← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18570

بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام = نهاية الوصول إلى علم الأصول

مظفر الدين ابن الساعاتي

Полный текст (683 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقولُ محمد: كلُّ مكروه حرامٌ، فحَدُّه حَدُّه, وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقربُ. ويُطلق على: ترك ما ترجَّحت مصلحتُه؛ كترك المندوب وإن لم يكن منهيًّا، فيُحد بـ: تركِ الأَوْلى, وعلى: ما نُهي عنه تنزيهًا؛ كالصلاة في الوقت المكروه، فيُحد بـ: النهي الذي لا ذَمَّ على فعله, والخلافُ في كونه تكليفًا كالمندوب فصلٌ: المباحُ: ما خُيِّر بين فعله وتركِه شرعا. ونُقِض بخصالِ الكفارة، والأداءِ في أول الوقت مع العزم، والفعلُ واجبٌ. وقيل: ما استوى جانباه في عدم الثوابِ والعقابِ. ونُقِض بأفعال الله تعالى؛ فإنها لا تُوصف بالإباحة. والأقربُ: ما دَلَّ الدليلُ السمعي على خطاب الشارع فيه بالتخيير بين الفعل والتركِ من غيرِ بدلٍ، والأولُ فصلٌ عن فعل الله تعالى، والثاني عن الواجبِ الموسَّع والمخيَّرِ

стр. 177

مسألةٌ: الاتفاقُ أن الإباحة حكمٌ شرعي، وبعضُ المعتزلة: أنه لا معنى لها إلا نفيُ الحرج عن الفعل والترك؛ وهو قبلَ الشرع ومستمرٌّ بعده، فليس شرعيًّا. قلنا: لا ننكر أن انتفاءَ الحَرَج عنهما ليس بإباحةٍ شرعية، وإنما الشرعيةُ خطابُ الشارع بالتخيير، وليس ثابتا قبلَ الشرع، فليس ما نَفَيتُموه ما أثبَتْناه مسألةٌ: المباحُ غيرُ مأمور به. والكعبيُّ: لا مباحَ، بل ما يُفرضُ مباحا فهو واجبٌ مأمورٌ به. لنا: أن الأمر طلبٌ، وأقلُّه ترجيحُ الفعل، والمباحُ لا ترجيحَ فيه، والإجماعُ على أنه قسمٌ من الأحكام. قال: كلُّ مباحٍ تَرْكُ حرامٍ، وتركُه واجبٌ

стр. 178

ولا يتمُّ إلا بأحدِ أضداده، وما لا يتم الواجبُ إلا به واجبٌ، وكونُه من الأحكام ملحوظٌ فيه ذاتُ الفعل دون تعلقِ الأمر به، بسبب توقفِ ترك الحرام عليه، وحينئذ لا يكونُ مأمورا به؛ جمعا بين الأدلة. وأُجيبَ: بأن المباح ليس تركَ الحرام، بل شيءٌ يُتركُ به، مع إمكان تركه بغيره، فلم يَلزم وجوبُه. فأجاب: مع تسليمِ أن الترك لا يتمُّ إلا بأحدِ أضداده، وأن ما توقَّف عليه الواجبُ واجبٌ، لا يُمكن منعُ كونِ هذا الضد واجبا، غايتُه أنه غيرُ معين، فإذا اختاره المكلفُ تعيَّن ووجَب، ولا مَخلصَ إلا بأنَّ ما لا يتم الواجبُ إلا به -من عقلي أو عاديٍّ- فليس بواجب كما مرَّ، والتزم أيضا: لو كان كذلك لكان المحرمُ إذا تُرك به محرمٌ واجبا، والواجبُ إذا تُرك به واجبٌ حراما، فأجاب بأن لا مانعَ من اتصاف الفعل بهما لاختلاف الجهة، كما مرَّ مسألةٌ: الحقُّ أن المباحَ ليس داخلا في مُسمَّى الواجب؛ لأن المباح: ما خُيِّر فيه بين الفعل والتركِ، وهو مُبايِن للواجب. وقيل: داخلٌ؛ لأن المباح ما لا حرجَ في فعله، وهو متحققٌ في الواجب، وما زاد به الواجب فَصْلٌ. قلنا: ما به الاشتراكُ ليس تمامَ حقيقةِ المباح. والنزاعُ لفظي؛ فإن عُني بالمباح ما أُذِن في فعله مطلقًا، فجنسٌ للواجب والمباحِ بالمعنى الأخصِّ والمندوبِ، وإن أُريد ما أُذن فيه ولم يُذم على تركه، فليس بجنسٍ قطعًا

стр. 179

تنبيهٌ: وعلى هذا: فإذا نُسخ الوجوبُ هل يبقى الجوازُ؟ فنفاه أصحابُنا، وأثبته الشافعيُّ، وظهَرت الفائدةُ فيمن حلَف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها؛ فليكفِّرْ عن يمينه ثم ليأتِ الذي هو خيرٌ، فإن الوجوب سابقا منسوخٌ بالإجماع، فبقي الجوازُ عنده، ولم يبقَ عندنا. قال: لأن مِن ضرورةِ الوجوبِ الجوازُ، ولا عكسَ في الانتفاء. قلنا: الماهيتان متغايرتان، فلو سُلم فما هو جزءُ الوجوب

