إرشاد العباد
إلى معاني لمعة الاعتقاد
لفضيلة الشيخ
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حفظه الله
إعداد
عبدالله بن محمد السحيم
دار التدمرية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
مقدمة المعتني
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإن الله خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، ولأجل ذلك أرسل الله الرسل، وشرع الملل، وفطر الخلق على هذا الأصل العظيم، ثم إن كثيرًا من الخلق اجتالتهم الشياطين، فنكست فطرهم، وقلبت أديانهم، ونقلتهم من نور الحنيفية السمحة إلى ظلام الضلالة والبدعة، وبقي صفوة من الخلق على جادة الملة السوية، والسنة المحمدية، فدارت رحى النزاع بين من وفقهم الله وهداهم من أهل السنة والجماعة؛ وبين طوائف البدعة من أهل الكلام والضلال، فكان علماء السنة لا يألون جهدا في بيان الحق للخلق، والدفاع عنه، وتنقيته من شوائب الضلالة، وتنوعت في ذلك طرائقهم، وكان من أشهرها: تلك المصنفات العظيمة التي ملئت حكمة وعلما، وكانوا ما بين
стр. 4
مقل ومستكثر، ومطيل وموجز، وناظم وناثر، ومن تلك المتون المهمة التي غدت نبراسا في السنة والاعتقاد: المتن الموسوم بـ (لمعة الاعتقاد)، لمؤلفه الإمام الجهبذ شيخ الإسلام؛ أبي محمد، موفق الدين، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المولود: بجماعيل؛ سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، وانتقل إلى رحمة ربه الكريم: يوم الفطر؛ سنة عشرين وست مائة [٥٤١ - ٦٢٠]، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ونفعنا بعلومه.
وقد كان لهذا المتن حظوة عند كثير من العلماء المعاصرين، إذ توافرت شروحهم، وتنوعت تحقيقاتهم على هذا السفر الجليل، وكان من هؤلاء الذين قاموا بشرحه، وبيان مسائله، شيخنا العلامة: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر البراك، حفظه الله وأبقاه، وأطال عمره في تقواه، وبلغه مناه، حيث شرحه في مسجده العامر (مسجد الخليفي) في حي الفاروق بمدينة الرياض، في قرابة الثلاثين مجلسا.
ثم إن شيخنا الدكتور محمد بن عبد الله الهبدان وفقه الله عهد إلي بهذا الشرح، لخدمته والقيام بإخراجه، وذلك بالتنسيق مع الشيخ الفاضل: عبد الرحمن بن صالح السديس حفظه الله، فاستعنت بالله سبحانه، وكان عملي في هذا الشرح كالتالي:
١ - تفريغ الشرح الصوتي.
٢ - ترتيب الشرح وتصحيحه، وتهذيبه وتنسيقه، وتهيئة عباراته للطباعة.
стр. 5
٣ - عزو الآيات إلى أماكنها من المصحف.
٤ - تخريج الأحاديث تخريجا مختصرا، فإن كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بموضع منه، وإن كان في غيرهما اقتصرت -في الغالب- على الكتب الستة.
٥ - اعتمدت في كتابة المتن على ما كان يقرؤه القارئ على فضيلة الشيخ الشارح عبد الرحمن البراك حفظه الله، ورجعت إلى كثير من النسخ المطبوعة، وأفدت منها في مواضع.
٦ - أضفت بعض العناوين في بداية المقاطع المشروحة، ووضعتها في إطارات، وقد استفدت من بعض النسخ المطبوعة كذلك.
٧ - قرأت الشرح على فضيلة شيخنا عبد الرحمن البراك حفظه الله، ليثبت ما يراه مناسبا، أو يستدرك عليه بما يراه من تعديل أو زيادة أو نقص.
وكانت النسخة الصوتية التي استلمتها فيها نقص لبعض الدروس، فقرأت المتن على الشيخ كاملا، وأتم منه ما نقص.
٨ - أثبت قائمة بالمراجع التي عزوت إليها.
٩ - وضعت فهرسا لموضوعات الكتاب.
هذا؛ والله أسأل أن يهجزي شيخنا خير الجزاء، على ما كان من به وتفضل من بذل الأوقات الثمينة لنشر العلم وبثه بين طالبيه، وإعطاء الفرصة لخدمة هذا الشرح وقراءته عليه، جعله الله في ميزان حسناته، وجعله من العلم النافع الخالص الذي ينتفع به
стр. 6
بعده، كما أثني بالشكر لكل من كان له فضل ومساهمة في إخراج الشرح وظهوره، داعيا الله تعالى لهم بجزيل الأجر والمثوبة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
عبد الله بن محمد السحيم
الرياض
стр. 7
خطبة الكتاب
قال الشيخ الإمام العالم الأوحد أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزَّه عن الصاحبة والأولاد، ونَفُذَ حكمه في جميع العباد، لا تُمَثِّلُه العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى* وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٦ - ٧]، أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسع كل شيء رحمة وعلماً، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
стр. 8
الشرح
قوله: ((الحمد لله)): استهل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه الرسالة الحسنة المعروفة بـ ((اللمعة في الاعتقاد))، بالحمد لله تعالى، وهو أهل الثناء والحمد، والُّلمعة في اللغة: هي القدر الذي فيه بُلغة (١).
