← Акыда

Акыда · id 18604

إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (134 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) (١)، وكما قال النبي ﷺ : ((وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك)) (٢). قوله: ((ولا يُتجاوز ما خُط في اللوح المسطور، أراد ما العباد فاعلوه)): فالله تعالى أراد أفعال العباد، وشاء أعمالهم كلها، طاعاتهم ومعاصيهم، فكل ما يعمله العباد فهو بمشيئة الله وتقديره. قوله: ((ولو عصمهم لما خالفوه)): فلو عصمهم عن جميع المخالفات لما وقعوا فيها، لأنه لا خروج لشيء عن حكمه ومشيئته. قوله: ((ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه)): كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، وكما في قوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]، وكما في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:٣١]. قوله: ((خلق الخلق وأفعالهم)): فالله جل وعلا خلق العباد، وخلق قدرتهم وإرادتهم، وخلق أفعالهم أيضاً، كما قال الله

стр. 72

تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، لكنه يخلق الأسباب، ويخلق بالأسباب. خلافاً للقدرية؛ الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه. قوله: ((وقدَّر أرزاقهم وآجالهم)): والنصوص الدالة على هذا الأصل كثيرة، كما في قوله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]، وكما قال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، وكما في قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]، فالله قد ضرب للعباد آجالاً مقدَّرة معلومة، لا يتأخرون عنها ولا يتقدمونها، وكما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ السابق. قوله: ((يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته)): فهو يهدي من يشاء بفضله ورحمته وحكمته، ويضل من يشاء بحكمته وعدله، فله الحمد على كل حال، والنصوص الدالة على هذا كثيرة، فمنها قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]. قوله: ((﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣])): وذلك لكمال حكمته سبحانه، وليس ذلك لقوته وعظمته وملكه، بل لكمال حكمته وتمامها، بل هو الحكيم -سبحانه- الذي له الحكمة البالغة.

стр. 73

ولكن العباد يُسألون عن أعمالهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]. قوله: ((قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩])): وهذه الآية العظيمة من أدلة إثبات القدر، ومعناها: إنا خلقنا كل شيءٍ بقدر، فـ (كُلَّ): مفعول به منصوب، وناصبه: فعل محذوف دل عليه الفعل المذكور، ويُسمى هذا النوع في علم النحو: (الاشتغال) (١). قوله: ((وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢])): وجعل له قدْراً، كما في الآية الأخرى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣]. قوله: ((وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢])): نبرأها: أي نوجدها. فما يقع في الأرض ولا في النفوس من مصيبة إلا وهي مكتوبة قبل وجودها. قوله: ((وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥])): فمن أراد الله به الخير نور قلبه، وشرح صدره، كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، وإذا أراد الله

стр. 74

إضلال العبد جعل صدره ضيقاً حرجاً، فلا ينشرح لقبول الحق، نسأل الله السلامة والعافية. قوله: ((وروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره))، قال: صدقت. انفرد بإخراجه مسلم (١))): هذا الحديث: قطعة من حديث جبريل الطويل، وفيه ذِكرٌ لأركان الإيمان، والشاهد منه قوله: ((تؤمن بالقدر خيره وشره))، أي: تؤمن أن الله قدَّر مقادير الأشياء كلها، خيرها وشرها. أما تقديره وتدبيره وحكمه سبحانه: فكله خير، فله الحكمة البالغة في خلقه لهذه الأضداد. قوله: ((وقال النبي ﷺ : ((آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)) (٢). ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسنَ بن علي يدعو به في قنوت الوتر: ((وقني شر ما قضيت)) (٣))): هذه

стр. 75

الأحاديث فيها إثبات القضاء لله ، وأن ما يقع فهو بقضائه وتقديره وتدبيره. الاعتقاد الحق في الجمع بين الشرع والقدر ولا نجعلُ قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ونعلم أن الله ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً، يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره. الشرح قوله: ((ولا نجعلُ قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥])): يقول ﵀: لا تفعل فعل القدرية الجبرية المُشْركيَّة، الذين يغلون في إثبات