стр. 180

مُنتَفٍ بانتفائه؛ لاستحالة بقاء حصةِ النوع من الجنس بعد عدمِ النوع، ولا وجودَ للأعمِّ إلا مُشخَّصًا، (فالحقُّ أن) الباقيَ ليس هو جزءَ الوجوب قطعا، بل هو حكمٌ شرعيٌّ يَثبُت بدليل منفصلٍ، كما في جوازِ صومِ عاشوراء بعد انتساخ الوجوبِ؛ فإنه ثابتٌ؛ لصلاحية كلِّ يومٍ لصوم النفلِ من قبلُ مسألةٌ: الحقُّ أنه ليس بتكليف، والنزاعُ فيه (مع أبي إسحاق) لفظيٌّ؛ فإن معناه وجوبُ اعتقاد الإباحة، والوجوبُ تكليفٌ، وعندنا: الفعل فيه كلفةٌ ومشقة، ولا تكليفَ مع التخيير فصلٌ: الأحكامُ الثابتةُ بخطاب الوضع أصنافٌ: الأول: الحكمُ على الوصف بالسببية،

стр. 181

والسببُ: ما يُتوصل به إلى مقصودٍ ما. وفي الشرع: كلُّ وصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ دلَّ السمعُ على كونه مُعرِّفا لإثبات حكمٍ شرعي؛ كجَعْل الدُّلوكِ سببا للصلاة. ولله تعالى في كل واقعةٍ عُرِف حكمُها بالسبب حُكمان: نفسُ الحكم، والسببيةُ المحكومُ بها على الوصف المعرِّف له. وفائدةُ نَصْب الأسباب تعريفُ الأحكام بعد انقطاعِ الوحي؛ لعُسر الوقوف في كل واقعةٍ على الخطاب. والمُوجِب هو اللهُ. والسببُ أمارةٌ، لا مُوجبٌ لذاته؛ وإلا لكان مُوجِبا قبلَ الشرع. والخطابُ عندنا للأداء والوجوبِ بالسبب، فهو جَبْري، والأداءُ اختياريٌّ، كما تجبُ الصلاةُ على النائم والمجنونِ والمُغمَى عليه، إذا انقطع الجنونُ والإغماءُ دون يوم وليلةٍ، وكما يجب العُشرُ والفِطرةُ على الصبي عندنا،

стр. 182

والزكاةُ عند الشافعي؛ نظرا إلى انعقاد السبب، (ولا خطابَ) فإن قيل: لو كانت السببيةُ حكما لافتقرت إلى سببٍ معرِّف، ويدور أو يَتسلسل، ثم إن كان الوصفُ معرِّفا بنفسه لزِم ذلك قبلَ الشرع، أو بصفةٍ فالكلامُ فيه عائد، والدَّورُ أو التسلسلُ لازمٌ. ثم الطريق إلى معرفة كونِ الوصفِ سببا هو ما استَلزَم من الحكمة الداعيةِ مِن جلب مصلحةٍ أو دفع مفسدةٍ، وهو ممتنعٌ؛ لإمكان تعريفِ الحكمِ بنفسِ الحِكمة الداعيةِ مِن دون الوصفِ. ولأنها إن كانت قديمةً لزِم قِدَمُ معرفةِ السببية، أو حادثةً احتاجت إلى مُعرِّف آخرَ؛ لخفائها، ويعودُ التقسيمُ. قلنا: منقطعٌ بأن معرفة السببيةِ بالخطاب أو الحكمةِ الملازمةِ للوصف مع اقتران الحُكم بها في صورة، والحكمةُ المعرِّفةُ ليست بمطلقِ حكمةٍ، بل المضبوطةُ بالوصف المقترنةُ بالحكم، وإلا يمتنعُ تعريفُ الحكم بها؛ لخفائها واضطرابِها واختلافِها بالأشخاص والأحوالِ والأزمان، ثم إذا كانت مضبوطةً بالوصف فهي معروفةٌ بنفسها، ولا يَلزم من تقدُّمِها على الشرع كونُها معرِّفة للسببية؛ لتوقفِ ذلك على اعتبارها في الشرع

стр. 183

تنبيهٌ: سببُ وجوب الإيمان العقلُ؛ على القول بأنه مُوجِب بنفسه، ومعناه أن الله مُوجِبٌ والعقل مُعرِّف، وعليه فخرُ الإسلام، وعلى هذا فالإسلامُ واجبٌ على مَن لم تبلُغْه الدعوةُ، وعلى الصبي العاقلِ قبل الشرع، والأداءُ منه بعدَ انعقاد السبب. ونفسُ الخطاب؛ على القول بأن العقل غيرُ مُوجِب، فعلى هذا لا يجبُ قبلَه، وبعدَه بالعقل بجَعْلِ الشرع. وسببُ وجوبِ الصلاة وقتُها، وأمارةُ السببية النسبةُ؛ باللام ﴿لدلوك الشمس﴾، والإضافة

стр. 184

كصلاة الظهر؛ الدالَّينِ على الاختصاص، والتكرُّرِ بتكرره، وفسادِ الأداء قبله، والصحةِ في أوله، مع تأخُّر اللزوم كما مرَّ. وسببُ الزكاة مِلكُ النصاب للنسبة، ولهذا جاز التعجيلُ، غيرَ أن الغِنى لا يتمُّ دون الاستنماء في زمانٍ، فأُقيم الحولُ مُقامَ حقيقةِ النَّماء، وكان المالُ الواحدُ -سببُ تكرُّر (النماء بتكرُّر) الأحوال- متكررًا حكما، وسببُ الصوم أيامُ رمضان، ومتى كان الوقتُ سببا كان ظرفا صالحا للأداء، فخرج الليلُ؛ (لعدم الصلاحية) ولأنه منسوبٌ إليه ومتكرِّر به، ولهذا وجب على صبىٍّ بلَغَ وكافرٍ أسلَمَ في بعضه؛ لأن كلَّ يوم سببُ صومه، وسببُ الفِطرةِ على كل مسلمٍ: غِنَى الرأس ومن يَمُونه بالنص (أدُّوا عمن تمونون، أدوا عن كل حر وعبد)، وكذلك يُضاعَف الوجوبُ بالرؤوس، والوقتُ

