← Акыда

Акыда · id 18604

إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (134 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الاستدلال والتمثيل لبعض الصفات الواردة في القرآن فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى إخباراً عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦]، وقوله: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]، وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] الشرح ذكر ﵀ هذه الآيات من جملة آيات الصفات في معرض إثباته للصفات، ففي كل هذه الآيات إثبات للصفات، والواجب فيها: إثبات ما دلت عليه من الصفات، كالوجه واليدين والمحبة والرضا والكراهة والغضب؛ على ما يليق به سبحانه،

стр. 37

فلا تعطيل ولا تشبيه، فأهل السنة يثبتون هذه المعاني لله تعالى على ما يليق به، إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل، فيثبتونها لله خلافاً للمعطلة، وعلى ما يليق به خلافاً للمشبهة. فالله تعالى له وجه موصوف بالجلال والإكرام، وموصوف بالأنوار (١). وله يدان؛ يفعل بهما، ويبسطهما، ويقبضهما، ويمسك بهما السماوات والأرض (٢)، وخلق بهما آدم، وغير ذلك. وهو سبحانه يغضب على أعداءه، وهو يكره بعض خلقه، وبعض عباده، كما قال سبحانه: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]. وهو سبحانه يحب عباده: أولياءه المؤمنين، وعباده المتقين، وهم يحبونه، كما قال الله : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، ويرضى عنهم، ويرضون عنه، كما قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. فالمعطلة ينفون حقائق هذه الصفات كلها، والمشبهة يقولون: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي، ورضا

стр. 38

كرضاي، وحب كحبي، والطائفتان منحرفتان عن الصراط المستقيم، والصراط المستقيم: هو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، ومن سلك سبيلهم؛ وهم أهل السنة والجماعة. الاستدلال والتمثيل لبعض الصفات الواردة في السنة ومن السنة قوله ﷺ : ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا))، وقوله: ((يعجب ربك من شاب ليست له صبوة))، وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة))، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته؛ نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المُحْدَثِين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه. الشرح قوله: ((ومن السنة قوله ﷺ : ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)) (١)، وقوله: ((يعجب ربك من شاب ليست له

стр. 39

صبوة)) (١)، وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة)) (٢)، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته؛ نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المُحْدَثِين،

стр. 40

ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١])): على كل حال هذه العبارات وهذه الكلمات تبين لنا أن الشيخ المؤلف الموفق ابن قدامة ﵀ جارٍ في هذه النصوص من الآيات والأحاديث في باب الصفات مجرى أهل السنة والجماعة، فنؤمن بهذا كله ولا نرده، نؤمن بكل ما أخبر به الله تعالى من الصفات، من الوجه واليدين والمحبة والرضا والغضب، وما أخبر به رسوله ﷺ كالنزول والضحك والعَجَب، فنؤمن بهذا كله حقاً ولا نرده؛ كما يفعل أصحاب الأهواء من الجهمية ومن وافقهم، ولا نتأوله تأويلاً يخرجها عن ظاهرها، ولا نشبه صفات الله بصفات خلقه، بل نؤمن بأنه سبحانه منزه عن صفات المخلوقين، وسمات المحدثين. وقوله: ((ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المُحْدَثِين)): إنما هما جملتان بمعنى واحد، ولكنه أراد التنويع في العبارة. وقد قرر ﵀ أن المذهب الحق هو الإيمان بهذه النصوص، وإمرارها على ظاهرها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، وهذا يبين أن بعض العبارات المتقدمة التي توهم التفويض؛ أنه لا يريد نفي المعنى، ونفي التفسير الصحيح، بل نفي التشبيه والتمثيل، ونفي التأويل الذي يخرج النصوص عن ظاهرها. قوله: ((وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه)): هذه قاعدة عظيمة في الكيفيات، وإلا فالمؤمن

стр. 41

يخطر بباله؛ بل ويعلم ويعتقد أن الله في السماء، فوق جميع المخلوقات، ويعلم ويعتقد بأنه سبحانه له هذه الصفات الذاتية والفعلية، فكل هذا يؤمن به ويعتقده، لكن الشأن فيما يخطر بالبال من الكيفيات، وما يتخيله الإنسان؛ فإن الله تعالى بخلاف ذلك، لأن العبد إنما يتخيل في حدود ضيقة، مما يحسه وما يشاهده ونحو ذلك، وكيفية ذاته وصفاته بخلاف كيفية ذات وصفات المخلوقين، وقد عَلِمْنا أن الخوض في الكيفية يستلزم التمثيل، فالتشبيه يستلزم التمثيل، ولا يمكن للمرء أن يفكر في ذات الله سبحانه، لأن الكيف مجهول. تتمة النصوص في الاستدلال للصفات ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]﴾، وقول النبي ﷺ : ((ربَّنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمك))، وقال للجارية: ((أين الله؟)) قالت: في السماء. قال: ((اعتقها فإنها مؤمنة))، رواه مالك بن أنس، ومسلم، وغيرهما من الأئمة، وقال النبي ﷺ لحُصَين: ((كم إلهاً تعبد؟)) قال: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحداً في السماء، قال: ((ومن لرهبتك ورغبتك؟)) قال: الذي في السماء. قال: ((فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين)). فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: ((اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي))، وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون

