← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[١٣٢٥] ومنه حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بخير الناس) ... الحديث. يحمل قوله على أن قال أنه خير الناس، أراد" أنه من خير الناس، إذ قد علمنا أن في القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان فرسه، إذ كان أعلم بالله وأخشي لله ولم يكن الجهاد عليه فرض عين. وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، لا يريد تفضيله في نفسه [١٥٥/أ] على جميع الأشياء، بل يريد أنه خيرها في حال دون حال ولو أحد دون آخر، مثل قوله ﷺ : (خياركم خيركم لأهله) فلا يصح أن يحمل ذلك على أن من أحسن معالجة أهله فهو أفضل الناس، وقد علمنا أن من كان أعلم بالله وأزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منه فهو خير منه، وأنه لم يبلغ في حسن المعاشرة محله، وعلى نحو هذا المعني يأول قول من قال: شراركم عزابكم، أي: من شراركم؛ لأنه وإن كان صالحا فهو بمرقبة الفتنة غير آمن من شر نفسه من قبل العزوبة، وقد علمنا أن الآهل الفاسق أقرب إلى الشر منه، وكذلك قوله: (ألا أخبركم بشر الناس؟ يسأل بالله العظيم ولا يعطى به) أي بمن هو من شر الناس؛ لأن تلك الخصلة قد توجد في بعض المسلمين، والكافر شر منه، وقوله: (يسأل) على بناء ما لم يسم فاعله ولا يعطى على بناء الفاعل. [١٣٢٦] ومنه حديث أم نجيد النصارية الحارثية- ﵂ عن النبي ﷺ : (ردوا السائل ولو بظلف محرق) هذا القول إنما قصد به المبالغة في رد السائل بأدنى ما يتيسر، ولم يرد به صدور هذا الفعل من المسئول فإن الظلف المحرق غير منتفع به وقد مر بيانه.

стр. 422

ومن باب فيه (من الصحاح) [١٣٣٢] حديث عائشة- ﵂ أن رجلا قال للنبي ﷺ (إن أمي افتلتت نفسها)، افتلت فلان على ما لم يسم فاعله، وافتلتت نفس أيضا أي: مات فجأة، يقال كان ذلك الأمر فلتة أي فجأة، والرجل هو سعد بن عبادة. وفيه: (فهل لها أجر إن تصدقت عنها) ونحن نرويه فهل لها من أجر وقوله: (إن تصدقت) من رواه بفتح الهمزة فقد أخطأ؛ لأنه فعل لم يقع بعد، ولو كان سؤاله بعد الصدقة تفتح لا غير. [١٣٣٤] ومنه حديث سعد- ﵁ لما بايع رسول الله ﷺ النساء. قالت امرأة: إنا كل على أبائنا وأبنائنا وأزاوجنا) الحديث الكل أي [١٥٥/ب] نحن ثقل وعيال على من يلي أمرنا ويعولنا، والكل: الثقل من كل ما يكلف، ومنه الحديث (وتحمل الكل). وفيه (الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء وأراد به اللبن والفاكهة والبقول والمرق، ومما يسرع إليه الفساد من الأطعمة ولا يتقوى على الخزن، أذن لهن أن يتعهدن بذلك الضيف والزائر والقانع والمعتر، ولم يأذن لهن في اليابس من الطعام؛ لأنه يبقي على الخزن والادخار وينتفع به إذا رفع. ويرى هذا الاستقصاء؛ لمكان ذكر الأزواج في الحديث؛ لئلا يفضي تركه بهن إلى التسرع في إتلاف أموالهم واستهلاك أطعمتهم من غير استئذان فأما الآباء والأبناء فإن الخطب في أموالهم أيسر لما بينهم من الإنفال والاتحاد والشركة

стр. 423

النسبية. فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره)؛ قلنا: نحمل ذلك على إنفاقها من النوع الذي سومحت فيه من غير استئذان وإلى هذا المعني أشار ( ﷺ ) بقوله في حديث عائشة (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة) فإنها إذا تجاوزت الحد الذي لها في ذلك كانت مفسدة، ثم إن الأمر في ذلك راجع إلى عادة الناس باديهم وحاضرهم- فإنه قلما يوجد من ذوى الأموال من يعسر عليه أن يبذل الميسور من ماله بيت زوجته ومن يعوله من مواليه وخزنته، فيكون ذلك من جملة ماعفى عنه، وإن أنتهي الشح بصاحبه إلى المنع والتشدد حتى في الشيء التافه، فعلى المنفق أن ينتهي وعلى الآخذ أن يمتنع. فإن قيل فكيف بحديث عمير مولى آبى اللحم (أمرني مولاي أن أقدد لحما فجاءني مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاي، فضربني فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فدعاه فقال: لم ضربته، قال: يعطي طعامي بغير أن آمره فقال: (الأجر بينكما). قلنا لم يرد النبي ( ﷺ ) [١٥٦/أ] بذلك إطلاق يد العبد في مال سيده، وإنما كره صنيع مولاه في ضربه العبد على الأمر الذي تبين رشده فيه، فحث السيد على اغتنام الأجر ورغبه فيه ولم يرد أن يمهد له فيما كان سبيله العفو والتسامح. فإن قيل فهل يجوز أن يسكت النبي ( ﷺ ) في موضع الحاجة إلى البيان. قلنا: قد بين ذلك في غير موضع، ومنه قوله ( ﷺ ): العبد راع على مال سيده وهو مسئول عن رعيته. وباب من لا يعبد في الصدقة (من الصحاح) [١٣٣٥] حديث عمر- ﵁: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده) أي: جعلت فرسا حمولة من لم يكن له حمولة من المجاهدين وأعطيته إياه (فأضاعه) أي: أساء سياسته والقيام بعلفه وسقيه وإرساله للرعي حتى صار كالشيء الهالك. والله تعالى أعلم.

стр. 424

ومن كتاب الصوم (من الصحاح) [١٣٣٧] حديث أبى هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ( ﷺ ): (إذا دخل رمضان فتحت أبوا السماء ...) الحديث. (فتحت أبواب السماء) عبارة عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول عنهم والمن عليهم بتضعيف الثواب وإيتاء ليلة القدر، وفي رواية: (فتحت أبواب الجنة) وكلتا الراويتين متقاربتان في المعنى، والرواية في فتحت بالتخفيف أكثر، وقد قرئ في التنزيل بالتشديد وبالتخفيف، والتشديد أبلغ وأكثر، ويحتمل أن يكون المانع من ورده في الحديث بالتشديد هو أنه حكاية عما يبذل لهم منها في هذه الدار، والفتح كل الفتح إنما يكون في الآخرة للدخول والاستقرار فيها. وقوله في غير هذه الرواية: (فلم يغلق منها باب) يؤيد رواية من رواه بالتشديد. وفيه: (غلقت أبواو جهنم) وذلك كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث على المعاصى بقمع الشهوات، وإنما قال غلقت بالتشديد ولم يقل أغلقت؛ إرادة للمبالغة في إتمام هذه المنة على الصوام [١٥٦/ب]. فإن قيل ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؛ قلنا: لأنه ذكر على سبيل المن على صوام شهر رمضان وإتمام النعمة عليهم فيما أمروا به وندبوا إليه، حتى صارت الجنان في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت ونعمها أبيحت، والنيران كأن أبوابها غلقت وأنكالها عطلت، والفائدة في ذلك بينة ظاهرة. وإذا ذهبنا فيه إلى الظاهر لم تقع المنة موقعها من الأول بل تخلو عن الفائدة؛ لأن الإنسان مادام في هذه الدار فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين، فأي فائدة في فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار، اللهم أن يحمل الأمر فيهما، على الظاهر على أنه تحقيق المعني وتقرير أن يكون المفتوحة في المعنى مفتوحة في ظاهر الأمر، وعلى هذا المغلقة، أو يحمل ذلك على أن الأمر في كليهما متعلق بمن مات من صوام رمضان من صالحي أهل الإيمان وعصاتهم الذين استحقوا العقوبة، فإذا فتحت على أولئك تلك الأبواب كل الفتح أتاهم من روحها ونعيمها فوق ما كان يأتيهم، وإذا غلقت عن الآخرين أبواب النار لم يصيبهم من لفحها ومن سمومها؛ تنبيها على بركة هذا الشهر المبارك وتبينا لنا فنره. وفيه (وصفدت الشياطين) الصفد والصفاد: ما يوثق به الأسير من قد وقيد وغل، وصفده أي: شده وأوثقه وكذلك التصفيد. ولنا أن نحمل ذلك على ظاهره كما نحمل قوله سبحانه ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ على الظاهر، فإن قال قائل: فما أمارة ذلك ونحن نرى الفاسق في رمضان قلما يرعوي عن

стр. 425

فسقه وإن ترك بابا منه أتى بابا آخر حتى أن من هذه الزمرة من يتولى قتل النفس وقطع الطريق، وغير ذلك من المناكير والعظائم؛ قلنا أمارة ذلك تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي ورجوعهم إلى الله بالتوبة وإكبابهم على إقام الصلاة بعد التهاون بها، وإقبالهم على تلاوة كتاب الله واستماع الذكر بعد الإعراض عنهما، وتركهم ارتكاب المحظورات بعد حرصهم عليها. وأما ما يوجد من خلاف ذلك في بعضهم ويؤنس عنهم من الأباطيل والأضاليل فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين أعرقت في عرق تلك النفوس الشريرة وباضت في رءوسها، وقد أشار بعض العلماء فيه إلى قريب من المعنى الذي ذكرنا. قلت: وأمثل من هذا أن نقول: قوله: (وصفدت الشياطين) وإن كان مشعرا بالعموم فيه، وفإن التخصيص فيه غير بعيد ويؤيد هذا التأويل [١٥٧/أ] ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: (وسلسلت مردة الشياطين) ويصح أن يستثني منهم في التصفيد صاحب دعوتهم وزعيم زمرتهم لمكان الإنظار الذي سأله من الله فأجيب إليه فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله وإغرائه. فإن قيل وإذا قدر الأمر على نحو ما ادعيتم فأي فائدة في تصفيد من صفد إذا كان أصل الشر مستمرا على حاله؛ قلنا: الفائدة فيه فض جموحه وكسر شوكته وتسكين نائرته ولو لم يكن الأمر على ذلك لم يكن لاستظهاره بالأعوان والجنود معنى، هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التصفيد إنما كان في زمان الوحي لئلا يتمكن مردة الجن وعتاة الشياطين من الرقي في أسباب السماء لاستراق السمع فقد كان القرآن ينزل في كل ليلة قدر ما قدر أن ينزل منجما على حسب الوقائع في سائر السنة، والسماء وإن كانت محفوظة بالشهب الثاقبة من كل شيطان ما رد فيجوز أن يزاد في حراستها بتصفيد الشياطين تشديدا للأمر عليهم ومبالغة في الحراسة، وكل ذلك راجع إلى فضل ذلك الشهر المبارك وشرف أيامه ولياليه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد من التصفيد المذكور حسم أطماعهم من إغواء الصوام بما وطنوا أنفسهم عليه من المجاهدات ونوافل العبادات، وليس الأمر في ذلك بأكثر مما ورد به الكتاب من غير إشكال في بيانه، وذلك قوله ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون﴾ في نظائر كثيرة من الكتاب. [١٣٣٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ( ﷺ ): (من صام رمضان إيمانا واحتسابا) أي تصديقا بالله وبوعده واحتسابا للأجر بالصبر على المأمور. ويقال احتسب فلان عمله أي عمله طبا لوجه الله وثوابه، ومنه الحسبة وهي الأجر. وحقيقة ذلك أن العامل يعد ذلك مما تقرب به إلى الله فيجازى به، قيل: احتسب ابنا له أي اعتد به عند الله. وقوله (إيمانا) مفعول له ويجوز أن ينصب على الحال، أي صام [١٥٧/ب] مؤمنا ومصدقا ويجوز نصبه على المصدر، أي: صام صوم مؤمن ومصدق، وأحسن الوجوه أن يجعل مفعولا له.

