← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم، أو ممن أتى بعدهم؛ فيستنبط منه مسائل كثيرة؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذا هو المعنى، اللهم إن كان هذا المؤول قد وجد زيادة في رواية أخرى؛ فاستدل بها على ما ذهب إليه من المعنى، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلوة خضرة؛ فمن أخذها بحقها، بارك الله له فيها، وإياكم والتمادح؛ فإنه الذبح) ولم يذكر فيه: (وإنما أنا قاسم) فإن وردت الرواية بجميع ذلك في حديث واحد، فالحديث محتمل للتأويلين، ويكون الذي ذهب إليه أقرب من الذي ذهبنا إليه، وإن لم يوجد ذلك في حديث واحد، فالظاهر أنهما حديثان: أحدهما- وهو الذي نحن في بيانه- ينبئ عن المعنى الذي ذكرناه. والآخر [٣١/ أ]- وهو أيضا روي عن معاوية، ﵁ يشير إلى أن الخير في الفقه؛ فينبغي أن يحرص عليه، لا على المال الذي نعته كذا وكذا. وهذا الحديث على هذا الوجه يرويه عن معاوية معبد الجهني، وهو أول من تكلم في القدر بالبصرة، وقد ذكره البخاري في كتاب (الضعفاء). وبيان بقية الحديث قد مر فيما تقدم. [١٤١] ومنه: حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (الناس معادن .. الحديث)، ويرويه- أيضا- أبو هريرة- ﵁: (المعدن مستقر الجوهر) من قولهم: عدن بمكان كذا أي: استقر به. والمعنى أن الناس يتفاوتون في مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، وفيما يذكر عنهم من المآثر على حسب الاستعداد، ومقدار الشرف- تفاوت المعادن؛ فإن منها ما يستعد للذهب، ومنها ما يستعد للفضة، وهلم جرا، إلى غير ذلك من الجواهر المعدنية حتى ينتهي إلى الأدنى فالأدنى؛ كالحديد، والكحل، والزرنيخ والنورة. ولما دخلوا في دين الله، وفقهوا فيه، وكان ذلك من أتم المآثر، وأعظم موجبات التبجيل- تعزز به كل صعلوك من أفناء الناس، ونزاع القبائل حتى فاق سائر أقرانه في الجاهلية من ذوي المآثر، فربما ظن أحدهم أن المآثر والمكارم لا عبرة بها في حكم الدين؛ فنبأهم النبي ﷺ : أن الله تعالى- كما جعل التفاوت في الجواهر المعدنية- جعل التفاوت في الأوضاع البشرية، وإنما صار ساقط الاعتبار؛ لانعدام الدين، فإذا دخل الرجل في دين الله، وفقه فيه، وكان في الجاهلية من ذوي المآثر؛ فإنه من خيار الناس في الإسلام؛ كما كان من خيارهم في الجاهلية، ويفضل بتلك المآثر على أقرانه في الدين والعلم إذا لم يكن لهم ذلك. [١٤٢] ومنه: حديث عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين ..

стр. 72

الحديث): من الناس من يرويه: (لا حسد إلا في اثنين) أي: في شيئين اثنين، ومنهم من يرويه: (إلا في اثنتين) أي في خصلتين. (رجل): مجرورا على البدل من (اثنين)، ومن رواه (اثنتين)، فإنه يبتدئ فيقول: (رجل)؛ فكأنه يشير إلى الخصلتين بما يصفه في حال الرجلين، ويجوز أن يقام مقام المحذوف في الإعراب، والتقدير: خصلة رجل. وقد اختلف رواة (كتاب البخاري) في هذه الألفاظ على ما ذكرناه. وأوثق الروايات التي تروى: (إلا في اثنين: رجل) على البدل. وقيل: الحسد فيهما بمعنى: الاغتباط، والظاهر أن المراد مدى صدق الرغبة وشدة الحرص. ولما كان هذان السببان هما الداعيين إلى الحسد، كني عنهما ب (الحسد). ومعنى قوله: (لا حسد) أي: لا رخصة في شيء من أنواع الحسد إلا فيما كان هذا سبيله. وقيل: إن الحسد في هذا الباب مرخص فيه، لما يتضمنه من المصلحة في الدين، وفي معناه نشيد أبي تمام الطائي: ......... وما حاسد في المكرمات بحاسد والتأويل المستقيم هو الأول. وقوله: (آتاه الله حكمة) فالحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل، ويحتمل أن يكون معناه: آتاه الله فقها في الدين. [١٤٣] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان ... الحديث): سئل الشيخ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي- ﵀ عن هذا الحديث، وعن قوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وعن قوله ﷺ : (كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله؛ فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)، فقيل: القسمان المذكوران في هذين الحديثين زائدان على الثلاثة المذكورة في حديث أبي هريرة؛ فكيف التوفيق بينهما؟ فكان من جوابه: أن السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به، والذي ذكر عن المرابط: فإنه عمله الذي قدمه في حياته، فينمو له إلى يوم القيامة، وأما الثلاثة المذكورة في حديث أبي هريرة: فإنها أعمال تحدث بعد وفاته× فلا تنقطع عنه؛ لأنه سبب تلك الأعمال، وهذه الأشياء يلحقه منها ثواب طارئ خلاف أعماله التي مات عليها× فإذا: لا اختلاف بين هذه الأحاديث، والله أعلم.

стр. 73

[١٤٤] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة ... الحديث): نفست عنه تنفيسا، أي: رفهت؛ يقال: نفس الله عنه كربته، أي: فرجها، وكأنه مأخوذ من قولهم: (أنت في نفس من أمرك) أي: في سعة؛ فالذي يفرج عنه: كأنه يجعل في سعة من أمره، بخلاف المكروب الذي يصبح ويمسي كالذي ضيق عليه الأرض برحبها، وسد عنه مداخل الأنفاس ومصائدها. وفيه: (إلا نزلت عليهم السكينة) أي: الحالة التي تطمئن بها القلب، ويسكن بها القلب؛ فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب، والأصل فيه: الوقار. وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن، ويؤمنه. وفيه: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه): البطؤ نقيض السرعة؛ يقال: ما بطأ بك [٣٢/ أ]، وما بطأك: بمعنى.

стр. 74

ومنه: (إن من أخره العمل، لم يقدمه النسب)؛ وذلك: أن الرجل إذا قصر في الأعمال الصالحة، لم تجبر نقيصته بكونه نسيبا في قومه. [١٤٧] ومنه: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: (كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة ... الحديث). التخول: التعهد، وحسن الرعاية؛ يقال: تخولت الريح الأرض: إذا تعهدتها، والخائل: المتعهد للشيء الحافظ له، والمعنى: انه كان يتفقدنا بالموعظة في مظان القبول، ولا يكثر علينا؛ لئلا نسأم، وكان أبو عمرو يقول: (إنما هو يتخوننا)، والتخون: التعهد؛ قال ذو الرمة: لا ينعش الطرف إلا ما تخونه .... داع يناديه باسم الماء مبغوم وقد رد على الأعمش روايته باللام، وكان الأصمعي يقول: (ظلمه أبو عمرة، يقال: يخولنا ويخوننا جميعا). قلت: والراوية باللام أكثر. وزعم بعضهم: أن الصواب: (يتحولنا) بالحاء المهملة، وهو أن يتفقد أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة؛ فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا، ومن الناس من رويه كذلك؛ ولكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة، والله أعلم. [١٤٨] ومنه: حديث أنس ﵁: (كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة، أعادها ثلاثا ... الحديث): أراد بـ (الكلمة): الجملة المفيدة، قوله: (أعادها ثلاثا) فإنه مبين بقوله: (حتى يفهم عنه)، وأما قوله: (إذا سلم، سلم عليهم ثلاثا) فإنه يفتقر إلى البيان؛ لأنا لم نجدها سنة متبوعة. وقد ذهب بعض العلماء في معناه: إلى تسليم الاستئذان؛ ويستدل بحديث سعد بن عبادة، أن النبي ﷺ جاءه- وهو في بيته- وسلم، فلم يجبه، ثم سلم ثانيا، ثم ثالثا ... الحديث): وفي هذا التأويل نظر؛ لأن تسليمة الاستئذان لا يثنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا يثلث إذا حصل

стр. 75

بالثانية، ثم إنه ذكره بحرف (إذا) المقتضية لتكرار الفعل كرة بعد أخرى، وتسليمه ثلاثا على باب السعد، أمر نادر لم يذكر عنه ﷺ في غير هذا الحديث. والوجه فيه: أن نقول: معناه: كان نبي الله ﷺ إذا أتم على قوم، سلم عليهم تسليمة الاستئذان وإذا دخل، سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس، سلم تسليمة التوديع؛ وهي في معنى الدعاء، وهذه التسليمات كلها مسنونة، وكان النبي ﷺ يواظب عليها، ولا مزيد في السنة على هذه الأقسام. [١٥٠] ومنه: قوله ﷺ في حديث جرير ﵁: (من سن في الإسلام سنة حسنة، [٣٢/ب] فله أجره ... الحديث) أي: أتى بطريقة مرضية يبتدأ به فيها. وفي عامة نسخ (كتاب المصابيح): (فله أجرها) وهو غير سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب: (أجره)، والضمير يعود إلى صاحب الطريقة، أي: له أجر عمله، وأجر من عمل بسنته، وظن بعض الناس: أن الضمير راجع إلى السنة، وقد وهم فيه- أيضا- بعض المتأخرين من رواة الكتابين، وليس ذلك من رواية الشيخين في شيء، والله أعلم. [١٥١] ومنه: حديث عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : (لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول: كفل من دمها). إنما قيد (ابن آدم) بـ (الأول)؛ لئلا يشتبه لأن في بني آدم كثرة؛ وهذا يدل على أن قابيل كان أول مولود من بني آدم. ويحتمل أنه قال: ابن آدم الأول) باعتبار البطن الأول من بني آدم. ومعنى قوله: (كفل من دمها) أي: نصيب؛ وهو مثل قوله سبحانه: (ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)، وقد زعم بعض أصحاب المعاني: أن الكفل في هذه الآية ليس بمعنى النصيب، بل هو مستعار من الكفل، وهو: الشيء الرديء، واشتقاقه من الكفل، وهو أن الكفل لما كان مركبا ينبو براكبه، صار متعارفا في كل شدة؛ كالسيساء، وهو: العظم الناتئ من ظهر الحمار؛ فيقال: (لأحملنك على الكفل وعلى السيساء، ولأركبنك الحسرى الرزايا). قال: ومعنى الآية: من ينضم إلى غيره معينا له في فعلة سيئة، ينله منه شدة. قلت: ولعل هذا القائل إنما توغل في استنباط هذا المعنى؛ هربا من المفهوم عن لفظ الكفل، الذي هو