стр. 76

القدر، ويعارضون به الشرع، ويحتجون به على الشرك والذنوب، كما قال الله تعالى عن المشركين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، وهي كلمة حق أريد بها باطل، وهي حجة داحضة، ولله الحجة البالغة. يقول الشيخ ﵀: فلا نجعل القدر عذراً لنا في مخالفة أوامر الله ونواهيه، بل نعترف بذنوبنا، ونستغفر الله منها، ونؤمن بأن الحجة لله علينا، بإرسال رسله، وإنزال كتبه، وأن ليس للناس حجة على بعد ذلك: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]. قوله: ((واجتناب نواهيه)): عطف على ((أوامره))، والتقدير: في ترك أوامره، وترك اجتناب نواهيه. والاحتجاج بالقدر على الذنوب هو سبيل إبليس وأتباعه، كما قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]. قوله: ((ونعلم أن الله ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً، يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره)): أراد الشيخ ﵀ بهذا الفصل الرد على الجبرية

стр. 77

القائلين: بأن العبد مجبور على أفعاله، ليس له قدرة ولا إرادة، بل أفعاله كحركة المرتعش، وكالريشة في مهب الريح، وهذا مذهب الجهمية. والحق أن الله لم يأمر العباد ولم يكلفهم إلا بما لهم قدرة عليه، لا يكلفهم بما يعجزون عنه، ولا يستطيعونه، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ومما يدل على بطلان قول الجبرية: أن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال ثواباً وعقاباً، فأخبر أنه يثيب المحسنين، ويعاقب المسيئين، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، والجزاء إنما يكون على ما للعبد عليه قدرة، وله فيه اختيار. ويجب مع الإيمان بأن للعبد قدرة ومشيئة وله فعل حقيقة؛ يجب الإيمان بأن كل ذلك جار بقدر الله، فالعبد لا يشاء إلا أن يشاء الله، والله خالق قدرته ومشيئته وفعله، إذ لا خروج لشيء عن قدرة الله ومشيئته، كما لا خروج لشيء عن علمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، فمذهب أهل السنة والجماعة في أفعال العباد وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية؛ النافين للقدر، القائلين بأن العباد هم الخالقون لأفعالهم.

стр. 78

فصل في بيان الإيمان والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فجعل عبادة الله، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة؛ كله من الدين. وقال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (١)، فجعل القول والعمل من الإيمان. وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]. وقال رسول الله ﷺ : ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة من الإيمان)) (٢)، فجعله متفاضلاً. الشرح قوله: ((والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، قال الله تعالى:

стр. 79

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فجعل عبادة الله، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة؛ كله من الدين. وقال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (١)، فجعل القول والعمل من الإيمان)): يقرر الشيخ ﵀ في هذا الفصل مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان، وأنه قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فقول القلب اعتقاده، وقول اللسان الإقرار، وعمل القلب والجوارح: هي الأعمال الظاهرة والباطنة، ولهذا قال الشيخ ﵀: ((الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان -وهي الجوارح-، وعقد بالجنان -وهو القلب-، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان))، فأدخل الأعمال في مسمى الإيمان، خلافاً للمرجئة القائلين بأن الإيمان هو التصديق فقط، أو التصديق والإقرار، فأخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. ومما يدل على دخول الأعمال في مسمى الإيمان: ما استدل به الشيخ من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، وقوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، فدل الحديث على أن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان.

стр. 80

قوله: ((وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]. وقال رسول الله ﷺ : ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة من الإيمان))، فجعله متفاضلاً)): ومن مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان: أنه يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، خلافاً للمرجئة والوعيدية من الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان شيء واحد؛ إذا ذهب بعضه ذهب كله. والدليل على زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن قوله تعالى: ﴿إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]، أي: السورة المنزلة، وقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وأيضاً قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]. ومما يدل على تفاضل الإيمان من السنة: حديث الشفاعة في خروج الموحدين من النار، وأنه يخرج منا كل من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو شعيرة من الإيمان. فصل في تصديق النبي ﷺ ، والإيمان بالمغيبات ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حق وصدق، وسواءٌ في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه.