стр. 426

[١٣٤٠] ومنه حديثه الآخر عن النبي ( ﷺ ) رواية عن ربه (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) تكلم على هذا الحديث بعض العلماء ومعنى كلامه وزبدته: أن الصائم يعرض البدن للنقصان، فإن الله تعالي جعل الأبدان على أن تكون دائمة التحلل بالبخارات المتصاعدة عن المسام بالعرق والتنفس وغير ذلك فهي مفتقرة بحسب ذلك إلى البدل، وإذا احتبس عنها البدل أفضي بها ذلك النهكة والنحول، فصار بذلك معرضا نفسه للتلف مما يصيبه من مضض الجوع وحرقة العطش، فالصائم إذا أثر ذلك مستسلما لربه منشرح الصدر به صار عمله أخص الأعمال وأولاها بالله. قلت: وفيه وجه آخر أن شرائع الإسلام وأركانه ما منها شيء إلا ويطلع العباد على صيغة آدائه غير الصوم فإنه يعامل الله بأدائه سرا ولا يتأتى ذلك إيمانا واحتسابا إلا بالإخلاص التام، فبهذا المعني كان أولى الأعمال بحسن القبول وتضعيف الجزاء. وأما قوله (فأنا أجزى به) أي: أنا العالم بجزائه وليس ذلك مما ذكر أن الحسنة بعشر أمثالها ومما فوق ذلك من العدد فإن جزاء الصوم يجل عن تلك المقادير كلها فأنا أعلم به وإلى أمره. وفيه قوله ( ﷺ ): (للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره) يعنى: فرحة بالخروج عن عهدة المأمور. وقيل بما يعتقده من وجوب الثواب، وفرحة يوم القيامة مما يصل إليه منه، وقيل فرحة عند إفطاره مما جاء في الحديث من أن (للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) خلف فم الصائم خلوفا إذا تغيرت رائحته، ذهب أهل المعاني إلى أن معناه تنزيه ما حدث من حكم الله بالصوم عن الأذى، بخلاف الخلوف الذي يحدث عن غير الصوم فيومر بإزالته بالسواك ولكنه في حكم الطيب الذي يستدام. وأرى فيه وجها [١٥٨/أ] آخر وهو أن النبي ( ﷺ ) لما أراد أن يبين فضل الصوم ودرجة الصائم ضرب مثله ما يكره منه من الرائحة في الطباع البشرية بأطيب ما يرام ويستنشق من الروائح،

стр. 427

والنزول من الأعلى إلى الأدنى في هذا الباب عند التمثيل وتقرير المعنى من أحمد طرق البلاغة وأبهج مناهج اليان. وكان في قول من ذهب في ذلك إلى ابتغاء التقرب إلى الله تعالى بتلك الرائحة واستحباب استدامتها وكراهة إزالتها بالسواك تعمقا وعدولا عن الجلى الواضح إلى الخفي المشكل، لا سيما وقد أزيل الخفاء بحديث عامر بن ربيعة ﵁ (رأيت النبي ﷺ لا يني يتسوك وهو صائم). وفيه (والصيام جنة) الجنة: السترة. يقال استجن بجنة: أي تستر بسترة. ويقال لما يستجن به في الحرب من درع وترس جنة. وذكر أنه جنة لأن المسلم يتستر به من شكة الشيطان وشوكته، والجنة إنما يكمل الانتفاع بها إذا كانت محكمة ومسرودة في غير اختلال، وكذلك الصيام إنما يحق التستر به على حسب العناية به من التحفظ والإتقان والتنزه عن الخطأ والخطل فيهما، فإذا وجد فيه بعض الخلل نقص بحصته ثواب العمل. وبهذا المعنى ترتب عليه قوله (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب) الرفث الفحش من القول وما يضاهيه من كنايات الجماع والصخب: الصياح والجلبة. وقوله: (فليقل إني صائم) أي يجعل قوله هذا مكان الجواب ليكون أبلغ في الردع المتناول لغرضه وأكد في الحجة عليه. وفيه وجه آخر وهو أن يقول قوله في نفسه لترتدع به نفسه عن سييء القول وتتقوى على كظم الغيظ. من باب رؤية الهلال (من الصحاح) [١٣٤٣] قوله ( ﷺ ) في حديث ابن عمر- ﵁: (فإن غم عليكم فاقدروا له) غم: أي غطى من قولك غممت الشيء إذ غطيته فهو مغموم. فاقدروا له: من قدرت الشيء أقدره وأقدره قدرا من التقدير. قال الشاعر: [١٥٨/ب] كلا ثقلينا طامع في غنيمة .... وقد قدر الرحمن ما هو قادر أي: مقدر. ومعني الحديث: قدروا له عدد الشهر حتى تتموه ثلاثين، وذلك في الراوية الأخرى عن ابن عمر: (إن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولما في حديث أبي هريرة- ﵁: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، وقال بعض أهل العلم: قدروا له منازل القمر، فإن ذلكم يدلكم على أن الشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون. قال ابن سريج: هذا خطاب لمن خصه الله تعالي بهذا العلم، وقوله: (فأكملوا العدة ثلاثين)، خطاب للعانة التي لم تعن به؛ يقال: قدرت الأمر كذا أقدر وأقدر إذا نظرت فيه ودبرته.

стр. 428

وقد خالف في هذه الفتيا جمهور العلماء، ورحم الله أبا العباس؛ من أي باب أتى حتى جعل دليل التنجيم مدخلا في عبادات المسلمين، وقد علم أنه علم لم يكن العرب تتعاطاه، وكان نبي الله ﷺ يأباه، وإلى هذا المعني أشار بقوله ﷺ : (نحن أمة أمية لا تحسب ولا نكتب ...) الحديث، والظن به أنه قد سلك مسلك الاحتياط، غير أنه لم يصدر عن مورده ذلك بالكفاف؛ كيف وقد قال (فأكملوا العدة ثلاثين): خطاب للعامة، ولم يخف عليه أن الصحابة- رضوان الله عليهم- لم يعنوا بذلك ولم يعملوا به وهم خير هذه الأمة وأخصهم يعلم الشريعة وأولاهم بالتأييد والتوفيق من الله المنان. [١٣٤٤] ومنه حديث أبلا هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) اللام في قوله لرؤيته يقع (بعد)، أي: بعد رؤيته، وذلك إذا لم يكن في السماء علة فلم يكن مغموما على الناس، ونظير ذلك في كلام العرب قول متمم بن نويرة: فلما تفرقنا كأني ومالكا .... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا أي بعد طول اجتماع. ويقرب من ذلك قولهم: لثلاث خلون من شهر كذا، ولأربع بقين من كذا، وأهل الأنساب يسمونها لام التاريخ ولام الوقت. ومن هذا النوع قول النابغة: توهمت آيات لها، فعرفتها ..... لستة أعوام، وذا العام سابع [١٣٤٥] (ومنه) حديث عبد الله بن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ... الحديث)؛ إنما قيل لمن لا يكتب ولا يقرأ أمي؛ لأنه منسوب إلى العرب فإنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون، وقيل إنما قيل له أمي؛ لأنه باق على الحال التي ولدته أمه، لم يتعلم قراءة ولا كتابة [١٥٩/أ]. وقد قيل فيه وجوه سوى ما ذكرنا، إلا أن الذي يناسب سياق الكلام في هذا الحديث ما ذكرناه. ثم إن إطلاق الأمي عليهم إنما صح من قبل نبيهم ﷺ والقرآن الذي بعث فيه، ثم صار الآخر تبعا للأول في التشبيه والحكم، وإن كانوا يكتبون ويحسبون. ومعنى قوله (لا نكتب ولا نحسب) أن العمل بالحساب على ما يتعارفه المنجمون ويتعاطونه ليس مما تعبدنا به وأمرنا به؛ إذ ليس ذلك من هدينا وسمتنا في شيء. وفيه (الشهر هكذا وهكذا) الحديث؛ قال الخطابي: يريد أن الشهر قد يكون هكذا، أي: تسعا وعشرين، وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون، فإنما احتاج إلى بيان ما كان موهوما أن يخفى عليهم؛

стр. 429

لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفًا إلى النادر دون المعروف منه. وقد أشرفنا فيما مرّ أن هذا الحديث يبنى عن ترك العمل بقول اصحاب التنجيم في معرفة الشهر وإثبات الهلاك. [١٣٤٦] ومنه حديث أبى بكرة - رضى الله عنه- عن النبى ﷺ (لا ينقصان ... الحديث) وجدنا أهل العلم في تأويل هذا الحديث على ثلاث طرق، فمنهم من يذهب إلى أنهما لا ينقصان معًا في سنة واحدة، وفيه نظر لاختلاف دلالته، إلا إن حمل الأمر فيه على الغالب. ومنهم من قال أنه اراد به تفصيل العمل في العشر من ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان. ومنهم من قال: معناه أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، وهذا الوجه أقوم الوجوه وأشبهها بالصواب. [١٣٥٠] ومنه حديث أم سلمة - رضى الله عنها: (ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان).