стр. 185

شرطُه والنسبةُ إليه مجازية وسببُ الحج البيتُ؛ للنسبة، والوقتُ شرطُ الأداء؛ لعدم التكرر بتكرره، وكذلك الاستطاعةُ بالمال؛ لصحَّة الأداء من الفقير، ولا يصلُح المالُ سببا لعبادةٍ بدنيةٍ. وسببُ العشر الأرضُ الناميةُ حقيقةً بالخارج، وفيه معنى المُؤْنة والعبادة، ويتكررُ بتكرر الخارج تقديرًا، ولم يجُزِ التعجيلُ قبل الخارج لأنه بمعنى السبب لوصف العبادة، فلو عُجِّل خرَج معنى المُؤنة والعبادة، وكذلك سببُ الخراج، والنماءُ معتبرٌ فيه تقديرًا بالتمكُّن من الزراعة، فهو مُؤنةٌ باعتبار الأصل، عقوبةٌ باعتبار الوصف، وسببُ الطَّهارة الصلاةُ، وهي شرطُها، فلم يجب قصدا، بل عند إرادة الصلاة، والحدثُ شرطٌ لا سبب؛ لزواله بها، وأسبابُ الحدود ما تُنسَب إليه؛ مِن زنًا وسرقةٍ وقتلٍ،

стр. 186

وسببُ الكفارة ما تُنسب إليه، ويكون دائرا بين الحظر والإباحة، كالفطر وقتلِ الخطأ والصيد واليمين، لا قتل العمد والغموس الثاني: الحكمُ على الوصف بالمانعيَّة؛ فمنه مانعُ الحُكمِ؛ وهو: كلُّ وصف وجوديٍّ ظاهرٍ منضبِطٍ مستلزِمٍ لحِكمةٍ مُقتضاها نقيضُ حكمِ السبب مع بقاء حِكمةِ السبب؛ كالأبوة في القصاصِ مع قتل العمد. ومنه مانعُ السبب؛ وهو: كلُّ وصف يُخل وجودُه بحكمة السبب؛ كالدَّين في الزكاة مع مِلكِ النصاب الثالثُ: الحكمُ بالشرطية، فما كان عدمُه مُخِلًّا بحِكمةِ السببِ

стр. 187

فهو شرطُ السبب؛ كالقدرة على التسليم في باب البيع. وما كان عدمُه مستلزِما لعدم السببِ فهو شرطُ الحُكم؛ كعدم الطهارة في الصَّلاة مع الإتيان بمُسمَّى الصلاة الرابعُ: الحكمُ بالصحة، ففي العبادات عند المتكلم: موافقةُ الأمر، وعند الفقيه: سقوطُ القضاء بالفعل. وفى المعاملات: ترتُّب ثمرةِ العقدِ عليه الخامسُ: الحكمُ بالبطلان، والباطلُ: ما لم يُشرَع بأصله ولا وصفِه،

стр. 188

والفاسدُ عند الشافعي مرادفٌ له، وعندنا مغايرٌ للباطل والصحيح السادسُ: الرخصةُ؛ وهي: ما شُرع لِعُذر مع المُحرِّم، فمنها كاملةٌ؛ وهي:

стр. 189

ما استُبِيحَ (لعذر) مع المحرِّم، وحكمُه كالمُكرَه على الكفر بالقتل؛ فإن العزيمة في الصبر؛ لقيام الحرمة، والعذرُ أن حق العبد يفوتُ به صورةً ومعنًى، وحقُّ الله باقٍ معنًى؛ لوجود التصديق، وصورةً من وجه؛ لعدم وجوب التكرار، لكن فيه هتك حق الله ظاهرًا، فكان له تقديمُ حقِّه، والصبرُ أولى لكونه جهادًا، وكذلك الأمرُ بالمعروف رُخص تركُه خوفَ القتل، والإقدامُ جهادٌ؛ باعتبار تفرُّق الفَسَقة، بخلافِ غازٍ يُقدِم ويَعلم أنه يُقتَل من غير نكايةٍ في العدو؛ لكونه مضيِّعًا نفسَه، وكذلك المُكرَهُ على إتلاف مالِ الغيرِ، وعلى الفطر، والجنايةِ في الإحرام. ومنها قاصرةٌ: وهي: ما استُبِيح مع المحرِّم وتَراخَى حكمُه؛ كفطر المسافر في رمضان، والعزيمةُ أَولى؛ لكمال السببية ومثلُ (ورَخَّص في السَّلَم) مجازٌ؛ فإن الأصلَ أن يكون المبيعُ عينًا، وقد سقط في السَّلم أصلا

