Полный текст (1 323 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
[١٥٦٩] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: لن يتقرب إلي أحد بمثل ما فرضت عليه ..) الحديث يعد هذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، والذي يشكل منه قضيتان: إحداهما (١٨٦/أ) (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ..) الحديث. والأخرى: (وما ترددت في شيء أنا فاعله).
فأما معنى قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به) إلى تمام الفصل أي: أجعل سلطان حبي غالبا عليه حتى [يسلب عنه] الاهتمام بشيء غير ما يقربه إلي، فيصير [متخلفا] عن الشهوات، ذاهلا عن الحظوظ والملذات حيثما تقلب وأينما توجه لقى الله تعالى بمرأى منه ومسمع، لا تطور حول حاله الغفلة، ولا يحول دون شهوده الحجبة، ولا يعتري ذكره النسيان، ولا يخطر بباله الأحداث والأعيان، يأخذ بمجامع قلبه حب الله، فلا يرى إلا ما يحبه، ولا يسمع إلا ما يحبه، ولا يفعل إلا ما يحبه، ويكون الله سبحانه في ذلك يدا ومؤيدا وعونا ووكيلا، يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عما لا يرضاه، فذلك معنى قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به ...) الحديث. وحقيقة هذا القول ارتهان كلية العبد بمراضي الله، وحسن رعاية الله له،
стр. 492
وذلك على سبيل الاتساع، وهو شائع في كلام العرب، إذا أرادوا اختصاص الشيء بنوع من الخصوصية، والاهتمام به والعناية والاستغراق فيه، والفناء والوله إليه [والنزوع]، وفي معناه يقول قائلهم:
جنوني فيك لا يخفى .... وناري فيك لا تخبو
فأنت السمع والناظر .... والمهجة والقلب
ولسلفنا من مشايخ الصوفية في هذا الباب فتوحات غيبية وإشارات ذوقية، [تهتز] منها العظام البالية، غير أنها لا تصلح إلا لمن سلك سبيلهم فعلم مشربهم وأما غيرهم فلا يؤمن عليه عند سماعها من الأغاليط التي تهوى بصاحبها إلى مهواة الحلول والاتحاد، وتعالى الله الملك الحق عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين، وعوذا بالله من عمى يفضي بصاحبه إلى تشبيه من خلق بما خلق، وحسب ذوي الألباب من شواهد هذا الباب أن الله ﵎ لما أراد أن يقرر في قلوب السامعين عنه، الواقفين معه أن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده معه - أضاف المبايعة معه إلى نفسه بآكد الألفاظ وأخص المعاني وأبلغ الوجوه، فقال - عز من قائل: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ وفي هذا كفاية لمن تدبر القول، والله أعلم.
وفيه: (ومن تقرب مني شبرا ...) الحديث: قلت: قوله: (ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا) إلى قوله (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) - من تمام حديث أبي هريرة هذا الذي ذكرناه، وهو هكذا في كتاب مسلم؛ إلا أن (تقربت إليه ذراعا) (تقربت إليه باعا) والحديث على الوجه الذي أورده المؤلف من رواية أبي ذر، وهو مخرج في كتاب ابن ماجة، ولما ذكر الحديث في قسم الصحاح لم يكن له أن يأتي فيه بما لا يوجد في الكتابين: كتاب البخاري وكتاب مسلم - وذلك من جملة ما أشرنا إليه من التجوز الذي لا يتدين به المحدثون. والهرولة: ضرب من التسرع في السير، فوق المشي، ودون العدو، قلت: وهذه الأمثال يقرب بها المعنى المراد منها إلى أفهام السامعين. والمراد منها أن الله تعالى يكافئ العبد ويجازيه في معاملاته التي يقع بها التقرب إلى الله بأضعاف ما يتقرب العبد إلى الله، وسمي الثواب تقربا لمقابلة الكلام وتحسينه؛ ولأنه من أجله وبسببه. وقد قيل: تقرب الباري تعالى إليه بالهداية وشرح صدره لما تقرب به إليه، وكأن المعنى: إذا قصد ذلك وعمله أعنته عليه، وسهلته له.
وأما قوله: (وما ترددت في شيء أنا فاعله) فإن نفرا من أهل العلم أولوه على ترديد الأسباب والوسائط؛ منهم أبو سليمان الخطابي، وجعلوا قصة موسى ﵇ مع ملك الموت سنادا لقولهم، وآزره بعضهم بما جاء في الأثر من حديث إبراهيم خليل الرحمن ﵇، والملك الذي مثل له على صورة شيخ فان، وفيه شهرة عند أصحاب الأقاصيص. والذي قالوا هو الوجه، إلا أنه على هذا الوجه لا يشفي غليل من لم يرد موارد المعاني المصبوبة في قوالب المتشابهات، فيلتبس القول المروي عن صاحب الشريعة من أمر الله الذي لا سلطان للتشابه عليه، ولا مدخل للتردد فيه - بالأمر المرئي عمن يأتيه الجهل
стр. 493
بالندم، [والبدار] يصرفه عن انحائه اختلاف الآراء، وإذ قد عرفنا أن قوله (وما ترددت في شي أنا فاعله) مرتب عليه (هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته) وعرفنا من غير هذا الحديث أن الله تعالى يرفق بعبده المؤمن ويلطف به عند الموت؛ حتى يزيل عنه كراهة الموت، وذلك في الحديث المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت وعائشة أم المؤمنين ﵄ عن النبي ﷺ (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. والموت قبل لقاء الله) قالت عائشة ﵂: إنا لنكره الموت! قال: (ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه) علمنا أن المراد من لفظ التردد في هذا الحديث إزالة كراهة الموت عن العبد المؤمن بلطائف يحدثها الله له، ويظهرها عليه، حتى يذهب الكراهة التي في نفسه، بما يتحقق عنده من البشرى برضوان الله وكرامته، وهذه الحالة تتقدمها أحوال كثيرة من مرض وهرم وفاقة وزمانة وشدة بلاء تهون على العبد مفارقة الدنيا، ويقطع عنها علاقته حتى إذا أيس عنها تحقق رجاؤه بما عند الله، فاشتاق إلى دار الكرامة، فأخذ المؤمن عما تشبث من حب الحياة شيئا فشيئا بالأسباب التي أشرنا إليها، يضاهي فعل المتردد من حيث الصيغة، فعبر عنه بالمتردد، ولما كان النبي ﷺ هو المخبر عن الله تعالى. (١٨٥/أ) وعن صفاته وأحواله بأمور غير معهودة، لا يكاد يعرفها على ما هي عليه أذن له أن يعبر عنها بألفاظ مستعلمة في أمور معهودة، تعريفا للأمة وتوقيفا لهم بالمجاز على الحقيقة، وتقريبا لما ينأى عن الإفهام، وتقريرا لما يضيق عن الإفصاح به نطاق المجاز، وذلك بعد أن عرفهم ما يجوز على الله، وما لا يجوز.
[١٥٧١] ومنه حديث ثوبان ﵁ (١٨٥/ب): (لما نزلت: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: لو علمنا أي المال خير، فنتخذه؟ (أي) رفع على الابتداء. قال الله تعالى: ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى ..﴾ لم يعمل فيه ما قبله. وقال - سبحانه - ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ فنصبه بما بعده. وفرق الكسائي بين الواقع والمنتظر، فقال: تقول: لأضربن أيهم في الدار، فتنصبه. ولا يجوز أن تقول: ضربت أيهم في الدار [] منصوب بالفاء في جواب الشرط. وقوله أفضله لسانه ذاكر) الضمير فيه راجع إلى الشيء الذي يحسن بالإنسان أن يتخذه قنية لنفسه فإن قيل: سألوه عن أفضل المال ليتخذوه، ودلهم على اللسان الذاكر والقلب الشاكر، والمرأة المؤمنة وليس ذلك من المال في شيء قلت: قد اكتفى من الجواب في قنية المال بما عهد إليهم في الكتاب والسنة من التجنب عن قنية المال، والتكالب في طلبه، ودلهم على ما عرف فيه النفع المحض، ولم ير عليهم في اتخاذه تبعة، وذلك من التحويل في الكلام من مقتضى اللفظ إلى ما يقتضيه المعنى.
стр. 494
ومن باب أسماء الله تعالى
(من الصحاح)
[١٥٧٢] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدة ...) الحديث. فإن قيل: نحن وجدنا نبي الله ﷺ يختار من الألفاظ أبلغها، ومن الأقوال أوجزها، وقد أكد في هذا الحديث تسعة وتسعين بمائة إلا واحدة، وذلك ظاهر من القول غير مفتقر عند المخاطب به إلى تأكيد، وقد جل منصب الرسالة عن الإتيان بما لا طائل تحته في البيان، فما الفائدة التي تضمنها هذا التأكيد؟! قلنا: معرفة أسماء الله تعالى وصفاته لما كانت متلقاة من طريق الوحي عن النبي ﷺ ولم يكن لنا أن نتصرف فيها بما نهتدي إليه بمبلغ علمنا، ومنتهى عقولنا، وقد منعنا عن إطلاق ما لم يرد به التوقيف من ذلك، وإن جوزه العقل، وحكم به القياس، كان الخطب في ذلك غير هين، والمخطيء فيه غير معذور، والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضي، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعا باشتباه تسعة وتسعين في زلة الكاتب وهفوة القلم بسبعة وتسعين، أو بسبعة وسبعين، أو تسعة وسبعين، فينشأ الاختلاف في المسموع من المسطور فأكده بقوله (١٨٧/أ) هذا حسما لمادة الخلاف، وإرشادا إلى الاحتياط في هذا الباب.