стр. 430

قلت: وفي حديث عائشة -رضى الله عنها-: (ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط)،والتوفيق بين الحديثين أن نقول: كان النبي ﷺ يدور علي تسع نسوة فيحتمل أن أم سلمة وجدته صائمًا في أيام نوبتها التي كان ينتابها النبي في سائر شعبان، فرأت أنه واصل شعبان برمضان، ووجدته عائشة -رضى الله عنها- مفطًرا في بعض أيامها فأخبرت عما رأت، ويدل على ذلك قولها بعد الذي [١٥٩/ب] ذكرناه من حديثها: (وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان كأن يصوم شعبان كله إلا قليلًا) فإن قيل: أو لم يكن النبي يعدل في القسم بين النساء جهده؟ فكيف تقدر الافطار في نوبة عائشة ول تقدره في نوبة أم سلمة؟ قلت: العبرة في البيتوتة والكينونة نهاره عندها؛ لا باليوم والإفطار؛ ألا ترى النبي كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ولم يكن يبالي من أى أيام الشهر يصوم، والثلاثة غير منقسمة على التسع وقد كان النبي في فسحة من هذا، فجعل الإفطار في نوبتها؛ لأنها كانت مفطرة لحبه لها. فإن قيل: يحتمل أنه كان يراعي ذلك بحسب النوبة في أشهر؛ قلنا: ويحتمل أن قليل الذى أفطر من شعبان كان في نوبة عائشة بإزراء صومٍ قد كان صامه عندها في غيى شعبان، ولا يلزم أن تقدر ما قدرنا في حديث أم سلمة على التعاقب والتوالي في سائر السنين، بل في بعضها فإنها إذا رأته على ذلك عامًا أو عامين، صح لها أن تخبر عما أخبرت. وأرى أحد المعاني التى كانت تستدعى النبي أن يواصل شعبان برمضان، أو يصوم أكثره: اشتغال أزواجه بقضاء ما فآتهن من رمضان؛ ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂: (كان يكون على الصوم من رمضان، فلا استطيع ان أقضي إلا في شعبان)، قال الراوي: تعنى الشغل بالنبي ﷺ فإن قيل: كيف التوفيق بين الحديث الذي ذكرتم عن أم سلمة، وبين حديث أبى هريرة، عن النبي ﷺ (إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا)؛ فإنًّا إذا قدًّرنا أنه كان يصوم من شعبان أو يصوم اكثره، أفضى بنا إلى ردِّ حديث أبى هريرة؛ فإنه على هذا التقدير: يكون قد صام شيئًا من الزمان الذي نهى عن الصوم فيه؟. قلنا: نحمل حديث أبى هريرة ﵁ على أحد الوجهين: إما أن نقول: إنه آخر الأمور. أو نقول: إنه نهى عن الصوم في النصف الأخير من شعبان؛ لنفوس الأمة؛ ليتقوًّوْا على صيام شهرهم، ويباشر العمل عن الصوم فيه بنشاط منشرحًا به صدورهم، وكان حاله في ذلك خلاف حال غيره، لما آتاه الله سبحانه من العزم الذي لا فترة فيه، والعمل الذي لا ضعف معه؛ وهذا أولى الوجهين بالاختيار.

стр. 431

ومن الفصل (من الصحاح) [١٣٥٤] حديث أنس -رضى الله عنه- عن النبي ﷺ : (تسحروا؛ فإن في السحور بركة). المحفوظ عند أصحاب [١٦٠/أ] الحديث: بفتح السين، وقد قيل: إن الصواب أن تضم، وأرى الوجه المستقيم فيه على المقاييس اللغوية: الضًّم؛ لأنه بالضم: المصدر، وبالفتح: الاسم لما يتسحر به، والبركة في الفعل باستعمال السنًّة لا في نفس الطعام، وقد أشبعنا القول في أول باب الطهراه في بيان تلك المقاييس، وما ذكرنا فيها عن علماء العربية، وكذلك الرواية في رواية أنس: (أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما)،وفي حديث سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ : (لا يمنعكم عن سحوركم أذان بلال .. الحديث). وليس الأمر في الحديثين من طريق اللغة على ما ذكرناه في الأول؛ لأنهما يحتملان النصب، والضم؛ فنختار فيها النصب، لموافقته الرواية. وأما حديث العرباض بن سارية: (دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور) - فالوجه فيه نصب السين، لقوله (إلى الغداء المبارك). [١٣٥٥] ومنه: حديث عمرو بن العاص - رضى الله عنه- عن النبي ﷺ (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكله السحر)، فضل ما بين): بالصاد المهملة، ومن الناس من يصحف فيه بالضاد المنقوطة، وأكلة بفتح الهمزة، وهى المرة من الفعل، والمعنى: أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ لأن الله أباح لنا ما حرم عليهم من ذلك، ومخالفتنا إياهم في ذلك تقع موقع الشكر لتلك النعمة ويدخل في معناه. [١٣٥٦] ومنه حديث سهل بن سعد - رضى الله عنه- الذي يتلوه، روى عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطرة)؛ لأن فيه مخالفة اهل الكتاب، وكان مما يتدينون به الإفطار عند اشتباك النجوم، ثم صار في ملتنا شعارًا لأهل البدعة، وسمة لهم، وهذه هي الخصلة التى لم يرضها رسول الله ﷺ -

стр. 432

وعلى نحو هذا المعنى: يحمل حديث أبى هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: (أحب عبادي اعجلهم فطرًا). أى: الذين يخالفون اهل البدعة فيما يعتقدون من وجوب ذلك. ويحتمل: أنه أراد به جمهور هذه الأمة الذين يتدينون شريعة محمد ﷺ أى: هم أحب إلى ممن كان قبلهم من الأمم، والأول أشبه [١٦٠/ب]. قلت: ولو ان بعض الناس صنع هذا الصنيع، وقصده في ذلك: تأديب النفس، ودفع جماحها، أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد فيما يعتقده أولئك الفئة الزائغة من القول بوجوبه لم يضرره ذلك، ولم يدخل به في جملتهم، كيف ويصحح هذا التأويل: الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد، عن النبي ﷺ : (لا تواصلوا، فأيكم إذا اراد أن يواصل فليواصل إلى السحر). وتأخير الإفطار- نظرًا إلى سياسة النفس،- أمر قد صنعه كثير من الربانيين، وأصحاب النظر في الأحوال والمعاملات، أعاد الله علينا بركتهم. [١٣٥٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث عمر بن الخطاب: (فقد افطر الصائم). (أفطر) أى: دخل في وقت الإفطار وجاز له أن يفطر؛ كقولهم: أمسى، وأصبح، وأطهر: إذا دخل في تلك الاوقات، وقيل: صار في الحكم المفطر وإن لم يأكل. [١٣٥٨] ومنه: حديث أبى هريرة - رضى الله عنه: (ٍنهى رسول الله ﷺ عن الوصال ... الحديث). وجه النهى عن الوصال: هو أن النبي ﷺ كان قد بعث بالحنيفية السهلة السمحة، وكان يختار لأمته الاقتصاد في المعاملات؛ كيلا يقضي بهم التعمق إلى السآمة والفترة، ولا يشق عليهم مشقة تحول بينهم وبين كثير مما أمروا به؛ فيوجد عنهم التراجع في العبادة؛ كما كان من اصحاب الصوامع والديارات في الرهبانية التي ابتدعوها فهما رعوها حق رعايتها، وكان هو يواصل بارتفاع قدره عن تلك العلل، وقد بين ذلك بقوله: (أيكم مثلى؛ إنى أبيت يطعمني ربي ويسقينى) أى: يؤتينى من التأييد والتوفيق ما يقع عندى- في القوة على عبادته- موقع الطعام والشراب من أحدكم. وقد ذكر بعض العلماء في شرح هذا الحديث قضيتين رأينا الكشف عنهما؛ لتعلقهما بما نحن فيه: أحدهما: أنه قال: الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله ﷺ وهو محظور على أمته. قلت: سلك في الاصطلاح ملك الفقهاء؛ فإنهم يسمون ما ورد به نهى محظورًا، كان ذلك الشيء مكروهًا أو محرمًا؛ وذلك لأن الحظر هو الحجر، وهو خلاف الإباحة، والحظر أيضًا [١٦١/أ] المحرم، فإنه اراد بالمحظور أنه منهي عنه.

стр. 433

فظاهر الحديث يبين قوله، وإن أراد أنه محرم على الأمة ففيه نظر، وأني يسمع القول بتحريمه، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال؛ واصل بهم يوما، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخرت لزدتم، كالمنكل بهم، حين أبى أن ينتهوا، والحديث يدل على خلاف ذلك، وهو أن الوصال كان محرمًا، لو لم يكن النبي ﷺ ليواصل بهم، ولم يكن الصحابة، وهم أشدّ الناس انتهاء عما حرم عليهم، ليأبوا عن الانتهاء عنه. فالوجه أن نقول: إنَّ القوم قد علموا أنه نهاهم عن ذلك شفقة عليهم ورحمة، فظنوا أن صنيعهم ذلك قرية إلى الله - تعالى- ولا مدخل له في خلاف الرسول ﷺ - وذلك مثل الرجل يأتي ليعين الرجل على حمله او دابته، فيقول له: لا تفعل، إكرامًا له وشفقة عليه، فيأبى صاحبه إلا ان يفعل ذلك، فواصل بهم تأديبًا لهم وتقويمًا، وإرشادا إلي ما هو الأسد والأمثل، ثم إنا نقول: إن النهى وإن تعلق بالعموم، للمعاني التي ذكرناها؛ فإن الخصوص إذا اظاهر عليها، ورأوا حالهم فيها بخلاف حال غيرهم، فلهم أن يواصلوا، والفوج الذي نقل عنهم الوصال من خواص الأمة وأقويائها، مع علمهم بالسنن والأحكام وتشددهم في اتباع الرسول ﷺ ، إنما شرعوا فيما شرعوا استيثاقًا بما أشرفنا إليه. وقد ذكر عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يواصل، وقد صح عن ابن الزبير ﵁ أنه كان يواصل سبعًا، ولم يبلغنا نكير عمن كان في زمانه من الصحابة. والظن بأولئك السادة أن المباشر لم يباشر إلا وعنده أسوة، والساكت عنه لم يسكت إلا وقد صوب سبيله، ولهذا نظائر في الحديث، منها ما ذكرنا، ومنها ما تذكر طرفًا منه. والقضية الأخرى: قوله: (إني أبيت أطعم وأسقى) ويحتمل أن يكون يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمها، فيكون ذلك خصيصي وكرامة لا يشركه فيها أحد من أصحابه. قلت: ونحن لا نستبعد من فضل الله وقدرته أن يؤتى هذه الكرامة من آثر هديه، واقتفى أثره، فكيف وهو المخصوص بالآيات التي تتحير الألباب دون سطوعها، ولكننا نقول: إن هذا الاحتمال يأباه قضية الحال؛ وذلك أنه ثبت بالأحاديث الصحاح، كحديث أبي هريرة هذا، وحديث أنس [١٦١/ب] وأبي سعيد وغيرهم، أن النبي ﷺ كان يواصل مع ما تبين لنا من جوابه - حين قالوا: (إنك تواصل) - أنه كان يواصل، فكيف سيصح القول بالوصال مع الطعام والشراب، وسيان الحالان في تناولهما، ان يؤتي بهما عن طريق القدرة، أو من طريق الحكمة. (ومن الحسان) [١٣٥٩] حديث حفصة ﵁ (من لم يجمع الصيام من الليل ... الحديث). لم يجمع،

стр. 434

أي لم يعزم عليه، قال الله تعالى ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾ أى: أحكموه بالعزيمة، حتى اجتمعت آراؤهم عليه. ومنه: إجماع المسلمين على الشيء، وأكثر ما يقال: أجمعت، فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة. وهذا الحديث رواه أكثرهم موقوفًا على حفصة، ورواه أبو داود وأبو عيسى بإسناديهما عن عبد الرحمن ابن أبي بكر بن حزم مرفوعًا، ولفظه يقتضي العموم، وإلى خلاف ذلك ذهب الجمهور من العلماء، فمنهم من يرى ذلك فى صيام النذر والكفارة والقضاء، ومنهم من يرى ذلك في كل صوم، إلا ما كان تطوعًا، فإنه استثنى التطوع بحديث عائشة -رضى الله عنها: (دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندك شيء؟ قلت: لا، فقال: إنى إذًا صائم) وقد ذهب جابر بن زيد أبو الشعشاء إلى خلاف الفئتين، فرأى النية فى التطوع أيضًا واجبًا، وتقل عن ابن عمر أنه كان لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل، ومن رأى العمل بحديث حفصة [...] عنه، ومن لم ير العمل به لما يوجبه النظر والاستدلال في النذر والكفارة والقضاء، فله أن يأول قوله (فلا صيام له) على ان المراد منه نفي الكمال.