стр. 190

تخفيفا. وكذلك مَن أُكره على الخمر أو الميتةِ أو اضطُر إليهما؛ لسقوط الحرمة وتأثُّمه بالصبر؛ لأن الحرمة لصيانة عقله ونفسه، فإذا فات ما لأجله حُرم لم يَستقم صيانةُ البعض لفَوات الكل، وكان بالصبر مُضيِّعًا نفسَه. وكذلك القَصْر عندنا؛ لتسميتِها صدقةً في النص، والصدقةُ بما لا يَحتمِلُ التمليكَ إسقاطٌ،

стр. 191

ولأن الرخصة تيسيرٌ، وهو متعينٌ فيه. ولأن التخييرَ للترفُّق، وأنه يَستدعي جهتَيْ يُسر؛ كفطر المسافر؛ خفيفٌ من وجه لمشاركة الصوَّام، وغيرُ خفيف للمشقة الناجزة، وجهةُ اليسر ههنا متحدةٌ، فكانت إسقاطا. ولا يَلزم خيارُ المأذون له في الجمعة بينها وبين الظهر، ولا خيارُ مَن حلَف إن دخل الدار أن يصومَ سنةً، فدخَل وهو مُعسرٌ، بين صومها وصومِ الكفارة؛ لاختلاف ما فيه الخيارُ، فاستقام طلبُ الترفُّق. ونظيرُ مسألتنا: المُدبَّر يَجني، يَلزَمُه الأقلُّ مِن الأرشِ والقيمةِ، بخلاف العبد؛ حيث يُخيَّر مَوْلاه بين الدَّفْعِ والفداءِ، والفرقُ الاتحادُ والاختلافُ

стр. 192

الأصلُ الثالثُ: في المحكوم فيه: ميلُ الأشعري إلى جواز التكليفِ بالمحال لذاته كالجمع بين الضدَّين. واختُلف في الوقوع. والإجماعُ على التكليف بما عَلم اللهُ أنه لا يَقعُ. والمختارُ أن الإمكان شرطُ التكليف؛ لأنه لو صح التكليفُ بالمستحيل لكان مطلوبَ الحصولِ؛ لأنه معناه، وهو محالٌ؛ لعدم تصوُّر وقوعه، وإلا يلزم تصورُ شيء على خلاف ماهيته،

стр. 193

واستدعاءُ الحصول فرعُه. فإن قيل: لو لم يُتصوَّرْ لم يُحكم بكونه محالا، فإنه فرعُ تصورِه، وهو مُعارَض بما يدلُّ على وقوعه شرعا؛ چ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ ? ... ? قَدْ آمَنَ چ، وكانوا مكلفين بتصديق نوحٍ مطلقا، ومن ضرورته تكليفُهم تصديقَه في عدم تصديقهم، وكُلف أبو لهب بتصديق النبي ﷺ في إخباره، ومنه إخبارُه أنه لا يصدِّقه، فقد كلَّفه بتصديقه بعدمِ تصديقه، وفيه جمعٌ بين الضدَّين. قلنا: الجمعُ المعلوم المحكومُ بنفيه عن الضدين هو جمعُ المختلفات، ولا يَستلزمُ تصوُّرُه منفيا عنهما تصوُّرَه مُثبَتا لهما؛ لاستلزامه التصور على خلاف الماهية، وإنما كُلفوا بتصديقه فقط، وعلمُ الله تعالى بعدم تصديقهم وإخبارُه به لا يَستلزِمُ رفعَ الإمكانَ الذاتي، لكن لو كُلفوا بعدَ علمِهم لكان من باب ما علِم المكلفُ امتناعَ وقوعِه، وذلك غيرُ واقع؛ لانتفاءِ فائدةِ التكليف، لا لأنه مستحيلٌ، وقيل: القدرةُ مقارِنةٌ للفعل، والتكليفُ سابقٌ عليه، والتكليفُ حالَ عدم القدرة تكليفٌ بما لا يُطاق. ورُدَّ: بالمنع؛ بل هي سابقةٌ عندنا بمعنى سلامةِ الآلات، وبأنه مستلزِمٌ لكون جميع التكاليفِ تكليفا بالمحال، وهو باطل بالإجماع

стр. 194

مسألةٌ: جمهورُ الشافعية والمعتزلة: لا يشترط في التكليف بفعلٍ حصولُ شرطه الشرعي حالةَ التكليف، وهي مفروضةٌ في تكليف الكافر بالفروع، وعندنا: أنه أهلٌ

стр. 195

لحُكم (لا يُثاب) عليه؛ كالمؤن والمعاملات. قالوا: لا يمتنعُ الخطابُ بالعبادة مشروطا بتقديم الإيمان عقلًا، ودليلُ الوقوع شرعا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ ﴿فلا صدق ولا صلى﴾، ذمَّه على ترك الجميع، ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾، والتعذيبُ دليل الخطاب، ولو امتنع لامتنع الأمرُ بالصلاة حالَ عدم الطهارة، ولكان اشتراطُ تقديم النية مانعا من وجوب الصلاة. قلنا: التكليفُ بها إن كان حالَ وجود الإيمان لم يكن سابقا، أو حالَ عدمه لم يجُز عقلًا، والتكليفُ للامتثال، وهو فائتٌ؛ لامتناعِ الأداء حالةَ الكفر، وبعد الإيمان لكونه يجُبُّ ما قبله، ولأنه لو وجب لوجب القضاءُ لوجوبه بالأمر الأول، والآياتُ مؤولة بإطلاق العبادة والصلاة، وإرادةِ الإيمان، وجوازِ أن يكون غيرُ المصلين غيرَ المكذبين؛ لاشتمال الناس على الصنفين، جمعا بين الأدلة. والشرطُ تابعٌ يجبُ بوجوب مشروطه كالطهارة، والإيمانُ أصل