стр. 42

أن إلههم في السماء، وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: ((إن ما بين سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله: - وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك))، فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله، سئل مالك بن أنس الإمام ﵁ فقيل: يا أبا عبدالله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: ((الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) ثم أَمَر بالرجل فَأُخرج. الشرح قوله: ((ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]﴾)): عاد ﵀ إلى ذكر بعض النصوص الدالة على بعض الصفات. قوله: ((وقول النبي ﷺ : ((ربَّنا (١) الله الذي في السماء تقدَّس اسمك)) (٢)، وقال للجارية: ((أين الله؟)) قالت: في السماء.

стр. 43

قال: ((اعتقها فإنها مؤمنة))، رواه مالك بن أنس (١)، ومسلم (٢)، وغيرهما من الأئمة (٣)، وقال النبي ﷺ لحُصَين: ((كم إلهاً تعبد؟)) قال: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحداً في السماء، قال: ((ومن لرهبتك ورغبتك؟)) قال: الذي في السماء. قال: ((فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين)). فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: ((اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي)) (٤))): ذكر المؤلف ﵀ آيتين وأحاديث؛ وفيها الدلالة على علو الله

стр. 44

على خلقه، واستواءه على عرشه، والقول في أدلة العلو والاستواء: كالقول في سائر أدلة الصفات، فنؤمن بما دلت عليه من الصفات، ولا نصرفها عن ظاهرها، فنؤمن بأنه سبحانه فوق العرش، مستوٍ عليه، وأن العرش سقف المخلوقات، وهو في السماء، أي: في جهة العلو المطلق؛ الذي ليس وراءه شيءٌ، فهو تعالى الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو فوق كل شيء، وليس فوقه شيءٌ. قوله: ((وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء (١)، وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: ((إن ما بين سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله: - وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك)) (٢))): وتمام هذا

стр. 45

الحديث: ((ويعلم ما أنتم عليه))، وهذا الحديث من شواهد إثبات علو على خلقه، واستواءه على عرشه، وقد دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، والآثار من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة؛ كلها متطابقة ومتضافرة على إثبات العلو لله تعالى، وهي تدل على أن العلو لله تعالى على ثلاثة أنواع: - الأول: علو بذاته. - الثاني: علو القدر. - الثالث: علو القهر. فالثاني والثالث ليس فيهما نزاع بين الطوائف، وإنما النزاع في النوع الأول؛ في علوه تعالى بذاته، ففيه نزاع بين أهل السنة ومخالفيهم من أهل البدعة. قوله: ((فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله. سئل مالك بن أنس الإمام ﵁ فقيل: يا أبا عبدالله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: ((الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب،

стр. 46

والسؤال عنه بدعة)) ثم أَمَر بالرجل فَأُخرج)) (١): هذه الكلمات تروى عن الإمام مالك ﵀، وهي أشهر، وعن شيخه ربيعة، وهذه الكلمات الأربع منهج في إثبات الصفات، فهي تتضمن الإثبات والعلم بالمعنى؛ لكن مع الإمساك عن التكييف. قوله: ((الاستواء غير مجهول)): أي معلوم، لأن الله تعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، فمعنى الاستواء في اللغة معلوم.

стр. 47

قوله: ((والكيف غير معقول)): معناه: غير مدرك بالمعقول، فهو غير معلوم. قوله: ((والإيمان به واجب)): لأنه مما أخبر الله به ورسوله، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله. قوله: ((والسؤال عنه بدعة)): لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا سبيل إلى معرفته، وهو من التكلف والتنطع المذموم. إثبات صفة الكلام لله تعالى ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، ومن أَذِنَ له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلِّم المؤمنين في الآخرة ويكلِّمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء:١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿منهم من كلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾ [الشورى:٥١]، وقال تعالى: ﴿فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك﴾ [طه:١١ - ١٢]، وقال: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه:١٤]، وغير جائز أن يقول هذا إلا الله، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، كسلسلة على صفوان)). ورُويَ ذلك عن النبي ﷺ . وروى عبد الله بن أُنيس عن النبي ﷺ قال: ((يحشر الله الخلائق يوم القيامة حفاة عراة غُرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من