стр. 81

مثل: حديث الإسراء والمعراج (١)، وكان يقظة لا مناماً، فإن قريشاً أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات. ومن ذلك: أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه (٢). الشرح قوله: ((ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حق وصدق، وسواءٌ في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه)): يبين الشيخ ﵀ في هذا الفصل ما يجب اعتقاده فيما أخبر به النبي ﷺ من الغيب، وهو الإيمان بكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك، وهذا مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، وموجب الإيمان بالرسول ﷺ ، وبالنور الذي جاء به، ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن:٨]، ويجب مع الإيمان بهذه الأخبار المتعلقة بالغيوب: الإمساك عن البحث عن كيفيتها، والخوض في ذلك. قوله: ((مثل: حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناماً، فإن قريشاً أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات)): ومثل

стр. 82

الشيخ ﵀ لهذه الأخبار -وهي كثيرة في السنة- بقصة الإسراء والمعراج، فإنه أمر عظيم؛ أن يذهب النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويعرج حتى بلغ ما فوق السماوات السبع، ولقي من لقي من الأنبياء والملائكة، وفرض الله عليه الصلوات الخمس، وتردد بين ربه وموسى، كل ذلك في صحبة جبريل ﵇، ثم يعود من ليلته. كما نبه الشيخ على إبطال زعم من زعم أن ذلك كان مناماً -أي: رؤيا منام-، وأنه لو كان كذلك لما أنكرته قريش وطعنت به على النبي ﷺ ، وشبهوا به على بعض المؤمنين، حتى ارتد بعضهم. فالصواب أن الإسراء والمعراج كان بشخص النبي ﷺ ؛ بروحه وبدنه، يقظة لا مناماً. قوله: ((ومن ذلك: أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه)): ومثل أيضاً بقصة ملك الموت مع موسى ﵉ حين جاء لقبض روحه، فصكه ففقأ عينه، إلى آخر القصة، فإنها كذلك حدث عجيب، تعرِّف بشيء من شأن الملائكة، والملائكة من عالم الغيب، الذي لا تبلغ العقول كنهه، والإيمان بهم على ما جاء في الكتاب والسنة: هو أحد أصول الإيمان، كما جاء في القرآن، وفي جواب النبي ﷺ لجبريل حين سأله عن الإيمان.

стр. 83

ومن المغيبات التي يجب الإيمان بها: أشراط الساعة ومن ذلك: أشراط الساعة، مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل. الشرح قوله: ((ومن ذلك: أشراط الساعة)): ومثل الشيخ أيضاً بأشراط الساعة؛ وهي: علاماتها، كما قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وأشراط الساعة مما يجب الإيمان به، وأهل السنة والجماعة يثبتونها ويؤمنون بها. وقد أخبر النبي ﷺ بأشياء كثيرة مما تكون قبل يوم القيامة؛ يعدها العلماء من أشراط الساعة، ومن ذلك: ما جاء في حديث جبريل أنه سأل النبي ﷺ بقوله: ((أخبرني عن الساعة))، فقال النبي ﷺ : ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))، قال: ((فأخبرني عن أماراتها؟)) قال: ((أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) (١).

стр. 84

وأشراط الساعة عند أهل العلم نوعان: ١ - صغرى؛ وهي كثيرة جداً، تحدث شيئاً فشيئاً، وقد تتكرر. ٢ - كبرى؛ وهي الأحداث العظيمة الدالة على قرب الساعة، ومنها ما ذكره المؤلف: قوله: ((مثل خروج الدجال)): وهو الإنسان الشرير، الذي يدَّعي النبوة، ثم يدَّعي الربوبية، ويأتي بأمور خارقة للعادة، وفيها فتنة لأكثر الناس، وقد حذَّر النبي ﷺ أمته منه (١)، ووصفه ونعته وبيَّنه (٢)، وشرع لنا الاستعاذة بالله منه في كل صلاة، كما جاء في الحديث: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، ... وذكر منها: فتنة المسيح الدجال)) (٣).