стр. 196

مسألةٌ: المتكلمون: التكليفُ إنما هو كسبي؛ من فعلٍ أو كفٍّ، لا بنفيِ فعلٍ من غير تلبُّسٍ بضدٍّ، خلافا لأبي هاشم. قالوا: لو كُلف به لكان مُستدعَى الحصولِ، ولا يُتصوَّر؛ لأنه غيرُ مقدور له، فالتكليفُ به تكليفٌ بالمحال. قال أبو هاشم: بل هو مقدورٌ؛ فإن القادر على الزنا قادرٌ على تركه قطعًا. قالوا: العدمُ نفيُ الأثر، والنفي لا يتعلقُ بالفاعل، ولأن العدم مستمرٌّ، فهو مستغنٍ عن السبب. وفيه نظرٌ؛ فإنه لا يمتنعُ تعلقُه بالفاعل؛ فإنه المتنازعُ فيه، ومعنى تعلقِه مع استمراره: أن لا يُوجَد الفعلُ، لا أن يؤثر العدمُ

стр. 197

مسألةٌ: التكليفُ سابقٌ على الفعل، ومنقطعٌ بعده، وهل يتعلقُ به حالَ حدوثه؟ فأثبته الأشعري، ونفاه المعتزلةُ وإمامُ الحرمين، وأبو الحسين: إن أراد أن تعلقَه بالفعل لنفسه فتعلقُه به بعدَه لازمٌ والإجماعُ ينفيه، أو بتنجيزه فتكليفٌ بإيجاد الموجود، ولعدم صحة الابتداء فتنتفي فائدةُ التكليف؛ وهو التنجيزُ أو الامتحانُ. قال: مقدورٌ بالإجماع فصح التكليفُ، ولهم منعُ التكليف بما قالوه مسألةٌ: النيابةُ لا تجري في التكاليف البدنية عند المعتزلة، خلافا للشافعية. ومذهُبنا الجوازُ

стр. 198

في المالية مطلقا، والمنعُ في البدينة مطلقا، والجوازُ فيما تركَّب منهما كالحجِّ الفرضِ في حالة الاضطرار. لنا: أن البدنية للابتلاء بقهر النفس، وأنه يَخُصُّ من قام به، والغرض في المالية تنقيصُه؛ وهو حاصلٌ بالنائب مطلقا، وما تركَّب منهما: حالةَ العجز يَلمَحُ تنقيصَ المال، فيجوزُ، وحالةَ القدرة فهي النفسُ، فيمتنع، وإن لم يختلف الحالُ في النفل لسعة بابه. قالوا: ليس بممتنعٍ عقلا، ودليلُ الوقوع شرعا: الحجُّ، وإن كان قهرُ النفس مرادا، فليس في النيابة ما يَرفع أصلَ التكليفِ والمشقةِ بتقدير بذل العوضِ للنائب، وليس المعتبرُ في التكليف أعلاه، بل أصله، ونحن قائلون بالموجب في الحج، والعوضُ فيه معتبر، ويَمتنعُ في البدنية بقاءُ أصل المشقة؛ لعدم شرعيةِ بذلِ العوض؛ لعدم تعلقِ قصدِ الشارعِ فيها بالمال

стр. 199

الأصلُ الرابعُ: في المحكوم عليه . شرطُ التكليف العقلُ والفهمُ اتفاقا؛ لاستحالة خطابِ غيرِ عاقلٍ فاهمٍ. ومَن له أصلُ الفهم دون التفاصيل -كالمجنون والصبي غيرِ المميز- لا يُخاطَب؛ لتوقف المقصود على فهم التفاصيل، والمميزُ لم يَكمُل فهمُه فما يتعلق به المقصودُ؛ مِن معرفة الله تعالى وكونِه مُكلِّفا وباعثا للرسل، وإن قرُب من البلوغ وفهمُه من الكمال، إلا أنه وُضع عنه الخطابُ تخفيفا، وجُعل البلوغُ أمارةَ ظهورِ العقل. ويَرِدُ وجوبُ الزكاة -على من يَعتقِدهُ - والمؤنُ والضمانُ والأمرُ بالصلاة. فيُجاب: بتعلقها بماله أو بذمتِه التي بها نفسُ الأهلية لقَبول الفهم عند البلوغ، ويتولي الوليُّ الأداءَ، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ، وليس ذلك من التكليف، والأمرُ بالصلاة من الولي لا الشارعِ؛

стр. 200

لقوله: (مروهم) تقسيمُ الأهلية: وعندنا أنها نوعان: أهليةُ وجوبٍ تعتمد قيامَ الذمة وصلاحيةَ الحكم؛ لأن الوجوب للأداء، فإذا بطَل بطَل، كما يفوتُ لفَواتِ المحلِّ، فالغراماتُ المالية لازمةٌ للصبي؛ لتصورِ الأداء بالنائب، وكذا الصلاتُ التي تشبهُ المؤنَ؛

