Полный текст (1 323 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الكلمات حين يمسي وحين يصبح: (اللهم إني أسألك العافية ..) الحديث: عافاه الله وأعفاه بمعنى، والاسم العافية، وهي دفاع الله عن ابعد، ويوضع موضع المصدر، مثل راغية البعير، فإن العفو هو التجافي عن الذنب ومحوه والأصل فيه القصد لتناول الشيء يقال عفاه واعتفاه أي: قصده متناولاً ما عنده، وعفت الريح الديار قصدتها متناوله آثارها؛ والعافية: دفاع الله عن العبد الأسقام والبلايا ويندرج تحت قوله: (في الدنيا والآخرة) كل مشنوء ومكروه، وفي غير هذه الرواية: (أسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة).
والمعافاة أن يعافيك الله عن الناس ويعافيهم عنك.
وفيه: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي): عورات ساكنة الواو جمع عورة، وأراد كل ما يستحي منه ويسوء صاحبه أن يرى ذلك منه وقرأ بعضهم ﴿عورات النساء﴾ بالتحريك، وإنما يحرك الثاني من فعله إذا لم يكن ياء أو واواً، والروعات جمع الروعة وهي الفزعة. وفيه: (اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي): الجهات الأربع هي مأتى البليات من قبل الخلق لاسيما الشيطان وهو المخرج عباد الله بدعواه في قوله ﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ في الآية والحديث: (من بين أيديهم ومن خلفهم) بحرف الابتداء، و (عن أيمانهم وعن شمائلهم) بحرف المحاوزة، وذلك لأن المفعول فيه عدى إليه بالواو وتعديته إلى المفعول به (٤/ ب/ جـ ٢) فلما اختلف حرف التعدية في ذاك اختلف في هذا، وأما جهة فوق فإن منها ينزل البلاء والصواعق والعذاب
стр. 527
وفيه: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) أي: أهلك بالخسف؛ والأصل في الاغتيال أن يؤتى المرء من حيث لا يشعر، وأن يدهى بمكروه ولم يرتقبه؛ قال الله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾.
[١٦٦١] ومنه حديث علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول عند مضجعه: (اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات ..) الحديث.
العرب تطلق الكريم على الشيء النافع الذي يدوم نفعه، ويسهل تناوله، وكل شيء يشرف في بابه يصفونه بالكرم، ولا يستعمل الكرم في وصف أحد إلا في المحاسن الكثيرة، ولا يقال كريم حتى يظهر ذلك منه، والمراد من الوجه قيل هو ذات الله تعالى، والعرب تقول: أكرم الله وجهك أي: أكرمك، ويستعمل الوجه في أشرف ما يقصد، وأعظم ما يبتغي، ووجه الله الكريم أشرف ما يتوجه إليه، وأكرم ما يتوصل به؛ ولهذا المعنى قال نبي الله ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) كراهة أن يسأل به السائلون عرضاً من أعراض الدنيا. تفسير كلمات الله التامات قد مر، فأما اختصاص وجه الله الكريم وكلماته التامات بالذكر عند الاستعاذة هو أن العوذ إنما يصح بمن انتهى كرمه، وعلا شأنه، وكملت قدرته، فلا يخذل المستعيذ به ولا يسلمه ولا يخيب رجاءه، ولا يعجزه عن أمره، ولا يحيله إلى غيره، وذلك مما لا يوجد إلا عند الله، ولا ينال إلا منه، وذكر كلمات الله تعالى ليعلم أن الاستعاذة بها كالاستعاذة بالله مع ما تتضمنه من الإشارة اللطيفة وهي أن الكلمة الواحدة منها تسد مسد الحاجة العبد ولو عظمت، قال اله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾.
стр. 528
وفيه: ﴿أنت آخذ بناصيته﴾: الأخذ بالناصية تمثيل لكون كل شيء في قبضته وملكته، وتحت قهره وسلطانه، وإنما لم يقل: من شر كل شيء استغناء بوضوح البرهان على أن لا شيء في الموجودات إلا وقد اشتملت عليه، وهو تحت قدرته الأزلية موسوم بالذل والصغار (٥/ أ/ جـ ٢).
وفيه: (اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم): الغرم والمغرم: ما ينوب الإنسان منه في ماله من ضرر لغير جناية منه، وكذلك ما يلزمه أداؤه. ومنه الغرامة، والغريم: الذي عليه الدين، والأصل فيه الغرام، وهو الشر الدائم، والعذاب، المراد من المغرم ما يلزم به الإنسان من غرامة، أو يصاب به في ماله من خسارة، وما يلزمه كالدين، وما يلحق به من المظالم. والمأثم مصدر كالإثم: وهو الوقوع في الذنب، وفيه: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) فسر الجد قبل ذلك بالغنى، وهو أكثر الأقاويل، وهو في المعنى بمنزلة قوله تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى﴾. وقيل المراد منه الحظ، وهو الذي يسميه العامة البخت. وقد ورد في الحديث أن جمعاً من المسلمين في زمان النبي ﷺ تذاكروا فيما بينهم الجدود، فقال بعضهم: جدي في النخل، وقال الآخر: جدي في الإبل، وقال الآخر: جدي في كذا، فسمع به النبي ﷺ فدعا يومئذ بدعائه هذا؛ فإن صح فهو الوجه، لا معدل عنه؛ إلا أن فيه مقالاً، ورواه بعضهم بكسر الجيم، ورد عليهم أبو عبيد فقال: الجد: الانكماش، والله تعالى دعا الناس إلى طاعته، وأمرهم بالانكماش عليها على لسان نبيه ﷺ ؛ فكيف يدعوهم إليه، ويأمرهم به، ثم يقول لا ينفعهم؟!
وقال ابن الأنباري: ما أظن القوم ذهبوا في معناه إلى الذي قاله أبو عبيد، بل ذهبوا إلى أن صاحب الجد على حيازة الدنيا الحريص عليها لا ينفعه ذلك، وإنما ينفعه عمل الآخرة.
[١٦٦٤] ومنه حديث ابن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ : (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم ..) الحديث: خلتان أي خصلتان لا يأتي عليهما رجل مسلم بالإحصاء كالعاد للشيء، ومعناه ما ذكره في
стр. 529
الرواية الأخرى (لا يحافظ عليهما)، ويحتمل أن يكون من الإطاقة أي: لا يقوم بتحمل أعبائهما رجل مسلم، ويدل عليه قول السامعين لهذا الخطاب: (وكيف لا يحصيهما؟) وفيه: (فتلك مائة وخمسون باللسان) أي: إذا أتى بالعشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس فتلك مائة وخمسون. وأما قوله في الرواية الأخرى: (فتلك مائة باللسان) فإنما هي بعد كل صلاة.
[١٦٦٧] ومنه حديث أبي الازهر الأنماري ﵁ (٥/ ب/ جـ ٢) (أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل، قال: باسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني).
خسأت الكلب، فانخسأ، أي: زجرته مستهيناً به فانزجر، وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، والمعنى: اجعله مطروداً عني كالكلب المهين، وإنما قال: (شيطاني) لأنه أراد به قرينه من الجن، وأراد: الذي ينبغي غوايته، فأضافه إلى نفسه.
وفيه: (وفك رهاني):
فك الرهن: تخليصه، وارهن: ما يوضع وثيقة الدين، والرهان مثله، وأكثرهم على أن الرهان يختص بما يوضع في الخطار.
стр. 530
وأراد بـ (الرهان) - هننا-نفس الإنسان؛ لأنه مرهون بعملها؛ قال الله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ أي: محبس بعمله.
وفيه: (واجعلني في الندى الأعلى):
الندى: أصله المجلس؛ لأن القوم يجتمعون فيه، وإذا تفرقوا لم يكن ندياً، ويقال- أيضاً- للقوم، تقول: ندوت القوم ندوا، أي: جمعتهم، والمعنى: اجعلني من القم المجتمعين.
