← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وبدوابهم يقودهم إلى جنبه كهيئة المجنوب إلى حيث يحب أن تحمل ليزكيهم هنالك، وأرى هذا الوجه أشبه بنسق الكلام، وإن لم أجده في كتب أصحاب الغريب، وذلك لأن حكم النهي على صفة الحديث متعلق بالأخذ دون المعطى. وإذا فسرنا الجنب على أن أصحاب الأموال لا يجنبون عن مواضعهم تعلق حكم النهي بالمعطى، وقد قال ﷺ : (وإنما يؤخذ صدقاتهم في دورهم)، والجنب يفسر: بأن يركب فرساً فيركضه وقد أجنب معه فرساً آخر ليركبه إذا قارب الغاية فيسبق صاحبه ولا وجه له ههنا لما ذكرنا، ومعنى (في دورهم) أي: في منازلهم، وحيث يحلونها من محلاتهم، ومنه الحديث: (ما بقيت دار لأبني فيها مسجداً) أي محلة. [١٢١١] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: ألا من ولى يتماً له مال- الحديث. روى هذا الحديث المثنى بن الصباح عن عمرة بن شعيب عن أبيه عن جده، والمثنى بن الصباح يضعف في الحديث، وصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه كلام من تدليس وتعمية وأبهام. ومن باب ما تجب فيه الزكاة (من الصحاح) [١٢١٢] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة .. الحديث). الوسق: ستون صاعاً، وقال الخليل: الوسق حمل البعير، والوقر حمل البغل أو الحمار. قلت: الوسق من أوسقت الشيء، أي: جمعته وحملته فالمعنيان في الوسق مبنيان على ما ذكرنا في معنى وسقت الشيء. وفيه: (وليس فيما دون خمس أواق) الأوقية أربعون درهماً، يقال: أوقية وأواقي، كما يقال بختية وبخاتي غير مصروفة لأنها على زنة جمع الجمع، ولك أن تخفف الياء، ويقال أيضاً في جمعها: أواق بلا

стр. 387

ياء كما يقال: أضحية وأضاح، وذكر الخليل أن الأوقية سبعة مثاقيل، وقيل: سبعة ونصف، وليس في هذه الأقوال تضاد؛ لأن ذلك مما يختلف باختلاف [١٤١/أ] البلدان والأزمان، وقد كانت الأوقية فيما مضى أربعون درهماً على ما في الحديث فأما اليوم فما يتعارفه الناس ويقدر عليه [الأطباء] وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وهو استار وثلثا استار ومن عوام المحدثين من يرويها بمد الألف، كأنها جمع أوق وهو لحن. وفيه: (وليس فيما دون خمس ذود). الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهو مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير أذواد، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام هي ما بين ثنتين إلى تسع من الإناث دون الذكور وأنشد: ذود صفايا بينها وبيني .... ما بين تسع إلى ثنتين والمراد من خمس ذود خمسة من الإبل لا خمس أذواد، وإنما أضاف خمساً إلى ذود لإفادة التعريف، وقد ذكر أبو عمرة بن عبد البر أن بعض الشيوخ رواه في (خمس ذود) على البدل لا على الإضافة. قلت: وفيه وهن لمخالفته رواية الإثبات، ثم لما وجدناه في الحديث: (أعطانا خمس ذود) ولا وجه فيه [على] الإضافة، وقوله: (من الإبل) تأكيد في البيان. [١٢١٥] ومنه حديث أنس- ﵁ أن أبا بكر- ﵁ كتب له هذا الكتاب لما

стр. 388

وجهه إلى البحرين ... الحديث. أشار بلفظ: (هذا) إلى الكتاب إما لأنه كان مكتوباً عند المتحدث به عن أنس وهو ثمامة بن عبد الله بن أنس، أو أشار بن ثمامة أو أنس إلى ما تحدث به؛ لأنه افتتح أن يحدث به فكان في حكم الحاضر. وفيه: (فرض رسول الله ﷺ ) أي: قدرها، ويجوز أن يراد به الإيجاب وأضيف إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان هو الآمر به من قبل الله تعالى. وفيه: (بنت مخاض) المخاض: الحوامل من النوق، واحدتها خلفة، ولا واحد لها من لفظها. قال الأصمعي: إذا حملت النوق لتمام سنة من يوم [...] ومخاضاً، وولدها ابن مخاض، وذلك إذا استكمل الحول، ودخل الثانية، وقبل ذلك يسمى فصيلاً، وقال غيره: هن شول ما داجر منها الفحل، وابن المخاض الذي حملت أمه أو حملت الإبل التي فيها أمه، وإن لم تلقح هي وهذا هو المعنى في قولهم: ابن مخاض، وبنت مخاض؛ لأن الناقة الواحدة لا يكون ابنه نوق، فلكون أمها في نوق حوامل وضعت حملها معهن قبل ذلك سميت بنت مخاض فنسبت إلى الجماعة لحكم مجاورتها أمها، وابن مخاض نكرة، فإذا أردت تعريفه أدخلت عليه الألف واللام، إلا أنه تعريف جنس فإذا وضعت أمه غيره فصار لها لبن، قيل له: ابن لبون، وهو نكرة تعرف بالألف واللام. فأما وجه قوله: (بنت مخاض أنثى وبنت لبون أنثى) فلم أجد أحداً من أصحاب المعاني ذكر فيه شيئاً يشفي الغليل وقد سئلت عنه فكان جوابي فيه: أن الابن والبنت إنما يختصان بالذكر والأنثى عند الإطلاق في بني آدم، وأما في غير بني آدم فقد استعمل على غير هذا الوجه فقيل: ابن عرس وابن آوى، وابن دأية وابن قترة وابن الماء وابن الغمام وابن ذكاء وابن الأرض وبنت الأرض وبنت الجبل وبنت الفكر [١٤١/ب]. وما أشبه ذلك من الأسماء، وكل ذلك مستعار لمعان غير الذي يختص بالإنسان وكذلك نقول في ابن مخاض وابن لبون وبنت مخاض وبنت لبون، ويدلك على صحة ما ادعينا قولهم: بنات مخاض وبنات

стр. 389

لبون وبنات آوى، ولم يقولوا: أبناء لبون أو بنو مخاض، وقد ذكر عن الأخفش: بنو عرس وبنو نعش. فأما ابن مخاض وابن لبون فلم يذكر في جمعها اختلاف، فالتقييد الذي ورد في الحديث بنت مخاض أنثى، وبنت لبون أنثى لرفع الاشتباه بما ذكرناه من النظائر. وفيه: (ففيها حقة طروقة الجمل)، الحق بالكسر ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين، وقد دخل في الرابعة والأنثى حقة وحق أيضاً سمى بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه وينتفع به. يقال: هو حق بين الحقة، وهو مصدر وطروقة الحمل التي بلغت أن يضربها الفحل. وفيه: (ففيها جذعة)، يقال: للإبل في السنة الخامسة: أجذع وجذع، وهو اسم له في زمن ليس بن تنبت، ولا تسقط، والأنثى جذعة. وفيها: (فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة ..) المراد من الزيادة على ثلثمائة وهو مائة أخرى؛ لأنه علق الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قال (فإذا زادت)، تقل أن الزيادة اللاحقة بها مائة كاملة، ولم ينقل خلاف ذلك إلا في قول شاذ متروك. وفيه: (ولا تخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار). أراد بالهرمة التي نال منها كبر السن, وأخر بها، ولا ذات عوار أي: عيب، يقال: سلعة ذات عوار، بفتح العين، وقد تضم. وفيه: (ولا تيس إلا ما شاء المصدق). رواه أبو عبيد، بفتح الدال وتشديدها وهو الذي يعطي صدقة ماشيته، وخالفه عامة الرواة فقالوها بكسر الدال والتشديد، وهو الذي يأخذ الصدقات، وأكثر ظني أني وجدته في بعض المرويات بتشديد الصاد، وهو في معنى ما رواه أبو عبيد، وأصله المتصدق فقلبت التاء صاداً فأدغمت في مثلها، وبه ورد التنزيل ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ وقل من يتابع أبا عبيد في روايته هذه، وقد وجدت أبا جعفر الطحاوي يختار رواية أبي عبيد (وينصرها)، ويقول: هو عندي كما قال أبو عبيد: لأنه [...] على الذي وجب عليه، كان حراماً على العامل أخذه لما فيه من الزيادة على الواجب، وإن كان دونه كان حراماً عليه أن يأخذه بما عليه، وإن كان مثله في القيمة فهو خلاف النوع الذي أمر بأخذه لوجوبه على رب المال فحرام عليه أخذه بغير طيب نفس من صاحبه، فعلم أنه لم يرد به العامل، وإنما أراد به رب المال لأن [...] أو مثل ما عليه من نوع آخر. قلت: ولعل الذي يأخذ بهذا القول يجعل الاستثناء مختصاً بقوله: ولا تيس لأن رب المال ليس له أن يخرج في صدقته ذات عوار، وأما التيس فإنه وإن كان غير مرغوب فيه لنتنه وفساد لحمه فإنه ربما زاد على خيار النغم في القيمة لطلب الفحولة، ويشهد لهذا التأويل ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: (ولا تيس الغنم) [١٤٣/أ] أي الفحل الذي يضربها، والذي ذكرناه من كلام أبي جعفر، وإن كان صحيحاً فإن الرواية التي ذهب إليها الجمهور [....] العامل إذا كان [....] النظر والمصلحة؛ لأنه أبعد من الشبهة فهو يسعى لغيره ورب المال يسعى لنفسه. وفيه: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ...). اختلف العلماء في تأويله فمنهم من يقول: هو أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة، فالواجب فيها شاة فإن فرقها المصدق فجعلها أربعين أربعين كان فيها ثلاث شياه، وكذا إن كانا شريكين متفاوضين لا يجمع بين أغنامها ولا يجمع

стр. 390

بين متفرق به، والرجلان بينهما أربعون شاة، فإن جمعها كان فيها شاة وإن فرقها لم يكن فيها شيء وهذا قول أبي حنيفة في تأويله ومنهم من يقول: هو أن يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، فإذا أظلهما المصدق جمعوها لئلا يكون فيها إلا شاة واحدة. (ولا يفرق بين مجتمع) هو أن الخليطين إذا كان لكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما ثلاث شياه، فإذا أظلهم المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة [وشاة فيكون عليهما، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة]، وهو قول مالك، ومنهم من يقول: (لا يجمع بين متفرق) رجل له مائة شاة وشاة ورجل له مائة شاة فإذا تزكيا متفرقين ففيهما شاتان وإذا جمعتا ففيها ثلاث شياه، (ولا يفرق بين مجتمع) أي لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة فإنما عليهم شاة فإذا فرقت [...] وهو قول الشافعي- ﵁ قال: والخشية خشيتان، خشية الساعي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يكثر. روينا هذا القول عن الطحاوي عن المزنى عن الشافعين وقد قيل غير هذه الأقاويل لم نوردها حذراً عن الإسهاب. وفيه: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ..). معنى هذا الكلام على قول من ذهب إلى أن الخلطة لها تأثير في حكم الصدقة بين ظاهر، وأما من قال لا حكم للخلطة على ما ذكره القائلون بها، وإنما الحكم للأملاك دون ما سواها، فإنه يقول: معنى هذا القول ان يكون الرجلان لهما مائة وعشرون شاة لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث وطالبهما المصدق غير منتظر قسمة تلك الأغنام فإنه يأخذ من جملتها شاتين فما أخذ من الحصتين جائز عن المالكين فصاحب الثلثين يأخذ منه شاه وثلث شاة، وقد لزمه في الصدقة شاة، وصاحب الثلث قد أخذ منه ثلثا شاة، وقد لزمه شاة فيتراجعان بينهما بالسوية، يرجع صاحب الثمانين على صاحب الأربعين في غنمه بثلث شاة الذي أخذ [بحصته] عن الغنم بحصة زكاته حتى يرجع حصة صاحب ثمانين من الغنم إلى تسع وسبعين، وحصة صاحب الأربعين إلى تسع وثلاثين. (وفي الرقة ربع العشر) الرقة: الدراهم المضروبة، وأصله الورق والهاء عوض من الواو [١٤٣/ب] ويجمع على رقين، وفي أمثالهم إن الرقين تغطى أفن الأفين. [١٢١٦] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵄: (أو كان عثرياً ..) العثري بالتحريك: العذين وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر. [١٢١٧] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (العجماء جرحها جبار .. الحديث).