стр. 48

بَعُد، كما يسمعه من قرُب، أنا الملك، أنا الديان))، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري. وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، ناداه ربه: ((يا موسى))، فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت؛ فقال: ((لبيك، لبيك، أسمعُ صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت))؟ فقال: ((أنا فوقك، ووراءك، وعن يمينك، وعن شمالك))، فعَلِم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: ((فكذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك))؟ قال: ((بل كلامي يا موسى)). الشرح قوله: ((ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم)): استَظْهِر من كلام المصنف ﵀ أنه ينحو منحى السالمية، فإنهم يقولون: أن كلام الله حروف وأصوات لكنها قديمة، فكلامه لا تتعلق به المشيئة، وإنما المشيئة تتعلق بإسماعه، فيُسمع كلامه القديم من شاء، فموسى إنما سمع كلام الله القديم، وهو قائم به على حد زعمهم، فهو مثل حياته وسمعه وبصره، قائم به لم يزل موصوفاً بهذا الكلام. والمذهب الحق الذي هو موجب العقل والنقل والسمع: أن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد، أي: أن الله لم يزل يتكلم بما شاء، إذا شاء، كيف شاء، وأما آحاد الكلام فهي في أوقات تابعة للمشيئة، فخطاب الله لموسى كان في وقته عند مجيئه لميقات ربه، ونادى الأبوين حين أكلا من الشجرة، وخطابه للناس يوم القيامة سيكون، فالله نادى وينادي، وقال ويقول،

стр. 49

وهناك كلام قاله الله سبحانه من قبل، وكلام سيقوله في المستقبل، فهو يخاطب من شاء، متى شاء. قوله: ((يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، ومن أَذِنَ له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلِّم المؤمنين في الآخرة ويكلِّمونه، ويأذن لهم فيزورونه)): يريد أن الله تعالى يكلم المؤمنين في الجنة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، وذلك في يوم المزيد، الذي يوافق وقته يوم الجمعة في الدنيا، فيحضر المؤمنون فينعمون بالنظر إلى وجهه الكريم، وذلك أجل نعيم أهل الجنة، نسأله تعالى لذة النظر إلى وجهه الكريم. قوله: ((قال الله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء:١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿منهم من كلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾ [الشورى:٥١]، وقال تعالى: ﴿فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك﴾ [طه:١١ - ١٢]، وقال: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه:١٤]، وغير جائز أن يقول هذا إلا الله)): وقد استدل المؤلف ﵀ في إثبات كلام الله بهذه الآيات، وهي ظاهرة الدلالة على ما أراد من إثبات صفة الكلام لله، وأنه تعالى يتكلم ويكلم، وأن كلامه بصوت يسمعه المخاطب، وكل الآيات التي ذكرها في شأن تكليم الله لموسى، وتكليمه لمن شاء من البشر، وأشهر من كلمه الله من الرسل هو موسى ﵇، ولذا يعرف بأنه كليم الله، أي: مُكلَّم من الله،

стр. 50

وقد أخبر أنه نادى الأبوين، قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]، وفي قصة آدم وإبليس ذِكْرُ خطابه تعالى للملائكة، وتوبيخه لإبليس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر]، إلى آخر القصة، والأدلة الدالة على إثبات صفة الكلام لله تعالى من نصوص الكتاب والسنة كثيرة. قوله: ((وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، كسلسلة على صفوان)) (١). ورُويَ ذلك عن النبي ﷺ (٢). وروى عبد الله بن أُنيس عن النبي ﷺ قال: ((يحشر الله الخلائق يوم القيامة حفاة عراة غُرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه

стр. 51

من بَعُد، كما يسمعه من قرُب، أنا الملك، أنا الديان))، رواه الأئمة (١)، واستشهد به البخاري (٢). وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، ناداه ربه: ((يا موسى))، فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت؛ فقال: ((لبيك، لبيك، أسمعُ صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت))؟ فقال: ((أنا فوقك، ووراءك، وعن يمينك، وعن شمالك))، فعَلِم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: ((فكذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك))؟ قال: ((بل كلامي يا موسى)) (٣): هذه الآثار والأحاديث التي ذكرها المصنف ﵀ أوردها للاستدلال على أن الله يتكلم بصوت، وهذا حق: أن الله يتكلم بصوت، وهو مستفاد من القرآن الكريم، لا من هذه الآثار التي نقل، فإن الأصل في الكلام أن يكون بصوت، وقد قال الله تعالى في غير موضع: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠]، والنداء: هو الخطاب بصوت مرتفع، وقال سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، ففيها: أن الله كلم