стр. 76

بمعنى النصيب؛ فإن الكفل يقال للحظ الذي فيه الكفاية؛ كأنه تكفل بأمر صاحبه، وكم من مثل هذه الألفاظ قد استعملت في معاني قد اختصت بها، ثم شاعت واتسعت في غيرها؛ فكذلك ههنا. وحقيقة المعنى في قوله: (كفل من دمها) أي: نصيب يكفل بأمره؛ فيوفيه جزاء ما ارتكبه من الإثم، وعقوبة ما سنه من القتل. ويجوز أن يكون (الكفل) بمعنى الكفيل، والمراد منه: أن أقام كفيلا بفعله الذي سنه في الناس يسلمه إلى عذاب الله، كما قيل: (من ظلم، فقد أقام كفيلا بظلمه). (ومن الحسان) [١٥٢] حديث أبي الدرداء: ﵁، عن النبي ﷺ : (من سلك طريقا ... الحديث). إنما نكر (علما) في قوله: (من سلم طريقا يلتمس فيه علما)؛ ليتناول كل نوع من أنواع علوم الدين، ويندرج تحته قليل العلم وكثيره. وفيه: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها ...)، يحتمل: أنه ﷺ أراد به تليين الجانب والانقياد، فألقى عليه بالرحمة والانعطاف؛ وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ ويحتمل أن المراد منه: فرش الأجنحة تواضعا لطالب العلم؛ حيث يبذل وسعه في استغاء مرضاة الله، سيما إذا وجدت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم. ويحتمل: أن المراد من الملائكة- ههنا- العموم. ويحتمل: أن المراد منها الكرام الكاتبون. ويحتمل: أن يكون صنيعهم هذا في الدنيا، ويحتمل: أن يكون في الآخرة. ويحتمل: أن يكون في الدارين جميعا. وكل ذلك: توقير الملائكة طلاب العلم، والاستشعار في أنفسهم تعظيما لهم، والنظر إليهم بعين المهابة والجلال؛ فضرب المثل بما ضرب؛ تحقيقا لتلك المعاني! وفيه (وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض .. الحديث).

стр. 77

يحتمل: أن يكون استغفار هذه الأصناف المذكورة من الخلائق بعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، وهو أن يتكسب الله تعالى له بعدد كل حيوان من الأنواع المذكورة- كالحيتان وغيرها- مغفرة، ووجه الحكمة فيه: أن صلاح العالم: بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا وله مصلحة معقودة بالعلم؛ وقد كان أبو ذر ﵁ يقول: (تركنا محمد ﷺ وما من طائر يحرك جناحيه في الهواء، إلا وقد أذكرنا منه علما)؛ فكتب الله على كل نوع منها لطالب العلم استغفارا؛ جزاء له عنها بعلمه المعقود به صلاحها. ولم نستوعب بيان مصالحها المعقودة بالعلم اكتفاء بما أشرنا إليه، والله أعلم. [١٥٣] ومنه: حديث أبي أمامة- ﵁: (ذكر لرسول الله ﷺ رجلان، أحدهما: عابد، والآخر: عالم ...) الحديث. يريد: رجلين يكون أحدهما كذا، والآخر كذا؛ على سبيل التمثيل، ولم يرد رجلين بأعيانهما. [١٥٤] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (استوصوا بهم خيرا). والاستيصاء: قبول الوصية، والاستيصاء: طلب الوصية من نفسه أو من غيره، بأحد أو بشيء، وهو في المعنى قريب من التواصي، وهو أن يوصى بعضهم بعضا، ومعناه: الأمر بمراعاة أحوالهم والتعهد لهم. و (وصى): حكمه حكم (أمر)؛ يقال: (وصيت زيدا بأن يفعل خيرا) كما يقال: (أمرته بأن يفعل خيرا، وقولك: (وصيت زيدا بعمرو) أي: وصيته بتعهد عمرو ومراعاته؛ قال الله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) أي: وصيناه بإيتاء والديه حسنا، وكذلك قوله ﷺ : (فاستوصوا بهم خيرا) أي: بإيتائهم خيرا، واقبلوا وصيتي بإيتائهم خيرا. [١٥٥] ومنه [٣٣/ب]: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (الكلمة الحكمة ضالة

стр. 78

الحكيم) أراد بـ (الكلمة) - ههنا- الجملة المفيدة، وبـ (الحكمة): التي أحكمت معانيها بالعلم والعقل، مصونة معانيها عن الاختلال والتهافت، والحكيم: هو المتقن للأمور، والمعنى أن كلمة (الحكمة) إن تكلم بها من ليس لها بأهل، ثم وقعت بأهلها فهو أولى بها من الذي قالها؛ كصاحب الضالة إذا وجدها صاحبها؛ فإنه أحق بها من غيره، وإنما قال هذا؛ تنبيها على أن من سمع كلمة مفيدة ممن لا يعبأ به، ولا يهتدى إلى حقيقة ما حدث؛ فلا يحجزنه انتماء الكلمة إلى ذلك القائل عن الانتفاع بها؛ لأنه أولى بها وأحق من الذي قالها. [١٦٥] ومنه: حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ (طلب العلم الشرعي النافع فريضة على كل مسلم). هذا حديث أكثر الناس فيه من الأقاويل، وضربوا يمينا وشمالا في بيانه، وهو ظاهر واضح. والمراد بـ (العلم) - ههنا: القسم الذي فرض على العبد معرفته في أبواب المعارف، ويفتقر إليه في معاملة الله، ويتعين عليه العمل به؛ لأنه قال: (على كل مسلم)؛ فهو- إذن- محمول على العلم الذي لا يعذر العبد في الجهل به. [١٥٨] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁: (خصلتان لا تجتمعان في منافق: (حسن سمت ... الحديث). السمت: الطريق، والسمت: هيئة أهل الخير؛ لأنه طريقهم، يقال: ما أحسن سمته، أي: هديه. وقوله: (ولا فقه في الدين)، حقيقة الفقه في الدين: ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان؛ فأفاد

стр. 79

العمل، وأورث الخشية والتقوى، وأما الذي يتدارس أبوبا منه؛ ليتعزز به ويتأكل: فإن بمعزل عن هذه الرتبة العظمي؛ لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه؛ ولهذا قال علي ﵁: (ولكني أخشى عليكم كل منافق عليم اللسان). [١٦٢] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (من سئل عن علم علمه، ثم كتمه .... الحديث): هذا الذي قاله: أنه يلجم بلجام من نار، من باب المقابلة في العقوبة؛ وذلك أنه ألجم نفسه بالسكوت حيث فرض الله عليه البيان؛ فألجم بلجام من نار عقوبة له على ذلك. [١٦٣] ومنه: حديث كعب بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ : (من طلب العلم ليجارى به العلماء .... الحديث). (المجاراة: أن يجرى الإنسان مع آخر؛ فيماريه في جريه، والمعنى: أنه يطلب العلم؛ ليعدل بنفسه في العلماء ترفعا ورياء وسمعة؛ كما أخبر عنه في حديث آخر: (إنما قرأت القرآن ليقال: إنك عالم؛ وقد قيل) [٣٤/أ]. والمماراة: المجادلة والمحاجة فيما فيه مرية، وهي التردد في الأمر، والاسم منه: المراء وأصل ذلك من: (مريت الناقة): إذا مسحت ضرعها. وفي هذا الحديث- سوى الوعيد الوارد فيمن لم يكن له غرض صحيح في طلب العلم- تنبيه على فائدة صحة المقاصد وفسادها؛ حيث بين أن العلم- الذي طلبه مكفرة للذنوب، ومعاة للفلاح، ومئنة لرضا الرب هو الآخذ بيد صاحبه إذا زلت به القدم، ويكون وبالا على صاحبه، وتنقلب تلك القضايا عليه إذا لم يكن له في طلبه قصد صحيح، فيا هنتاه! كم من بلية دخلت علينا من تلكم الأبواب، ولم نشعر بها، ومن الله المعونة، وإليه المشتكى!

стр. 80

[١٦٤] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ : (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ... الحديث). هذا الحديث وأمثاله يحمله كثير من الجهال- لاسيما المبتدعة الضلال- على المبالغة في تحريم الجنة على المختص بهذا الوعيد؛ كقوله: (ما شممت قتار قدره)؛ للمبالغة في التبرى عن تناول طعامه، أي: ما شممت رائحته؛ فكيف بالتناول عنها. وليس المعنى كذلك؛ فإن المختص بهذا الوعيد- إذا كان من أهل الإيمان- لابد وأن يدخل الجنة؛ عرفتا ذلك بالنصوص الصحيحة التي ثبت التواتر فيها، أو في جنسها. ثم إن النبي ﷺ لم يقل: (إنه لا يجد عرفها على الإطلاق)، وإنما قال: (لا يجد عرفها يوم القيامة)، وهو اليوم الموصوف بقوله سبحانه: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾؛ وذلك من حين يحشرون إلى أن ينتهى بهم الأمر إما إلى جنة، وإما إلى نار؛ وذلك: أن الآمنين من الفزع الأكبر، المتلقين بالبشرى والرضوان- وخاصة العلماء الذين لهم الدرجات العلا- إذا وردوا القيامة يمدون برائحة الجنة؛ تقوية لقلوبهم وأبدانهم، وتسلية لهمومهم وأشجانهم، ويكون احتفاظهم بتلك الرائحة على مقدار حالهم في المعرفة وعلو منزلتهم في العبودية. وهذا البائس الذي تعلم العلم ليبتغى به أعراض الفانية، وكان من حقه: ألا يتعلمه إلا ابتغاء وجه الله: يكون- يومئذ- كصاحب الأمراض الحادثة في تضاعيف الدماغ المانعة عن إدراك الروائح، لا يجد رائحة الجنة، ولا يهتدى إليها سبيلا من الأمراض الكائنة في القلب المخلة بالقوى الإيمانية، أعاذنا الله عن ذلك! [١٦٥] ومنه: حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : (نضر الله عبدا سمع مقالتى ..