стр. 85

قوله: ((ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله)): وهو المسيح ابن مريم، وهو مسيح الهدى، وذاك مسيح الضلالة، فيقتل مسيحُ الهدى مسيحَ الضلالة، كما ثبت في الأحاديث الصحاح (١)، حيث يخرج الدجال، ويعيث في الأرض ما شاء الله (٢) فإذا أراد الله إهلاكه نزل المسيح ابن مريم من السماء فيقتله. ومن الأمور التي يجب الإيمان بها: أن الله رفع عيسى ابن مريم إليه، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وأنه ينزل في آخر الزمان، كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: ((والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع

стр. 86

الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) (١)، وقال الله تعالى في شأن عيسى ابن مريم: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١]، وقرئ: ﴿لَعَلَمٌ﴾ أي: علامة على قربها (٢). قوله: ((وخروج يأجوج ومأجوج)): وهم يخرجون أيضاً في عهد المسيح ابن مريم ﵇، وجاء الإخبار عن قدرتهم وفسادهم وإفسادهم، وقد ذكروا في القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف:٩٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، فهم مفسدون أشرار، فإذا خرجوا وعاثوا في الأرض فساداً؛ بسفك الدماء، وقتل الأرواح، يتحصن المسلمون منهم، فيسلط الله عليهم داءً يصيبهم فيموتون (٣)، ثم يسخر الله طيوراً تأخذ جثثهم وتلقيها حيث شاء الله (٤).

стр. 87

قوله: ((وخروج الدابة)): وهذه العلامة من العلامات العظيمة التي دل عليها الكتاب والسنة، وذلك كما في قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، وكما جاء في الحديث الصحيح (١) أن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة ... وذكر منها: وخروج الدابة على الناس ضحى)). قوله: ((وطلوع الشمس من مغربها)): وهذه من الآيات العظام، بينما ينتظر الناس أن تطلع عليهم الشمس من المشرق؛ فإذا بها تطلع من المغرب، وهي (البعض) الذي قال الله فيه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، وجاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذٍ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾)) (٢)، وحينئذٍ يغلق باب التوبة، فالكافر لا يقبل منه إيمان، والعاصي لا تقبل منه توبته، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: ((أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها، فأيتهما خرج أولاً؛ فالأخرى على إثرها)) (٣).

стр. 88

قوله: ((وأشباه ذلك مما صح به النقل)): فيجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما كان ويكون. ومن المغيبات التي يجب الإيمان بها: عذاب القبر ونعيمه وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة، وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق. الشرح قوله: ((وعذاب القبر ونعيمه حق)): ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة أيضاً: عذاب القبر ونعيمه، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة. فمن القرآن قوله تعالى في حق قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، وأخبر أن الملائكة تقول للظالمين: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]. وقال تعالى في المتقين: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢].

стр. 89

وقد تواترت السنة في نعيم القبر وعذابه، وذلك في نصوص كثيرة، وكذلك فتنة القبر، والسؤال، فيمتحنون في قبورهم ويُسألون، فإذا وضع الميت في قبره؛ أتاه ملكان فيسألانه: عن ربه؟ وعن دينه؟ وعن نبيه؟ وأنكرت ذلك بعض طوائف المبتدعة؛ حيث أنكروا عذاب القبر ونعيمه، لأن الروح بزعمهم عَرَضٌ لا حقيقة له، فلا تنعم ولا تعذب، وهذا باطل، ترده النصوص الصحيحة الصريحة. قوله: ((وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة)): حيث استعاذ النبي ﷺ من هذه الأمور العظيمة، من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن المسيح الدجال (١)، والأحاديث في الباب كثيرة. قوله: ((وفتنة القبر حق)): فإن الناس يفتنون في قبورهم، فأما المؤمن: فيجيب ويثبت في هذه الفتنة، فيفتح له باب إلى الجنة يأتيه من روحها وطيبها، وأما الكافر فيقول: هاه، هاه لا أدري؛ كما جاء في حديث البراء الطويل (٢).

