Полный текст (1 323 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
[٢٢٠] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ : (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر):
قد ذكرنا معنى الاستنثار، فأما الاستجمار فالمراد به: الاستنجاء، ومعناه: التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، والإيتار: أن يتحراه وترا، ثلاثا أو خمسا، أوتر فلان الشيء: إذا أفذه، وأوتر صلاته: إذا أتى بها وترا.
[٢٢١] ومنه: حديث أنس- ﵁: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء، وعنزة، يستنجى بالماء).
الخلاء: المتوضأ، سمى بذلك؛ لأن الإنسان يخلو فيه بنفسه- وهو ممدود- والخلاء، أيضا: المكان الذي لا شيء فيه، والإداوة: المطهرة، والعنزة بالتحريك: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيها سنان مثل سنان الرمح، وإنما كانوا يجعلون العنزة مع ﷺ ؛ لأنه كان إذا أتى الخلاء، أبعد حتى لا تراه عيون الناظرين؛ فيتخذون العنزة؛ لمقاتلة عدو إن حضر، ومساورة سبع، ومدافعة هامة، ثم لنبش الأرض إذا كانت صلبة؛ لئلا يرتد إليه البول. والاستنجاء: إزالة النجو، وهو العذرة، والنجوة: ما ارتفع من الأرض، جعل كناية عن الحدث؛ لأن صاحب الحاجة كان يتستر بها، فيقضى حاجته تحتها؛ كما جعل الغائط كناية عنه، وهو المطمئن من الأرض، وكانوا ينتابونه للحاجة.
وقيل: أصل الاستنجاء: نزع الشيء من موضعه، وتخليصه منه؛ يقال: نجوت غصون الشجرة: إذا قطعتها، واستنجيت الشجر: قطعته من أصله، والنجاة: الغصن؛ يقال: فلان في أرض نجاة: يستنجى من شجرها العصي والقسي.
стр. 107
(ومن الحسان)
[٢٢٣] حديث جابر:﵁: (كان النبي ﷺ إذا أراد البراز ... الحديث).
البراز- يفتح الباء- اسم للفضاء الواسع؛ كنوا به عن حاجة الإنسان؛ كما كنوا بالخلاء والحش عنه، يقال: تبرز: إذا تغوط.
وللعرب عادة حسنة في هذا الباب وأمثاله مما يفحش ذكره، أو يستحيا منه؛ فيتعففون في ألفاظها باستعمال الكناية؛ صيانة للألسنة عما تصان عنه الأبصار والأسماع؛ أو يتنفر عنه الطباع.
وكسر الباء من (البراز) غلط، وكذلك يرويه عوام المحدثين؛ فيحرفون اللفظ والمعنى؛ فإن (البراز) - بالكسر: مصدر المبارزة في الحرب.
[٢٢٤] ومنه: حديث أبي موسى- ﵁: (كنت مع النبي ﷺ ، فأراد أن يبول، فأتى دمثا ... الحديث).
الدمث: المكان السهل [٤٥/أ] اللين الذي يخمد فيه البول. وقوله: (ليرتد) أي: ليطلب.
قال الخطابي: ويشبه أن يكون الجدار الذي قعدت إليه النبي ﷺ جدارا عاديا غير مملوك لأحد؛ فإن البول يضر بأصل البناء، ويوهى أساسه، وهو ﷺ لا يفعل ذلك في ملح أحد، إلا بإذنه، أو يكون قعوده متراخيا عن جذم البناء، ولا يصيبه البول، فيضر به.
[٢٢٦] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد ... الحديث).
стр. 108
إنما: افتتح الكلام في هذا الموضع بهذا القول؛ رفعا للخشية، ودفعا للاستحياء عن هذه المسألة.
و (الرمة) - بكسر الراء، وتشديد الميم-: العظم البالي، والجمع: رمم ورمام؛ تقول منه: رم العظم يرم- بالكسر- رمة؛ فهو رميم، ويقال: إنما سميت (رمة)؛ لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها.
[٢٢٨] ومنه: حديث عائشة- ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن).
(يستطيب بهن) أي: يستنجى بهن، وسمي الاستنجاء استطابة؛ لما فيه من إزالة النجاسة، وتطهير موضعها من البدن.
[٢٣٠] ومنه: حديث رويفع بن ثابت- ﵁، قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك بعدي؛ فأخبر الناس أن من عقد لحيته ... الحديث)
(طال الحياة به) أي: امتد، والباء في قوله: (بك بمعنى الإلصاق، وتقدير الكلام: لعل الحياة سيمتد ملتصقا بك، ومستمرا.
وعقد اللحية: معالجتها حتى تنقعد وتتجعد من قولهم: جاء فلان عاقدا عنقه: إذا لواه كبرا، والذئب الأعقد: الملتوى الذنب.
والمعنى: من لواها وجعدها.
وإنما كره ذلك؛ لما فيه من التوضيع والتأنيث والتشبيه بمن ليس من أهل الملة.
ويقال: إن أهل الجاهلية كانوا يعقدونها في الحروب، وكذلك الأعاجم.
стр. 109
والأول هو الأوجه.
وفيه: (أو تقلد وترا): أراد به وتر القوس، وقد كانوا يفعلون ذلك، ويزعمون أنه يرد العين، ويعصم عن الآفات، ويجعلونه في عنق الخيل؛ ومنه الحديث: (قلدوا الخيل، ولا تقلدوها الأوتار). كان مالك- ﵀ يقول: كانوا يقلدونا أوتار القسى، لئلا تصيبها العين، يعني: على حسب ما كانوا يعتقدونه، فأمرهم بقطعها؛ إعلاما من بأن ذلك لا يرد من أمر الله شيئا.
قلت: وقد قيل: إنه نهى عن ذلك؛ حذرا عن اختناق الخيل عند شدة الركض.
وقيل: إنه أراد بـ (الوتر) الذحل، أي: لا تطلبوا عليها الذحول التي وترتم بها في الجاهلية.
وقيل: لأنهم كانوا يعلقون الأجراس عليها.
وفيه: (أو استنجى برجيع دابة [٤٥/ب] قال أبو عبيد: الرجيع يكون الروث والعذرة جميعا؛ لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، إلى غير ذلك.
وفيه: (فإن محمد منه بريء): البراء والتبرى: التقصى مما تكره مجاورته، وهذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر.
[٢٣١] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﷺ : (فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم).
فسره أبو سليمان، فقال: أمر ﷺ بالتستر ما أمكن، وأن لا يكون قعود الإنسان في براح من الأرض تقع عليه أبصار الناظرين، فيتعرض لانتهاك الستر، أو تهب عليه الريح، فيصيبه نشر البول، فيلوث ثيابه وبدنه؛ وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالأذى والفساد.
стр. 110
[٢٣٣] ومنه: حديث عبد الله بن سرجس- ﵁، عن النبي ﷺ : (لا يبولن أحدكم في جحر).
وجه النهى: أن الجحر مأوى الهوام المؤذية وذوات السموم؛ فلا يؤمن أن تصيبه مضرة من قبل ذلك.
ويقال: إن الذي يبول في الجحر، يخشى عليه عادية الجن، وقد نقل أن سعد بن عبادة الخزرجي قتلته الجن؛ لأنه بال في جحر بأرض حوران.
[٢٣٥] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري- ﵂ عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ...).
معنى قول: (يضربان الغائط) أي: يأتيانه، والضرب: الإسراع في السير، والأصل فيه: أن الذاهب في الأرض يضربها برجليه، ويقال: ضربت الأرض: إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض: إذا سافرت.
[٢٣٦] ومنه: حديث زيد بن أرقم- ﵁، عن النبي ﷺ : (إن الحشوش محتضرة). الحش يفتح الحاء وضمها: بستان النخيل، والجمع: الحشان، مثل: ضيف وضيفان، والحش- أيضا: المخرج؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع: حشوش.
стр. 111
ومعنى قوله: (محتضرة) أي: تحضرها الشياطين، وترصد بني آدم بالأذى والفساد؛ لأنها مواضع تكشف فيها العورات، وتهجر عن ذكر الله؛ فيتمكنون عنهم في تلك المواضع ما لا تتمكن في غيرها من المواضع.
[٢٣٨] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: غفرانك!).
الغفران: مصدر كالمغفرة، والمعنى: أسألك غفرانك، وقد ذكر العلماء في تعقيبه ﷺ الخروج من المتوضأ بهذا الدعاء وجهين:
أحدهما: أنه استغفر من الحالة التي اقتضت هجران ذكر الله؛ فإنه كان يذكر الله على سائر أحواله، إلا عند الحاجة.
والآخر: أنه وجد القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليه، من تسويغ الطعام والشراب، وتقديره القوى المفطورات [٤٦/أ] لمصلحة البدن، وترتيب الغداء من حين التناول إلى أوان المخرج؛ فلجأ إلى الاستغفار؛ اعترافا بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم.
[٢٣٩] ومنه: قول أبي هريرة- ﵁: (فأتيته بماء في تور).
قال الجوهري: (هو إناء يشرب فيه).
وقيل: هو شبه إجانة من صفر، أو حجارة يتوضأ فيه ويؤكل؛ وهذا أشبه لما في حديث أم سليم؛ أنها صنعت حيسا في تور.
[٣٤٠] ومنه: حديث الحكم بن سفيان الثقفى- ﵁ (كان النبي ﷺ إذا بال، توضأ، ونضح فرجه).
قيل: إنه كان يفعل ذلك؛ قطعا للوسوسة.
وقد أجاره الله تعالى عن تسلط الشيطان؛ فلعله كان يفعل ذلك؛ تعليما للأمة، أو يفعل ذلك؛ ليرتد البول، ولا ينزل منه الشيء بعد الشيء.
ويحتمل: أن يكون النضح في هذا الحديث- بمعنى الغسل، وسنذكر بيان ذلك في موضعه؛ إن شاء الله.
стр. 112
[٢٤١] ومنه: قول أميمة بنت رقيقة في حديثها: (كان للنبي ﷺ قدح من عيدان ...) الحديث العيدان جمع عود [٤٦/ب] (.....) كالأعواد، وإنما جمعته إرادة لبيان الجنس أي مما يتخذ من العيدان ويعمل.
[٢٤٢] ومنه: قول المؤلف- بعد حديث عمر- ﵁: (قد صح عن حذيفة- ﵁ أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم، فبال قائما).