стр. 81

الحديث): النضرة: الحسن والرونق، ويقال: نضر الله وجهه، ونضر وجهه [٣٤/ب]؛ يتعدى ولا يتعدى، وروى في هذا الحديث بالتخفيف والتشديد، وفي التشديد أنشد الأصمعي: نضر الله أعظما دفنوها .... بسجستان طلحة الطلحات ومعنى قول: (نضر الله عبدا) أي: خصه بالسرور والبهجة بما رزق بعلم ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا، وبنعمة في الآخرة، حتى يرى عليه رونق الرخاء ورفيق النعمة، وإنما خص حافظ سنته ومبلغها بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم، وتجديد السنة؛ فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة. وفيه: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم): (لا يغل) يروى بفتح الياء وضمها، وكسر الغين على الصيغتين؛ فالأول: من الغل، والثاني: من الإغلال؛ يقال: غل يغل: إذا كان ذا ضغن أو غض أو حقد، وأغل يغل: إذا خان، والإغلال: الخيانة وأما بفتح الياء وضم الغين: فإنه من الغلول، ولا معنى له ههنا؛ لأن الغلول من الغنم خاصة. والمعنى: أن المؤمن لا يخون في هذه الأشياء الثلاثة، ولا يدخله ضغن يزيله عن الحق حتى يفعل شيئا من ذلك. وذكر أبو سليمان الخطابى: أن أبا أسامة حماد بن أسامة القرشى كان يرويه: (يغل) مخفف اللام؛ يجعله من (وغل يغل وغولا)؛ يقال: وغل الرجل: إذا دخل في الشجر، وتوارى فيه. وفيه: (فإن دعوتهم تحيط من ورائهم): المعنى: أن دعاء الجماعة لأنفسهم قد أحاطته بهم؛ فيحرسهم ويحوطهم؛ فلا يكاد الشيطان ينتهز منهم فرصة بطريق الحقد، أو تسويل الخيانة، كانتهازه من غيرهم. وفي قوله: (أحاطت بهم): تنبيه منه على أن من خرج من جماعتهم لم ينله بركة دعائهم؛ لأنه خارج عما أحاطت بهم من ورائهم، وقد قال بعض العلماء لا نصيب لمن غير ويدل في دعاء الجماعة؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: (السلام علينا وعلى عبد الله الصالحين).

стр. 82

ووجه دخول الفاء في قوله: (فإن دعوتهم) هو أن المؤمن لا يغل على لزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط بهم، وهو في جملتهم؛ فلا يتأتى منه ذلك. ويحتمل: أن يكون المراد منه: أنه إذا دخل في جملتهم بالاعتقاد، لم يجد الغل على مفارقتهم؛ فإن الله يكلؤه ويمنعه عن مفارقتهم لإحاطة الدعوة بهم. ويحتمل: أن يكون تقدير الكلام: (فلا يغلن؛ فإن دعوتهم تخيط من ورائهم) أو يكون تقديره: (وعليه أن يلزم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم). وأما وجه التناسب من قوله ﷺ : (نضر الله عبدا ... الحديث)، وبين قوله (ثلاث لا يغل عليهن ... الحديث) هو أن نقول: إن النبي ﷺ لما حث من سمع مقالته [٣٥/أ] على أدائها إلى من لم تبلغه- أعلهم أن قلب المسلم لا يغل على هذه الأشياء؛ خشية أن يضنوا بها على ذوى الإحن والترات؛ لما يقع بينهم من التحاسد والتباغض، وبين أن أداء مقالته إلى من لم يسمعها من باب إخلاص العمل لله؛ كالنصيحة للمسلمين، وهو أيضا من الحقوق الواجبة المتعلقة بأحكام لزوم جماعة المسلمين فلا يحل له أن يتهاون به؛ لأنه مخل بالخلال الثالث والله أعلم. [١٦٩] ومنه: حديث جندب بن عبد الله البجلى ﵁، عن النبي ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فأصاب- فقد أخطأ): المراد منه: قول لا يكون مؤسسا على علوم الكتاب، ولا مستفادا من قبل الرسول ﷺ ؛ بل يكون قولا يقوله برأيه؛ على حسب ما يقتضيه عقله؛ ويذهب إليه وهله. وعلم التفسير: علم يؤخذ من أقوال الرجال، ثم ينظر فيه بالمقاييس العربية، ثم يتكلم فيه على حسب ما تقتضيه أصول الدين، ويئول القسم الذي يفتقر منه في بيانه إلى التأويل على وجه يشهد بصحته ظاهر التنزيل؛ فمن لم يستجمع هذه الشرائط، وخاص في بيان كتاب الله بالظن والتخمين؛ فبالحرى أن يكون قوله مهجورا، وسعيه مثبورا، وحسبه من الزاجر: أنه مخطئ عند الإصابة؛ فيا بعد ما بين المجتهد والمتكلف؛ فإن المجتهد مأجور على الخطأ، والمتكلف مأخوذ بالصواب!! والله أعلم. [١٧٠] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (المراء في القرآن كفر). المراء: اسم من المماراة، وهو المجادلة فيما فيه مرية، وقد ذكرنا أصل الكلمة واشتقاقها. ويحتمل: أنه سماه كفرا؛ لأنه من عمل الكفار، ولأنه ربما يفضى بصاحبه إلى الكفر: إذا عاند صاحبه الذي يماريه على الحق، ثم لابد أن يكون أحد الرجلين محقا، والآخر مبطلا، ومن جعل كتاب الله سناد باطله، فقد باء بالكفر!

стр. 83

[١٧١] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو ﵁: (سمع النبي ﷺ قوما يتدارءون ... الحديث). يتدارءون، أي: يتدافعون؛ وذلك أن يدفع كل واحد منهم قول صاحبه بما يقع له من القول، والدرء: الدفع؛ قال الله تعالى: ﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾، وقد تبين لنا من بقية الحديث، أن القوم كانت بينهم محاجة في القرآن؛ فطفوا يتدافعون بالآيان؛ وذلك أن يسند أحدهم كلامه إلى آية، ثم يأتى صاحبه بآية أخرى مدافعا له؛ كأنه يزعم: أن الذي (أتيت به) نقيض ما استدللت به؛ ولهذا شبه حالهم بحال [٣٥/ب] من قبلهم، فقال: (ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، ومعناه: أنهم خلطوا بعضه ببعض فلم يميز بين الحكم والتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد من قولهم: (ضربت اللين بعضه ببعض) أي: خلطته، ومنه: الضريب. ويحتمل أن يكون المراد منه: الصرف؛ فقد استعمل الضرب موضع الصرف والعدل؛ باعتبار: أن الراكب إذا ركب دابة، فأراد أن يصرفها عن جهتها ضربها بعصاه ليعدلها عن جهتها إلى الجهة الأخرى التي يريدها، أي صرفوا كتاب الله بعضه ببعض، عن لمعنى المراد منه، إلى ما مال إليه هواهم؛ كالذي يستدل في مسألة القدر بقوله سبحانه: ﴿قل كل من عند الله﴾؛ فيرده القدرى بقوله سبحانه: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾، في نظائر كثيرة. [١٧٢] ومنه: حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : (ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شقاء العى السؤال): أريد بـ (العى) ههنا: الجهل، والعى: عجز يلحق من تولى الأمر والكلام، ولما كان الجهل أحد أسباب العى، عبر عنه بـ (العى). والمعنى: أن الذي عيى فيما يسأل عنه، فلم يدر بماذا يجيب- فشفاؤه بالسؤال عمن يعلم. والحديث ههنا مختصر؛ وقد ذكر بتمامه في (باب التيمم). [١٧٣] ومنه: حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : (أنزل القرآن على سبعة أحرف ... الحديث): حرف الشيء: طرفه، وحروف التهجي سميت بذلك؛ لأنها أطراف الكلمة.

стр. 84

والمراد بـ (الأحرف) - في هذا الحديث- أطراف اللغة العربية؛ فكأنه قال: على سبع لغات من لغات العرب؛ كلغة قريش، ولغة ثقيف، ولغة طيئ، ولغة هوازن، ولغة أهل اليمن؛ على هذا النحو فره أبو عبيد. ويحتمل: أن النبي ﷺ أراد بـ (السيع): بيان التوسعة: لا نفس العدد؛ والعرب تضع السبع موضع الأعداد التامة؛ لأنها قواعد الزمان والمكان. ويحتمل: أنه أراد به سبع لغات متفرقة في القرآن. وليس المعنى: أن الحرف الواحد نزل على سبعة أوجه؛ ومن أصحاب الغريب من ذهب إلى ذلك، ويستدل بالمختلف فيه من القرآن في قوله سبحانه: ﴿وعبد الطاغوت﴾، وقوله تعالى: ﴿أرسله معنا عدا يرتع ويلعب﴾ [يوسف: ١٢]، وقوله تعال: ﴿وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس﴾. وليس هذا القول مما يعبأ به، وقد قال بعض من تكلم في رد هذا القول: لو كان الأمر على ما توهمه، لكان من حقه أن يقول: (بسبع لغات)، وإنما قال: (على سبع لغات) أي: [٣٦/أ] على هذا من الشرط وعلى هذا من الرخصة والتوسعة. قلت: وأمثال هذه الحروف في القرآن من النوادر. ثم إن الأحاديث التي وردت في هذا الباب عن النبي ﷺ ، والمنقول من أقاويل الصحابة- رضوان الله عليهم- فيه ينقض قوله هذا عليه. ولقد اختار التأويل الذي قدمناه جمع من أصحاب المعاني، منهم: أبو محمد القتيبي، أبو جعفر الطحاوي، وقد تكلم كل واحد منهما على هذا الحديث؛ فشفى واشتفى؛ أما أبو محمد: فببيان وجوهه، وتقرير المراد منه، وأما أبو جعفر: فباستيعاب الروايات، غير أن كل واحد منهما سلك مسلك الإطناب؛ فرأيت أن أبين معنى هذا الحديث- إن شاء الله- بيانا واضحا؛ آتيا فيه على زبدة ما أورداه مقررا للمعنى الذي توخياه بما يفتح الله على من زيادة البيان؛ فأقول- وبالله التوفيق: إن النبي ﷺ أرسل إلى كافة الخلائق، بهذا الكتاب المبارك، وعامة من أجابه- يومئذ- العرب، وكانت قبائلهم شتى، ولغاتهم مختلفة، ومنازلهم في الحفظ والإتقان متفاوتة، ثم إنهم كانوا أمة أمية لا يكتبون كتابا، ولا يقرءونه؛ فلو كلفوا أن يقرءوه على حرف واحد- لشق عليهم الأمر، وتعذر الضبط، مع أن كل فريق منهم كان تختلف لغته؛ فلو كلف أن يتحول عن لغته إلى لغة أخرى لم يستطع ذلك فإن تغيير اللهجة والتحول عن لغة معهودة إلى لغة أخرى أمر عسير؛ فلو اجتهد فيه مجتهد مبلغ الجهد، لم ينته إليه إلا بالكد المعجز والمشقة البليغة.