وأما وجه التأنيث في قوله: (إلا واحدة) فهو أن نقول: ذهب إلى التأنيث إرادة إلى التسمية أو الصفة أو الكلمة، وفيه: (من أحصاها دخل الجنة) أي من أتى عليها حصرا وتعدادا وعلما وإيمانا فدعا الله بها، وذكره وسبحه وأثنى بها عليه - استحق بذلك أن يدخل الجنة. وإنما ذكر دخوله الجنة على صيغة الماضي تحقيقا لذلك وتنبيها على أن ذلك وإن لم يكن بعد فإنه في حكم الكائن، وقد ذكرنا تفسير الإحصاء واشتقاقه في بيان قوله: (استقيموا ولن تحصوا) فيما تقدم معنى من هذا الكتاب، وقد ذكر فيه وجهان آخران: أحدهما أن يكون الإحصاء بمعنى الإطاقة؛ أي: أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها، وذلك بأن يعتبر معانيها، فيطالب نفسه بما تتضمنه من صفات الربوبية وأحكام العبودية، فإذا قال: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبال، المتكبر - لم ير التعبد والحمد إلا له، والثناء والتوكل إلا عليه، والثقة واللياذ إلا به، والرجاء والخشية إلا منه، والخضوع والتذلل إلا فيه، والملجأ والمناص منه إلا إليه، وإذا قال: الرحيم الغفور تحقق بنيل الرحمة والمغفرة منه،
стр. 495
وإذا قال: الرزاق لم يهتم بأمر الرزق، ولم يتعرض في طلبه لغير من تكفل به، وعلى هذا حتى يستوفى سائر الأسماء.
والوجه الآخر أن يكون بمعنى العلم؛ أي: عقلها وأحاط بمعانيها، ويكون من قولهم: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل ولب، قال كعب بن سعد الغنوي:
وإن لسان المرء ما لم يكن له .... حصاة على عوراته لدليل
أو يكون مستعارا في العلم، من الإحصاء الذي هو عد الشيء لكونه متوجها للعلم به. الوتر: الفرد، والله سبحانه هو الوتر؛ لأنه واحد لا شريك له، بل هو الوتر من حيثما له الوحدة من كل وجه، وقوله: (يحب الوتر) أي: يثيب عليه ويقبله من عامله؛ لما فيه من التنبه على معاني الفردانية قلبا ولسانا وإيمانا، وإخلاصا، وإيثارا لكل فرد من الأذكار والأعمال، تحقيقا لمحبة من هو الفرد الوتر على الحقيقة.
ثم إنه أدعى إلى معاني التوحيد، والله أعلم.
[١٥٧٣] ومنه: حديث الآخر عن النبي ﷺ (١٨٧/ب) (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً من
стр. 496
أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو ..) الحديث. قلت: قد ألف العلماء في شرح أسماء الله تعالى كتبا مفردة أتوا فيها على ما يستفتح به الغلق عن ألفاظها، ويستوضح به العويص من معانيها، فلم نر أن نتعمق في شرحها، ولا أن نضرب صفحا عن ذكرها، ورأينا أن نستكشف عن غريب ألفاظها بمقدار الحاجة، لئلا يفتقر المحصل في بيانها إلى غير هذا الكتاب، فمن ذلك: القدوس السلام، وقد مر تفسيرهما.
ومنه المؤمن، قيل: إنه الذي لا يخاف ظلمه، وقيل: الذي آمن أولياءه عذابه، وقيل: المصدق عباده المؤمنين يوم القيامة.
ومنه المهيمن، ومعناه: القائم على خلقه: قال الله : ﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾ أي قائما على الكتب، قال الشاعر:
ألا إن خير الناس بعد نبيه .... مهيمنه التاليه في العرف والنكر
ومنه العزيز، ومعناه: القاهر الغالب، تقول: عز فلان فلانا يعزه عزا: إذا غلبه.
قال الله تعالى: ﴿وعزني في الخطاب﴾ أي غلبتني، قال عمر بن أبي ربيعة:
هنالك إما يعز الهوى .... وإما على أثرهم تكمد
ومنه الجبار، وهو القهار، ويكون أيضا المسلط، قال الله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ أي: مسلط، ويقال للذي يقتل على الغضب: جبار، ويحتمل في صفة الله أن يكون من الإجبار الذي هو في معنى الإكراه. أو من الجبر في معناه أيضا، يقال: جبره السلطان وأجبره، على هذا فسر بالقهار والمسلط. ويحتمل أن يكون من الجبر، وهو أن يغنى الرجل من فقر، أو يصلح عظمه من كسر.
стр. 497
ومنه المتكبر، قيل: هو ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، قال الله تعالى: ﴿وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ أي: الملك، وقد مر في الكتاب تفسيره.
ومنه البارئ: وهو الخالق، يقال: برأ الله الخلق، ومنه البرية تركت العرب همزها، والبارئ خص بوصف الله فلا يسلك به مسلك المجاز، ولا يتسع فيه كما يتسع في الخلق. والفرق بينهما أن الخالق في كلامهم: المقدر ﴿وتخلقون إفكا﴾ أي: يقدرون كذبا، ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾، أي: المقدرين والبارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من الاضطراب وعدم التناسب، متميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، ولهذا المعنى اختص في الغالب في الحيوان، فلا يستعمل في الجمادات إلا في النادر؛ لأن المعنى الذي ذكرناه في الحيوان أكثر وأظهر.
ومنه الفتاح، وهو الحاكم، قال الله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾، ومعناه: إن تستقضوا فقد جاكم قضاء الله، ومنه قوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ قال الشاعر:
ألا أبلغ بني عمرو رسولا .... بأني عن فتاحكم غني
أي عن محاكمتكم.
ومنه: القابض والباسط؛ هو الذي يوسع الرزق ويقتره على ما تقتضيه الحكمة، ويحسن القرآن في الذكر بين هذين الاسمين، وكذلك في كل اسمين يردان موردهما، كالخافض والرافع، والمعز والمذل، والضار والنافع، فإن ذلك أنبأ عن القدرة، وأدل على الحكمة، والأولى لمن وفق لحسن الأدب بين يدي الله أن لا يفرد الاسم المنبئ عن القبض والخفض وما في معناهما، بل يضم إلى ذلك ما هو أعرف عن وجه الحكمة.
ومنه: الحكم والحاكم، وذلك لمنعه الناس عن المظالم.
ومنه: العدل، مصدر أقيم مقام الاسم، وحقيقته ذو العدل، وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، والعدل خلاف الجور.
ومنه: اللطيف، وهو البر بعباده الذي يوصل إليهم ما ينتفعون به في الدارين، ويهيئ لهم ما يتسببون به إلى المصالح من حيث لا يعلمون، ومن حيث لا يحتسبون.
ومنه الخبير: وهو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته، وإذا وصف به المخلوقون فإنه يراد به نوع من العلم يدخله الاختيار، وتعالى الله عن ذلك، فإن علمه سواء فيما ظهر وفيما بطن.
ومنه: الغفور الشكور بناء الكلمتين للمبالغة، وهو الذي تكثر مغفرته (١٨٨/ب) ويشكر لليسير على الطاعة.
ومنه: المقيت، وهو المقتدر عند أكثر أهل اللغة، قال الشاعر:
وذي ضغن كففت الفضل عنه .... وكنت على مساءته مقيتا
وقيل: هو الحافظ للشيء، والشاهد له، قال الشاعر
стр. 498
ليت شعري وأشعرن إذا ما .... قربوها مطوية ودعيت
إلى الفضل أم علي إذا حوسب ... ت إني على الحساب مقيت
قلت: وقد ذكر ابن الأنباري عن أبي عبيدة أنه قال: المقيت: الموقوف على الشيء، وأنشد البيتين، ولو كان الأمر على ما نقله عنه لم يتعلق هذا التفسير بما نحن فيه من تفسير أسماء الله تعالى، وإنما معنى قوله: إني على الحساب مقيت - أي: أعرف ما عملت من سوء، فإن الإنسان على نفسه بصيرة، على هذا فسره ثعلب وغيره.
ومنه: الحسيب وهو المحاسب ﴿وكفى بالله حسيبا﴾ أي: رقيبا يحاسبهم عليه، وهو الكافي أيضا بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم، من قولهم: أحسبني أي: أعطاني ما كفاني.
ومنه: الواسع الغني، الذي وسع غناه مقافر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه، ويصح أن يكون الواسع الذي يسع لما يسأل، وقيل هو المحيط بكل شيء، قال الله تعالى: ﴿وسع كل شيء علما﴾ أي أحاط بكل شيء علما، قال أبو عبيدة:
حمال أثقال أهل الود آونة .... أعطيهم الجهد مني بله ما أسع
أي أعطيهم ما لا أجده إلا بالجهد فدع ما أحيط به وأقدر عليه.
ومنه: الودود، وهو المحب لعباده، فيكون بمعنى الواد، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المفعول أي المودود في قلوب أوليائه، بما ساق إليهم من المعارف، وأظهر لهم من الألطاف.
ومنه: الشهيد، وهو الذي لا يغيب عنه شيء، والعبرة فيه بمعنى الحضور أي: الحاضر الذي لا يعزب عنه شيء، وقيل: المتحقق كونه: وهو وجوده، والأصل في الحق المطابقة. والله - تعالى - هو الحق لأنه الموجد للشيء على ما تقتضيه الحكمة، وقد مر القول فيه.
ومنه: الوكيل، قيل هو الكافي، وقيل الكفيل بارزاق العباد، والأصل في التوكيل أن تعتمد على الرجل وتجعله نائبا عنك، قال الله تعالى: ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ أي: اكتف به أن يتولى أمرك، ويتوكل لك.
ومنه القوي، والمراد به الذي لا يستولى عليه العجز في حالة من الأحوال بخلاف حال كل مخلوق ومربوب.
ومنه: المتين، وهو (١٨٩/أ) الشديد القوة، الذي لا يعتريه وهن ولا يمسه لغوب، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة أنه قادر بليغ الاقتدار على كل شيء، والذي يفسر المتين، بالقوي فإنه لم يصنع شيئا، لأنهما يدلان في الكتاب على وصفين: قال تعالى: ﴿ذو القوة المتين﴾، فإن قيل: فقد قرئ المتين بالجر صفة للقوة، قلنا: العبرة فيه بقراءة الجمهور، لاسيما الآية السابقة فإنهم اتفقوا على الرفع، وقد رواه بعضهم بالباء ذات النقطة الواحدة، ولا اعتداد بتلك الرواية لورود هذا الاسم بالتاء في كتاب الله، ثم لورود الرواية فيه بطريق أثبت منها.
стр. 499
ومنه: الولي، وهو الناصر ينصر عباده المؤمنين، وهو أيضاً المتولي [لأمور العالم] القائم به، وأصله من الولي: وهو أقرب. ومنه: المحصي، وهو الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يعزب عنه مثقال ذرة.
ومنه: القيوم، وهو القائم الدائم على كل شيء، ويقال أيضاً القيام، والقيم، والقيوم نعت المبالغة في القيام على الشيء. ومنه الواجد، ويكون الواجد من الجدة، فيكون المراد الغنى الذي لا يفتقر إلى شيء، ويكون من الوجود، وهو الذي لا يحول بينه وبين ما يريده حائل.