قوله: ((المحمود بكل لسان)): يعني محمود بجميع اللغات، وهو -سبحانه- يحمده أهل السماوات وأهل الأرض ويسبحونه، فتسبحه الملائكة، وتسبحه العوالم كلها، بلسان المقال، وبلسان الحال.
قوله: ((المعبود في كل زمان)): أي: المستحق للعبادة في جميع الأزمنة، وهو معبود بالفعل؛ فإن كفر به الجن والإنس، فعنده ملائكة تعبده، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وقال : ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩]، وغيرها من الآيات.
قوله: ((الذي لا يخلو من علمه مكان)): فعلمه محيط بكل شيء، بالسماوات والأرض، وما فيهما وما بينهما، ﴿وَهُوَ
стр. 9
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد:٦]، والآيات التي تفصل ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]، وقال على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦].
قوله: ((ولا يشغله شأن عن شأن)): فهو سبحانه يدبر أمر هذه العوالم، ولا يشغله شأن عن شأن، يخفض ويرفع، يعز ويذل، ويعطي ويمنع، ويهدي ويضل، ويميت ويحيي، ويتصرف في هذه العوالم، ولا يشغله شأن عن شأن.
يسمع دعاء الداعين، ولا تختلط عليه المسائل مع كثرة اللغات، وتفنن السائلين في طلب الحاجات، فلا يشغله سماعه لهذا عن سماعه للآخر، يسمع كلام أولياءه، وكلام أعداءه، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فيسمع كلام هؤلاء وهؤلاء، وسمعه واسع لجميع الأصوات.
стр. 10
قوله: ((جل عن الأشباه والأنداد)): جل: يعني: عظم وارتفع ، وهي كلمه تنزيه، مثل كلمة: (تعالى)، وكلمة: (تبارك).
فهو منزه عن الأشباه والأنداد، فليس له شبيه ولا ند، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة:١٦٥]، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
جل عن الأشباه والأنداد، فلا شبيه له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فلا كفؤ له، ولا ند له، ولا شبيه له.
قوله: ((وتنزه عن الصاحبة والأولاد)): تنزّه وجلّ كلمتان متقاربتان في المعنى.
وقال الله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن:٣]، وقال : ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام:١٠١]، وقال جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، والآيات الدالة على تنزيهه سبحانه كثيرة.
وقد رد الله تعالى على اليهود والنصارى والمشركين في نسبة الولد إليه، ووصف ما قالوه بأنه إفك، وأن إثبات ذلك مخالف للعقل والشرع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ
стр. 11
يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]، وقال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ [الصافات].
قوله: ((ونَفُذَ حكمه في جميع العباد)): فحكمه سبحانه نافذ، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضاءه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والحكم المضاف إليه قسمان:
- الحكم الشرعي، وهو أمره ونهيه، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله.
- الحكم الكوني، وهذا القسم هو النافذ الماضي، كما جاء في الحديث من دعاء النبي ﷺ : ((ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك)) (١).
قوله: ((لا تُمَثِّلُه العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير)): وهاتان الجملتان معناهما متقارب، فالقلوب بمعنى العقول، والتصوير بمعنى التصور.
стр. 12
فلا يمكن للعقول أن تصفه، ولا أن تكيِّفَه بالتفكير، بل لا يجوز التفكر في ذاته، ولا في كيفية صفاته، لأن الكيفية محجوبة، ولا سبيل إلى معرفة كيفية ذاته ولا صفاته، فلا يجوز التفكير فيها، وقد جاء في الأثر عن ابن عباس ﵁: ((تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذات الله)) (١)، تفكروا في مخلوقات الله: من آياته الكونية، لتهتدوا بها إلى معرفة الله، ولكن يجوز التفكير في كيفية صفاته، من أنه موصوف بالعلم والقدرة ونحوها، فنتفكر في كمال قدرته، والتفكر في المخلوقات: يتضمن التفكر في صفاته، وفي معانيها.
والتفكر في ذات الله أو صفاته: لن يوصل إلى شيء، لأن العقول لا تبلغ ولا تصل إلى معرفة كيفية ذاته، أو كيفية صفاته.
قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]: هذه الآية من كتاب الله تعالى تضمنت الدلالة على الحق، ورد الباطل، ففي قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ رد للإلحاد والتعطيل، ففيها رد على المشبهة، وعلى المعطلة.