стр. 85

ومن نظائره: القسم المشترك؛ نحو: الإمسالة، والوقف، وتخفيف الهمزة، والتقاء الساكنين، وزيادة الحروف، وإبدالها، والإدغام؛ فلو كلفوا أن يعدلوا في قراءاتهم عن النظائر التي ذكرناها، أو يقرءونها: لشق أن يتحول عن لغته إلى لغة أخرى. وعلى هذا القياس في كل فريق، من المختلفين في اللغة التي لقنها المتكلم بها طفلا، وتربى عليها ناشيءا، واعتادها كهلا. ذلك على من لم يكن المأمور به من لغته؛ فظل مشقوقا عليه، ممنوا بقراءة لا يطاوعه عليها لسانه؛ كالقرشى إذا كلف الهمز، والتميمي إذا كلف تركه، والأسدى إذا كلف الفتح في الحروف الزوائد من (باب المضارع)، وقد قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾؛ فكان [٣٦/ب] من فضل الله ورحمته على هذه الأمة المرحومة أن ألهم (الله نبيهم) ﷺ فسأله التخفيف عن أمته في أمر الكتاب، وتيسير أخذه وتلقيه عليهم، حتى رخص لهم في الأخذ عنه بالألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا. ومن الدليل على صحة ما نريد تقريره: ما أخبرني به والدي أبو سعد بن الحسين بن يوسف التوربشتى- جزاه الله عنا خير جزاء- قال أخبرنا الحافظ أبو موسي (إجازة إن لم يكن سماعا) أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد- في كتابه- أخبرنا والدي القاضي أبو ذكر أحمد بن علي بن بندار اليزدي، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن إبراهيم المالكي، أخبرنا محمد بن علي بن أملي الأصفهاني، أخبرنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة الرعيني، ثنا محمد أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدى الطحاوي، حدثنا الحسين بن نصر، ثنا شبابة بن سوار، ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى، عن أبي اين كعب ﵁: (أن النبي ﷺ كان على أضاة بني غفار، فأتاه جبريل، فقال: إن الله- ﵎ يأمرك أن تقرأ أنت وأمتك على حرف واحد؛ فقال رسول الله ﷺ أسأل الله معافاته ومغفرته؛ إن أمتى لا تطيق ذلك ثم أتاه الثالثة، فقال له مثل ذلك، فأتاه الرابعة، فقال: إن الله- يأمرك وأمتك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف كلما قرءوا بها، فقد أصابوا). قال الشارح- ﵀ عليه: على هذا الوجه وجدت حديث أبي، وأرى الصواب فيه، وصوابه: (كل ما قرءوا به منها، فقد أصابوا). وبالإسناد الذي ذكرناه، عن أبي جعفر الطحاوي أنه قال: حدثنا أبو أمية، حدثنا منصور بن شقير، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة ﵁: (أن النبي

стр. 86

- ﷺ لقى جبريل ﵇ فقال: إني أرسلت إلى أمة فيهم الشيخ الكبير، والعجوز، والغلام، والخادم، والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط! فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف). قلت: فقد تبين لنا مما رويناه- ومما هو في معناه- أن القرآن الأول رخص لهم في القراءة على ما تيسر لهم من اللغات العربية، وأن القرآن نزل بجميع ذلك على رسول الله ﷺ تارة في المبدأ الأول [٣٧/أ]، وأخرى في سنى الوحى إبان العرض؛ على ما صح في الحديث؛ (إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني العام مرتين). وعلمنا من الأحاديث التي وردت في هذا الباب: أن الصحابة كانوا يقرءونه على اختلاف الألفاظ وتوافق المعاني، والدليل على أنهم كانوا يقرءونه على هذا النحو: حديث عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ (سورة الفرقان) على خير ما أقرؤها عليه، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها؛ فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه؛ فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت إني سمعت هذا يقرأ (سورة الفرقان) على خير ما أقرأتنيها؟! فقال رسول الله ﷺ : (اقرأ)، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : (هكذا أنزلت)، ثم قال لي (اقرأ)، فقرأت، فقال: (هكذا أنزلت؛ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرءوا ما تيسر منه). وحديث أبي ﵁ قال: قرأ أبي آية، وقرأ ابن مسعود خلافها، وقرأ رجل آخر بخلافهما؛ فأتينا النبي ﷺ ، فقلت له: ألم تقرأ آية كذا وكذا: كذا وكذا! وقال ابن مسعود: ألم تقرأ آية كذا وكذا: كذا وكذا؟! فقال النبي ﷺ : (كلكم محسن مجمل). وحديث أبي جميم الأنصاري ﵁، قال: إن رجلين اختلفا في آية من القرآن؛ فقال هذا: تلقنتها من رسول الله ﷺ ؟! وقال الآخر: تلقنتها من رسول الله ﷺ ؟! فسألا رسول الله عنها؟ فقال رسول الله: (إن القرآن نزل على سبعة أحرف؛ فلا تماروا في القرآن؛ فإن المراء فيه كفر). وحديث ابن مسعود: (إني قد سمعت القراءة)، فوجدتهم متقاربين؛ فاقرءوا كما علمتم؛ إنما هو كقول أحدكم هلم، وتعال، وأقبل!). فإن قيل: فهل يجوز اليوم لأحدنا أن يقرأ على ذلك؟ فالجواب أن نقول: كان الأمر على ذلك زمان نبي الله ﷺ ، وبعده إلى إمرة عثمان ﵁، فكان كل منهم يقرؤه على ما انتهى إليه من النبي ﷺ ، أو ممن سمع منه، وكانوا لا يتعدون المسموع، ولم يكن أحد منهم ليجعل أحد الحرفين- المختلفين في اللفظ المتفقين في المعنى- مكان الآخر من تلقاء نفسه، وما كان ينبغي له! ولما كان مقتل أهل اليمامة، واستشهد بها القبيل من فضلاء الصحابة- أشار عمر على أبي بكر ﵄ بجمع القرآن شفقا على ذهابه بذهاب حملته [٣٧/ب]، فتحرج أبو بكر- ﵁ عن ذلك، ثم شرح الله صدره للذي شرح له صدر عمر؛ فأمر زيد بن ثابت بجمع؛ فإنه كان كاتب الوحى،

стр. 87

وقد أخذه من رسول الله ﷺ ، فجمعه على وفاق من الشيخين منضما إلى علمه وحفظه شهادة الأثبات من صحابة رسول الله ﷺ . وقد كان المجموع كله في صحيفة واحدة عند عمر بن الخطاب- ﵁ فلما استشهد، أخذته أم المؤمنين حفصة ﵂، فقدم حذيفة- ﵁ في خلافة عثمان- ﵁ عن غزوة غزاها بثغر أرمينية فدخل عليه، وقال: يا أمير المؤمنين! أدرك الناس!! فقال: وما ذاك؟! فقال: غزوت فرج أرمينية، فحضرها أهل العراق، وأهل الشام؛ فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق؛ فيكفرهم أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام؛ فيكفرهم أهل الشام! فأمر عثمان ﵁ زيد بن ثابت أن يكتب له مصحفا، وقال: إني جاعل معك رجلا لبيبا فصيحا، فجما اجتمعتما فيه: فاكتباه، وما اختلفتما فيه: فارفعاه إلى. قلت: وإنما أراد بالاجتماع والاختلاف: على اللفظ. وفيه القسم الذي أتى نظيره في الحديث؛ وذلك يتعلق برسم الخط فيما يكتب بالألف، أو بالواو، أو بالياء، أو بالتاء، وإلحاق النون بلفظ المنون، وغير ذلك من أخواتها التي ينبئ عنا رسم الخط في المصحف الإمام. رجعنا إلى ما بدأنا به من الحديث، قال: فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص، فلما بلغ: ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ فقال زيد: (التابوه)، وقال أبان: (التابوت)؛ فرفعا ذلك إلى عثمان؛ فكتب: (التابوت). قال زيد: ثم عرضت المصحف عرضة أخرى؛ فلم أجد فيه شيئا، وأرسل عثمان إلى حفصة: أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها؛ فأعطته، فعرضت المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء. قلت: وقد وجدت في بعض الروايات: أن الصحيفة كان عمر- ﵁ كتبها بعد أن جمعها زيد، ثم إن عثمان- ﵁ أمر الناس أن يكتبوا المصاحف، وبعث بالنسخ إلى بلاد الإسلام؛ فاجتمع الناس على ما جمعه زيد، بأمر أبي بكر، واستصواب عمر ﵄، ومشهد من فضلاء الصحابة وأمر عثمان- ﵁ بمحو ما عداه؛ رفعا للخلاف. وكان من بقى من قراء الصحابة على قراءته، حتى انقرض زمانهم، وتركت قراءته، حتى انقرض زمانهم، وتركت قراءتهم، ولم يبق من لحروف المختلف فيها [٣٨/أ] على نهج التواتر إلا شيء لم يخالف رقوم المصحف، وبقى المختلف فيه من: الإدغام، والإمالة، والوقف، وغير ذلك- من القسم المشترك الذي اشتهر عند القراء السبعة؛ لاتصال سنده على أصله معزورا به، وما عدا ذلك: فإنه متروك لا يقرأ، ولا يحتج به؛ لفقدان الضرورة التي دعت إليه من أول الوهلة؛ لسقوط الرواية عنه، وعدم التواتر فيه. وهذه العلة هي التي نعتمد عليها في ترك القراءات التي تخالف نظم المصحف المجمع عليه.