стр. 201

كنفقة الزوجة والقرابة، لا المشبهُ للجزاء كتحمُّل العَقْل، وما تمحَّض عقوبةً أو جزاءً لا يجبُ؛ لعدم صلاحيةِ الحكم، وكذا حقوقُ الله، فلا يجبُ الإيمانُ قبل العقل؛ لعدم الأداء، ويجبُ بعده؛ لانعقاد السبب، دون الخطاب بأدائه، وكذا العباداتُ البدنية والماليةُ؛ إذ المقصودُ الابتلاءُ بالأداء اختيارا، وما أُدِّي بالنائب ليس بطاعة والثاني: أهليةُ الأداء: وهي: قاصرةٌ، وكاملةٌ، فالأولى تعتمد قدرةً قاصرة؛ كالصبي والمعتوه، يصحُّ منهما الأداءُ -كالإيمان والعبادات البدنية- من غير لزومِ عهدةٍ، وما ينفعُه؛ كقَبول الهبة وقبضِها، لا ما يضره؛ كالقرض والصدقةِ، وإن مَلَكَ القاضي القرضَ عليه، فلأنه نفعٌ لقدرته على الاستخلاص. والدَّينُ أحفظُ من العين، وما يتردد بينهما كالبيع يصحُّ

стр. 202

برأيِ الوليِّ ليكمل نقصانه. ويصحُّ توكيلُ المحجور من غير إذنٍ ولا عهدة، ومع الإذن يلزمُه، ولم يصح إيصاؤه لاشتماله على ترك الأَولى، ولئن شُرع للبالغ كما شرع الطلاقُ والعتاق، ولم يخيره بين الأبوين لميله إلى الشهوة، ولا خيارَ للولي ههنا فبطَل، واعتُبِرت ردتُه في أحكام الآخرة وما لزِمه من أحكام الدنيا عندهما، خلافا لأبي يوسف فحُكميٌّ، كما إذا ثبت تبعا لأبويه، وبالثانية يتوجه الخطاب بالأداء. تفريعٌ: السَّكرانُ والغافلُ؛ قيل: لا يُخاطَبان؛ لأنهما أسوأُ حالا من الصبي

стр. 203

المميِّز، وتخريجُ لزومِ الضمانِ عليهما قد مرَّ، ونفوذُ الطلاق -في قول- ووجوبُ الحدِّ: من باب ما ثَبَت بخطاب الوضع. وأُورِد: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ تكليفٌ. وأُجِيب: نَهَى عن السكر وقتَ إرادة الصلاة؛ كقوله: "لا تمُتْ وأنت ظالم"، والخطابُ إن كان زمنَ الحلِّ، فواضح، أو التحريمِ حُمِل على خطابِ المنتشي الثابتِ العقلِ، باعتبار ما يؤول إليه، ويجبُ التأويلُ جمعًا بين الأدلة. وقلنا: السكرُ مِن مباح -كمُكرَهٍ على الشرب ومضطرٍّ سكِرَ مما اضطُر إليه أو بدواءٍ- بمنزلة الإغماء؛ يمنعُ صحةَ الطلاق والعتاق، ومِن حرامٍ لا يُنافي الخطابَ

стр. 204

للآية، ولا يصح ورودُه حالَ الصحو، إذ لا يُقال للعاقل: "إذا جُنِنت فلا تفعل كذا"، فتعيَّن وقت السكر، فلم يبطُل به شيءٌ من الأهلية، وتصح عباراتُه، وينافي القصد، فلا يصح كفرُه استحسانا، وإن صح إسلامُه كالمُكرَه، ويَلزم إقرارُه بالقصاص، ويلزم إذا باشر سببَه، وكذا حدُّ القذف؛ لعدَمِ الرجوعِ فيه صريحا ودلالة. والسكرُ لا يُزيلُ أصلَ العقل؛ لأنه سرورٌ يغلبه، فإن كان بمعصية لم يُعذر، أو بمباح عُذِر مسألةٌ: مَن قال: "إن الأمر يتعلق بالمعدوم" لم يُرد التنجيزَ، بل تعلقَ الطلب القديم بالفعل

стр. 205

من المعدوم حالَ وجوده وتهيئةً للفهم، وهو المختار، وإلا لم يكن الأمرُ؛ أزليًّا ومِن ضرورته التعلقُ بالغير. ومَن لم يقل به، قال: أمرٌ ونهيٌ وخبرٌ مِن غير متعلَّق موجودٍ محالٌ؛ لأنه سَفَه. وأُجِيب: بأنه محلُّ النزاع، وإنما هو استبعادٌ، وقد حمَل ابنَ سعيد على أن قال: بقِدمِ الأمرِ المشتركِ وحدوثِ كونه أمرا ونهيًا وخبرًا. وأُجِيب: بأنها أنواعُه، ولا وجودَ للجنس بدون نوعٍ. قالوا: لو كانت قديمةً لزِم تعدُّد الكلام، وهو واحدٌ. أُجِيبوا: بأن التعدُّدَ في التعلُّقات، فلا يستلزمُ تعددا وُجوديًّا