ومنه: الواحد الأحد، كلا الاسمين دال على معنى الواحدانية، وقد قيل: الفرق بينهما أن الواحد هو المنفرد بالذات، لا يضاده آخر، والأحد المنفرد بالغنى لا يشاركه فيه أحد، والواحد يصلح في الكلام في موضع الإثبات، والأحد في موضع الجحود، ولا يستعمل وصفاً مطلقاً إلا في وصف الله سبحانه. ولم نجد الواحد في الأسماء المروية عن أبي هريرة، عن طريق صفوان بن صالح في كتاب أبي عيسى، فإنه يرويه عن إبراهيم بن يعقوب عنه، وهو موجود في سائر نسخ المصابيح، فلعله لم ينقله من كتاب أبي عيسى، ونقله من غيره، فإن هذا الحديث يروي بطريق آخر سوى طريق أبي عيسى، وأرضاها ما رواه عن إبراهيم عن صفوان عن الوليد بن مسلم عن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزَّناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
ومنه الصمد، اختلفت أقاويل أهل التفسير في بيانه، وأولى تلك الأقاويل بالتقديم ما وافق أصول اللغة، واشتهر من أهل اللسان، وهو أن الصمد: السيد المتفوق في السؤدد، الذي يصمد إله الناس في حوائجهم وأمورهم، قال الشاعر:
سيروا جميعاً بنصف الخيل واعتمدوا .... ولا رهيبة إلا سيدٌ صمدُ
ومنه: القادر وهذا وإن كان ظاهر المعنى فإنما أردنا بإيراده. (١٨٩/ب) أن نذكر أنه محتمل لكونه في معنى المقدر، قال الله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾.
ومنه المقتدر، وزنه مفتعل من القدرة، والاقتدار أبلغ وأعم؛ لأنه يقتضي الإطلاق. والقادر والمقتدر إذا وصف الله تعالى بهما فالمراد منه نفي العجز عنه، فيما يشاء ويريد، ومحال أن يوصف بالقدرة المطلقة معنى غير الله، وإن أطلق عليه لفظاً.
ومنه: المقدم المؤخر، معنى التقديم والتأخير فيهما هو تنزيل الأشياء منازلها وترتيبها في التكوين والتفضيل، وغير ذلك، على ما يقتضيه الحكمة، قال الخطابي: والجمع بين هذين الأسمين أحسن منه التفرقة كما قلنا في بعض ما تقدم من الأسماء. ومنه الأول الآخر فالأول: هو الذي لا شيء قبله ولا معه، والآخر: الباقي بعد فناء الخلق، المتعالي في أوليته عن الابتداء، كما هو المتعالي في آخريته عن الانتهاء.
стр. 500
ومنه: الظاهر وهو لآياته الباهرة الدالة على وحدانيته وربوبيته، ويحتمل أن يكون من الظهور الذي هو بمعنى العلو والغلبة، ويدل عليه قوله ﷺ : (أنت الظاهر فليس فوقك شيء).
ومنه الباطن. وهو الذي لا يتولى عليه توهم الكيفية، وهذان الاسمان واللذان قبلهما لا يقال إلا مزدوجين، وقد يكون معنى الظهور والبطون احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه ببصائر المتفكرين، وقيل: هو العام بما ظهر من الأمور، والمطلع على ما بطن من الغيوب.
ومنه الوالي هو المالك للأشياء، المتولي لها، وقد يكون بمعنى المنعم عوداً على بدء
ومنه البّر، هو العطوف على عباده، الذي عم ببره جميع الخلق، يحسن إلى المحسن بتضعيف الثواب، وإلى المسيء بالصفح والعفو وقبول التوبة.
ومنه: ذو الجلال والإكرام، وقد مرّ تفسيره.
ومنه المقسط، وهو العادل الذي لا يجور، أقسط الرجل فهو مقسط: إذا عدل، قال الله تعالى﴾ إنْ الله يحب المقسطين ﴿.
ومنه الجامع، وهو الذي يجمع الخلائق ليوم لا ريب فيه، وقيل: الجامع لأوصاف الحمد والثناء.
ومنه: المانع، قيل هو من المنعة أي: يحوط أولياءه وينصرهم، وقيل: من المنع والحرمان، أي يمنع من يستحق المنع، فمنعه حكمة، وعطاؤه جود ورحمة.
ومنه: الضار النافع، وقد بينا الوجه فيه وفي نظائره.
ومنه النور، وقد تكلمنا في بيانه في قوله: (أنت نور السموات والأرض).
ومنه (البيع) وهو الذي فطر الخلق مبدعاً لا على مثال سبق.
ومنه: (الوارث) وهو الباقي بعد فناء الخلق، وصف الله نفسه بأنه (الوارث)؛ لأن الأشياء صائرة إليه، قال:
هون عليك ولا تولع بإنفاق .... فإنما [الدنيا] للوارث الباقي
ومنه: (الرشيد) هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، وقد تكون بمعنى [المدبر] الحكيم، أي ذي الرشد لاستقامة تدبيره.
ومنه (الصبور)، والصبور فيما يتعارفه الخلق من صفات المخلوقين، هو القادر على الصبر، وتعالى الله سبحانه بأن يطلق ذلك في صفته إطلاقه في المخلوقين، وإنما يقع ذلك موقع البيان للمعنى الذي يبعد عن أفهامنا بما نعرفه في الشاهد وما أكثر ما يوجد من هذا الباب في أحاديث الرسول ﷺ ، وقد أشرنا إلى نظائره في غير هذا الموضع، فمعناه في صفة الله: هو الذي لا يعاجل بعقوبة العصاة، لاستغنائه عن التسرع حذراً من الفوات، ثم لاستواء القريب والبعيد في حكمه. وهو قريب المعنى من الحليم، إلا أن اسم الحليم
стр. 501
مشعر بسلامة المذنب عن العقوبة ولا كذلك في الصبور، وما من أسم من الأسماء التي في هذا الحديث إلا وقد ورد به الكتاب أو السنة الصحيحة على صيغته في هذا الحديث غير الصبور، فإنه وجد في الحديث الصحيح على ما يدل على معناه، وهو قوله ﷺ : (لا أحد غير أصبر على أذى يسمعه من الله)، فأما لفظ الصبور فلم نجده إلا في حديث أبي هريرة هذا وهو حديث غريب وهو غير
موجب للعلم، لكونه من جملة الآحاد، إلا أن العلماء قد عولوا فيها على ما وجدوه في كتاب الله تعالى أو في السنن الصحاح، فإن قيل: إنا نجد في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله أسماء في هذا الحديث، ومما دل عليه الكتاب: الرب، المولى، البصير، المحيط، الفاطر، الكافي، العلام، المليك، ذو الطول، ذو المعارج، ومما وردت به السنة: الحنان، المنان، الدائم، الجميل، فهي [....] غير منحصرة في تسعة وتسعين.
فما وجه قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)؟ قلنا: قد علمنا بما ذكرتم من الأسماء، وبما ورد على منوالها في كتاب أو سنة وبما ثبت من المأثور الدال على أن في أسماء الله ما استأثر هو بعلمه أن النبي ﷺ لم يرد بقوله: (إن لله (١٩٠ /أ) تسعة وتسعين اسماً) الحصر ونفي ما يزيد عليها، بل أراد تخصيصها بالذكر لكونها أشهر لفظاً، وأظهر معنى.
وقد جمع من أصحاب المعاني: إن هذا الحديث قضية واحدة، فقوله: (من أحصاها دخل الجنة) ليس بمنفصل عن قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) بل هو واقع موقع الوصف [حتى] الأسماء المعدودة، فلا يتم الكلام في الفصل الأول إلا مرتبطاً بالفصل الآخر، ونظير ذلك قول القائل: إن لفلان ألف شاة أعدها للأضياف فلا يدل على أنه لا يملك غيرها.
ومن باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل
(من الصحاح)
[١٥٧٨] حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ : (أفضل الكلام أربع .... الحديث)، فإن قيل: قوله: (أفضل الكلام) هل هو متناول لكلام الله أم لا؟ قلنا: يحتمل الوجهين،
стр. 502
أما تناوله لكلام الله، لأنه موجود في كتاب الله، أما الأولى والثانية والثالثة فالفظاً، وأما الرابعة فمعنى، إن لم يوجد اللفظ على هذه الصيغة وإذا كانت الكلمات الثلاث موجودة في كتاب الله على هذه الصيغة وكل كلمة منها مستقلة بنفسها غير مفتقرة في تمام المعنى إلى صاحبتها، صح أن يقال: إنها أفضل الكلام على الإطلاق، لأنها هي الجامعة لمعاني التنزيه والتوحيد، وأقسام الحمد والثناء، وكل كلمة منها معدودة من كلام الله، وفي معناه حديث أبي ذر ﵁ سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الكلام، فقال: (ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده) وأما إفراد ذلك من جملته، لأنه في النظم مخالف لنظم الكتاب، وإن كانت بإفراد كلماتها
داخلة في جملة الوحي إذ العبرة في ذلك للنظم، فلما فارقت الكتاب في النظم لم يكن حكمها في الفضل والكرم كحكم الكتاب، ويدل على صحة هذا المعنى قوله ﷺ : (أربع هن من القرآن وليس بقرآن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، أي هي موجودة في القرآن، وليس بقرآن من جهة النظم، وقال ﷺ : (أفضل الذكر بعد كتاب الله سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
[١٥٨٥] ومنه قوله ﷺ في حديث جويرية ﵂: (لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن) أي: لو قوبلت بما قلت لساوتهن من قولهم: هذا يزن درهماً، أي يعادله ويساويه، قال الشاعر:
стр. 503
مثل العصافير أحلاماً ومقدرة .... لو يوزنون بزفّ الريش ما وزنوا (١٩٠/ب)
ويحتمل أن يكون بمعنى الرجحان أي ربت عليهن في الوزن كما تقول: (حاججته فحججته)، أي [ظفرت] عليه بالحجة ولو أعاد الضمير إلى [ما لا] يقتضيه اللفظ لقال: لوزنته، ولكنه ذهب إلى ما يقتضيه المعنى تنبيهاً على أنها كانت [كلمات] كثيرة. واليوم في قوله: (منذ اليوم) مجرور، وهو الاختيار، وقوله: (سبحان الله) نصب على المصدر، كأن القاتل يقول: سبحت الله تسبيحاً ثم يجعل في موضع التسبيح سبحان كما يجعل الكفران في موضع التكفير، فقول القائل: كفرت عن يميني كفراناً.