стр. 435

ومن باب تنزيه الصوم من الصحاح [١٣٦٧] قوله ﷺ في حديث أبى هريرة -رضى الله عنه-: (فليس لله حاجة فى ان يدع طعامه وشرابه) لفظ الحاجة فيه من مجاز القول، والمعنى: لا يبالى بعمله ذلك، ولا ينظر إليه؛ لأنه أمسك عما ابيح له في غير حين الصوم، ولم يمسك عما حرم عليه فى سائر الأحايين. [١٣٦٨] ومنه حديث عائشة -رضى الله عنها- في حديثها: (وكان أملككم لإربه) أرادت بالأرب: حاجة النفس أى: لا يغلبه أرب النفس، ولا يستولى عليه سلطان الشهوة، وكان حاله في ذلك خلاف حال غيره؛ لما آتاه الله من التأييد والعصمة. ويروى: (أربه) -بفتح الهمزة والراء- ويروى مكسورة الألف، ساكنة الراء، ومعناها واحد، والأرب -ساكنة الراء- أيضًا العضو، وحمله على العضو في هذا الحديث غير سديد، ولا يغتر به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب، مائل عن حسن الأدب ونهج الصواب. [١٣٦٩] ومنه: حديثها الآتى: (كان رسول الله ﷺ [١٦٢/أ] يدركه الفجر في رمضان وهو جنب .. الحديث). قلت: كان أبو هريرة يفتي بخلاف ذلك، ثم إنه رجع عن وقد نقل عن ابن المنذر، أنه قال: أحسن ما سمعت في هذا أن يكون محمولا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما اباح الله ذلك إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم؛ لارتفاع الحظر المتقدم، وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع حديث عائشة هذا صار إليه.

стр. 436

[١٣٧٢] ومنه حديث أبي هريرة -رضى الله عنه-: (جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: هلكت .. الحديث) الرجل على ما استبان لنا من كتب المعارف هو سلمة بن صخر الأنصاري

стр. 437

البياضي، ويقال: سليمان، وسلمة أصح، وكان أحد البكائين، وكان قد ظاهر من امرأته خشية أن لا تملك نفسه، وذلك لما كان يعرف من نفسه من شدة الشبق، ثم وقع عليها في رمضان. هذا الحديث كذا وجدناه فى عدة من كتب أصحاب الحديث، وعند الفقهاء أنه أصابها في نهار رمضان. وهذا الحديث يرويه بعضهم، وفي روايته: (هلكت وأهلكت) ولم يتابع عليه؛ لأن أهلكت غير محفوظ. وفيه: (خذ هذا فتصدق به) ذهب بعض اهل العلم إلى أنه يطعم كل مسكين مدا. قال: والحديث مبين لمقدار الواجب عليه في اطعام ستين، لما في حديث أبى هريرة من غير هذا الوجه: (فأتى بعرق قدر خمسة عشر صاعا). قلت: وقد روى ايضًا أنه اتى بعرق ثلاثين صاعًا ويؤيده أيضًا حديث سلمة بن صخر (أنه أطعم ستين مسكينًا وسقًا) ومع اختلاف الروايات وتعارضها، فالسبيل ان يحمل في الأقل على أنه كان قاصرًا عن مقدار الواجب، فأمره أن يتصدق بالموجود إلى ان يمكنه الوجدان من أداء ما بقي عليه؛ لئلا ندع شيئًا من الروايات متروكًا. (والغرق) بتحريك الراء، أصله السفيفة تنسج من الخوص، قبل أن يجعل منها زبيل، فسمي العرق بها. وفيه: (أطعم عيالك) ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك حكم خص به هذا الرجل. وقال بعضهم: هذا منسوخ. وكلا القولين لا سناد له، والقول القويم فيه قول من قال: إن [العمل الجوار] أخبر أن ليس بالمدينة احوج منه ولم ير له ان يتصدق على غيره ويتلوى هو وعياله [١٦٢/ب] من الجوع، فجعله في فسحة من الأمر حتى يجد ما يؤديه في الكفارة. (ومن الحسان) [١٣٨١] حديث شداد بن أوس -رضى الله عنه- (رأى النبى ﵇ رجلا يحتجم .. الحديث)

стр. 438

ذهب جمع من أهل الكتاب إلى القول بظاهر هذا الحديث، وذهب طائفة إلى القول بالكراهة. قد كان من الصحابة من يتنزه عنها في حال الصوم: فيحتجم ليلا، منهم ابن عمر، وأنس، وأبو موسى الأشعرى رضى الله عنه- وأكثر العلماء لا يرون بها بأسًا للصائم، وهذا هو الأوثق؛ فإن رسول الله احتجم صائمًا محرمًا، رواه ابن عباس، ويأول بعضهم الحديث على ما ذكره الشيخ أبو محمد القراني الكتاب، وقال بعضهم: إنه مر بهما مساًء، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم) أى: دخلا في وقت الإفطار كقولك: أمسى وأصبح، وقيل: حان لهما أن يفطرا كقولك: احصد الزرع، واركب المهر. وقد نقل عن بعض العلماء انه قال: إنما قال قوله ذلك بأنه وجدهما يغتابان. قلت: ولا أراه ذهب إلى هذا إلا من طريق الاحتمال؛ إذ لم يرد في شيء من الروايات، ولو وجد ذلك مرويًا لكان حقيقيًا بأن يأول إليه كل مأول، ويحمل معنى الإفطار فيه على بطلان أجرهما، حتى كأنهما لم يصوما. ومن باب صوم المسافر من الصحاح [١٣٨٦] حديث جابر -رضى الله عنه-كان رسول الله ﷺ فى سفر فرأى زحامًا ...

стр. 439

الحديث) قال الخطابي: هذا كلام خرج على سبب، فهو مقصور على من كان في مثل حاله، كأنه قال: ليس من البر أن يصوم المسافر، إذا كان يؤد به إلى مثل هذه الحال، بدليل صيام النبى ﷺ في سفره عام الفتح، وبدليل خبر حمزة الأسلمى وتخييره إياه بين الصوم الإفطار ولو لم يكن الصوم برًا لم يخيره فيه. فإن قال قائل: إنما كان يصلح لكم هذا الاستدلال لو بين لكم تأخر حديث حمزة بن عمرو عن حديث جابر. قلنا: قد عرفنا - من أحاديث عدة- صوم الصحابة في السفر بعد رسول الله ﷺ فمنها حديث أنس ان [....] وبعده أربعين سنة، وقد صام حمزة الأسلمى مع رسول الله وبعده، ومن المستبعد أن يرد الصحابي الصوم في السفر، وهو يعلم ان النبى لم يره برا ثم لا ينهاه من يحضره من الصحابة، ولا يظهر له النكير. وممن روى من الصحابة الصوم في السفر ابو سعيد الخدري، وفي حديث عن النبي ﷺ ثم قال: إنكم تصبحون عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا) وكانت [١٦٣/أ] عزيمة من رسول الله ﷺ قال أبو سعيد: (ولقد رأيتنى أصوم في رمضان مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك). (ومن الحسان) [١٣٨٩] حديث أنس بن مالك -رضى الله عنه- مالك رجل من بني كعب إخوة بني قشير- ﵁ عن النبي ﵇: (إن الله تعالى وضع شطر الصلاة والصوم عن المسافر ... الحديث) (والصوم): منصوب، والعامل فيه وضع شتان بين الوضعين، فإن الموضوع عن الصلاة ساقط لا إلى قضاء، ولا كذلك الصوم، وإنما ورد البيان على تقرير الرخصة، فأتى بقضايا منسوقة في الذكر، مختلفة في الحكم؛ وذلك لاتكاله على بيان التنزيل من قوله ﴿فعدة من ايام أخر﴾ ثم على علم المخاطبين بذلك. [١٣٩٠] ومنه: حديث سلمة بن المحبق عن النبى ﷺ (من كانت له حمولة تأوى إلى شبع-

стр. 440

الحديث) الحمولة بفتح الحاء - الإبل التي يحمل عليها وكذلك كل ما يحمل عليها من حمار وغيره. و (فعول) يدخله الهاء، إذا كان بمعنى (مفعول) وقوله: (تأوى) يرويه بعض من لا مؤنة له بصرف الكلام بالياء، نسقًا على (من) وليس ذلك يقويم، أو كان الأمر على ما تخيله لقرن واو النسق، وإنما هو بالتاء، لتأنيث الحمولة، وأوى لازم ومستعد، على لفظ واحد، وإن كان الأكثر في المتعدي بالمد، وقد ورد في الحديث (لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين) أى: يؤويه في حديث آخر: (لا يأوى الضالة إلا ضال) اى: لا يؤويه. وكذلك في هذا الحديث: (تأوى إلى شبع) أى: تؤوى صاحبها. والمعنى: أن من كانت له حمولة، ولم يكن مشقوقًا عليه في الزاد، بل ترده الحمولة إلى حال شبع ورى ورفاهية وخفة من وعثاء السفر، فليصم رمضان حيث أدركه، وليس ذلك على معنى الوجوب بل على وجه الاستحباب والنظر له، جعل الصوم اولى به وأفضل له؛ لما يسره الله عليه من أسباب، حتى صار من الرفق الذي آتاه الله كالمقيم الذي يصبح في اهله وذويه. ومن باب صيام التطوع من الصحاح [١٣٩٦] حديث عائشة - رضى الله عنها - كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر) نقول