стр. 391

العجماء: البهيمة، وإنما سميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام أصلاً فهو أعجم ومستعجم. وقوله: (جبار) أي هدر، يقال: ذهب دمه جبار، أي هدراً، والمراد من العجماء التي جرحها جبار: الدابة المنفلتة من صاحبها ليس لها قائد ولا راكب يسلك بها سواء السبيل فمن جرحته أو أتلفته فلا دية فيه ولا غرامة، وإنما يكون ذلك جناية ذات ضمان إذا انضم إليها صنع من صاحبها سائقاً أو قائداً أو راكباً، فلا (يصرفها) إلى وجهها ولا يردعها. وفيه: (والبئر جبار ...) أي إذا انهار البئر التي يأمر الإنسان بحفرها في ملكه، أو المعدن على من يعمل فيهما فهلك، لم يؤخذ به مستأجره، وفي البئر وجه آخر، وهو أن يحفر الإنسان بفلاة من الارض بئراً يستقي منها أبناء السبيل فيقع فيها إنسان فيهلك، لا يلزم الحافر شيء. وفيه: (وفي الركاز الخمس ...)، قيل دفين أهل الجاهلية، كأنه ركز في الأرض ركزاً، ومنه نقول: أركز الرجل، إذا وجد الركاز، وهو عند أهل الحجاز المال العادي على ما ذكرناه، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: المراد منه في الحديث: المعدن، واستدل بحديث عمرة بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سال رسول الله ﷺ عما يوجد في الخراب العادي، فقال: فيه وفي الركاز الخمس، فقال: أخبر بدءاً عن المال المدفون، ثم عطف عليه الركاز والمعطوف غير المعطوف عليه. وقد ذكر أبو بكر الرازي بإسناده عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (في الركاز الخمس) قالوا: يا رسول الله، وما الركاز؟ قال: الذهب والفضة الذي خلق الله في الأرض يوم خلقه). قلت: حديث عبد الله بن سعيد عن أبيه (عن ....) غير محتج به، فإن أهل العلم بالجرح والتعديل تكلموا فيه، فأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فصالح، وأكثر أهل الحديث يحتجون به ويثبتونه، لاسيما إذا عرف أن الضمير في جده راجع إلى أبي عمرة لا إلى عمرو إذ ليس فيه مقال إلا من هذا الوجه، وتسمية المعدن بالركاز إن لم يوجد في أهل اللغة فإنها سائغة من طريق المقاييس اللغوية، وقد نقل عن محمد بن الحسن الشيباني وهو مع رسوخه في الفقه يعد من علماء العربية أنه قال: إن العرب تقول: ركز المعدن إذا كثر [١٤٤/أ] ما فيه من الذهب والفضة. (ومن الحسان) [١٢١٨] قوله ﷺ في حديث على ﵁: (وفي البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة).

стр. 392

التبيع خص بولد البقر إذا اتبع أمه بعد تمام سنة، والأنثى تبيعة، والمتبع من البهائم التي يتبعها ولدها، وولد البقرة في أول سنة عجل ثم تبيع ثم جذع ثم ثنى ثم رباع ثم سديس ثم سالغ، يقالك سلغت البقرة إذا اسقطت السن التي خلف السديس، فهي سالغ وصالغ وكذلك الأنثى بغير الهاء والمسنة هي البالغ، يقال لها: سالغ سنة وسالغ سنتين إلى ما زاد. [١٢٢٠] حديث أنس- ﵁ عن النبي ﷺ : المعتدي في الصدقة: أراد أن العامل الذي يعتدي في أخذ الصدقة عن مقدار الواجب هو في الوزر كالذي يمتنع عن أداء ما وجب عليه. [١٢٢٤] ومنه حديث سهل بن أبي حثمة- ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: (إذا

стр. 393

خرصتم فدعوا الثلث ... الحديث) الخرص: حزر ما على النخل من الرطب تمراً، وقد خرصت النخل، والاسم الخرص بالكسر، يقال: كم خرص أرضك. وقد روى أبو داود هذا الحديث في كتابه، وفيه: (إذا خرصتم فجدوا ودعوا الثلث) وكذلك رواه أبو عيسى في كتابه، ومن رواة الكتابين كتاب أبي داود وكتاب أبي عيسى من يرويه بالجيم من الجداد، ومنهم من يرويه فخذوا بالخاء والذال المعجمتين من الأخذ، وأراها أولى الروايتين لما رواه أبو عبد الرحمن في كتابه: (إذا خرصتم فخذوا أو دعوا الثلث فإن لم تأخذوا أو تدعوا- شك شعبة- فدعوا الربع، وقد سقط هذا اللفظ المختلف فيه عن كتاب المصابيح أو تركه للالتباس الذي فيه، والحديث لا يقرر معناه في نصابه إلا بعد الإتيان به على نعت التمام مع استيفاء طرقه، وإذ قد أعطينا اللفظ حقه نأخذ في تقرير معناه. فأما قوله: (فجدوا ..) فالمعنى لا تقدموا على صرام النخل حتى تخرصوها فإذا خرصتموها فجدوا، وأما الرواية الأخرى فمعناها: إذا خرصتم التمرة فخذوا منها ما شيءتم، وأما تأويل الحديث على ما رواه النائي: هو أن نقول: ظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الخرص كان في مال الفيء من أموال خيبر

стр. 394

والنضير دون ما يجب فيه العشر خاصة بحكم الزكاة، وذلك لأن ما وجب فيه العشر لم يؤخذ منه الثلث، فأما أرض خيبر فإن النبي ﷺ عامل يهود خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، وما حط عنه الثلث لقوله: (فدعوا الثلث) فإن شطر ما بقى ثلثاً آخر، فسواء في هذه الصورة قوله: (فجذوا الثلث). وقوله (فدعوا الثلث) كان شطر ما بقى آخر، فسواء سمع الراوي كلا الروايتين أو احديهما. وأما وجه الأمر بحط الثلث فلما تختزنه الأكلة [١٤٤/ب] وتنتابه العافية، ولما وقع على الأرض من السقطات، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ كان يقول للخراص- إذا بعثهم- (احتاطوا لأهل الأموال في النابتة والواطئة). قلت: الواطئة، قيل: إنها السابلة، وقيل: فاعلة بمعنى مفعولة، أي: الموطوءة وهي الساقطة وقد ذكر أبو داود في كتابه بعد هذا الحديث أن الخارص يدع الثلث للخرفة كذلك. قال يحي القطان: وقد اختلف العلماء في إثبات الخرص والعمل به، فأما الذاهبون إليه فإنهم استدلوا بهذا الحديث وحديث عائشة وابن عمر وعتاب بن أسيد وجابر ﵃، وقالوا: إن الصحابة عملوا به بعد النبي ﷺ وأما من أبي تجويزه والعمل به، فإنه يقول: قد روينا عن جابر أن رسول الله ﷺ (نهى عن الخرص)، وقد اتفق المسلمون على أن بيع الرطب بالتمر نسيئة غير جائز، وفي ذلك تمليك رب المال ما وجب في ماله من حق الله رطباً بمكيلته تمراً نسيئة. وفي حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ (نهى عن بيع المزابنة التمر بالتمر إلا لأصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل تمر بخرصه. وكان الشعبي ينكر الخرص، وهو من كبار التابعين بالكوفة [....] الصحابة. وفي حديث سهل بن أبي حثمة: (فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) فكيف العمل به، وليس لرب المال أن يعطي دون ما وجب عليه، ولا للعامل أن يأخذ منه فوق ما وجب عليه. ثم إنا نرى الأمر بخلاف ذلك في غيره من الحقوق الشرعية، فعلينا أن نأول أحاديث الخرص على وجه نبين به تلك القواعد؛ فمن قائل من أهل هذه المقالة: أن الخرص شرع قبل تحريم الربا، وكان العمل بالظن والتخمين في أمثال ذلك جائزاً يومئذ، فلما حرمت الربا نسخ ذلك، وهذا التأويل غير مستبعد لولا حديث عتاب بن أسيد فإنه من مسلمة الفتح، والربا كانت يومئذ محرمة، وقد قال النبي ﷺ يوم فتح مكة في خطبته: (وربا الجاهلية موضوعة). ومنهم من يقول: إنما أمر بالخرص تخويفاً للأكرة وأجراء النخيل وأحراسها والقائمين بأمرها كيلا يخونوا. وقد كان ﷺ عامل يهود خيبر فكان يبعث إليهم عبد الله بن رواحة ليخرصها عليهم؛ لأنهم كانوا فجاراً خونة يستحلون مال الله، وهذا أمثل المقولين.