(وعدد خلقه) أيضاً نصب على المصدر، وكذلك البواقي، والمعنى سبحته تسبيحاً يبلغ عدد خلقه، (وزنة عرشه)، أي: ما يوازنه في القدر والوزانة، يقال: هو زنة الجبل، أي حذاؤه في الثقل والرزانة.
وفيه: (ورضي نفسه) أي ما يقع منه سبحانه موقع الرضا أو ما يرضاه لنفسه وفيه: (ومداد كلماته) المداد مصدر (كالمدد) تقول: مددت الشيء أمده مدا ومداداً، وقيل: يحتمل أن يكون جمع مد فإنه يجمع على مداد، وعلى هذا يكون المراد من المداد المكيال والمعيار، وقد ورد في الحديث، (عدد كلماته) أي أسبح الله عدد كلماته، وكلمات الله تعالى يقال: إنها علمه، ويقال: كلامه، ويرد أيضاً معناها إلى القرآن، وذكر العدد فيها على الوجوه مجاز ومعناه المبالغة في الكثرة، لأنها لا تنفد فتنحصر، ويحتمل أن يراد بها عدد الأذكار أو عدد الأجور عليها.
[١٥٨٦] ومنه: حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ : (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز
стр. 504
من كنوز الجنة)، الأصل في الحول: تغير الشيء وانفصاله عن غيره، ويفسر بالحيلة، وهي ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية، وقيل: الحيلة: هي الحول، قلبت واوه ياء لانكسار ما قبله، ومنه: رجل حول والمعنى: لا توصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك، وأما قولهم: بحول الله وقوته، فقد يفسر بالقوة، وليس بسديد، لأن القوة معطوف عليه، والوجه فيه أن يقال: بقدرته التي يحول بها بين المرء وقلبه، ونحو ذلك من المعاني.
والحول: الحركة، يقال: حال الشخص إذا تحرك. ومنه قوله ﷺ (بك أحول وبك أصول) على العدو والمعنى في حديث أبي موسى: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى (١٩١/أ).
وحول: منصوب بلا النفي، ويسميه بعضهم التبرئة ويكون الجار والمجرور خبراً له، ويجوز فيها الرفع، وفيها غير ذلك والأقوم والأكثر نصب الكلمتين، وفيه (كنز من كنوز الجنة) أي يعد لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا، لأن من شأن الكانزين أن يستعدوا به ويستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة إليه.
(ومن الحسان)
[١٥٩٢] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (لو أن السموات السبع وعامرهن
стр. 505
غيري)، يقال لزائر المكان: عامر وللمقيم به: عامر من قولهم: عمرت المكان وعمرت بالمكان إذا أقمت به، ومنه عمار البيت، وهم سكانها من الجن، واصل ذلك من العمارة التي هي نقيض الخراب، واستعمل في الزيادة لما فيها من عمارة الود، ومنها استق العمرة، واستعمل في الإقامة، لأن بها عمارة المكان، وقيل في قوله سبحانه:﴾ واستعمركم فيها ﴿جعلكم من عمارها أي: سكانها، وقيل: جعلها لكم مدة عمركم، وقيل: فوض إليكم عمارتها، ويقال: أعمر الله بك منزلك وعمر بك منزلك، أي جعله معموراً بك فعامر السموات على الحقيقة هو الله سبحانه، لأنه هو الذي أقامها ثم جعلها عامرة بسكانها الذين ﴿لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (١٩) يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ فلم يكن الاستثناء للاشتراك في المعنى إذ هو سبحانه بائن عن خلقه بجميع صفاته، لا يحيط به شيء وهو بكل شيء محيط، بل كان الاستثناء لتناول اللفظ كلا المعنيين، وجواز استعماله في الصيغتين فالله تعالى عامرها لما خلق فيها من الملائكة الذين هم سكانها فعمرها بهم، ولما قيض من إبقائها وحراستها عن التفاوت والتهافت على ما قال عز من قائل: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ والملائكة عمارها للمعنى الذي ذكرناه.
[١٥٩٦] ومنه: حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : (التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملؤه .....)، التسبيح أخذ من السبح، وهو المر فاستعمل التسبيح في المر السريع في عبادة الله وجعل ذلك في الخير قولاً كان أو فعلاً أو نية وأريد به في هذا الحديث ذكر الله تعالى على نعت التنزيه، ولما كانت الطاعات مقصورة على هذه الأقسام الثلاثة (١٩١/ب).
(أعني) القول والفعل والنية وكانت النية مقترنة بالإثنين أعني القول والفعل لا يصح أحدهما مع خلوه عن النية التي هي قصد القلب -رجع الأمر فيها إلى قسمين قول وفعل.
ولما كان التسبيح من أفضل ما يقال وأتمه أقيم سائره في الثواب وذلك النصف من كفة الحسنات؛
стр. 506
لأن الوزن لها يتعدى عن هذين القسمين مع اقترانهما بالنية، فقوله: (نصف الميزان)، أي نصف ما يوزن فبملأ منه كفة الحسنات.
وأما قوله: (الحمد لله يملأ الميزان)، فترى فيه وجهين: أحدهما: أن الحمد يقوم مقام النصف الآخر فيملأ الميزان، وإليه يشير قوله ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده).
والآخر: أن الحمد يبلغ في الثواب مبلغ الكمال فيملأ كفة الحسنات، لأنه يحتوي على أمرين عظيمتين (هما الأصلان) في أحكام العبودية التسبيح لله والتسليم لأمره ولهذا المعنى وجد الحمد من أعلى المقامات، وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ بقوله: (بيدي لواء الحمد يوم القيامة) وهذا الذي ذكرناه معنى من طريق الاحتمال، والحديث محتمل لغيره، والله أعلم ورسوله بحقيقة ذلك.
[١٥٩٨] ومنه: حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة وعذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر).
القاع: المستوى من الأرض، والقيعة مثله، وجمعه أقوع وأقوع، وقيعان صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
والغراس: جمع غرس، وهو ما يغرس، والغراس أيضاً وقت الغرس مثل الحصاد، والجِداد والقطاف، والغرس إنما يصلح في التربة الطيبة وينمو في الماء العذب وأحسن ما يتأتى في القيعان. أعلمهم أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة وتفيده مخاوفها، وأن الساعي في إكسابها هو الذي لا يضيع سعيه لأنها المغْرِس الذي لا يتلف ما اسُتودع ولا يخلف ما نُبت فيه
[١٥٩٩] ومنه: حديث يسيرة ﵁ قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : (عليكن بالتسبيح والتهليل ... الحديث) هيلل الرجل وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله، وقد أخذنا في التهليل والهيللة (١٩٢/أ) ومثله حيعل إذا قال حي على الفلاح، والعرب إذا كثر استعمالهم الكلمتين، ضمنوا بعض حروف احديهما إلى بعض حروف الأخرى، ومنه البرقيلة، وهو: قصد كلام لا فعل معه، يقولون: أخذنا في البرقلة، وهو مأخوذ من البرق الذي لا يتبعه مطر، ومنه الحوقلة والحولقة والبسلمة:
стр. 507
قال الشاعر:
لقد بسملت هند غداة لقيتها .... فيا بأبي ذاك الحبيب المبسمل
وفيه: (واعقدن بالأنامل) يقال: عقدت عليه الأنملة إذا عدّه، ومنه قولهم: فلان أول من يعقد عليه الخناصر، أي يبدأ به في حصر ذوي الألباب والأحساب، أحب ﷺ أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن ليحط عناه بذلك ما اجترحته من الأوزار.
وفيه: (فإنهن مسئولات ...) أي: يسألن يوم القيامة عما اكتسبن ويستنطقن فيشهدن على أنفسهن بما اكتسبنها من الأوزار، قال الله تعالى:﴾ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ﴿.
وفيه (فتنسين الرحمة) النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو قصد، أي إنكن استحفظتن ذكر الرحمة، وأمرتن بمسألتها، فإذا غفلتن ضيعتن ما استودعتن عن ذلك، ويسرة هذه هي بنت ياسر أم خميصة، وهي جدة هانئ بن عثمان.
ومن باب الاستغفار والتوبة
(من الصحاح)
[١٦٠١] حديث الأغر بن يسار المزني ﵁ عن النبي ﷺ : (إنه ليغان على قلبي ... الحديث) الغين لغة في الغيم، قال الشاعر يصف فرساً:
كأني بين خافيتي عقاب .... أصاب حمامة في يوم غين
وغين على كذا، أي: غطى عليه، وقال أبو عبيد في الحديث، أي يتغشى قلبي ما يلبسه، وقد بلغنا عن الأصمعي عبد الملك بن قريب أنه سئل عن هذا الحديث، فقال للسائل: عن قلب من يروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي ﷺ ... فقال: لو كان غير قلب النبي ﷺ ، لكنت أفسره لك.
ولله دره في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه، ومنزل تنزيله، وبعد فإنه مشرب سُدّ عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه، وأحق من يعرب أو يعبر عنه مشايخ الصوفية الذين نازل الحق أسرارهم ووضع الذكر عنهم أوزارهم ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب في الوقوف عليه مذهبين:
стр. 508
أحدهما أن نقول: لما كان النبي ﷺ أتم القلوب صفاء، وأكثرها ضياء وأعرقها عرفاناً) وكان معنياً مع ذلك بتشريع الملة، وتأسيس [السنة] ميسراً غير معسر، لم يكن له بد من النزول إلى الأخص والألفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرع [كدورتها] إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرق وأضفى كان ورود التأثيرات عليه أبين وأهدى. وكان ﷺ إذا أحسن بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنباً فاستغفر منه، ولهذا المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول غفرانك.
والآخر أن نقول: إن الله تعالي كما فناه عن العالين، أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا به، فإنه ﷺ لو ترك وما هو عليه وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم يكن ليتفرغ لتفرغ لتعريف الجاحد وتعليم الجاهل فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم الفينة بنوع من الحجبة والاستتار ليكمل حظهم فيرى ذلك من سيئات حاله فيستغفر منه، والله أعلم.