стр. 90

قوله: ((وسؤال منكر ونكير حق)): سؤال منكر ونكير هو فتنة القبر، وهو الامتحان، لكن أراد المؤلف بهذا: النص على تسمية الملكين بهذا، فإن الوارد في الصحيحين وغيرهما أنه: ((يأتيه ملكان ...))، وجاء عند الترمذي (١) تسميتهما: ((منكراً ونكيراً)). ثم شرع المؤلف ﵀ في بيان عدد من المسائل التي يجب اعتقادها والإيمان بها، وأول تلك المسائل: هو الإيمان بالبعث، وما يتبع ذلك مما يأتي بعده من الأمور التي أخبر الله بها في كتابه، وأخبر عنها رسوله ﷺ . ومن المغيبات التي يجب الإيمان بها: البعث بعد الموت، والحساب بعده والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، ويحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً بهماً، فيقفون في موقف القيامة؛ حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأَيمان والشمائل، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق].

стр. 91

الشرح قوله: ((والبعث بعد الموت حق)): فأما البعث: فكل الأمم من أهل الملل تؤمن به؛ من اليهود والنصارى وغيرهم، وجميع فرق المسلمين كذلك. إلا الباطنية في حقيقة مذهبهم، والفلاسفة؛ فلا يؤمنون بالبعث، بل من الفلاسفة من يقول: إن البعث روحاني، فليس هناك بعث للأجساد من القبور، وإعادة الموتى أحياءً، والجنة والنار كذلك، كل هذا من الأمور المعنوية التي لا حقيقة لها، فليس هناك جنة ولا نار حقيقيتان فيهما ما ذكر في النصوص، بل كل هذا -عندهم- من التخييل. قوله: ((وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١])): فالبعث بعد الموت: هو القيامة الكبرى، حين يؤمر إسرافيل بالنفخ في الصور، كما قال الله ﵎: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، ففي الآية دليل أنهما نفختان: - نفخة الصعق. - ونفخة البعث؛ حيث ترد الأرواح إلى الأبدان بعد إنشاءها، فيقوم الناس من قبورهم: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قوله: ((ويحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً بهماً)):

стр. 92

يجمع الناس يومئذٍ من جميع أقطار الأرض، حفاة غير منتعلين، وعراة غير مكتسين، غرلاً غير مختونين، حتى قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال النبي ﷺ : ((الأمر أشد من أن يهمهم ذاك)) (١)، وذلك للرعب والخوف والفزع العظيم الحاصل في ذلك اليوم، فسبحان الله! قوله: ((فيقفون في موقف القيامة؛ حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ )): فإن النبي ﷺ يشفع إلى ربه في الفصل بين عباده، بعد أن يترادَّ الأنبياء الشفاعة، فإذا اشتد بالناس الكرب؛ قالوا: انظروا من يشفع لكم إلى ربكم، فيأتون إلى آدم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر عنها، ثم يأتون إلى النبي ﷺ فينهض ويأتي فيسجد لربه ويحمده، ثم يقال له: ((ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع)) (٢). وهذه الشفاعة لأهل الموقف في أن يقضى بينهم؛ وهي: المقام المحمود، ولا ينكرها أحد من الفرق الإسلامية. قوله: ((ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأَيمان

стр. 93

والشمائل، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق])): ووزن الأعمال، ونشر الصحف، وأخذ الكتاب باليمين أو الشمال؛ كل ذلك من صور الحساب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]، وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]. ومن المغيبات التي يجب الإيمان بها: الميزان والحوض والصراط والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، والصراط حق، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار. الشرح قوله: ((والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ

стр. 94

فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون])): وأما الميزان فقد دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة المتواترة، والميزان حقيقي، له كفتان، وقد ذكر الله تعالى الموازين في القرآن بقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] (١). قوله: ((ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً)): ومما جاءت به النصوص مما يكون في الآخرة: الحوض لنبينا ﷺ ، وهو حوض عظيم، جاء تحديده في روايات كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبداً)) (٢)، وجاء أيضاً: ((عرضه مثل طوله؛ ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل)) (٣)، ترد

стр. 95

عليه هذه الأمة ممن كان على دين الله، مستقيماً على شرع الله، أما من ارتد أو زاغ عن صراط الله وعن سنة رسول الله ﷺ فإنه يذاد عنه ويصد عنه، ويمنع من الورود كما تواترت بذلك سنة النبي ﷺ (١). قوله: ((والصراط حق، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار)): والصراط: جسر منصوب على متن جهنم، يمر عليه الناس ويعبرون، ويسير الناس عليه على قدر أعمالهم، وجاء وصف ذلك في الأحاديث الصحاح، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، فناج مسلَّم، ومكدوس في النار (٢).