قلت: أورد هذا الحديث مورد الناسخ لحديث عمر- ﵁.
والأظهر: أن النهي عن البول قائما باق على ما كان، وإنما بال قائما حين أتى سباطة قوم، وهو: ملقى التراب والقمام ونحوه؛ لأنه لم يجد للعقود مكانا؛ فاضطر إلى القيام؛ لأن السباطة لا تمكن الشخص من القعود، إلا إذا جعل الطرف المرتفع منها وراء ظهره، وحينئذ: تبدو للمارة عورته، وإن استقبلها بوجهة، خيف عليه أن يقع على ظهره، مع احتمال ارتداد البول على وجهه.
وإضافة السباطة إلى القوم ليست بإضافة ملك، بل كانت في ديارهم ومحلتهم، وكانت مواتا مباحة.
وقد قيل: إن العرب كانت تستشفى بالبول قائما لوجع الصلب؛ فيمكن أنه بال قائما لعلة به إذ ذاك من وجع الصلب.
وتعليل حديث حذيفة بما بدأنا بذكر أولى من تعليله بهذا القول؛ لأنه الأظهر.
وأما بوله قائما لعلة به فقد رواه أبو هريرة، وقال: إن رسول الله ﷺ بال قائما لجرح بمآبضه، والمآبض: باطن الركبة من كل دابة؛ فالبول قائما منهى عنه، إلا إذا كان لعذر، ففي حديث حذيفة، والمغيرة بن شعبة: يحمل الأمر على ما ذكرنا من العلة؛ لأنها علة مستخرجة من نفس الحديث، والعلة في حديث أبي هريرة: مذكورة فيه، وقد وجدنا في حديث آخر: أن عمر- ﵁ بال قائما، وقال: البول قائما أحصن للدبر؛ فلابد أن يكون فعله هذا مقترنا بعذر؛ لأنه من جملة رواة حديث النهي عن [٤٦/ب] رسول الله ﷺ فلم يكن ليخالفه به، فيحمل ما روى عنه أنه بال قائما على أنه كان على حال لم يأمن معها استرخاء، ويدل على ما ذكرناه قوله: البول قائما أحصن للدبر، هذا هو الوجة لئلا يلزم من وجه يخالفه تعطيل أحد الخبرين والله أعلم.
стр. 113
ومن باب السواك
(من الصحاح)
[٢٤٣] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (لولا أن أشق على أمتي ... الحديث) شق على الشيء يشق شقا ومشقة والاسم منه الشق بالكسر. والمعنى لولا أن أثقل عليهم قال الله تعالى ﴿وما أريد أن أشق عليك﴾ أي لا أحملك من الأمر ما يشق عليك.
[٢٤٥] ومنه حديث حذيفة- ﵁ (كان النبي ﷺ إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك) أخذ التهجد من الهجود وهو النوم يقال: هجدته فتهجد أي أزلت هجوده نحو مرضته فالتهجد التيقظ قال الله تعالى: [ومن الليل فتهجد به﴾ أي تيقظ بالقرآن ولما كان الذي يريد التعبد لرب في جوف الليل يتيقظ ليصلى، عبر عن صلاة الليل بالتهجد.
وقوله: (يشوص فاه) أي يغسله وينقيه والشوص الغسل والتنظيف وكل شيء غسلته فقد شصته ومصته وقيل: الشوص الدلك والموص الغسل.
[٢٤٦] ومنه حديث عائشة- ﵁ قالت قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة ... فسر كثير
стр. 114
من العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة والمعنى أنها من سنة- إبراهيم ﵇ ولو فسرت الفطرة ههنا بالدين لكان أوجه؛ لأنها مفسرة في كتاب الله بالدين قال الله تعالى ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾. قيل أي دين الله الذي اختاره لأول مفطور من البشر أو يكون المراد بالفطرة ما كان إبراهيم ﵇ يتدين به على ما فطره الله عليه ويكون معنى الحديث عشر من توابع الدين ولواحقه ولمعدودات في جملته أو مما ركب في العقول التي فطر الله عليها استحسان ذلك.
وفيه (وإعفاء اللحية) أي: توفيرها وإرسالها يقال: عفا الشعر والنبت إذا كثر وعفوته أنا وأعفيته أيضا لغتان إذا فعلت به ذلك، وقص اللحية كان من صنع الأعاجم وهو اليوم شعار كثير من أهل الشرك وعبدة الأوثان كالإفرنج والهنود ومن لا خلاف لهم في الدين من الفرقة الموسومة بالقلندرية في زماننا هذا طهر الله عنهم حوزة الدين وبيضة الإسلام.
وفيه (وغسل البراجم) وهي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع [٤٧/أ] والرواجب، فالرواجب، مفاصل الأسابع اللاتي تلين الأنامل وبعدها البراجم وهن رءوس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه شرت وارتفعت وبعدها الأشاجع وهن أصول الأصابع اللاتي تلين الكف وإنما خص البراجم بالحث على غسلها لأن مكاسر الجلد عليها أكثر وأغلظ فكان امتساس الحاجة إلى غسلها أشد لاسيما لمن كان شيءن الأصابع خشن الجلد يعمل في المهنة فيكون براجمه أكثر شنجا.
وفيه (وانتقاص الماء) يعني الاستنجاء هذا التفسير من قول بعض الرواة وقد فسره الزمخشري في كتاب الموسوم بالفائق انتقاص الماء هو أن يغسل مذاكيره بالماء ليرتد البول؛ لأنه إذا لم يغسل نزل منه الشيء فيعسر استبراؤه فلا يخلو الماء من أن يراد به البول فيكون المصدر مضافا إلى المفعول وأن يراد به الماء الذي يغسل به فيكون مضافا إلى الفاعل على معنى التعدية. والانتقاص يكون متعديا وغير متعد.
قال عدى بن الرعلاء:
لم ينتقص منى المشيب قلامة .... الآن حين بدا ألب وأكيس
وقيل هو تصحيف والصواب انتفاص الماء بالفاء والصاد المهملة والمراد نضحه على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل نفص الواحدة نفصة.
قلت وهذا أقرب من تأويله الأول لأن في كتاب أبي داود والانتضاح ولم يذكر أبو داود انتقاض الماء هذا وقد تبين لنا أن اختلاف الألفاظ في هذا الحديث من بعض الرواة حيث رووه بالمعنى.
(من الحسان)
[٢٤٨] حديث أبي أيوب- ﵁ عن النبي ﷺ (أربع من سنن المرسلين الحياء) ويروى الختان قد افترق أهل الرواية في هذا اللفظ على ثلاث طرائق.
стр. 115
فمنهم من يرويه الختان وهو أشبه الألفاظ بهذا المكان ويحتمل أن النون سقط منه في بعض نسخ أهل الرواية فروى على رسم الخط والختان لم يزل مشروعا في الرسل ﵈ من لدن إبراهيم ﷺ إلى زمان نبينا محمد ﷺ . فإن قيل إن النصارى ما كانوا يختنون؟ فالجواب أن كلامنا في الرسل بين إبراهيم ونبينا محمد ﵉ وعيسى عليه الصلاة ولد على شريعة موسى عليه الصلاة وكان الختان مشروعا في دينه وقد ذكر أن عيسى ﵇ ولد مختونا وقد وجدت في بعض كتب أهل العلم بالرواية أن أربعة عشر من الأنبياء ﵈ ولدوا مختونين وهم آدم وشيث [٤٧/ب] ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وعيسى وسليمان وزكريا وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس ونبينا محمد ﷺ وعلى سائر إخوان من الأنبياء والمرسلين، ومنهم من رويه بالحاء والياء وعلى هذا قرأته على بعض علماء المحدثين في كتاب المعجم الكبير للطبراني.
فإن قيل الحياء خلق غريزي فكيف يدخل في جملة السنن والأخذ بها من الأكساب فالجواب أن المراد من الحياء ههنا ما يقتضيه الحياء وهو التستر والانقباض عما يفحش ذكر ويستقبح فعله والتنزه عما يأباه المروءة ويذمه الشرع ومنهم من رويه بالنون بعد الحاء وقد قيل إنه تصحيف ومن الشواهد على أنه تصحيف أن الختان والحياء من أسماء المصادر يفيد المعنى المراد منهما ولا كذلك الحناء ولو كان الأمر على ما زعموه لكان من حقه أن يقول التحنية أو استعمال الحناء أو الخضاب به من سنن المرسلين ونحن لا ننكر جواز الحذف والاختصار في مثل ذلك ولكن لا ضرورة بنا إلى هذا التقدير مع الدليل المانع عن القول به من قبل الدين وهو أنه قال أربع من سنن المرسلين.
والخضاب بالحناء إما أن يكون في الأطراف أو في الشعور أما في الأطراف فمنفى في حقهم؛ لأن ذلك من دأب أهل التوضيع والتأنيث وقد نزه الله أقدارهم عن ذلك وإنما نعده من شعار أهل التوضيع لقوله ﷺ (طيب الرجاب ما خفى لونه وظهر ريحه وطيب النساء ما ظهر لونه وخفى ريحه) وكان النبي ﷺ يأمر النساء بتغيير أظفارهن بالحناء حتى أنكر على المرأة المبايعة تركها الخضاب في أظافرها وقال في كفيها كأنهما كفا سبع ولم يكن للرجال أن يتشبهوا بالنساء.
وأما في الشعور فإن الخضاب فيا من شعار هذه الأمة لم يشاركهم فيه أحد وقد صح عن النبي ﷺ أن أهل الكتاب ما كانوا يخضبون ولم يبلغنا عن أحد من الرسم قبل نبينا ﷺ أنه كان يخضب فليس لنا مع ما ذكرنا أن نعده من سنن المرسلين وإنما شددنا في توهين هذه الرواية مع
стр. 116
استغنائنا عنه بأن نقول هذا اللفظ غير محفوظ والجمهور على أنه تصحيف؛ لأن بعضا من الجهال والغلاة في الباطل أغروا بإثبات ذلك حتى جعلوا تحنية الأيدي والأرجل منارا لطريقهم وعلما لمذهبهم ولا يرضون مع تشبههم بالنساء وذوي الخنوثة حتى (يضيفون) بدعتهم إلى الأنبياء ويزعمون أنها من جملة السنن [٤٨/أ] ثم لا يزالون يرددون ذلك على أسماع العوام قصدا منهم إلى التضليل وترويح التموية أعاذنا الله عن الزيغ عن سواء السبيل.