стр. 88

ولقد تجاوزنا عن مقدار الضرورة في بيان هذا الحديث، وإنما سلكنا هذا المسلك بالتماس بعض الراغبين، وقد سألنا أن نبسط له القول في بيانه، ونتركه على منهاج واحد؛ فأسعفنا بحاجته؛ احتسابا للأجر، وادخارا لصالح الدعاء، والله الموفق لإصابة الحق. وفيه: (لكل آية منها ظهر وبطن) الظهر: ما ظهر تأويله، وعرف معناه، والبطن: ما بطن تفسيره، وأشكل فحواه؛ فظهره لفظه، وبطنه معناه. وقيل: قصصها في الظاهر أخبار؛ وفي الباطن اعتبار. ويحتمل أن يكون المراد من الظهر: التلاوة والرواية، ومن البطن الفهم والدراية. وفيه: (ولكل حد مطلع): ذكر بعض الحفاظ- في تفسيره- أن الحد في التلاوة: ألا يجاوز المصحف، وفي التفسير: المسموع قال، والمطلع: المصعد الذي يصعد إليه في معرفة علمه. قلت: وهذا معنى لا يطابق اللفظ، ولا يكاد يلتئم، ولعله قول سقط عنه من غير روية، وإنما المراد بـ (الحد) - ههنا- ما شرع. الله تعالى لعباده، قال الله سبحانه: ﴿وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ أي: أحكامه، وقيل: حقائقه ومعانيه، والمطلع: المأتى والمصعد. وقال الأصمعي: هو موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار؛ ومنه الحديث: (لا فتديت به من هول المطلع)؛ شبه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بذلك. والمعنى: أن لكل حد من حدود الله- وهي ما شرعها لعباده من أحكام الدين- موضع اطلاع من القرآن؛ فمن وفق أن يرتقى ذلك المرتقى، اطلع منه على الحد الذي يتعلق بذلك المطلع، وكان رسول الله ﷺ هو الذي رزق الارتقاء إلى مطلع كل حد من القرآن. وقد قال بعض العلماء: إن عامة سنن الرسول ﷺ راجعة إلى القرآن، ولا يقف العلماء على أصل كل شيء منها من القرآن؛ ولكنهم على طبقاتهم ومنازلهم في العلم والفهم. والنبي ﷺ كان يدرك من معاني الوحي ما لا يبلغه فهم غيره. [١٧٤] ومنه: حديث [٣٨/ب] عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ : (العلم ثلاثة ... الحديث). أما قوله ﷺ : (آية محكمة): فقد سبق بيان المحكم فيما مضى.

стр. 89

وأما قوله: (سنة قائمة): فهي الثابتة المعمول بها. وقوله: (فريضة عادلة): فقد قيل: إنه أراد به: العدل في القسمة، أي: معدلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنة. وقيل: المراد بـ (العادلة): المستنبطة عن الكتاب والسنة، وتكون هذه الفريضة- وإن لم ينص عليها في الكتاب والسنة- معدلة بما أخذ منهما؛ قال زيد بن ثابت: في زوج وأبوين، للأم ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج؛ أقوله برأيى لا أفضل أما على أب. هذا من باب تعديل الفريضة، لما لم يكن فيها نص، اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، فلو أعطاها ثلث المال، لكان للأب السدس؛ وهذا خلاف النص. قلت: الفريضة- على التأويلين- محمولة على السهام المقدرة في المواريث؛ وفيه نظر؛ لأنه إذا أول على العدل في القسمة على الهام المذكورة في الكتاب والسنة: فإنه داخل في الآيات المحكمات، والسنن القائمة؛ فلا فائدة- إذا- في تخصيصها بالمواريث، ولا يجعل عاما في سائر ما يشبهه من الأحكام، وليس أحد الأحكام المستنبطة بأولى من غيره في هذا التأويل؟ فالسبيل أن نقول: الفريضة العادلة: هي المحكومة المصدرة المعدلة بالكتاب والسنة، وهي المستنبطة بالقياس. وهذه الثلاث هي قواعد الدين، ومعاقد أحكام الشرع. ونقل عن عبد الله بن عروة؛ أنه قال: الفريضة العادلة: ما اتفق عليه المسلمون؛ وهذا- أيضا- تأويل قويم، ومعناه- على هذا القول: الحكومة المبنية المقدرة على منهاج العدل، وأولى ما يوصف بهذه الصفة: الإجماع، ولا يتقدمه شيء بعد الكتاب والسنة. [١٧٥] ومنه: حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵄، عن النبي ﷺ ، (لا يقص إلا أمير، أو مأمور أو مختال).

стр. 90

قال بعض العلماء: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء وإلى من يتولاها من قبلهم. قلت: وكل من تكلم على الناس بالمواعظ والقصص، فإنه داخل في غمار القوم، وأمر ذلك موكول إلى ولاة الأمر؛ فالثالث مختال؛ لأنه نصب نفسه حيث لم يبلغه؛ اختيالا وتكبرا وطلبا للرياسة واتباعا [٣٩/أ] للهوى، ولو وقف حيث أوقفه الشرع، فلم يتكلف فيما لم يكلف- لكان خيرا له، والله أعلم. [١٧٧] ومنه: حديث معاوية ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات). الأغلوطة: ما يغلط به من المسائل؛ أفعولة من الغلط؛ كالأحدوثة، والأحموقة؛ ومنه قول حذيفة ﵁: (حدثته حديثا ليس بالأغاليط)، ويروى: (أنه نهى عن الغلوطات) جمع غلوطة، وهي المسألة التي يعيا بها المسئول؛ فيغلط فيها؛ كره ﷺ أن يغالط بها العلماء؛ ليستنزلوا، ويستسقطوا بها عن رأيهم. [١٧٨] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (تعلموا الفرائض والقرآن؛ فإني مقبوض). يذهب بعض الناس إلى أن المراد بـ (ألفرائض) في هذا الحديث- علم المواريث؛ ولا دليل معه في هذا التخصيص، والظاهر أن المراد منها: الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده، وإنما حث على هذين القسمين؛ لأن أحدهما: الوحى، والآخر: لا سبيل إلى معرفته إلا بالتوقيف من قبل الرسول ﷺ ، ولا يتلقف القسمان إلا منه، فإذا قبض، لم يحصل الناس منهما على شيء بعده. ومثل هذا: قوله في الحديث الذي يليه، وهو. [١٧٩] حديث أبي الدرداء ﵁: (هذا أوان يختلس العلم من الناس).

стр. 91

أراد به علم الوحى، وكأنه ﷺ لما شخص ببصره إلى السماء، كوشف باقتراب أجله؛ فاعلم الأمة أنه مقبوض، وأن علوم النبوة، ومعالم الكتاب والسنة، تقبض بقبضه، وتختلس باختلاسه. [١٨٠] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل ... الحديث). وشك ذا خروجا، يوشك- بضم الشين فيهما- وشكا، أي: سرع؛ فهو وشك، ووشك البين: سرعة الفراق، وأوشك فلان يوشك إيشاكا، أي: أسرع السير، ومنه قولهم: (يوشك أن يكون كذا) أي: يقرب، والعامة تقول: يوشك- بفتح الشين- لغة رديئة. والمعنى: يقرب أن يرحل الناس في طلب العلم؛ يقال: فلان تضرب إليه أكباد الإبل، أي: يرحل إليه في طلب العلم وغيره؛ وفي الحديث: (لا تضرب أكباد المطى إلا إلى ثلاثة مساجد). ولم أجد أصحاب الغريب تعرضوا لتحقيق هذا القول، وكأن عبارة عن سرعة السير، وإدمان الإدلاج، والتأويب، وقطع الشقة الشاسعة حتى يستقر ذلك بالمطى؛ فتقطع أكبادها من قطع المسافة، وتذوب من طول السفر، وتمسها [٣٩/ب] الأدواء من شدة العطش؛ فتصير كأنما ضربت أكبادها مكان ضربها على السير. وفي إيراد هذا القول في هذا الموضع تنبيه على أن طلبة العلم أشد الناس حرصا، وأعزهم مطلبا؛ لأن الجد في طلب الشيء إنما يكون على قدر شدة الحرص، وعظم الرغبة، وعزة المطلوب. وفي إخبار النبي ﷺ عن عالم المدينة- سوى ما فيه من التوقيف على فضله- فائدة أخرى، وهي أن النبي ﷺ لما علم أصحاب يتفرقون بعده في أقطار الأرض؛ فينشر كل واحد منهم ما انتهى إليه من علوم الوحى في الأرض التي سكن فيها فيتأهب طلاب العلم للنهوض إلى كل صقع من أصقاع الأرض، ويترحل سكان المدينة إلى تلك البلاد؛ فأعلمهم ﷺ عن حال عالم المدينة؛

стр. 92

لئلا تسول لهم أنفسهم الخروج عنها بعلة طلب العلم، بل تستقر فتجمع بين الفضيلتين: طلب العلم، والتلبث بحرم الرسول ﷺ . وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في كتابه عن ابن عيينة؛ أنه قال: (هو مالك)، وعن عبد الرزاق؛ أنه قال: (هو العمري الزاهد)؛ فإن ذلك محمول منهما- رحمة الله عليهما- على غلبة الظن دون القطع به فقد كان مالك- ﵀ عليه- حقيقا بمثل هذا الظن؛ فإنه كان إمام دار الهجرة المرجوع بها إليه في علم الفتيا، وكذلك العمرى الزاهد- ﵀ وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، وقد كان يسيح مدة، وكان من عباد الله الصالحين المشائين بالنصيحة في عباده وبلاده. ولقد بلغنا أنه كان يخرج إلى البادية؛ ليتفقد أحوال أهلها شفقة منه عليهم، وأداء لحق النصيحة فيهم، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويعرف الجاهل حقوق ربة، ويبصره بمعالم دينه، وكان يقول لعلماء المدينة: (شغلكم حب الجاه، وطلب الرياسة، عن توفية العلم حقة في إخوانكم من المسلمين؛ تركتموهم في البوادي والفلوات يعمون في أودية الجهل، ومتيهة الضلال) أو كلاما هذا معناه. قلت: ولو جاز لنا أن نتجاوز الظن في مثل هذه القضية، لكان قولنا: (إنه عمر) أولى من قوله: (إنه العمرى)، مع القطع به؛ فلقد لبث بالمدينة أعواما يجتهد في تمهيد الشرع، وتبيين الأحكام، ولقد شهد له أعلام الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- بالتفوق في العلم حتى قال ابن مسعود- ﵁[٤٠/أ] وهو أحد فقهاء الصحابة؛ بل واحدهم، ثم هو من النجباء الفضلاء- يوم استشهد عمر ﵁: (لقد دفن بموته تسعة أعشار العلم). [١٨٢] ومنه: حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ﵁، عن النبي ﷺ : (يحمل هذا العلم من خلف عدوله ... الحديث). (من هذا العلم): إشارة إلى جنس العلم الذي انتهى منه ﷺ إلى الأمة، وهو: علم الكتاب والسنة. و (من كل خلف عدول) أي: من كل قرن يخلف من قبله، وهو بتحريك اللام، وقد رواه بعض من لم يتقنه بسكون اللام؛ فأخطأ فيه وأزال الخبر عن جهته، وقد ذكرنا الفرق بين اللفظين؛ فلا نرى أن نعيده.

