Полный текст (514 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فيقال لهذا الرجل: قد منع النبي ﵇ من شهادة الظنين والخصم، وذلك ظنة التهمة، وليس لأنه ظنين في دينه، هذا معلوم بظاهر القرآن، وقد قرن معه الخصم، والمعنى فيه مكشوف، إنما هو للظنة به في الأغلب من شهادته على خصمه، في غير ما خامصه فيه، ولا أعلم فيه خلافا، ولا في شهادة العدو على من عاداه، وهما مقبولان على الأجنبيين.
فهذا أمر ظاهر لا شبهة فيه أن رد شهادتهما للظنة المذكورة، بما دل عليه الكتاب وقاله الرسول ﵇، واجتمع علماء الأمصار على العلة من ذلك في الخصم والعدو، لا وجه لذلك غير التهمة والظنة، فكانت الظنة لها الحكم فيمن قامت فيه.
стр. 142
ولا يشك أحد أن الظنة في الولد اقوى من ذلك، وكذلك الأبوين ونحوهما، من الزوج والزوجة، بما دلت عليه الشواهد من الكتاب والسنة عن الرسول ﵇، من اشتراكهم في المنافع والمضار، والصلاح والفساد الموجب للظنة.
وقد رد الرسول ﵇ شهادة الظنين والخصم، وشهادة ذي الحنة، وهي العداوة وكذلك ذو الغمر، على أخيه، وهذه ابنية التهم والظنة اللاحقة في الأغلب من أحوال الناس، في أبنائهم وفي الأبوين وبين الزوجين.
وقد يقع خصائص من الناس هم بخلاف ذلك، من عداوة تكون بين من ذكرنا أو تباعد، وذلك نادر وأمر يبعد، لا يرد بذلك الغالب الأعم، كما قد يقع في بعض الخصماء والأعداء من لا يحيف على خصمه أو عدوه، ولا يشهد عليه بباطل فلا ينظر إلى النادر في ذلك، ولابد من أن يحمي ذلك بأن يكون الناس فيه سواء، على ظاهر ما به تحمي الأمور، بما تقدمت دلائلنا فيه.
كما أنه قد منع القاتل الميراث، وكان الأصل في ذلك التهمة بنيل الميراث ثم قد يقع قاتل قد علم أنه لم يقصد للميراث، فلا ينظر إلى ذلك النادر، وهكذا جرت الأصول في هذا وشبهه.
стр. 143
ونسأل هذا الرجل عن رجل شهد لنفسه ولغيره في مال بكتاب واحد، فإن أبطلها لنفسه وأجازها لغيره حكم في شهادة واحدة برد بعضها وقبول بعضها، والعلة فيما ردها فيه قائمة فيما قبلها فيه، للتهمة في تصحيح الأمر بعضه ببعض [] [وذلك] ظنه أوجبت رد جميع الشهادة.
فإن كابر في ذلك، قيل له: أرأيت إن شهد مع غيره على شريكه في عبد أنه أعتق حصته منه فيلزمك أن تجيز شهادته في العتق للعبد، لأن ذلك نفع للعبد، ولا توجب له القيمة التي هي منافعه فتصير إلى عتق شقص، بغير تقويم، وذلك خلاف السنة.
وإن ابطلت شهادته للعبد في منافع العبد بالظنة به في أن يأخذ القيمة التي هي منافعه، فهذا ما قلنا دون ما قلت.
стр. 144
ورد العلماء شهادة الخصم والعدو – وهما مقبولان على الأجنبي – دليل على إقامة أحكام الظنة في رد الشهادة بها.
وليس الظنة بخصومة وعداوة وقرابة مبطلة لعدالة العدل، وهذا مكشوف يدل على ما ذهبنا إليه، وقد روى ابن وهب عن ابن سيرين وشريح، أنه لا تجوز شهادة المريب ولا الشريك لشريكه، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الخصم، ولا دافع المغرم، قال محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري: لا أعلم في هذه الجملة اختلافا بين اهل العلم الذين يعتمد عليهم.
وهذا كله هو الذي قلنا من حكم الظنة، التي بها رددنا الشهادة، بين الزوجين والولد والأبوين.
والشافعي يقول لا تجوز شهادة الأب للولد ولا الولد للأب كقولنا، وإن كنت نسبته إلى خلاف مالك في مسائل كتابك، فلا أنت – إن كنت عرفت قوله – نسبت إليه ما قاله، ورددته عليه، ولم تشر إلى أن كتابك لنصر مذاهبه، وإن كنت قد جهلت قوله، فالتوقف عن القول كان أولى بك.
стр. 145
ونسأل هذا الرجل عن شهادة المدبر، والموصي بعتقه، على سيده بما يو [جب] قتله، فإن أبطلها حكم برد الشهادة بالتهمة، لأنه ممن يجيز شهادة العبد، وإن أجازها انفرد بما لا أعلم له قائلا.
وكذلك يسأل عن شهادة الوارث بمثل ذلك، ويسأل عن الغرماء إن شهدوا لغريمهم الذي أحاط به الدين وليس عنده له وفاء على رجل بدين، أو شهد بذلك واحد منهم، وقد يصير إلى من شهد له بعض ما يقضي له به، وقد لا يصير لهم، وقد يحدث له غني دون ذلك، وقد يهلك قبل قسمه، وهو لا يصل إليهم حتى يصير إلى ملكه.
فإن رد هذه الشهادة أبطل الشهادة بالظنة والتهم، وهذا قولنا، ويلزمه أن يجيزها، ويمضي عزائمه فيما أصل فيه من الأصول التي لم يحكمها، فتداعت عليه فروعها.
قال هذا الرجل فيما احتج به: وأنت تقطع أحد الزوجين فيما سرق من مال صاحبه،
стр. 146
والابن فيما سرق لوالديه، والعدالة غير زائلة عن من ذكرنا.