стр. 441

الرواية بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء، على الخطاب، كأنها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرته، كقولها لسعد بن هشام، لا تشاء تراه قائما من الليل [١٦٣/ب] إلا رأيته، والمعنى صحيح، ولم نجد الرواية تساعده، والرواية في قوله (حتى تقول) النصب بحتى، وهو أكثر كلام العرب، ومنهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع إذا حسن أن يجعل فعل موضع يفعل، ومن هذا الباب قراءة نافع فى قوله - سبحانه: ﴿حتى يقول الرسول﴾ بالرفع، وكذلك مع تطاول الفعل الذي قبل (حتى) كقولك: سرت نهاري حتى أدخلها، فدخلتها فصارت (حتى) عاملة، فالرفع في قولها: (حتى يقول) حسن، وإتباع الرواية أولى. [١٣٩٧] قوله في حديث عمران بن حصين: (اصمت من سرر شعبان؟). السرر والسرار، آخر الشهر، وسمي سرارًا؛ لاستررار القمر فيه [أى خفي ليلة السرار]، وقد أولوه على أن المخاطب به، إما أن كان قد أوجبه على نفسه بنذر، فأمره بالوفاء، وإما إن كان ذلك عادة له، فبين له بهذا القول أن صومه غير داخل في جملة القسم المنهى عنه بقوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين). [١٣٩٩] ومنه: حديث ابن عباس ﵁، أنته قال: (حين صام رسول الله ﷺ عاشوراء). يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وكذلك العشراء، وكلاهما ممدودان، قيل: وليس فاعولاء بالمد

стр. 442

في كلامهم غيره، وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب بعضهم إلى أنه من العشر الذي هو من إظماء الإبل، ولهذا زعموا أنه اليوم التاسع، والعشر ما بين الوردين وذلك ثمانية أيام؛ وإنما جعل التاسع؛ لأنها إذا وردت الماء ثم لم ترد ثمانية لم ترد ثمانية أيام فذلك العشر، [...] اليوم الثامن، وفلان يجم ربعًا إذا جم اليوم الثالث، وعاشوراء من باب الصفة، التي لم يرد لها أفعل والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء. وفيه: (لأصومن التاسع)، جعل بعضهم العلة فيه ما ذكرناه من (الإظماء) وذهب بعضهم إلى أنه كره أن يصومه يومًا فردًا، كما كره صوم يوم الجمعة من غير أن يوصل بالخميس، وذهب آخرون إلى أنه أراد أن يضم إليه يومًا آخر ليكون هدية مخالفًا لهدى أهل الكتاب، وهذا أقرب الوجوه وأمثلها؛ لأنه وقع موقع الجواب؛ لقولهم: إنه يوم يعظمه اليهود. [١٤٠٩] وحديث أبي هريرة: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم بعده). وكلا الحديثين صحيح، [وحديث ابن مسعود] حديث حسن، وقد رواه شعبة ولم يرفعه، ونرى الوجه في

стр. 443

قوله (كان يصوم من غزة كل شهر ثلاثة ايام)، أن نقول: إنه وجد الأمر على ذلك في غالب ما اطلع عليه من حال النبي فحدث بما كان يعرف من ذلك، واطلعت عائشة ﵂ من ذلك على ما لم يطلع هو عليه، فحدثت بما علمت، ولا تناقض بين الأمرين. وأما قوله: (وقلما كان يفطر يوم الجمعة). فالوجه فيه أن نقول: لا يلزم من قوله هذا أنه كان يختص يوم الجمعة بالصوم حتى يخالف حديث أبي هريرة وحديث غيره في النهى؛ بل كان يصوم منضمًا إلى ما قبله أو إلى ما بعده ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن نقول: يجوز أن يراد بالإفطار بعد الإمساك في بعض النهار؛ فإن الصوم قد يطلق ويراد به الإمساك في بعض النهار، ويؤيد هذا التأويل قول سهل بن سعد الساعدي: (ما كنا تقيل ولا نتغدى إلا عد الجمعة). وقد سئلت عن وجه النهي عن صوم يوم الجمعة منفردًا، فأعلمنا الفكر فيه مستعينًا بالله سبحانه، فرأينا الشارع - صلوات الله عليه- لو يكره ان يصام منضما إلى غيره، وكره أن يصام وحده؛ فعلمنا أن علة النهي ليست للتقوى على اتيان [١٦٥/أ] الجمعة، وأقام الصلاة والذكر، كما رآه بعض الناس إذ لا ميزة في هذا المعنى بين من صام الجمعة وحده، وبين من صام الجمعة والسبت، فعلمت أنه لمعنى آخر وذلك المعنى والله أعلم لا يخلو من أحد الوجهين على ما يستبين لنا: أحدهما: أن نقول كره تعظيمنا يوم الجمعة باختصاصه بالصوم؛ لأن اليهود يرون اختصاص السبت بالصوم تعظيمًا له، ولما كان موقع الجمعة في هذه الأمة موقع أحد اليومين من إحدى الطائفتين أحب أن يخالف هدينا هديهم فلم يشأ أن يخصه بالصوم. والآخر: أن نقول إن النبي ﷺ لما وجد الله قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر به غيره من الأيام على ما ورد في احاديث الصحاح، وجعل فيه للصلاة فرضًا مفروضًا على العباد في البلاد ثم غفر لهم ما اجترحوه من الآثام من الجمعة إلى الجمعة وفضل ثلاثة أيام، ولم نر في باب فضيلة الأيام مزيدًا على ما خص الله به الجمعة، فلم تر أن نخصه بشيء سوى ما خصه الله به، ثم إن الأيام والشهور فضل بعضها على بعض، ثم خص بعضها بعمل دون ما خص به غيره ليخص كل منها بنوع من العمل، ولو شرع جماع تلك الوسائل في يوم واحد أو شهر واحد لأقضى ذلك إما إلى الارتهان به وإما إلى تعطيل ما دونه، ومنهما ينشأ داعية الإفراط والتفريط، فلما وجد الجمعة مخصوصة بتلك الفضيلة العظمى، ورأى الاثنين والخميس أفضل الأسبوع سوى الجمعة لاختصاص الاثنين بولادته وبعثته وهجرته ووفاته، واختصاص الخميس بعرض الأعمال على الله تعالى جعل لهما من باب الفضيلة ما يمتازان به عن غيرهما فشرع اختصاصهما بالصوم على الإنفراد ليمتازا عن غيرهما.

стр. 444

[١٤١٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: (لا صام من صام الدهر). فسر هنا من - وجهين: أحدهما: أنه على معنى الدعاء؛ زجرًا له عن صنيعه، والآخر: على سبيل الإخبار، والمعنى: لو يكابد سورة الجوع وحر الظمأ؛ لاعتياده الصوم حتى خف عليه، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب؛ فصار كأنه لم يصم. وفيه: (وإن لزورك عليك حقا) (الزور: يكون جمعًا لزائر يقال رجل زائر، وقوم زور مثل: سافر وسفر، وقد يقال: رجل زور فيكون مصدرًا موصوفًا به نحو ضيف [كثير] ما يوضع المصادر مواضع الأسماء والصفات كقولهم: صوم ونوم، وفي حديث أبي رافع (أنه وقف على الحسن بن علي ﵁ وهو نائم، فقال أيها النوم)، يريد: أيها النائم. (ومن الحسان) [١٤١٦] حديث عب الله بن مسعود ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة). قلت: قد وجدنا هذا الحديث يخالف عدة أحاديث، فمنها حديث عائشة ﵂ حين سئلت: (أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت: نعم، فقيل: من أى أيم الشهر؟ فقالت: لم يكن يبالي من أى الشهر يصوم.

стр. 445

[١٤٢١] ومنه حديث أخت عبد الله بن يسر المازني ﵁ عن النبي ﷺ (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ... لحديث). أخت عبد الله بن يسر اسمها بهية، وتعرف الصماء، وقيل بهيمة بزيادة ميم، ومعنى المنهي عنه، قد أشير إليه، وهو كون الصوم فيه راجعًا إلى تعظيم السبت، وفي ذلك اتباع اليهود، وقد نهينا عنه، ويحمل النهي فيه على تخصيصه بالصوم منفردًا، وذلك في التطوع الذي لا نجد له نظيرًا في السنه، فأما ما وردت به السنة، كصوم داود وصوم عاشوراء، وصوم يوم عرفة إذا اتفق في يوم سبت، فإنه غير داخل في جملة المنهي عنه؛ لثبوت ذلك بالأحاديث الصحاح التي لا مقاومة أمثال هذا الحديث ويجعل قوله (في غير ما افترض عليكم) على قضاء الفرض أو الصوم الذي وجب عليه بالنذر.

стр. 446

وقد ذهب قوم إلى ظاهر هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت على الإطلاق، إلا في القسم المستثنى عنه، وليس لهم أن يتركوا ما سبق إليه الإشارة من أحاديث الصحاح لهذا الحديث الشاذ مع ما بلغنا فيه عن الزهري، وهو أنه شيءل عن هذا الحديث، فقال: ذاك حديث حمصى يشير إلى ضعفه والذي ذهبنا إليه في تأويله، قول لا محيد عنه لموافقته السنن الثابتة، فتقرر كل في [قضائه]. وفيه: (إلا لحاء عنية) اللحاء ممدود وهو قشر الشجر، والعنبة هي الحبة من العنب، وبناؤها من نوادر الأبنية وأريد بالعنبة - ههنا- الحبلة او القضاية منها على الاتساع. [١٤٢٤] ومنه حديث عامر بن مسعود القرشى ﵁ عن النبي ﷺ (الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء). هذا حديث مرسل، فإن عامر بن مسعود لم يدرك النبي ﷺ والغنيمة الباردة هى: التى يحوزها صاحبها عفوًا وصفوًا، لا يمسه ولا يصيبه قرح، والعرب تصف سائر ما تستلذه بالبرودة والمعنى أن الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه لذعة الجوع، وإنما قال: (الغنيمة الباردة الصوم في الشناء)، ولم يقل: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، تنبيهًا على معنى الاختصاص، اى: يبلغ الصوم في هذا المعنى ما لا يبلغ غيره. [١٤٢٩] ومنه حديث أم هانى ﵂ عن النبي ﷺ (الصائم المتطوع أمير نفسه).