ومن باب الوضوء
(من الصحاح)
[٢٥١] قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة (فإنه لا يدري أين باتت يده) كان أكثرهم يومئذ من يستنجى بالأحجار فيقتصر عليها لإعواز الماء بحضرته وقلته بأرض الحجاز فإذا نام عرق منه محل الاستنجاء، وكان أحدهم إذا أتى المضجع حل إزاره ونام معروريا، فربما أصابت يده ذلك الموضع ولم يشعر به فأمرهم أن لا يغمسوها في الإناء حتى يغسلوها ثلاثا لاحتمال ورود النجاسة عليها في غالب الأمر وهو أمر ندب واستحباب حث به على الاحتياط في أبواب العبادات وصيانة المياه عن مظان النجاسات ويتأكد الاستحباب في حق من باب على الصفة التي ذكرناها فأما من بات وحاله على خلاف ذلك ففي أمره سعة ويستحب له أيضا أن يغسلها؛ لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى الله أعلم.
[٢٥٢] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه). الخيشوم أقصى الأنف وباطنه،
стр. 117
والمراد من بيتوتة الشيطان عليه- والله أعلم- أن الإنسان إذا نام تعلق الخشام بخيشومه ويبس عليه المخاط حتى تنسد مجاري الأنفاس منه وينقطع عن الدماغ ما كان يجده من الراحة باستنشاق الهواء فيكون في رقدته كالمعذب في يقظته فتتغير الطبيعة عن حالها ويتعرض له الشيطان بما يكرهه من أضعاث الأحلام وإذا هب من نومه حب لقس النفس متعوب الطبيعة ولا تستقيم له القراءة في الصلاة مع ترك الخيشوم على تلك الحالة، لأنها تمنع عن تأدية الحروف من مخارجها على شرط الصحة فأمره بالاستنثار لإزالة هذه العوارض وصار ذلك الموضع بيته؛ لأنه يستحلى تلك القواطع التي يتمكن منها هناك وذلك مثل قوله ﷺ حكاية عن الشيطان إذا دخل البيت الذي لم يذكر اسم الله فيه على الطعام: (أدركتم العشاء والمبيت) ويحتمل وجها آخر وهو أن الإنسان ما دام متيقظا وسوس إليه الشيطان بطريق ما يرد على السمع ويتراءى للبصر ويترقب الفرصة منه عند النطق، إلى غير ذلك من الأحوال فإذا نام انسدت [٤٨/ب] فيه تلك المداخل ولم يبق إلا مدخل النفس من الخيشوم فيترصد هنالك للتعرض له بما يؤذيه ثم إن الخيشوم باب مفتوح إلى قبة الدماغ وفيه محل القسوة المتخيلة التي هي مناط الرؤيا الصالحة ومثار الأحلام الكاذبة، فلا يزال بائتا دون ذلك الباب يعبث ينفخه ونفثه في عالم الخيال فرأى الرسول ﷺ أن يمحو باستعمال الطهور المبارك على وجه التعبد آثار تلك النفخات والنفثات عن مجاري الأنفاس والله أعلم.
وتقرينا الكلام على الوجهين من طريق الاحتمال وحق الأدب دون الكلمات النبوية التي هي مخازن أسرار الربوبية ومعادن الحكم الإلهية أن لا يقطع في ذا الحديث وأخواته بشيء فإن الله تعالى خص رسوله ﷺ من غراب المعاني وكاشف من حقائق الأشياء بما يقصر عن بيانه باع الفهم ويكل عن إدراكه بصر العقل والله أعلم.
[٢٥٦] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ (رأي أقواما وأعقابهم تلوح ... الحديث. كان أصحاب النبي ﷺ أبر وأتقى من أن يتساهلوا في أمر الدين حتى يفضى بهم ذلك إلى ترك الواجب ورسول الله ﷺ بين أظهرهم فالظاهر أن القوم المذكورين في الحديث كانوا قوما حديثا عهدهم بالإسلام من سكان البوادي وجفاة الأعراب تجوزوا في غسل أرجلهم
стр. 118
لجهلهم بأحكام الشرع فزجرهم النبي ﷺ بهذا الوعيد عن ترك الواجب والله أعلم وقول (ويل للأعقاب) أي لأصحاب الأعقاب ويحتمل أن يخص العقب نفسها بألم من العذاب عند تعذيب صاحبها والله أعلم.
ومنه حديث المغيرة بن شعبة- ﵁ أن النبي ﷺ (توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه) إنما قال: فمسح بناصيته تنبيها على أن المسح كان ملصقا بالرأس من غير حائل.
وقوله (على عمامته) يحتمل أنه حيث مسح بناصيته سوى عمامته بيديه فحسب الراوي أنه مسح عليها، وحديث ثوبان يدل على خلاف ذلك وهو ما روى عنه أن النبي ﷺ بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين يعني العمائم والخفاف وقد جوز المسح على العمامة جمع من فقهاء أصحاب الحديث وأكثر من يدور عليهم علم الفتيا في بلاد الإسلام على خلاف ذلك فمنهم من يقول إن النبي ﷺ رخص لهم بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم ويجعل حديث المغيرة كالمفسر لحديث ثوبان وهذا التأويل لا يستقيم على مذهب من يرى استيعاب جميع الرأس بالمسح واجبا وله أن يقول العمل بحديث ثوبان غير [٤٩/أ] واجب، لأن الله فرض مسح الرأس وقال ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ ذاكرا بحرف الإلصاق فلا يجوز تركه بحديث غير متواتر محتمل لأقاويل.
قلت: ومن الاحتمال الجائز في حديث ثوبان أن يكون القوم قد أصابتهم الجراح فعصبوها بالعصائب فأمرهم أن يمسحوا عليها ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الآية وعلى الأحوال فالأخذ بظاهر التنزيل في مصل هذه المسألة أولى كيف وقد ذكر العلماء بأيام الرسول ﷺ وأساب النزول أن المائدة آخر ما نزل من سور القرآن والله أعلم.
[٢٥٨] ومنه: حديث عائشة- ﵂ (كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله) التيمن في اللغة المشهورة هو التبرك بالشيء من اليمن وهو البركة، والمراد به في هذا الحديث البدء بالأيامن ولم أجد له شاهدا في كتب العربية، وقولها (يحب التيمن) أي يؤثره ويختاره عبرت عن ذلك بالمحبة؛ لأن من شأن المحب للشيء أن يؤثره ويختاره.
وفيه (في طهوره) الطهور ههنا بمعنى المصدر والقول فيه على ما ذكرناه في أول كتاب الطهارة، وأرادت بالترجل امتشاط الشعر وشعر مرجل أي مسرح والمرجل والمسرح: المشط.
(من الحسان)
[٢٥٩] قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ كابدوا بأيمانكم) كذا وجدناه
стр. 119
في نسخ المصابيح والرواية المعتد بها (بميامنكم) ولا فرق بين اللفظين من طريق العربية فإن الأيمن والميمنة خلاف الأيسر والميسرة غير أن هذا الحديث [تفرد] بإخراجه أبو داود في كتابه ولفظه (بميامنكم) فعلينا أن نتبع لفظه والله أعلم
[٢٦٠] ومنه: حديث سعيد بن زيد- ﵁ قال رسول الله ﷺ (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) عنى بهذا النفي نفي الكمال كقوله (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)
وقد ذهب بعض علماء الحديث إلى وجوب التسمية عند الوضوء منهم الإمام أحمد- ﵁-
стр. 120
ومنه قول علي- ﵁ في الحديث الذي يرويه أبو حية (أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ ) قد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أن أبا عمرو بن العلاء كان يذهب إلى تخطئة من رواه يفتح الطاء وأبو حية بالياء ذات النقطتين تحتها هو الوادعي همداني، وهو الخارفي وهمدان قبيلة من اليمن وخارف بطن منها.
[٢٦٨] ومنه: حديث ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ (مسح برأس وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه) يعني بالسبابتين المسبحتين وهما السبابتان والسبابة والمسبحة [٤٩/ب] من التسميات الإسلامية، وضعوها مكان السباسة لما في السبابة من المعنى المكروه. والإبهام الإصبع العظمى وهي مؤنثة والجمع أباهيم.
[٢٧٠] ومنه: حديث عبد الله بن زيد- ﵁ في حديثه أنه يعني النبي ﷺ (مسح رأسه بماء غير فضل يديه) أي أخذ له ماء جديدا ولم يقتصر على البلل الذي بيديه وفيما رواه ابن لهيعة (بماء غبر من فضل يديه) أي بقى على يديه من الماء الذي غسل به يديه ولا عبرة بهذه الرواية فقد روى عن عبد الله بن زيد وغيره بطرق شتى وأسانيد مرضية أنه أخذ لرأسه ماء جديدا ولم يقتصر على البلل الذي بيديه ومن ترك مثل هذا الحديث واتبع الرواية الشاذة الواهية فهو غير موفق ولا صاحب نظر في الدين وعبد الله بن زيد هذا هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني مازن بني النجار وكل ما روى في كتاب المصابيح عن عبد الله بن زيد فهو الذي رواه، سوى حديث الأذان فإن الذي رواه هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو أنصاري خزرجي شهد بدرا وهو صاحب رؤيا الأذان، وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم هذا مخرج في كتاب مسلم ولا شك أن المؤلف لم يشعر أنه في كتاب مسلم ونقله عن كتاب الترمذي فجعله في جملة الحسان.
[٢٧١] ومنه: حديث أبي أمامة- ﵁ (كان رسول الله ﷺ يمسح المآقين) المأق على مثال المعق طرف العين الذي يلي الأنف قاله أبو عبيد الهروى وفي كتاب الجوهري: الذي يلي الأنف والأذن واللغة المشهورة موق العين وفيه لغة أخرى وهي ماق على مثال قاض، وإنما مسحهما
стр. 121
على وجه الاستحباب مبالغة في الإسباغ ونظرا إلى حد الكمال وذلك لأن العين قلما تخلو من قذف ترميه من كحل وغيره أو رمص يسيل منها فينعقد على طرف العين فيفتقر إلى تنقيته وتنظيفه بالمسح والذي يقتضيه تفسير أبي عبيد مسح طرف العين مما يلي الأنف والذي يقتضيه قول الجوهري مسح المآقين من كل عين وهذا أمثل وأحوط؛ لأن المعنى الذي وجدناه في مسح الطرف الذي يلي الأنف وجدناه في مسح الطرف الآخر.