فإن أراد أن عدالة من ذكرنا فيه بعد السرقة والقطع فيها، فهذا فاسد، ولا يكون السارق عدلا، وإن أومأ إلى أن من يقطعون في السرقة من امله ينبغي أن تجوز شهادتهم له فهذا لا يلزم، لأنا لم نقل إنهم – فيما عندهم من الظنة – قد صار كل واحد مالكا، لمال الآخر، وإنام قويت فيهم الظنة، لما ذكرنا من أن غنى زوجته غناه، وقد يزاد عليه في صداق التفويض لذلك، وكذلك غناه غني لها، وما كرنا في الأبوين والولد من الأمور التي هي أقوى من ذلك.
ونراك لم تجد أصلا في الشهادات ترد إليه ما اختلفنا فيه منها، حتى خرجت إلى السرقة فجنفت في القياس، وينبغي على وزنك أن تسالمنا في شهادة الأب لابنه؛ إذ قلنا: إنه لا يقطع في سرقة ماله، وتناظرنا في قطعه في هذه السرقة التي جعلتها أصلا، فما الذي هو الأصل عندك، المرد [ود] إليه الفرع: الشهادة أم السرقة؟ إذا أقمت أحكام القيـ[ـاس].
وذكر هذا الرجل رواية عن عمر بإجازة شهادة الوالد للولد، والولد للوالد، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولا.
فلنا عن عمر ما دل على خلافه: روى مالك عن عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا
стр. 147
ظنين، وروى ابن وهب عنه أيضا: ولا ظنين في قرابة.
وأنا ابو بكر بن محمد قال: نا يحيى قال: نا سحنون، عن ابن وهب قال: أخبرنا عبد الله بن عمر العمري، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فقد بين أن ظنة القرابة لا تقبل معها الشهادة.
стр. 148
وقال ابن شهاب: مضت السنة لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
وأما روايته عن شريح أنه: أجاز شهادة زوج لزوجته، وذكر ذلك عن رجل مجهول، ولنا عن شريح خلافه.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم، قال: نا الأنصاري قال نا عبد الله قال نا وكيع قال نا سفيان عن جابر عن عامر عن شريح قال لا تجوز شهادة الابن لأبيه ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته.
وبإسناده عن سفيان، عن منصور عن إبراهيم مثله، وزاد، ولا السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا الشريك لشريكه، ونا الحسن ومنصـ[ـور] نحوه.
فهذا ما ذكر العلماء من صحيح الحديث، وعليه عمل الحكام بكل بلد، ومثل هذا كثير عن تابعي أهل المدينة، وغيرهم من أهل العراقين والحرمين، يكثر علينا ذكره، وفيما ذكرنا في باب شهادة العبد من الحديث الثابت عن عثمان، في الشهادة ترد علي
стр. 149
العبد والصغير والكافر، ثم يؤدونها بعد زوال الرق والكفر والصغر أنها لا تجوز أتيت بالمعنى، فهذا مما يقوي أحكام الظنة.
وما روى مما لم يذكره هذا الرجل عن أشعث عن الشعبي أنه أجاز شهادة الأب لابنه، والرجل لامرأته ولم يجز شهادة الابن لأبيه، ولا المرأة لزوجها.
فهذا أشعث بن سوار، وليس الحداني، وهذا ضعيف ولنا عن الشعبي خلافه.
стр. 150
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: نا الأنصاري قال: نا عبد الله قال: نا أبو معاوية عن عاصم، عن الشعبي قال أدنى ما يجوز من الشهادة شهادة الأخ لأخيه.
فلو أجاز شهادة الأب ما قال: أدني ذلك الأخ. لأن الأب والابن أدنى، وقد قال النبي ﷺ : أنت ومالك لأبيك، وقال الله سبحانه: ﴿آباءكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ وقد ذكرنا كثيرًا من مثل هذا فيهم وفي الزوجين.
وأما ما ذكر عن ابن شهاب قال: سألته عن شهادة الوالد لولده، قال كان فيما مضى من السنة وسلف المسلمين يتأولون في ذلك قول الله ﴿يا أيها الذين ءامنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين﴾ فلم يكن يتهم في سلف المسلمين والد لولده، ولا ولد لوالده، ولا أخ لأخيه، لا امرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، إذا رضي هديهم.
فهذا حديث مختصر، قد بقي منه بيانه، حدثناه ابو بكر بن محمد قال: نا يحيى قال: نا سحنون [نا ابن وهب] [نا يونس]، عن ابن شهاب قال مثله وزاد: [ثم
стр. 151
دخل] الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور، حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوجة والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء.
ولا وجه لا [نتقاء] الأحاديث، والطرح منها ما بطرحه تستقيم حجة الخصم، هذا غير سائغ لفاعله، وقد ذكرنا هذه الآية في أول الباب، وإنما فيها الشهادة عليهم بقوله: ﴿علي أنفسكم أو الوالدين﴾ وقد جعلهم كنفسه، ولم يذكر الشهادة لهم، فكما لا يشهد لنفسه فلا تجوز شهادته لهؤلاء المذكورين معه، وفي بعض ما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
стр. 152
باب في نكاح المريض
قال عبد الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك في نكاح المريض، أنه لا يجوز، واحتج بإباحة الله للنكاح مطلقا، وذكر أن مالكا، قال: إن طلاقه لا يجوز.
وهذا لم يقله مالك في الطلاق، بل الطلاق جائز عنده واقع ولها الميراث.
وقال هذا الرجل: فما الذي أوجب هذا؟ أكتاب أم سنة أم اتفاق؟
ونحن ندله من الكتاب والسنة والاتفاق على صحة ما قال مالك ﵀.