وفيها الدلالة على المذهب الحق، وهو: إثبات الصفات لله على ما يليق به، إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً
стр. 13
بلا تعطيل، وهذه الآية -وما في معناها- هي محور ومرتكز مذهب أهل السنة والجماعة، فمذهبهم يرتكز على:
- إثبات الصفات،
- ونفي التمثيل،
- ونفي العلم بالكيفية.
قوله: ((له الأسماء الحسنى)): كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨]، ويقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
قوله: ((والصفات العلى)): وهو الموصوف بالصفات العلى الكاملة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: هذه الآية دلت على أنه تعالى مستوٍ على عرشه، والاستواء معناه: العلو والارتفاع والاستقرار (١)، فهي من أدلة الاستواء، وأدلة العلو، وجاء ذكر الاستواء في سبعة مواضع من القرآن (٢)، وأهل السنة
стр. 14
يثبتون ذلك، ويؤمنون بأنه تعالى فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، خلافاً للمعطلة من الجهمية ومن تبعهم.
قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى* وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٦ - ٧]: فالله يعلم السر، وما هو أخفى السر، فعلمه محيط بما كان، وما يكون، وما يُسِرُّ العباد، وما يعلنون، والآيات الدالة على ذلك في كتاب الله كثيرة.
قوله: ((أحاط بكل شيء علماً)): ولا يحيط به العباد علماً، كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، وقال سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
قوله: ((وقهر كل مخلوق عزة وحكماً)): كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فهو القاهر الذي لا شيء يعجزه، ولا غالب له، له العزة التامة، والقوة الكاملة.
стр. 15
قوله: ((ووسع كل شيء رحمة وعلماً)): كما جاء في دعاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، والله جل وعلا يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
وقرَن بين اسمه (الواسع) وبين اسمه (العليم): كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥].
قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]: ضمَّن ﵀ خطبة الكتاب بعض الآيات؛ ومنها هذه الآية الدالة على اتصافه بصفة العلم، فعلمه محيط بالعباد، من قبل، ومن بعد، ويعلم ما يُسِرُّون، وما يعلنون.
وأما العباد فلا يحيطون به علماً، وإن كانوا يعلمونه، ويؤمنون به، ويعلمون صفاته، لكن لا يبلغ علمهم أن يحيطوا به علماً، فعلمهم به لابد أن يكون محدوداً.
الواجب فيما ثبت
من الأسماء والصفات
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم، وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، والتمثيل، وما أشكل من ذلك؛ وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريق الراسخين في
стр. 16
العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
الشرح
قوله: ((موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم)): هذا هو الواجب في باب الأسماء والصفات، فهو سبحانه مستحق لصفات كماله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ ، فهو سبحانه مستحق لهذه الأوصاف على ما يليق بجلاله، وأهل السنة يؤمنون بهذا الأصل؛ فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا إلحاد في أسماءه ولا صفاته وآياته.
قوله: ((وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به)): وهذا كلام عظيم جامع من المصنف ﵀، فكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفاته تعالى؛ مما أخبر به عن نفسه في كتابه، أو أخبر عنه نبيه ﷺ وهو أعلم الخلق به- وجب الإيمان به، وهذا هو الواجب في باب الأسماء والصفات، وهذا مقتضى الإيمان بالله، وكتابه، ورسوله.
قوله: ((وتلقيه بالتسليم والقبول)): وهذا من الواجب -أيضاً- في باب الأسماء والصفات، وهو تلقيها بالتسليم والقبول، على مراد الله ورسوله، والإيمان به، وبأنه الحق، دون معارضة، ولا حرج، ولا توقف، ولا تردد.
стр. 17
قوله: ((وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، والتمثيل)): فيجب على المسلم ترك هذه المعاني الباطلة، ونبه المؤلف بهذه الجملة إلى رد المذاهب الباطلة، وأنه يجب الإيمان، والتسليم، والتلقي لها بالقبول، وترك التعرض لها بشيء من هذه الأباطيل.
- والرد: هو التكذيب، كما فعلت الجهمية.
- والتأويل: هو في حقيقته تحريف.
قوله: ((وما أشكل من ذلك)): مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ .
قوله: ((وجب إثباته لفظاً)): وهذا في الحقيقة يوهم أن المؤلف ﵀ يذهب إلى القول بالتفويض في بعض نصوص الصفات، وهذه الجملة صحيحة؛ إذا كانت بمعنى: أن ما أشكل وما خفي معناه يجب الإيمان به على ما أراد الله، وإثبات لفظه، وتفويض علمه إلى الله، فما اشتبه على العباد علمه: فعليهم أن يفوضوا علمه إلى الله، ويقولوا: الله أعلم، كما كان الصحابة يفعلون، وكما أمر الله بذلك في مواطن من كتابه، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦]، فكل ما أشكل من المسائل الاعتقادية، أو الأحكام الشرعية وجب رده إلى الله، ونقول: الله أعلم، فإذا سئل المرء عن حكم أو علم لا يعلمه فإنه يقول: الله أعلم.