[١٦٠٣] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي ذر-﵁ (إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر)، المخيط بكسر الميم بعدها خاء مجزومة: الإبرة، وكذلك الخّياط.
قلت: وهذا كلام خرج مخرج المعهود من كلام الناس على سبيل الاتساع، فإن الذي تناه الإبرة من بلل البحر، وإن دق لا يخلو من نقصان ما، ومثل ذلك وما هو أدنى منه، لا مدخل له في سعة فضل الله وغناه.
وفيه: (إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها)، أحصيها أي: أحفظها عليكم، فلا تعزب عن علمه مثقال ذرة، ومنه قوله سبحانه: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ وقوله: (أوفيكم إياها) أي: (أجزيكم) بها كاملة موفرة وأطلعكم عليها بالتمام. وتوفية الشيء: بذله وافياً، واستيفاؤه: تناول وافياً.
[١٦٠٤] ومنه: قوله صلى الله عليه في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (فنأى بصدره نحوها)
стр. 509
(١٩٣/أ) ناء بحمله، مثل ناع، إذا نهض به متثاقلاً، أي: نهض بصدره. وفيه تنبيه على [عجزه] النهوض بالكلية، ويجوز أن يكون مثل [تعني] أي تباعد بصدره ونحوها، وقد قرئ بهما في الكتاب﴾ ونأي بجانبه ﴿[والوجه] في الحديث هو الأول وقد وردت به الرواية، وقال عبد (الظاهر) الفارسي: يحتمل أن يكون ناء بمعنى نأى كقولهم: رأي وراء.
[١٦٠٥] ومنه: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ : (لو لم تذنبوا لجأ الله بقوم يذنبون ...) لم يرد هذا الحديث مورد تسلية [للمنهكين] في الذنوب وتوهين أمرها على النفوس، وقلة الاحتفال منهم بمواقعهتها على ما يتوهمه أهل [الغرة] بالله، فإن الأنبياء -صلوات الله عليهم- إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غثيان الذنوب، واسترسال نفوسهم فيها، بل ورد مورد [التنبيه والبيان] لعفو الله عن المذنبين، وحسن التجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار.
والمعني المراد من الحديث هو أن الله تعالى كما أحب أن يحسن إلى المحسن، أحب أن يتجاوز عن المسيء، وقد دل على ذلك من أسمائه غير واحد من الأسماء، ولما كان من أسمائه الغفار، الحليم، التواب العفو، لم يكن ليجعل العباد شأناً واحداً كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب، بل يحلق فيهم من يكون بطبعه ميالاً إلى الهوى مفتتناً بما [يقتضيه] ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره عن مداناته، إنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب فيتخلى عليهم بتلك الصفات على مقتضي الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفوراً، كما أن الرزاق يستدعي مرزوقاً.
[١٦٠٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي موسى ﵁ (يبسط يده بالليل) بسط اليد عبارة
стр. 510
عن التوسع في الجود، والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة، ومنه الباسط، وقد ذكرناه وهو في الحديث تنبيه على سعة رحمة الله، وكثر تجاوزه عن الذنوب، والله أعلم.
[١٦٠٩] ومنه: حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : (لله أشد فرحاً ... الحديث) اللام المفتوحة التي تدخل على الكلمة للتوكيد، وقد فسروا الفرح -هاهنا- بالرضا. (١٩٣/ب) [واستدلوا بقول] بعض أهل التفسير في قوله ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ أي رضوان فإن [مال مائل] فلم يأت بالبيان على صيغته [فقد يمكنه أن يقول: أفرح] أشد رضي ثم إن استدلا له بقول أهل التفسير قول غير مقنع؛ لأنه في الآية عدول عن الظاهر من غير ضرورة.
قلنا: نحن نسلك في بيان الحديث [غير] هذا المسلك وهو أنا نقول: هذا القول وأمثاله إذا أضيف إلى الله سبحانه وقد عرف أنه مما يتعارفه الناس في نعوت بني آدم على ما تقدم في غير هذا الموضع أن النبي ﷺ إذا أراد بيان المعاني الغيبية ولم يطاوعه رسمه [المسلك فله أن يأتي فيه ... يقع دونه] وأنه المعنى المراد ولما أراد أن يبين للعباد أن التوبة عند الله أحسن موقع عبر عنه بالفرح الذي عرفوه من أنفسهم في [أولى] الأشياء، وأحبها إليهم؛ ليهتدوا إلى المعنى المراد منه ذوقاً وحالاً، وذلك بعد أن عرفهم أن إطلاق تلك الألفاظ في صفات الله تعالى على ما يتعارفونه في نفوسهم غير جائز وهذا باب [يعرف في] كثير من وجوه المتشابهات، ولا يجوز لأحد أن يتعاطى هذا النوع في كلامه ويتسع فيه إلا للنبي ﷺ فإنه يجوز له مالا يجوز لغيره لبراءة نطقه عن الهوى؛ ولأنه لا يقدم على ذلك إلا بإذن من الله تعالى، وهذه رتبة لا تنبغي لأحد إلا له - ﷺ .
[١٦١٠] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ (غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)
стр. 511
قلت: قوله: (فليفعل ما شاء). كلام يستعمل تارة في معرض السخط والنكر وطوراً في صورة التلطف والحفاوة وليس المراد منه في كلتا الصورتين الحث على الفعل والترخص فيه؛ بل التعرض والترك له والتنبيه على الردع عنه وأكثر ما يوجد ذلك في التهديد والأعراض عن المخاطب وقلة الاحتفال به وعلى هذا الوجه يأول قوله سبحانه: ﴿اعملو ما شيءتم إنه بما تعملون بصير﴾ وأما في هذا الحديث فإنه ورد مورد الحفاوة بالمخاطب وحسن العناية به، وذلك مثل قولك لمن توده وترى منه الجفاء: اصنع ما شيءت فليس بتارك لك. وعلى هذا المعنى يحمل قوله ﷺ - في حديث حاطب بن أبي بلعتة: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شيءتم فقد غفرت لكم).
ومنه قوله ﷺ في حديث شداد بن أوس ﵁ (أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي) أي أقر لك بما أنعمت به علي وأعترف بما اجترحت من الذنب من قولهم باء بحقه أي أقر، وذا يكون أبداً بما عليه لا له قال لبيد:
أنكرت باطلها وبؤت بحقها .... عندي ولم تفخر على كرامها
[١٦٣١] ومنه: حديث أنس ﵁ -عن النبي ﷺ (ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء)
стр. 512
العنان: السحاب وإضافته على هذا المعنى إلى السماء غير فصيح وأرى الصواب أعنان السماء وهي صفائحها والمعترض من أقطارها كأنها جمع عنن فلعل الهمزة سقطت عن بعض الروايات أو الروايات أو ورد العنان بمعنى العنن.
وفيه: (لو لقيتني بقراب الأرض خطايا) قراب الأرض: ماؤها، ومثله: طاقها وطلاعها وقد مر تفسيره.
[١٦١٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ (فذلكم الران ذكره الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾ أدخل الألف واللام في (ران) فأقام الكلمة مقام المصدر وذلك مثل قول الصحابي (نهى عن القيل والقال) و (كلا): ردع للمعتدي الأثيم: (بل ران) أي: غلب على قلوبهم فركبها كما يركب الصدأ الحديد. قال أبو عبيد: كل ما غلبك فقد ران بك ورانك وران عليك. ورين بالرجل: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ويقال: ران عليه الذنب وغان علينا ريناً وغيناً.
[١٦١٨] ومنه حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ (إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) الغرغرة: تردد الماء وغيره في الحلق، والغرغرة: صوت معه بحح. ويقال: الراعي يغرغر بصوته أي: يردده في حلقه وتغرغر صوته في حلقه أي: يتردد، ومعناه في الحديث: تردد النفس في الحلق عند نزع الروح وذلك في أول ما يأخذ في سياق الموت، وفسره بعض أهل الحديث: فقال: قبل أن يغرغر أي: قبل أن يبلغ الروح إلى الحلق.
стр. 513
وفيه نظر؛ لأنه تفسير غير مشهود به من ظاهر اللغة، بل هو غير سديد لمخالفته ظاهر النص قال الله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ ﴿قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ دلت الآية على أن التوبة ممن حضره الموت من ذوي المعاصي غير معتد بها كالإيمان من أهل الكفر عند معاينة الموت ولا يصح ذلك المعنى الذي لا يصح له الإيمان ثم إن التوبة إنما يتحقق مع إمكان النادم من العمل الذي يعزم على تركه [بعد] وبقاء الطمع في الحياة [....] إذا تحقق الموت وأيقن بانقطاع المدة، فتوبته غير معتد بها للمعنى الذي ذكرناه وقد حمل بعض المفسرين قوله: ﴿للذين يعملون السيئات﴾ على أهل النفاق [تحققاً] لصحة توبة المؤمن عند مشاهدة الموت، ولم يصنع شيئاً؛ لأنه عدول عن ظاهرة النص بغير دليل ثم إن قوله تعالى: ﴿ولا الذين
يموتون وهم كفار﴾ ينقص عليه دعواه؛ لكون أهل النفاق من جملتهم، وإنما حمل الذاهب إلى هذا القول مع وهنه التشدد في العصبية مع من يفرط في الطرف الآخر من [.....] والحق أولى أن يتبع، والأخذ بالقول الجامع بين ظاهر الآية والحديث أولى من الذهاب إلى قول يفرق بين الآية والحديث، وإذا قرنا الغرغرة بتردد النفس في الحلق عند النزع، فلا شك في [....] وبين الآية، ويكون معنى قوله: (ما لم يغرغر) ما لم يحضره الموت، فإنه إذا حضره الموت يغرغر، بتردد النفس في الحلق ونحن نسعى في محافظة نص الكتاب وتقرير معنى الحديث على الوجه الذي يوافق الكتاب بعد أن عرفنا صحة ما يذهب إلية الشواهد التي ذكرناها ثم إنا وإن أنكرنا صحة التوبة ممن حضره الموت وأيقن بالهلاك وتحقيق انعدام إمكان المراجعة، فإنا لا نقول والحمد لله بسد باب الرحمة عنه وتحريم المغفرة عليه بل نخاف [عليه] ونرجو له العفو من الله فإن الله -تعالى- يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
[١٦١٩] ومنه: حديث [....]﵁ عن النبي ﷺ : (إن الله جعل بالمغرب باباً
стр. 514
عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة الحديث. والمراد منه [والله أعلم- أن أمر التوبة هين] والناس عنه في فسحة وسعة ما لم تطلع الشمس من مغربها فإن باب [سعة] عرضه مسيرة سبعين عاماً لا يكاد يتضايق عن الناس إلا أن يغلق (١٩٥/ ١) وإغلاقه بطلوع الشمس من مغربها وذلك أن الناس [ترفع منهم] الأمانة ويصرون على المعاصي ويكثر فيهم الخبث، فلا تؤثر فيهم النذارات فيفجأهم تعالى بهذه الآية الملجئة إلى التوبة فيضطرون إلى الإيمان والتوبة في غير أوان التكليف، فلا ينفعهم ذلك، ويتحمل أن يكون الباب الموصوف عرضه بمسيرة سبعين عاماً هو المقدار [الذي] يتسع لجرم الشمس في طلوعها.