فيقال له: أرأيت لما أباح الله سبحانه البيع في كتابه مطلقا، اليس جائزا، للمتبايعين التبايع بأكثر من قيمة السلعة، وبأقل، لا خلاف في ذلك بظاهر القرآن.
стр. 153
أفرأيت إن باع المريض بأقل من القيمة أو اشترى بأكثر منها، فإن أجزت له ذلك في رأس ماله، فقد أبحت ما دل الكتاب والسنة على حظره، أن المريض ممنوع من الحكم في ثلثي ماله بما ينقصه.
وإن منعته ذلك، وقلت: الزائد على قيمة السلعة التي ابتاع كأنه لم يأخذ له عوضا، قلت معنا بالمعاني، وانتقلت عن ظاهر إباحة البيع المطلق، إلى تخصيص ذلك بالدليل، ومنعت المحاباة بدليل ذلك، وبدليل ما منع النبي ﵇ من الوصية، وجعلت المحاباة - وإن لم يذكرها - كالوصية التي ذكرها.
فما الذي بعد عليك أيها الرجل منا، أن خصصنا نكاح المريض بدليل الكتاب والسنة؟
стр. 154
فإن قلت: إنه قد أخذ النكاح عوضا وهو البضع، كما أخذ السلعة عوضا، فأجز النكاح بصداق المثل، كما أجزت له البيع بالقيمة.
قيل لك: وفقت بين معنيين من المسألتين غير متفقين، وذلك أن السلعة التي اشتراها أو باعها بالقيمة، قد أخذ مما أعطي عوضا نمي به ماله، وأبقاه لوارثه، والزوجة ليست هي بنماء للمال، ولا من ما يورث عنه، وأصل العلة تحصين المال على الوارث.
فإن قلت: كما أبيح للمريض شراء مصالح عيشه وعلاجه في مرضه، فالزوجة من ذلك.
قيل له: لا يشهه ذلك، لأن المريض به حاجة إلى الغذاء والدواء وشبهه، وليس به حاجة إلى النكاح، ومن صار من المرضى إلى ضرورة الحاجة إلى الباه فهو صحيح، تجوز هبته، وصدقته، ونكاحه.
ويسأل عن هبة المريض وصدقته، فإن قال: في ثلثه، قيل له: ولم ذلك، وأنت تطالب ظاهر الأسماء، ولا ترد حكم المسكوت عنه إلى المذكور، الذي فيه من العلة ما في المذكور، ولا تقول بالعلل؟ والنبي ﵇ إنما منع سعدًا من الوصية بأكثر من الثلث.
فإن قلت: إن قوله: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة، دل أن المعنى الإبقاء على الوارث فدل أن كل فعل ينقص الوارث فقد منعه منه، إلا ما المريض إليه مضطر من قوام بدنه.
стр. 155
قيل له: هذا صحيح وليس بأصلك في رد المسكوت عنه إلى المذكور إذا ساواه في العلة، فإن صح ذلك عندك، فألا منعته من النكاح، وهو ينقص الوارث من ميراثه، بسبب صداق الزوجة وميراثها.
فإن قلت مقتحمًا: إن صدقته وهبته جائزة، إذ ليست بمذكورة، قلت ما لا أعلم له قائلا، وظاهر الحديث يمنع من ذلك بقوله: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير. فجمع بهذا الكلام كل معنى يوجب النقص على الوارث أنه ممنوع.
وقد أعتق رجل ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم، فرد النبي ﵇ عتقه لجميعهم وأعتق ثلثهم، والعتق أقوى في الأحكام من الهبة والصدقة.
فإن قلت - وما أستبعد أن تقوله- إن العتق والوصية أمنع منهما إلا في الثلث، وأجيز الهبة والصدقة من رأس المال، صرت إلى ما الإقرار به ينوب عن نقضه، لأنه إبطال للمواريث ولمعاني الأخبار، وما يفهمه الخاصة والعامة من معاني الأمر والنهي.
وفي منع النبي ﵇ للقاتل من الميراث دليل لمن يثبب المعاني، لأنه لم ترتفع قرابته بالقتل، إنما منع لطلبه - في الأغلب - أن يرث بغير ما أذن الله به ان يرث فكذلك
стр. 156
المريض ممنوع أن يدخل في ورثته وارثا بغير ما أذن الله ورسوله، أن يفعل فعلا ينقص به الوارث إلا ما به إليه الضرورة.
وكل فعل له يشبه ما جاء فيه النص من الوصية، فيمنع منه إلا في ثلثه، من هبة وصدقة وعطية وعمري وحبس وعتق أوصى به ومحاباة بيع، وليس من هذا شيء مذكور بعينه، وهو مباح بظاهر الكتاب، فالمعنى الذي به منع من هذه الحوادث حتى ردت إلى الثلث هو المعنى الذي به منع من النكاح.
فإن قال: فأجز النكاح، واجعل الصداق في الثلث وإن لم يدخل بها.
قلت: هذا يفسد من وجوه، لأنا إن منعناها الميراث فقد صححنا لهذا عقدا يوجب وجهين، فأبطلنا أحدهما وجعلنا الآخر من الثلث، والعلة التي بها يبطل الميراث بها يبطل الصداق إذا لم يدخل بها، وإذا ثبت الصداق وجب لها الميراث، وإذا صارت وارثه بطل أن يكون صداقها من الثلث.
فإن قلت: أجعل لها الميراث في الثلث، قلت: هذا أفسد، لأنه يصير وارثه يرث من بعض المال دون بعض، وليس هذا في الأصول، وربما استغرق الصداق الثلث، فتصير لا ميراث لها.
стр. 157
وإن لم تقدمها - على أصلك - على أهل الوصايا في الصداق أخذت منه ما ربما قل أو كثر وهي تبيح الآن نفسها بما لا تدري ما يحصل لها من بضعها وهذا اختلاط.