стр. 395

قال أبو جعفر الطحاوي: إنما أريد بالخرص الذي أمر به ابن رواحة أن يعلم مقدار ما في أيدي كل قوم فيؤخذ منهم بقدره وقت الصرام، لا أن يملكوا شيئاً مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم، وكيف يجوز ذلك ويحتمل أن يصيب الثمرة آفة فتتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها بدلاً مما لم يسلم له. قال: وكذلك نقول في حديث عتاب بن أسيد وغيره [١٤٥/أ]. [١٢٣١] ومنه حديث أورده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن مرسلاً (أن النبي ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المزني المعادن القبلية ..) الحديث. أقطعه الإمام قطيعة أي طائفة من أرض الخراج، والإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك. وكان عمر- ﵁ يرى أن الإقطاع من الإمام ليس على وجه التمليك لم يقطع له إنما هو على وجه الإرفاق والإمتاع، ولهذا قال لبلال بن الحارث المزني: ما أقطعك رسول الله ﷺ العقيق (لتحتجنه) فأقطعة الناس، ومعنى قوله: (لتحتجنه) أي: تحوزه وتمتلكه، دون الناس. والمعادن القبلية: المحفوظ عند أصحاب الحديث بفتح القاف والباء، وكسر اللام. وزعم بعضهم أنها منسوبة إلى قبائل العرب، من قولهم: رجل قبلي، إذا نسب إليها، وقيل: القبلية منسوبة إلى ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: القبلية موضع بعينه من ناحية الفرع، والفرع موضع بأعالي المدينة واسع، وفيه مساجد للنبي ﷺ ، وبه قرى كثيرة، وهو بين الحرمين، وفي كتاب الأمكنة: القبلية بكسر القاف بعدها باء مفتوحة، والعقيق الذي ذكر في حديث عمر- ﵁ هو الذي ذكر في هذا الحديث بالمعادن القبلية، وفيه بئر على مقربة منه، وهو من بلاد مزينة، ولفظ الحديث على ما وجدناه: (أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح للزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم). وحديث بلال هذا سمعناه من كتاب المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني بإسناده إلى بلال بن الحارث، وفي بعض ألفاظه اختلاف. وقوله: (جلسيها وغوريها) أي ما ارتفع منها وما انخفض. والجليس: الغليظ من الأرض، ومنه جمل جلس وناقة جلس، أي: وثيقة والجلس أيضاً نجد وإياه عنى في الحديث، وقوله: (من قدس) هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة، وقيل: هو جبل. قال الجوهري: (وقدس) بالتسكين جبل عظيم بأرض نجد، وفي كتاب الأمكنة: (وحيث يصلح الزرع من قريس)، قال: وقرس وقريس جبلان قرب المدينة.

стр. 396

ومن باب صدقة الفطر (من الصحاح) [١٢٣٣] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام .. الحديث)، هذا الحديث روى عن أبي سعيد من وجهين: أحدهما على ما هو في كتاب المصابيح، والآخر ما رواه مسلم أيضاً في كتابه عن أبي سعيد: (كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير .. الحديث)، وكلتا الروايتين مخرجة في الصحاح وبهذا الاختلاف، أعني قوله في رواية [١٤٥/ب] (أو صاعاً من أقط) بعد قوله: (صاعاً من طعام). وقوله في الرواية الأخرى: (صاعاً من طعام، وصاعاً من أقط) من غير لفظ أو يختلف المعنى، لأنه إذا قيل صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط كان المراد من الطعام نوعاً آخر لم يذكر في الحديث تفصيلاً، ولهذا قيل: إن المراد منه البر، وزعم بعضهم أن الطعام عندهم اسم خاص للبر، قال: وهو أغلى ما كانوا يقتاتونه في الحضر والبدو، فلولا أنه أراد بالطعام الحنطة لذكرها عند التفصيل، كذكره سائر أقواتهم، وأما الرواية الأخرى، فإنها تدل على أنه أراد بالطعام ما فصل بعده واسم الطعام شامل لجميع ذلك، وهذه الرواية أشبه بالروايتين لقول أبي سعيد في بعض طرق هذا الحديث: (كنا نخرج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا، عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، من ثلاثة أصناف: صاعاً من تمر،

стр. 397

صاعاً من أقط، صاعاً من شعير، فلم نزل نخرجه كذلك، حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بر يعدل صاعاً من تمر). قلت: ولو كان الأمر على ما ادعاه؛ لم يكن أبو سعيد ليقول هذا القول، ويسكت عما يجده من العلم

стр. 398

بحقيقة ذلك، وهو الراوي لذلك الحديث، ومما يؤيد ذلك حديث ابن عباس: (وأنصف صاع قمح)، وقد رواه أيضاً غيره، وقد اختار أبو داود في كتابه هذه الرواية التي نصرناها. ومن باب من لا تحل له الصدقة (من الحسان) [١٢٤٣] حديث عبد الله بن عمرو- ﵂ عن النبي ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي)، المرة: القوة. من قولهم: أمررت الحبل: إذا فتلته، والمرير والممر: المفتول. وفلان ذو مرة: أي قوي محكم القتل. وسوي: أي قويم الخلق معتدله، كأنه المستوي في الخلقة على طريق الاستقامة، المصون عن الإعوجاج في طرفي الإفراط والتفريط. فأما تأويل الحديث وتقرير معناه عند من لا يرى القوة على الكسب محرمة للصدقة على الفقير، فإنه يقول: أمر رسول الله ﷺ معاذاً، لما بعثه إلى اليمن، أن يأخذ الصدقة من أغنياء المسلمين، فيضعها في فقرائهم، فكان الأغنياء منهم هم المأخوذ منهم، ومن سواهم ممن لم يؤثر بالأخذ منهم غير أغنياءهم الفقراء، فأخذنا بذلك؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ وقد كان ﷺ يعطي الصدقة فقراء أصحابه، وأكثرهم أصحاء أقوياء، لا زمانة بهم. في حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه قال: (أمرني رسول ﷺ على قومي، فقلت: يا رسول الله: اعطني من صدقاتهم، ففعل وكتب لي بذلك كتاباً، فاتاه رجل فقال: يا رسول الله، اعطني من الصدقة، فقال: (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك) فالنبي ﷺ أمر الصدائي وأعطاه من الصدقة، ولم يكن ليؤمره إلا وهو صحيح البدن، سوي الخلق، ثم لم يمنعه ذلك (١٤٦/أ)

стр. 399

عن دفع الصدقة، ولم يكن ليأمره إلا وهو صحيح إليه. ثم سأله رجل آخر، فقال: إن كنت من الأصناف الثمانية .. الحديث، فرد بذلك حكم الصدقات إلى مارده الله إليه، فكل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف، فهو من أهل الصدقات، زمنا كان، أو صحيحا، شهد بذلك التنزيل، وحكم بصحته السنة، فقوله: (لا تحل الصدقة .. الحديث) ينزل منزلة الكراهة والتغليظ له؛ لئلا يتكل على صدقات الناس، ويزاحم ضعفاء الفقراء فيما هم أحق به منه، أي: لا تحل له من جميع الوجوه والأسباب التي يتكامل بها الاستحقاق. قلت: وقد يقال: لا يحل لمسلم أن يبيت شبعان وجاره غرثان، وإلى نحو ما ذكرناه أشار الطحاوى في كتابيه: مشكل الآثار، وشرح الآثار، وقد رأيت تخريج معنى هذا الحديث على غير هذا الوجه أيضا وهو أن نقول حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ هذا رواه شعبة ولم يرفعه، ورواه سفيان مرفوعا. وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو- ﵁ عن النبي ﷺ : لاحق في الصدقة لغنى، ولا لقوى مكتسب وروى أيضا عنه: (لاحظ) وقد روى عن النبي ﷺ بطرق كثيرة وأسانيد صحيحة: (لا تحل المسألة لغنى، ولا لذي مرة سوى) وقوله: (لا تحل الصدقة) لم يوجد إلا في الحديث الذي أوردناه، فلعل الراوي، أو بعض من سمعه من الرواة لم يفرق بين قوله: (لا تحل المسألة) وبين أن يقال: (لا تحل الصدقة) فرواه كذلك. وذكر أبو عيسي الترمذي في كتابه- بعد روايته هذا الحديث وذكره، اختلاف شعبه وسفيان- أن وجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة. قلت: وتحريم المسألة غير تحريم الصدقة، فنقول: إذا حرم المسألة على القوى المكتسب؛ لئلا يتخذ السؤال كسبا، ولا يتسع فيه، فإن السؤال مذلة، وليس للمؤمن أن يذل نفسه، إلا إذا لم يجد منه بدا، وقد كان النبي ﷺ يأمر الفقراء بالتعفف ثم يسهم لهم من الصدقات، ولما كان القوم حديثي عهد بجاهلية، لم يتمرنوا على ترك الحظوظ العاجلة، ثم إن النفوس- لما جبلت عليه من حب المال- لو وكلت إلى ما في طباعها من الركون إلى الدنيا، لاسترسلت في الطمع، واشرأبت إلى السؤال واتخذته دأبا، ثم لم يزه ذلك إلا شرها ودناءة، اقتضى النظر النبوي أن يردعهم عن هذه الردغة، ويمنعهم عن هذه الردهة، لئلا يذهب بهم الهوى كل مذهب، فزجرهم عن السؤال كل مزجر، وأخبرهم أن السؤال شين في الوجه، وكدوح خموش يوم العرض الأكبر، ثم أوجب على أولى الأمر وذوى الأموال أن يوصلوا إليهم حقوقهم؛ لئلا يكون على المعطى حرج ولا على الآخذ منقصة. ومن باب من تحل له المسألة (من الصحاح) [١٢٤٦] حديث قبيصة بن المخارق الهلالي- ﵁ قال: (تحملت حمالة) الحمالة بالفتح:

стр. 400

ما يتحمله الإنسان عن القوم من الدية والغرامة، وصاحب الحمالة الذي أحل له رسول الله ﷺ المسألة في حكم الإسلام- على ما ذكره في هذا الحديث- هو الذي يقع حرب بين فريقين فيسفك فيها الدماء، فيتحمل تلك الديات [١٤٦/ب] رجل ليصلح ذات البين. وفيه (ورجل أصابته جانحة فاجتاحت ماله) أي: استأصلته. والجانحة: المصيبة تحل بالرجل في ماله، إما من سنة أو من فتنة، من الجوح والاستئصال. يقال: حاجتهم الجائحة، واجتاحتهم. وجاح الله- ماله، وأجاحه: أي: أهلكه بالجائحة. وفيه: (قواما من عيش) أو قال: (سدادا). قوام الشيء: ما يقوم به. والسداد: ما يسد به الخلل، وبه سمى سداد الثغر وسداد القارورة؛ قال العربي: أضاعوني، وأي فتي أضاعوا ..... ليوم كريهة، وسداد ثغر والسين منه مكسورة، ومن فتح فقد أخطأ، فإنه بفتح السين مصدر قولك: سدد، أي فلان يسد، سدادا، وهو الصواب والقصد من القول والعمل. وفي حديث علي- ﵁: (من تزوج ذات جمال ومال فقد أصاب سدادا من عوز) فمن الرواة من يفتح سينة اتباعا للراوية عن هشيم بن بشير، فإنه رواه كذلك، وقد لحنوه. وفيه: (حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجي) أي: من ذوي العقل، فإن قيل: ما وجه التنصيص على: (ثلاثة من ذوي الحجي) في الإعلام بأمر من أصابته الجائحة؟ قلنا: نحن وإن علمنا أن الخلق عبيد الله، يتعبدهم بما يشاء من أمره، فله أن يجعل الحجة في هذه القضية مثبتة بثلاثة كما جعلها مثبتة في هلال رمضان بواحد، وفي الحقوق الواجبة باثنين، وفي الزنا بأربعة، ولكنا وجدنا تلك الصور مثبتة بصريح الحكم، مبنية على النصوص المبنية، ووجدنا الأمر في هذا الحديث معدولا به عن صيغة الشهادة، ثم إنا وجدنا الأحكام الراجعة إلى الدماء والأموال والفروج مثبتة بشهادة اثنين، وليس الأمر فيها بأيسر من الأمر في هذه القضية، بل هذه أقرب- فيما يهتدي إليه من النظر- إلى التسامح والتساهل فيها، فالوجه فيه: أنه جعل الأمر فيه إلى ثلاثة من طريق الاستحباب، لا من طريق الوجوب؛ ليكون ذلك إبراء للسائل عن التهم فيما يدعيه، وأبلغ في الزجر له عن السؤال، يجد بدا عن الخوض فيه، وأصون لغرضه، وأنقى لمروءته، وأدعى الناس إلى قضاء حاجته، وسد خلته، لاسيما إذا كانوا من ذوى الأقدار والعقول حتى يكفى.

