ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (١)، وقال ﷺ : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم)) (٢).
ثم ذكر المؤلف ﵀ بعد ذلك: أن خير هذه الأمة: هم أصحاب النبي ﷺ ، والأدلة على فضلهم كثيرة جداً من الكتاب والسنة.
قوله: ((وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى)): وخير الأمة وأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق ﵁، هو صديق الأمة، وخيرها بعد نبيها، ثم عمر الفاروق ﵁، ثم عثمان ذو النورين ﵁، ثم علي المرتضى ﵁، وهذا الترتيب مما اتفق عليه أهل السنة (٣).
أما تقديم أبي بكر وعمر ﵄ فهذا فيه إجماع قطعي قائم من هذه الأمة من أولها إلى آخرها، وأما عثمان وعلي ﵄ فقد كان في المفاضلة بينهما خلاف، قال ابن تيمية ﵀ في
стр. 107
الواسطية: ((مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان.
وإن كانت المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل فيها: مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله)) (١)، فترتيبهم عند أهل السنة في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
وقد دلت الأدلة على فضل الخلفاء الراشدين عموماً وخصوصاً، وأشار المؤلف إلى فضل هؤلاء الأربعة، حيث ذكر حديث ابن عمر ﵄: ((كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فلا ينكره)) (٢)، وأما زيادة ((ثم علي))، فهذا لفظ ليس في الحديث، فلا أدري أسهو هو أم سقط قلم؟ حيث رواه الإمام البخاري (٣) ولم يذكر هذه الزيادة، ولو صحت هذه الزيادة لما كان هناك مجال للاختلاف.
قوله: ((وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع
стр. 108
الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)): ومن الأدلة على فضل أبي بكر ﵁ وأنه الحق بالأمر والخلافة: أن النبي ﷺ قدمه في إمامة الصلاة على غيره في مرض موته، وقال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) (١)، ولما سأله عمرو بن العاص ﵁ بقوله: من أحب الناس إليك؟ قال: ((عائشة))، قال من الرجال؟ قال: ((أبوها)) (٢)، فهو أحب أصحاب النبي ﷺ إليه، وفي الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: ((لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، إن صاحبكم خليل الله)) (٣)، فدلت النصوص على فضله، وأنه أفضل الأمة، وأقامه النبي ﷺ مقامه في الصلاة بالناس في مرض موته.
قوله: ((ثم من بعده عمر ﵁ لفضله، وعهد أبي بكر إليه)): ثم بعد أبي بكر بالفضل والخلافة: عمر الفاروق ﵁، وقد ثبتت خلافته بعهد أبي بكر ﵁ إليه، واستقامت بذلك الأمور، وقام عمر ﵁ بالأمر خير قيام، كما جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: ((بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ماشاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها
стр. 109
ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن)) (١)، حيث فتح الفتوح في خلافته، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض.
قوله: ((ثم عثمان ﵁، لتقديم أهل الشورى له)): حيث عهد عمر ﵁ بالأمر إلى ستة من الصحابة، وهم أهل الشورى، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، ﵃ أجمعين، وشاور عبدالرحمن بن عوف ﵁ الناس فقال: ((لم أر الناس يعدلون بعثمان أحداً))، فتم الأمر له باتفاق المهاجرين والأنصار (٢)، ولذلك نقل عن بعض السلف: ((من طعن في خلافة عثمان؛ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار)) (٣).
قوله: ((ثم علي لفضله)): فهو رابع الخلفاء الراشدين، وهو أفضل الصحابة بعد الثلاثة.
وأما قوله: ((وإجماع أهل عصره عليه)): فليس بمستقيم، فلم يجمع الصحابة على خلافته، بل نازعه في ذلك أهل الشام، وامتنعوا عن مبايعته، ولم يتم له الأمر، لكن باتفاق أهل السنة
стр. 110
والجماعة أنه رابع الخلفاء الراشدين، وأنه أفضل الصحابة بعد الثلاثة، وحتى أهل الشام لا ينازعون في فضله، ولا في أحقيته بالأمر، لكن لشبه عرضت لهم بسبب مقتل عثمان ﵁، فامتنعوا لأجلها عن مبايعة علي ﵁، وجرى من جراء ذلك فتناً عظيمة (١).