ويريد بـ (الأعلى) الملأ الأعلى، وهم الملائكة أو من أهل الندى: إذا أريد به المجلس ويقال: لا يكون الندى إلا الجماعة من أهل الندى والكرم.
ويروى: (في النداء الاعلى) وهو الأكثر، والنداء: مصدر ناديته، ومعناه: أن ينادي به؛ للتنويه والرفع منه، ويحتمل أن يراد به: نداء أهل الجنة-فهم الاعلون رتبة ومكاناً- أهل النار، كما في القرآن: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا﴾.
стр. 531
ومن باب الدعوات في الأوقات
(من الصحاح)
[١٦٧٤] حديث ابن عمر- ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى السفر ... الحديث):
(استوى على بعيره) أي: استقر على ظهره.
وفيه: (وما كنا له مقرنين):
أي: مطيقين؛ يقال: أقرن الشيء: إذا أطاقه؛ قال ابن هرمة:
وأقرنت ما حملتني ولقلما .... يطاق احتمال الصبر يا دعد والهجر
وقيل: حقيقة (أقرنه): وجده في [قرن] وما يقرن به [لأن الضعيف] لا [يكون قرينه الضعيف] ولهذا قيل في الضعيف: لا يقرن به الصعبة.
وفيه: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون):
أي: راجعون إليه، والانقلاب: الانصراف، ووجه التلفيق بين الفصلين، وحقيقة المناسبة بين القولين: أن نقول: إن الله تعالى لما أمر عبده بشكر ما أنعم عليه- من التسخير والتمليك الذي [١١/ ٦/ أ] هو من خاصية الإنسان وتابعة السر المودع فيه لاستعداد الخلافة، وأمره بالاعتراف بكونه قاصراً عن تسخير ما سخر له من مراكب البر والبحر. بل سبحانه بفضله ورحمته سخر له ذلك، وأعانه عليه- جعل من تمام شكره: أن يتذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سخر له، لم يكن في المبدأ مطيقاً له، ولا يجد في المنتهى بدا منا لنزول عنه، ثم ليتذكر ركوب مركب الاحياء، ومنه معدل ركوب مركب الاموات، ولا محيد عنه.
وفيه: (أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل):
الصاحب: هو الملازم، وأراد بذلك: مصاحب إياه بالعناية والحفظ؛ وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي
стр. 532
الصحبة في السفر يبغيها للاستئناس بذلك، والاستظهار به، والدفاع لما ينوبه من النوائب؛ فنبه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه، وكمال الاكتفاء به عن كل صاحب سواه.
(الخليفة):هو الذي ينوب عن المستخلف فيما يستخلفه فيه، والمعنى: أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي: أن تلم شعثهم [...] أودهم، وتداوي سقمهم، وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم.
وفيه: (اللهم، إني أعوذ بك من وعثاء السفر):
(وعثاء السفر): مشتقة، أخذ من الوعث، وهو المكان السهل الكثير الدهس الذي تعب الماشي فيه، ويشق عليه.
وفيه: (وكآبة المنظر):
[الكآبة والكأبة والكأب]: سوء الهيئة والانكسار من الحزن، والمراد منه: الاستعاذة من كل منظر يعقب الكآبة دون النظر إليه.
وفي حديث عبد الله بن سرجس، وهو التالي لهذا الحديث: (وكآبة المنقلب):
وهو أن ينقلب من سفره بأمر يكتئب منه مما أصابه في سفره، أو مما قدم عليه في نفسه وذويه وماله وما يصطفيه.
وفي معناه: (سوء المنقلب) وهو الانقلاب بما يسوؤه.
[١٦٧٥] وفي حديث ابن سرجس: (والحور بعد الكور):
أي: النقصان بعد الزيادة، واستعمال هذا القول على هذا الوجه مستفيض في كلامهم، وهو مشتل على سائر ما يراد ويتقي من أمر الدين والدنيا.
стр. 533
وقيل: أعوذ بك أن تفسد أمرنا، وتنقض بعد صلاحها، كانتقاض العمامة بعد استقامتها على الرأس؛ يقال: كار عمامته: إذا لفها، وحارها: نقضها.
وقيل: نعوذ بالله منا لرجوع عن الجماعة بعد أن كنا في جماعة، وفيه نظر؛ لأن استعمال (الكور) في جماعة الإبل خاصة، وربما استعمل في البقر.
وقد روى: (من الحور بعد الكون) بالنون، ومعناه: الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها، وفي كلامهم: حار بعد ما كان.
[١٦٧٨] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر، وأسحر .. الحديث):
أسحر، أي: صار في وقت السحر، وهو قبيل الصبح، وأسحر- أيضاً-: إذا سار وقت السحر؛ وعلى الأول معنى الحديث، لأنه أعم، ثم إنه كان يقصد بذلك الشكر على انقضاء ليلته بالسلامة ويراقب فضيلة الوقت فإنه من ساعات الذكر، وهو خاتمة الليل، وأفضل أوقات التفرغ للذكر من سواد الليل وبياض النهار، والفاتحة والخاتمة، وأفضل الفاتحتين- على ما استبان لنا [من الرسول ﷺ ]- فاتحة النهار، [وأفضل] الخاتمتين: خاتمة الليل.
وفيه: (سمع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا):
قيل: لفظه خبر، ومعناه أمر، أي: ليسمع، والذهاب فيه إلى الخبر أقوى، لظاهر اللفظ، والمعنى: أن من كان له سمع، فقد سمع بحمد الله فيه، وأفضاله إلينا، وأن كلا الأمرين قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذي سمع، وأنه لا انقطاع لأحد الأمرين، وكل منهما مقترن بالآخر.
وجمع في قوله هذا بين قسمي الثناء والدعاء بأوجز ما يقال من الالفاظ، وأبلغ ما يراد من المعاني.
وأراد بـ (البلاء) النعمة، والله- يبلو عباده تارة بالمضار ليصبروا، وطوراً بالمسار ليشكروا، فصارت المحنة والمحنة جميعاً بلاء، لموقع الاختبار، [والمنحة] أعزم البلاءين، لاسيما لذوي النفوس الكاملة، لأنها الموجبة للقيام بحقوق الشكر، والقيام بها أتم وأصعب، وأعلى وأفضل من القيام بحقوق الصبر.
والتفت إلى هذا المعنى عمر بن الخطاب- ﵁ في قوله: (بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر).
стр. 534
وفيه: (ربنا صاحبنا وأفضل علينا):
أراد به: المصاحبة بالعناية والكلاءة على ما ذكرنا (وأفضل علينا)، [١٣/ ٧/ أ] أي: أحسن إلينا، وفيه إشارة إلى أنه مع ما ذكر من مزيد نعم الله، بحسن بلاءه علينا- غير مستغن عن فضله، بل هو أشد الناس افتقاراً إليه، فإن كل من كان استغناؤه بالله أكثر، كان افتقاره إليه أشد.
وفيه: (عائذاً بالله من النار):
الرواية فيه من وجهين: الرفع والنصب: أما الرفع: فظاهر والتقدير: وأنا عائذ بالله، ومتعوذ به؛ كما يقال: مستجير بالله، بوضع الفاعل مكان المفعول.
وأما النصب: فعلى المصدر، أي: أعوذ به عياذاً، أقام الفاعل مقام المصدر، كقولهم: قم قائماً، أي: قياماً؛ قال الشاعر:
................. .... ولا خارجاً من في زور كلام
المعنى: لا يخرج خروجاً.
ونصبه على الحال، من قول الراوي: يقول حسن ويكون قوله: (عائذاً بالله) محكياً عنه أنه كان يفعل ذلك، ولا يكون نفس القول مروياً عنه.
