير) سرقة، على مثال مرقة: الشقة الجيدة من الحرير. قال أبو عبيد: وأحسبها فارسة قد عربت. وأصلها: سره، قال: والسرق، الشقق من الحرير، إلا أنها البيض خاصة.

стр. 1300

ومن باب جامع المناقب (من الصحاح) [٤٧٠٥] حديث ابن عمر- ﵁: (رأيت في المنام كأن في يدى سرقة حرير) يأول هذا على أن السرقة كانت ذات يده من العمل الصالح، وبياض السرقة منبئ عن خلوصه من الهوى، وصفائه عن كدر النفس.
следующие страницы →