[٢٧٢] ومنه: قول النبي ﷺ في الحديث الذي يرويه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (فقد أساء وتعدى وظلم) إنما ذم هذا الفعل بالكلمات الثلاثة إظهارا لشدة النكير على فاعله وزجرا لأولى البصائر عن ذلك ثم إنه قال: (أساء) لأنه أساء الأدب بين يدي الله ورسوله؛ حيث تساهل في حق الاتباع وتعدى؛ لأنه تجاوز عن الحد المحدود له وظلم؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه وهو الطهور الذي استعملهه بعد حصول الكمال ثم ظلم نفسه بمخالفة السنة.
وفي قول الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده احتمال أن يكون الضمير في جده راجعا إلى عمرو وأن يكون راجعا إلى أبيه شعيب، فإن يك راجعا إلى عمرو بالحديث يكون مرسلا؛ لأن جد عمرو هو محمد بن عبد الله بن عمرو وهو تابعي، وإن يك راجعا إلى شعيب فالحديث متصل؛ لأن جد شعيب عبد الله بن عمرو ولهذه العلة تكلموا في صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لما فيها من احتمال التدليس.
[٢٧٣] ومنه: حديث عبد الله بن مغفل- ﵁ لابنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور).
قلت أنكر الصحابي على ابنه في هذه المسألة لأنه طمح إلى ما لم يبلغه عملا وحالا؛ حيث سأل منازل الأنبياء والأولياء وجعلها من باب الاعتداء في الدعاء لما فيها من لتجاوز عن حد الأدب ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال. والاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى أحد شقى الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له أو عليه، والاعتداء في الطهور استعماله فوق الحاجة والمبالغة في تحري طهوريته حتى يفضى به إلى الوسواس.
стр. 122
وفي كتاب المصابيح عدة أحاديث عن عبد الله بن مغفل رأيت كثيرا من المحصلين يتخبطون في اسم أبيه فتارة يروون بالعين والقاف وتارة يزيدون فيها الألف واللام ويروونه بالفاء ظنا منهم؛ لأن لام التعريف فارق بين ما هو بالفاء وبين ما هو بالقاف وهم غير مصيبين في الصورتين وكل ما في المصابيح على هذا الرسم فهو عبد الله بن مغفل بالغين المعجمة والفاء المشددة. وعبد الله بن معقل بالعين والقاف غير موجود في الصحابة وإنما هو في التابعين.
[٢٧٤] ومنه: حديث أبي بن كعب- ﵁ عن النبي ﷺ (إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان ... الحديث) الولهان على مثال الوحدان. مصدر قولك وله يوله ولها، وولهانا، وهو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد فسمي به شيطان الوضوء والله أعلم بحقيقته إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة حتى يرى [٥٠/ب] صاحبها حيران ذاهب العقل لا يدري كيف يلعب به الشيطان.
ومن باب الغسل
(من الصحاح)
[٢٧٧] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها. شعبها الأربع قيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: بين رجليها وطرفي يديها، وأرى هذا أشبه التأويلين وأقربهما؛ لأنه يتناول سائر الهيئات التي يتمكن بها المباشر عن إربه، وإذا فسر [بيدين] والرجلين اختص بهيئة واحدة، والظاهر أن النبي ﷺ إنما عدل إلى الكناية بذكر شعبها الأربع لاجتنابه عن التصريح بذكر الشفرتين، ولو أراد بها اليدين والرجلين لصرح بها.
стр. 123
وفيه (ثم جهدها) بفتح الهاء أي: جامعها على قول ابن الأعرابي؛ لأنه قال الجهد من أسماء النكاح وقيل حفزها ودفعها، وأرى أصل الكلمة من الجهد الذي هو الجد في الأمر وبلوغ الغاية؛ لأن إذا انتهى الأمر به إلى ذلك فقد جد وبلغ الغاية، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ المبهم؛ لأنه كان يتنزه عن التفوه بما يفحش ذكره صريحا ما وجد إلى الكناية سبيلا، إلا في صورة تدعو الضرورة إلى التصريح على ما ذكر في حديث ما عز ابن مالك وغيره لتعلق الحد بذلك، وقد اعتمد في هذا الحديث على فهم المخاطبين فعبر عنه بالجهد، والمراد منه: التقاء الختانين عرفنا ذلك بحديث عائشة- ﵂ حيث سألها أبو موسى الأشعري- ﵁ عن ذلك فقالت: على الخبير سقطت قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) وهو حديث صحيح.
ومنه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الماء من الماء) أحد الماءين هو المني والآخر هو الغسول الذي يغتسل به أي وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق، وقد صح أنه منسوخ، ومن جملة الأحاديث التي تصرح وتحكم بنسخ هذا الحديث حديث أبي بن كعب- ﵁ هو أنه قال: إن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال منه.
قلت: والذي ذكره المؤلف عن ابن عباس أن الماء من الماء في الاحتلام، فإن قول قاله ابن عباس من طريق التأويل والاحتمال، ولو انتهى الحديث بطول إليه لم يكن ليأوله هذا التأويل [٥١/أ]، وذلك أن أبا سعيد الخدري قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كان في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره فقال رسول الله ﷺ : (أعجلنا الرجل) فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : (إنما الماء من الماء) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه.
[٢٧٨] ومن حديث أم سلمة- ﵂ قالت أم سليم: يا رسول الله إن الله لا يستحى من الحق ... الحديث. أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيى منا، وإنما قدمت هذا الكلام بين يدي حاجتها على وجه الاعتذار عن تصريحها بما تنقبض عنه النفوس البشرية وتتوقى عن ذكرها سيما بحضرة الرسالة، والمعنى أن الله بين لنا أن الحق ليس من جملة ما يستحيا منه، وحثنا على الاستفادة بذكره وترك التنزه
стр. 124
عنه، وسؤالها هذا كان من الحق الذي ألجأتها الضرورة إلى السؤال عنه، وكانت عائشة رضي الله عناه تقول: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وأم سليم هذه بنت ملحان الأنصارية أم أنس بن مالك ويقال لها الغميصاء والرميصاء كانت من عقلاء النساء.
وفيه (نعم تربت يمينك) ترب الشيء بالكسر أصابه التراب ومنه ترب الرجل أي: افتقر كأنه لصق بالتراب يقال: تربت يداك هو في الأصل على الدعاء، أي لا أصبت خيرا، وليس المراد منه الدعاء بل هي كلمة من جملة الكلمات التي يطلقها العرب في مخاطباتهم عند التعجب والحث على الشيء والتنبيه عليه والتلزم به وغير ذلك ولا يريدون بها وقوع الأمر، وقد ذكر أبو عبيد اختلاف أهل العلم في معنى تلك الكلمات، واستشهد عليها بالشواهد والقول الجامع بين تلك المعاني أن نقول: اختلاف أقاويلهم يتعلق باختلاف مواضع الاستعمال وذلك مثل قولهم للرجل: قاتله الله ما أفطنه وما أعقله، والآخر: قاتله الله ما أخبثه، فقولهم هذا على معنى الدعاء عليه والذم له، والأول على معنى المدح والتعجب من فطنته وعقله، وذلك يقع موقع قولك: لله دره.
وقوله ﷺ (تربت يمينك) كلمة لم يرد بها الدعاء عليها وإنما خرجت مخرج التعجب من سلامة صدرها، وقد روى حديث أم سليم هذا من طريق صحيح أيضا وفيه [٥١/ب] فغطت عائشة وجهها، وذكر فيه مثل حديث أم سلمة، ووجه التوفيق بينهما أن عائشة وأم سلمة- ﵄ حضرتا حينئذ عنده، وتكلمت كل واحدة منهما مثل كلام صاحبتها فقال رسول الله ﷺ (تربت يمينك) جوابا لمن سبق منهما القول أو لصاحبتها وحسبت كل واحدة منها أنها هي المعنية بهذا القول فنقلته على ما سمعته.
[٢٨٠] ومنه حديث ميمونة- ﵂ (وضعت للنبي ﷺ غسلا) الحديث. الغسل بضم الغين كالمغسول والمغتسل، وهو الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل والغسل أيضا الاسم من غسلت الشيء غسلا بالفتح، والغسل الذي هو الاسم من غسلت يقال بتسكين السين وتحريكه بالضم، ووجدت كثيرا من الناس يكسرون الغين من قول ميمونة- ﵂ ﷺ غسلا وهو خطأ، وإنما الغسل بكسر الغين ما يغسل به الرأس من خطمى وغيره، وفيه (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه) أفرغ أي: صب، والحفنة ملء الكفين من طعام وغيره، وقلما يستعملونها إلا في الشيء اليابس كالدقيق ونحوه، ولعلها استعملتها في الماء على طريق الاتساع وقالت ملء كفيه والحفنة لا يكون إلا ملء الكفين على وجه التأكيد، ويمكن أنها قالت: ثلاث غرفات ملء كفيه فعبر عنها بعض الرواة بما تيسر له من اللفظ.
وفيه (وهو ينفض يديه) أي يحركهما، يقال: نفضت الثوب والشجر أنفضه إذا حركته لينتفض، وليس المعنى أنه نفض يديه لينفض منهما ما بقى عليهما من الطهور، فإن ذلك منهى عنه في الوضوء
стр. 125
والغسل، وإنما أريد به في هذا الحديث تحريك اليدين في المشي كما في المعهود من مشية أولى القوة وذوي الصلابة.
[٢٨١] ومنه قوله ﷺ في الحديث الذي روته عائشة- ﵂ (خذي فرصة من مسك فتطهري بها) الفرصة بالكسر قطعة قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، وقد أشكل قوله (من مسك) فإن الفرصة لا تكون من مسك، الاحتمال أن هناك حذفا، وتقديره: مطيبة من مسك، وزعم بعضهم (من مسك) أنه بفتح الميم وليس بشيء.