стр. 401

[١٢٤٨] ومنه: حديث ابن عمر- ﵂ عن النبي ﷺ : (ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتى يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) المزعة بالضم: قطعة لحم، ويعبر بها عن القليل. يقال: ما عليه مزعة، وما في الإناء مزعة من الماء، أي: جرعة. والمراد به ما يلحقه في الآخرة من الغضاضة والهوان من ذل السؤال. هذا، وقد عرفنا الله- سبحانه- أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال الله تعالي ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ فالذي [١٤٧/أ] يبذل وجهه لغير الله في الدنيا، من غير ما بأس وضرورة، بل للتوسع والتكثر يصيبه شين في الوجه بذهاب اللحم عنه، ليظهر للناس على صورة المعنى الذي خفي عليهم منه. [١٢٥١] ومنه: قول حكيم بن حزام- ﵁ في حديثه: (والذي بعثك بالحق، لا أرزأ بعدك

стр. 402

أحدا شيئا) أي: لا أنقص؛ أراد: إني لا أسأل أحدا شيئا فأنقصه ماله، وأصل هذه الكلمة من قولهم، رزأت الرجل، أرزأه رزأ ومرزئة: إذا أصبت منه خيرا. يقال منه: رزأته ماله، وما رزأته ماله. أي: ما نقصته. ورجل مرزأ، أي: كريم، يصيب الناس خيره. وفي حديث سراقه: (فلم يرزانى) أي: لم يأخذا منى شيئا. وفي حديث المرأة صاحبة الماء: (مارزأناك من مائك شيئا). وفي الحديث: (لولا أن الله لا يجب ضلالة العمل ما رزيناك غفالا) وزعم بعض المتأخرين أن الفصيح رزأناك، ثم قال: وكل مهموز يجوز همزه، وهو من لغة النقل. وظهر لنا من قوله هذا، أن الراوية عنده بإظهار الياء، وليس الأمر على ماتوهمه. فإن العرب تقول: رزأته ورزيته، بفتح الزاي وكسرها. [١٢٥٦] ومنه: حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ : (من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح).

стр. 403

قلت: هذه الألفاظ متقاربة المعاني وكلها يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، والظاهر أنه قد اشتبه على الراوي ما تلفظ به النبي ﷺ من هذه الثلاث، فذكر سائرها؛ احتياطا في مراعاة ألفاظه، ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون النبي ﷺ ذكرها على ما في الحديث، وذلك أظهر لفقدان البيان في الوجه الأول، وعلى هذا فيكون دخول (أو) للتقسيم لا على سبيل الارتياب وفي هذا الوجه يفتقر أن نفرق من الألفاظ الثلاثة في المعني ليصح التقسيم، فيقول: الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش، يقال: خمشت المرأة وجهها: إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها، والخمش يستعمل على معنى القطع يقال: خمشنى فلان، أي: قطع منى عضوا. ومنه حديث قيس بن عاصم المنقرى: (كانت بيننا وبينهم خماشات في الجاهلية) قال النضر بن شميل: ما دون الدية فهي خماشات، مثل: قطع يد أو رجل أو أذن. قلت: ولا يستعمل الخدش مكان الخمش في هذا الموضع، فتبين لنا أن الخمش أبلغ في معناه من الخدش، والخدش أبلغ من الكدح؛ لأن الكدوح يقال للآثار التي تظهر من الخدش والعض ونحوه، وإنما يقال للحمار: مكدح، إذا كان به آثار العضاض. ولما كان الناس في المسألة على ثلاث مراتب: مقل، ومستكثر ومفرط فيها، ذكر هذه الأقسام الثلاثة، ليبين بها منازل هؤلاء الثلاثة، فيما ينالهم من الهوان وسقوط الجاه والمنزلة. ومما يحتاج إلى البيان من هذا الحديث: أنه فسر ما يغنيه بخمسين درهما، وفي الحديث [١٤٧ ب] الذي يتلوه وهو حديث سهل بن الحنظلية مما يغديه ويعشيه، وبغير ذلك مما سنذكره وقد تكلم الشيخ أبو جعفر الطحاوي في شأن هذه المقادير، ووجه التوفيق بينها، ونحن نذكر زبدة كلامه، ثم نردفها بما قيض لنا من البيان، إن شاء الله. ذكر أبو جعفر حديث سهل بن الحنظلية، وفيه قال: (وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه) وقد أخرجه أبو داود في كتابه، ثم ذكر حديث الأسدي، وقد أخرجه أيضا أبو داود في كتابه، عطاء بن سيار، عن رجل من بني أسد، قال: (ذهبت إلى رسول الله ﷺ أسأله إلحافا) قال أبو جعفر: والأوقية يومئذ أربعون درهما. ثم ذكر حديث ابن مسعودـ الذي شرعنا في بيانه، ثم روى بإسناد له عن عبد الحميد بن

стр. 404

جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة، أنه أتى أمه، فقالت: يا بني لو ذهبت إلى رسول الله ﷺ فسألته؟ قال: فجئت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يخطب الناس، وهو يقول: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن سأل الناس وله عدل خمس أوراق فقد سأل إلحافا). قال: فوجه التوفيق أن نقول: أول المقادير التي حرمت بها المسألة، هو المقدار الذي في حديث سهل ابن الحنظلية، ثم تلاه تحريمها بما في حديث الأسدي، ثم بما في حديث ابن مسعود، ثم بما في حديث المزني، فنسخ الثاني الأول، والثالث الثاني، والرابع الثالث، وتناهي تحريم المسألة على ما هو في حديث المزني، وهو القدر الذي يتجاوز به صاحبه عن حد الفقر إلى حد الغنى. وإنما قلنا: إن الأكثر ناسخ للأقل؛ لأن الله- سبحانه- إنما يرد الأمر من الأخف إلى الأغلظ، إذا كان عقوبة، وإذا كان رحمة رده من الأغلظ إلى الأخف، وإذا لم يذكر تحريم المسألة لذنب استحقوا عليه تلك العقوبة به؛ رأينا أنه رحمة من الله تعالى رد العباد فيه من التغليط إلى التخفيف، ورحم الله أبا جعفر، فإنه لم يزل يجتهد في نفي الإحالة والتناقض عن كلام رسول الله ﷺ حتى رفع علما من هذا العلم يهتدي به الدراجون في هذا الطريق إلى معالم المعاني، ونحن نقتفي في هذا الباب ما نرجو إن خالفناه فهو الذي علمنا الخلاف، فمن ذلك ما رأيناه في هذه الأحاديث الأربعة، أن العباد ردوا فيها من الأخف إلى الأغلظ، وأن الأقل ناسخ للأكثر، لما وجدنا في الحديث من الدليل أن السبب في تحريم المسألة سؤال الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ رداءه، وهو حديث حبشى بن جنادة- ﵁ والحديث مذكور في كتاب المصابيح في هذا الباب، إلا أنه اختصر، وقد رواه أبو عيسي [١٤٨/أ] في كتابه بتمامه، ولفظ حديثه: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع، وهو واقف بعرفة، أتاه أعرابي، فأخذ بطرف ردائه، فسأله إياه فأعطاه، فعند ذلك حرمت المسألة، فقال رسول الله ﷺ : (إن المسألة لا تحل لغنى ولذي مرة سوي، إلا لذي فقر مدقع، أو غرن مفظع، ومن سأل الناس ليثرى به ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة، ورضفا يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر) فتبين لنا من هذا الحديث أن تحريم المسألة كان لأجل إلحاح الأعرابي في السؤال، ومجاوزته حد الأدب في حضرة النبي ﷺ لا سيما في ذلك المجمع العظيم الذي لا ينبغي أن يسأل هنالك إلا عفو الله وغفرانه والدار الآخرة، ولم يحرم قبل ذلك، فحرمت لأجل مسألته. والتحريم على هذه الصيغة إنما يكون على وجه العقوبة، وإذ لم ينتهوا، ضيق عليهم فيها، فلم يزالوا يناقصون في تلم المقادير، حتى أل الأمر إلى تحريمها على من يجد غداء أو عشاء؛ لأنه استغني بذلك في ساعته تلك عن السؤال، وإنما أبيحت المسألة لضرورة ولا ضرورة هنالك، والله أعلم. ونرى فيه وجها آخر: وهو أن نقول: قد علمنا بالأحاديث الصحاح أن السؤال من غير ضرورة وحاجة ماسة منهي عنه، غير مرضى للمؤمن، فإنه يورث المذلة في الدنيا، والمنقصة في الدين، ثم إن الناس مختلفون في حال السؤال، اختلافهم في الصبر والاحتمال والمؤن والضرورات، فاختلاف بيان المقادير صدر عن النبي ﷺ على حسب مراتب الناس في ذلك، وعلى مقدار ما عرف من حال السائل، ونهاية المقادير في ذلك ما تبلغ بصاحبه إلى حد الغني، وهو النصاب، وهذا المقدار لا يحل معه المسألة، ولا الصدقة، والمقادير الآخر على ما بينا من حكم الضرورة لا تحل معها المسألة، وتحل معها الصدقة، فإنه لم يذكر في