стр. 447

قلت: روى هذا الحديث من غير وجه واحد عن شعبة، وفي سائرها: أمير أو: أمين نفسه. [١٦٥/ب] على الشك، ورواء أبو داود: (أمين نفسه) بالنون من غير تردد، ووجه قوله أمير بالراء مبين بما بعده من الحديث، وأما وجهه بالنون فهو أن الأمين إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء، وإذا كان أمين غيره فليس له ذلك، فالصائم من الفريضة، وما وجب عليه إذا أفطر من فريضة، فقد خان أمانة الله، والمتطوع في فسحة من ذلك غير منسوب إلى الخيانة، وقد استدل من لا يرى القضاء على المتطوع بهذا الحديث، وبقوله ﷺ في حديث أم هانئ أيضًا: (فلا يضرك إن كان تطوعًا) ويدل قوله: (إن شاء صام، وإن شاء أفطر) على أن له أن يفطر نظرًا إلى ما يبدو له من الأمور التي ائتمن عليها كالذي يضيف قومًا، أو ينزل بقوم، وهو يحبون أن يفطر، ويرى هو في ترك الإفطار استيحاشًا من جانب صاحبه، فله أن يساعده على ما يؤنسه من غير حرج وتبعة، وهو أمين على نفسه فيما يراه راعيًا شرائط الأمانة فيما يتوخاء، وهذا معنى قوله: (لا يضرك)، وليس في أحد القولين دليل على أن القضاء واجب عليه بعد الإلزام، لاسيما، وقد ورد الحديث بالأمر بقضائه، وهو حديث عائشة الذي يتلو هذا الحديث. فإن قيل: هو حديث لا يكاد يصح من جهة إسناده. قلنا: نعم، وقد روى الترمذي أيضًا حديث أم هانئ: (لا يضرك إن كان تطوعًا) ثم قال: في إسناده مقال، وقد روت عائشة بنت طلخة عن عائشة انها قالت: دخل على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا قد خبانا لك حيًا، فقال: (أما إنى كنت لأريد الصوم ولكن قريبه سأصوم يومًا مكانه) وهو حديث اتصل سنده مع اختلاف الرواة، في قوله:

стр. 448

(سأصوم يومًا مكانه) والقول بذلك أولى من جهة النقل؛ لأنه لم يخالف حديث أم هانئ ثم إنه قول جامع بين الحديثين، والقول الذي يخالفه منه نفى الحديث آخر، وأما ما يؤيده من طريق النظر فذلك قد أتى عليه في كتب أهل هذه المقالة وقصدنا في ذلك بيان الحديث. (من الصحاح) [١٤٣٣] حديث ابن عمر - رضى الله عنه- (أن رجلًا من اصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر ... أروا من الرؤيا أى: قيل لهم في المنام ما يتصورون به كينونة القدر فى اى ليلة هى والقدر والتقدير تبيين كمية الشيء وإنما سميت ليلة القدر؛ لأن الله - تعالى- يبين فيها لملائكته الأمور التى تجرى على أيديهم من تدبير بنى آدم محياهم ومماتهم إلى مثلها من القابل قال الله تعالى: ﴿فيها يفرق كل امر حكيم﴾، ويحتمل أنها سميت ليلة القدر تقدير الله ما كان ينزل فيها من القرآن أيام حياة النبي - عليه

стр. 449

السلام - إلى مثلها من العام المقبل وإنما جاء القدر بتسكين الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو قرينة القضاء بفتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك فإن القضاء سبق الزمان وإنما أريد به تفصيل ما قد جرى به القضاء وتبيينه وتحديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل ليحصل ما يلقى إليهم مقدرًا بمقدار يحصره علمهم فسكن منه الدال للامتياز بين الأمرين وقيل: سميت بها لخطرها وشرفها على سائر الليالي وفيه: (أرى رؤياكم قد تواطت) المواطأة الموافقة وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ صاحبه وقد رواه بعضهم بالهمز وهو الأصل وجاء في عامة نسخ الجامعين الصحيحين وغيرهما بغير همز فلعلَّ بعضهم لم يكتب الهمزة ألفًا فترك بعضهم همزها فأقرّت على ذلك. وفيه (فمن كان متحريها) تحرّى الشيء: إذا قصد حراه أي جانبه قال الله تعالى: ﴿تحروا رشدا﴾ أي توخوا وعمدوا. والتحري بالياء [بالياء] من طلب ما هو أحرى بالاستعمال. والمعنى: من كان يتوخى تلك الليلة فليتوخها في السبع الأواخر ويكون معناه: فمن كان يريد طلبها في أحرى الأوقات بالطلب فليستعد له في السبع الأواخر والسبع الأواخر يحتمل أنه أراد بها السبع التي تلى آخر الشهر، ويحتمل أنه أراد به السبع الأول بعد العشرين؛ لأن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر في أول العدد [١٦٦/ ب]، ثم في سبعة عشر، ثم في سبع وعشرين. وحمله على السبع التي بعد العشرين أمثل لتناوله إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، ووله: (فليتحرها في السبع الأواخر)، أخص من قوله (فالتموها في العشر الأواخر) وتنافى بين القولين. قلت: وكل ما ورد في هذا الباب من الأحاديث فإن بعضها يعاضد بعضا على أنها إحدى ليالي أوتار العشر الأواخر ثم إن الروايات قد اختلفت في تفسير ذلك الوقت اختلافاً لا يرتفع معه الخفاء إذ لم يثبت فيما يَقُول عليه من النقل عن أحد من الصحابة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يحدث بميقاتها مجزومًا به وإنما ذهب كل واحد إلى ما ذهب مما تبيّن له من معاريض الكلام التي سمعها من رسول الله ﷺ والفهم يبلغ تارةٌ ويقصرُ أخرى والمجتهد يصيب ويخطئ. اللهم إلا أن يكون في الرواة من أخبره الرسول ﷺ بميقاتها، ولم ير أن يزيل عنه الخفاء ولم يؤذن له فعلى هذا تنوع اختيار كل فريق من أهل العلم والذاهبون إلى سبع وعشرين هم الأكثرون ولا تناقض بين تلك الروايات على هذا التقدير ويحتمل أن فريقًا منهم عَلِم بالتوقيف ولم يؤذن له بالكشف عنه، لما كان في حكمة الله البالغة في تعميتها على العموم ونرى أولى الروايات بذلك رواية أبي بن كعب فإنه حلف ولم يستئن والآخرون حدّثوا بما وقع لهم من الفهوم. فإن قيل: كيف يصح فيه التوقيف وقد نال النبي ﷺ : (أريت هذه الليلة ثم أنيتها)؟ قلنا: يحتمل أنه أنسيها في عامة ذلك ثم كوشف بها بعد فأخبر بها. فإن قيل: رأى كثير من أهل

стр. 450

العلم وذوي النظر في دين الله أن الإنساء الواقع من قبل الله كان رعاية لمصلحة العباد ليُعمَّى عليهم خير تلك الليلة لئلا يتكلوا وليزدادوا جدا واجتهادًا في طلبها. وهذا هو الظاهر من أمره والمفهوم من سياق حديثه وقد قال بعضهم: إن نبي الله كان مجبولاً على أكرم الأخلاق وأحسنها، وقد علم الله منه الرأفة بأمته وعلم أنه لو سئل وعنده علم ذلك عز عليه أن يبخل عليهم بذلك فأنساه. وقال آخرون: لما أرادالله تعميتها أنساها النبي لئلا يكون كاتم علم إذا سئل عنه لم يخبر به. وقد روى عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ وأقسم عليه ليخبرنّه بها حتى أغضبه فقال: (لو أذن [١٦٧ / أ] الله لي أن أخبركم بها لأخبرتكم) فكيف السبيل إلى القول بالتوفيق مع هذا الحديث ومع ما ذكرنا من أقاويل علماء الأمة. قلنا: التخصيص في ذلك ليس بمتنكر فنقول: أنسيها في أول الأمر ليخبر بالإناء فينتهي العموم عن السؤال عنها لما تضمنه الإنساء من المصالح ثم بينها كرامة له فخص هو بذلك بعض أصحابه المستعدين لعلم ذلك كما خصّ حذيفة بن اليمان بأعلام المنافقين والتخصيص إنما يستنكر في الأحكام والحدود التي تعبد بها المكلفون فأما في الأخبار التي لم يتعبد بها فلا نكير فيها وما أكثر نظائر ذلك في السنة. فإِن قيل: أفلا يحتمل أن يقال إن تلك الليلة لا توجد على وتيرة واحدة في الأعوام؛ فربما كانت في عام إحدى وعشرين، وربما كانت في آخر ثلاثٍ وعشرين، وعلى هذا إلى تمام الأوتار، ولهذا اختلف فيها أقاويل الصحابة؟ قلنا: يحتمل، وإليه ذهب بعض أهل العلم، غير أنا لم نجد أحدًا من المخبرين عزم فيما حدث به إلا أبيّا ﵁ فإن قيل: فإنه ذهب أيضًا إلى ما ذهب بنوع من الاستدلال غير مبدٍ بصريح المقال؛ لأنه سئل فقيل له: بأي شيء تقول ذلك؟ قال: بالعلامة التي أخبرنا رسول الله ﷺ ... الحديث). قلنا: يحمل أمره في ذلك على أنه لم يؤذن له في التصريح؛ فعدل عنه إلى التعريض بما سمعه من الوصف الزائد على مقدار الضرورة وإنما نميل إلى هذا القول؛ لأن الصحابة ﵃ هم الأمناء في سائر ما حدثوا به عن النبي ﷺ وقد شهد التنزيل بصدقهم وعدالتهم، وبأن الله ارتضاهم لهذا الدين فلا يجوز لنا أن نظن لهم أن يحلفوا على القطع بما لم يعلموا، فضلاً عن الحكم به. فهذا الذي ذكرناه في هذا الباب هو السبيل في تخريج معاني أحاديث ليلة القدر وتمهيد قواعدها. والله أعلم. [١٤٣٩] ومنه: حديث عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره) المئزر:

стр. 451

الإزار كقولهم: ملحق ولحاف، ولما كان من شأن من يأخذ في العمل بجد وعزيمة أن يشدّ مئزره استعير ذلك للتشمير والانكماش في الطاعة والدأب في العمل، ويحتمل أن المراد به اعتزال النساء وترك النكاح بدواعيه وأسبابه. ومن باب الاعتكاف (من الصحاح) [١٤٤٥] حديث [١٦٧/ ب] ابن عباس ﵁ (كان رسول الله ﷺ أجود الناس ... الحديث). قلت: كان رسول الله ﷺ يسمح بالموجود لكونه مطبوعاً على الجود مستغنيا عن الفانيات

стр. 452

بالباقيات الصالحات إذا بدا له عرض من أعراض الدنيا لم يعره مؤخر عينيه، وإن عزّ وكثر. يبذل المعروف قبل أن يُسأل، وكان إذا أحسن عاد، وإذا وجد جاد\ن وإن لم يجد وعد ولم يخلف الميعاد، وكان يظهر منه آثار ذلك في رمضان أكثر مما يظهر منه في غيره لمعان، أحدها: أنه موسم الخيرات يقع العمل فيه من الله بمكان لا يقع في غيره من الشهور، وثانيها: أن الله يتفضّل على عباده في ذلك الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره، وكان ﷺ يؤثر متابعة سنة الله تعالى في عباده، وثالثها: أنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة أمين الوحي وتتابع أمداد الكرامة عليه في سواد الليل وبياض النهار، فيجد في مقام البسط حلاوة الوجد وبشاشة الوجدان، فينعم على عباده بما يمكنه مما أنعم الله عليه، ويحسن إليهم كان أحسن الله إليه؛ شكرًا لله على ما آتاه. وفيه (وكان أجود من الريح المرسلة) يحتمل أنه أراد بها التي أرسلت بالبشرى بين يدي نعمة الله وذلك لشمول روحها وعموم نفعها. قال الله ﴿والمرسلات عرفا﴾ أحد الوجوه في الآية أنه أراد بها الرياح المرسلات للإحسان والمعروف. ويكون انتصاب عرفًا بالمفعول له، فلهذه المعاني المذكورة في المرسلة شبَّه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين الأمرين فإن أحدهما يُحي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها، وإنما لم يقتصر في تأويل الخير على ما يبذله من مال ويوصله من جناح لما عرفنا من تنوّع أغراض المعْتَرَين به، واختلاف حاجات السائلين عنه. وكان ﷺ يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته، وينقع غلته، ويشفي علّته، وذلك المراد من قوله: أجود بالخير من الريح المرسلة.