وهذا الحديث وإن كان صحيحا فقد ورد أيضا في الصحاح: (فرصة ممسكة) وهذه الرواية أكثر وقد فسرها بعض أهل العلم فقال: أي مطيبة مأخوذ من المسك فكأنه [٥٢/أ] اختار ذلك للتوفيق بين اللفظين، وقد أنكر بعض أصحاب المعاني هذا التفسير وقال: متى كان المسك عندهم بالحال التي تمتهن هذا الامتهان فيستعمل في المحيض؟! وقد فسر بعضهم فقال: هو من التمسك باليد فقال القتيبي: ممسكة أي: محتملة يقول: تحملينهما معك تعالجين بها قبلك، قال: والعرب تقول مسكت كذا بمعنى: أمسكت وتمسكت، وذكر الزمخشري في كتاب الفائق أن الممسكة الخلق التي أمسكت كثيرا، كأنه أراد أن لا يستعمل الجديد للارتفاق به في الغزل وغيره، ولأن الخلق أصلح لذلك وأوفق، وهذا القول أمتن وأحسن وأشبه بصورة الحال، هذا وقد نظرنا في اختلاف اللفظين فوجدنا الرواية فيهما مسندة إلى عائشة- ﵂ ووجدنا القضية قضية واحدة والتي سألت عن ذلك أسماء الأنصارية ولم تنسب في الحديث، وقد عرفنا كونها من الأنصار من متن الحديث وهو أن عائشة- ﵂ قالت: (إن أسماء سألت رسول الله ﷺ ... الحديث). ثم قالت بعد سياق الحديث (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وقد وجدنا هذا الحديث أيضا في مسند أسماء بنت أبي بكر فقالت (سألت امرأة عن غسلها من المحيض الحديث). ولابد وأن يكون اختلاف اللفظين في حديث واحد في قضية واحدة من بعض الرواة لروايته الحديث بالمعنى، فالظاهر أن بعض الرواة سمع (فرصة ممسكة) ففهم منه التطيب ولم يضبط اللفظ، فرواه المعنى على هذا اللفظ، وإنما نصرنا هذه الرواية لأنها أكثر، واخترنا المعنى الذي ذكرناه؛ لأنه أوجه وأقرب، ومن الدليل على صحة ذلك أن (الفرصة) في كلام العرب ما تستعمله الحائض وتمسح به الدم على ما نقلناه من كتب اللغة ثم ما في هذا الحديث من قوله (فتطهري بها) ولو كان المعنى على ما ذهبوا إليه لكان (فتطيبي بها) ولأنه ﷺ أمرها بذلك لإزالة أثر الدم عن التطهر، ولو كان لإزالة الرائحة الحاصلة من المحيض لأمر بعد إزالة أثر الدم، ثم إن هذا اللفظ أعنى: (فرصة من مسك) هو ما تقضية طرق النظم على ما ذكرناه. والله أعلم.
стр. 126
[٢٨٢] ومنه حديث أم سلمة- ﵂ (يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي) الضفر بفتح الضاد وسكون الفاء نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض [عريضا] (٥٢/ب) ومنه قيل للبطان المعرض ضفر وضفير، وللذؤابة ضفرة.
وفيه (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) الحثو والحثى الإثارة يقال: حثا يحثو حثوا وحثى يحثى حثيا، يقال أحثت الخيل البلاد وأحاثتها: إذا دهمتها وأثارتها، ومعنى الحثيات الثارات التي يثير فيها الماء بيديه ويفيضها على رأسه، فإن كان المراد من الحثيات هذا الذي ذكرناه في تفسير ظاهر اللفظ فإنما نص فيه على الثلاث؛ لأن الكفاية في إفاضة الماء على سائر الجسد يحصل به في غالب الأحوال، ويمكن أنه أراد بالحثية الفيضة الواحدة التي تعم سائر البدن، وهذا المعنى أقرب وعلى هذا فالحثيات في معنى الغلات الثلاث، وحينئذ يكون التنصيص فيها على الثلاث على وجه الاستحباب لا على الوجوب.
[٢٥٨] ومن الحسان قوله ﷺ في الحديث الذي ترويه أم سلمة ﵂ (إن النساء شقائق الرجال) أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم ﵇ وشقت منه. يقال: فلان شق نفسي وشقيق نفسي أي كأنما شق مني لمشابهة بعضنا بعضا، وشقيق الرجل أخوه لأن نسبة شق من نسبه، وكثيرا يستعملون ذلك في بني الأب والأم كقولهم في عبد الرحمن بن
стр. 127
أبي بكر- ﵁ هو شقيق عائشة- ﵂، وذلك باعتبار أنهما شقا من ماء واحد بالنسبة إلى كل واحد من الأبوين في رحم واحد، قال الشاعر:
يا بن أمي ويا شقيق نفسي .... أنت خليتني لأمر شديد
[٢٨٨] ومنه حديث على ﵁ (فمن ثم عاديت رأسي) عبر عن تعرية الرأس عن الشعر واستئصال ذلك بالجز ليصل الماء بالمعاداة على وجه الاتساع إلى عاملت مع رأسي معاملة المعادى، وقد ذهب بعض أهل العلم في معناه إلى الاستقصاء في إيصال الماء إلى أصول الشعر، وقد تعمق في تحقيق قوله (عاديت) حتى كان أن يفضى به إلى التكلف بل أفضى (...) هو الذي ذكرناه، ومما حملنا على اختيار هذا القول بعد مراعاة الظاهر ما رواه أبو محمد (...) الدرامي في كتابه من الزيادة بعد حديث علي ﵁ هذا وكان علي- ﵁ يجز شعره، فأورد هذا القول مورد البيان لقول علي- ﵁ وقد روى مثل ذلك عن حذيفة- ﵁ وذلك (٥٣/أ) أنه خرج وقد طم رأسه فقال (إن تحت كل شعرة لا يصيبها الماء جنابة فمن ثم عاديت شعري كما ترون) قال شمر: معناه أنه طمه واستأصله ليصل الماء إلى أصول شعره، ولم يفسر قوله (عاديت) وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: (عاديت شعري) أي رفعته وعاديت الشيء أي باعدته، وهذا التفسير قريب مما ذكرناه في حديث علي- ﵁ ولو قدر معنى الرفع والمباعدة في حديث علي ﵁ لم يستقم معناه إلا إذا قيل إنه حذف المضاف، وتقدير الكلام (فمن ثم عاديت شعر رأسي) ولو زعم زاعم أن المراد من الرفع في تفسير حذيفة رفع الشعر؛ لإيصال الماء في أصوله فقد أحال، وكذلك الذي فسر عاديت رأسي بالاستقصار في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن في حديث حذيفة (وقد طم رأسه) أي استأصل شعره، وفي كتاب الدرامي (وكان يجز شعره) فأني يصح معنى الحديثين على قدر من الاستقصاء والمبالغة بعد استئصال الشعر بالجز.
[٢٩٠] ومنه حديث عائشة- ﵂ (كان النبي ﷺ يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب) الحديث. الخطمى بكسر الخاء الذي يغسل به الرأس، ومعنى الحديث أنه كان يكتفى بالماء الذي يغسل به الخطمى عن رأسه، ولم تبينه كل التبيين؛ لأن من المعلوم أن الذي يغسل رأسه بالخطمى لابد وأن يغسله بالماء حتى يزيل عنه أثره.
стр. 128
ومنه حديث يعلى- ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (إن الله حيى ستير) الحديث. المعنى: إن الله ﵎ تارك للمقابح ساتر للعيوب والفضائح يحب الحياء والتتر من العبد؛ لأنهما خصلتان تفضيان به إلى التخلق بأخلاق الله، ويعلى راوي هذا الحديث هو يعلى بن أمية أبو صفوان التميمي وقد ينسب أيضا إلى أمه فيقال يعلى بن منية.
[٢٨٩] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ (خرج النبي ﷺ من الخلاء فأتى بطعام فذكر له الوضوء فقال: أريد أن أصلي فأتوضا) المعنى: أريد أن أصلي حتى أفتقر إلى الوضوء، حذف عنه همزة
стр. 129
الاستفهام إيثارا للتخفيف، والفاء في قوله (فأتوضأ) هي الناصبة بعد الاستفهام أشار بقوله هذا إلى أن الوضوء شرع لإقام الصلاة لا لأكل الطعام، وإنما قال لذلك لئلا يشق على الأمة، وليفتح عليهم باب التيسير والرخصة، ولم يرد به نفي الفضيلة كيف وقد علمنا بأصل السنة (٥٣/ب) أن النبي ﷺ كان يحب أن يذكر الله على طهر، ومن سنته أن يبدأ عند الطعام بذكر الله ويختم الأمر فيه الحمد الله وثنائه، فعرفنا بذلك استحباب الطهارة حالة الأكل، وأنها من أبواب العزيمة، وأن الثواب مرجو فيها والبركة مغتنمة.
[٢٩٩] ومنه قوله ﷺ في حديث ميمونة- ﵂ (إن الماء ليس عليه جنابة) معناه: إن الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، وإنما قال ذلك؛ لأن القوم كانوا حديثي عهد بإسلام، وقد أمروا بالاغتسال عن الجنابة كما أمروا بتطهير البدن عن النجاسة، فربما يسبق إلى فهم أحدهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة فيحكم بجنابة الماء من غمس عضو الجنب فيه كما يحكم بنجاسته من غمس العضو النجس، فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك.
[٣٠٠] ومنه حديث عائشة- ﵂ (كان رسول الله ﷺ يجنب فيغتسل ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل) جنب الرجل وأجنب واجتنب وتجنب إذا صار جنبا، ورجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، وربنا قالوا في جمعه أجناب وجنبون، وسميت جنابة لكونها سببا لتجنب الصلاة؛ ولأن الجنب نهى أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، فتجنبها وأجنب عنها أي: تباعد منها تقولها يجنب بضم الياء وكسر النون، ويجوز أن يفتح منه الياء ويضم النون.
وقولها (يستدفئ بي) الدفء السخونة يقال منه دفئ الرجل دفاءة مثل كره ودفأ مثل ظمئ ظمأ واستدفأ به وهو افتعل أي لبس ما يدفئه، ومعنى اللفظ أنه كان يجعلها من نفسه مكان الثوب الذي يستدفئ به ليجد السخونة من يديها، وإنما ذكرت ذلك في استدفاء الرجل بامرأته وهي جنب في حالة التعري بحيث تمس بشرتها- وهي جنب- بشرته، وقد اغتسل؛ لأن استدفاءه بها بن البشرتين ما يمنع عن الامتساس مما لا حاجة إلى بيانه.