ومما يفسد به عقد هذا النكاح غير وجه: منها ما تقدم دليلنا عليه، في منعه من إدخاله على ورثته وارثا ينقصهم الميراث.
ومنها أنه عجل لها صداقا لم يأخذ عليها، عوضا يوفر به ماله، الذي عليه فيه معنى من الحجر في المرض، بسبب الإبقاء على الوراث ولعل صداقها ماله كله.
ومنها أنه إن طلقها قبل المسيس ولم يفرض لها، أو بعد المسيس وقد فرض لها أو لم يفرض، أن عليه عنده أن يمنعها والمتعة في قوله واجبة بالقضاء فيؤديه إلى أن يعطيها متعة لا يأخذ عليها عوضا، وهي فرض عنده كالدين، فلا يحسن أن تكون من الثلث.
ويقال له: إذا كان المريض له أن ينكح عندك مطلقا كما له ذلك في الصحة فهل تبيح له أن يتزوج بأكثر من صداق المثل في المرض كالصحيح؟ فإن قال: لا، قيل: ولم ذلك، والله سبحانه لم يفرق عندك بين ما أطلق من النكاح بين مريض أو صحيح؟
فإن فرقت بينهما لمعنى ما، كان ذلك المعنى هو دليلنا على منعه من جميع أحكام، النكاح، إذ العلة في الزائد على صداق المثل مثلها في النكاح بصداق المثل، لأن ذلك الزائد داخل فيما أخذ عليه العوض من بضعها وصارت العلة راجعة إلى حياطة الوارث في الإبقاء عليه.
стр. 158
وإن تقحم فأجاز أن يتزوجها في المرض بأكثر من صداق المثل، خرج إلى ما تخف به مؤنته، وتبطله حكايته، ويلزمه ذلك في البيع – وهو اقوى للعوض الذي يأخذ – وإن حابى، ولا يعجز أحد أن يتصدق ويهب في مرضه، ويجعله من رأس ماله، بأن يحدث شراء ما يساوي درهما بمائة دينار، ويتزوج من صداق مثلها ربع دينار بمائة دينـ[ـار].
فإن أبي من ذلك لزمه كل ما تقدم ذكرنا إياه.
ويقال له: أرأيت ما زادها على صداق المثل، إذا منعته أن يكون من رأس المال، أيكون من الثلث؟
فإن جعلته من الثلث – وهي عندك وارثة – ابحث العطية والهبة لوارث، لإدخالك ذلك في باب العطايا، وخروجك به عن رأس المال، والأصول تدفع هذا.
وإن قلت: أمنعها الزائد وأقصرها على صداق المثل، قيل لك، وما علة إبطالك لما أباحة ظاهر القرآن، بقوله وإن ﴿ءاتيتم إحداهن قنطارا﴾ الآية، فلا ترد ذلك بمعنى إلا لزمك مثله في بقية الصداق.
ويقال له: فهبك منعتها من الزائد إن مات، أرأيت إن صح؟
فإن قلت: لا يكون لها، قيل لك: ولم، والعلة التي بها منعتها بها من ذلك وهي المرض – قد زالت؟ ولم رددتها إلى صداق المثل، دون ما تراضيا به؟ والعقد صحيح عندك، والصداق لا فساد فيه، وكيف تجبرها أن تبيح نفسها بما لم ترض به؟
أرأيت إن امتنعت من البناء الآن، إلا بما – رضيت به، أينقصها منه، والله سبحانه
стр. 159
ورسوله ﵇ إنما أباح الفروج بما تراضيا به من الصداق فأولى بك فسخ هذا النكاح من بدء أمره، لما يدخل صداقه من هذا وغيره.
فإن قلت: يقضي لها بجميعه إذا صح، ويكون لها إذا مات صداق المثل، إن كان هو أقل.
قيل لك: هذا أفسد؛ لأنها تصير امرأة تزوجت بصداق، لا تدري أيقل أم يكثر لأنه تارة يكثر إن صح ويقل إن مات، فهذا مجهول وخطر، وقد نهي عن بيع الغرر، والغرر في الفروج أكثر.
ويصير أيضا نكاحا مترقبا، لأنه إن دعاها إلى البناء في المرض، فامتنعت ألا تقبض جميع الصداق، وقالت: لا أبيح نفسي إلا بشيء معلوم ثابت لا يزول مات أو عاش، فأنا أمنعه نفسي حتى يصح فأخذ جميع ما راضاني عليه، أو يموت فآخذ ما أعطيتموني فهذا نكاح لم يوقف منه على معلوم، والأصول من كل وجه تدفعه [وتدل] على فساده، ولا يجوز عند أحد نكاح يكون صداقه على [وجه] تارة يقل وتارة يكثر.
стр. 160
وإن قضيت لها بتعجيل المثل وتأ [خير] الزائد، دخل في ذلك ما تقدم من العلل، مع إباحتك إياها ببعض ما رضيته عوضا، وهي من باقيه على خطر أن تأخذه، أو بعضه أو جميعه، أو يقرب منها أخذه، أو يبعد فبعضه عجلته بفساد، وبعضه مؤجل إلى أجل مجهول مع غرر في أخذه، وهذا أمر كلما قلبته لم تفقد فيه خلللا
ومن ترك مطالبة العلل من الظواهر المذكورة، والاستدلال بها على ما لم يذكر، ضاقت مذاهبه، وهذا سبيل من عدل عن اختيار سلفه، وتلقي الأمور في أصول الكتاب والسنة بغير تلقيهم واستخراجهم، ولو افتقر إلى استنباطهم وقصر [نفسه على تـ]ـتبعه أفهامهم، لم يرد مورد المتكلفين.
قال هذا الـ[ـرل: ز] عم مالك أن نكاح المريض يلزم فيه الطلاق إن طلق، فـ[ـالزوجة] يلزم فيها الطلاق، وهي لا ترثه قبل الطلاق.