стр. 52

موسى، وأصرح منها في الدلالة قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وفيها: أن الله ناداه، وفيها أنه ناجاه، فكلمه نِداء ونِجاء، وهذا إنما يكون بصوت، وهذا هو الأصل، وجاء في المتفق عليه أن الله يقول: ((يا آدم! ...)) (١) فينادى بصوت. ويُستشهد بما ذكره المؤلف من أثر ابن مسعود ﵁، وحديث عبدالله بن أنيس الذي يقول فيه المؤلف: ((رواه الأئمة واستشهد به البخاري)). وأهل السنة متفقون على أن الله يتكلم بصوت، يسمعه من شاء، وأن موسى ﵇ سمع كلام الله من الله، وأن الملائكة تسمع كلام الله إذا تكلم بالوحي، فيسمعونه ويأخذهم من ذلك صعق وغشي. وأما الأثر الذي ذكره في قصة موسى؛ وتكليم الله له، فهو خبر إسرائيلي لا يعول عليه في شيء، فقد يكون في بعضه ما هو حق، كسماع موسى لكلام الله؛ فهذا حق لا شك فيه، ولا نحتاج في إثباته إلى هذا الأثر، والمؤلف استشهد به لإثبات مسألة الصوت. فموسى ﵇ سمع كلام الله بلا واسطة؛ ولكن من وراء حجاب، حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ

стр. 53

إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وفي هذا الأثر يقول: ((أنا فوقك، ووراءك، وعن يمينك، وعن شمالك))، فالله فوق كل شيء، ومحيط بكل شيء. وقد تقدم قريباً قول المؤلف ﵀ في ذلك. فصل في إثبات أن القرآن كلام الله ومن كلام الله تعالى: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿وَقَالَ

стр. 54

الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنا، لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي، الذي هو كلمات وحروف وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر، وقال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يُدرى ما هو ولا يُعقل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨] بعد أن أقسم على ذلك، وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]. وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة، وقال النبي ﷺ : ((من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)) حديث صحيح، وقال ﵇: ((اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قومٌ يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا

стр. 55

يتأجلونه))، وقال أبو بكر وعمر ﵄: ((إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه))، وقال علي ﵁: ((من كفر بحرف منه؛ فقد كفر به كله))، واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته، وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة، أو آية، أو كلمة، أو حرفاً متفقاً عليه: أنه كافر؛ وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف. الشرح قوله: ((ومن كلام الله تعالى: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود)): بعد أن ذكر المؤلف ﵀ ما يجب اعتقاده في كلام الله؛ وأنه سبحانه متكلم حقيقة بكلام حقيقي، يسمعه من قرب ومن بعد، ويسمعه من شاء الله من عباده، ذكر بعد ذلك ما يجب اعتقاده في القرآن، وأن القرآن من كلام الله، فكلام الله ليس محصوراً في القرآن، فالتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب كلها من كلام الله، والله لم يزل متكلماً، فالقرآن كلام الله، منزل من عند الله غير مخلوق، خلافاً للجهمية، نزل بلسان عربي مبين، على قلب سيد المرسلين، كما قاله الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. ومن صفات هذا القرآن: أنه الهادي إلى الصراط المستقيم،

стр. 56

وهو حبل الله المتين؛ الذي من تمسك به نجا، كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقيل في الحبل: أنه القرآن (١). قوله: ((وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات (٢)، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض)): القرآن أربعة عشر ومئة سورة، وهذه السور مشتملة على آيات، وحروف وكلمات، وله أول وآخر، أوله سورة الفاتحة، وآخره سورة الناس، وله أجزاء وأبعاض، فالسورة الواحدة بعض القرآن، كما أن الآية بعض السورة، والكلمة بعض الآية.

стр. 57

والمؤلف يردُّ بهذا الكلام وما بعده على من يقول: إن كلام الله معنى نفسي واحد لا يتبعض، وهذا القرآن المكتوب المحفوظ المسموع عبارة عن ذلك المعنى النفسي. قوله: ((متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف)): فالقرآن هو كلام الله كيفما تصرَّف، سواء كان محفوظاً في صدور العباد، أو مكتوباً في المصاحف، أو مسموعاً بالآذان، أو منطوقاً به بالألسن، فنقول في المصحف: أن فيه كلام الله، ونقول عن المحفوظ في صدور العالِمين: هو كلام الله، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ونقول فيما يقرأه القارئ: هذا كلام الله، فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري، ونقول فيما نسمعه: هذا كلام الله، فمن يستمع إلى القرآن فإنما يسمع كلام الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فسمَّى المسموع المتْلُوَّ: كلام الله. قوله: ((فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال سبحانه:

стр. 58

﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنا، لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي، الذي هو كلمات وحروف وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر، وقال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يُدرى ما هو ولا يُعقل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم)): يشير ﵀ إلى تحدي الله للثقلين -الجن والإنس- بهذا القرآن، وذكر بعض الآيات الدالة على ذلك، وقد تحداهم الله تعالى بالإتيان بمثله فقال سبحانه: ﴿فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤]، وتحداهم بالإتيان بعشر سور مثله فقال : ﴿قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣]، وتحداهم بالإتيان بسورة من مثله فقال: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]. والمؤلف ﵀ حين يذكر مثل هذه الجوانب فإنه يذكرها ويقررها للرد على الأشاعرة؛ القائلين: أن كلام الله -ومنه القرآن- معنى نفسي واحد قديم، ليس بصوت ولا حرف ولا أبعاض، معنى نفسي واحد، لا يتجزؤ ولا يتبعض، ولذلك يقرر أن له أولاً وآخراً، وأجزاء وأبعاض، وأنه مكتوب ومتلو ومسموع،

стр. 59

ونحو ذلك من الجوانب والمعاني التي يصف بها القرآن؛ وهي متضمنة للرد على الأشاعرة ومن نهج نهجهم. ويؤكد ﵀ هذه المعاني ببعض العبارات الدالة على أن القرآن فيه معانٍ مختلفة، كقوله: ((محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي))، فهذا خلاف ما تقوله الأشاعرة، من أن كلام الله معنى واحد لا تنويع فيه، وذكر هذا التنويع فيه رد عليهم، إذ أنهم يقولون: كيف يكون هذا المتنوع ما بين متلو ومسموع ومكتوب ومحفوظ ونحوها؛ كيف يكون كلام الله حقيقة؟! فهم ينفون كون هذا المتنوع هو كلام الله، وكفى بهذا ضلالاً عن الهدى، وعمى عن الحق؛ والعياذ بالله. والرد عليهم هو الحق، لأن مذهبهم يقتضي أن هذا القرآن الموجود هو عبارة عن كلام الله، وأن القرآن الحقيقي هو المعنى الواحد الذي في نفس الرب ﵎، فإن عُبِّر عنه بالعبرية فهو توراة، وإن عُبِّر عنه بالعربية فهو قرآن، وما إلى ذلك من الكلام المبتدع المنكر الذي لا أصل له. قوله: ((وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨] بعد أن أقسم على ذلك، وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة)): فمن هذه السور ما افتُتح بحرف واحد، وهي ثلاث سور،

стр. 60

﴿ص﴾، وَ ﴿ق﴾، وَ ﴿ن﴾، ومنها ما افتُتح بحرفين، كالسور المفتتحة بـ ﴿حم﴾ وهي سبع سور، ومنها ما افتُتح بثلاثة أحرف، وهو كثير، كسورة البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، فكلها مفتتحة بـ ﴿آلم﴾، ومنها ما افتُتح بأربعة أحرف؛ كسورة الرعد ﴿المر﴾، وسورة الأعراف: ﴿المص﴾، ومنها ما افتُتح بخمسة أحرف؛ كسورة مريم: ﴿كهيعص﴾، وسورة الشورى: ﴿حم * عسق﴾. وهذه الحروف التي افتتح الله بها بعض سور كتابه يسميها العلماء: الحروف المقطعة، وقد ذكرت غير مرتبة، وتنطق هذه الحروف في القرآن بأسمائها، ألف لام ميم، ونحو ذلك، ولا تنطق كلمة مركبة من الأحرف الثلاثة، فلا تقول في ألف لام ميم: أَلَمْ. ولا في طاء سين ميم: طَسَمْ. قوله: ((وقال النبي ﷺ : ((من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)) حديث صحيح، وقال ﵇: ((اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قومٌ يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم (١)، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)) (٢).

стр. 61

وقال أبو بكر وعمر ﵄: ((إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)): يشير المؤلف ﵀ إلى ما رتب الله من الأجر والفضل لمن قرأ القرآن وتلاه، كما جاء ذلك من حديث ابن مسعود ﵁: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿آلم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (١)، وذكر حديث: ((من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)) حديث صحيح، وإعراب القرآن: هو النطق به وقراءته على الوجه الصحيح، مما يوافق قواعد اللسان العربي -اللغة العربية-، ويقابل الإعراب في المعنى: اللحن. وأما التجويد: فإن كان فيه إقامة الحروف والإتيان بها على الوجه الصحيح؛ فهو واجب لابد منه، وأما قواعد التجويد المعروفة التي فيها تحسين القراءة فليست بواجبة، بل ربما أدى مراعاته إلى التكلف. وأصح من هذا الحديث الذي ذكره المؤلف: حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)) (٢)، وهو حديث صحيح.