[١٦٧٩] ومنه: حديث ابن عمر- ﵁: (أنه ﷺ كان يكبر على كل شرف من الأرض):
أي: على المكان العالي منها؛ قال الشاعر:
آتى الندى فلا يقرب مجلسي .... وأقود للشرف الرفيع حماري
стр. 535
ووجه التكبيرات على الاماكن العالية هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلب في التارات، وكان ﷺ يراعى ذلك في الزمان والمكان، وذلك لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء والصعود والهبوط، وما أشبه ذلك مما ينبغي ألا ينسى ربع عند ذلك، فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته، المدبر لها بجميل صنعه.
وفيه: (وهزم الاحزاب وحده):
الحزب: جماعة فيها غلظ، وقد تحزب القوم، أي: صاروا أحزاباً وفرقاً، والأحزاب: عبارة عن القبائل المتجمعة لحرب رسول الله ﷺ ، ومنه: يوم الأحزاب وهو يوم الخندق وإنما ذكر الأحزاب مع علمه أن الله هو الذي لا يهزم جنده، وأنه القادر على إفناء الخلق في أدنى اللحظات، فضلاً عن هزمهم وفلهم، تذكراً لمنة الله عليه في ذلك، وعلى من اتبعه من المؤمنين، فقد كانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة، وقائدهم: أبو سفيان، وغطفان في أل ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم: عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل هو هوازن، وانضمت إليهم يهود قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة؛ فأرسل الله عليهم ريح الصبا في ليلة شاتية [١٤]، فأحصرتهم، وسفت التراب في وجوههم، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وقلعت الأوتاد، وبعث ألفاً من الملائكة، فكبرت في ذوائب عسكرهم، فهاجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا؛ وفي ذلك نزل قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾.
[١٦٨١] ومنه: حديث عبد الله بن [بر] المازني- ﵁: (نزل رسول الله ﷺ على أبي، فقربنا إليه طعاماً ووطبة):
стр. 536
رواه أكثر المحدثين بباء منقوطة بواحدة، والوطب، سقاء اللبن خاصة، ويكون من جلد الجذع فما فوقه، وقد ذكر المحققون من الحفاظ: أنه تصحيف، والصواب: وطيئة، على وزان وثيقة، وذكر أنها طعام كالحيس، وكأنها سميت بذلك؛ لتوطئتها بالأيدي تمرس لتخلط ويدل على صحة ذلك قول الراوي: (فأكل منها) والوطبة لا تؤكل وإنما يشرب منها، ويدل عليه- أيضاً- قوله: (فأتى بشراب فشرب منه).
(ومن الحسان)
[١٦٨٢] حديث طليحة- ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال، قال: اللهم، أهلله علينا .. الحديث):
الهلال: يكون أو ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمر، وإنما قي له: هلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، من الإهلال [...] و (أهل الهلال) على ما لم يسم فاعله: إذا رئى، و (استهل) على هذا البناء أيضاً: إذا طلب رؤيته، ثم يعبر عن الإهلال بالاستهلال، نحو: الإجابة والاستجابة ويقال- أيضاً-: استهل هو: إذا تبين، وأهللنا الهلال: إذا دخلنا فيه.
فهذه جملة وجوه الاستعمال اللغوي، ولا نرى استقامة لفظ هذا الحديث عليها، إلا أن نقول: معنى قوله: (أهلله) أي: أطلعه علينا، وأرنا إياه، من قولهم: أهل، أي: رؤى، والمعنى: اجعل رؤيتنا له مقترناً بالأمن والإيمان، ويحتمل أن يكون الإهلال الذي ورد بمعنى الدخول: قد ورد متعدياً، فيكون المعنى: أدخله علينا.
стр. 537
وهذا الحديث من مفاريد الترمذي، ولفظه: (أهلله) وفي (المصابيح) بإدغام اللامين، والرواية بإظهار التضعيف.
هذا، وقد ذكرنا فيما مضى، أنه ﷺ كان يؤثر الافتتاح بذكر الله في مبادئ الاحوال، ويتيمن به، ويحث عليه.
وفي قوله: (ربي وربك الله) تنزيه للخالق أن يشاركه في تدبير ما خلق شيء.
وفيه رد للأقاويل الداحضة في الآثار العلوية بأوجز ما يمكن، وفيه تنبيه لذوي الأفهام المستقيمة على أن الدعاء مستحب، لاسيما عند ظهور الآيات، وتقلب أحوال النيرات، وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع لا إلى المصنوع، ولقد أحسن من قال- والتحسين يختلف باختلاف المقاصد) -:
ومالك سقياً الغيث يا سدرة اللوى .... ولكن لمن سد الغيور مطالعه
[١٦٨٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (فكثر فيه لغطه)
стр. 538
اللغط بالتحريك: الصوت والجلبة، ومنه الحديث: (ولهم لغط في أسواقهم) وأراد به: الهراء من القول، وما لا طائل تحته من الكلام، فأحل ذلك محل الصوت العرى عن المعنى، والجلبة الخالية عن الفائدة.
[١٦٩١] ومنه: حديث ابن عمر- ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله ... الحديث):
قلت: أراد الاستعاذة من متائه الأرض ومجاهلها، وما ينشأ منها، وما يدب ويدرج فيها؛ فخاطب الأرض على الاتساع.
وفيه: (وأعوض بك من أسد وأسود):هذا من باب التلوين في الخطاب، فإنه أتى بكلمة الاستعاذة أولاً على نعت الغيبة، وثانياً على نعت المشاهدة، وإنما اختار تلك الصيغة في الأول لما بعدها من الكلام، فلم يستقم له أن يقول: (أعوذ بك من شرك) على وتيرة واحدة؛ فيتشابه الخطابان؛ لاشتراكهما في الصيغة، فكان مطلع الخطاب للأرض، فلما تم الكلام الذي خاطبها به، رجع إلى الحضور.
وفيه: (ومن أسد وأسود):
стр. 539
الأسود: الحية العظيمة التي فيها سواد، وهي أخبث الحيات، وذكر أن من شأنها أن يعارض الركب، ويتبع الصوت؛ فلهذا خصها بالذكر، ثم ثنى بذكر الحية التي تشمل سار مسميات جنسها.
و (أسود) - ههنا- منصرف؛ لأنه اسم وليس بصفة، ولهذا يجمع على (أساود).
وفيه: (ومن ساكن البلد، ووالد وما ولد):
أراد بـ (ساكن البلد) الجن الذين هم سكان الأرض، وأراد بـ (البلد): الأرض، يقال: هذه بلدتنا، أي: أرضنا، كما يقال: بحرتنا قال النابغة:
................ .... فإن صاحبها قد تاه في البلد
(ووالد وما ولد)، قال الخطابي: والد: إبليس، وما ولد: نسله وذريته.
قلت: وحمله على العموم أمثل؛ لشموله على أصناف ما ولد وولد، وعلى ما يتولد منهما تخصيصاً للياذ والالتجاء بمن لم يلد ولم يولد وله الخلق والأمر، واعترافاً بأن لا استحقاق لغيره في ذلك؛ تبارك لله رب العالمين [١٦/].
[١٦٩٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (بك أحول، وبك أصول):
أي: بك أحتال، وأتحرك، وأحمل على العدو، وقد مر تفسيره.
[١٦٩٣] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي موسى- ﵁: (اللهم، إنا نجعلك في نحورهم).
يقال: جعلت فلاناً في نحر العدو، أي: قبالته، وحذاءه، وتخصيص (النحر) بالذكر؛ لأنا لعدو يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال، والمعنى: نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا منها، ونتوقى بك عما يواجهوننا، فأنت الذي تدفع في صدورهم، وتكفينا أمرهم، وتحول بيننا وبينهم.
ولعله اختار هذا اللفظ؛ تفاؤلاً بنحر العدو، أعني: قتلهم، مع ما أراد منا لمعنى الذي ذكر.