ولا يلزم من هذا: كونها مجهولة المعنى مطلقاً، بحيث
стр. 18
لا يفهمها أحد، ولم يفهمها النبي ﷺ ولا الصحابة، بل القرآن كله قد أمر الله بتدبره، والله يفتح على من يشاء.
قوله: ((وترك التعرض لمعناه)): أي بالتفسير والتأويلات التي لا دليل عليها.
قوله: ((ونرد علمه إلى قائله)): وهو الله ، أو رسوله ﷺ .
قوله: ((ونجعل عهدته على ناقله)): أي من بلَّغه، فهو المسؤول عما نقل من العلم.
قوله: ((اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧])): هذا إنما يكون في الآيات المشتبهات، وقد ذكر الله طريق الزائغين، وطريق الراسخين في العلم، فقال سبحانه في موقف الزائغين: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧]، فيتبعون المتشابه والمشكل، ويعرضون عن الكلام الواضح المحكم، لأجل: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧]، وإضلال الناس وتشكيكهم، ﴿وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، طلباً لتأويله، وهو الذي لا يعلمه إلا الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
وأما ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] أهل العلم والدين والإيمان، فإنهم: ﴿يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧]، حتى العامي الموفق في دينه -أيضاً- يثبت على هذا الأصل، فليس بشرط أن يكون علامة، وأن يكون عنده علم، لكنه لا يدخل فيما ليس له
стр. 19
فيه علم، ويقول: الله أعلم، ويقول: آمنا بالله، ولا يخوض في المتشابه الذي لا يعلمه.
﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] فالآيات المحكمات والمتشابهات كله من عند الله تعالى.
ثم ذكر أن من دعائهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]، فهم على النقيض من أهل الزيغ، فهم يدعون الله أن يعصم قلوبهم من الزيغ.
ذم التأويل وأهله
وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلُوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
الشرح
قوله: ((وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧])): فالله قد ذم أهل الزيغ، لطلبهم ما لا سبيل إلى معرفته، وبقصدهم الضلال، وإضلال الناس.
стр. 20
قوله: ((فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلُوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧])): فهم إذاً طلبوا المستحيل، حيث حجبه سبحانه عنهم، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
وهذا على قراءة الجمهور، جمهور الأمة سلفاً وخلفاً، حيث يقفون على لفظ الجلالة، فهذا التأويل لا يعلمه أحد إلا الله، فهي من حقائق الغيب، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عن اليوم الآخر، لا يعلم حقائقه إلا الله.
ثم نقل المؤلف ﵀ نقلاً عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يتضمن منهج أهل السنة والجماعة، حيث يقول ﵀:
نقولات عن أئمة السلف في
منهج الإيمان بالصفات وتقرير مذهبهم
[أولاً]: قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ : ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا))، وَ ((إن الله يُرى في القيامة))، وما أشبه هذه الأحاديث: (نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حدٍ ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه
стр. 21
بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعَت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن)).
[ثانياً]: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: ((آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله)).
وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار، والإمرار، والإثبات لما ورد من الصفات، في كتاب الله، وسنة رسوله، من غير تعرض لتأويله.
الشرح
((قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ : ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)) (١)،
стр. 22
وَ ((إن الله يُرى في القيامة)) (١) وما أشبه هذه الأحاديث)): فهذه الأحاديث واضحة بيِّنة صريحة، وليست من المشكلات ولله الحمد، والواجب في هذه الأحاديث؛ حديث النزول والرؤية وما أشبه ذلك: الإيمان بها، والإمساك عن تأويلها وتفسيرها بما يخالف ظاهرها، فمعانيها معلومة، وحقائقها وكيفياتها مجهولة، ويجب التفويض فيها.
قوله: ((نؤمن بها، ونصدق بها)): نؤمن بأنها حق من عند الله، تكلم به رسول الله ﷺ ، فنؤمن بها تصديقاً لخبر الله وخبر رسوله ﷺ .
قوله: ((لا كيف)): أي: لا نكيِّفها، وهذا فيه نفي تكييف الصفات.
قوله: ((ولا معنى)): وهذا فيه نفي التحريف، فلا نحرِّفها بالتفسيرات التي تتضمن صرفها عن ظواهرها.
قوله: ((ولا نرد شيئاً منها)): فنقبل الجميع ونؤمن به ونصدقه.