стр. 206

مسألةٌ: يصحُّ التكليفُ بما عَلِمُ الآمِرُ انتفاءَ شرطِ وقوعِه عند وقته، ولصحةِ التكليف عُدَّ المكلف عالما بالتكليف قبلَ الوقت، ونفاه المعتزلةُ، والاتفاقُ على الصحة إذا جَهِل؛ كأمر السيدِ عبدَه بفعلٍ ما غدا مع جهله ببقائه. لنا: لو لم يصحَّ لم يعصِ أحدٌ؛ لأن شرط الفعل إرادةٌ قديمة أو حادثةٌ، والعاصي ليس مريدا للطاعة على القولين، وهو مأمورٌ بها عند عدم الإرادة المعلومِ لله، وأيضا لم يُعلم تكليفٌ ما؛ لأن بقاء المكلَّف شرطٌ، وهو غيرُ معلوم قبلَه، فلا يكون المكلَّفُ به معلومًا قبلَه ولا معَه ولا بعدَه؛ لانقطاع التكليف فيهما، فإن فُرض زمانُه متسًعًا بحيث يُعلم التمكنُ نقلنا الكلامَ إلى أجزاء ذلك الوقت كالمُضيَّق. والتكليفُ معلومٌ إجماعا، واستدل القاضي بالإجماع على الوجوب والتحريمِ قبل التمكن؛ فإن البالغ العاقل مأمورٌ بالطاعات منهيٌّ عن المعاصي، وهما مع عدم الأمر والنهيِ محالٌ المعتزلة: لو صحَّ لم يكن الإمكانُ شرطا في التكليف؛ لأن الفعل بدون شرطه محالٌ،

стр. 207

فالتكليفُ به تكليفٌ به. قلنا: الإمكانُ الذي هو شرطُ التكليف: أن يتأتى الفعلُ عادةً عند اجتماع شرائطه في وقته وهو قائمٌ، وأما الذي هو شرطُ الوقوع ففيه النزاعُ؛ فإنا نجيز الأمرَ بدون الامتثال، على أن ذلك لازمٌ في جهلِ الآمِر؛ فإنه لو صح لم يكُنِ العلمُ بالإمكان شرطا. قالوا: لو صحَّ لصح مع علم المأمور بانتفاء الشرط اعتبارا بالأمر، والجامعُ كونُه غيرَ متصورِ الحصولِ. قلنا: الفرقُ انتفاءُ فائدةِ التكليف ههنا وبقاؤه ثَم، وهو الاختبارُ بظهور البِشْرِ والكراهة، وهما سببا الثواب والعقاب فروعٌ: فَعَلى هذا: مَن واقَعَ في رمضان ثم مات، وجبت الكفارةُ، ويجب على الحائض الشروعُ في صومِ يومٍ علِم الله حيضَها فيه، ومن قال: "إن شرَعتُ في صومٍ أو صلاةٍ واجبتين، فطالقٌ"، ثم شرَع فمات في أثنائها، طلُقت؛ خلافا للمعتزلة

стр. 208

فصلٌ وتَعترِضُ على الأهلية أمورٌ سماويةٌ وأُخَرُ مكتسبةٌ؛ فمِن السماوية: الجنونُ، والقياسُ أن يسقط الوجوبُ لعدم القدرة على الأداء، والاستحسانُ في غير الممتدِّ إلحاقُه بالنوم؛ لعدَم الحرج، والممتدُّ في الصوم باستغراق الشهر، وفي الزكاة بالحول عند محمد، وبأكثره عند أبي يوسف، وهذا مختصٌّ بالعارضي عندَه، ولا فرق عند محمد، حتى لو بلَغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر، وجَب قضاءُ ما مضى عند محمد خلافا له، ولا يُنافي الضمانَ؛ لأهلية

стр. 209

الحكم، فكان سببا للحَجْر في الأقوال، وإيمانُه صحيحٌ تَبَعا لا قصدًا؛ لعدمِ رُكنِه، ويسقط به ضررٌ يَحتمِل السقوطَ كالطلاق والعِتاقِ والحدودِ ومنها: الصِّغَرُ: وكان عارضيًّا لعدمِ الدخولِ في مفهوم الإنسانية، وهو كالجنون في أوله، وعند التمييز يسقطُ به ما يسقطُ عن البالغ بعُذر، ويصحُّ منه وله: ما خلا عن عُهدة، ولم يُحرَم عن الإرث بالقتل، وإن حُرِم بالرق والكفر؛ لمنافاة الرق أهليةَ الإرث، والكفرِ أهليةَ الولاية، فليس الحرمانُ فيهما جزاءً. ومنها العَتَه: وحكمُ المعتوه كالصبيِّ المميز؛ لا يلزمُه عُهدةٌ، ويَضمنُ الأموالَ لعصمة المحلِّ، والجنونُ، وإن كان كأول الصِّبَى، لكن الفرق أن امرأةَ المجنون إذا أسلَمَت عُرِض على أبويه

стр. 210

الإسلام، فإن أسلَمَ أحدُهما وإلا فُرق بينهما، ولا يُعرَض عليه؛ لعدم صحة الأداء، ولا يُؤخر؛ لأن زواله موهومٌ، وفي الصبي: يُؤخر إلى البلوغ؛ للتيقن بزوال الصِّبَى، والمعتوهُ كالصبي المميزِ لا يَفترقان في صحة أداء الإسلام ومنها: النسيانُ: وهو عذرٌ في حق الله تعالى؛ إذ أغلبُ وجوده فيه؛ كالصوم والذبح؛ لعُروضه من جهته، دون حقوق العباد، لحاجاتهم، ولا يُلحق بالمنصوص عليه غيرُه؛ للتفرقة في غلبة الوجود، فسلامُ الناسي غيرُ قاطعٍ للصلاة، بخلاف كلامه؛ للغلبة في الأول دون الثاني. ومنها: النومُ: وهو منافٍ للاختيار؛ للعجز عن استعمال العقلِ مع بقاء أصلِه، فيبطل به ما يُبنى عليه؛ كالطلاق والعتاقِ والإسلامِ والردَّةِ والقراءةِ في الصلاةِ والكلامِ فيها والقهقهةِ في الأصحِّ،