стр. 540
[١٦٩٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁ (ويقول شيطان آخر):
آخر- بالمد- أي: يقول شيطان آخر لصاحبه: (كيف لك برجل) أي: بإضلال رجل، وإذلاله، وإنما يقول ذلك؛ لما ينتهي إليه من قول الملك: (هديت).
[١٦٩٦] ومنه: حديث أي مالك الأشعري- ﵁ عن النبي ﷺ (إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم، إني أسألك خير المولج .... الحديث):
يقال: ولج يلج ولوجا ولجة، قال سيبويه: إنما جاء مصدره: (ولوجاً)، وهو من مصادر غير المتعدى على معنى: ولجت فيه، والمولج: بكسر اللام، ومن الرواة من فتحها، ولم يصب؛ لأن ما كان فاء الفعل منه واواً أو ياء ثم سقطتها في المستقبل، نحو: يعد، ويزن ويهب، فإن الفعل منه مكسور في الاسم والمصدر جميعاً، ولا يقال منصوباً كان بفعل منه أو مكسوراً بعد أن يكون الواو منه ذاهبة إلا أحرفا جاءت نوادر، فالمولج مكسور اللام على أي وجه قدر، ولعل المصدر- أيضاً- جاء على المفعل، أو أخذ به مأخذ القياس، أو روعي فيه طريق الازدواج في المخرج.
وإن أريد به الاسم: فإنه يريد خير الموضع الذي يلج فيه، وعلى هذا يراد- أيضاً- بالمخرج: موضع الخروج؛ يقال: خرج مخرجاً حسناً، وهذا مخرجه.
وأنا المخرج، بضم الميم فقد يكون مصدر قولك: أخرجه والمفعول به واسم المكان والوقت، وفي الحديث الميم منه مفتوحة ومعناه إذا أجرى اللفظان مجرى المصادر أتم وأبلغ؛ لأن الفعل هو الذي يتضمن
стр. 541
على الحقيقة الخير والشر، ولو أريد به المكان لم يكن لقوله: (وخير المخرج) مكان قد خرج منه وجه، وإنما أراد الخير الذي يأتيه من قبل الولوج والخروج، ويقترن بهما ويتوقع منهما.
[١٦٩٧] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الإنسان الحديث) رفأ أي هنأة ودعا له، والأصل فيه: أنهم كانوا يقولون للمتزوج: بالرفاء والبنين، وقد رفأت رفأ وترفية وترفياً: إذا قلت له ذلك، والرفاء: بكسر الراء والمد الالتئام والاتفاق، وقيل: معناه: بالسكون والطمأنينة، ويكون من قولهم: رفوت الرجل: إذا أسكنته منا لرعب، قال أبو خراش الهذلي واسمه خالد:
رفونى وقالوا يا خويلد لم ترع .... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وعلى هذا: همزتها غير أصلية.
قلت: وقد ورد النهي عن قولهم: بالرفاء والبنين، وكان ﷺ يقول مكان قولهم هذا ما رواه الراوي عنه وإنما نهى عنه، لكونه من عادات (١٨] الجاهلية، فرأى أن يبدلهم مكانها سنة إسلامية، وقد كان في قولهم: (والبنين) تنفير عن البنات، وتقري لبغضهن في قلوب الرجال، وكان ذلك الباعث على وأد البنات.
ثم إن قولهم لكل مملك (بالرفاء والبنين) قول زائغ عن سنن الصواب، وقد قال الله تعالى: ﴿يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً﴾ إذ الاستجابة في حق الجميع غير ممكن، ولم
стр. 542
يكن النبي ﷺ ليختار في الدعاء قولاً لا تشمله الإجابة، ولو استجيب له لأفضى ذلك إلى انقطاع النسل، ولم يكن ليفعل ذلك، فلهذا عدل عنه، ونهى غيره عنه.
[١٧٠١] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (اللهم، إني أعوذ بكمن الهم والحزن).
ظن بعضهم أن الهم والحزن يتحدان في المعنى، وإنما عطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظتين، وليس كما توهم، فإن الهم إنما يكون في الامر المتوقع، والحزن فيما قد وقع، [والهم: هو] الحزن الذي يذيب الإنسان، تقول: همني الشيء، أي: أذابني، وسنام مهموم، أي: مذاب، قال الراجز:
وأنهم مهموم السنام الوادي
ويقال: أهمني: إذا طرح في قلبه الهم، والمثل: (همك ما أهمك) كما تقول: شغلك ما شغلك.
وعلى هذا الذي ذكرناه: يصح أن يقال: الهم أشد الحزن ومعظمه؛ لاقتران خوف الوقوع به؛ ولأن الشيء المتوقع من المكروه لا يزال يزداد تأثيره حتى يقع، فإذا وقع رجع أمره إلى الانحطاط، والحزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، وبهذا الاعتبار يقال خشنت بصدره إذ حزنته.
وفيه: (وأعوذ بك من العجز والكسل):
العجز: أصله التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجز الأمر، وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة.
والكسل: التثاقل عن الامر المحمود، مع وجود القدرة عليه، وقد مر تفسيره.
وفيه: (وأعوذ بك من غلبه الدين، وقهر الرجال):
غلبة الدين: أن يفدحه، وفي معناه: (ضلع الدين) يعني: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء؛ لثقله، والضلع- بالتحريك-: الاعوجاج.
وقهر الرجال: هو الغلبة، فإن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، وأريد به- ههنا- الغلبة، لما في غير هذا الرواية: (وغلبة الرجال) كأنه يريد هيجان النفس من شدة الشبق، وأضافه إلى المفعول، أي: يغلبهم ذلك [١٧] إلى هذا المعنى يسبق فهمي، ولم اجد في تفسيره نقلاً.
стр. 543
ومن باب الاستعاذة
(من الصحاح)
[١٧٠٣] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء): الجهد- بفتح الجيم- مصدر قولك: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلغ غايتك، والجهد- أيضاً- المشتقة، يقال: جهد دابته وأجهدها: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، وتأويل (جهد البلاء) عند العلماء: أنها الحالة التي يمتحن بها الإنسان حتى يختار عليها الموت ويتمناه.
[١٧٠٤] ومنه: قوله ﷺ في حديث أنس: (وضلع الدين، وغلبة الرجال).
وقد فرناه في الباب الذي قبل هذا الباب.
ومنه: قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂ (فتنة الصدر):
أراد: ما ينطوي عليه الصدر من غل وغش وخلق سيء وعقيدة غير مرضية- نعوذ بالله منها.
وفيه: (ومن شر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر).
فتنة الغني: أن يلهيه عن الحق ويطغيه وما أشبه ذلك، وفتنة الفقر: أن يحمله ذلك على ما لا تحمد عاقبته من قول أو فعل أو سوء كفر، وبقية الحديث تفسيره فيما مضى.
стр. 544
[١٧٠٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث زيد بن أرقم: (ومن نفس لا تشبع) (لا تشبع) محتمل لوجهين:
أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها الله- تعالى- ولا [تطهرت عن] الجمع لشدة ما فيها من الحرص والهلع.
والآخر: أن يراد بها لنهمة وكثرة الأكل، وقد ورد في الحديث: (أنه كان يتعوذ من الكزم) وهو شدة الأكل.
[١٧٠٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل):
قلت: معنى استعاذته مما لا يعمل، يخرج [١٩] على وجهين:
أحدهما: ألا يبتلى في المستقبل الزمان.
والثاني: ألا يتداخله العجب في ترك ذلك ولا يراه من قوة به وصبر وعزيمة منه، بل يراه من فضل ربه، فإن المعصوم من عصمه الله.
стр. 545
(ومن الحسان)
[١٧١٢] حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم، إني أعوذ بك من الفقر والقلة):
الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس وجشعها الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم الله، ونسيان ذكره، ويدعوه إلى شد الخلة بما يتدنس به عرضه، ويثلم به دينه.