стр. 62

وأشار إلى ما ورد من النصوص في الحث على قراءة القرآن، قراءةً وإعراباً، وأنه سيأتي قوم يقرئون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يتعجلون أجره؛ فيتوصلون به إلى أغراضهم الدنيوية، ولا يتأجلون أجره إلى يوم القيامة. قوله: ((وقال علي ﵁: ((من كفر بحرف منه؛ فقد كفر به كله))، واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته، وحروفه)): لا يزال المؤلف ﵀ في معرض الرد على الأشاعرة؛ القائلين بأن كلام الله معنى نفسي واحد قديم، وأن هذا القرآن المكتوب الذي نقرؤه إنما هو عبارة عن كلام الله. وقد ذكر المؤلف ﵀ اتفاق العلماء على عد سوره وآياته وكلماته وحروفه، وقد ذكر أهل العلم أشياء حول عدها، وقد يختلفون في العدّ، لكن المهم في ذلك: هو معرفة عدد سور القرآن، وأن عددها مئة وأربعة عشر سورة، وأن ذلك أمر متفق عليه. قوله: ((ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة، أو آية، أو كلمة، أو حرفاً متفقاً عليه: أنه كافر)): ثم ذكر ﵀ مسألة التكذيب ببعض القرآن، وأن من كذب ببعض القرآن فقد كفر؛ لأن من كذب ببعض القرآن فهو مكذب بالقرآن كله، كما أن من كذَّب الرسول في شيءٍ واحد ثابت عنه يكون مكذباً لجميع ما جاء عنه، ومن كذَّب رسولاً واحداً فهو مكذب لجميع الرسل. قوله: ((وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف)): وفي هذه الجملة تتمة للرد على من يقول: إن القرآن ليس بحروفٍ ولا

стр. 63

كلمات، وإنما هو كلام الله، الذي هو معنى نفسي قائم بالرب سبحانه، لا يتعدد ولا يتبعض ولا نحو ذلك، مما هو مخالف لمنهج أهل السنة. فصل في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة والمؤمنون يرون الله تعالى في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي ﷺ : ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته)) حديث صحيح متفق عليه، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير. الشرح يذكر المؤلف ﵀ في هذا الفصل مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهي من المسائل التي اختلفت فيها فرق الأمة وطوائفها، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله؛ من أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم، وقد دل على ذلك: الكتاب، والسنة، وإجماع سلف

стр. 64

الأمة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: بهيَّة مشرقة مضيئة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، أي: تنظر إلى ربها. والفعل: (نَظَرَ) إذا عُدَّي بـ (إلى) كان معناه: رؤية البصر، فتقول: نظرت إلى كذا وكذا. وأما (نَظَر) المتعدي بنفسه فإن معناه الانتظار، فتقول: نظرته أي انتظرته. وأما (نَظَر) المُعَدَّى بـ (في) فإن معناه التفكر، كما قال الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٨٥]. ومن أدلة الرؤية في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وجاء تفسير الزيادة: بأنها النظر إلى وجه الله الكريم (١). ومن الأدلة من القرآن أيضاً: قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].

стр. 65

ومن الأدلة من القرآن أيضاً قول الله ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وهذه الآية في حق الكفار وأهل النار، ويقول المؤلف معلقاً على هذه الآية: ((فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق))، فدل على أن هذه الآية من آيات الرؤية، حيث إن المؤمنين لا يحجبون عنه، بل يرونه. قوله: ((وقال النبي ﷺ : ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته)) حديث صحيح متفق عليه (١))): ثم استدل المؤلف ﵀ للرؤية من السنة، وقد استفاضت السنة بالإخبار عنها، وذكر حديث جرير بن عبدالله ﵁ في المتفق عليه، وجاء من حديث أبي هريرة ﵁ أن ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؛ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟)) قالوا: لا؛ يا رسول الله. قال: ((هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)) قالوا: لا؛ يا رسول الله. قال: ((فإنكم ترونه كذلك ...)) (٢). قوله: ((وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير)): فالمشبَّه إذاً: رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ورؤيتهم لربهم هي صفة لهم.