стр. 130
[٣٠١] ومنه حديث علي- ﵁ (وكان لا يحجبه أو يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة) يعني إلا الجنابة، وقد يستثنى بليس تقول: جاءني القوم ليس زيدا بضم اسمها منها وبنصب خبرها كأنك قلت: ليس ما جاءني زيدا مكان قولك: جاءني القوم ليس زيدا، وقد زعم بعض المعتبرين من علماء البيان وأهل المعرفة بالحديث (٥٤/ب). أن ليس ههنا بمعنى: غير وهي تجر ما بعدها كما تجر غير فروى الجنابة مجرورة، ولم نجد لقوله هذا سنادا في كتب علماء العربية.
[٣٠٣] ومنه: حديث علي- ﵁ عن النبي ﷺ (لا تدخل الملائكة بيتا) الحديث. ظاهر اللفظ يقتضى عموم الملائكة، وقد عرفنا بنص الكتاب أن كتبة الأعمال غير داخلين في جملتهم، وذلك قوله سبحانه ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ في آيات أخر، وقد بينها قوله ﷺ (فإن معكم من لا يفارقكم فاتقوا الله واستحيوا منهم) وأن المرادين بذلك هم الذين ينزلون بالبركة والرحمة ويطوفون على عباد الله المؤمنين ويستمعون الذكر ويؤمنون على دعاء المؤمنين ويزورون عباد الله الصالحين فإذا رأوا في موضع منكرا أو شيئا لا يناسب حالهم امتنعوا عن دخول ذلك الموضع.
ويحتمل أن يكون المعنى: لا يدخله بالخير، وامتناعهم عن دخول البيت الذي فيه الصورة لما في الصورة من التشبه بخلق الله والإقدام على المنكر الفظيع الذي منع منه الشرع، وظاهر هذا اللفظ يقتضى تناول سائر التصاوير المنصوبة القائمة التي لها شخص والتي لا شخص لها من المنقوشة في الجدر والمصورة فيها وفي الفرش والأنماط، وقد رخص من التصاوير فيما لا شبح لها وكان منبوذا توطأ وتداس لأحاديث دلت على الرخصة لمن كانت في بيته، فأما في حق المصور فلا، وأما البيت الذي فيه الكلب؛ فلأن الكلب نجس خبيث بلغ في المرتبة الحيوانية إلى النهاية في الخساسة، والملائكة أشراف خلق الله، وهم المكرمون المتمكنون من أعلى مراتب الطهارة، وبين الحالين تضاد كما بين النور والظلمة، ثم إن الذي يؤوى الكلب في بيته من غير حاجة إنما يتخذه للهو والاستئناس به مع ترك الاحتراز عن رجسه وتسامحه في أمر في بيته من غير حاجة إنما يتخذه للهو والاستئناس به مع ترك الاحتراز عن رجسه وتسامحه في أمر الدين. ومن سوى نفسه بالكلاب ولم يمتنع عن مقاربتها بالزاجر الشرعي فحقيق أن ينفر الملك عن منزله
стр. 131
ويأنف عن إتيانه وزيارته، وقد استثنى من جملتها ما دعت المصلحة إليه ككلب الزرع والماشية والصيد، وأما الذي فيه الجنب فلأن الجنب ممنوع عن معظم العبادات، وهذا الجنب هو الذي يتهاون بإزاحة العلة عن نفسه بعد أن يتجاوز الوقت فيها عن الحد المحدود مع الإمكان عرفنا ذلك بأصل السنة وهو أن النبي ﷺ (٥٥/ب) كان يطوف على نسائه بغسل واحد وفي هذا تأخير الاغتسال، وقد صح عن عائشة- ﵂ أنها قالت (كان النبي ﷺ ينام وهو جنب) فعلمنا أن المراد من الجنب في هذا الحديث هو الذي يتخذ ترك الاغتسال دأبا وديدنا حتى يمر عليه وقت صلاة مفروضة.
[٣٠٤] ومنه قوله ﷺ في حديث عمار- ﵁ (والمتضمخ بالخلوق) التضمخ التلطخ والإكثار منه حتى يكاد يقطر، والخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره، وإنما استحق أن لا يقربه الملائكة؛ لأنه توسع في الرعونة وتشبه بالنساء مع أنه خالف الرسول ﷺ فلم ينته عما نهاه.
[٣٠٦] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول) الحديث. التوفيق بين هذا الحديث وحديث علي- ﵁ (كان النبي ﷺ يخرج من الخلاء فيقرأ بنا القرآن) هو أن نقول: النبي ﷺ كان مبعوثا بالحنيفية السهلة: بحب التيسير على الأمة فلو أخذ في هذه القضية ونظائرها بالعزيمة لشق على الأمة وتعذر اتباعه بما شرع على أكثر الناس، فشرع لهم الرخصة فيما رواه على- ﵁، وبين لهم سبيل العزيمة بما رواه ابن عمر- ﵄ ليأخذ كل منهم بحظه، ويحتمل أن يكون آخر الأمرين ما رواه ابن عمر- ﵁ والمسلم به قيل: هو المهاجر بن قنفذ بن عمير جذعان القرشي التيمي، وهو من مسلمة الفتح وعلى هذا فحديث ابن عمر غير حديث أبي
стр. 132
الجهيم بن الحارث بن الصمة وهو في باب التيمم من هذا الكتاب ويلزم من الحديثين أن هذا لم يكن بالنادر من أمر الرسول ﷺ بل فعله كرة بعد أخرى.
ومن باب أحكام المياه
(من الصحاح)
[٣١٠] حديث السائب بن يزيد- ﵁ (ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ ) الحديث. أبو السائب هو يزيد بن عبد الله الكناني وهو صحابي وخالته هي أخ النمر بن قاسط الكندي، ولم يقيض لنا الوقوف على اسمها فيما انتهى إلينا من كتب أصحاب الحديث.
وفيه وجه الوجع المرض، وجع فلان يوجع وييجع وياجع فهو وجع أي: مريض
وفيه (فنظرت إلى خاتم النبوة مثل زر الحجلة) خاتم النبوة طابعه الذي ختمت به النبوة وسمي أيضا خاتما؛ لأنه كان يصون النبوة عن فرية المفترين صيانة الخاتم للكتاب وقد كان علما من أعلام نبوته مذكورا في الكتب المنزلة و (زر الحجلة) الرواية بتقديم الزاي المنقوطة على (٥٦/أ) الراء المهملة المشددة، والحجلة بتحريك الجيم، فذهب قوم إلى أن المراد به واحد الأزارار التي تشد على ما يكون في حجال العرائس من الكلل والستور ونحوها، وهذا وصف مستبعد من طريق البلاغة قاصر في فن التشبيه والاستعارة ثم إنه لا يلائم الأحاديث التي ذكرت في وصف خاتم النبوة، وذهب آخرون إلى أن المراد منه بيضة الحجلة، بتسكين الجيم والذكر منها يقال له يعقوب، وهي القبجة وهذا القول يوافق بعض الأحاديث التي وردت في هذا الباب ويقارب بعضها غير أن الزر بمعنى البيضة لم يوجد في كلام العرب، وقال إبراهيم بن حمزة: إنما هو
стр. 133
رز بتقديم الراء المهملة يعني أنه مأخوذ من قولهم رزت الجرادة وهو أن تدخل ذنبها في الأرض فتلقى بيضها، وهذا أشبه لما في الحديث (مثل بيضة الحمامة) ولا تباعد بين اللفظين في التشابه إلا أن الرواية لم تساعده، ومما روى في وصف خاتم النبوة حديث عائشة- ﵂ (كان مثل التينة يضرب إلى الدهمة مما يلي الفقار من أصله كتفه اليمنى) وحديث أبي سعيد الخدري- ﵄ فيما سأله أبو بصرة (كان بضعة ناشرة) وحديث جابر بن سمرة- ﵁ (كان خاتم رسول الله ﷺ يعني الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمام) وحديث عبد الله بن سرجس- ﵁ (كان مثل الجمع يعني: الكف حوله حيلان كأنها كأنها الشآليل على نغض كتفه)، وحديث عبد الله بن جعفر ﵄ (كان شعرات مستطيرات متفرقات كأنهن في عرف فرس) وفي حديث العبد الصالح بحيرا الراهب (كأنه تفاحة أسفل من غضروف كتفه) فهذه جوامع ما وجدناه في وصف خاتم النبوة وهي مبينة لما أخبرنا عما قيل في زر الحجلة.
(ومن الحسان)
[٣١٢] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ (قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة) الحديث. بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم، وقد حكى عن بعضهم بالصاد المهملة، وليس ذلك بالمحفوظ.
وفيه (وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن) الحيض جمع حيضة بكسر الحاء وهي الخرقة التي تستثفرها المرأة في المحيض، ومنه حديث عائشة- ﵂ (ليتني كنت حيضة ملقاة) وتسمى تلك الخرقة أيضا، المحيضة، والنتن: الرائحة (٥٦/ب) الكريهة، وقد نتن الشيء وأنتن منتن، وأراد به ههنا الشيء المنتن، كالعذرة والجيفة، ووجه قول القائل: يلقى فيها، هو لأن البئر كانت بمسيل من بعض
стр. 134
الأودية التي تحل بها البادية، فتلقى تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فإذا جاء السيل وكسح الوادي، احتمل الحيض والنتن ولحوم الكلاب فأنهت بها إلى البئر، فعبر السائل عن ذلك بقوله على وجه يوهم أن الإلقاء كان من الناس، وأن الناس كانون لا يتدينون بصيانة الماء عن العذر والنتن، وهذا مما لا يجوزه مسلم؛ بل لا يرتضيه المجوس وعبدة الأوثان. وقد جرت العادة بخلاف ذلك في الناس مسلمهم وكافرهم، فأني يظن ذلك بمن هم أفضل القرون وأزكاهم وأطهرهم، وعلى هذا النحو فسره أبو سليمان الخطابي.
وفيه: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) اللام فيه للعهد، أي الماء الذي وقع السؤال عنه طهور لا ينجسه شيء؛ لكثرته ثم لكونه في حكم المياه الجارية، فإن السيل إذا ألقى في مثل تلك البئر قذرا ونتنا ثم طفح عليها، احتمل بعيابه ما ألقى فيها، فلا يسلب إذا من ذلك الماء حكم الطهورية.
[٣١٦] ومنه: حديث أبي قتادة- ﵁ الذي ترويه كبشة بنت كعب وكانت تحت ابن أبي قتادة وهو عبد الله، وفي اسم أبي قتادة اختلاف كثير وهو مشهور بكنيته، وهو أبو قتادة بن ربعي الأنصاري السلمي فارس رسول الله ﷺ .