ثم بمقتل علي ﵁ واستخلاف ابنه الحسن ﵁، وبعد ستة أشهر رأى الحسن أن الأمر لا يمكن أن يستقيم، ولا يصلح أمر الأمة مع هذا النزاع؛ فتنازل عن الأمر لمعاوية ﵁، فاجتمعت الكلمة، وسمي ذلك العام: عام الجماعة، وتحقق فيه قول النبي ﷺ : ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) (٢).
ومن أفضل ما جرى لعلي ﵁ في خلافته: قتله للخوارج، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق)) (٣).
وقد ضل في هذا الأمر: الرافضة، حيث ضلوا في الصحابة عموماً، وفي أمر الخلفاء الثلاثة خصوصاً، فجمعوا بين عداوة جمهور الصحابة وبغضهم، وبين الغلو في علي وأهل بيته، ولهم
стр. 111
في هذا فنون وأقاويل وجهالات تدل على سخف عقولهم وسفههم، فمذهب الرفض مذهب خبيث، ومذهب في غاية الضلالة والبعد عن الصراط المستقيم، وقد أصيبت هذه الأمة بهذا المذهب وبأهله مصاباً جللاً مذ كانوا ومذ نبتوا، وقد بدأت هذه الطائفة في عهد علي ﵁، وأول من ظهر منهم: السبئية، حيث أظهروا تأليه علي ﵁، ولما ظهر عليهم علي ﵁ سجدوا له، فأنكر عليهم، فقالوا: أنت إلهنا، فأمر بتحريقهم، وقال البيت المشهور:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً ... أججت ناري ودعوت قمبراً (١).
وهذا لم يزد من كان عنده هذا المرض إلا بعداً وضلالة، ثم احتجوا بعد هذا بحجة شيطانية؛ فقالوا: إن تحريقه دليل على ألوهيته، لأنه: ((لا يعذب بالنار إلا رب النار)) (٢)، ثم انقسمت الرافضة إلى طوائف (٣)، حتى على عهد علي ﵁، ومنها:
- الغلاة: وهم السبئية، الذين يقولون: بإلهية علي ﵁، والذين من بعدهم قالوا: بإلهيته وإلهية الأئمة من بعده، وهذا المذهب سرى في الإسماعيلية والنصيرية.
стр. 112
- ومنهم فرقة تدعى: السبابة، الذين يسبون أبا بكر وعمر ﵄.
- ومنهم: المفضلة، الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر من دون سب لهما.
والمذهب الظاهر للفرقة الاثني عشرية المشهورة التي يقوم عليها مذهب الرافضة في إيران: أنهم سبابة، ويقولون: بعصمة الأئمة الاثني عشر، وآخرهم: الإمام المنتظر المزعوم.
والخوارج -على ما عندهم من بدعة وضلال- خير من الرافضة بكثير.
أحكام الشهادة لمعين بجنة أو نار
ونشهد للعشرة بالجنة، كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبدالرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة))، وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))، وقوله لثابت بن قيس: ((إنه من أهل الجنة))، ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول ﷺ ، ولا نشهد لمعين بجنة ولا بنار؛ إلا لمن ورد به النص، لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
стр. 113
الشرح
بعدما ذكر المؤلف ﵀ فضل الخلفاء الراشدين، وأنهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة؛ قال: ((ونشهد للعشرة بالجنة))، كما شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، جاء ذلك من رواية عبدالرحمن بن عوف ﵁ (١)، ورواية سعيد بن زيد ﵁ (٢).
وهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، ((وطلحة)) بن عبيد الله، ((والزبير)) بن العوام، ((وسعد)) بن أبي وقاص، ((وسعيد)) بن زيد، ((وعبدالرحمن بن عوف، وأبو عبيدة)) عامر ((بن الجراح))، ﵃ أجمعين، فهؤلاء العشرة ثبت عن النبي ﷺ أنه عدهم وشهد لهم بالجنة، وأهل السنة والجماعة يشهدون لكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة، إيماناً بالله ورسوله، وتصديقاً لخبره ﷺ ، وهو الصادق المصدوق.