والقلة- ايضاً- تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد، ولا خفاء أن المراد منها القلة في أبواب البر وخصال الخير؛ لأنه كان يؤثر الإقلال من الدنيا، ويكره الاستكثار من الأعراض الفانية.
[١٧١٣] ومنه: حديثه الآخر: (اللهم، إني أعوذ بم من الشقاق والنفاق):
الشقاق: المخالفة؛ لكونك في شق غير شق صاحبك، أي: ناحية غير ناحيته، أو لشق العصا بينك وبينه؟.
والنفاق: إظهار صاحبة خلاف ما يستره من أمر الدين ودخوله في أمر الشرع من باب، وخروجه من باب آخر، وقد مر بيانه.
стр. 546
[١٧١٤] ومنه: حديثه الآخر عن النبي ﷺ :) اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع):
الجوع: الالم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة عن الغذاء، وضجع الرجل إذا وضع جنبه بالأرض، وضجيعه الذي يضاجعه، استعاذ من الجوع الذي يشغله عن ذكر الله ويثبطه عن طاعته، لمكان الضعف وتحليل المواد إلى بدل، وأشار بالضجيع إلى الجوع الذي يمنع عن الهجوع؛ لأنه جعل القسم المستعاذ منه ما يلازم صاحبه في المضجع؛ وذلك بالليل، وإلى التفريق الواقع بينه وبين ما يشرع له من التعبد بالجوع المبرح في نهار الصوم.
وفيه: (وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة).
الخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد في السر، وهي نقيض الأمانة، والبطانة خلاف الطهارة، وأصلها في الثوب ثم تستعار لمت تخصه بالإطلاع على باطن أمرك، وأريد بها ههنا ما يستبطن من أمره فيجعله بطانة حاله.
ومنه: حديث أنس- ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم، إني أعوذ بك من البرص والجذام والجنون وسيء الأسقام).
لم يستعذ بالله من سائر الأسقام؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصبر- خفت مئونته، وعظمت مثوبته، مع انصرام أيامه ووشاكة زواله، كالحمى والصداع والرمد وأمثاله، وإنما استعاذ من القسم الذي تمتد أيامه، وتدوم آثاره، فيعظم موقعه في النفوس، وينتهي بصاحبه إلى حالة ينفر منها الحميم، ويبعد عنها القريب، ويقل دونها المؤانس والمداوي، مع ما يورث من الشين، ويفسد من الخلقة:
فمنها: الجنون الذي يزيل العقل وسلبه الامن، فلا يأمن من يصاحبه القتل.
ومنها: البرص والجذام، وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة، وتغيير الصورة، وقد اتفق المتعاطفون لعلم الطب أنهما معديان معقبان، فلذلك رأى الاستعاذة من سيء الاسقام، ولم يرغب فيها.
стр. 547
[١٧١٦] ومنه حديث شكل بن حميد ﵁: (قلت: يا بنى الله، علمني تعويذاً أتعوذ به .. الحديث):
إنما أمره أن يستعيذ من شر هذه الأشياء؛ لأن اجتراح الآثام إنما يكون من قبل تلك الأشياء.
[١٧١٧] ومنه: حديث أبي اليسر- ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو: (اللهم إني أعوذ بك من الهدم):
يروى بإسكان الدال، وهو اسم الفعل، ويروى بفتح الدال، وهو ما انهدم.
وأما قوله ﷺ في غير هذا الحديث: (الهدم شهيد): فإنه بكسر الدال، وهو اذي يموت تحت الهدم.
وفيه: (وأعوذ بك من التردي):
تردي الرجل: إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل.
وفيه: (ومن الغرق والحرق):
الغرق- بالتحريك- اسم للفعل، والحرق: النار، وهو بحريك الراء، وتسكينها خطأ.
قلت: إنما استعاذ من هذه البليات مع ما وعد الله عليها من الشهادة؛ لأنها محن مجهدة مقلقة، لا يكاد أحد يصبر عليها، أو يذكر عند حلولها شيئاً مما يجب عليه في وقته ذلك، وربما ينهز الشيطان عن فرصة لم يكن لينال منه في غيرها، من الأحوال، ثم إنها تفجأ عليه [فتنته من] الأسباب التي ذكرناها في موت الفجأة.
وفيه: (وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت): الأصل في (التخبط): أن يضرب البعير الشيء بخف يده فيسقط، والمعنى [٢١]: أعوذ بك أن يمسني الشيطان عند الموت بنزغاته التي تزل الأقدام، وتصارع العقول الأحلام.
وفيه: (وأعوذ بك أن أموت لديغاً):
стр. 548
اللدغ: أكثر ما يستعمل في العقرب، والمراد منه هنا: لدغ ذوات السم من حية وعقرب وغير ذلك، ومت اللديغ مشابه في المعنى لأسباب الهلاك التي ذكرناها قبل.
[١٧١٨] ومنه: حديث معاذ- ﵁ عن النبي ﷺ : (استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طبع): الطبع- بالتحريك: العيب، والأصل فيه الدنس والوسخ يغشيان اليف، ثم يستعمل فيما يشبه الوسخ، والدنس من الآثام والأوزار وغير ذلك من العيوب، والمقابح، والمعنى: أعوذ بالله من طمع يوقني ويدنيني إلى ما يشينني ويزري بي من المقابح، في غير هذه الرواية: (يدني) مكان (يهدي).
[١٧١٩] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (أخذ النبي ﷺ بيدي، فنظر إلى القمر، فقال: يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب ... الحديث):
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو عيسى في كتابه، ولفظ (كتاب المصابيح) يخالف لفظ الترمذي في بعض الكلمات، ولفظه: (أن النبي ﷺ نظر إلى القمر، فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، هذا غاسق إذا وقب):
الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه، ويدل عليه قوله : ﴿إلى غسق الليل﴾ ومنه: عسقت العين: إذا امتلأت دمعاً، وعسقت الجراحة إذا امتلأت دماً، ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء.
стр. 549
وإنما أمرنا بالاستعاذة منه؛ لما في الوقت من انبثاث الشر أكثر مما في غيره، ثم إن التحرز منه أصعب، وأستند الشر إليه، لملابسته له من حدوثه فيه، هذا تفسير الآية، والحديث مؤول على ما أولنا عليه الآية.
فإن قيل: الحديث يدل على أن المراد من (غاسق إذا وقب): القمر. قلنا: قولها: (نظر إلى القمر) غير دال على ما ادعيتم، ولا يلزم من النظر إلى القمر أن يكون مراده القمر.
وقوله فيه: (هذا غاسق): ليس أيضاً- ببيان واضح يدلنا على ذلك؛ لاحتمال أن تكونا لإشارة إلى الظلام حيث دخل بل العبرة بذلك [٢٢] لموافقة معنى الآية على ما يذهب إليه أكثر المفسرين.
فإن قيل: ففي بعض طرق هذا الحديث. (فأشار إلى القمر)، قلنا: لم نجد ذلك في رواية يعتد بها، وإنما هو شيء ذكره أصحاب التفاسير من غير تثبت.
فإن قيل: فماذا ينكر أن يكون سمى القمر: غاسقاً؛ لامتلائه؟!، وأراد بالوقوب دخوله في الكسوف واسوداده؟:
قلنا: لم نستبعد هذا الوجه، ولكنا آثرنا القول الذي يدل عليه ظاهر الآية، والذي هو المشهور عند أهل اللسان، وعليه أكثر أصحاب التفاسير. والحديث، وإن كان حسناً صحيحاً: فإنه غير ناب عن هذا التأويل، وأي وجه أخذته في الحديث فهو الوجه في الآية لا مغنى عن الجمع بين الآية والحديث في المعنى، لأنه ورد مورد البيان للآية.