стр. 93

وأما معنى (تحريف الغالين): فإن الغلو هو التجاوز عن القدر، والغالي هو الذي يتجاوز في أمر الدين عما حد له وبين؛ قال الله: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾؛ فالمبتدعة غلاة في الدين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد يحرفونه عن جهته. وأما معنى (انتحال المبطلين): فإن الانتحال ادعاء قول أو شعر يكون قائله غيره، وفلان ينتحل مذهب كذا، وقبيلة كذا: إذا انتسب إليه: فالمعنى: أن المبطل إذا انتحل قولا من علمنا؛ ليستدل به على باطله، واعتزى إليه ما لم يكن من نفوا عن هذا العلم قوله ونزهوه عما ينتحله. قلت: وتقول العرب: نحلته القول أنحله نحلا- بالفتح: إذا أضفت إليه قولا قاله غيره، وادعيته عليه، فلو وجدنا (انتحل) في الاستعمال بمعنى (نحل) - لذهبنا في معناه إلى الوضع على رسول الله ﷺ ، واعتزاء ما قاله غيره إليه، وهذا من أولى المعاني بهذا القول إن وجد له سناد من كلام العرب، والله أعلم [٤٠/ب].

стр. 94

ومن كتاب الطهارة (من الصحاح) [١٨٣] حديث أبي مالك الأشعري- ﵁ عن النبي ﷺ (الطهور شطر الإيمان ... الحديث)، الرواة يروون هذا اللفظ- أعني الطهور في هذا الحديث وفي غيره- على فعول بفتح الفاء، ولا يفرقون بين المصدر والاسم، وقد حكى عن سيبويه أنه قال: الطهور قد يكون مصدرا من قولهم: تطهرت طهورا وتوضأت وضوءا، فهذا مصدر على فعول، ويكون اسما غير مصدر كالفطور في كونه اسما لما يفطر به، ويكون صفة كالرسول ونحو ذلك من الصفات، وعلى هذا قوله ، ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾. ونقل عن أبي عمرو بن العلاء ما هو مشعر بالرد على من يزعم كون [٤٠/ب].

стр. 95

[١٨٧] من نسخ المصابيح: (ما لم يأت كبيرة) ولم نجد الرواية فيه. وهذا الحديث على هذه الوجه مما تفرد به مسلم، وفي كتابه (ما لم يؤت) على بناء الفاعل. ومنهم من يرويه على بناء المفعول، والمعنى: ما لم يعمل كبيرة أو لم يعمل كبيرة. وضع الإتياء موضع العمل لأن العامل يعطى العمل من نفسه؛ قال الله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾ أي: لأعطوها ذلك من أنفسهم ويحتمل في بناء المفعول أن يكون المعنى: ما لم يصب كبيرة، من قولهم: أتى فلان في بدنه، أي أصابته علة، وأتيت من قبل فلان، أي كان هو سبب ذلك، ويكون التقدير: ما لم يؤت من فعل كبيرة. والذي يستقيم من جهة المعنى، ويعتمد عليه من جهة الرواية: هو بناء الفاعل، وإن كانت الرواية وردت: ما لم يأت، فإنه وإن كان أصح معنى من قولهم أتى فلان حدا وأتى منكرا؛ فإن إثباته في كتاب المصابيح غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يروه مسلم إلا من الإتياء. وفيه: (وذلك الدهر كله) يحتمل أن تكون الظرفية متعلقة بتكفير الذنوب، ويحتمل أن يكون متعلقة باتقاء الذنوب. ومنه- حديثه الذي يتلو هذا الحديث. [١٨٨] (ثم استنثر)، الاستنثار: نثر ما في الأنف بالنفس، وهو أبلغ في سنن الوضوء من الاستنشاق؛ لأن الاستنثار إنما يوجد بعد الاستنشاق، وقال الهروى: استنثر إذا حرك النثرة في الطهارة، وهي طرف

стр. 96

الأنف. وقد ذكر الجوهري: أن النشرة هي الفرجة ما بين الشاربين حيال وترة الأنف. وذهب الهروى فيه إلى قولهم نثرت الشاة إذا ماحت من أنفها الأذى، وأكثر ما يستعمل ذلك في الدواب، وهي منها بمثابة العطسة من الإنسان. والوجة هو الأول، لأنه مع استقامته على اللغة العربية، مفهوم من الأحاديث التي وجدت في هذا الباب. منها قوله ﷺ : (إذا استنشقت فانثر)، وقوله: (إذا توضأ أحدكم فليجعل الماء في أنفه ثم لينثر)، ومنها قول الصحابي: (كان يستنشق المثاكل مرة ويستنثر). [١٩٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (إن أمتى يدعون يوم القيامة غرا محجلين ... الحديث)، غرا محجلين، أي: بيض الوجوه بيض مواضع من الأيدي والأقدام، إذا دعوا على رءوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذه الشية، وانتصابها بالحال، ويحتمل أن يقال: غرا مفعول ثاني لقوله يدعون [٤١/أ] كما تقول يدعى فلان عليا، والمعنى أنه يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الوضوء، والمعنى هو الأول، ويدل عليه قوله ﷺ : (يأتون يوم القيامة غرا محجلين)؛ في حديثه الآخر. [١٩١] وفيه: (تبلغ الحلية من المؤمن)، قال أبو عبيد: الحلية هاهنا: التحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء، قلت: وإنما عبر عن التحجيل بالحلية لأنه العلامة الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم، ويبين هذا المعنى قوله ﷺ (لكم سيماء ليست لأحد غيركم) وقد اعترض بعض الحفاظ في ذلك على أبي عبيد وقال: لو حمله على ما في القرآن من قوله تعالى ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ لكان أولى. وهذا تأويل غير مستقيم لا قبلية منه في اللفظ، ولا أدرى ما الرابطة بين الحلية والحلى. (ومن الحسان) [١٩٢] حديث ابن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا)، معناه: الزموا

стр. 97

المنهج المستقيم ولن تطيقوا توفية حقه، لأن الإصابة فيه شديد، وفي أمره غموض ودقة، فإن قيل كيف يأمر النبي ﷺ بما يخبر عنه أنهم لا يطيقونه، فالجواب أنه ﷺ أمرهم بالمستطاع منه، فإن الله تعالى يقول ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ثم بين لهم بقوله (ولن تحصوا) أن توفية حق الاستقامة على الدوام فيه عسر، وكان القصد في هذا القول تنبيه المكلفين على روية التقصير من أنفسهم، وتحريضهم على الجد والانكماش مع دوام اللجأ إلى الله تعالى؛ لأن ما كان هذا سبيله لا ينبغي للإنسان أن يغفل عنه أو بداله في المحافطة عليه فترة. وقد قال بعض أهل اللغة: (ولن تحصوا)، أي: لن تحصوا ثوابة، والإحصاء: التحصيل بالعدد وهو من لفظ الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث أنهم كانوا يعتمدونه بالعد اعتمادنا فيه على الأصابع، والله أعلم. ومن باب ما يوجب الوضوء (من الصحاح) [١٩٥] حديث علي- ﵁ (كنت رجلا مذاء)، أي: كثير المذي، وهو أدق ما يكون من النطفة ويخرج عند الملاعبة والتقبيل والخطرات الشهوانية، وإنما استحيا من النبي ﷺ أن يسأله عنه لمكان فاطمة- ﵂ منه. وقد ذكر ذلك في الحديث مع أن القضية من حمله ما يستحيا منه؛ لأنها من الأطوار النفسانية والتأثيرات الشهوانية، وذلك مما لا يكاد يفح به أولو الأحلام وخاصة بحضرة الأكابر. قوله: (يغسل ذكره) فقد قال فيه الشيخ أبو جعفر الطحاوي: إنما أمره يغسل المذاكير [٤١/ب] لتتقلص العروق فينقطع المذي، وذلك مثل ما أمر به من نضح ضرع البدنة التي تساق للهدى بالماء كيلا يسيل منه اللبن؛ قال: فالإنسان إذا لم يؤمر بغسل الذكر من البول فبالحرى أن لا يؤمر بغسله من المذي. قلت: ويحتمل أنه أمر بغسله من المذي ولم يأمر بغسله من البول؛ لأن البول يخرج عن اختيار فيبقى في الإنسان

стр. 98

منه، وقلما يتجاوز عن الحد الذي يجزئ فيه التمسح بالأحجار أو غيره، أما المذي فإنه يسيل من غير اختيار ثم يتفاحش بامتساس الثوب، ويحتمل أنهن كانوا لا يتنزهون عن المذي تنزههم عن البول ولا يرونه بمثابة البول في التغليز، فأمرهم بغسل المذاكير تنبيها على أنه في سائر الأحكام ملحق بالبول. [١٩٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (توضئوا مما مست النار)، أصل التوضؤ من الوضاءة وهو الحسن والنظافة، والوضوء كان مستعملا في كلامهم، وكانوا يستعملونه في عضو واحد، كما كانوا يستعملونه في سائر الأطراف، فلما جاء الله بالإسلام استعمل في الطهارة المعتد بها في الشرع. فقوله ﷺ : (توضئوا) محمول على المعنى المتعارف قبل الإسلام، وهو الوضوء على معنى النظافة ونفي الزهومة، دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه، ولو قدر أن المراد منه الوضوء المعتد به في الشرع، فإن الأمر به محمول على معنى الاستحباب دون الإيجاب، ومن الدليل على ذلك حديث ابن عباس- ﵁ الذي يتلوا هذا الحديث. وحديث المغيرة بن شعبة- ﵁: (ضفت النبي ﷺ ذات ليلة فأمر بجدى فشوى فأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة وقال: ماله تربت يداه فقام يصلى). وحديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: (أن رسول الله ﷺ مر برجل وبرمته على النار فقال أطابت برمتكم، قال نعم بأبي أنت وأمي، فتناول منها بضعة فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة)، وفي قول الشيخ في كتابه: هذا منسوخ- فيه نظر؛ لأن النسخ إنما يطلق على الحكم الثابث الظاهر، وهذا شيء لم يثبت ثبوتا بينا، فكيف يعارض بالنسخ وأكثر الفقهاء من ذوي النظر والفهم يأولون الحديث وما يناسبه في هذه المسألة على ما ذكرناه، ومن خالفهم فيه من أصحاب الحديث فإنه يقول بظاهر الحديث. [٤٢/أ]. [١٩٧] ومنه حديث جابر بن سمرة- ﵁ (أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أيتوضأ من لحوم الغنم ... الحديث) إنما فرق بين الأمرين في الصورتين لما في لحوم الإبل من الزهومة الغالبة عليها ولما فيها من الشراد والاستعصاء. وفي هذا الحديث أيضا دليل على المعنى الذي ذكرناه في قوله ﷺ (توضئوا مما مست النار).