قوله: ((وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) (٣)، وقوله لثابت بن
стр. 114
قيس: ((إنه من أهل الجنة)) (١): سواء كان المشهود له من هؤلاء العشرة أو من غيرهم، كالحسن والحسين، وثابت بن قيس، ﵃.
بل كل أهل بيعة الرضوان نشهد لهم بالجنة، لأن الله تعالى قال عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال النبي ﷺ : ((لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)) (٢).
قوله: ((ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول ﷺ )): أهل القبلة هم: كل من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولم يظهر منهم ناقض من نواقض الإيمان التي توجب ردته، والعبارة الثانية تأكيد للعبارة الأولى.
فلا نشهد لأحد منهم بجنة ولا نار، فلا نشهد لعصاتهم أو لمبتدعتهم بالنار، ولا لأهل الطاعة منهم بالجنة؛ إلا بالنص الصحيح.
قوله: ((لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء)): فنعلم أن الذنوب والمعاصي سبب للعقاب، ودخول النار، وأن الإيمان والتقوى سبب للنجاة والفوز والسعادة.
стр. 115
تكفير المعين
ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
الشرح
قوله: ((ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل)): فلا نحكم على أحد من المسلمين بسبب ذنب ارتكبه، مما هو من دون الشرك والكفر.
فمن المعاصي ما هو كفر أو شرك في نفسها؛ كعبادة غير الله، أو سب الله تعالى، أو سب رسوله ﷺ ، والاستهانة بالمصحف، ومنها ما هو دون ذلك.
وهذه العبارة من المؤلف فيها نظر؛ وقد استعملها الإمام الطحاوي ﵀ في متن عقيدته، وتعقبه ابن أبي العز ﵀ في شرحه بقوله: ((ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: ((بأنا لا نكفر أحداً بذنب))، بل يقال: ((لا نكفرهم بكل ذنب))، كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب. ولهذا -والله أعلم- قيده الشيخ ﵀ بقوله: ((ما لم يستحله)) (١) أ. هـ.
стр. 116
والذين يكفرون بالمعاصي هم الخوارج، وهم الذين ابتدعوا بدعة التكفير بالذنوب، فعندهم أن الزاني والسارق وشارب الخمر والقاتل وغيرهم من أصحاب المعاصي كلهم كفار، ولهم عدد من الشبه.
منها: مجيء بعض النصوص بتسمية بعض الذنوب كفراً، مع اتفاق أهل السنة والجماعة على كونها ليست كفراً، ولو كانت كفراً لوجب قتل فاعلها لكونه مرتداً، وشأن الخوارج معروف، وقد وصفهم النبي ﷺ وذمهم، وحذر منهم، وحث على قتالهم، وقاتلهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
وقد جرى المعتزلة مجرى الخوارج، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة يكون في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ووافقوا الخوارج في مآله في الآخرة بتخليد أهل الكبائر في النار.
أما أهل السنة والجماعة: فإنهم لا يكفرون بكل ذنب، بل الذنوب التي دون الكفر؛ هي من المعاصي، وسبب للعقاب، وهم في الآخرة تحت المشيئة، على حد قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨/ ١١٦]، ولذلك قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: ((وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين)) (١).
стр. 117
من أحكام الإمامة (١)
ونرى الحج والجهاد ماضيين مع كل إمام؛ براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس: قال النبي ﷺ : ((ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولانكفره بذنب سبق، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله ، حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار))، رواه أبو داود.
الشرح
قوله: ((ونرى الحج والجهاد ماضيين مع كل إمام؛ براً كان أو فاجراً)): هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، خلافاً لأهل البدع، فأهل السنة والجماعة يجاهدون مع كل إمام؛ ولو كان فاجراً، لأن فجوره على نفسه، فما دام أن الراية المرفوعة راية جهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، ولقتال أعداء الله، وكسر شوكتهم، وفتح البلاد، ونشر دين الإسلام؛ فإنه يجاهد تحتها، ولا يخرج عنها، ويترك الجهاد بسبب فجور أميرها أو فسقه، بل هذا يسبب تعطيل هذه الشعائر، فإن كانت نية الإمام صالحة نفعه ذلك، وإن أراد مطامع دنيوية فعليه ذلك، ولا يضر إلا نفسه.