стр. 405

شيء منها تحريم الصدقة، وإنما ذكر فيها تحريم المسألة، إلا ما ذكرنا من نهاية المقادير، فإنه يفيد الغني، والغني لا تحل له الصدقة [١٤٨/ب]. وأما تفسير ما في حديث حبشي بن جنادة السلولى، من قوله ﷺ : (إلا لذي فقر مدقع) قال بعض العلماء: أصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه الفقر الذي يفضي به إلى التراب، لا يكون عنده ما يتقي به التراب، فعلى هذا المدقع، أي: الملصق بالدقعاء. قلت: ويصح أن يقال: المدقع، الذي يفضي به إلى الذل، وهو سوء احتمال الفقر، ويقال: دفع الرجل- بالكسر- أي: لصق بالتراب ذلا. ومنه الحديث: (إذا جعتن دقعتن) أي: خضعتن. (أو غرم مفظع) فظع الأمر- بالضم- فظاعة، فهو فظيع، وأفظع فهو مفظع، أي: شنيع جاوز المقدار، وأراد به الديون الفادحة التي تهبط صاحبها. وفي غير هذه الراوية: (أو دم موجع) وهو الذي يوجع أوليا المقتول، فلا يكاد نائرة الفتنة تطفأ فيما بينهم، فيقوم له من يتحمل الحمالة، وقد ذكر ذلك. وفيه: (ليثرى به ماله. أي: يكثر. وأثرى الرجل: إذا كثرت أمواله. وفيه: (ورضفا يأكله) الرضف: الحجارة المحماة. وقد فسرناه في آخر باب التشهد ومن حديثه الذي يليه: (أوشك الله له بالغناء، إما بموت عاجل، أو غنى آجل) أوشك، أي: أسرع. ومعناه: عجل الله له بالغناء، بفتح الغبن- أي: بالكفاية. من قولهم: لا يغنى غناء- بالمد والهمز- ومن رواه بكسر الغين مقصورا- على معنى اليسار، فقد حرف المعنى؛ لأنه قال: يأتيه الكفاية عما هو فيه، إما بموت عاجل، أو بغنى آجل، وهو ضد العاجل. ومن باب الإنفاق وكراهية المسألة [من الصحاح] [١٢٦٤] قوله ﷺ في حديث أسماء- ﵂: (ولا تحصى، فيحصى الله عليك) الإحصاء:

стр. 406

الإحاطة بالشيء حصرا وتعدادا. والمراد به هنا: عد الشيء للتبقية، وادخاره للاعتداد به، وترك الإنفاق منه في سبيل الله. وقوله: (فيحصي الله عليك) محتمل لوجهين: أحدهما: أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة، حتى يصير كالشيء المعدود. والآخر: أن نحاسبك عليه في الآخرة. (ولا توعى) الإيعاء: حفظ الأمتعة بالوعاء وجعلها فيه. والمراد به: أن لا تمنعة فضل الزاد عمن [١٤٩ أ] افتقر إليه (فيوعى الله عنك) أي: يمنع عنك فضله، ويسد عليك باب المزيد، وفي معناه: ما ورد في غير هذه الرواية: (ولاتوكى فيوكى عليك) وقوله: (ارضخى) يقال: رضخت له رضخا، وهو العطاء اليسير. وفي الحديث: (وقد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم) وإنما قال: (ارضخى) لما عرف من حالها ومقدرتها؛ ولأنه لم يكن لها أن تتصرف في مال زوجها بغير إذنه، إلا في الشيء اليسير الذي جرت فيه العادة بالتسامح من قبل الأزواج، كالكسرة والتمرة، والطعام الذي يفضل في البيت، ولا يصلح للخزن؛ لتسارع الفساد إليه، أو فيما سبق إليها من نفقتها وحصتها، ولهذا كانت تستفتيه فيما أدخل عليها الزبير. وفي كتاب أبي داود، أن أسماء- ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله ﷺ ليس لي من شيء، إلا ما أدخل على الزبير، فأعطى؟ قال: نعم، ولا توكى، فيوكي عليك). [١٢٦٧] ومنه: حديث أبى هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد) الجنة- بالضم- ما استترت به من سلاح. والمعنى به هاهنا: الدرع. وقد رواه البخاري في بعض طرقه عن أبي هريرة بالباء، مكان النون، وهو تصحيف عن بعض الرواة لا حق به، ولا يلتبس على ذلك فهم لوجوه: أحدهما: أن الجبة- بالباء- من حديد شيء لم يعهد ولم يعرف في كلامهم. والآخر: أن في بعض طرق هذا الحديث عليه درعان، مكان عليه جنتان. والثالث أنه قال: قلصت أخذت كل حلقة بمكانها)، ومعنى هذا الحديث: الجواد الموفق إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه وانبسطت حتى قطعت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعا، فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه،

стр. 407

فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجنته وحصنته، وأن البخيل إذا أراد الإنفاق حرج به صدره، واشمأزت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه، كالذي أراد أن يستجن بالدرع وقد غلت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتلى به بينه وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلا ووبالا، والتزاما في العنق، والتواء وأخذا بالترقوة [١٤٩/ب]. [١٢٧٠] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) وفي رواية (إلا وقد كان لفلان)، المراد بفلان هذا الوارث أي: صبر حتى أشرف على الموت ثم طفق يتصدق بما تعلق به حق الوارث. [١٢٧٥] ومنه: حديث أبي سعيد الخدرى- ﵁، عن النبي ﷺ (خصلتان لا تجتمعان في

стр. 408

مؤمن، البخل وسوء الخلق) تأويل هذا الحديث أن يقول أراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية منهما بحيث لا ينفك عنهما ولا ينفكان عنه، ويوجد منه الرضا بهما، فأما الذي يؤنس عنه شيء من ذلك بحيث يبخل حينا، وتقلع عنه حينا أو يسوء خلقه وقتا دون وقت أو في أمر دون أمر، أو يبدر منه فيندم عليه أو يحوز نفسه أو تدعوه النفس إلى فينازعها؛ فإنه بمعزل عن ذلك، ويحمل حديثه الآخر (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا) على نحو ما ذكرناه من المعنى في هذا الحديث، وأرى له وجها آخر وهو أن نقول: الشح خصلة غريزية جبل عليها الإنسان وهو كالوصف اللازم، ومركزها النفس، قال الله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ فإذا انتهي سلطانه إلى القلب واستولى عليه عرى القلب عن الإيمان؛ لأنه يشح بالطاعة فلا يسمح به ولا يبذل الانقياد لأمر الله، والشح بما بخل مع حرص، فهو أبلغ في المنع من البخل، فالبخل يستعمل في الضنة بالمال، والشح في سائر ما تمتنع النفس عن الاسترسال فيه من بذل مال أو معروف أو طاعة، ووجود الشح في النفس الإنسان ليس بمذموم؛ لأنه طبيعة خلقها الله تعالى في النفوس كالشهوة والحرص للابتلاء أو لمصلحة عمارة العالم، وإنما المذموم أن يستولى سلطانه على القلب فيطاع. [ومن الحسان] [١٢٧٧] حديث أبي بكر الصديق- عنه، عن النبي ﷺ (لا يدخل الجنة خب) الحديث، الخب: الرجل الخداع ومعناه في الحديث الذي يفسد الناس بالخداع، ويمكر ويحتال في الأمر يقال فلان خب ضب إذا كان فاسدا مفسدا مراوغا، ومعنى قوله لا يدخل الجنة أي: لا يدخلها مع الداخلين في الرعيل الأول من غير ما بأس بل يصاب منه بالعذاب حتى يذهب [١٥٠/أ] عنه آثار الخصال، هذا هو السبيل في تأويل أمثال الأحاديث ليوافق أصول الدين وقد هلك في التمسك بظواهر أمثال هذه النصوص الجم الغفير من المبتدعة، ومن عرف القول وأساليب البيان من كلام العرب هان عليه التخلص بعون الله عن تلك الشبه، ومما ينبغي الفطن أن يقدمه في هذا الباب ليكون من التأويل على بصيرة أن يعلم أن للشارع- صلوات الله عليه- أن يقتصر في مثل هذه المواطن على القول المجمل إبقاء للخوف في نفوس المكلفين وتحذيرا لهم عما فيه المنقصة في الدين بأبلغ ما يكون من الزجر ثم يرده العلماء الراسخون إلى أصول الدين. [١٢٧٨] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) الهلع: أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وحكي يعقوب رجل هلعه مثل همزة إذا كان يهلع ويجزع ويستجيع سريعا، ومعناه في الحديث أنه يجزع من شحه أشد الجزع على استخراج الحق منه، وقوله (شح هالع) أي: ذو هلع كما يقال: يوم عاصف وليل نائم، ويحتمل أيضا أن يقول: هالع لمكان

стр. 409

خالع للازدواج، والجبن الخالع الذي كأنه يخلع فؤاده لشدته، وإنما قال: شرما في الرجل ولم يقل في الإنسان لأحد الوجهين: إما لأن الشح والجبن مما تحمد عليهما المرأة ويذم به الرجل، أو لأن الخصلتين تقعان موقع الذم من الرجال فوق ما تقعان من النساء. ومن باب فضل الصدقة [من الصحاح] [١٢٧٩] أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ (من تصدق بعدل تمرة) بفتح العين وهو ما يعادل تمرة، والعدل بالكسر: المثل، وبالفتح أصله مصدر قولك عدلت بهذا عدلا حسنا تجعله اسما للمثل، لتفرق بينه وبين عدل المتاع، كما قالوا: امرأة رزان وعجز رزين، وقال الفراء: العدل بالفتح ما عدل الشيء من غير جنسه، وبالكسر المثل وربما كسر بعض العرب في غير الجنس وكأنه منهم غلط. (فإن الله يتقبله بيمينه)، المراد من التقبل باليمين: حسن القبول من الله ووقوع الصدقة منه موقع الرضا وفيه. (ثم يربيها لصاحبها) كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل)، الفلو: بتشديد الواو: المهر؛ لأنه يفتلى أي: يعظم. وقيل هو العظيم من أولاد ذوات الحافر وقد قالوا للأنثى: فلوه مثل: عدوة والجمع أفلاء مثل عدو [١٥٠/ب] وأعداء، وفلاوى مثل خطايا. قال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت فقلت: فلو مثل جرو؛ قال مجاشع بن جرول يا فلو بنى الهمام ..... فأين عنك القهر بالحستم؟ فالرواية في الحديث بفتح الفاء وتشديد الواو، وإنما ضرب المثل بالفلو؛ لأنه يزيد زيادة بينة، ولأن الصدقة نتاج عمله، ولأن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته، ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلى التربية وهو فطيم إذا أحسن القيام وأصلح ما كان منه فاسدا انتهي إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيما الصدقة التي يجاذيها الشح ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومة بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدق العبد من كسب طيب مستعد للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فإذا تصدق فلا يزال ينظر الله إليها يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل، وقوع المناسبة بين التمرة والجبل.