فيقال له: إن مالكا، ﵀، اختلف قوله في فسخ نكاح المريض، فقال مرة: بطلاق وقال: إنه يفسخ بغير طلاق، ولا يقع فيه الطلاق، وأنت غير خبير بأقاويله [ومذاهبه].
واختلف قوله أ [يضا إن] صح، فقال مرة: إن صح قبل الفسخ لم يفسخ ثم قال: يفسخ صح أم لم يصح، ولكل قول من قوليه وجه، لم يخرج فيه عن الأصول.
стр. 161
[فأما] قوله: يفسخ بغير طلاق، وإنه يفسخ بعد صحة المريض فلما [حصل] في عقدة النكاح من الفساد، والنكاح إذا فسد لعقده لم يثبت، وعلى هذا كثير من أصحابه.
وأما قوله يفسخ بطلاق، فإنما احتاط على الزوج الثاني، إن تزوجت غيره، وعليها لما في نكاح المريض من الاختلاف، فجعل بذلك الاختلاف شبهة أوجبت الصداق بالمسيس , وألحق بها الولد، ثم احتاط بإيقاع الطلاق في فسخه، إذ لا ضرر يلحق الزوجين في ذلك، إلا ما فيه من الاحتياط لما عسى أن يكون في الاختلاف في ذلك من الاحتمال، وهذا شأنه ﵀ أن يميل إلى الاحتياط الذي لا يغير شيئا من الأحكام، وهذا من توقي الشبهات. ويقال لك: هل تقيم من أحكام النكاح الفاسد حكما مثل حكم النكاح الصحيح؟ فإن قلت: لا، قيل لك، فأوجب الحد فيه، وأنف الولد، وأبطل الصداق.
فإن أبيت ذلك، قيل لك، فألا اعتبرت بهذا أنك فسخته، وهي عندك غير زوجة ولا يلحقها طلاقه، ثم أوجبت الصداق، وألحقت الولد وأسقطت الحد، وهي ثلاثة أحكام من أحكام النكاح الصحيح.
فلا تستبعد أيها الرجل لحاق الطلاق احتياطا، ولا تنكر بأول خاطرك على ذوي الرسوخ، الذين لا يتكلمون إلا عن أصول يرجعون إليها، ويتحرجون أن يقولوا [] إذا صح منه، ثبت النكاح، [فقد] أعلمناك أن أكثر قوله وقول أصحابـ[ـه] أن يفسخ وإن صح، وكان أولى أن تعرف أقاويله قبل إنكارك عليه.
ولو تقلد قوله الآخر متقلد لوجد مسلكا من التأويل في أصوله، لأن غير نكاح يكون يفسخ لعلة، فإذا زالت ثبت أعني في قول مالك، كالعبد يتزوج بغير إذن سيده،
стр. 162
فإن أجازه ثبت، وإن شاء فسخه، وفي نكاح الحرة بغير إذن وليها، فيجيز الولي اختلاف من قوله.
وسنجيبه على مسألة العبد بعد هذا، لأنها مما أنكر، ونجيبه على طلاق المريض بعد فراغنا من ذكر نكاحه، لأنه خلط ذلك بعضه ببعض.
ثم قال هذا الرجل: وقد أجاز نكاح المريض جماعة من الصحابة، ورأيته ينضح من الحديث بشيء من كتاب أبي عبيد، فذكر رواية أبي عبيد عن أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: دخل الزبير على قدامة بن مظعون، فبشر الزبير بجارية صغيرة وهو عنده، فقال له قدامة، زوجنيها، فقال له الزبير، وما تصنع بجارية صغيرة، وأنت على هذه الحال؟ فقال: إن أنا عشت فابنة الزبير، وإن مت فأحـ[ـق] ورثتي، قال فزوجها إياه.
ولو تأملت هذا الحديث لم تحتج به، لأنه ليس فيه أنه كان مريضا، وقوله: وأنت على هذه الحا [ل]، يعني في الز [ما] نة والكبر، وكذلك رويناه مفسرًا.
ولو لم يكن لنا بذلك رواية لكان لا يشبه في المعنى ان يقول الزبير: ما تصنع بغيرة وأنت على هذه الحال؟ لأنه لا يصنع بصغيرة ش [ـيئا] لا في مرضه ولا في صحته،
стр. 163
فلا معنى أن [] من الكلام أن يقول: ما تصنع بصغيرة، وأنت في حال كبر سن وزمانة؛ لأنه الأغلب ألا يعيش إلى أن تصير هي تصلح للرجال.
فهذا [أ] شبه وقد رويناه مفسرًا، نا محمد بن عثمان، قال: نا محمد بن أحمد المالكي، [قـ]ـال: نا أبو السري، عن حجاج، عن حماد، عن هشام عن ابيه أن الزبير نفست له جارية، فتزوجها قدامة بن مظعون، فقيل له: تتزوج جارية [قد] نفست وأنت شيخ كبير؟ فقال: ثم ذكر باقي الحديث، فلم يذكر فيه [مر] ضا ولا عيادة من مرض، ولا أصل لهذا.
وقد رواه سفيان وحماد و [أبو] حاتم وجماعة فما ذكروا فيه مرضا.
وهذا قول الفقهاء من [أهل] الحرمين والعراقين، من رواية ابن وهب وغيره. من مصنفي أصحابنا [وغي] رهم، وأكره تطويل ذكر الأسانيد.
стр. 164
ولم تذكر أنت من ذلك أسانيد [لك] تتكيء عليها، وتقابل ذلك بمثلها.