стр. 66

والمشبَّه به: هو رؤيتهم للشمس والقمر، فالمذكور في الحديث هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ((فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير))، ولذلك قال النبي ﷺ : ((... سترون ربكم كما ...))، أي: سترونه رؤية كرؤيتكم، وهذا هو التقدير الصحيح. ووجه الشبه: أنها رؤية بصرية، عيانية، جلية، ليس فيها خفاء، ولا معاناة، ولا ضيم، ولا تضام، ولا ضرر، كما يرون الشمس والقمر وهي صحو، حيث يرونهما الناس وهم في أماكنهم متباعدين، ولا يجدون معاناة في ذلك، بخلاف رؤية الهلال؛ لأن رؤيته تحتاج إلى عناء وتحري وتحديق وتعب. وأيضاً: فهي رؤية ليس فيها إحاطة، فالمؤمنون يرون ربهم، ولا تحيط به أبصارهم، كما يرون الشمس والقمر رؤية من غير إحاطة بهما، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. وأيضاً: فهي رؤية من علو، كما يرون الشمس والقمر من علو. وأنكرت المعتزلة والجهمية الرؤية مطلقاً، وكذبوا بها، وتأولوا النصوص أو ردوها، فما قدروا على ردِّه ردوه، وما لم يقدروا على رده -كالقرآن- أوَّلوه، فأمرهم دائر بين التكذيب والتحريف، وبنوا هذا على أصول فاسدة، زعموا أنها عقليات؛ وهي في حقيقتها جهليات، فهم ينفون العلو، وينفون قيام الصفات به، وأن الرؤية تستلزم المقابلة، وأن المرئي لا بد أن

стр. 67

يكون لوناً ونحو ذلك من الخيالات التي يعارضون بها النصوص الصريحة الصحيحة. وأما الأشاعرة: فإن طريقتهم في الرؤية طريقة فيها تذبذب، فليسوا مع المعتزلة ولا مع أهل السنة، فهم يقولون: إن الله يُرى لا في جهة، لا من فوق، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا من أمام، ولا غير ذلك من الجهات، وبهذا أضحكوا عليهم العقلاء، وفتحوا الباب على المعترضين عليهم؛ إذ أنهم يثبتون رؤية لا حقيقة لها ولا معنى، وإذا حُقق مذهبهم: تبين أنهم لا يثبتون الرؤية، لأن ما أثبتوه منها غير معقول. فصل في القضاء والقدر ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيءٌ إلا بإرادته، ولا يخرج شيءٌ عن مشيئته، وليس في العالم شيءٌ يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يُتجاوز ما خُط في اللوح المسطور، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدَّر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ

стр. 68

فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره))، قال: صدقت. انفرد بإخراجه مسلم، وقال النبي ﷺ : ((آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره))، ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسنَ بن علي يدعو به في قنوت الوتر: ((وقني شر ما قضيت)). الشرح القضاء يطلق على عدة معانٍ، ومنها: الحُكْم. وأما القدر: فهو التقدير. وكل منهما يطلق على اسم المفعول، فيطلق القضاء على المقْضِيِّ، والقدر على المقدَّر، فتقول عن الشيء الواقع الذي حدث: هذا قَدَرٌ الله. وتقول: هذا قضاء الله؛ أي: ما حكم به . والإيمان بالقدر أصلٌ من أصول الإيمان العظيمة؛ كما في حديث عمر ﵁ في حديث جبريل ﵇، حيث قال النبي ﷺ : ((أن تؤمن بالقدر خيره وشره)).

стр. 69

والإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب: ١. الإيمان بعلم الله السابق بكل شيءٍ. ٢. والإيمان بكتابته سبحانه لمقادير الأشياء كلها. ٣. والإيمان بعموم مشيئته ﵎. ٤. والإيمان بأن الله خالق كل شيءٍ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالإيمان بالقدر لابد أن يشتمل على هذه الأصول والمراتب الأربع، وعلى هذا فكل ما في هذا الوجود فهو بقدر الله، وهو حاصل بتقديره، وتدبيره، وقضاءه، وحكمه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فلا يكون في هذا الوجود شيءٌ إلا ما شاءه ، فلا خروج لشيء عن مشيئته، وعن تقديره، وعن تدبيره، ولا يمكن لأحد أن يتجاوز الأمر المقدور، فالله قدَّر أحوال العباد وأعمالهم، وقدر أرزاقهم، وسعادتهم وشقاوتهم، وآجالهم، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)) (١). قوله: ((ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد)): كما في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦]، وقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]. قوله: ((لا يكون شيءٌ إلا بإرادته)): أي: إرادته الكونية.