قوله: ((وصلاة الجمعة خلفهم جائزة)): ومن منهج أهل
стр. 118
السنة والجماعة: إقامة الشعائر خلف الولاة، وإن كانوا أهل فجور وفسق، فيرون إقامة صلاة الجماعة والجمع والأعياد ونحوها، ولا تعطل هذه الشعائر بسبب فجور الإمام.
قوله: ((قال أنس: قال النبي ﷺ : ((ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولانكفره بذنب سبق، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله ، حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار))، رواه أبو داود)) (١): هذا الحديث ضعيف بهذا اللفظ، لكنه تضمن جملة من الأمور التي دلت عليها النصوص والأصول الشرعية، منها:
- الكف عن الكافر إذا أعلن إسلامه وقال: ((لا إله إلا الله))، كما في قصة أسامة بن زيد ﵁، حينما قتل ذلك الرجل الذي نطق بالشهادة (٢)، ثم بعد ذلك ينظر في أمره؛ فإن استقام وحسن إسلامه ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام؛ وإلا حل دمه، كما في الحديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٣).
стр. 119
قوله: ((ولانكفره بذنب سبق، ولا نخرجه من الإسلام بعمل)): تقدم قريباً الكلام على مثل هذه العبارة من كلام المؤلف ﵀ في الفصل السابق.
قوله: ((والإيمان بالأقدار)): وهذا أحد أصول الإيمان العظام، كما في الحديث الصحيح: ((وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (١).
بيان بعض ما لصحابة رسول الله ﷺ
من الواجبات والحقوق
ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال النبي ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)).
стр. 120
الشرح
قوله: ((ومن السنة)): أي: ومن السنة التي يجب اتباعها، وهي: الطريقة المثلى.
قوله: ((تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم)): أي: موالاتهم، ومحبتهم، ومعرفة فضلهم، وإنزال كل منزلته، وذكرهم بالجميل، وبغض من يبغضهم، هذا هو الواجب لصحابة رسول الله ﷺ ، لأنهم خيار هذه الأمة، فإذا كان يجب على المؤمن محبة المؤمنين، وبغض الكافرين؛ فأصحاب رسول الله ﷺ أحق بالمحبة والتقدير والتعظيم من سائر المؤمنين، لسابقتهم، وعلو منزلتهم، فهم خير هذه الأمة على الإطلاق، كما صح في الحديث: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (١)، وهم على منازلهم، فبعضهم أفضل من بعض -كما تقدم-، فأفضلهم: الخلفاء الأربعة الراشدون، وأفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، ثم بقية العشرة، ثم أهل بيعة الرضوان، وهكذا.
وقد أثنى الله تعالى على صحابة رسوله ﷺ ، وأثنى على الذين لا يكون في قلوبهم غلٌّ عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ
стр. 121
رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وكذلك في سورة الفتح، ذكر الله صفاتهم، وأثنى عليهم، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩].
ومن الأحاديث الواردة في فضلهم، قول النبي ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (١)، وهذا فضل عظيم، وقد قاله النبي ﷺ لخالد بن الوليد ﵁ وقد تأخر إسلامه- حينما كان بينه وبين عبدالرحمن بن عوف ﵁ بعض ما يكون، فسبَّ خالدٌ عبدَالرحمن، فأنكر النبي ﷺ عليه، وقال له هذا الحديث (٢)، وعبدالرحمن بن عوف ﵁ من السابقين الأولين، فله الصحبة الخاصة، والمزية العالية.
والصحبة ليست مرتبة واحدة، بل مراتب متفاوتة، فأين من صحب النبي ﷺ منذ بعثته وحتى وفاته ممن صحبه ساعة؟!