стр. 453

[١٤٥١] ومنه: حديث عائشة ﵂ (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه). قلت: يحتمل أن يُخيل م قولها: (ثم دخل في معتكفه) إلى من ليس له معرفة بأيام الرسول وسننه أنه كان ينشيء الاعتكاف بعد صلاة الفجر. وهذا [١٦٨ / أ] وإن اختلف قول أهل العلم في المنع عنه والجواز فيه فلم يختلف أحد أن النبيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر بأيامها ولياليها ويبدأ به ليلة إحدى وعشرين، فليس لأحد أن يذهب إلى خلاف ذلك. فالمراد من المعتكف في هذا الحديث الموضع الذي كان يخلو فيه بنفسه من المسجد، فإن كان يفرد لنفسه موضعًا يستتر فيه عن أعين الناس. وفي معناه ورد الحديث الصحيح (اتخذ حجرة من حصير)، والحديث الذي فيه: (واعتكف العشر الأوسط في قبة تركية) وغير ذلك من الأحاديث.

стр. 454

ومن كتاب فضائل القرآن (من الصحاح) [١٤٥٤] حديث عقبة بن عامر الجُهني عن النبي ﵇: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان والعقيق ... الحديث)، بطحان يرويه الأكثرون بضم الباء وسكون الطاء ووجدت الحافظ أبا موسى رواه بفتح الباء وقد رواه أيضًا غيره. وعن أهل اللغة أنه بفتح الباء وكسر الطاء وهو اسم وادٍ بالمدينة وإليه ينسب البطحانيون. والعقيق: واد عليه أموال أهل المدينة، وهي على ثلاثة أميال. وقيل: على ميلين وهو عقيق المدينة. عق عن حرتها أي: قطع. وهو العقيق الأصغر وفيه بئر رومة. وهناك عقيق آخر أكبر من الذي ذكرنا وفيه بئر عروة وقد ذكره الشعراء في أشعارهم؛ وبالمدينة عقيق آخر ببطن ذي الحليفة وآخر ببلاد مزينة، وقد ذكرناه فيما مر. قلت: وإنما خص الموضعين بطحان والعقيق بالذكر؛ لأنهما كانا من أقرب الأودية التي كانوا يقيمون بها أسواق الإبل. وفيه: (بناقتين كوماوين) الكوماء الناقة العظيمة السنام، وإنما ضرب المثل بها؛ لأنها كانت من أحب الأموال إليهم، وأنفس المتاجر لديهم. وفيه: (ومن أعدادهن من الإبل) وعلى هذا القياس يوحد الآيات التي يُعلمها أو يقرَّئها خيرًا من أعدادهن، ثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع. فإنِ قيل: كيف تقرن بين الآية والناقة الكوماء في باب المخايرة، وعلى ماذا تقدَّر المعنى فيه، وقد علمنا بالأصل الذي لا اختلاف فيه من أمر الدين أن الآية الواحدة خير من الدنيا وما فيها؟. [قلنا قولنا: إن تعليم آية من كتاب أو قراءتها خير من ناقة كوماء، لا ينفى كونها خيرًا من الدنيا وما فيها؛ لأنا لم نقصر القول في الخيرية عليها، وإنما صدر هذا القول منه ﷺ على وفق ما كان المخاطب يغتنمه ويبتغيه وتعجبه خيرته من المال، لأنه ﷺ أراد أن يبين لهم أن اشتغالهم بأمر [الدنيا] خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، ولم يرد حقيقة بيان المقدار الواقع في المخايرة بين الشيئين، ويحتمل أنه أراد بذلك أنه خير لهم في أمر المعاش الذي يتوخونه من ناقة كوماء ...]. وفي معنى هذا الحديث، ومنه:

стр. 455

[١٤٥٥] حديث أبي هريرة ﵁[١٦٨/ ب]. الذي يتلو هذا الحديث وهو عن النبي ﷺ وفي حديثه (ثلاث خلفات)، الخلف - بكسر السلام - المخاض، وهي الحوامل من النوق وأحدهما خَلفة. وفي حديثه الدية كذا وكذا خلفة) يقال: خلفت الناقة: إذا حملت. وأخلفت فهي مخلفةٌ أي: لم تحمل وهي الراجح التي يظن أنَّ بها حملاً ثم لم تكن كذلك. [١٤٥٦] ومنه: حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : (الماهر بالقرآن مع الفرة الكرام البررة ... الحديث) المهارة: الحِذق في الشيء وقد مهرت الشيء مهارة. ومنه قيل للسابح: الماهر (والسفرة): الملائكة جمع سافر ككاتب وكتبة والأصل في ذلك السفر وهو كشف الغطاء والسفر بكسر السين الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، والسفير: الرسول بين القوم يزيل ما بينهم من الحوشة. فعيل بمعنى فاعل والسفارة: الرسالة في ذلك. فالرسول والملائكة والكتب مشتركة في كونها سافرة عن القوم بما استبهم عليهم والمعنى الجامع بين الماهر بالقرآن وبين الملائكة المكرمين وحفظة السفر الكريم عن الأمة أن الماهر بالقرآن تعلّم التنزيل واستظهره حتى صار من خزنة الوحي وأمناء الكتاب وحفظة السِفر الكريم، يسفر عن الأمة بما استبهم عليهم من ذلك، ويبين لهم حقائقه كما أن السفرة يؤدّونه إلى أنبياء الله المرسلين، ويكشفون به الغطاء عما التبس عليهم من الأمور المكنونة حقائقها. وفيه (والذي يتعتع فيه) التعتعة في الكلام: التردد فيه من حصر أو عيًَ يقال: تتعتع الرجل إذا تبلد في كلامه. وتعتعت الدابة إذا ارتطمت في الطين. وتعتعه: حرَّكه وتعتّعه التفكر وغيره فتتعتع. ويقال لكل من أكره في شيء حتى تقلق: تعتع. ومنه الحديث الذي يرويه مُخارق: (حتى يؤخذ للضعيف حقه غير متعتع) - بفتح التاءين - أي: غير مؤذي يعني من غير أن يصيبه أذَّى) [......]. وفيه: (له أجران) يعني أجر القراءة وأجر ما يعتريه في قراءته من المشقة. [١٤٥٨] ومنه حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل

стр. 456

الأترجة ...) الحديث، قلت هذا الحديث وإن بيَّن المعنى لا يكاد يخفى المراد منه على النكد البليد [١٦٩/أ] فضلاً عن القَطن اللبيب فإني لم آمن فيه عثرة من يستحوذه الشيطان ويستهويه فيخيل إليه قصورًا ما في [....] الفضل ومراتب الكمال ويسوس إليه أن البليغ إذا [نسج] على هذا المنوال يمكنه أن يأتي من الأمثال بما هو الشاهد عليه ألذّ وأطيب وأتم وأكمل من الأترجة وأنَّ في ذلك نزولاً من الأعلى إلى الأدنى والتفاتًا من الأمثل إلى الأرذل ويأبى الله أن يأتي أوفى اللفظ والمعنى بأعذب وأوجز وأتمَّ وأبلغ مما يأتي به الرسول - ﷺ ومعاذ الإله من التورُّط في هذه الهوة ومن هذا الباب دخلت الفتنة على أناسٍ أعمى الله عيني قلبهم حتى سمعوا الله يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه ويضرب للمشركين به المثل فضحكوا وقالوا ما يشبه هذا الكلام الله فرد الله عليهم بقوله ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾ فرأينا إماطة الأذى عن الطريق فنقول وبالله التوفيق: قد ذكرنا فيما مضى أن المثل عبارة عن المشابه بغيره في معنى من المعاني وأنه لإدناء المتوهم المشاهد، وكان النبي ﵇ يخاطب بذلك العرب ويحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم يشاهدوه فيجعل ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شهدوه، وعرفوه فيبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء لا سيما من الثمار الشجرية التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك: كبر جرمها؛ حيث لم يعرف في الثمار الشجرية أكبر منها، ومنها: أنها حسن المنظر، طيب الطعم لين الملمس، ذكيّ الأرج، تملأ الأكف يكبر حجمها وتكسيها ليناً وتفعم الخياشيم طيبًا وتأخذ بالأبصار صيغة ولوناً ﴿فاقع لونها تسر الناظرين﴾ تتوق إليها النفس قبل التناول تفيد أكلها بعد التلذذ بذواقها، طيب نكهة ودباغ معدة، وقوة هضم، اشتركت الحواس الأربعة دون الاحتظاء بها: البصر والذوب والشم واللمس وهذه الغاية القصوى [١٦٩/ب] في انتهاء الثمرات إليها فمنها ما ينقص منها وليس فيها ما يزيد عليها، ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائع قلما تنقسم عليها غيرها

стр. 457

فقشرها حارّ يابس ولحمها حار رطب وقيل بل هو بارد رَطب، وحماضها بارد يابس [وبزرها] حار مجفف وجملة هذه الأجزاء الأربعة في الأدوية الصالحة للأدواء المزمنة والأوجاع المُقلقة والأٍقام الخبيثة والأمراض المُردية كالفالج واللقوة والبرص واليرقان والعصب والبواسير والشربة من بزرها تقاوم السموم كلها وقشره مسمِن وعُصارة قشره ينفع من نهش الأفَاعي شربا وجرمُهُ ضماد، ورائحته تصلح فساد الهواء والوباء، فأية ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة وشمول المنفعة وكثرة الخواص ووفور الطباع. فإن قيل: قد ذكرت الأمثال إنما تضرب لكشف الغطاء، وإدناء المتوهم عن المُشاهَد وهذه الفوائد التي ذكرتها في الأترجة غير معدودة في الشواهد بل هي مما يتعنى به حذّاق الأطباء ويتوصل إليه بالحدس والتجربة ويخفى علم ذلك على كثير من الألباء فضلا عن الأغمار والسفهاء ثم إنك لو رأيت العبرة بها في التمثل للزمك القول بما احتوت عليه الحنظلة من جنس تلك الفوائد فإنها تدخل في جملة الأدوية. قلنا: نحن قد بنينا الكلام في هذا الباب على الأصول التي يستوي في معرفتها الذكي والغبي وهي لين المسّ وتصوع اللون وسُطوع الرائحة ولذاذة الطعم ثم ألحقنا بها تلك الفوائد مزيدًا للبيان فيما يختص إدراكه بأولى العلم وذوى الفهم ولا مشاكلة في تلك الأصول بين الأترجة والحنظلة من شيء من ذلك، كيف وهي من السُموم القتالة مع كونها من المرارة في الغاية والنهاية، ثم إنا نقول: إن الشارع ﷺ أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يهتدي إليها إلا من أُيَّد بالتوفيق فمنها: أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض ويخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال فإنها من ثمرات النفوس [والمثل هنا وإن] ضرب للمؤمن نفسه فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر عنه، لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجة والتمرة وهما [١٧٠/ أ] مما يخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيها على علو شأن المؤمن وارتفاع عمله ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة وتوقيفًا على ضَعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها فيسقيها ويُصلح أودَها ويربّها وكذلك المؤمن يقيض له من يؤديَّه ويعلمه ويهديه ويلم شعثه ويسّومه ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء أذلّ من نقع الفلا والمنافق الذي وكل إلى شيطانه وطبعه وهواه. [١٤٦١] ومنه حديث البراء بن عازب ﵁ (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان ... الحديث (الحِصَان - بالكسر - الكريم من فُحولة الخيل يقال: فَرسٌ حصَان بين التحصين والتحصين وسمّى به، لأنه ضنَّ بمائه فلم ينز إلاَّ على كَريمة ثم كثر ذلك حتى سّمَّوا كل ذكر من الخيل حِصَانًا.