وفيه: (إنها ليست بنجس) قال أبو جعفر الطحاوي: يحتمل أنه أراد أنها ليست بنجس في كونها في البيوت هو في مماستها الثياب لا في طهارة سؤرها، والذي يدل على طهارة سؤرها من هذا الحديث فعل أبي قتادة، وقد خالفه في ذلك ابن عمر وأبو هريرة وجمع من علماء التابعين.
وذكر أبو جعفر في حديث عائشة ﵂: (رأيت النبي ﷺ يتوضأ بفضلها) أن مداره على أم داود بن صالح وليست هي من ذوي الرواية بمكان يؤخذ عنها أمثال ذلك.
وقد استدل أيضا بحديث جابر- ﵁: (نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب والسنور) وإنما تكلم على هذا النمط بناء على ما كان يذهب إليه من مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، ونظرا لأنها تأكل الميتة، وأما أصحاب الحديث، وكثير من أهل الاجتهاد فإنهم يذهبون إلى طهارة سؤرها لهذا الحديث، وجوابهم عن التأويل الذي ذكرناه عن الطحاوي هو أن الصحابي بين معنى الحديث بالعمل، والصحابي أعرف. [٥٧/أ] بتأويل ما يرويه، ولكل وجهة هو موليها.
وفيه: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، قال أبو الهيثم: الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، وجمعه الطوافون. قال الخطابي: ويجوز أن تكون شبيهة بالطوافين من ذوي الحاجة والمسكنة لطلب الرزق، والمراد منه التنبيه على الرفق بها واحتساب الأجر في مواساتها.
стр. 135
قلت: ويحتمل أنه قال هذا القول على وجه البيان، لقوله: (إنها ليست بنجسة) والمعنى أنها تطوف عليكم في منازلكم ومساكنكم [فتمسحونا بأيديكم] وثيابكم، ولو كانت نجسة لأمرتم بالمجانبة عنها والاحتراز عن مماستها وتخلية البيوت عنها، وهذا المعنى أشبه بنسق الكلام.
[٣١٧] ومنه حديث جابر- ﵁: (سئل رسول الله ﷺ : أنتوضأ بما أفضلت الحمر ... الحديث) أفضلت، أي: أبقت من فضالة الماء الذي تشربه، وهو مثل أسأرت من السؤر. قلت: وأصحاب الحديث لم يذهبوا إلى العمل بهذا الحديث ذهابهم إلى العمل بحديث أبي قتادة، وذلك لمكان اختلافهم في الجرح والتعديل. فربما كان الحديث ثابتا عند قوم متروكا عند آخرين. وكلمة (بما) في الموضعين بمعنى بالذي وقد رواه بعض الناس بالمد في الموضعين ولا أراه إلا تصحيفا.
ومن باب تطهير النجاسات
(من الصحاح)
[٣٢١] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (دعوه وأريقوا على بوله سجلا أو ذنوباً من
стр. 136
ماء) يحتمل أن يكون سجلا أو ذنوبا على الشك من قول الراوي ويحتمل أن يكون على معنى التخيير من قول الرسول ﷺ ، فأما وجه احتمال أن يكون من قول الراوي فظاهر وأما وجه القول الآخر فهو أن بين اللفظين قربا ما، وذلك أن السجل هو الدلو إذا كان فيه ماء قل أم كثر، والذنوب الدلو الملئ ماء فخيرهم بين الأمرين والأول أوضح وقوله (من ماء) زيادة وردت مورد التأكيد والتفهيم لمن لم يكن ذا فهم وذلك لأن السجل والذنوب لا يستعملان إلا في الدلو التي فيها الماء ولا يقال لها وهي فارغة سجل ولا ذنوب والسجل مذكر والذنوب يذكر ويؤنث وأما قوله في هذا الحديث (فإنما بعثتم ميسرين) أي بعثتم أيتها الأمة من بين سائر الأمم ميسرين فعليكم بالتيسير فإن الله تعالى بعث إليكم نبيكم بالتيسير فوضع عنكم الآصار التي كانت على من قبلكم.
[٣٢٢] ومنه حديث أسماء بن أبي بكر- ﵁ (سألت امرأة رسول الله ﷺ أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة .. الحديث) الحيضة [٥٧/ب] هاهنا بكسر الحاء وهي الاسم من الحيض والحيضة بفتح الحاء المرة الواحدة منه ولا معنى لها في هذا الحديث.
وفيه (فلتقرصه ثم لتنضحه بماء) قد يتوهم بعض الناس أن المراد منه أن تفرك فرك المني ثم تنضح بماء وليس الأمر على ما توهم؛ لأن النضح لا يجدى مع إبقاء أثر الدم من غير مبالغه في الغسل بل لا يزداد الثوب إلا نجاسة وإنما المراد أن تغسله بأطراف أصابعها وأظافرها، ثم تصب عليه الماء حتى يذهب أثره وذلك أبلغ في غسل الدم من أن يغسل باليد ويروى أنه قال للمرأة (قرصيه بالماء) بالتشديد أي قطعيه وقوله (ثم لتنضحه بماء) النضح أكثر ما يستعمل على الرش ويستعمل أيضا بمعنى الصب ولعله أراد بقوله هذا أن تثب الماء عليه شيئا فشيئا حتى يذهب أثر الدم.
[٣٢٥] ومنه قول أم قيس بنت محصن- ﵂ في حديثها (فدعا بماء فنضحه ولم يغسله)
стр. 137
أريد بالنضح ههنا إسالة الماء على الثوب الذي أصابه البول حتى يغلب عليه من غير أن يبالغ في الغسل بالمرس والدلك وذلك لأن الغلام لم يكن يأكل الطعام فيكون لبوله عفونة يفتقر في إزالة ذلك إلى مبالغة، ثم إن الذكور في أصل الفطرة أصح مزاجا وأقوى بنية من الإناث فيكون التي تخرج من أبدانهم أيسر مؤونة عند الإزالة، والأنثى حيث كانت بصدد أن تحيض وكانت الرحم منها مستعدة لانصباب المواد إليها كانت بولها أنتن رائحة وأشد صبغة فاستدعى ذلك إلى مبالغة في الغسل ولهذا قال ﷺ في حديث لبابة بنت الحارث وهي أم عبد الله بن عباس- ﵁ (إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر) فلم يرد أنه لا يغسل وإنما أراد بها التفريق بين الغسلين والتنبيه على أنه غسل دون غسل بعبر عن أحدهما بالغسل وعن الآخر بالنضح وحديث لبابة يبين أن علة النضح في حديث أم قيس هي الذكورة وقولها: لم يأكل الطعام شيء حسبته من تلقاء نفسها لم يكن في ذلك عن رسول الله ﷺ برهان وأم قيس هذه أخت عكاشة واسمها آمنة على ما قيل.
(ومن الحسان)
[٣٣٠] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (إذا وطئ بنعله أحدكم الأذى فإن التراب له طهور) ذهبت جمع من العلماء إلى أن النعل إذا أصابتها نجاسة فمسحت بالأرض حتى ذهب أثرها جازت
стр. 138
الصلاة وحملوا قوله ﷺ (فإن التراب له طهور) على هذا المعنى ويستخرج من هذا الأصل أن النعل إذا كانت ذات نقائل ومخارز يتعلق بها النجاسة فلا يذهب أثرها [٥٨/أ] بالدلك ولا تجوز الصلاة معها إذا تجاوزت النجاسة عن القدر المعفو.
وقد ذهب جمع إلى خلاف ما ذهب إليه الأولون وتأويل الحديث على وفق مذهبهم هذا أن يقال معنى قوله: (فإن التراب له طهور) هو أن المتنعل إذا وطئ القذر ثم أزال أثرها بالتراب فله أن يطأ بها أرض المسجد ويمسحها بيده [...] بثوبه ويكون استعمال الطهورية فيها على طريق الاتساع والمجاز المتعارف بين الناس، أو يأولونه على ما ما يأول عليه حديث أم سلمة الذي يتلوه وذلك قوله ﷺ (يطهره ما بعده) وهذا محمول على أن السؤال صدر فيما جف من الثياب على ما كان يابسا من القذر فربما تشبث بها شيء منه فأخبر أن لا حرج في ذلك ولو تشبث بها شيء فإن المكان الذي بعده يطهره أي يزيل ذلك عنه.
قلت وفي تأويل حديث أبي هريرة- ﵁ على هذا الوجه الذي ذكرناه في حديث أم سلمة نظر؛ لأن بين الحديثين بونا بعيدنا وهو أن حمل حديث أم سلمة على ما يقتضيه الظاهر مخالف للإجماع وذلك لأن الثوب إذا أصابته نجاسة لم يطهره إلا الغسل. وأما حديث أبي هريرة- ﵁ فقد أخذ به غير واحد من فقهاء التابعين ومن بعدهم ثم إنه حديث حسن لم يطعن فيه. وأما حديث أم سلمة ففي إسناده مقال من قبل من يرويه عن أم سلمى وهي أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وهي مجهولة لم يعرف حالها في الثقة والعدالة.
[٣٣٣] ومنه حديث أبي المليح عن أبيه أن النبي ﷺ (نهي عن جلود السباع أن تفترش) إنما نهى عن لبس جلود السباع وافتراشها والركوب عليها؛ لأن ذلك من سنن الجبابرة ودأب المتكبرين وعمل المسرفين وسجية المترفين وعلى هذا فالنهي نهي تنزيه وأما من يذهب إلى نجاسة شعور الميتة، أو يذهب إلى أن جلود الميتة لا يطهر بالدباغ فإن النهي عنده نهي تحريم وأبو المليح أو أسامة بن عمير الهذلي ﵁ وأحاديثه التي رواها عن رسول الله ﷺ لا راوي لها عنه غير ابنه أبي المليح واسمه عامر والمليح بفتح الميم وكسر اللام.
[٣٣٤] ومنه حديث عبد الله بن عكيم (أتانا كتاب رسول الله ﷺ ... الحديث) ذهب بعض أهل العلم
стр. 139
من أصحاب الحديث إلى القول به وجعله ناسخا للأخبار الواردة في الدباغ لما في بعض طرقه (أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر).
والجمهور من العلماء على خلاف ذلك لا يرون القول بحديث [٥٨/ب] ابن عكيم لأنه لا يقاوم الأحاديث التي وردت في هذا الباب صحة واشتهارا ثم إن عبد الله بن عكيم لم يلق النبي ﷺ وإنما حدث عن حكاية حاله ولو ثبت لكان من حق أن يؤول على أنه نهي عن الانتفاع به قبل الدباغ؛ لئلا يخالف الثابت الصحيح.