فممن قال ذلك ابن شهاب و [يحـ]ـي بن سعيد وربيعة وعطاء وابن أبي ليلى، وحماد، وقضى به أبو [حفص] بن عمر بن حفص بالمدينة.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم [قال]: أنا الحارث بن أبي أسامة عن ابي عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء [عـ]ـن المريض يتزوج فقال: حدث، وقد قال النبي عليـ[ـه السلام]: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
ثم ذكر هذا الرجل [خبرا لا إسناد له] أن معاذا [خطـ]ـب امرأة في مرضه،
стр. 165
وأنه كره أن يلقى الله عازبا، قال غير واحد [من] العلماء بالحديث، وهذا باطل لا أصل له، ولو ذكر إسناد لعللناه [له]، وهذا عندهم منكر لا يثب.
والذي ذكر هذا الرجل أن قوله قول جماعة من الصحابة، ثم لم يحصل عليه مما ذكر شيء، ولا صح له ذلك مما ذكر عن واحد منهم.
وما ذكر عن الشعبي وإبراهيم، فقد خالفهما، من التابعين من ذكرنا مع من ذكرنا من فقهاء الصحابة، مع ما ايد ذلك من الدلائل التي ذكرناها.
ومن أعاجيب قوله أنه قال: ويدل على صحة نكاح المريض أنها إن ولدت منـ[ـه] أن الولد لاحق، وأنه إن اقر بولد لحق به، وإن نقص ذلـ[ك] الورثة.
وهذا استدلال فاسد، ويلزمه أن كل نكاح فاسـ[ـد] يلحق فيه الولد، لا يفسده إذا ألحق فيه الولد، والولد يلـ[ـحق] بالشبهة، وهو لا يملك الإتيان بالولد، ذلك من
стр. 166
خلق الله [عز] وجل، وقد دللنا على فساد النكاح، فلا درك علينا بما يأ [تي] فيه من الولد.
وأما قوله: قد يقر بولد فيلحق به، وينقص ذ [لك] الورثة، يقال له: إقراره بالولد ليس هو ابتداء في المبـ[ـاشرة] للفعل الذي كان عنه الولد، من نكاح، وهو من غير عقد ا [لنكاح] في مرضه، ومع ذلك إن الولد يلحق في كل نكاح فاسد، فـ[ـلا] يحسن أن يكون دليلك على إجازة النكاح لحوقه.
والولد الذ [ي] لا يعرف له نسب لايتهم في استلحاقه، كما لا يتهم عـ[ـند] نفيه، ويتهم في النكاح في المرض، كما يتهم في الطلاق [فيه] واستلحاق الولد فرض عليه، وليس النكاح بواجب علـ[ـيه] وإقراره بالولد غير موجب حتما نقصان مال الوارث، لا [حتمال] موت الولد المستلحق قبله، والزوجة يتعجل فيها زوال [المال] حتما بالصداق، فليس ما ساويت بينه بمشتبه.
ولو لم نستدل على إبطال نكاح المريض إلا بما أوجب الصحابة من الميراث لزوجته، إذا طلقها في مرضه، وهم عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب وعائشة وابن عمر، لا مخالف لهم من الصحابة بنص يصح ويثبت، والله أعلم.
فقد حصنوا الميراث فمنعوه أن يخرج بطلاقه وارثا، فكذلك لا يزيد بنكاحه وارثا، وما في ذلك أكثر، [وفي] بعض ما ذكرنا كفاية، ولله الحمد.
стр. 167
باب طلاق المريض
قال [عبد] الله: وأنكر هذا الرجل قول مالك في المريض يطلق زوجته: [إنها] ترثه وإن خرجت من العدة، أو تزوجت غيره، ولا يرثها.
[قال]: وهذا خلاف حكم الله في الميراث بين الزوجين، فإن اكنا [زو] جين توارثا، وإن لم يكونا زوجين فلا ميراث لها منه، وكيف [ينـ]ـكح غيره فرجها، وترث الأول، وهي لا تعتد منه إن مات، [وتـ]ـوريثها بعد إلزام الطلاق لها، وزوال العصمة مخالف [لظا] هر القرآن والسنة، ومن أكل المال بالباطل.
قال: وإنما [حكمـ]ـت بالتهمة، والتهمة لا توجب حقيقة.
أرأيت من لا عن [مـ]ـن الحمل في مرضه، هل يرثه ذلك الحمل والزوجة
стр. 168
[بالتهـ]ـمة، أو أقر لغريم أجنبي بمال وعليه دين محيط، أتتهمونه [فـ]ـيه؟
ومن ذهب إلى هذا القول المخالف للتنزيل فإنما قلد [فيـ]ـه، عثمان، وقد خالفه في كثير من أحكامه وقضاياه، منها تخمير [المـ]ـحرم وجهه، فكان يخالف عثمان فيما هو خلاف ظاهر القرآن من طلاق المريض، لأنه خلاف كتاب الله.
قال عبد الله: فإنا نقول: تأملوا، رحمكم الله، قوله في عثمان: إنه حكم بخلاف كتاب الله، وقال أيضا: إن قوله مخالف للتنزيل، وهذا كلام من لم يتبع الصحابة بإحسان.
ولا يجوز لقائل أن يقول في أهل اللغة واللسان والفقه والبيان: إنهم اختلفوا في نص القرآن، فصار بعضهم مخالفا للتنزيل، وكأن لا وجه لاختلافهم من احتمال الظاهر، وهذا طعن شديد، هذا إن ثبت أنهم اختلفوا في ذلك، وهو لا يثبت له، ولكن لو صح اختلافهم في طلاق المريض لم يسع أن ينطق بهذا الـ[ـكلام].
стр. 169
ولا يتسع لأحد أن يقول: إن اختلافهم يقع فيما [لا يحتمل] غير وجه واحد، ولو لم يقل ذلك منهم غير عثمان ما [جوز] ذلك لذي دين ان يقول: إنه خالف نص التنزيل بما لا يحـ[ـتمل] غير ظاهر النص.