стр. 96

الشفاعة ويشفع نبينا محمد ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمما، فيدخلون الجنة بشفاعته، ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين. الشرح قوله: ((ويشفع نبينا محمد ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمما، فيدخلون الجنة بشفاعته)): هذه الشفاعة في أهل التوحيد ممن يدخل النار، فإن الرسول ﷺ يشفع في من دخل النار من أمته أربع مرات، في كل مرة يحد الله له حداً فيخرجهم من النار (١). والشفاعة في أهل التوحيد: هي التي ينكرها الخوارج والمعتزلة، لأنها تخالف أصلاً من أصولهم، وهو: القول بتخليد أهل الكبائر. وأما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: لا يخلد في النار إلا الكفار، أما عصاة الموحدين: فإنهم وإن دخلوا النار إلا أنهم

стр. 97

يخرجون منها بعد أن ماتوا وصاروا حمما فحماً، ثم يلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبة في حميل السيل (١). قوله: ((ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨])): فكلهم يشفعون، وكل بحسبه. قوله: ((ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين)): كل هذه المسائل التي ذكرها المؤلف ﵀ مما يكون بعد الموت: مما يجب اعتقاده والإيمان به. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، وكل ذلك داخل تحت الإيمان باليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كل ما يكون بعد الموت، من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والبعث، والنشور، وما يكون يوم القيامة من وزن الأعمال، وتطاير الصحف عن الأيمان والشمائل، ومحاسبة العباد، فكل ذلك يؤمنون به على مراد الله ومراد رسوله ﷺ ، ولا يبحثون عن كيفية هذه الأحداث والأمور العظيمة.

стр. 98

خلق الجنة والنار ودوامهما والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أولياءه، والنار عقاب لأعداءه، وأهل الجنة فيها مخلدون، والمجرمون: ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف]، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. الشرح قوله: ((والجنة والنار مخلوقتان)): أي مخلوقتان الآن وموجودتان، والأدلة على ذلك كثيرة، فمن القرآن: - قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَاوَى (١٥)﴾. - وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾. - وقال سبحانه في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]. - وقال في النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١]. - وقال سبحانه عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].

стр. 99

والأحاديث في هذا الباب كثيرة أيضاً، فمنها: - أحاديث عذاب القبر ونعيمه، فكلها تدل على أن الجنة والنار موجودتان، ومنها: حديث البراء بن عازب ﵁ في أنه يفتح للمؤمن باب إلى الجنة، ويفتح للكافر باب إلى النار (١). - وقول النبي ﷺ عن أرواح الشهداء: ((أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)) (٢). - وقول النبي ﷺ : ((نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة)) (٣). وأما المعتزلة فقالوا: إن الجنة والنار لم تخلقا، وإنما تخلقان يوم القيامة، وقالوا: إن خلقهما الآن عبث، وهذا كعادتهم في تحكيم عقولهم، وتقديمها على النصوص الشرعية، وهذا كلام ساقط. قوله: ((لا تفنيان)): فهما دائمتان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ خلافاً للجهم بن صفوان، فهو يزعم أن الجنة والنار تفنيان.

стр. 100

والأدلة على دوام الجنة والنار كثيرة جداً، فمنها في بقاء الجنة: - قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. - وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨]. - وقوله ﵎: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٢١]. - وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]. - وقوله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥]. ومثلها في بقاء النار، ومنها: - قوله الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]. - وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. - وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧ / التوبة:٦٨]. والآيات في هذا الباب كثيرة، ومن الأدلة من السنة على دوام الجنة والنار، وخلود أهلهما فيهما: - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: أنه: ((يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت)) (١)،