стр. 99

[٢٠١] ومنه حديث سويد بن النعمان- ﵁: (فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى ... الحديث) ثريت السويق تثرية، وثريت الموضع أيضا) أي: رشيءته. (من الحسان) [٢٠٦] حديث علي- ﵁ عن النبي ﷺ : _وكاء السه العينان)، الوكاء: الرباط الذي يشد

стр. 100

به الأوعية، واله: اسم من أسماء الدبر، وأصله سته- على فعل- بالتحريك فحذف منه عين الفعل، ويروى: (وكساء الست) بحذف لام الفعل، ومعناه أن الإنسان يمسك ما في بطنه ما لم تنم عيناه، فإذا نامت عيناه فالغالب من حاله أن تنتقض طهارته، لإمكان انحلال الوكاء بالنوم. وفي معناه قوله ﷺ : (فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله). ويلحق بهذه الصورة كل ما كان في الغالب مظنة للحدث، موهما لوقوعه من أحوال النائم، كالميل إلى أحد الشقين، والزوال عن مستوى القعود والاتكاء والاستناد إلى الشيء بالكلية، وقد كان نوم الصحابة- رضوان الله عليهم- في المسجد قبل العشاء على هيئة القعود خاليا عن هذه العلل، فصح أن النوم عينه ليس بحدث وأن ما كان منه على هيئة ينتقض به الطهر في غالب الأحوال، فإن أمر صاحبه محمول على أن قد أحدث. ومعنى قول أنس- ﵁ (تخفق رءوسهم) أي: تسقط أذقانهم على صدورهم. [٢٠٩] ومنه قول الشيخ أبي محمد بعد حديث بسرة- ﵂، وما روى عن طلق بن على أن

стр. 101

النبي ﷺ سئل عنه؛ فقال: (هل هو إلا بضعة منك؟) منسوخ؛ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق. قلت: قوله في إسلام أبي هريرة وقدوم طلق قول صحيح لا اختلاف فيه، فإن طلقا قدم على النبي ﷺ وهو يبنى مسجد المدينة، وذلك في السنة الأولى من الهجرة، وأسلم أبو هريرة عام خيبر وذلك في السنة السابعة، ولكن ادعاء النسخ فيه قول مبنى على الاحتمال، وإطلاق النسخ على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من طريق الاحتمال خارج عن الاحتياط، مع أن حديث أبي هريرة هذا قد تكلموا في إسناده من جهة يزيد بن عبد الملك النوقلي، ولو صح لم يلزم [٤٢/ب] منه النسخ إلا أن يثبت هذا القائل أن طلقا توفى قبل إسلام أبي هريرة أو رجع إلى أرضه ولم تتفق له صحبة بعد ذلك، وهذا شيء لا سبيل له إلى إثباته لعدم النقل فيه، وما يدريه لو أن طلقا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة؛ نعم وقد روى بعض المحدثين بإسناد له عن طلق عن النبي ﷺ أنه قال: من (مس ذكره فليتوضأ) ثم قال أن يكون طلق سمع هذا الحديث

стр. 102

بعد أن سمع منه الحديث الأول فسمع المنسوخ والناسخ، ولم ينصف هذا القائل، فإن هذا الحديث الذي زعم أنه ناسخ هو من جملة ما لا عبرة به. وقد روى حديث مس الذكر في باب نقض الطهارة عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وزيد بن خالد الجهنى وأبي هريرة، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن عائشة وأم حبيبة وبسرة- ﵃، وفي إسناد سائرها مقال إلا في إسناد حديث بسرة فإنه حديث حسن، وحديث طلق أيضا حديث حسن. وقد ذكر الخطابى في كتاب (معالم السنن) أن أحمد بن حنبل كان يرى الوضوء من مس الذكر، وكان ابن معين يرى خلاف ذلك؛ فتذاكرا وتكلما في الأخبار التي رويت في هذا الباب؛ فكان عاقبة أمرهما أن اتفقا على سقوط الاحتجاج بالخبرين معا- حديث طلق وحديث بسرة- ثم صارا إلى الآثار التي رويت عن الصحابة. قلت: فهما الرجلان لا يدرك شأوهما في معرفة الحديث ورجاله وطرقه، وفي اتفاقهما على إسقاط الاحتجاج بالخبرين دليل ظاهر على أن لا سبيل إلى معرفة الناسخ والمنسوخ منهما، وعلى أنهما متقاربان في السند لا مزية لأحدهما على الآخر، وعلى أن ما عدا هذين الحديثين لم يثبت ثبوتا معتدا به عندهما. وأما الآثار التي رويت في هذا الباب، فقد نقل عن بعض الصحابة ما يؤيد حديث بسرة، منهم: سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة- ﵃، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد، وروى خلاف ذلك عن جمع من الصحابة، منهم: على بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين رضوان الله عليهم أجمعين. وقد أخذ أبو حنيفة وأصحابة بحديث طلق ترجيحا لرواية الرجال على النساء، ولما يؤيده النظر، وبه يقول الثورى أبو سعيد، وكان مالك يذهب إلى أن الأمر بالوضوء من مس الذكر على الاستحباب لا على الإيجاب. قلت: ويؤيد ذلك ما ورد في [٤٣/أ] الحديث (من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ)، ولا سبيل في الوضوء عن مس الرفغ وهو أصل الفخذ، إلا أن يحمل على الاستحباب لانعدام القول بوجوبه إجماعا، ولو قيل المراد منه غسل اليد فهو يحتمل كما في قوله (الوضوء قبل الطعام) فكل ذلك حسن لما فيه من الجمع بين الحديثين، ولكل متمسك فيما ذهب إليه، وإنما أطنبنا القول فيه توقيفا للطالبين على معالم علم الحديث أولا وتنبيها لهم على محل النظر [لنفى] الخلاف ثانيا. والله أعلم.

стр. 103

ومن باب آداب الخلاء (من الصحاح) [٢١٤] حديث عبد الله بن عمر- ﵁: (ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي ... الحديث) ذهب ابن عمر- ﵄ إلى أن النهى ورد في الصحارى دون الأبنية لحديثه؛ هذا وذهب إلى قوله جمع من العلماء، نظرا منهم إلى الجمع بين الأخبار المختلفة، وخالفهم فيه آخرون. وقد روى حديث النهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول عن النبي ﷺ جمع من الصحابة، منهم: أبو أيوب وسليمان وأبو أمامة وعبد الله بن الحارث ومعقل بن الهيثم ويقال معقل بن أبي معقل وأبو هريرة وسهل بن حنيف- ﵃، ولم يذكر أحد منهم في روايته ما يدل على التفريق بين الصحاري والأبنية، بل بذكر أبو أيوب ما يد على تعميم النهى والتسوية بين الصحاري والأبنية، وهو قوله: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله) وإنما استغفر مع الانحراف عنها لأنه اعتقد أنه منكر، فاستغفر عن رؤيته وترك التشدد في تغييره. وقال الترمذي حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح. قلت: والنظر يقتضي التسوية بين الصحاري والأبنية لأنا لم نحد للنهى وجها سوى احترام القبلة، ومما يؤيد ذلك كراهية مواجهة تلك الجهة الشريفة بالبزاق والنخامة واستحباب صيانتها، عما يستخف بالحرمة، وهذا حكم لا يتغير بالبناء. وأما حديث ابن عمر- ﵁ ففي بعض طرقه الصحاح أنه قال: (يقول ناس إذا قعدت للحاجة، فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، ولقد رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بين المقدس لحاجة) ففي هذا الحديث لم يذكر استدبار الكعبة، وإنما أنكر على من قال بالنهي عن استقبال بيت المقدس.

стр. 104

وأما حديثة الذي ذكرناه وفيه استدبار الكعبة فيحتمل أنه كان [٤٣/ب] قبل النهي، ويحتمل أنه كان قد انحرف عن سمت القبل شيئا يسيرا بحيث خفى على ابن عمر أمره؛ ومما يدل على ذلك أن سمت القبلة بالمدينة لا يقع على السواء من سمت بيت المقدس بل بينهما مباينة، ولقد وجدت بعض أهل العلم ذكروا في كتبهم أن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة، وكنت أرى الأمر بخلافه لما شاهدت من التفاوت بين الموضعين في القبلة باستبانة آياتها من مطالع البروج ومغاربها، ومع ذلك فلم أعتمد على تلك المفايسة والشواهد الحسية حتى سألت أهل المعرفة بطول البلدان وعرضها عن ذلك، فبينوا لنا بالشواهد الهندسية تفاوت ما بين البلدين أعني: المدينة وبيت المقدس، فوجدنا طول المدينة على خمس وسبعين درجة وعشرين دقيقة، وعرضها على خمس وعشرين درجة، وطول بيت المقدس على ست وستين درجة وعشرين دقيقة وعرضها على اثنين وعشرين درجة ودقيقتين، وطول مكة على سبع وستين درجة وثلاث وثلاثين دقيقة وعرضها على إحدى وعشرين درجة وأربعين دقيقة، وإنما أضربنا عن بيان ذلك تخفيفا؛ لأنا لم نقتبس من ذلك العلم ما يحل به عقدة الإشكال ولا نحب أن يكون بصدده فاكتفينا بالنقل عمن يتعاطاه، فمن أحب الوقوف عليه بالبرهان من طريق الحساب فليراجع أهل هذا الفن فإنه يجد الأمر على ما ذكرناه. قلت: قد روى عن جابر- ﵁ أنه قال: (نهى النبي ﷺ أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)، وقد حمل جابر الأمر في ذلك على النسخ، وحديثه هذا لا يقاوم في الصحة حديث أبي أيوب، ولو ثبت فلعله ﷺ انحرف عناه يسيرا ولم يشعر به جابر، أو كان في بعض أسفاره بحيث تشتبه القبلة على كثير من الناس، فحسب أنه متوجها إلى جهة الكعبة ولم يكن كذلك، وإنما أولناه على هذا للجمع بين الأحاديث، ولما في هذين الحديثين، أعني حديث ابن عمر وجابر من احتمال التأويل، مع أن أحاديث النهي مشتملة على ذكر الاستقبال والاستدبار والغائط والبول، ولم نجد في حديث ابن عمر أنه استقبل الكعبة وفي هذا نوع من الترجيح، والله يعلم أنا لم نسلك هذا المسلك اعتداء ولا عصبية بل تقريرا لما هو الأحوط والأولى بأولى العزائم، والله يتولى السرائر. [٢١٦] ومنه حديث أنس- ﵁ (كان النبي ﷺ إذا أراد [٤٤/أ] أن يدخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث). قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه (الخبث) ساكنة الباء، وكذلك رواه أبو عبيد في كتابه وقد فسره فقال: أما الخبث فإنه يعني به الشر، والخبائث فإنها الشياطين؛ قال أبو سليمان: وإنما هو الخبث مضمومة الباء جمع خبيث، وأما الخبائث فإنها جمع خبيثة، استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإنائهم، فأما الخبث ساكنة الباء فهو مصدر خبث يخبث خبثا، قلت: لقد أحسن