стр. 550
من باب جامع الدعاء
(من الصحاح)
[١٧٢٦] حديث علي ﵁، قال رسول الله ﷺ : (قل: اللهم اهدني وسددني ... الحديث):
ذكر له مثلاً يهتدي به إلى تصوير مسألته، وتحصيل طلبته من الهداية والسداد، وذلك أن السالك إنما يهتدي إلى المقصد إذا لزم الجادة، واقتفى نهجها، والرامي إنما يصيب بسهمه الغرض: إذا سدده وأصلحه، وقوم رميته، ووجه به مرماه.
والمعنى: كن في سؤالك الهداية والسداد كالسهم المسدد، والراكب متن المنهج المستقيم، أو سل الله سداداً وهداية يشبهان في المعنى سداد السهم واستقامة الطريق في الشاهد.
(ومن الحسان)
[١٧٢٩] قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵁: (لك مخبتاً، إليك أواها):
الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: (سهل)، ثم استعمل الخبت استعمال اللين والتواضع؛ قال الله تعالى: ﴿أخبتوا إلى ربهم﴾ أي: اطمأنوا وسكنت نفوسهم إلى أمره، فالمخبت: هو المتواضع الذي اطمأن قلبه إلى ذكر به.
والأواه: فعال من آواه، وهو الذي يكثر التأوه، وكل كلام يدل على حزن يقال له: التأوه، ويعبر بـ (الأواه) عمن يظهر ذلك خشية لله.
стр. 551
وفيه: (واغسل حوبتي):
الحوبة: مصدر حبت بكذا، أي: أثمت، تحوب حوباً وحوبة وحيابة، والحوب- بالضم- الإثم، والحياب مثله، وتسميته بذلك مزجوراً عنه، والأصل الحوب لزجر الإبل.
وذكر الغسل، ليفيد معنيين:
أحدهما: إزالة الشيء عنه إزالة تلحقه به حكم التطهير.
والآخر: التنزه والتفصى عنه [٢٤ جـ]، كالتنزه عن الشيء القذر الذي يستنكف عن مجاورته، وينبرم.
وإتيانه بالمصدر- أعني: حوبتي- أتم وأبلغ من الحوب الذي هو الاسم، لأن الاستبراء من فعل الذنب واكتسابه أتم وأبلغ من الاستبراء من نفس الذنب.
وفيه: (واسلل سخيمة صدري):
(سللت كذا وكذا) أي: أخرجته، والأصل فيه: سل السيف، وهو: إخراجه من الغمد.
والسخيمة: الضغينة والموجدة في النفس: من السخمة، وهو السواد، ومنه سخام القدر. وإنما أضاف السخيمة إلى الصدر إضافة الشيء إلى محله، والمعنى: أخرج من صدري وانزع عنه ما ينشأ منه ويستكن فيه، ويستولي عليه من مساوئ الأخلاق.
[١٧٣٠] ومنه: قول أبي بكر الصديق- ﵁ في حديثه: (سلو الله العفو والعافية)، وفي حديث أنس ﵁ الذي بعده: (سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة): وقد قدمنا بيانه.
[١٧٣٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث عبد الله بن يزيد الخطمي ﵁: (اللهم، ما زويت عني
стр. 552
مما أحب، فاجعله فراغاً لي فيما تحب): زويت الشيء: جمعته وقبضته، يقال: زوى فلان المال عن وارثه زياً، وفي حديث، قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : (عجبت لما زوى الله عنك من الدنيا) أي: لما نحى عنك، وفي الحديث: (أعطاني ربي ثنتين، وزوى عني واحدة) أي: صرفها عني، فلم يعطني.
ومعنى الحديث: اجعل ما نحيته عني من محابى عوناً لي على شغلى بمحابك؛ وذلك أن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عن الدنيا ليتفرغ لمحارب ربه، كان ذلك الفراغ عوناً له على الاشتغال بطاعة الله.
[١٧٣٣] ومنه: قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحيينا، واجعله الوارث منا):
حقيقة الوارث اذي يرث ملك الماضي؛ وعلى هذا: ففي تأويل هذا الحديث عسر، ومن الله التيسير، وقد ذكر الخطابي وغيره في تأويله؛ أنه سأل الله تعالى أن يبق له السمع والبصر إذا أدركه الكبر، وضعف منه سائر القوى، ليكونا وارثي سائر القوى والباقين بعدها.
قلت: وعلى هذا فالإشكال بحاله؛ لأن قوله: (واجعله الوارث منا) بعد قوله: (ما أحييتنا) يحقق أنه أراد بذلك الإرث الذي يكون بعد فناء الشخص، وكيف يتصور فناء الشخص مع بقاء بعضه؟!
стр. 553
وقيل: أراد به: الأولاد والأعقاب، وهذا وجه لولا قوله: (واجعله الوارث منا) [٢٤].
فإن رد الضمير إلى أحد الأشياء الثلاثة المذكورة أو إلى سائرها غير مستقيم، وقد ذكر أبو سليمان الخطابي في ذلك وجهين، ولكن لفظ الحديث الذي أوله على غير لفظ هذا الحديث، فإنه أو الحديث الذي يقول فيه: (اللهم عافني في سمعي بصري ما أبقيته، واجعله الوارث مني) ثم قال في قوله: (واجعله): إنه رد الضمير إلى واحد منهما، والعرب تفعل ذك، وقال فيه وجهاً آخر، فقال: كل شيئين تقارباً في معنييهما: فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر.
قلت: ولفظ الحديث الذي نحن نتكلم فيه غير محتمل لأحد الوجهين على ما بينا، وقد روى هذا الحديث- أيضاً- عن النبي ﷺ من غير الوجه الذي أوردناه وهو قله ﷺ : (اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني).
قلت: وقد ذهب بعض العلماء في تأويله أنه أراد بالسمع والبصر: أباب بكر وعمر- ﵄ واستدل بقوله: (لا غنى بي عنهما)؛ فإنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس، وبقوله: (هذان بمنزلة السمع والبصر) قالوا: فكأنه ﷺ دعاء بأن يمتع بهما في حياته، وأن يرثاه بعد وفاته.
وأبى جمع من العلماء أن يكن لهذا الحديث تأويل غير ذلك، ولا مرد عليهم، فإن هذا الحديث حديث صحيح، والتأويل مستقيم؛ غير أن الحديث على ما في (كتاب المصابيح) لا يحتمل ذلك، ولا نجد عنه مخلصاً إلا من فرد وجه، وهو أن نقول: الضمير في قوله: (واجعله) راجع إلى التمتع الذي دل عليه قوله: (متعنا) والتقدير: متعنا، واجعل تمتعنا به الوارث منا، ويكون (الوارث منا) على أحد المعنيين: الباقي بعدنا؛ لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده، ومعنى بقائه: دوامه إلى يوم الحاجة إليه، أو الذي يرث ذكرنا فنذكر به بعد انقضاء الآجال وانقطاع الأعمال، وهذا المعنى شبيه بسؤال خليل الرحمن- صلوات الله عليه- ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾.
وفيه: (وجعل ثأرنا على من ظلمنا):
الثأر والثورة [الذحل]، والأصل فيه: الحقد والعداوة، يقال: ثأرت القتيل، وبالقتيل، أي: قتلت قاتله، والثائر: الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره، والحديث محتمل لمعنيين.
أحدهما: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا، فندرك ثأرنا منهم، ويكون في معنى قوله: (وانصرنا على من عادانا).
والآخر: لا تجعلنا [٢٥] ممن إذا ظلم تعدى على جانيه في إدراك ثأره بنوع من التعدي؛ كما كان معهوداً من أهل الجاهلية، فيرجع ظالماً بعد أن كان مظلوماً، بل صبرنا على ما أصابنا، وأجرنا من التعدي حتى يكون الثأر لنا عليه لا له علينا.
стр. 554
ومن كتاب المناسك
(من الصحاح)
[١٧٣٦] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا).