فكيف وقد قاله مع عثمان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابي بن كعب، وابن الزبير، إن كان [قد] حكى عن ابن الزبير خلاف ذلك، فإنا نوجده ما ذكرنا عن [ابن الزبير وعن غيره من] فقهاء الصحابة منهم ثـ[ـلاثة من] الخلفاء [] [قال] هذا الإنسان إنه خلا [ف قول ابن] الزبير، [قال به []ـهم، ولا نعلم
стр. 170
أحدا من الصحابة قال [] [الكتاب] [] من أن تقول: إن عبد الـ[ـرحمن] [] المطلقة في المرض لا ترث لأن هذا من الظن، ولا [] [بظن] عن عبد الرحمن أن [] طلاقه إياها في المرض دال على ذلك، ولا يخالف هؤلاء الصحابة بظن يظن بصاحب لم يقله.
ونحن نقول بظاهر قول عبد الرحمن وغيره، إن الطلاق واقع، والميراث لها بما تأول هؤلاء الراسخون، ونذكر من الدلائل على صحة ذلك، ما نكشف به ما استتر عن هذا الرل.
ولا نص لك عن عبد الرحمن أنها لا ترث، ولا دليل عليه من الحديث، بل دليل على خلاف ذلك، لأنه ذكر: انها كانت سألته الطلاق، ورغبت إليه فيه، ولا يجوز أن تتقول عليه، أو تقوله قولا بالظن.
فليس لك أيها الرجل – فيما علمنا- سلف من الصحابة تنتهي إلى أن تنسبه إليه بيقين ولنا ثابت عن ابن الزبير مثل قولنا، فمن سلفك الذي تلجأ إليه فيما قلت من منعها الميراث؟
стр. 171
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا محمد بن شاذان، قال: نا معلي قال: نا هشيم، عن حجاج، عن ابن ابي مليكة، عن عبد الله بن الزبير قال: طلق ابن عوف امرأته الكلبية، وهو مريض ثلاثا، فمات ابن عوف، فورثها منه عثمان بن عفان، قال ابن الزبير: لولا أن عثمان ورثها [لم أر لمطلقة] ثلاثا ميراثا.
فقد بان لك بأن ابن الزبير قال بما قال عثـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـت، ولعله قال ذلك ثم رجع، ولم يصح تأويلك [عن عبد الرحمـ]ـن
، ورو [ى] [] [حديث] ابن الزبير، عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة كنص [ما] حدثتك، إلا [أن] فيه: فأما أنا فلا أورث مبتوتة.
стр. 172
[فقد] ثبت من رواية حجاج عن ابن أبي مليكة خلاف [روايتك عنه]، وذلك أثبت في الرواية، والله أعلم، لابن جريج، على [أنه في] كتبه ربما كنى عن قوم لا يثبت مثلهم، وربما دلس عن ابن أبي يحيى ولم يذكره، ولم يقل في حديثك حدثني ابن أبي مليكة، وقد رويناه عن ابن جريج، وليس فيه هذه الكلمة، التي في روايتك.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: [نا الأنصـ]ـاري، قال: نا عبد الله قال: نا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي [مليكة قـ]ـال: سألت ابن الزبير عن رجل طلق امرأته وهو مريض، فقال: قد ورث عثمان بنت الأصبغ الكلبية، ولم يذكر هذه الزيادة التي في روايتك عن ابن جريج.
стр. 173
وكيف كان الأمر، فقد ثبت أن قول ابن الزبير كقول عثمان، وقد رجع عن غير ذلك إن كان قاله، فلم يبق لك ما تتعلق به من قول الصحابة مما أنت منه على ثقة، إلا تأويل على عبد الرحمن، الظن أملك به.
وذكرت أنك رويت عن عمر وشريح أنها ترثه ما دامت في العدة، وهذا غير قولك، وفيه حجة عليك.
ثم ذكر أنه قول سفيان والأوزاعي وابن شبرمة وأهل الـ[ـرأي].
فقد [بان خلافك لمـ]ـن تقدم، وأقررت بانفرادك بقـ[ـولك] ذلك [] [لم يقل] السلف فيه ما قلت.
ولو تأملت هـ[ـذا] لم تطلق في سلفك من لسانك ما أطلقت [فيهم]، والحديث ثابت بتوريث عثمان امرأة عبد الرحمن بعد انقـ[ـضاء] العدة، من رواية مالك وغيره.
стр. 174
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال: نا ابن بكير، عن مالك، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض فورثها عثمان بعد انقضاء عدتها.
ونا أبو بكر قال: نا يحيى [بن عمر قال: نا] سحنون قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها: سألته الطلاق، فحلف ليفعلن إن آذنته بطهرها، فلما طهرت آذنته، فطلقها طلقة، هي آخر طلاقها، وكان طلقها قبل [ذلك] طلقتين.
قال الزهري: وحدثني طلحة بن عبد الله أنه عا [ش حتى حلت ز] وجته تماضر وهو حي، ثم مات فورثها عثمان، فقيل له: قد عرفت أن عبد الرحمن لم يطلقها ضرارا، قال أردت أن تكون سنة ليهاب الناس الفرار من كتاب الله.
قال ابن شهاب: وورث عثمان أم حكيم بنت قارظ من عبد الله بن مكمل، طلقها في مرضه ومات بعدما حلت، ورواه مالك.
стр. 175
نا أبو بكر بن محمد قال: نا [يحيى بن] عمر قال: نا سحنون عن ابن وهب قال: نا سفيان الثوري عن المغـ[ـيرة بن مقسم] عن إبراهيم بن يزيد أن عمر بن الخطاب قال في الرجل يـ[ـطلق امرأته] وهو مريض فقال: ترثه ولا يرثها، وليس فيه ترثه في العدة.