стр. 23
بخلاف غيرهم من طوائف الضلال، فما قدروا على ردِّه: ردوه، كأحاديث الآحاد -على أصلهم- أنه لا يحتج بها على العقائد؛ فيردونها، ولا يثبتون بها العقائد، وما لم يقدروا على ردِّه: تأوَّلوه، كالقرآن والمتواتر.
وقول المؤلف: ((نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها)): مما يوهم قصد التفويض، ولكن هذه العبارات التي تروى عن الأئمة في نفي التفسير أو نفي المعنى؛ فمقصودهم منها: نفي تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم، أما التفسير بما يوافق الظاهر والمعنى: فهو مطلوب، فالله خاطب عباده ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فالنزول معلوم والكيف مجهول، والاستواء معلوم والكيف مجهول، والغضب معلوم والكيف مجهول، وهكذا.
قوله: ((ونعلم أن ما جاء به الرسول حق)): فكل ما جاء به الرسول ﷺ حق، فنؤمن به على مراد الله ومراد رسوله ﷺ .
قوله: ((ولا نرد على رسول الله ﷺ )): بردِّ أحاديثه وقوله ﷺ ، فمن ردَّ ما صح عن رسول الله ﷺ فقد رد على الرسول ﷺ قولَه، وهذا فيه ما فيه من الجرأة على الله، والتقصير في حق رسوله ﷺ .
قوله: ((ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه)): لأنه لا علم لنا بشيء من ذلك إلا ما علمنا، كما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: ((لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه،
стр. 24
أو وصفه به رسوله، لا نتجاوز القرآن والحديث)) (١)، فمن وصف الله بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله فهو مفترٍ، وقائل على الله بما لا يعلم، كما أنه لا يجوز أن نجحد وننفي ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ .
قوله: ((بلا حدٍ ولا غاية)): فلم يرد أن للصفات حداً أو غاية، والمراد من هذا: نفي تحديد كنه الصفة، وذكر غاية لها، وهذا هو التكييف الذي أبطله القرآن، ونهى عنه السلف.
قوله: ((﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين (٢)، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعَت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن)): هذا تتمة كلام الإمام أحمد ﵀، في رسم نهج أهل السنة والجماعة في الصفات، ويتضمن: أنه يجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
فالواجب: الإيمان والتسليم، وإجراء النصوص على ظواهرها، والوقوف عند ما وقفت عنده النصوص، لا نتعداها ولا نتجاوزها.
стр. 25
قوله: ((قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: ((آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله)): هذا الأثر عن الإمام الشافعي ﵀ يذكر فيه ما يجب على المسلم، فيجب على كل مسلم الإيمان بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، والإيمان برسول الله، وما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ، وهذا هو أصل الدين، الإيمان بالله ورسوله، وما جاء عن الله في كتابه، وما جاء عن رسوله في سنته الصحيحة.
((على مراد الله)): فإن علمنا مراد الله آمنا به على مراده، وإن لم نعلم مراد الله: آمنا به على مراد الله الذي لم نعلمه، فإذا علمنا أن هذا مراد الله؛ قلنا: هذا مراد الله، وهذا يتبين بقولنا: إن معنى الكلام كذا، أي: معناه الذي أراده الله ، فالله تعالى خاطب الناس، ورسوله ﷺ خاطب أمته بكلام معلوم، ولسان مبين، لكن ليس كل أحد يعلمه، فالناس ليسوا سواء في فهم القرآن وفهم السنة، ولا في معرفة أصول فهم المعاني، فالله سبحانه فضَّل الناس بعضهم على بعض، فما علمنا من مراد الله آمنا به، وتعلّمناه، وعملنا بموجبه، وبيَّناه، وعلَّمناه، وما لم نعلمه قلنا: آمنا به، كما قال الراسخون في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
قوله: ((وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار، والإمرار، والإثبات لما ورد من
стр. 26
الصفات، في كتاب الله، وسنة رسوله، من غير تعرض لتأويله)): أي: وعلى هذا الأصل العظيم الذي بيَّنه الإمام أحمد ﵀، والإمام الشافعي ﵀: درج السلف، وأئمة الخلف، درجوا على ((الإقرار)): وهو الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله ﷺ .
((والإمرار)): وهو إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لكيفياتها، كما جاء في الآثار: نمرها كما جاءت بلا كيف، لكن مع إثبات ما تدل عليه من المعاني.
وبهذا نعلم: أن الموفق ﵀ في هذا الكتاب: لا يريد أن مذهب السلف هو التفويض، بل مذهبهم كما ذكر ﵀: ((الإقرار، والإمرار، والإثبات لما ورد من الصفات))، مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، وهذا هو منهج السلف الصالح، ومن سار على نهجهم.
وأما أهل التفويض الباطل فهم لا يثبتون الصفات، بل يفوضون معاني النصوص، ويقولون: هذه النصوص لا يُفهم منها شيء.