الحج في اللغة: القصد؛ تقول العرب: حج بنو فلان فلاناً، أي: أطالوا الاختلاف إليه، قال المخبل:
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة .... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
وهو في تعارف الشرع: قصد البيت للتقرب إلى الله، بأفعال مخصوصة، بزمان مخصوص، في أماكن مخصوصة.
وكسر الحاء لغة فيه، وقيل: الحج، بالفتح: مصدر، بالكسر: الاسم.
وقول الرجل، وهو الأقرع بن حابس: (أكل عام): قول صدر عنه على ما عرف من تعارفهم في لفظ الحج؛ على ما ذكرنا أنه قصد بعد قصد؛ فكانت صيغته موهمة للتكرار.
قلت: والظاهر أن هذا اللفظ استعمل في زيارة البيت، تنبيها على أن الوفد يترددون إلى ذلك البيت المبارك كرة بعد أخرى، وأنهم لا ينقطعون عنه يد الدهر.
وفيه: (فسكت حتى قالها ثلاثاً):
إنما سكت، زجراً له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى بأولى الفهم المتأدبة بين يدي رسول الله ﷺ ، المتلقية قوله بإلقاء السمع، الذين نور الإيمان قلوبهم، وذلك لأن رسول الله ﷺ إنما بعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان أنر علم أن بالأمة حاجة إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد نهوا عنه، وفي الإقدام عليه ضرب منا لجهل، ثم فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار بقوله ﷺ : (ولو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم)، وإنما قال: (لوجبت) على صيغة التأنيث؛ لأنه أراد حججاً كثيرة، لتكررها عليهم عاماً بعد عام، أو أراد: لوجبت كل عام حجة.
[١٧٣٧] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁: (سئل رسول الله ﷺ : (أي العمل أفضل؟ ..
стр. 555
الحديث) قد ورد [جملة] من أحاديث المفاضلة بين الاعمال على منوال يشكل التوفيق بينها على كثير من الناس حتى يخيل إليهم أن فيها تضاداً، ونحن قد ذكرنا من وجوه التوفيق بينها في أول (كتاب الصلاة) ما فيه معنى لمن تدبره.
وقوله: (حج مبرور): المبرور: المقابل بالبر: ومعناه: المقبول.
[١٧٤٢] ومنه: حديث ابن عباس ﵁ [٢٦]. الرحلة، وكذلك الظعن بالتحريك، وذكر ذلك على وجه البيان للحال التي انتهى إليها من كبر السن، أي: لا يقوى على السير، ولا على الركوب.
стр. 556
=====
стр. 557
[١٧٦٠] ومنه: حديث ابن عباس- ﵁: (إن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق):
أراد بـ (أهل المشرق): من كان منزله خارج الميقات من شرقي مكة من أهل نجد وما وراءه إلى أقصى بلاد المشرق، والعقيق- الذي في هذا الحديث- هو أيضاً داخل في حد ذات عرق.
ونرى اختلاف ذلك في الحديث لمكان اختلاف سبيل المحرمين من ذلك الجانب، إذ كان لكل واحد من الميقاتين طريق غير طريق الآخر.
ويمكن أن أهل المصرين- أعني الكوفة والبصرة- كان يختلف بهم الطريق في الزمان الأول.
وقد ذكر بعض أهل العلم: أن الموضع الذي يحرم منه المتشيعة في زماننا، ويزعمون أنه العقيق- ليس بالعقيق، وإنما هو محاذ له، وقد روى عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدائن العقيق، ولأهل البصرة ذات عرق)، وفي هذا الحديث ضعف من قبل الراوي عن أنس، ومع الضعف، فإنه لا يخلو عن دليل ما.
стр. 558
ومن باب الإحرام والتلبية
(من الصحاح)
[١٧٦٣] حديث عائشة ﵂: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ).
الوبيص: اللمعان، يقال: وبص البرق وغيره، أي: لمع، والفرق معلم وسط الرأس، وهو الذي يفرق فيه الشعر.
وفي بعض الطرق من (كتاب مسلم): (في مفرق) على لفظ الواحد، و (في مفارق) على الجمع لفظ الكتابين: كتاب البخاري، وكتاب مسلم، وإنما جاء بها على لفظ الجمع، تعميماً لسائر جوانب الرأس التي بفرق فيها، أي: إن فتات الطيب كان يبقى عليها بعد أن يحرم، فكان يلمع فيها، والتطيب قبل الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام مختلف فيه، وقد كان عمر أمير المؤمنين- ﵁ ينهي عن ذلك، وبه أخذ جمع من العلماء.
ووجه ذلك ظاهر، وهو أنا لمحرم إنما منع من التطيب حالة الإحرام، ليكون تفلاً متنكباً في إحرامه عن الترفه والتنعيم، وإذا وجد منه رائحة الطيب بعد الإحرام، خالف هديه المحرمين، وكان ابن عمر رذي الله عنه يتشدد- أيضاً- في ذلك.
ويحتمل: أن يكون الذي رأته عائشة في مفارق رسول الله ﷺ من الوبيص كان لتدهنه بالدهن المطيب قبل الإحرام، وقد روى [٢٩] مسلم في كتابه في بعض طرق هذا الحديث، عن عائشة، أنا قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك):
قلت: وأرى هذا الوجه من أولى ما يحمل عليه معنى الوبيص، لمكان هذا الحديث.
ويحتمل: أنه كان يتطيب بطيب، يبقى جزمه بعد زوال رائحته، وقد صح أنها قالت: (أنا طيبت رسول الله ﷺ ، فطاف في أزواجه، ثم أصيح) يعني: محرماً.
وقولها: (فطاف في أزواجه) كناية عن الإصابة منهن بعد التطيب، ويلزم منه أنه اغتسل بعد ذلك مرة واحدة إن لم يكن مرات كثيرة، وكان ذلك بالمدينة ثم خرج إلى ذي الحليفة، فاغتسل بها غسل الإحرام، فأي أثر يبقى بعد اغتساله كرة بعد أخرى.
стр. 559
وفي هذا التأويل: توفيق بين القولين.
وقد اختلف فقهاء الامصار في هذه المسألة.
ولك يكن التعرض لذلك متعلقاً بغرضنا، وإنما قصدنا بيان الحديث.
[١٧٦٤] ومنه: حديث ابن عمر ﵁: (سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبداً):
والتلبيد: أن يجعل المحرم في رأسه شيئاً من صمغ أو خطمى أو غير ذلك، ليلبد شعره بقيا عليه لئلا يشعث في الإحرام، فلا تقع فيه الهوام.
وفي غير هذه الرواية، عنه- أيضاً-: (لبد رأسه بالغسل): والحديث مذكور في قسم الحسان من هذا الباب، والغسل- بالكسر-: ما يغسل به الرأس من خطمى وغيره، قال الشاعر:
فيا ليل إن الغسل ما دمت أيما .... على حرام لا يمسني الغسل
وفيه: (لبيك اللهم لبيك ... الحديث).
وقد ذكرنا معنى التلبية في (كتاب الصلاة).
وقوله: (إن الحمد والنعمة لك): منهم من قال بفتح الهمزة، والمختار رواية ومنعى: الكسر.
[١٧٦٥] ومنه: حديثه الآخر: (أن النبي ﷺ كان إذا أدخل رجله في الغرز، واستوت به ناقته):
الغرز: ركاب الرجل من جلد، فإذا كان من خشب أو حديد: فهو ركاب، و (استوت به ناقته) أي: رفعته مستوياً على ظهرها.
وقوله: (أهل من عند مسجد ذي الحليفة):
стр. 560
يريد به مبدأ الإهلال، وقد اختلفت الروايات عن الصحابة في ذلك:
فمنهم من قال: أهل في دبر الصلاة.
ومنهم من قال: أهل حين استوت به ناقته.
ومنهم من قال: حين استوت به على البيداء، والبيداء: هي الشرف الذي أمام ذي الحليفة.