بيان بعض ما لأزواج سيد المرسلين ﷺ
من الواجبات والحقوق
ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ ، أمهات المؤمنين، المطهرات المبرءات من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت الصديق؛ التي برأها الله في
стр. 122
كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
الشرح
قوله: ((ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ ، أمهات المؤمنين، المطهرات المبرءات من كل سوء)): انتقل الشيخ ﵀ إلى بيان حقوق أمهات المؤمنين، أزواج النبي ﷺ ، ومجموعهن إحدى عشرة (١)، واللواتي اجتعن في عصمته: تسع، حيث مات ﷺ وفي عصمته تسع نسوة، وقد سماهن الله بهذا اللقب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وحرم الله نكاحهن بعده كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقد اجتمع لهن فضل الصحبة، وفضل الزوجية؛ بكونهن أزواجاً له ﷺ ، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهن أزواجه في الآخرة.
والترضي عنهن: دليل على الاعتراف بفضلهن، والإيمان بفضائلهن، ويدل على معرفة قدرهن؛ ﵅.
стр. 123
قوله: ((خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت الصديق)): للفضائل الثابتة في حقهن، وأهل السنة والجماعة: منهم من يفضل عائشة على خديجة، ومنهم من يفضل خديجة على عائشة، ومنهم من يقول: كل منهما أفضل من وجه (١).
قوله: ((التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم)): أي من قذفها بالزنا؛ فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه تكذيب لله ، وتكذيب لرسوله ﷺ ، وطعن في جنابه ﵊ (٢).
والذين اشتهر عنهم هذا القذف: هم الرافضة البعداء البغضاء، شر طوائف الأمة على الإطلاق، فيصرح بعضهم بذلك، وبعضهم يستعمل التَّقِيَّة، وإن كانوا يتدينون بها، ويأخذون بها في غالب أحوالهم.
وقد فضحهم الله تعالى في هذه العصور بما يسر من وسائل
стр. 124
الضبط والتسجيل والرصد لما يقولون وما يكتبون، حتى تكشفت عوراتهم بما ظهر من كتبهم ومؤلفاتهم، وما سجل من أصواتهم، والحمد لله رب العالمين.
منزلة معاوية ﵁ -
ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين؛ ﵃.
الشرح
انتقل المؤلف ﵀ إلى بيان حق معاوية ﵁، وهو معاوية بن أبي سفيان، وهو أحد الصحابة الكرام، هو وأبوه من مسلمة الفتح، الذين يقال لهم: الطلقاء (١).
قوله: ((خال المؤمنين)): هذا لقب لمعاوية ﵁، لأنه أخ لأم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵃، فأخوها إذاً: خال المؤمنين، فهذا وجه تلقيبه بهذا اللقب، وهذا توصيف لا أدري من ابتدأه (٢).
قوله: ((وكاتب وحي الله)): وهذه فضيلة عظيمة من فضائله ﵁.
قوله: ((أحد خلفاء المسلمين)): يعني الخلافة العامة،
стр. 125
لأن كل من قام مقام من قبله فهو خليفة له، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن معاوية أول ملوك المسلمين (١)، لأن الذين قبله هم الخلفاء الراشدون، الذين كانت خلافتهم خلافة نبوة، أما بعدهم: فهو مُلك، لكن هؤلاء الملوك يسمون خلفاء، كما يقال: خلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس، وهكذا؛ فيوصفون بهذا الاعتبار.
فاجتمع لمعاوية ﵁ فضل الصحبة، وفضل كتابة الوحي، وفضل المصاهرة للنبي ﷺ ، من جهة أنه أخ لأم المؤمنين، فرضي الله عنه ورحمه.
بيان معتقد أهل السنة والجماعة
في وجوب الطاعة لأئمة المسلمين (٢)
ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه
стр. 126
الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين؛ وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين.
الشرح
قوله: ((ومن السنة)): التي تواترت فيها الأحاديث عن النبي ﷺ ، ومضى عليها السلف الصالح، والتابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة: ((السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم)).
قوله: ((ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله)): فالطاعة التي تجب لهم: هي الطاعة في المعروف، فلا يطاعون -هم ولا غيرهم- في معصية الله ، كما قال النبي ﷺ : ((إنما الطاعة في المعروف)) (١)، وقال النبي ﷺ : ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره؛ إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (٢)، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة (٣).