((من غير تعرض لتأويله)): من غير صرف لها عن ظواهرها بلا دليل ولا حجة، وهذا هو التحريف، أن يُصرف المعنى عن ظاهره من غير دليل، ولم يقل ﵀: ((من غير فهم لها))، بل تفهم على وجهها الذي جاءت به، ولا تصرف عنه بلا دليل ولا حجة؛ كما هي طريقة الخلف المنحرف.
стр. 27
الأمر بالاقتداء والاتباع،
والنهي عن الإحداث والابتداع، والتدليل لذلك
وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم، والاهتداء بمنارهم، وحذَّرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))، وقال عبدالله بن مسعود ﵁: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم))، وقال عمر بن عبدالعزيز ﵁ كلاماً معناه: ((قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كَفُّوا، ولَهُم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدَث بعدهم؛ فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورَغِب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم مُحَسِّرٌ، وما دونهم مُقَصِّرٌ، لقد قَصُر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم))، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁: ((عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول))، وقال محمد بن عبدالرحمن الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علِمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفَوسِعَهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه؛ أم لم يَسَعْهم؟ قال: بلى وَسِعَهم. قال: فشيءٌ وَسِع رسول الله ﷺ -
стр. 28
وخلفاءه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة: -وكان حاضراً- ((لا وسَّع الله على من لم يَسَعْه ما وسعهم))، وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت؛ فلا وسَّع الله عليه.
الشرح
قوله: ((وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم، والاهتداء بمنارهم)): وهذا من الواجبات على المسلم؛ اتباع السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، كما قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
قوله: ((وحذَّرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (١): قد جاء في النصوص
стр. 29
التحذير من المحدثات والبدع، والأمر باتباع ما كان عليه السلف الصالح، والحذر من المحدثات في الدين، ومن اتباع المضلين، كما قال النبي ﷺ : ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة))، وقال ﷺ : ((وشر الأمور محدثاتها)) (١)، وقال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٢).
وقوله ﷺ : ((وكل بدعة ضلالة)): يدل على أنه ليس من البدع بدعة حسنة، ومن أطلق ذلك من العلماء على بعض الأمور المستجدة التي تقتضيها المقاصد الشرعية فهو إطلاق لغوي كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح: ((نعمت البدعة)) (٣).
وقوله ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)): يدل على اتباع الخلفاء الراشدين في سنتهم، فما سنَّه أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي ﵃ ما لم يختلفوا فيه، ولم يخالف دليلاً من الكتاب والسنة؛ فهو سنة ماضية، نحن مأمورون باتباعهم، واتباعهم في هذا: هو تحقيق اتباع النبي ﷺ ، لأننا بذلك نعمل بوصيته ﷺ حين قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ...)).
стр. 30
قوله: ((وقال عبدالله بن مسعود ﵁: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم)) (١): اتبعوا كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، واتبعوا سيرة السلف الصالح، من الصحابة الذين مضوا، ومن تبعهم بإحسان.
((ولا تبتدعوا)): فتأتوا بمخترعات من عندكم ما أنزل الله بها من سلطان.
قوله: ((وقال عمر بن عبدالعزيز ﵁ كلاماً معناه: ((قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كَفُّوا، ولَهُم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدَث بعدهم؛ فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورَغِب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم مُحَسِّرٌ، وما دونهم مُقَصِّرٌ، لقد قَصُر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم)) (٢): هذا الأثر عن عمر بن عبدالعزيز ﵁ ورحمه، وهو الخليفة الراشد، له أقوال حكيمة محكمة، متضمنة للحكم والمعاني الجليلة، وهذا الذي نقله الموفق ﵀ من هذا النوع، حيث يقول:
((قف حيث وقف القوم)): أي السلف، من الصحابة ومن تبعهم بإحسان؛ فقِف معهم، ولا تتجاوز، ولا تقصِّر.
стр. 31
((فإنهم عن علمٍ وقفوا)): فهم وقفوا ولم يخوضوا في ما لا علم لهم به، بل وقفوا عند ما علموا من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
((وعن بصر نافذٍ كَفُّوا)): أي: وعن بصيرة نافذة، كفوا ووقفوا.
((ولَهُم على كشفها كانوا أقوى)): اللام هنا: هي لام الابتداء، كأن تقول: لأنت أحق أن تقول كذا وكذا، فتعرب (هم) مبتدأ، وجملة (كانوا أقوى) خبرها، وهي تشتبه باللام الجارة.
ومعنى هذه العبارة: أنه -لو أمكن- كشف ما كفوا عنه: فهم أحرى من يقوم به، لأنهم أقوى وأقدر على فهمهما.