[١٦٢٣] منه حديث ابن عباس ﵁ في قوله تعالي: ﴿إلا اللمم﴾ الحديث اللمم: ما قل وصغر، ومنه قولهم: ألم بالمكان إذا قل فيه ليثه وألم بالطعام: إذا قل منه تناوله ويقال: زيارته لمام، أي قليلة، ومنه قول القائل:
لقاء أخلاء الصفاء لمام
وإلى هذا المعني أشار ابن عباس ﵁ بما نقله عن رسول الله ﷺ (إن تغفر اللهم تغفر جماً وأي عبد لك لا ألما)، وقوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ الاستثناء فيه منقطع ويجوز أن يكون قوله: ﴿إلا اللمم﴾ صفه إي: كبائر الإثم فالفواحش غير اللمم، قد تنوعت أقاويل أهل التفسير فيه، فمن قائل: هو النظرة والغمزة والقبلة، ومن قائل: الخطرة من الذنب ومن قائل: كل ذنب لم يذكر الله تعالى فيه حداً ولا عذاباً، ومن قائل عادة النفس الحين بعد الحين. ولا خفاء بأن المراد منه صغائر الذنوب لما ذكرناه من الشواهد اللغوية. فإن قيل فما وجه قول ابن عباس فيما أحال إلى النبي ﷺ من الشعر وكان لا يقول شعراً.
قلنا: البيت لأمية بن أبى الصلت الثقفي وكان ﷺ يعجبه شعره وكان يقول فيه: أسلم شعره فيلفظ به على إرادة الدعاء والاستحان له، فاستشهد به ابن عباس معنى اللمم من قول النبي ﷺ وهو من الرجز وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرجز ليس بشعر، وإنما الشعر ما كان مقفى آخره بعد تمام أوصاله على إحدى الأعاريض المشهورة من أنواعه فلهذا كان يجري هذا النوع على لسانه وكان يتجنب عما
стр. 515
عداه إما بالاكتفاء عن البيت بالمصراع الواحد كقوله (أصدق كلمة قالتها العرب، قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) وإما بتحريفه عن سنن الوزن كصنيعه في بيت طرفة:
ويأتيك من لم تزود بالأخبار
وذلك لتنزهه عن أن يضاف إليه ما نفى الله عنه قال الله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ والصحيح أن جريان الشيء اليسير منه على لسانه لا يلزم الاسم المنفي عنه.
[١٦٢٤] قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: (عطائي كلام وعذابي كلام) وقد فسر بما بعده: (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون)، والمعنى أن الخلق يعتريهم العجز في أحوالهم ويعتورهم العوز في إعطائهم ثم إنهم يفتقرون فيه إلى مادة فينقطع بهم انقطاع المادة، وأنا الغني والقادر الذي لا يفتقر إلى المواد ينقص ما عنده بالعطاء، وإني إذا أرادت إيجاد شيء لم يتأخر كونه عن الأمر. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل (١٩٥/ب).
стр. 516
بسم الله الرحمن الرحيم رب تم بالخير.
الحمد لله رب العاملين حمد الشاكرين، وصلى الله على خير خلقه ومظهر حقه محمد وآله الطيبين وأصحابه الطاهرين:
ومن الفصل
(من الصحاح)
[١٦٢٨] حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لما قضي الله الخلق ... الحديث) القضاء: فصل الأمر، قولاً كان ذلك أو فعلاً، فقوله: (قضي الله الخلق) أي خلقهم ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾.
وفيه: (فهو عنده فوق العرش) يحتمل أن يكون معناه: فعلم ذلك عنده، ويحتمل أن يكون المراد من الكتاب الشيء المكتوب نفسه، وأياً أراد به، فقوله: (فوق العرش) تنبيه على جلال قدر ذلك الكتاب، واستئثار الله إياه بعلمه، وتفرده بعلم ما تضمنه، [ومحيطه] الذي [...] فيه، حيث وضعه بأكرم موضع، ورفعه أعز مرفع.
وفيه: (إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية (غلبت): المراد من هذا الكلام بيان سعة الرحمة وشمولها على الخلق، حتى كأنها السابق والغالب، وهو جار مجرى الاستعارة على مجاز كلام العرب في المبالغة، يقال: غلب فلان المنع، وغلب على فلان العطاء، أي أن الشيء الموصوف بالغلبة أكثر أفعاله وأظهر خصاله، وإنما أولنا الحديث على هذا؛ لأن غضب الله ورحمته صفتان من صفاته راجعتان إلى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بالسبق والغلبة لإحديهما على الأخرى.
[١٦٢٩] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (إن لله مائة رحمة ....) الحديث، رحمة الله تعالى غير متناهية، فلا يعتورها التجزئة والتقسيم، وإنما أراد النبي ﷺ أن يضرب لأمته مثلاً، فيعرفوا به التناسب
стр. 517
الذي بين الجزئين، ويجعل لهم مثالاً فيفهمواً به التفاوت (١/أجـ ٢) الذي بين القسطين؛ قسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الأولى فجعل مقدار حظ الفئتين من الرحمة في الدارين على الأقسام المذكورة تنبيهاً على المستعجم، وتوفيقاً على المستبهم، ولم يرد به تحديد ما قد جل عن الحد، أو تعديد ما تجاوز عن العد.
[١٦٣٢] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ قال: (قال رجل لم يعمل خيراً قط لأهله ...) الحديث. المشكل من هذا الحديث قوله: (لئن قدر الله عليه ليعذبنه)، ولقائل أن يقول: معناه: لئن ضيق الله عليه الأمر بالمؤاخذة والمعاتبة، من القدر لا من القدرة، قال الله تعالى: ﴿ومن قُدِرَ عليه رزقه﴾، أي ضُيق، غير أن هذا الحديث روى من غير وجه وفي وجه وفي بعض طرق الصحاح: (فعلى أُضِلّ الله) يريد: فلعلي أفوته. ومنه قولة تعالى: ﴿في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ أي لا يفوته. وقوله هذا [ينبئ] انه أراد التمنع بالتحريق عن قدرة الله عليه في هذا، ونحن وقد علمنا من سياق الحديث، أنه لم يكن من منكري البعث، وأخبرنا الصادق المصدوق صلوات الله عليه بأن الله غفر له فنحن ملجأون بأن نشهد له بالإيمان وأن الله لا يغفر لمن يشرك به، مع دلالة الكلمتين -أعني (لئن قدر الله عليه) وقوله: (فلعلي أضل الله) على أنه كان جاهلاً بصفتين من صفات الله: العلم والقدرة، فلابد من وجه يسلم لنا معه القول بإيمانه. وقد سبق الأولون في بيانه بتأويلات لم تترك للآخرين مقالاً، ونحن ذاكرون منها ما هو أوجه وأنفى للشبهة.
فمنه قولهم: إن الرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع ترك فلم ينشر، ولم يعذب، وأما تلفظه بالكلمتين؛ فلأنه كان جاهلاً بذلك. وقد اختلف في مثله: هل يكفر أم لا؟ بخلاف الجاحد للصفة. ومنه أن كلامه هذا ورد مورد التشكك فيما لا يشك فيه، وله نظائر في كلام العرب، وهو المسمى عند أهل البلاغة يتجاهل العارف، وبه تأولوا قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾.
قلت: ويقرب من هذا الباب قول الحواريين: ﴿يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾.
ومنه أن الرجل لقي من هول المطّلع ما أدهشه وسلب عقله، فلم يتمكن من تمهيد القول وتخميره، فبادر يسقط من القول، وأخرج كلامه مخرجاً لم يحصله [.....] ويعتقد حقيقته، وهذا أسلم الوجوه من المعارضات، وأحقها عندي بالتقديم.
стр. 518
[١٦٣٣] ومنه حديث (١/ب جـ ٢) عمر ﵁: قدم على النبي ﷺ سبي ....) الحديث.
السبي: النساء والولدان يسبون عن العدو؛ تقول: سبيت العدو سبياً وسبأ.
وفيه: (قد تحلب ثديها تسعى).
تحلب من باب تفعل، أي سأل.
ومنه حديث ابن عمر ﵄: (رأيت عمر يتحلب) أي يتهيأ رُضابه من السيلان. وتسعى أي تعدو، وروى في كتاب مسلم (تبتغي). وري أيضاً في كتاب البخاري (تسقي) وليس بشيء. وقوله (تعي) فيما تكلف من العمل، أو تسعى في طلب الولد فتجيء وتذهب، وهذا أمثل لما في الرواية الأخرى: (تبتغي إذا وجدت صبياً في السبي أخذته) إنما نكر صبياً على 'رادة أنه لم يكن يعلم أنه ولدها، أو على إضمار لها، فكأنه قال: صبياً لها. ومن رواة الكتابين من يرويه: (إذا وجدت صبياً فأخذته)،وهذه الرواية أحسنها سياقاً، لاتساق نظم الكلام فيها وإذا هما أصوب الروايات.
وقوله: (عباده) عموم أريد به الخصوص، وأكثر ما ورد العباد في الكتاب بمعنى الخصوص، قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقال: ﴿يا عبادي لا خوف عليكم اليوم﴾ وقال﴾ وعباد الرحمن﴾ وقال: ﴿فوجدا عبداً من عبادنا﴾ وإنما يذهب فيه إلى الخصوص لما قد عرفنا من أصل الدين أن من أهل الإيمان من يعذب بذنوبه في النار.