стр. 410

[١٢٨١] ومنه: حديثه الآخر عن النبي ﷺ (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء ..) الحديث، فسر قوله زوجين بدرهمين أو دينارين أو مدين من طعام وبما يضاهي تلك الأشياء. قلت: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق مرة بعد مرة، ففسر الإنفاق بما تنفقه؛ لأنه إذا أنفق درهما في سبيل الله ثم عاد فأنفق آخر يصير زوجين، ومعنى الكلام: الإنفاق بعد الإنفاق أي: يتعود ذلك ويتخذه دأبا. وفيه (فقال أبو بكر- ﵁ يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة معناه ما على أحد يدعى من باب من تلك الأبواب كلها من ضرورة إن لم يدع من سائرها، فإنه إذا دعي من باب واحد فقد حصل له الفوز بدخول الجنة فلا ضرورة به إن لم يدع من غيره، وقوله هذا نوع من تمهيد قاعدة السؤال في قوله فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ أي: سألت عن ذلك بعد معرفتي بأن لا ضرورة بمن يدعى من باب واحد في الدعاء من سائر الأبواب. وفي رواية: قال أبو بكر: يا رسول الله ذلك الذي لا توى عليه أي ضياع عليه، ولا خسارة من قولهم: توى عليه المال إذا أهلك يتوى وتوى إذا ذهب توى وهو مقصور وقد ذكر بعض أصحاب الغريب: توى وتواء. ولا أعرف للمهموز أصلا [١٥١/أ]. [١٢٨٢] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ (من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر: أنا ..) الحديث، ذهب طائفة من أهل العلم، وفرقة من الصوفية إلى كراهية إخبار الرجل عن نفسه بقوله أنا، حتى قال بعض الصوفية: كلمة أنا لم تزل مشيءومة على أصحابها وأشار هذا القائل إلى أن إبليس إنما لعن لقوله أنا، وليس الأمر على ما قدر بل الذي نقض عليه أمره هو النظر إلى نفسه بالخيرية، ونحن لا ننكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم وإشاراتهم في التبرى عن الدعاوى الوجودية، ولكنا نقول إن الذي أشاروا

стр. 411

إليه بهذا القول راجع إلى معاني تعلقت بأحوالهم دون ما فيه من التعلق بالقول؛ كيف وقد ناقض ظاهر قولهم هذا نصوصا كثيرة، وهم أشد الناس فرارا عن جميع ما يخالف الكتاب والسنة، ولم يأت القوم في الكراهة بمتمسك إلا بحديث جابر- ﵁ أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: (أنا أنا) كأنه كرهها. وهو حديث صحيح. وقد أورده مؤلف هذا الكتاب في باب الاستئذان، ولو أخذنا بظاهر الحديث كما أخذوا كنا كمن حفظ بابا وضيع أبوابا كثيرة، وأنى يصح القول بظاهر هذا الحديث وقد وجدنا فيما حكي عن الأنبياء الله في كتابه أنهم كانوا يستعملونها في كلامهم ولاسيما فيما أمر الله به رسوله نحو قوله ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾، وقوله ﴿وأنا أول المسلمين﴾، وقوله ﴿وما أنا من المتكلفين﴾، وقوله ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ وقد قال ﷺ (أنا سيد ولد آدم وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع، وأنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، وأنا المقفي) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وقد تلفظ بها السابق في الخيرات صديق هذه الأمة- ﵁ بين يدي رسول الله كرة بعد أخرى فلم ينكر عليه ولم ينهه، ولو شيءنا لآتينا من كتاب الله وسنة رسوله من نظائر ما ذكرنا بما يتجاوز فلا وجه إذا للذهاب إلى كراهة ذلك. ونظرنا إلى حديث جابر فوجدناه قد ذكر الكراهة على سبيل البيان، ثم إنه لم يصح بالأمر المكروه، فالوجه أن نقول رأينا النبي ﷺ استعمله ليخبره عن نفسه، فيعرف من الوارد عليه فيرتفع الإبهام. فلما قال: أنا، لم يأت بجواب يفيده المعرفة بل بقي الإبهام على حاله فكره ذلك للمعني الذي ذكرناه لا لتلفظه بتلك الكلمة، فلو قال: أنا جابر يكن ﷺ ليكره [١٥١/ب] قوله أو ينكر عليه. هذا وجه في الحديث ليمكننا التوفيق بين النصوص التي ذكرناها، والله أعلم. [١٢٨٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ أيضا (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، لا بد من إضمار في قوله يا نساء المسلمات؛ لأن إضافة الموصوف إلى الصفة غير

стр. 412

جائز، فتقدير الكلام يا نساء الطوائف المسلمات، وفي قوله: (لا تحقرن جارة لجارتها) اختصارا لمعرفة المخاطبين بالمراد منه منه، أي لا تحقرن أن تهدى إلى جارتها ولو أن تهدى فرسن شاة، والفرسن للبعير كالحافر للدابة، وقد يتعار فيقال فرسن شاة والفرسن وعن كان مما لا ينتفع به فإنه استعمل ههنا على المعتاد من مذهب العرب في كلامهم إذا بالغوا في الأمر وحثوا عليه، وفي معناه قوله ﷺ (ولو بظلف محرق). ومن هذا الباب قوله ﷺ : (من بني لله مسجدا ولو كمفحص قطاة) ومقدار المفحص لا يمكن أن يتخذ مسجدا وإنما هو على سبيل المبالغة في الكلام من مذاهب العرب. [١٢٩١] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (نعم الصدقة اللقحة الصفي منحة) اللقحة بكسر اللام: الناقة الحلوب وهي اللقوح بفتح اللام، والصفى الغزير الدر وصفايا الإبل الغزار منها، والمنحة في هذه الصورة تجرى مجرى الصدقة وهى في الأصل عارية لشرب درها ورد رقبتها. ومنه الحديث (هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا در لهم؟) قال أبو عبيد: المنحة عند العرب على معنيين أحدهما: العطية التي نالها المعطى له. والآخرة: أن يمنحه ناقة أو شاة يستنفع بلبنها ووبرها زمانا ثم يردها، وهو تأويل قوله ﷺ (والمنحة مردودة).

стр. 413

قلت وأكثر ما يقول العرب في العارية المنيحة، وفي البخاري: (نعم المنحة اللقحة الصفي)، قال أبو عبيد: وللعرب أربعة أسماء تضعها موضع العارية: المنيحة والعرية والإفقار والإخبال. [١٢٩٣] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (غفر لامرأة مومسة) الحديث. المومسة: الفاجرة المجاهرة. قال الحبان: الومس تحكك الشيء بالشيء حتى ينجرد، ولعل المومسة منه، وقد أومست أمكنت من الومس، وفي حديث جريج الراهب: (لاتمته حتى ينظر في وجوه المومسات)، وفي حديث أبي وائل: (أكثر تبع الدجال أولاد الموامس)، والموامس جمع التكسير من المومسة. وفيه (في كل ذات كبد رطبة أجر)، قيل: إن الكبد إذا ظمئت ترطبت وكذا إذا ألقيت على النار، وقيل: هو من باب وصف الشيء بما يئول إليه فمعناه في كل كبد حرة لمن سقاها حتى تصير [١٥٢/أ] رطبة أجر، والأول أوجة؛ لأن الرطبة قد وردت في الحديث بدل الحارة فيجب أن يكون بمعناها، وفي حديث سراقة: (ومخول حرى) أو حارة بدل رطبة واللفظان معا- أعنى حرى ورطبة- لم تجمعهما رواية، وفي هذا الحديث تهميد قاعدة الخير وعن كان يسيرا. [١٢٩٣] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ (عذبت امرأة في هرة حبستها) الحديث فيه تفخيم أمر الذنب وإن كان كان صغيرا وفيه (فتأكل من خشاش الأرض) الخشاش بالكسر: وقد يفتح.

стр. 414

[ومن الحسان] [١٢٩٩] قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁ (وتدفع ميتة السوء) الميتة بكسر الميم: الحالة التي يكون عليها الإنسان وهي الموت، وأراد بميتة السوء مالا يحمد عاقبته ولا يؤمن غائلته من الحالات التي يكون عليها الإنسان عند الموت كالفقر المدقع، والوصب الموجع والألم المقلق والآمال التي تقضي به إلى كفران النعمة ونسيان الذكر، والأحوال التي تشغله عما له وعليه، وموت الفجاءة التي هو أخذة الأسف ونحوها، أعاذنا الله منها. [١٣٠١] ومنه: قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁ (كل معروف صدقة) قلت: المعروف اسم

стр. 415

لكل فعل يعرف حسنه بالشرع أو يعرف بالعقل من غير أن ينازع فيه الشرع، وكذلك القول المعروف، وقد قيل الاقتصاد في الجود: معروف؛ لأنه مستحسن بالشرع، وفي العقل. والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة وذلك لأن عليه أن يتحرى الصدق فيها، وقد استعمل في الواجبات وأكثر ما يستعمل في المتطوع به، ويستعمل أيضا في الحقوق التي يتجافي عنها الإنسان، قال الله تعالي: ﴿والجروح قصاص﴾ ﴿فمن تصدق به كفارة له﴾ أي: تجافي عن القصاص الذي هو حقه، وقد أجرى في التنزيل ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة، قال الله تعالي: ﴿وان تصدقوا خير لكم﴾ فقوله: ﴿كل معروف صدقة﴾ أي: يحل فعل المعروف محل التصدق بالمال، ويقع التبرع بذلك معه في القربة، فالمعروف والصدقة وإن اختلفا في اللفظ والصيغة فإنهما يتقاربان في المعني ويتفقان في الأمر المطلوب منهما وقد عرفنا الاختلاف بينهما [١٥٢] من الكتاب قال الله تعالي: ﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف﴾ وعرفنا الاتفاق بينهما في المعني من السنة ومن قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ كساه الله من خضر الجنة، الخضر جمع أخضر، أي من ثيابها الخضر، أقام الصفة مقام الموصوف. وأشار بذلك إلى ما في التنزيل: ﴿ويلبسون ثيابا خضرا من سندس﴾ وفيه (سقاه الله من الرحيق المختوم) الرحيق فيه: الشراب الخالص الذي لا غش فيه وهو صفوة الخمر، والمختوم الذي يختم أوانيه بمسك مكان الطينة، وتلك العبارة عن نفاستها وكرمها، وعليه يدل سبحانه: ﴿ختامه مسك﴾ وقد ذهب جمع من أصحاب المعاني إلى معنى قوله تعالي: (مسك) أي آخره؛ لأن آخر ما يجدون رائحة المسك. قالوا: والشراب يجب أن يطيب في نفسه فلما ختمه بالطيب فليس فيما يفيده ولا ينفعه طيب ختامه ما لم يطب في نفسه وكلا النوعين يستقيم، وإلى الأول ذهب أكثر المفسدين؛ لأنه مناسب لقوله: (مختوم). قلت: وإن ذهب ذاهب إلى أن معنى الختم ههنا بلوغ الآخر، من قولهم ختمت الكتاب أي: انتهيت إلى آخره، فله وجه، ويكون المراد أنه رحيق ينتهي الشارب في شربه إلى آخره فلا يسئر منه شيئا كما يسار من الشراب الذي يشوبه الكدر ويمنع من شرب آخره السعيط. وجاء الرحيق في الحديث معرفا وهو في الكتاب منكرا؛ لأنه أراد به الرحيق الذي وعد الله عباده في كتابه فاللام فيه للعهد.