واختلاف هذه الرايات و [بيان] اختلاف أحوالهم في العلم بذبك، فإن كلا منهم أخبر بما سمعه، وانتهى إليه علمه، وكلهم صدق أبرار، والتوفيق بينها هين، وذلك أن الذي شهده بهذا الصلاة، وسمع الإهلال في دبر الصلاة- أخبر به، والذي لم يشهده في المسجد، أو شهده ولم يبلغه الصوت [٣٠]، وسمعه يهل عند استواء الناقة به- أخبر به على ما كان عنده، وكذلك الذي قال إنه أهل حين استوت به البيداء.
ولا تضاد بين هذه الأقاويل، وإنما يحكم بالتناقض إذا كان الزائد نافياً لما عداه.
وبمصداق ما قررنا عليه الحديث: ورد الحديث عن أبي داود المازني ﵁، وكان من أهل بدر.
[١٧٦٩] ومنه: حديثه الآخر: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج).
стр. 561
قلت: قد تقدم في حديث عائشة ﵂ من هذا الباب: (أن النبي ﷺ كان مفرداً)، وفي حديث أنس: (أنه كان قارناً)، وذلك قوله: (وإنهم ليصرخون بهما جميعاً الحج والعمرة)، وأراد بذلك النبي ﷺ ومن أهل معه بما أهل هو به، وقد بين ذلك في حديث آخر، وهو حديث صحيح: قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجاً معاً).
وفي الصحاح: (أن بكر بن عبد الله المزنى وهو الراوي عن أنس ﵁ [أخبر] بهذا الحديث ابن عمر، فقال: (لبى بالحج وحده)، قال: فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما تعدونا إلا صبياً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجا معاً).
قلت: والتوفيق بين هذه الروايات مشكل ولابد منه، فإن ترك هذه الروايات على حالها من الاختلاف من غير بيان جامع بينهما مجلبة للشك في أخبار الصادقين، وقد طعن فيها طائفة من الفئة الزائغة عن منهج الحق، فقالوا: اتفقتم أيتها الرواة على أن نبيكم لم يحج من المدينة غير حجة واحدة، ثم رويتم أنه كان مفرداً، ورويتم أنه كان قارناً، ورويتم أنه كان متمتعاً، وصيغة هذه الأنساك متباينة، وأحكامها مختلة وتزعمون أن كل هذه الروايات مقبولة لصحة أسانيدها وعدالة رواتها!!
فأجاب عن ذلك جمع من العلماء، شكر الله سعيهم، وقد اخترنا عن ذلك جواباً نقل عن الشافعي- ﵁ وزبدته:
أن من المعلوم في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به، كجواز إضافته إلى الفاعل له، كقولك: بنى فلان داراً: إذا أمر ببنائها، وضرب الامير فلاناً: إذا أمر بضربه.
ومن هذا الباب: رجك رسول الله ﷺ ماعزاً، وقطع يد سارق رداء صفوان به أمية، وكان أصحاب رسول الله ﷺ منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل منهم يصدر عن أمره وتعليمه، فجاز أن يضاف كل ذلك إليه.
وقولاً ذكره الخطابي، قال: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحجة، وخفى عليه قوله: وعمرة، فحكى أنه كان مفرداً فلم يحك إلا ما سمع، وسمعه آخر يقول: لبيك بحجة وعمرة، فقال: كان قارناً، ولا ينكر الزيادات في الأخبار كما لا ينكر في [...] قلت: وأكثره [٣١].
стр. 562
[بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم تسليما كثيرا
ومن قصة حجة الوداع من الصحاح:
[١٧٧٦] حديث جابر- ﵁ أن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج.
قلت: أما تركه الحج في الأعوام التي قبل الفتح، فلا افتقار إلى بيانه لوضوح العلة فيه وهي: أن الحج
стр. 563
لم يكن فرض، ثم إنه كان معنياً بحرب أعداء الله، مأموراً بإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فلم يكن ليتفرغ من هذا القصد الكلي والأمر الجامع إلى الحج الذي لم يفرض عليه.
فإن قيل: أو لم يعتمر في تلك الاعوام؟ قلنا: نعم. ولكن الخطب فيها كان أيسر، ولهوان العمرة لم يكن لها موسم معين، فيتألب الاعداء لمناوأته وصده عن البيت، وكان قضاؤها بعد الصد أو الوات غير مشروع في زمان معين، والإتيان على أفعالها كان ممكنا في بعض يوم، وكان الأمر في الحج بخلاف ذلك كله، فهذه من جملة الموانع التي لأجلها ترك الحج، مع أنه كان عبداً مأموراً يراكب الأمر في تصاريف
стр. 564
أحواله، فأمر بها لم يؤمر بالحج، وأما بعد الفتح، فكان التح سنة ثمان، فإن هوازن وثقيفا وكثيرا منا لعرب كانوا حربا لرسول الله ﷺ متأهبين لقتاله، والظاهر أن الحج فرض بعد تلك الحجة؛ لأن النبي ﷺ أمر الناس بالحج في السنة التاسعة، وفيها أمر أبا بكر- ﵁ على الحج، ولم يأمر فيه قبل ذلك بشيء، وإنما خرج عتاب بن أسد- ﵁ بالمسلمين وهو أمير مكة، فوقف بهم الموقف والمشركون وقوف في ناحية، وكان الذي دفع بهم أبو سيارة العدواني.
وقد ذهب قوم إلى أن تأخير الحج بعد التح إنما كان للنسئ المذكور في كتاب الله، وهو: تأخير الأشهر عن مواضعها، حتى عاد الحساب في الأشهر إلى أصله الموضوع الذي بدأ الله به في أمر الزمان، يوم خلق لسموات والأرض، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: (إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض) وهذا التأويل في سنة عتاب بن أسيد محتمل، وفي العام الذي بعث أبا بكر أميرا على أهل الموسم غير محتمل؛ لأن النبي ﷺ ] لم يكن ليأمر بالحج في غير وقته المعلوم، وقد ذكر بعض أهل العلم بالسير أن الحج عام الفتح وقع في ذي القعدة على الحساب الذي ابتدعوه، وكانوا ينسئون كل عامين من شهر إلى شهر، وكان الحج عام حجة أبي بكر- ﵁ في ذي الحجة على الحساب
стр. 565
القويم، وإنما وجه استثنائه بالحج إلى السنة العاشرة- والله أعلم- هو أنه لم ير أن يحضر الموسم، وأهل الشرك حضور هناك؛ لأنه لو تركهم على ما يتدينون به من هديهم المخال لدين الحق، لكان ذلك وهنا في الدين، ولو منعهم لأفضى ذلك إلى التشاغل عما أرادوه من النسك بالقتال، ثم إل استحلال حرمة الحرم. وكان قد أخبر يوم التح (أن حرمتها عادت إلى ما كانت عليه، وأنه لم تحل له إلا ساعة من النهار)، فرأى أن يبعث الناس إلى الحج، وينادي في أهل الموسم (ألا يحج بعد العام مشرك) ليكون حجة خاليا من العوارض التي ذكرناها، وقد ذكرنا لذلك وجوها غيرها في (كتاب المناسك)، واكتفينا هاهنا بالقول الوجيز إيثاراً للاختصار.
وفيه: (ثم ركب القصواء): قيل: إنما سميت قصواء، لسبقها، أي: كان عندها أقصى السير وغاية الجرى.
قلت: القصواء من النوق: التي قطع أذنها حتى بلغ الجدع الربع، فإذا جاوزوه فهي عضباء، وإذا قطع منها شيء فهي جدعاء، وبكل ذلك ورد الحديث في وصفها، وقد تبين لنا من السنن الثابتة أن كل ذك صفة ناقة واحدة، وأن الرواة إنما استعملوها لتقاربها في المعنى.
وقيل: العضباء هي المشقوقة الأذن، وقال قائلون من علماء العربي: إن العضباء لقب لناقة النبي ﷺ ولم تكن مشقوقة الأذن.
следующие страницы →