((وبالفضل -لو كان فيها- أحرى)): فلو كان في البحث والتنقيب عن الأمور المستورة التي طوى الله علمها عن عباده؛ لو كان فيه فضل لكانوا به أحرى وأولى.
((فلئن قلتم: حدَث بعدهم؛ فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورَغِب عن سنتهم)): فما أحدثه الناس بعد الصحابة: فما أحدثوه إلا لبعدهم عن صراط الله وهداه.
((ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي)): فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم ذكروا ما ينبغي ذكره، وبيَّنوا ما ينبغي بيانه، وفسَّروا كلام الله بما علموه وما تلقوه عن نبيِّهم ﷺ ، ففي كلامهم غُنية وكفاية.
стр. 32
((فما فوقهم)): لو أتت ((مَنْ)) التي للعاقل بدل ((ما)) في الجملتين لكان أنسب؛ أي: فالذي فوقهم، ويريد تجاوز طريقهم ومنزلتهم.
((مُحَسِّرٌ)): أي: منقطع عاجز، لم يصل في سعيه إلى غاية، ولن يبلغ مرامه.
((وما دونهم)): أي: قصَّر عن اللحاق بهم.
((مُقَصِّرٌ)): ومن قصَّر عما وصلوا إليه: فهو مقصر، قد فوَّت على نفسه الفضائل والكمال والعلم والعمل الصالح.
((لقد قَصُر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا)): لم يتجاوزوهم بالفضل والكمال، وإنما تجاوزوا الطريق الذي هم عليه، ومن تجاوز الطريق السوي ضَلَّ.
((وإنهم)): أي: الصحابة، والسلف الصالح.
((فيما بين ذلك)): بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.
((لعلى هدى مستقيم)): وهو هدى الله الذي بعث به رسوله ﷺ ، فالحق والهدى والخير في سبيلهم، لأن الخير والفضائل والكمالات كلها: بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والجفاء، والناس أمام الحق: بين الغالي والجافي، ودين الله سبحانه وسط بين ذلك.
قوله: ((وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁: ((عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن
стр. 33
زخرفوه لك بالقول)) (١): وهذا من الوصايا الطيِّبة في لزوم منهج السلف الصالح، فأهل السنة والجماعة يختصون بأنهم يقتفون آثار السلف الصالح من الصحابة، والتابعين.
والتابعون للصحابة بإحسان: شاملٌ لكل من أتى بعدهم إلى يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فيشمل التابعين الذين لقوا الصحابة، وتابعيهم، وتابع التابعين، ومن بعدهم، وكل من سار على نهجهم.
((وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول)): فعلى المسلم أن يتبع الكتاب والسنة، وأن يحذر من التعصب لآراء الرجال، ومذاهب الناس، فالواجب تحكيم النصوص من الكتاب والسنة، وتحري المنهج الذي درج عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
قوله: ((وقال محمد بن عبدالرحمن الأذرمي (٢) لرجل
стр. 34
تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علِمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفَوسِعَهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه؛ أم لم يَسَعْهم؟ قال: بلى وَسِعَهم. قال: فشيءٌ وَسِع رسول الله ﷺ وخلفاءه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة: -وكان حاضراً- ((لا وسَّع الله على من لم يَسَعْه ما وسعهم)).
وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت؛ فلا وسَّع الله عليه)): على كل حال لا شك أن هذا الكلام السديد من الأذرمي ﵀ في الرد على هذا المبتدع، من أن ما يتكلم به هذا المبتدع لم يتكلم به النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون له بإحسان، فلماذا تتكلم به يا (فلان) وتدعيه وتدعو الناس إليه؟
فكان هذا الرد مفحماً له في اعتراضه الأول، حيث انقطع المبتدع ولم يحر جواباً، فأقره في المرة الأولى أن النبي ﷺ لم يعلمها، ثم تراجع وأقر أن النبي ﷺ علمها لكن وسعه السكوت
стр. 35
عليها، فلا يستطيع أن يقول: أن النبي ﷺ علمه وكتمه، وكانا يتناظران عند الخليفة الواثق، فأعجب بهذا الرد وهذا الإفحام.
وقريبٌ من هذا جرى للإمام أحمد ﵀ (١)، واحتج على من ناظره بمثل ذلك.