стр. 416

[١٣٠٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁: (وما أكلت العافية)، العافية: كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر وعافية المكان واردته. [١٣٠٨] ومنه: حديث البراء بن عازب- ﵁ عن النبي ﷺ (من منح منحة ورق) الحديث. الورق الأدام خاصة، وفيه ثلاث لغات ورق، وورق، وورق على مثاله كبد وكبد وكبد، والرواية في هذا الحديث بكسر الراء، والمنحة عند العرب على معنيين: إحداهما: أن يعطى الرجل صاحبه صلة فيكون له، والآخر: أن يمنحه ذات در فينتفع بمنافعها أو يمنحه أرضا [١٥٣/أ] فيزرعها. وفي هذا النوع قوله ﷺ (والمنحة مردودة) وهي في هذا الحديث محتملة للوجهين وتقع في الوجه الثاني مشبهة بالمنحة؛ لأنها مردودة وإن كان العرض هو المردود لا العين؛ لأن الانتفاع بها وهي قائمة في يد من منح غير معقول، وإلى هذا الوجه ذهب أحمد في هذا الحديث فقال هو القرض. قلت لو جاءت الراوية بفتح الراء كانت المنحة على ما ذكرنا من الانتفاع بها: جمع بقاء العين وردها؛ لأن الورق بفتح الراء كانت المنحة على ما ذكرنا من الانتفاع بها: جمع بقاء العين وردها؛ لأن الورق بفتح الراء هو المال فيتناول إذا سائر أنواع ما لم يمنح ولم ترد الراوية به. وفيه أو (هدي زقاقا) يروى هدا بالتخفيف أي هدي السابلة إلى السبيل، ويروى بالتعدية أي (أهدي) وتصدق بزقاق من النخيل؛ وهي السكة والصف من أشجارها. [١٣٠٩] ومنه حديث أبى جرى جابر بن سليم الهجيني التميمي- ﵁ رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه الحديث، يريد أن الناس ينصرفون عما يراه يستصوبه ويحكم به، يقال صدر عن المكان أي:

стр. 417

رجع عنه، وصدر إليه أي جاءه، فالوارد: الجائي، والصادر: المنصرف، شبه المنصرفين عن حضرته بعد توجههم إليها ليسألوه عن أمر دينهم وعما يهمهم من مصالح معادهم ومعاشهم بالواردة إذا صدروا عن المنهل بعد شرى. وفيه: (لا تقل عليك السلام. عليك السلام تحية الميت) لم يرد بقوله هذا أن الميت ينبغي أن تكون تحيته على هذه الصيغة، فإن النبي ﷺ كان يسلم على الأموات تسليمه على الأحياء فيقول (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) وإنما أراد به أن هذه التحية يصلح أن يحي بها الأموات لا الأحياء، وذلك لمعنيين أحدهما: أن تلك الكلمة شرعت لجواب التحية ومن حق المسلم أن يحي صاحبه بما شرع له من التحية، فيجيبه هو بما شرع له من الجواب، فليس له أن يجعل الجواب مكان التحية، وأما في حق الميت فإن الغرض من التسليم عليه أن تشمله بركة السلام، والجواب غير منتظر هنالك فله أن يسلم عليه بكلا الصيغتين. ووجه آخر [١٥٣/ب] وهو أن إحدى فوائد السلام: أن يسمع المسلم أخاه المسلم ليجعل له الأمن من قبله، وإذا بدأ بقوله عليك لم يحصل له المن حتى يلحق به السلام بل يزداد به استيحاشا ويتوهم أنه يدعو عليه [فأمر بالمسارعة إلى إيناس الأخ المسلم بتقديم السلام، وهذا المعنى غير مطلوب في الميت فساغ للمسلم أن يفتتح من الكلمتين بأيتهما شاء]. وفيه (فإنها من المخيلة) يقول اختال الرجل فهو ذو خيلاء، وذو خال وذو مخيلة وذو كبر. [١٣١٢] ومنه قوله ﷺ في حدثي أبي ذر- ﵁ (فتخلف رجل بأعيانهم) كذاك رواه النسائي في كتابه، والمعني أنه ترك القوم المسئول عنهم خلفه وتقدم فأعطاه والمراد من الأعيان: الأشخاص. ويحتمل أنه أراد بذلك أنه سبقهم بهذا الخبر فجعلهم فجعله. وقد وجدت الحافظ أبا القاسم الطبراني رواه.

стр. 418

في بعض طرقه في كتابه المرسوم بالمعجم الكبير: (فتخلف رجل عن أعيانهم) وهذا أشبه وأعدل من طريق من طريق المعنى وإن كانت الرواية الأولى أوثق من طريق السند. والمعنى: أنه سافر عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سرا. [١٣١٣] ومنه: حديث أنس- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد؛ فخلق الجبال فقال بها عليها) أي ضرب بالجبال على الأرض حتى استقرت، ذكر عن ابن الأنبارى أنه قال: يقول العرب: قال بمعنى تكلم وبمعنى أقبل وبمعنى أقبل وبمعنى مال وبمعنى ضرب وبمعنى استراح وبمعنى غلب. وقال غيره: العرب تجعل القول عبارة عن كثير من الأفعال نحو قال برجله فمشى، وقال بيده فأخذ. ومن هذا الباب قول القائل: وقالت: له العينان سمعا وطاعة أي: أومأت. وفيه (يارب هل خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم تصدق صدقة بيمينه يخفيها من شماله) معناه- والله اعلم- أن نفس الإنسان جبلت على غرائز لا تملك النار حرها، ولا الماء بردها، وطبعت على ضرائب لا تستطيع الريح قهرها، ولا تقوى على مقاومتها الجرام، ولا تلين عريكتها الأركان، ولا تحمل على ما تأباه بالتشدد، ولا تمنع عما ترومه بالاحتيال، فهي أشد من كل شديد [١٥٤/أ] وأصعب مراما من كل متمرد، ومن طبعها إيثار السمعة وحب الثناء، وطلب التفوق على النظراء، فتظهر ما كان منها من البر لإدراك تلك الأغراض، فإذا سخرت تلك النفس لصاحبها تسخيرها يغلبها في تصرفاتها وردها عن طلباتها، كان الذي غلبها على تلك الخلال وزجرها عن مواقع الخلاف أغلب من كل غلاب، ومن طبعها إظهار الصدقة فإذا ملكها ابن آدم بحيث ما يخفي إظهارها بالطبع كان أشد من الريح. وقوله: (تصدق صدقة بيمينه يخفيها عن شماله) من مجاز القول الذي يقع موقع المبالغة في الإخفاء والله أعلم. ومن باب إخفاء الصدقة (من الصحاح) [١٣١٤] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)

стр. 419

سئل بعض السلف عن معناه فقال: ما فضل عن العيال. وكأنه أراد بذلك المعنى المراد منه ولم يدع لفظ الحديث بتفسيره هذا على منهاج واضح. وقد فسره الخطابي فقال: أي عن غني يعتمد عليه ويستظهر به على النوائب التي تنوبه لقوله في حديث آخر: (خير الصدقة ما أبقت غنى). قلت ولم يصدر عن قوله هذا من رى لأنا وجدنا النبي ﷺ حمد صنيع أبي بكر- ﵁ لما انخلع من ماله أجمع ولما سأله عما أبقي لنفسه فقال: الله حمد ذلك ولما سئل عن أفضل الصدقة قال: (جهد من مقل) فلو حملنا الحديث على الجدة وكثرة العرض انتهي بنا إلى القول بالتضاد والتضاد والتناقض في تلك الأحاديث ونظائرها. والسبيل في السنن الثابتة لا يضرب بعضها ببعض فيوهن بعضها ببعضا، بل يأول كل منها على منوال يشد بعضه بعضا. فنقول وبالله التوفيق: (عن ظهر غني) عبارة عن تمكن المتصدق عن غني ما وذلك مثل قولهم: هو على ظهر سير وراكب متن السلامة وممتط غارب العز ونحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والاستواء عليه، وإنما قلنا عن غني ما لمجيئه في الحديثين منكرا، وإنما لم يأت به معرفا ليفيد أحد المعنيين في إحدى الصورتين أما استغناءه عما بذل بسخاوة النفس وقوة العزيمة ثقة بالله سبحانه كما كان من أبي بكر- ﵁ [١٥٤/ب] وأما استغناءه بالعرض الحاصل في يده فبين النبي ﷺ بقوله

стр. 420

هذا أن لابد للمتصدق من أحد الأمرين: إما أن يستغني عنه ماله أو يستغني عنه بحاله وهذا أفضل اليسارين لما ورد في الحديث الصحيح: (ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس) ألا ترى كيف رد على المتصدق جاءه بمثل بيضة من ذهب؛ فقال يا رسول الله ﷺ . (أصبت هذه من عدن فخذها فهي صدقة ما املك غيرها فأعرض عنه) الحديث بطوله .. فعلم النبي ﷺ من قوله: (ما أملك غيرها) خلو يده عن المال، وعرف بالفهم الذي أتاه الله أو بغير ذلك من أسباب التأييد السماوي والتعريف الإلهي فقر النفس وقلة الصبر وضعف العزيمة منه، ولهذا قال: (يأتي أحدكم بما يملكه يقول هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس) أي: يأخذ الصدقة ببطن كفه وهو كناية عن التصدي للسؤال، فكره له التخلي عن ذات يده مع وجود تلك العلل، وأمره أن تصدق إلا وهو على حال من الغنى ويبدأ إذا تصدق بمن يعوله يقال: عال الرجل عياله عولا وعيالة أي: قاتهم وأنفق عليهم من قوله: (وابدأ بمن تعول) أي: لا تكن مضيعا لمن وجب عليك رعايته متفضلا على من لا جناح عليك من حاحته. [١٣٢١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي ذر- ﵁ (وتعاهد جيرانك) أي: تفقدهم بزيادة طعامك وتجدد عهدك بذلك واحفظ به حق الجوار، والتعهد: التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، والتعاهد ما كان بين اثنين من ذلك

стр. 421

[١٣٢٥] ومنه حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بخير الناس) ... الحديث. يحمل قوله على أن قال أنه خير الناس، أراد" أنه من خير الناس، إذ قد علمنا أن في القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان فرسه، إذ كان أعلم بالله وأخشي لله ولم يكن الجهاد عليه فرض عين. وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، لا يريد تفضيله في نفسه [١٥٥/أ] على جميع الأشياء، بل يريد أنه خيرها في حال دون حال ولو أحد دون آخر، مثل قوله ﷺ : (خياركم خيركم لأهله) فلا يصح أن يحمل ذلك على أن من أحسن معالجة أهله فهو أفضل الناس، وقد علمنا أن من كان أعلم بالله وأزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منه فهو خير منه، وأنه لم يبلغ في حسن المعاشرة محله، وعلى نحو هذا المعني يأول قول من قال: شراركم عزابكم، أي: من شراركم؛ لأنه وإن كان صالحا فهو بمرقبة الفتنة غير آمن من شر نفسه من قبل العزوبة، وقد علمنا أن الآهل الفاسق أقرب إلى الشر منه، وكذلك قوله: (ألا أخبركم بشر الناس؟ يسأل بالله العظيم ولا يعطى به) أي بمن هو من شر الناس؛ لأن تلك الخصلة قد توجد في بعض المسلمين، والكافر شر منه، وقوله: (يسأل) على بناء ما لم يسم فاعله ولا يعطى على بناء الفاعل. [١٣٢٦] ومنه حديث أم نجيد النصارية الحارثية- ﵂ عن النبي ﷺ : (ردوا السائل ولو بظلف محرق) هذا القول إنما قصد به المبالغة في رد السائل بأدنى ما يتيسر، ولم يرد به صدور هذا الفعل من المسئول فإن الظلف المحرق غير منتفع به وقد مر بيانه.