стр. 101

وفُسر بذلك يوم الحسرة (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩]. وأما ما نسب إلى بعض أهل السنة من القول بفناء النار: فهو قول ليس عليه دليل ظاهر، بل الأدلة تقتضي دوام الجنة والنار. وأما قول الله ﵎: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، فأحسن ما قيل في جوابه: أن فيه بيان أن خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما: إنما ذلك بمشيئته سبحانه، فلو شاء لأفنى الجنة، ولو شاء لأفنى النار، فالأمر إليه، وهو بمشيئته، لكنه أخبر بخلودهما سبحانه. فصل في بعض ما لرسول الله ﷺ من الواجبات والحقوق ومحمد ﷺ خاتم النبيين، وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد أمته، صاحب لواء الحمد (٢)، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو

стр. 102

إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم (١)، أمته خير الأمم. الشرح بعد أن ذكر المؤلف ﵀ بعض ما يتعلق بالقرآن، وبعض ما يتعلق باليوم الآخر، أتبع ذلك بما يجب اعتقاده في رسول الله محمد ﷺ ، فهو: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي، الواجب الإيمان به، وأنه عبد الله ورسوله، فلا يصح إيمان أحد حتى يشهد بأنه عبدالله ورسوله، وأنه رسول الله إلى الناس كافة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وأنه خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]. فلا طريق إلى الله بعد مبعثه إلا باتباعه، فكل من طلب القربى إلى الله، وطلب النجاة من عذابه، والفوز بمرضاته؛ من غير طريق ما جاء به الرسول ﷺ فإنه خاسر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فلا هدى ولا رحمة ولا سعادة ولا فوز ولا فلاح إلا باتباعه ﷺ ، وهو رسول الله إلى جميع الناس، ولا بد من الإيمان بذلك، وكل من دان بغير شريعته فهو كافر هالك شقي إذا مات على ذلك، وهو من أهل النار.

стр. 103

وله ﷺ فضائل عظيمة في الدنيا والآخرة، فهو صاحب المقام المحمود (١)، والحوض المورود (٢)، وهو سيد ولد آدم على الإطلاق (٣). ومن خصائصه ﷺ : الشفاعة، وهي المقام المحمود -كما تقدم-، وأنه لا يدخل الجنة أحد قبله، ولا تدخل الجنة أمة قبل أمته، كما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم)) (٤). بيان بعض ما للخلفاء الراشدين من الواجبات والحقوق وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم

стр. 104

علي المرتضى، لما روى عبدالله بن عمر ﵄ قال: ((كنا نقول والنبي ﷺ حيٌّ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي)) (١)، ((فيبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فلا ينكره)) (٢)، وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: ((خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر)) (٣)، ((ولو شئت لسميت الثالث)) (٤)، وروى أبو الدرداء: عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)) (٥)، وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده

стр. 105

عمر ﵁ لفضله، وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁، لتقديم أهل الشورى له، ثم علي لفضله، وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)) (١)، وقال ﷺ : ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة)) (٢)، فكان آخرها خلافة علي ﵁. الشرح بعدما ذكر المؤلف ﵀ منزلة النبي ﷺ ، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وذكر بعض ما له من الخصال والفضائل؛ ذكر أن أمته خير الأمم، فكما أنه خير الرسل، فأمته خير الأمم، كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ((أنتم توفون سبعين أمة؛ أنتم خيرها وأكرمها على الله ﵎) (٣)، وكما في الحديث المتفق عليه: ((خير الناس قرني،

стр. 106

ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (١)، وقال ﷺ : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم)) (٢). ثم ذكر المؤلف ﵀ بعد ذلك: أن خير هذه الأمة: هم أصحاب النبي ﷺ ، والأدلة على فضلهم كثيرة جداً من الكتاب والسنة. قوله: ((وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى)): وخير الأمة وأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق ﵁، هو صديق الأمة، وخيرها بعد نبيها، ثم عمر الفاروق ﵁، ثم عثمان ذو النورين ﵁، ثم علي المرتضى ﵁، وهذا الترتيب مما اتفق عليه أهل السنة (٣). أما تقديم أبي بكر وعمر ﵄ فهذا فيه إجماع قطعي قائم من هذه الأمة من أولها إلى آخرها، وأما عثمان وعلي ﵄ فقد كان في المفاضلة بينهما خلاف، قال ابن تيمية ﵀ في