[وقد] [] [روى] بعض الناس أن عروة البارقي كتب إلى [شريح بجواب عـ]ـمر في المطلقة ثلاثا في المرض: ترثه ما كانت في العدة، فذكرته للشعبي فال: ما سمعنا به، وزاد هشيم مرة أخرى: ثم رجع، فقال كما قال إبراهيم.
وليس في ذلك أن عمر كتب بذلك، ولا أمر به عروة، وقد ذكرنا ما ثبت عن عمر.
стр. 176
وقد حدثنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم المالكي، قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا ابن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي أن هشام بن هبيرة كتب إلى شريح يسأله عن ذلك، فكتب إليه شريح، فار من كتاب الله ترثه.
وهذا يضعف ما روى من طريق شريح عن عمر، لأنه ها هنا علله من نفسه، ولم يذكر عمر.
وقد ثبت بالأسانيد الرفيعة من رواية مالك [بن أنس] وابن وهب وغيره ما قدمنا ذكره، من قضية عثمان بتوريثها بعد آخر طلقة بقيت فيها، وبعد انقضاء العدة، بمحضر الصحابة ومشورتهم، ورأي علي بن أبي طالب، وقاله أبي بن كعب.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا محمد بن شاذان، قال نا معلي قال: نا وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن رجل من قريش عن أبي بن كعب في الرجل يطلق امرأته هو مريض ثم يموت، قال لا أزال أورثها ما لم تتزوج وإن مضت سنة.
وهذا قول نافع، قال [محمد] بن أحمد أنا عبيد الله بن موسى عن ربيعة
стр. 177
وابن شهاب وبكير بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن ياسر والحسن البصري وعطاء.
وقال مخرمة عن أبيه: إنهم كانوا يقولون ذلك، يعني: من قبله.
وقال النعمان بن ثابت في المبتوتة: ترثه في العدة، وهذا يروى عن الشعبي وإبراهيم وشريح وابن سيرين، ترثه في العدة، لأنه فر من كتاب الله
стр. 178
فأدركه.
وإذا كانت العلة فراره من كتاب الله فحكم الكتاب يدركه، كانت في العدة أو خرجت منها، لأن العصمة قد زالت، فلا معنى للعدة أن تكون علة.
فأين قولك ايها الرجل الذي تعلقت به، وزعمت أن من خالفه خالف التنزيل، وأبديت وأعدت في قول مالك، إذ قال بما قال الخلفاء والصحا [بة]، ومن سبقه من التابعين؟
وما حصل بيدك من السلف فيما زعمت إلا ظنا تظنه عن عبد الرحمن، وقد بينا ذلك، ورجوع ابن الزبير.
فلقد عز عليك أن تجد اتباع التنزيل على لسانك في الصحابة والتابعين، ولا تقدر أن تدعيه لأحد من الصحا [بة] يروى عنه، إلا ابن الزبير، وقد ذكرنا رجوعه، وما روينا عنه من خلاف ذلك.
فلو كان قولك قولا قاله [طائفة من] الصحابة [و] قال بعضهم بخلافه، ما حل لك أن تقول [فيهم: إنهم] خالفوا التنزيل.
стр. 179
فكيف ولا صاحب معك يثبت لك عليه قولك ثباتا يصح، والله المستعان
وقد كان قول الشافعي بالعراق كقول مالك، ثم استخار الله في أن قال بخلافه، ولا ادري بماذا رجع عن ذلك.
وأما قولك: إنما ورثها عثمان بالتهمة، والتهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فقد عرفناك بقوة منع الذرائع في الأصول.
ومنع الذرائع وما أصله عن التهمة يساوي فه بين الناس فيمن يتهم ومن لا يتهم، كما منع النبي ﵇ القاتل من الميراث، ثم الناس في المنع سواء من يتهم بطلب الميراث وغيره، وإن كان أصل ذلك التهمـ[ـة] على أن يرث.
وكذلك من جمع بين مفترق، وفرق بين مجتمع، وكذلك شهادة الخصم والعدو والظنين، مما تقدم ذكرنا لكثـ[ـير] منه، في بابين قبل هذا.
فأصل ذلك التهم، ثم لا يحمي ذلك إ [لا] بمساواة الناس في الحكم كما حمل أبو بكر نفسه محمل من يتهـ[ـم]، في رده في مرضه لما لم يقبض من عطيته.
وقد خفف الله على المسافر فأباح له القصر والفطر، وأخبر أن ذلك للتيسير بـ[ـه] لمشقة السفر، هذا أصله، ثم كان الناس فيه سواء،
стр. 180
ممـ[ـن] تلحقه مشقة سفر وممن لا تلحقه، من مرفه أخفض عنـ[ـاء] من أكثر أهل الحضر.
فهكذا جرت الأصول إذا حمي الأ [مر] حمي من جميع جهاته، وفي كل حال، لئلا يدعى كل أحد السلا [مة]، وتختلف الأحكام.
وعلى مثل هذا جرى قول أهل المدينة [في] بيوع الآجال، وطلاق المريض ونكاحه وإقراره لوارث، وهذا مما تتسق به الأمور، ويحمي كتاب الله.
فتأمل كيف جرت الأصول في صدر هذه الأمة، قبل أن تجري بما حسن في وهمك.
ويقال له: أرأيت إن أقر المطلق في المرض أنه قصد بطلاقه منعها الميراث والفرار من كتاب الله في حين طلاقه وقبله وبعد إيقاعه، هل تورثها؟
فإن قلت: لا أورثها، قلت ما لا أعلم له قائلا.
ويلزمك ذلك في نكاحه، إذ قال للبينة ـ أتزوجها لأنقص الورثة بميراثها مني، جنفا عنهم إليها، لا لحاجة إليها.
وكذلك أشهدهم في الطلاق أنه ليمنعها الميراث، جنفا عنها إلى ورثته.
следующие страницы →