стр. 422

ومن باب فيه (من الصحاح) [١٣٣٢] حديث عائشة- ﵂ أن رجلا قال للنبي ﷺ (إن أمي افتلتت نفسها)، افتلت فلان على ما لم يسم فاعله، وافتلتت نفس أيضا أي: مات فجأة، يقال كان ذلك الأمر فلتة أي فجأة، والرجل هو سعد بن عبادة. وفيه: (فهل لها أجر إن تصدقت عنها) ونحن نرويه فهل لها من أجر وقوله: (إن تصدقت) من رواه بفتح الهمزة فقد أخطأ؛ لأنه فعل لم يقع بعد، ولو كان سؤاله بعد الصدقة تفتح لا غير. [١٣٣٤] ومنه حديث سعد- ﵁ لما بايع رسول الله ﷺ النساء. قالت امرأة: إنا كل على أبائنا وأبنائنا وأزاوجنا) الحديث الكل أي [١٥٥/ب] نحن ثقل وعيال على من يلي أمرنا ويعولنا، والكل: الثقل من كل ما يكلف، ومنه الحديث (وتحمل الكل). وفيه (الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء وأراد به اللبن والفاكهة والبقول والمرق، ومما يسرع إليه الفساد من الأطعمة ولا يتقوى على الخزن، أذن لهن أن يتعهدن بذلك الضيف والزائر والقانع والمعتر، ولم يأذن لهن في اليابس من الطعام؛ لأنه يبقي على الخزن والادخار وينتفع به إذا رفع. ويرى هذا الاستقصاء؛ لمكان ذكر الأزواج في الحديث؛ لئلا يفضي تركه بهن إلى التسرع في إتلاف أموالهم واستهلاك أطعمتهم من غير استئذان فأما الآباء والأبناء فإن الخطب في أموالهم أيسر لما بينهم من الإنفال والاتحاد والشركة

стр. 423

النسبية. فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره)؛ قلنا: نحمل ذلك على إنفاقها من النوع الذي سومحت فيه من غير استئذان وإلى هذا المعني أشار ( ﷺ ) بقوله في حديث عائشة (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة) فإنها إذا تجاوزت الحد الذي لها في ذلك كانت مفسدة، ثم إن الأمر في ذلك راجع إلى عادة الناس باديهم وحاضرهم- فإنه قلما يوجد من ذوى الأموال من يعسر عليه أن يبذل الميسور من ماله بيت زوجته ومن يعوله من مواليه وخزنته، فيكون ذلك من جملة ماعفى عنه، وإن أنتهي الشح بصاحبه إلى المنع والتشدد حتى في الشيء التافه، فعلى المنفق أن ينتهي وعلى الآخذ أن يمتنع. فإن قيل فكيف بحديث عمير مولى آبى اللحم (أمرني مولاي أن أقدد لحما فجاءني مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاي، فضربني فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فدعاه فقال: لم ضربته، قال: يعطي طعامي بغير أن آمره فقال: (الأجر بينكما). قلنا لم يرد النبي ( ﷺ ) [١٥٦/أ] بذلك إطلاق يد العبد في مال سيده، وإنما كره صنيع مولاه في ضربه العبد على الأمر الذي تبين رشده فيه، فحث السيد على اغتنام الأجر ورغبه فيه ولم يرد أن يمهد له فيما كان سبيله العفو والتسامح. فإن قيل فهل يجوز أن يسكت النبي ( ﷺ ) في موضع الحاجة إلى البيان. قلنا: قد بين ذلك في غير موضع، ومنه قوله ( ﷺ ): العبد راع على مال سيده وهو مسئول عن رعيته. وباب من لا يعبد في الصدقة (من الصحاح) [١٣٣٥] حديث عمر- ﵁: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده) أي: جعلت فرسا حمولة من لم يكن له حمولة من المجاهدين وأعطيته إياه (فأضاعه) أي: أساء سياسته والقيام بعلفه وسقيه وإرساله للرعي حتى صار كالشيء الهالك. والله تعالى أعلم.

стр. 424

ومن كتاب الصوم (من الصحاح) [١٣٣٧] حديث أبى هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ( ﷺ ): (إذا دخل رمضان فتحت أبوا السماء ...) الحديث. (فتحت أبواب السماء) عبارة عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول عنهم والمن عليهم بتضعيف الثواب وإيتاء ليلة القدر، وفي رواية: (فتحت أبواب الجنة) وكلتا الراويتين متقاربتان في المعنى، والرواية في فتحت بالتخفيف أكثر، وقد قرئ في التنزيل بالتشديد وبالتخفيف، والتشديد أبلغ وأكثر، ويحتمل أن يكون المانع من ورده في الحديث بالتشديد هو أنه حكاية عما يبذل لهم منها في هذه الدار، والفتح كل الفتح إنما يكون في الآخرة للدخول والاستقرار فيها. وقوله في غير هذه الرواية: (فلم يغلق منها باب) يؤيد رواية من رواه بالتشديد. وفيه: (غلقت أبواو جهنم) وذلك كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث على المعاصى بقمع الشهوات، وإنما قال غلقت بالتشديد ولم يقل أغلقت؛ إرادة للمبالغة في إتمام هذه المنة على الصوام [١٥٦/ب]. فإن قيل ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؛ قلنا: لأنه ذكر على سبيل المن على صوام شهر رمضان وإتمام النعمة عليهم فيما أمروا به وندبوا إليه، حتى صارت الجنان في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت ونعمها أبيحت، والنيران كأن أبوابها غلقت وأنكالها عطلت، والفائدة في ذلك بينة ظاهرة. وإذا ذهبنا فيه إلى الظاهر لم تقع المنة موقعها من الأول بل تخلو عن الفائدة؛ لأن الإنسان مادام في هذه الدار فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين، فأي فائدة في فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار، اللهم أن يحمل الأمر فيهما، على الظاهر على أنه تحقيق المعني وتقرير أن يكون المفتوحة في المعنى مفتوحة في ظاهر الأمر، وعلى هذا المغلقة، أو يحمل ذلك على أن الأمر في كليهما متعلق بمن مات من صوام رمضان من صالحي أهل الإيمان وعصاتهم الذين استحقوا العقوبة، فإذا فتحت على أولئك تلك الأبواب كل الفتح أتاهم من روحها ونعيمها فوق ما كان يأتيهم، وإذا غلقت عن الآخرين أبواب النار لم يصيبهم من لفحها ومن سمومها؛ تنبيها على بركة هذا الشهر المبارك وتبينا لنا فنره. وفيه (وصفدت الشياطين) الصفد والصفاد: ما يوثق به الأسير من قد وقيد وغل، وصفده أي: شده وأوثقه وكذلك التصفيد. ولنا أن نحمل ذلك على ظاهره كما نحمل قوله سبحانه ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ على الظاهر، فإن قال قائل: فما أمارة ذلك ونحن نرى الفاسق في رمضان قلما يرعوي عن

стр. 425

فسقه وإن ترك بابا منه أتى بابا آخر حتى أن من هذه الزمرة من يتولى قتل النفس وقطع الطريق، وغير ذلك من المناكير والعظائم؛ قلنا أمارة ذلك تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي ورجوعهم إلى الله بالتوبة وإكبابهم على إقام الصلاة بعد التهاون بها، وإقبالهم على تلاوة كتاب الله واستماع الذكر بعد الإعراض عنهما، وتركهم ارتكاب المحظورات بعد حرصهم عليها. وأما ما يوجد من خلاف ذلك في بعضهم ويؤنس عنهم من الأباطيل والأضاليل فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين أعرقت في عرق تلك النفوس الشريرة وباضت في رءوسها، وقد أشار بعض العلماء فيه إلى قريب من المعنى الذي ذكرنا. قلت: وأمثل من هذا أن نقول: قوله: (وصفدت الشياطين) وإن كان مشعرا بالعموم فيه، وفإن التخصيص فيه غير بعيد ويؤيد هذا التأويل [١٥٧/أ] ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: (وسلسلت مردة الشياطين) ويصح أن يستثني منهم في التصفيد صاحب دعوتهم وزعيم زمرتهم لمكان الإنظار الذي سأله من الله فأجيب إليه فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله وإغرائه. فإن قيل وإذا قدر الأمر على نحو ما ادعيتم فأي فائدة في تصفيد من صفد إذا كان أصل الشر مستمرا على حاله؛ قلنا: الفائدة فيه فض جموحه وكسر شوكته وتسكين نائرته ولو لم يكن الأمر على ذلك لم يكن لاستظهاره بالأعوان والجنود معنى، هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التصفيد إنما كان في زمان الوحي لئلا يتمكن مردة الجن وعتاة الشياطين من الرقي في أسباب السماء لاستراق السمع فقد كان القرآن ينزل في كل ليلة قدر ما قدر أن ينزل منجما على حسب الوقائع في سائر السنة، والسماء وإن كانت محفوظة بالشهب الثاقبة من كل شيطان ما رد فيجوز أن يزاد في حراستها بتصفيد الشياطين تشديدا للأمر عليهم ومبالغة في الحراسة، وكل ذلك راجع إلى فضل ذلك الشهر المبارك وشرف أيامه ولياليه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد من التصفيد المذكور حسم أطماعهم من إغواء الصوام بما وطنوا أنفسهم عليه من المجاهدات ونوافل العبادات، وليس الأمر في ذلك بأكثر مما ورد به الكتاب من غير إشكال في بيانه، وذلك قوله ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون﴾ في نظائر كثيرة من الكتاب. [١٣٣٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ( ﷺ ): (من صام رمضان إيمانا واحتسابا) أي تصديقا بالله وبوعده واحتسابا للأجر بالصبر على المأمور. ويقال احتسب فلان عمله أي عمله طبا لوجه الله وثوابه، ومنه الحسبة وهي الأجر. وحقيقة ذلك أن العامل يعد ذلك مما تقرب به إلى الله فيجازى به، قيل: احتسب ابنا له أي اعتد به عند الله. وقوله (إيمانا) مفعول له ويجوز أن ينصب على الحال، أي صام [١٥٧/ب] مؤمنا ومصدقا ويجوز نصبه على المصدر، أي: صام صوم مؤمن ومصدق، وأحسن الوجوه أن يجعل مفعولا له.
следующие страницы →