стр. 211

والإغماءُ مثلُه، لكن يزيد عليه بأنه مُزيلٌ للقوة أصلا، فافترقا في أنه -من حيث هو- حدثٌ، بخلاف النوم، وبأنه في الصلاة نادرٌ، فامتنع البناءُ، واعتُبر امتداده في الصلاة خاصةً؛ بأن يزيد على يومٍ وليلةٍ، دون الزكاة والصوم، ولم يُعتبر في النوم واعتُبر في الجنون؛ لغلبتِه فيه، وندرتِه في النوم، وتوسطِه في الإغماء ومنها: الرِّقُّ: وهو عجزٌ حُكمي بقاءً، وإن شُرع في الأصل جزاءً، به يصيرُ عرضةً للتملك،

стр. 212

ولا يتجزأ، فالمُقر برقِّ نصفِه رقيقٌ كلٌّه؛ لأنه معنًى حُكميٌّ يحل بالمحل كالعلم والقدرة والعتق لا يتجزأ، والخلاف في الإعتاق، فقالا: يَستلزمُه العتقُ؛ لأنه مطاوعة فلم يتجزأ كالتطليق مع الطلاق. وقال أبو حنيفة: هو إزالةٌ لمِلك متجزئ، وهو حقُّه، فإن الرق حقُّ الشرعِ، لكن تعلق بسقوط كل المِلك حكمٌ غيرُ متجزئ هو العتقُ، فإزالةُ بعض الملك بعضُ العلة، فيعتق البعضُ كالمكاتب، واعتُبر بأعضاء الوضوء لإباحة الصلاة، وأعدادِ الطلاق للتحريم تنبيهٌ: وهو منافٍ لمالكيةِ المال؛ لقيام المملوكية، فلا يَملِك العبدُ التسريَ؛ لاعتماده الملك، ولا حِجةَ الإسلام؛ لعدم المال، ومنافعُه البدنية لمولاهُ، وإن استُثني عنها الصومُ والصلاةُ، وتملكُ غير المال

стр. 213

كالنكاح والدم، ونقصت الكرامات عنه فذمتُه ضعيفة عن تحمُّل الدَّينِ بنفسها، ما لم ينضم إليها ماليةُ الرقبة والكسب، وكذلك الحَلُّ، فينكح ثِنْتَين، وتُطلق الأمة ثِنْتَين، وتُنَصف العدةُ والحدُّ والقَسْم، وانتقصت قيمتُه عن دية الحرِّ؛ لنقصان الولاية؛ حيث يَملِك التصرفَ في المال يدًا لا مِلكًا، كالمرأة تنصفت ديتُها لملكها المالَ دون النكاحِ والطلاقِ، والعبدُ يملكهما ناقصًا والمأذونُ أصيلٌ في التصرُّف عندنا، والمولى خليفته في الملك كالوكيل، فكما لا تَبطُل الوكالة بمرضِ الموكِّل، وتعلقُ حق الوارث والغريم بماله لا يُبطل الإذنَ بمرض المولى مع تعلق الحقوق، ولو لم يكن أصيلا لانتفى، وعند الشافعية: ليس أهلا للتصرُّف؛ لعدم أهلية حكمه؛ لأن شرعية السبب للحكم. قلنا: أهليةُ التكلم ثابتةٌ، والذمةُ قابلةٌ، فإذا احتاج إلى قضاءِ دينٍ كان أهلا، وأقل الطرق اليد، وهو أصل؛ لأن الملك وسيلة تنبيهٌ: ولا تأثيرَ له في عصمة الدم؛ لأن كمالها بالإسلام والدار، وهو كالحر فيه، فقتل به قصاصًا، ويوجب نقصا في الجهاد والحج؛ لعدم استثنائهما على المولى، فلم يستحق سهما كاملا

стр. 214

تنبيهٌ: والولايات منقطعة به، وإنما صح أمانُ المأذون لأنه شريك في الغنيمة، فيلزمه ثم يتعدى، كشهادته بهلال الصوم يهٌ: ولَمَّا ملَك ما ليس بمالٍ وما فيه إلزام ضمنيٌّ صحَّ إقرارُه بالحدِّ والقصاصِ وبالسرقة المستهلَكة، ومن المأذون بالقائمة، ثم تعدى إلى المولى والمسروق، حتى تُرَد إلى المُقَرِّ له. وصح من المحجور بالحدِّ والمال عند أبي حنيفة، خلافا لمحمد، وبالحدِّ لا غيرُ عند أبي يوسف

стр. 215

ومنها: المرضُ: وهو سببُ تعلق حق الوارث والغريمِ بالمال؛ لكونه من أسباب الموت الذي هو علة الخلافة، وكان سببا للحَجْر إن اتصل به الموتُ مستندا إلى أوله، فالتصرفاتُ المحتملةُ للفسخ تصحُّ في الحال؛ لأهلية الحكم والعبارة، ثم يُنقض كالمحاباة والهبة،. والتي لا تَحتمِلُه؛ كالإعتاق الواقع على حق مستحق، جُعل كالمتعلق بالموت، وحين أبطَل الشرعُ إيصاءه لوارثٍ، بطَل مطلقا، فلم يصح بيعُه منه مطلقًا عند أبي حنيفة، وإقرارُه له، وإن حصل باستيفاء دين الصحة، وتقومت الجودة في حقهم للتهمة كما تقومت في حق الصغار
следующие страницы →