стр. 105

فيما ذكره مع معنى الحديث وفي إيراده هذا اللفظ في جملة الألفاظ التي يرويها الرواة ملحونة فنظر لأن الخبيث إذا جمع على ما ذكره يجوز أن يسكن منه الباء للتخفيف كما يفعل في سبيل سبل وسبل، ونظائرها من الجموع، وهذا الباب مستفيض في كلامهم غير نادر، ولا يع لأحد مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى؛ لئلا يشتبه بالخبث الذي هو مصدر. [٢١٧] ومنه حديث ابن عباس- ﵁: (مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير)، أي: في أمر شاق عليهما؛ قال الله تعالى ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ أي شاقة، والمعنى: إنهما يعذبان فيما لم يكن يكبر عليهما؛ تركه، ولا يجوز أن يحمل على أن الأمر في النميمة وترك التنزة عن البول ليس بكبير في حق الدين. وفيه: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)، وجه هذا التحديد أن نقول: إنه سأل الله التخفيف عنهما مدة بقاء النداوة فيهما، وقول من قال: وجه ذلك أن الغصن الرطب يسبح الله ما دام فيه النداوة فيكون مجيرا عن عذاب القبر، قول لا طائل تحته ولا عبرة به عند أهل العلم. [٢١٨] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا اللاعنين) أي: الأمرين الجالبين للعن، وإنما أضاف الفعل إليهما على سبيل السببية؛ لأنهما لما صارا سببا لذلك كانا كأنهما اللاعنان، ومنه: حديث معاذ- ﵁ عن النبي ﷺ : (اتقوا الملاعن الثلاث)، الملاعن: جمع ملعنة وهي الفعلة التي يلعن فاعلها كأنها مظنة اللعن ومعلم له، كما يقال: (ترك العشاء مهرمة)، (وأرض مأسدة) وفيه: (الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)، أي تخلى الذي يتخلى في طريق الناس، عبر عن الفعل بفاعله، ومعنى أو في ظلهم أي: متظلمهم الذي اتخذوه مناخا ومقيلة، وفي هذا النوع من الظل ورد النهي دون سائر الظلال، فقد ثبت أن النبي ﷺ [٤٤/ب] قعد تحت حائش من النخل لحاجته، وهو المجتمع من الشجر نخلا كان أو غيره، ولابد أن يكون للحائش ظل.

стр. 106

[٢٢٠] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ : (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر): قد ذكرنا معنى الاستنثار، فأما الاستجمار فالمراد به: الاستنجاء، ومعناه: التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، والإيتار: أن يتحراه وترا، ثلاثا أو خمسا، أوتر فلان الشيء: إذا أفذه، وأوتر صلاته: إذا أتى بها وترا. [٢٢١] ومنه: حديث أنس- ﵁: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء، وعنزة، يستنجى بالماء). الخلاء: المتوضأ، سمى بذلك؛ لأن الإنسان يخلو فيه بنفسه- وهو ممدود- والخلاء، أيضا: المكان الذي لا شيء فيه، والإداوة: المطهرة، والعنزة بالتحريك: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيها سنان مثل سنان الرمح، وإنما كانوا يجعلون العنزة مع ﷺ ؛ لأنه كان إذا أتى الخلاء، أبعد حتى لا تراه عيون الناظرين؛ فيتخذون العنزة؛ لمقاتلة عدو إن حضر، ومساورة سبع، ومدافعة هامة، ثم لنبش الأرض إذا كانت صلبة؛ لئلا يرتد إليه البول. والاستنجاء: إزالة النجو، وهو العذرة، والنجوة: ما ارتفع من الأرض، جعل كناية عن الحدث؛ لأن صاحب الحاجة كان يتستر بها، فيقضى حاجته تحتها؛ كما جعل الغائط كناية عنه، وهو المطمئن من الأرض، وكانوا ينتابونه للحاجة. وقيل: أصل الاستنجاء: نزع الشيء من موضعه، وتخليصه منه؛ يقال: نجوت غصون الشجرة: إذا قطعتها، واستنجيت الشجر: قطعته من أصله، والنجاة: الغصن؛ يقال: فلان في أرض نجاة: يستنجى من شجرها العصي والقسي.

стр. 107

(ومن الحسان) [٢٢٣] حديث جابر:﵁: (كان النبي ﷺ إذا أراد البراز ... الحديث). البراز- يفتح الباء- اسم للفضاء الواسع؛ كنوا به عن حاجة الإنسان؛ كما كنوا بالخلاء والحش عنه، يقال: تبرز: إذا تغوط. وللعرب عادة حسنة في هذا الباب وأمثاله مما يفحش ذكره، أو يستحيا منه؛ فيتعففون في ألفاظها باستعمال الكناية؛ صيانة للألسنة عما تصان عنه الأبصار والأسماع؛ أو يتنفر عنه الطباع. وكسر الباء من (البراز) غلط، وكذلك يرويه عوام المحدثين؛ فيحرفون اللفظ والمعنى؛ فإن (البراز) - بالكسر: مصدر المبارزة في الحرب. [٢٢٤] ومنه: حديث أبي موسى- ﵁: (كنت مع النبي ﷺ ، فأراد أن يبول، فأتى دمثا ... الحديث). الدمث: المكان السهل [٤٥/أ] اللين الذي يخمد فيه البول. وقوله: (ليرتد) أي: ليطلب. قال الخطابي: ويشبه أن يكون الجدار الذي قعدت إليه النبي ﷺ جدارا عاديا غير مملوك لأحد؛ فإن البول يضر بأصل البناء، ويوهى أساسه، وهو ﷺ لا يفعل ذلك في ملح أحد، إلا بإذنه، أو يكون قعوده متراخيا عن جذم البناء، ولا يصيبه البول، فيضر به. [٢٢٦] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد ... الحديث).

стр. 108

إنما: افتتح الكلام في هذا الموضع بهذا القول؛ رفعا للخشية، ودفعا للاستحياء عن هذه المسألة. و (الرمة) - بكسر الراء، وتشديد الميم-: العظم البالي، والجمع: رمم ورمام؛ تقول منه: رم العظم يرم- بالكسر- رمة؛ فهو رميم، ويقال: إنما سميت (رمة)؛ لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها. [٢٢٨] ومنه: حديث عائشة- ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن). (يستطيب بهن) أي: يستنجى بهن، وسمي الاستنجاء استطابة؛ لما فيه من إزالة النجاسة، وتطهير موضعها من البدن. [٢٣٠] ومنه: حديث رويفع بن ثابت- ﵁، قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك بعدي؛ فأخبر الناس أن من عقد لحيته ... الحديث) (طال الحياة به) أي: امتد، والباء في قوله: (بك بمعنى الإلصاق، وتقدير الكلام: لعل الحياة سيمتد ملتصقا بك، ومستمرا. وعقد اللحية: معالجتها حتى تنقعد وتتجعد من قولهم: جاء فلان عاقدا عنقه: إذا لواه كبرا، والذئب الأعقد: الملتوى الذنب. والمعنى: من لواها وجعدها. وإنما كره ذلك؛ لما فيه من التوضيع والتأنيث والتشبيه بمن ليس من أهل الملة. ويقال: إن أهل الجاهلية كانوا يعقدونها في الحروب، وكذلك الأعاجم.

стр. 109

والأول هو الأوجه. وفيه: (أو تقلد وترا): أراد به وتر القوس، وقد كانوا يفعلون ذلك، ويزعمون أنه يرد العين، ويعصم عن الآفات، ويجعلونه في عنق الخيل؛ ومنه الحديث: (قلدوا الخيل، ولا تقلدوها الأوتار). كان مالك- ﵀ يقول: كانوا يقلدونا أوتار القسى، لئلا تصيبها العين، يعني: على حسب ما كانوا يعتقدونه، فأمرهم بقطعها؛ إعلاما من بأن ذلك لا يرد من أمر الله شيئا. قلت: وقد قيل: إنه نهى عن ذلك؛ حذرا عن اختناق الخيل عند شدة الركض. وقيل: إنه أراد بـ (الوتر) الذحل، أي: لا تطلبوا عليها الذحول التي وترتم بها في الجاهلية. وقيل: لأنهم كانوا يعلقون الأجراس عليها. وفيه: (أو استنجى برجيع دابة [٤٥/ب] قال أبو عبيد: الرجيع يكون الروث والعذرة جميعا؛ لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، إلى غير ذلك. وفيه: (فإن محمد منه بريء): البراء والتبرى: التقصى مما تكره مجاورته، وهذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر. [٢٣١] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﷺ : (فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم). فسره أبو سليمان، فقال: أمر ﷺ بالتستر ما أمكن، وأن لا يكون قعود الإنسان في براح من الأرض تقع عليه أبصار الناظرين، فيتعرض لانتهاك الستر، أو تهب عليه الريح، فيصيبه نشر البول، فيلوث ثيابه وبدنه؛ وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالأذى والفساد.

стр. 110

[٢٣٣] ومنه: حديث عبد الله بن سرجس- ﵁، عن النبي ﷺ : (لا يبولن أحدكم في جحر). وجه النهى: أن الجحر مأوى الهوام المؤذية وذوات السموم؛ فلا يؤمن أن تصيبه مضرة من قبل ذلك. ويقال: إن الذي يبول في الجحر، يخشى عليه عادية الجن، وقد نقل أن سعد بن عبادة الخزرجي قتلته الجن؛ لأنه بال في جحر بأرض حوران. [٢٣٥] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري- ﵂ عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ...). معنى قول: (يضربان الغائط) أي: يأتيانه، والضرب: الإسراع في السير، والأصل فيه: أن الذاهب في الأرض يضربها برجليه، ويقال: ضربت الأرض: إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض: إذا سافرت. [٢٣٦] ومنه: حديث زيد بن أرقم- ﵁، عن النبي ﷺ : (إن الحشوش محتضرة). الحش يفتح الحاء وضمها: بستان النخيل، والجمع: الحشان، مثل: ضيف وضيفان، والحش- أيضا: المخرج؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع: حشوش.
следующие страницы →