وقول المؤلف: أن منهج الأئمة من السابقين: ((تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت))، أنهم يقرؤون آيات الصفات وأخبارها؛ هذا مما يوهم أن مذهبهم التفويض، وأنهم يهتمون بقراءتها فقط، ولعله لا يقصد ما يقصده أهل التفويض -كما تقدم-، بل يقرؤونها وهم مؤمنون بما دلت عليه، وما دل عليه ظاهرها، من غير أن يتكلفوا في صرفها عن ظواهرها، فإن ما تقدم من كلامه يتضمن أنه ﵀ يقول بإثبات الصفات لله تعالى، ولا ينتحل مذهب أهل التفويض، وأن ما أشكل واشتبه: فإنه يجب إمراره وإقراره، إمرارٌ دون التعرض له بالتأويل، والتفسيرات المخالفة لظاهرها، وإقرار هذه النصوص على ما دلت عليه، وإقرار ما يتضمن الإثبات، لأنه لا أحد من المبتدعة ينكر النصوص، بل كل المسلمين يقرون بالآيات، ويؤمنون بأنها من القرآن، ويقرون بما جاء به الرسول ﷺ ، لكنهم يتعرضون لها ويؤلونها، ولذلك قال المؤلف: ((إمرارها وإقرارها))، أي: إقرارها على ما دلت عليه، وذلك بترك التعرض لها بالتأويل، الذي هو في الحقيقة تحريف، لأنه صرف لهذه النصوص عن ظاهرها من غير حجة.
стр. 36
الاستدلال والتمثيل
لبعض الصفات الواردة في القرآن
فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى إخباراً عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦]، وقوله: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]، وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]
الشرح
ذكر ﵀ هذه الآيات من جملة آيات الصفات في معرض إثباته للصفات، ففي كل هذه الآيات إثبات للصفات، والواجب فيها: إثبات ما دلت عليه من الصفات، كالوجه واليدين والمحبة والرضا والكراهة والغضب؛ على ما يليق به سبحانه،
стр. 37
فلا تعطيل ولا تشبيه، فأهل السنة يثبتون هذه المعاني لله تعالى على ما يليق به، إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل، فيثبتونها لله خلافاً للمعطلة، وعلى ما يليق به خلافاً للمشبهة.
فالله تعالى له وجه موصوف بالجلال والإكرام، وموصوف بالأنوار (١).
وله يدان؛ يفعل بهما، ويبسطهما، ويقبضهما، ويمسك بهما السماوات والأرض (٢)، وخلق بهما آدم، وغير ذلك.
وهو سبحانه يغضب على أعداءه، وهو يكره بعض خلقه، وبعض عباده، كما قال سبحانه: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].
وهو سبحانه يحب عباده: أولياءه المؤمنين، وعباده المتقين، وهم يحبونه، كما قال الله : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، ويرضى عنهم، ويرضون عنه، كما قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
فالمعطلة ينفون حقائق هذه الصفات كلها، والمشبهة يقولون: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي، ورضا
стр. 38
كرضاي، وحب كحبي، والطائفتان منحرفتان عن الصراط المستقيم، والصراط المستقيم: هو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، ومن سلك سبيلهم؛ وهم أهل السنة والجماعة.
الاستدلال والتمثيل
لبعض الصفات الواردة في السنة
ومن السنة قوله ﷺ : ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا))، وقوله: ((يعجب ربك من شاب ليست له صبوة))، وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة))، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته؛ نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المُحْدَثِين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه.
الشرح
قوله: ((ومن السنة قوله ﷺ : ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)) (١)، وقوله: ((يعجب ربك من شاب ليست له
стр. 39
صبوة)) (١)، وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة)) (٢)، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته؛ نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المُحْدَثِين،
стр. 40
ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١])): على كل حال هذه العبارات وهذه الكلمات تبين لنا أن الشيخ المؤلف الموفق ابن قدامة ﵀ جارٍ في هذه النصوص من الآيات والأحاديث في باب الصفات مجرى أهل السنة والجماعة، فنؤمن بهذا كله ولا نرده، نؤمن بكل ما أخبر به الله تعالى من الصفات، من الوجه واليدين والمحبة والرضا والغضب، وما أخبر به رسوله ﷺ كالنزول والضحك والعَجَب، فنؤمن بهذا كله حقاً ولا نرده؛ كما يفعل أصحاب الأهواء من الجهمية ومن وافقهم، ولا نتأوله تأويلاً يخرجها عن ظاهرها، ولا نشبه صفات الله بصفات خلقه، بل نؤمن بأنه سبحانه منزه عن صفات المخلوقين، وسمات المحدثين.
وقوله: ((ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المُحْدَثِين)): إنما هما جملتان بمعنى واحد، ولكنه أراد التنويع في العبارة.
وقد قرر ﵀ أن المذهب الحق هو الإيمان بهذه النصوص، وإمرارها على ظاهرها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، وهذا يبين أن بعض العبارات المتقدمة التي توهم التفويض؛ أنه لا يريد نفي المعنى، ونفي التفسير الصحيح، بل نفي التشبيه والتمثيل، ونفي التأويل الذي يخرج النصوص عن ظاهرها.
قوله: ((وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه)): هذه قاعدة عظيمة في الكيفيات، وإلا فالمؤمن