стр. 70

قوله: ((ولا يخرج شيءٌ عن مشيئته)): والمشيئة مرادفة للإرادة الكونية. والإرادة إرادتان: - الإرادة العامة، وهي التي بمعنى: المشيئة، وتُسمى: الإرادة العامة، أو الإرادة الكونية، وهذا النوع من الإرادة لا يستلزم المحبة، بل تشمل ما يحبه الله، وما يسخطه. ومن أدلة هذا النوع من الإرادة؛ قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، إلى غير ذلك من الأدلة. - الإرادة الشرعية: وتأتي هذه الإرادة متضمنة للمحبة، ومستلزمة لها، ومختصة بها. ومن أدلة هذا النوع: قول الله ﵎: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]. قوله: ((وليس في العالم شيءٌ يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره)): فكل ما في هذا الكون، وما في هذا الوجود؛ يسير بتقدير الله وتدبيره. قوله: ((ولا محيد لأحد عن القدر المقدور)): كما قال النبي ﷺ في وصيته لابن عباس ﵁: ((واعلم أن الأمة لو

стр. 71

اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) (١)، وكما قال النبي ﷺ : ((وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك)) (٢). قوله: ((ولا يُتجاوز ما خُط في اللوح المسطور، أراد ما العباد فاعلوه)): فالله تعالى أراد أفعال العباد، وشاء أعمالهم كلها، طاعاتهم ومعاصيهم، فكل ما يعمله العباد فهو بمشيئة الله وتقديره. قوله: ((ولو عصمهم لما خالفوه)): فلو عصمهم عن جميع المخالفات لما وقعوا فيها، لأنه لا خروج لشيء عن حكمه ومشيئته. قوله: ((ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه)): كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، وكما في قوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]، وكما في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:٣١]. قوله: ((خلق الخلق وأفعالهم)): فالله جل وعلا خلق العباد، وخلق قدرتهم وإرادتهم، وخلق أفعالهم أيضاً، كما قال الله

стр. 72

تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، لكنه يخلق الأسباب، ويخلق بالأسباب. خلافاً للقدرية؛ الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه. قوله: ((وقدَّر أرزاقهم وآجالهم)): والنصوص الدالة على هذا الأصل كثيرة، كما في قوله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]، وكما قال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، وكما في قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]، فالله قد ضرب للعباد آجالاً مقدَّرة معلومة، لا يتأخرون عنها ولا يتقدمونها، وكما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ السابق. قوله: ((يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته)): فهو يهدي من يشاء بفضله ورحمته وحكمته، ويضل من يشاء بحكمته وعدله، فله الحمد على كل حال، والنصوص الدالة على هذا كثيرة، فمنها قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]. قوله: ((﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣])): وذلك لكمال حكمته سبحانه، وليس ذلك لقوته وعظمته وملكه، بل لكمال حكمته وتمامها، بل هو الحكيم -سبحانه- الذي له الحكمة البالغة.

стр. 73

ولكن العباد يُسألون عن أعمالهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]. قوله: ((قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩])): وهذه الآية العظيمة من أدلة إثبات القدر، ومعناها: إنا خلقنا كل شيءٍ بقدر، فـ (كُلَّ): مفعول به منصوب، وناصبه: فعل محذوف دل عليه الفعل المذكور، ويُسمى هذا النوع في علم النحو: (الاشتغال) (١). قوله: ((وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢])): وجعل له قدْراً، كما في الآية الأخرى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣]. قوله: ((وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢])): نبرأها: أي نوجدها. فما يقع في الأرض ولا في النفوس من مصيبة إلا وهي مكتوبة قبل وجودها. قوله: ((وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥])): فمن أراد الله به الخير نور قلبه، وشرح صدره، كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، وإذا أراد الله

стр. 74

إضلال العبد جعل صدره ضيقاً حرجاً، فلا ينشرح لقبول الحق، نسأل الله السلامة والعافية. قوله: ((وروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره))، قال: صدقت. انفرد بإخراجه مسلم (١))): هذا الحديث: قطعة من حديث جبريل الطويل، وفيه ذِكرٌ لأركان الإيمان، والشاهد منه قوله: ((تؤمن بالقدر خيره وشره))، أي: تؤمن أن الله قدَّر مقادير الأشياء كلها، خيرها وشرها. أما تقديره وتدبيره وحكمه سبحانه: فكله خير، فله الحكمة البالغة في خلقه لهذه الأضداد. قوله: ((وقال النبي ﷺ : ((آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)) (٢). ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسنَ بن علي يدعو به في قنوت الوتر: ((وقني شر ما قضيت)) (٣))): هذه

стр. 75

الأحاديث فيها إثبات القضاء لله ، وأن ما يقع فهو بقضائه وتقديره وتدبيره. الاعتقاد الحق في الجمع بين الشرع والقدر ولا نجعلُ قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ونعلم أن الله ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً، يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره. الشرح قوله: ((ولا نجعلُ قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥])): يقول ﵀: لا تفعل فعل القدرية الجبرية المُشْركيَّة، الذين يغلون في إثبات
следующие страницы →