قوله: ((ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا
стр. 127
به، أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين؛ وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين)): أشار المؤلف ﵀ إلى ما تثبت به الولاية، والإمامة الكبرى:
- فمن ولي أمر المسلمين، واجتمعوا عليه، ورضوا به؛ بأن يكون تولى برضاهم واختيارهم: فقد ثبتت إمامته، ووجب له السمع والطاعة.
- وكذلك: من غلبهم بسيفه، ثم اجتمع عليه الناس، فإنه تثبت بذلك ولايته، ويستقر الأمر، ولا يحل لأحد الخروج عليه؛ لأن الخروج عليه حينئذٍ فساد عريض، ويفتح بهذا باب التناحر بين الأمة، وسفك الدماء، وانتهاك الحرمات، وهذا هو الذي درج عليه أهل السنة والجماعة؛ من عدم الخروج على ولاة الأمور؛ وإن كانوا فجاراً، أو وقع منهم ظلم؛ فيطاعون بالمعروف، ويعانون على ما شرع الله، كما جاء في الصحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: ((بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان)) (١).
وهذا موطن قد غلط فيه كثير من الناس، جهلاً وهوى وخطأ، فيجب على الإنسان أن يدين بالسمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، وأن يدين بتحريم الخروج عليهم، وأن لا يعين أحداً
стр. 128
على الخروج؛ لا بالقول ولا بالفعل، وحسابهم على الله تعالى في ظلمهم وفجورهم وعصيانهم، وهذا هو ما يعتقده أهل السنة والجماعة.
خلافاً للخوارج والمعتزلة؛ الذين من مذهبهم الخروج على ولاة الأمور، بحجة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول المعتزلة، ويدرجون فيه: الخروج على الولاة (١).
لكن عند أهل السنة والجماعة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على قاعدة عظيمة؛ هي: ((احتمال أدنى المفسدتين لتحقيق أعلاهما))، فالخروج على ولاة الأمور باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى مزيد من المنكر، وتتفاقم بذلك الشرور والفتن.
موقف أهل السنة والجماعة من البدع وأهلها
ومن السنة: هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة بدعة، وكل متسم بغير الإسلام مبتدع، كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والسالمية، ونظائرهم؛ فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها.
стр. 129
الشرح
قوله: ((ومن السنة: هجران أهل البدع، ومباينتهم)): وذلك بالإعراض عنهم، وترك مجالستهم، إما زجراً لهم عن بدعتهم، وإما اتقاء لشرهم، لأن مجالستهم تجر إلى الوقوع في بدعتهم، وإلى التهاون في شأن البدع التي هم عليها.
والهجر إما أن يكون تأديباً وزجراً من باب إنكار المنكر، وإما أن يكون توقياً للشر الذي هم عليه.
وهذا لا يمنع من دعوتهم لمن رأى من نفسه ذلك، ورأى للدعوة مجالاً، وكان ممن يحسن الحجاج، والرد على الخصوم، لأن أهل البدع والكلام أصحاب جدل وشبهات، فيحتاج من يدعوهم إلى علم يرد به عليهم، ويدحض الشبهات.
قوله: ((وترك الجدال والخصومات في الدين)): وذلك بالخصومات التي لا طائل تحتها، بل على المسلم أن يتعلم الحق، ولا يدخل في معامع الجدل والمناظرات التي يقصد من وراءها الانتصار على الخصم؛ لا إحقاق الحق.
لكن إن تهيأت الأسباب للمناظرة التي ينصر بها الحق، ويدحض بها الباطل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فيكون حينئذ من طرق الدعوة.
قوله: ((وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم)): لأن النظر فيها يؤدي إلى وقوع الشبهات في القلب،
стр. 130
وقد لا يستطيع الإنسان دفعها عن نفسه، فإما أن تولد عنده شكوكاً، أو تزعزع يقينه وإيمانه، فلا ينبغي النظر في كتبهم الكلامية، التي تشتمل على الاعتقادات الباطلة، والشبهات التي يعارض بها الحق.
اللهم إلا أهل الشأن وأهل التخصص الذين عندهم من البصيرة في الدين، والقدرة على دحض الشبهات؛ فهؤلاء لهم شأن آخر، وينظر فيها بقدر ما يحصل به المقصود من بيان زيف أقاويلهم واستدلالاتهم وحججهم.