стр. 107

الواسطية: ((مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان. وإن كانت المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل فيها: مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله)) (١)، فترتيبهم عند أهل السنة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وقد دلت الأدلة على فضل الخلفاء الراشدين عموماً وخصوصاً، وأشار المؤلف إلى فضل هؤلاء الأربعة، حيث ذكر حديث ابن عمر ﵄: ((كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فلا ينكره)) (٢)، وأما زيادة ((ثم علي))، فهذا لفظ ليس في الحديث، فلا أدري أسهو هو أم سقط قلم؟ حيث رواه الإمام البخاري (٣) ولم يذكر هذه الزيادة، ولو صحت هذه الزيادة لما كان هناك مجال للاختلاف. قوله: ((وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع

стр. 108

الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)): ومن الأدلة على فضل أبي بكر ﵁ وأنه الحق بالأمر والخلافة: أن النبي ﷺ قدمه في إمامة الصلاة على غيره في مرض موته، وقال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) (١)، ولما سأله عمرو بن العاص ﵁ بقوله: من أحب الناس إليك؟ قال: ((عائشة))، قال من الرجال؟ قال: ((أبوها)) (٢)، فهو أحب أصحاب النبي ﷺ إليه، وفي الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: ((لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، إن صاحبكم خليل الله)) (٣)، فدلت النصوص على فضله، وأنه أفضل الأمة، وأقامه النبي ﷺ مقامه في الصلاة بالناس في مرض موته. قوله: ((ثم من بعده عمر ﵁ لفضله، وعهد أبي بكر إليه)): ثم بعد أبي بكر بالفضل والخلافة: عمر الفاروق ﵁، وقد ثبتت خلافته بعهد أبي بكر ﵁ إليه، واستقامت بذلك الأمور، وقام عمر ﵁ بالأمر خير قيام، كما جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: ((بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ماشاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها

стр. 109

ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن)) (١)، حيث فتح الفتوح في خلافته، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض. قوله: ((ثم عثمان ﵁، لتقديم أهل الشورى له)): حيث عهد عمر ﵁ بالأمر إلى ستة من الصحابة، وهم أهل الشورى، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، ﵃ أجمعين، وشاور عبدالرحمن بن عوف ﵁ الناس فقال: ((لم أر الناس يعدلون بعثمان أحداً))، فتم الأمر له باتفاق المهاجرين والأنصار (٢)، ولذلك نقل عن بعض السلف: ((من طعن في خلافة عثمان؛ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار)) (٣). قوله: ((ثم علي لفضله)): فهو رابع الخلفاء الراشدين، وهو أفضل الصحابة بعد الثلاثة. وأما قوله: ((وإجماع أهل عصره عليه)): فليس بمستقيم، فلم يجمع الصحابة على خلافته، بل نازعه في ذلك أهل الشام، وامتنعوا عن مبايعته، ولم يتم له الأمر، لكن باتفاق أهل السنة

стр. 110

والجماعة أنه رابع الخلفاء الراشدين، وأنه أفضل الصحابة بعد الثلاثة، وحتى أهل الشام لا ينازعون في فضله، ولا في أحقيته بالأمر، لكن لشبه عرضت لهم بسبب مقتل عثمان ﵁، فامتنعوا لأجلها عن مبايعة علي ﵁، وجرى من جراء ذلك فتناً عظيمة (١). ثم بمقتل علي ﵁ واستخلاف ابنه الحسن ﵁، وبعد ستة أشهر رأى الحسن أن الأمر لا يمكن أن يستقيم، ولا يصلح أمر الأمة مع هذا النزاع؛ فتنازل عن الأمر لمعاوية ﵁، فاجتمعت الكلمة، وسمي ذلك العام: عام الجماعة، وتحقق فيه قول النبي ﷺ : ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) (٢). ومن أفضل ما جرى لعلي ﵁ في خلافته: قتله للخوارج، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق)) (٣). وقد ضل في هذا الأمر: الرافضة، حيث ضلوا في الصحابة عموماً، وفي أمر الخلفاء الثلاثة خصوصاً، فجمعوا بين عداوة جمهور الصحابة وبغضهم، وبين الغلو في علي وأهل بيته، ولهم
следующие страницы →