[١٦٣٤] ومنه حديث أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (لن ينجي أحداً منكم عمله)، الحديث. [فما] المراد من هذا الحديث نفي العمل وتوهين أمره، بل توقيف العباد على أن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته؛ لئلا يتكلوا على أعمالهم اغتراراً بها، فإن الإنسان ذو السهو والنسيان عرضته الآفات
стр. 519
ودرته للغفلات، قلما يخلص له عمل من شائبة رياء أو شهوة خفية أو فساد نية، أو قصد غير صالح، ثم إن سلم له العمل من ذلك فلا يسلم إلا برحمة من الله، فإن أرجى عمل من أعماله لا يفي بشكر أدنى نعمة من نعم ربه، فأنى له أن يستظهر بعمل لم يهتد إليه [...] إلا برحمة من الله وفضل.
وفيه (إلا أن يتغمدنى برحمة منه): أي يستر [عوراتي. ولعلها] من قولهم: غمدت السيف. أي جعلته في غمده، وهو غلافه، وتغمده برحمته أي غمده بها (٢/ أجـ ٢) وتغمدت فلاناً أي سترت ما كان منه وغطيته.
وفيه: (فسدوا وقاربوا): سدد الرجل: إذا صار ذا سداد، وسدد في رميته إذا بالغ في تصويبها وإصابتها. وقارب الإبل: أي جمعها حتى لا تتبدد. ويقال: قارب فلان فلاناً: إذا كلمه بكلام حسن، والمقاربة أيضاً القصد في الأمور التي لا غلو فيها، ولا تقصير. والمراد منه طلب الإصابة فيما يتوجه به إلى الله، والأخذ بما لا إفراط فيه ولا تفريط. ويدل عليه ما بعده أي خذوا في طريق المعاملة مأخذ الخبير بقطع المسافة، فيغدو في طاعة الله، ثم يوفى نفسه حقها، ثم يروح ثم يستريح، ثم يستعين بسير بعض الليل. والدلجة: سير الليل، وهو الدرج أيضاً. قوله: (وشيء من الدلجة) مجرور بالعطف على قوله: (واستعينوا بالغدوة والروحة)
وفيه (القصد القصد) أي الزموا القصد أو التمسوه، ويأول على معنيين أحدهما: الاستقامة فإن القصد هو استقامة الطريق. والآخر: الأخذ بالأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير، فإن القصد يستعمل فيما بين الإسراف والتقتير، وقد مر بيان هذا الحديث فيما قبل.
[١٦٣٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها ..) الحديث. زلفها: أي قدمها، قال أبو عبيد: الزلف التقدم، يقال: تزلف وازدلف: إذا تقدم.
стр. 520
وفيه: (وكان بعد القصاص) قصاص- ههنا- المجازاة وإتباع كل عمل بمثله وأخذ القصاص من القصص الذي هو تتبع الأثر، وهو رجوع الرجل من حيث جاء، قال الله تعالى: ﴿فارتدا على آثارهما قصصاً﴾ فالقصاص أن يؤخذ الجاني في السبيل الذي جاء منه فيجرح مثل جرحه، أو يقتل كقتله صاحبه، وذلك يفيد معنى المماثلة والمجازاة، فلهذا استعمال في الحديث بمعنى المماثلة والمجازاة، وجاء قوله: (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها) مجيء التفسير للقصاص.
[١٦٤٠] ومنه حديث عامر الرام قال: بينا نحن عنده يعني عند النبي ﷺ (٢/ ب جـ ٢) إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه ..) الحديث. التف عليه أي رد عليه بثوبه أو كسائه أو ما أشبه ذلك، والأشبه أن يكون لفظ الحديث قد لفف عليه، فإن المستعمل: تلفف في ثوبه ولففت ثوبه، ولفف الشيء ولففته- بالتشديد- إذا أراد المبالغة.
قلت: ومثل هذا الحديث روي عن ابن مسعود- ﵁ وذكر فيه أنه أخذ أفراخ طائر. فإن كان الحديثان في قضية واحدة فالرجل المذكور في هذا الحديث هو ابن مسعود.
وفيه (مررت يا رسول الله ﷺ بغيضة شجر) البغيضة الأجمة وهي مغيض ماء مجتمع ينبت فيه الشجر فيلتف بعضه ببعض، ومنه قيل للشجر الملتف غيضة.
وفيه: (وأبت أمهن إلا لزومهن) أي ألمت بفراخها وأبت أن تفارقهن.
وفيه: (أتعجبون لرحم أم الأفراخ فراخها). الرحم بالضم: مصدر كالرحمة، ويجوز تحريكه، مثل عر وعر، قال زهير:
ومن ضريبته التقوى ويعصمه .... من سيئ العثرات الله والرحم
стр. 521
وأرى امتناعه أن يجئ بالكلمة الثانية على وزان الأولى- أعني الأفراخ والفراخ- لوجهين: أحدهما: اختيار الأبلغ من الكلام في تكرار الكلمة الثانية على غيرة وتيرة الأولى. والآخر: أن الأفراخ الأفراخ جمع قلة، والفراخ جمع كثرة، والطير لما كانت مختلفة الأحوال في البيض والإفراخ على حسب نوعها وقليل من المصيدة منها ما تزيد على الفرخين، والنادر منها ما يبلغ إلى السبعة سوى طيور الماء؛ أضاف [الأم] إلى جمع القلة لتعم الأنواع كلها، وذكر أفراخها بلفظ الجمع الذي هو [الفراخ] ليدل على كثرتها. فإن قيل: الفراخ وإن كانت من جموع الكثرة فإنها خالية عن علامة الجمع، وبناؤها على صورة الواحد كالكتاب والحجاب، وما كان من الجموع على هذه الصيغة ساغ فيها توهم الواحد. كقول الشاعر:
مثل الفراخ [نبتت] حواصله
فما الدلالة فيها على الكثرة؛ وقد جوز فيها توهم الواحد؟ قلنا: لا خلاف في كون الفراخ جمع كثرة، والقول في البيت مبني على الشذوذ، ثم إن اضمائر المتعاقبة في الحديث [تأبى] إلا الكثرة، [كقول الرجل: (فأخذتهم فوضعتهم]: فجاءت أمهن)، وقوله: (وأمهن معهن): مرفوع بالابتداء (٣/ أجـ ٢) والواو فيه واو الحال، وعامر الرام يقال له: أخو الخضر، والخضر قبيلة من قيس غيلان، ويقال له أيضاً: عامر الرامي بإثبات الياء.
ومن باب [....]
(من الصحاح)
[١٦٤١] حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ : (اللهم إنى أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر) الكسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير، مع ظهور الاستطاعة، فلا يكون معذوراً، بخلاف العاجز فإنه معذور لعدم القوة، وفقدان الاستطاعة، و (الهرم): كبر السن، الذي يؤدي إلى تهاون الأعضاء، وتساقط القوى، وإنما استعاذ منه
стр. 522
لكونه من الأدواء التي لا دواء لها. و (سوء الكبر): أراد بسوء الكبر ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي وغير ذلك، مما تسوء به الحال، ورواه بعضهم ساكنة الباء، وليس بصحيح، وروى من غير هذا الطريق عنه أيضاً: (وسوء الكفر) أي سوء عاقبة الكفر، ويحتمل أن المراد من الكفر: كفران النعمة.
[١٦٤٣] قال ﷺ حديث أبي هريرة: (فلينقض فراشه بداخله إزاره) قيل: لم يأمره بداخل الإزار دون خارجته؛ لأن ذلك أبلغ وأجدى، وإنما ذلك على جهة الخبر عن فعل الفاعل؛ لأن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه، والآخر بشماله، فيرد ما أمسكه بشماله على جسده، وذلك داخلة إزارة، ويرد ما أمسكه بيمينه على ما يلي جسده من الإزار، فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره، فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار ويبقى الداخلة معلقة، وبها يقع النفض فإن قيل: فلم لا يقدر الأمر فيه على العكس؟
قلنا: لأن تلك الهيئة هي صنيع ذوي الآداب في عقد الإزار، ومناط الفائدة فيه أن المؤتزر إذا عاجله أمر فخاف سقوط إزاره أمسكه بالمرفق الأيسر، ودفع عن نفسه بيمينه، وفي رواية: (فلينفضه بصنفة ثوبه) صنفة الإزار بكسر النون طرفه، وهي جانبه الذي لا هدب له.
قلت: وذلك ملائم للقول الأول، فإن ذلك الجانب يجعل داخله الإزار وقيل: صنفة الثوب: حاشيته، أي جانب كان.
[١٦٤٤] ومنه قوله ﷺ في حديث البراء بن عازب- ﵁: (وألجأت ظهري إليك) ألجأته إلى الشيء أي [أضطجعته] إليه [و (يستند)] في مثل (٣ ب/ جـ ٢).
стр. 523
هذا الموضع بمعنى الإسناد، يقال ألجأت أمري إلى الله أي: أسندته، وفيه تنبيه على أنه اضطر ظهره إلى ذلك، حيث لم يعلم له سناداً يتقوى به غير الله، ولا ظهراً يشتد به أزره سواه.
وفيه: (رغبة ورهبة إليك): الرغبة: السعة في الإرادة، والرهبة: مخافة مع تحرز واضطراب، وهما متعلقان بالإلجاء في معنى المفعول له. ومعنى (إليك) أي: صرفت رغبتي فيما أريده إليك قال الشاعر:
وإلى الذي يعطي الرغائب فارغبي
قيل إنه أعمل في الحديث لفظ الرغبة وحدها، ولو أعمل كل واحد منهما لكان من حقه أن يقول: رغبة إليك ورهبة منك، والعرب تفعل ذلك، ومنه قول الشاعر:
ورأيت بعلك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا
وفي نظائره كثرة. قلت: ولو زعم زاعم احتمال أن يكون (إليك) متعلقاً بمحذوف، مثل قولك: متوجهاً بهما إليك، لم نستبعده.