стр. 458

وفيه (مربوط بشطنين) الشطن: الحبَل وقيل هو الحبل الطويل وإنما ذكر الربط بشطنين تنبيها على جموحه واستصعابه فإنّه لو كان لين العريكة لكفاه شطن واحد وإلى هذا المعنى التفت من قال في وصف فرس: كأنه شيطان في أشطان. وفيه (وجعل فرسه يَنَقُز) روى قوله ينقز في كتاب البخاري بالقاف والزاي المنقوطة من قولهم: قَفز يقفز قفزانا أي وَثب ويقال جاءت الخيل تَعُدو القنزى. وروى بالفاء من النفاد وفي بعض طرقه من كتاب البخاري وجعل فرسه ينزز وفي الترمذي (يركض) وينفر بالفاء أشبه بالصواب لما في كتاب مسلم (وجعل فرسه ينفر منها). وفيه أيضًا ينفز وكلا [الروايتين تبين] المراد. والاختلاف فيه من بعض الرواة. وفيه: (تلك السكينة تنزلت بالقرآن) مضى تفسير السكينة في كتاب العلم وإنما سمي تلك السحابة سكينة لسكون القلب إليها. وإظهار أمثال هذه الآيات على العباد من باب التأييد الإلهي يؤيد بها المؤمن فيزداد يقينًا ويطمئن قلبه بالإيمان إذا كوشف بها. وقوله (بالقرآن) أي لأجل القرآن أو تكون الياء للسبب وكلا القولين متقارب عن الآخر. [١٤٦٢] ومنه: حديث أبي سعيد [١٧٠/ب] بن المعلى الأنصاري الزُرَقى: (كنت أصلي فدَعاني النبي ﵇ ... الحديث) أبو سعيد هذا لا يُعرف في الصحابة إلا بحديثين أحدهما هذا وهو عند شعبة والآخر عند الليث بن سعد بإسناده عنه قال: (كنا نَغدُو إلى السوق على عهد رسول الله ﷺ فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله ﷺ على المنبر فقلت لقد حَدث أمر فجلست فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ حتى فرغ من الآية فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله فنكون أول من صلى ... الحديث) وقد رُوى ذلك عن غير أبي سعيد أيضًا وأما بيان قوله: (فما منعك أن تأتي)، فقلت: كنت أصلي فقال: (ألم يقل الله ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ فقد مرَّ منه ما فيه غنية في بيان حديث ذي اليدين). وفيه (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن) السورة كل منزلة من البناء ومنها القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الآخرى، أو قطعة مفردة من جملة القرآن، فكأنما أُخذ من سُور المدينة وهو حائطها المشتمل عليها تشبيها بها لكونها محيطا بها إحاطة السور بالمدينة وقول النابغة: ألم ترَ أن الله أعطَاك سورةً .... ترى كلّ ملك دونها يتَذبذبُ يريد شرفًا ومنزلة ولعلها سميت بذلك؛ لأنها المنزلة الرافعة. وإنما قال أعظم سورة اعتبارًا بعظم قدرها

стр. 459

وتفرّدها بالخاصية التي لم يشاركها فيها سورة ثم لاشتمالها على فوائد ومعان كثيرة مع قصرها ووجازة ألفاظها ولذلك سميت أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله ومن التعبُّد بالأمر والنهي والوعد والوعيد ثم إنها فاتحة الكتابة وفاتحة القرآن في الصلاة وهي الشافية والوافية وسورة الحمد، والحمد [أعلى] مقامات العبودية وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﷺ : ([يدي لواء الحمد يومَ القيامة آدم ومَن [١٧١ / أ] دونه تحت لوائي] وإنما يؤتي لواء الحمد؛ لأنه أحمد الحامدين ولا منزلة فوق ذلك ومنه اشتق اسمهُ وبه فتح كتابه وبه خُتم حاله ووصف مقامه وهو المقام الذي لا [يقوم] أحد غيره. وفيه (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) قَد علمنا من هذا القول أن المراد من قول الله ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ هو التعريف لموقع منة الله عليه بهذه السورة، ولقد سلك المفسرون في بيان الآية مسالك شتى أقومها وأسدها وأوضحها وأولادها ما ورد بمصداقه الحديث فإن قيل ففي الحديث السبع المثاني، وفي الكتاب سبعًا من المثاني فنشأ بها اختلاف بين الصيغتين إذا جعلنا (من) للبيان فإن قيل فإن كثيرًا من المفسرين ذهبوا إلى أنها للتبعيض ويؤيد هذا الوجه قول الله سبحانه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني﴾ والمراد منها سائر القرآن. قلنا الحديث الصحيح الذي نحن فيه يحكم عليهم بخلاف ما ذهبوا إليه والبيان إذا صدر من صاحب التنزيل وثبت لم يبق للمفسر قول وأما ما ذكر من مفهوم الآية فليس فيه ما ينافي معنى الحديث على ما ذكرناه لأن من الجائز أن يقال للقرآن مثاني جملة واحدة وللفاتحة على الانفراد مثاني، كما قيل لها القرآن، وهي من جملته فإن قيل كيف يصح عطف القرآن على السبع المثاني وعطف الشيء على نفسه مما لا يكاد يصح؟ قلنا: ليس من باب عطف الشيء معلى نفسه وإنما هو باب ذكر الشيء بوصفين أحدهما معطوف على الآخر والتقدير آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين وقوله: (السبع) بيان لعدد آياتها. وقد اختلف المفسرون في تفسير المثاني، فمنهم منَ يذهب إلى أنها من التثنية. ومنهم من يذهب إلى أنها من الثنا جمع مَثناة أو مثنية صفة للآية، وقد قيل في تأويله على القول الأول أنها يثنى على مرور الأوقات: يكررّ فلا ينقطع ويدرس فلا يندرس وقيل لما يثنى ويتجدد من فوائده حالاً فحالاً وقيل: لاقتران آية الرحمة بآية العذاب وعلى هذا [١٧١/ب]. فأقول ومما يشهد عليه القرآن من هذا القبيل وينخرط في سلك المثاني حقوق الربوبية وأحكام العبودية وبيان سبيلي السعادة والشقاوة ومصالح المعاد والمعاش وذكر الدارين ووصف المنزلين، وإن ذهب ذاهب في تأويلها إلى قول النبي ﷺ (وما من آية إلاّ ولها ظهر وبطن) لم نر إلا تصويبه وأما الذي يذهب إلى أنها من الثناء فلاشتماله على ما هو ثناء على الله تعالى فكأنها تثنى على الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أو لأنها أبدًا تدعو بوصفها المعجز من غرابة النظم وغزارة المعنى إلى الثناء عليها ثم إلى من يتعلمها ويعمل بها ويتلوها ويعلمها والمثاني فيما ورد به الحديث أنها الفاتحة محتملة لوجهين سوى ما ذكرناه، أحدهما أنها: سميت مثاني؛ لأنها يكرر في الصلاة، والآخر لاشتمالها على قسمي الثناء والدعاء ويقرب عن ذلك ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... الحديث) وقد مر فيما تقدم مبينا مشروحًا.

стр. 460

[١٤٦٣] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (لا تجعلوا بيوتكم مقابل .... الحديث) أي اجعلوا لبيوتكم حصّةً من الذكر والتلاوة والصلاة؛ لئلا تكون كالمقابر التي تورَّط أهلُها في مهاوى الفناء فقصرت مقدرتهم عن العمل وذلك نظير قوله ﷺ : (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا) وقد مر الحديث مبيَّن المعنى فيما تقدم من الكتاب. [١٤٦٤] ومنه حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه اقرءوا الزهراوين ... الحديث) الزهراوين أي المنيرتين الأزهر: النيرّ. ومنه قيل للنيرين: الأزهران قلت: وفيه تنبيه على أن مكان [السورتين على ما عداهما] من سورة القرآن فيها يلوح عليهما لأولى البصائر من أنوار كلمات الله التامات مكان القمرين من سائر النجوم فيما يتشعب منهما لذوى الأبصار من النور والضياء (يأتيان يوم القيامة) أي يأتي ثوابهما الذي يستحقه التالي لهما العامل بهما، على ذلك فسره علماء السلف. وفيه (كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف)، الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه [١٧٢ / أ]. مثل السحابة والغبرة والمظلة ونحو ذلك (والفِرْقُ) الفلق من الشيء إذا انفلق ومنه قوله سبحانه ﴿فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ وقيل للقطيع من الغنم فرق، وفرقان من طير أي: طائفتان منها. وصواف جمع صافة يقول صففت القوم إذا أقمتهم في الحرب على خط مستوٍ، وصفت الإبل قوائمها فهي صافة وصواف قال الله تعالى ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ أي قائمات. وقد صففن أيديهن وأرجلهن. وطير صواف: يصففن أجنحتهن في الهواء ومنه قوله سبحانه ﴿والطير صافات﴾. وفيه (تحاجان عن صاحبهما) الأصل في المحاجة أن يطلب كل واحد من المتخاصمين أن يرد صاحبه عن حجته ومحجته وأريد ها هنا مدافعة السورتين عن صاحبهما والذب عنه. وذلك داخل في المعنى المراد من المثل المضروب؛ لأنه إنما ضرب مَثل السورتين مرة بغمامتين وكرة بغيايتين وتارة بفرقين من طير لينبه على أنهما يظلاان صاحبهما عن حر الموقف وكرب يوم القيامة، وإنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع
следующие страницы →