ومن أعظم من برز في هذا: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فله الاطلاع الواسع على كتب الطوائف وأرباب النحل من المبتدعة؛ كالمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والرافضة وغيرهم، وقد سدده الله؛ فألف المؤلفات في الرد على هذه الطوائف، وناقش أقوالهم مناقشة بديعة هائلة عظيمة، وصارت مصدراً لطلاب العلم الذين يريدون البيان ودحض الشبهات، فأحسن الله جزاءه عن الإسلام والمسلمين خيراً.
قوله: ((وكل محدثة بدعة)): دليل هذه الجملة قوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١)، أي: مردود، وفي اللفظ الآخر: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢)،
стр. 131
وقوله ﷺ : ((وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (١)، فكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وتكون عملاً مردوداً.
قوله: ((وكل متسم بغير الإسلام مبتدع)): فالتسمي فيه انتساب إلى أئمة البدع، أو إلى المذهب البدعية. ثم ضرب المؤلف ﵀ لذلك أمثلة، فقال:
قوله: ((والجهمية)): نسبة إلى الجهم بن صفوان، إمام المعطلة.
قوله: ((والقدرية)): نسبة إلى القول بنفي القدر، فهو انتساب إلى مذهب باطل.
قوله: ((والكرامية)): نسبة إلى محمد بن كرام شيخ الكرامية.
قوله: ((والكلابية)): نسبة إلى عبدالله بن سعيد بن كلاب، وله أقوال بدعية، وهو أقرب إلى السنة من غيره، وهو الذي سلك الأشعري خطته، كما قاله ابن تيمية ﵀.
قوله: ((والسالمية)): نسبة إلى محمد بن أحمد بن سالم البصري.
стр. 132
موقف أهل السنة والجماعة
من الخلاف في الفروع
وأما النسبة إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، وإجماعهم حجة قاطعة.
الشرح
قوله: ((وأما النسبة إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع فليس بمذموم)): وأما التسمي إذا كان مجرد انتماء إلى شخص ليس بإمام ضلالة؛ كالحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فالأمر فيه واسع، إذا سلم من التعصب، والبغي على الآخرين، وكان انتساباً إلى المدرسة والمذهب، وترك الانتماء أفضل، فتلاميذ المشايخ ينتسبون إليهم بحكم التتلمذ، والسير على مناهجهم، وهذا الانتماء له أسباب، فالمذاهب كثيرة، والعلماء كثر، لكن الذي استمر وانتشر منها: هي المذاهب الأربعة، ولكن الحق لا ينحصر فيها.
قوله: ((فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة)): إطلاق هذه الجملة فيه نظر، فليست بمسلمة، لعدم وجود الدليل عليها، فإن الاختلاف لله فيه حكمة، وقد قدر
стр. 133
الاختلاف بين العباد، لكن المختلفون تارة يكونون مذمومين كلهم، وتارة يحمد أحد الطرفين ويذم الآخر، وتارة يحمدون كلهم، فكل منهم يحمد على اجتهاده، وطلبه للحق، وتحريه للصواب، فلا يحمدون على اختلافهم، بل يحمدون على اجتماعهم، وهو المطلب الشرعي، فإن تيسر الاجتماع وجدت الرحمة، فالرحمة في الاجتماع لا في الاختلاف، والصراط المستقيم هو ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته.
قوله: ((وإجماعهم حجة قاطعة)): يشير المؤلف ﵀ إلى أن الإجماع عند أهل السنة والجماعة حجة قاطعة، ولكن الإجماع الذي ينضبط هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية بقوله: ((والإجماع الذي ينضبط: هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة)) (١)، فالإجماع الذي ينضبط هو إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
الخاتمة
نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن اتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله؛ آمين.
стр. 134
الشرح
آمين، ورحم الله المؤلف، ونسأل الله أن يوفقنا إلى كل خير، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يعيذنا من الفرقة والاختلاف، وأن يلزمنا هداه وهدي نبيه ﷺ ، وثبتنا على ذلك بمنه وكرمه، والحمد لله رب العالمين.