وفيه: (بنبيك الذي أرسلت) في بعض طرق هذا الحديث عن البراء أنه قال: قلت: (وبرسولك الذي أرسلت) قال: (وبنبيك) وقيل: إنما رد عليه قوله؛ لأن البيان صار مكرراً من غير إفادة زيادة في المعنى: وذلك مما يأباه البليغ، ثم لأنه كان نبياً قبل أن كان رسولاً، ولأنه اختار أن يثني عليه بالجمع بين الاسمين، ويعد نعمة الله في الحالتين، تعظيماً لما عظم الله موقعه عنده من من الله عليه، وإحسانه إليه، وقيل: إنما رد عليه لاحتمال أن ينازعه في الاحتمال بعض رسل الله من الملائكة، قال الله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾ فأراد بذلك تخليص الكلام من اللبس، والتصديق بنبوته، وهذا الوجه لا بأس به إن لم يعترض عليه معترض؛ فيقول: إن كان العلة فيه احتمال أن يراد به جبريل أو
стр. 524
غيره من رسل الملائكة- فإن مثل هذا الاحتمال غير منفي عن قوله: (ونبيك الذي أرسلت) لاحتمال أن يراد به رسول آخر من أنبياء الله ، والوجه هو الاول.
(ومن الحسان)
[١٦٤٨] حديث أبي هريرة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: (اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا ..) الحديث: السياء متعلق بمحذوف فكأنه يريد بنعمتك أصبحنا أو بحياطتك وكلاءتك] أو بذكرك واسمك، وبك نحيا وبك نموت أي: باسمك نحيا وباسمك نموت. ويكون في معنى الحال أي: مستجيرين ومستعيذين (٤/ أ/ جـ ٢) باسمك في جميع الأوقات، وسائر الأحوال، في الإصباح والإمساء، والمحيا والممات. ومثله في حديث حذيفة عن النبي ﷺ : (اللهم باسم أموت وأحيا) أي: لا أنفك عنه، ولا أهجره، محياي ومماتي.
[١٦٤٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة فيما أمر به أبا بكر الصديق- ﵁ من الدعاء: (ومن شر الشيطان وشرطه) ويروى (وشركه) بكسر الشين وسكون الراء أي: ما يدعو إليه من
стр. 525
الإشراك [بالله] ، ويوسوس، وبفتح الشين والراء: ما يفتن به الناس من حبائله؛ والشرك حبالة الصائد، الواحدة: شركه.
[١٦٥٦] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء
стр. 526
الكلمات حين يمسي وحين يصبح: (اللهم إني أسألك العافية ..) الحديث: عافاه الله وأعفاه بمعنى، والاسم العافية، وهي دفاع الله عن ابعد، ويوضع موضع المصدر، مثل راغية البعير، فإن العفو هو التجافي عن الذنب ومحوه والأصل فيه القصد لتناول الشيء يقال عفاه واعتفاه أي: قصده متناولاً ما عنده، وعفت الريح الديار قصدتها متناوله آثارها؛ والعافية: دفاع الله عن العبد الأسقام والبلايا ويندرج تحت قوله: (في الدنيا والآخرة) كل مشنوء ومكروه، وفي غير هذه الرواية: (أسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة).
والمعافاة أن يعافيك الله عن الناس ويعافيهم عنك.
وفيه: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي): عورات ساكنة الواو جمع عورة، وأراد كل ما يستحي منه ويسوء صاحبه أن يرى ذلك منه وقرأ بعضهم ﴿عورات النساء﴾ بالتحريك، وإنما يحرك الثاني من فعله إذا لم يكن ياء أو واواً، والروعات جمع الروعة وهي الفزعة. وفيه: (اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي): الجهات الأربع هي مأتى البليات من قبل الخلق لاسيما الشيطان وهو المخرج عباد الله بدعواه في قوله ﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ في الآية والحديث: (من بين أيديهم ومن خلفهم) بحرف الابتداء، و (عن أيمانهم وعن شمائلهم) بحرف المحاوزة، وذلك لأن المفعول فيه عدى إليه بالواو وتعديته إلى المفعول به (٤/ ب/ جـ ٢) فلما اختلف حرف التعدية في ذاك اختلف في هذا، وأما جهة فوق فإن منها ينزل البلاء والصواعق والعذاب
стр. 527
وفيه: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) أي: أهلك بالخسف؛ والأصل في الاغتيال أن يؤتى المرء من حيث لا يشعر، وأن يدهى بمكروه ولم يرتقبه؛ قال الله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾.
[١٦٦١] ومنه حديث علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول عند مضجعه: (اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات ..) الحديث.
العرب تطلق الكريم على الشيء النافع الذي يدوم نفعه، ويسهل تناوله، وكل شيء يشرف في بابه يصفونه بالكرم، ولا يستعمل الكرم في وصف أحد إلا في المحاسن الكثيرة، ولا يقال كريم حتى يظهر ذلك منه، والمراد من الوجه قيل هو ذات الله تعالى، والعرب تقول: أكرم الله وجهك أي: أكرمك، ويستعمل الوجه في أشرف ما يقصد، وأعظم ما يبتغي، ووجه الله الكريم أشرف ما يتوجه إليه، وأكرم ما يتوصل به؛ ولهذا المعنى قال نبي الله ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) كراهة أن يسأل به السائلون عرضاً من أعراض الدنيا. تفسير كلمات الله التامات قد مر، فأما اختصاص وجه الله الكريم وكلماته التامات بالذكر عند الاستعاذة هو أن العوذ إنما يصح بمن انتهى كرمه، وعلا شأنه، وكملت قدرته، فلا يخذل المستعيذ به ولا يسلمه ولا يخيب رجاءه، ولا يعجزه عن أمره، ولا يحيله إلى غيره، وذلك مما لا يوجد إلا عند الله، ولا ينال إلا منه، وذكر كلمات الله تعالى ليعلم أن الاستعاذة بها كالاستعاذة بالله مع ما تتضمنه من الإشارة اللطيفة وهي أن الكلمة الواحدة منها تسد مسد الحاجة العبد ولو عظمت، قال اله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾.
стр. 528
وفيه: ﴿أنت آخذ بناصيته﴾: الأخذ بالناصية تمثيل لكون كل شيء في قبضته وملكته، وتحت قهره وسلطانه، وإنما لم يقل: من شر كل شيء استغناء بوضوح البرهان على أن لا شيء في الموجودات إلا وقد اشتملت عليه، وهو تحت قدرته الأزلية موسوم بالذل والصغار (٥/ أ/ جـ ٢).
وفيه: (اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم): الغرم والمغرم: ما ينوب الإنسان منه في ماله من ضرر لغير جناية منه، وكذلك ما يلزمه أداؤه. ومنه الغرامة، والغريم: الذي عليه الدين، والأصل فيه الغرام، وهو الشر الدائم، والعذاب، المراد من المغرم ما يلزم به الإنسان من غرامة، أو يصاب به في ماله من خسارة، وما يلزمه كالدين، وما يلحق به من المظالم. والمأثم مصدر كالإثم: وهو الوقوع في الذنب، وفيه: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) فسر الجد قبل ذلك بالغنى، وهو أكثر الأقاويل، وهو في المعنى بمنزلة قوله تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى﴾. وقيل المراد منه الحظ، وهو الذي يسميه العامة البخت. وقد ورد في الحديث أن جمعاً من المسلمين في زمان النبي ﷺ تذاكروا فيما بينهم الجدود، فقال بعضهم: جدي في النخل، وقال الآخر: جدي في الإبل، وقال الآخر: جدي في كذا، فسمع به النبي ﷺ فدعا يومئذ بدعائه هذا؛ فإن صح فهو الوجه، لا معدل عنه؛ إلا أن فيه مقالاً، ورواه بعضهم بكسر الجيم، ورد عليهم أبو عبيد فقال: الجد: الانكماش، والله تعالى دعا الناس إلى طاعته، وأمرهم بالانكماش عليها على لسان نبيه ﷺ ؛ فكيف يدعوهم إليه، ويأمرهم به، ثم يقول لا ينفعهم؟!
وقال ابن الأنباري: ما أظن القوم ذهبوا في معناه إلى الذي قاله أبو عبيد، بل ذهبوا إلى أن صاحب الجد على حيازة الدنيا الحريص عليها لا ينفعه ذلك، وإنما ينفعه عمل الآخرة.
[١٦٦٤] ومنه حديث ابن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ : (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم ..) الحديث: خلتان أي خصلتان لا يأتي عليهما رجل مسلم بالإحصاء كالعاد للشيء، ومعناه ما ذكره في
стр. 529
الرواية الأخرى (لا يحافظ عليهما)، ويحتمل أن يكون من الإطاقة أي: لا يقوم بتحمل أعبائهما رجل مسلم، ويدل عليه قول السامعين لهذا الخطاب: (وكيف لا يحصيهما؟) وفيه: (فتلك مائة وخمسون باللسان) أي: إذا أتى بالعشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس فتلك مائة وخمسون. وأما قوله في الرواية الأخرى: (فتلك مائة باللسان) فإنما هي بعد كل صلاة.
[١٦٦٧] ومنه حديث أبي الازهر الأنماري ﵁ (٥/ ب/ جـ ٢) (أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل، قال: باسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني).
خسأت الكلب، فانخسأ، أي: زجرته مستهيناً به فانزجر، وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، والمعنى: اجعله مطروداً عني كالكلب المهين، وإنما قال: (شيطاني) لأنه أراد به قرينه من الجن، وأراد: الذي ينبغي غوايته، فأضافه إلى نفسه.
وفيه: (وفك رهاني):
فك الرهن: تخليصه، وارهن: ما يوضع وثيقة الدين، والرهان مثله، وأكثرهم على أن الرهان يختص بما يوضع في الخطار.
стр. 530
وأراد بـ (الرهان) - هننا-نفس الإنسان؛ لأنه مرهون بعملها؛ قال الله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ أي: محبس بعمله.
وفيه: (واجعلني في الندى الأعلى):
الندى: أصله المجلس؛ لأن القوم يجتمعون فيه، وإذا تفرقوا لم يكن ندياً، ويقال- أيضاً- للقوم، تقول: ندوت القوم ندوا، أي: جمعتهم، والمعنى: اجعلني من القم المجتمعين.
ويريد بـ (الأعلى) الملأ الأعلى، وهم الملائكة أو من أهل الندى: إذا أريد به المجلس ويقال: لا يكون الندى إلا الجماعة من أهل الندى والكرم.
ويروى: (في النداء الاعلى) وهو الأكثر، والنداء: مصدر ناديته، ومعناه: أن ينادي به؛ للتنويه والرفع منه، ويحتمل أن يراد به: نداء أهل الجنة-فهم الاعلون رتبة ومكاناً- أهل النار، كما في القرآن: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا﴾.
следующие страницы →