[٣٣٥] [ومنه قوله ﷺ في حديث ميمونة ﵂ (لو أخذتم إهابها) (لو) هذه بمعنى (ليت، والذي لاقى بينهما أن كل واحدة من الكلمتين في معنى التقدير، ومن ثم أجيبتا بالفاء].
стр. 140
ومن باب المسح على الخفين
(من الصحاح)
[٣٤٠] حديث المغيرة بن شعبة- ﵁ وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك أي سكبت الوضوء على يده وقول المؤلف هذا مرسل كلام مستدرك؛ لأن المرسل ما أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي ﷺ من غير أن يذكر الصحابي الذي يروي الحديث مسندا إلى المغيرة. وهذا الحديث أسنده إلى الصحابي ثم قال هذا مرسل وكان من حقه أن يقول لم يثبت هذا الحديث مسندا إلى المغيرة وإنما روى مرسلا عن وراد كاتب المغيرة ومولاه، أن النبي ﷺ (مسح أعلى الخف وأسفله) وقد قال أهل العلم بالرواية إن هذا حديث معلول. قلت: وقد رواه رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة فقال: حدثت عنه فهو إذا مع الإرسال منقطع.
ومن باب التيمم
(من الصحاح)
[٣٤٥] حديث عمار بن ياسر- ﵁ (كنا في سرية فأجنبت فتمعكت ... الحديث) تمعكت
стр. 141
أي تمرغت يقال تمعكت الدابة وتمرغت إذا انقلبت في التراب وإنما تمرغ عمار لتوهمه أن التيمم للجنابة غير التيمم لحدث قياسا على الغسل والوضوء فنبأه رسول الله ﷺ أنهما سيان، وقد ذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين عملا بهذا الحديث والأكثرون من فقهاء الأمصار على أنه ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين فقد روى عن عبد الله بن عمر والأسلع بن الأسقع التميمي ﵄ أن النبي ﷺ (تيمم بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين).
قلت: وهذان الحديثان أغني حديث ابن عمر، والأسلع ليا كحديث عمار في صحة الإسناد ولكن
стр. 142
(الأكثرون) ذهبوا إلى حديثهما وقد قال الخطابي: مذهب من ذهب إلى حديث عمار أصح في الرواية ومذهب من يخالفهم أشبه بالأصول وأصح في القياس فإن قيل كيف تخالفون حديث عمار وقد عرفتم صحته وإذا أخذتم بحديث ابن عمر مع ضعف إسناده من قبل محمد بن ثابت العبدي وبحديث الأسلع مع (٦٠/أ) ضعف إسناده من قبل الربيع بن بدر إذ لم يروه عن أسلع غيره وهو من الضعفاء فأني لكم بالتوفيق بين الحديثين وحديث عمار.
قلنا: الأخذ بهما أحوط؛ لأن المتيمم إذا تيمم بضربتين ومسح بإحدايهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين أجزأه ذلك وسقط عنه الفرض بالإجماع، ولا كذلك من مسح وجهه وكفيه بضربة واحدة. وأما التوفيق بين المختلفين فهو أن يقال يحتمل أن الأمر كان على ذلك في أول ما شرع التيمم ثم صار إلى ما أخبرا عنه، فإن قيل: فلم لا تقدرون الأمر على خلاف ذلك.
قلنا: لأنا قد عرفنا من حديث عمار أن أحكام التيمم لم تكن مستفيضة فيما بينهم حينئذ وذلك ينبثنا عن تقدم حديث عمار والتيمم شرع في غزوة المريسيع في السنة الخامسة من الهجرة وكان إسلام بني تميم متأخرا وأول ما قدم وقد بني تميم على رسول الله ﷺ مع قيس بن عاصم المنقري التميمي في السنة التاسعة وهذا الذي ذكرناه وإن لم يبلغ مبلغ الفصل والقطع، فإنه كالسناد لما قدمناه، هذا وقد قال أبو جعفر الطحاوي: رأينا الوجه يمسح بالصعيد كما يغسل بالماء، ورأينا الرأس والرجلين مما لا يمسحان فكان ما سقط التيمم عن بعضه سقط عن كله وكان ما وجب فيه التيمم كان كالوضوء سواء؛ لأن جعل بدلا منه.
ومن باب الغسل المسنون
(من الصحاح)
[٣٥٠] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) قيل معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض كما يقال (فلان يجب علينا رعايته فلت وإنما يذكر أمثال ذلك بلفظ الوجوب على وجه التأكيد والمبالغة في الاستحباب وقد كان القوم عمال أنفسهم يعملون في المهنة ويلبسون الصوف وكان المسجد [...] مقارب السقف فإذا عرفوا تأذى بعضهم برائحة بعض فندبهم إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون أدعى إلى الإجابة. قد علم هذا المعنى بالأخبار التي تنفى الوجوب وقد أتى العلماء على جميع ذلك شرحا وبيانا، فإن قيل: فماذا يقولون في قوله ﷺ (غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة)؟ قلنا: معناه كصفة غسل الجنابة أدخل الكاف فيه لبيان صيغة غسل الجمعة لا لبيان الوجوب كأنه قال: وهو كغسل الجنابة.
стр. 143
(ومن الحسان)
[٣٥٢] حديث جابر بن سمرة- ﵁ (٦٠/ب) قال رسول الله ﷺ (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت) قيل الضمير في قوله فيها للسنة أي بالسنة أخذ ونعمت الخصلة هي.
قلت: قد روى عن ذلك عن الأصمعي والسنة وإن صح استعمالها بمعنى الشريعة فإن تقديرها في هذا الموضع يوهم خلاف المراد منها وهو أن إصابة السنة في الاغتسال نفي للوضوء الذي فرض على العباد؛ لإقام الصلاة. وقد نقل عن بعض أهل العم أنه قال فيها ونعمت فبالرخصة أخذ، ونعمت السنة التي ترك، وفي هذا القول وإن استحسنه من شغله المعنى عن مراعاة حق اللفظ نظر؛ لأن الكلمتين وجدتا مستعملتين في كلام العرب قبل الإسلام كان القائل يقول: إن فعلت كذا فيها ونعمت مرتبة إحداهما على الأخرى فكأن المشار إليه بالكلمة الثانية هو المشار إليه بالكلمة الأولى، فصرف إحدى الكلمتين إلى غير ما
стр. 144
صرفت الأخرى على خلاف استعمالهم غير صحيح، لاسيما وقد عدمت الدلالة فتبقى الثانية معطلة ملغاة، وأولى من هذا أن يقال فبالشريعة تمسك ونعمت الخصلة التمسك بها، وأشبه التقديرات بنسف هذا الكلام أعنى قولهم إن فعلت كذا فيها أي فألا بتلك الفعلة ونعمت الفعلة هي ونحو ذلك، وأرى حقيقة المراد منهما في الحديث نفي السخطة والنكير عن صنيعه ذلك، فكأنه قال من توضأ لصلاة الجمعة فاقتصر عليه فبالشريعة تمسك أو أهلا بتلك الخصلة ونعمت الخصلة هي، ومن اغتسل لها فذلك أفضل (ونعمت) المختار فيها كسر النون وسكون العين والتاء، ومن الرواة من يرويها بفتح النون وكسر العين وذكرها الخطابي في جملة الألفاظ التي يرويها عوام الرواة ملحونة أو محرفة وقد روى أيضا بفتح التاء على ضمير المخاطب والمعنى: نعمك الله والصحيح هو الأول.
ومن باب الحيض
(من الصحاح)
[٣٥٧] حديث عائشة- ﵂ (وكان يأمرني فأتزر ... الحديث) صوابه فأئتزر بهمزتين فإن إدغام الهمزة غير جائز ولما كانت أم المؤمنين- ﵂ من البلاغة بحيث لا يخفى على ذوي المعرفة بأساليب الكلام علمنا أنه خطأ وقع من بعض ٦١/أالرواة ولذا أورد الحافظ أبو موسى في كتابه فقال هو من تحريف الرواة.
قلنا: وقد أمرها بالإئتزار اتقاء عن موضع الأذى وأرادت بالمباشرة ما هو مفهوم من ظاهر اللفظ وهو الإفضاء بالبشرتين دون الكناية التي هي الجمع والمعنى أنه كان يدخل معي في اللحاف فيمس بشرته بشرتي.
[٣٥٨] ومنه قوله في حديثها الآخر (وأتعرق العرق) أي آخذ اللحم من العظم بأسناني والعرق بفتح العين وسكون الراء العظم الذي يأخذ عنه معظم اللحم وقد بقيت عليه بقية وجمعه عراق بالضم وهو جمع نادر، والعرق أيضا مصدر قولك عرقت العظم أعرقه بالضم عرقا ومعرقا: إذا أكلت ما عليه من اللحم وفي معناه تعرقت أتعرق.
[٣٦٠] ومنه حديثها الآخر قال لي النبي ﷺ (ناوليني الخمرة ... الحديث) الخمرة سجادة من حصير أو
стр. 145
نسيجة خوص وهي مقدار ما يضع عليه الساجد حر وجهه وأصل الخمر ستر الشيء ومنه الخمار، لأنه يغطي الرأس وخمرت الإناء غطيته فسميت خمرة، لأنها تستر موضع السجود.
وفيه (إن حيضتك ليست في يدك) الحاء منها مكسورة يريد حالة الحيض وممن صوب ذلك الخطابي وأكثر الرواة يفتحون الحاء في هذا الحديث وفي عدة أحاديث سنشير إليها في مواضعها وهي الاسم من الحيض ومن عوام الرواة من يفتحها في هذا الحديث وفي عدة أحاديث سنشير إليها في مواضعها وكل ذلك خطأ.
(ومن الحسان)
[٣٦٢] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد). قلت: إن صح الحديث فإنه يؤول على أن المسلم إذا فعل ذلك مستبيحا أو مصدقا وإنما لم يفصله ليكون أبلغ في الوعيد.
ومن باب المستحاضة
(من الصحاح)
[٣٦٥] قوله ﷺ في حديث فاطمة بنت أبي حبيش رواية عائشة- ﵂ (إني امرأة استحاض) هذه الكلمة ترد على بناء المفعول يقال استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها.
следующие страницы →