← Фикх малики

Фикх малики · id 18606

الذب عن مذهب الإمام مالك

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (514 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فلو لم يذكر الله تعالى الكفارة في عمد، لم يجب ان يقال: إن الكفارة تكفر ذلك، كما لا تكفرة الكفارة عن متعمد قتل النفس، أو متعمد الكذب في اليمين، في قول أكثر العلماء، وللحقه الوعيد كما لق قاتل العمد، إذ كلاهما قتل ما نهي عن قتله. فلما خفف الله عمده، فجعل الكفارة تكفره، علم ان قصده لذكر العمد عبارة عن التخفيف، إذ كان الكفارة مكفرة للعمد، الذي هو أعلى وجوه القتل، فهي للخطإ الذي هو دونه أحرى أن تكفره، لأنه سبحانه قد جعل الكفارة تكفر خطإ قتل النفس، وقد قال جل اسمه: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فذكر التكفير في إماطة أذى الرأس وفي المريض، وذلك أعلى وجوه إماطة الأذى والتفث فاشتمل ذلك على ما هو دونه مما لم يذكر، من إماطة أذى الجسد، وتناول الطيب، ولبس ثوب، ونحوه، لمرض أو لعذر غير المرض المذكور، ولم يقصر حكم الفدية على ما ذكر دون ما لم يذكر.

стр. 212

و [قد] ذكر الهدي في المتمتع ولم يذكره فيمن انثلم من حجه شيء، أو قرن، فكان ذكر ذلك في المتمتع يدل على ما لم يذكر مما أشبهه، وهذا كثير، وهذا كله يؤيد أحكام القياس. وبعد، فليس يدعي مخالفي أن عنده نص، يرفع الكفارة عن المخطيء في قاتل الصيد، فإذا لم يكن نص، ولم يكن ذكر العمد فيه بمانع إيجاب ذلك على المخطيء، لا بينا من الأدلة في نفس الآية، وفي غير ذلك من الخطاب والأحكام، فأدنى منازل قاتل الصيد خطأ أنه لاحكم له منصوص بإيجاب كفارة أو رفعها. ولنا دليل يدل أن فيه الكفارة؛ لأنه قتل نفسا نهي عن قتلها، كما نهي عن قتل ابن آدم ملطقا، فكان في خطئه الكفارة بالنص. وأصبنا الجزاء في الصيد وسمه الله باسم الكفارة، بقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فألحقنا حكمه بأحد المذكورين في شبهه به، إما بالمذكور من عامد قتل الصيد لشبهه به في أنه قتل وقتل، وأن ذكر العمد علم للتخفيف، وأن ذلك أولى من أن يدل على أن يخص بالتكفير، لما قدمنا ذكره، أو ألحقناه بما ذكر من قاتل النفس خطأ لأنه خطأ وخطأ، وكفارة وكفارة، فهذا وجه الاستدلال والقياس.

стр. 213

وما دل عليه القياس وشهدت له الأصول فقد قامت حجته، وللمناظرة في القياس موضع غير هذا، وقد رمينا بجملة منه في أول الكتاب، وما نضحنا منه في هذا الكتاب. وبعد فإن ذكر الشيء بحكم في أعلى وجوهه، لا يمنع أن يكون مثل ذلك فيما دونه وذكره بحكم في أدنى وجوهه يمنع من الحكم بمثل ذلك في أعلى وجوهه إلا ببيان ونص. ألا ترى لما ذكره الله الكفارة في قاتل المؤمن خطأ، لم يكن ذلك دليل أنها تكفر عن العامد، لأنه أعلى معنى من المذكور، ولا يساويه فيما له وقع التكفير؟ وكذلك تكفير اليمين للحانث، لا يدل أنها تكفر عن متعمد الكذب بيمينه – وهذا قول صحابك معنا – لأنه أعلى، ولا يساويه فيما له وقع التكفير. وذكر الكفارة في عامد قتل الصيد، قام دليل ظاهره أنه تخفيف، فدل أن ما دونه تكفره الكفارة، لشبه ذلك بما وقع فيه التكفير، وهو القتل، الذي ذكرت الكفارة في مثله في نفس المؤمن. فإن قال: فقد ذكر الله تعالى الدية في الخطإ، فلم جعلتها في العمد وهو أعلى وأبعد مما له وجبت الدية؟ قلت: إنما تلزم هذه المعارضة لو جعلتها في العمد بغير حادث، ينتقل به الحكم من عفو بعض الأولياء، أو صلح جميعهم فأما وأنا اقول: لا دية فيه إذا طلب الولي.

стр. 214

القتل – وهو السلطان الذي جعل الله له – فلا، حتى إذا سققط سلطان القود – الذي به جعل العمد أعلى مرتبة من الخطإ، إما بصلح أو عفو، تساوي حكم القتلين في الدية، في أن هذا قتل وهذا قتل، ارتفع القود فيهما، فأعطيتهما تساوي الحكم عند تساوي المعاني فتأمل. وبعد، ف إنا نقول – إن خالفنا في ذلك، واحتج بخصوص العمد في الصيد بالذكر – أرأيت المحرم يقتل صيدا ناسيا لإحرامه، ايؤكل؟ فإن قال: لا يؤكل – وهو قوله – قيل له: ولم حرمته؟ ولم لا كان ذكره متعمدا يدل على خصوص التحريم للأكل في التعمد المذكور كما خصصته في التكفير؟ فإن قال: حرمته لأن الله حرم صيد البر مطلقا، فلا يباح اكله بصيد المحرم عمدا، وخطا. قيل له: فلم لا دلك ذلك على وجوب التكفير، كما كان دليلا على وجوب التحريم، ولم يكن خصوص المتعمد بالذكر دالا على تحليل أكل صيد غير المتعمد، من الناسي من المحرمين، والصائد في الحرم من المحلين؟ فكما حرمته بظاهر النهي، فكذلك تجب الكفارة لهذا المعنى.

стр. 215

وأدنى ما يلزمك: أنه لا نص معك في رفع الكفارة، ولا دليل لك سالم من المعارضة، ولنا ما ذكرنا من الأدلة الموجبة لها. فلو دفعت هذا كله بمكابرة أو شبهة، لكان اقل منازلنا فيه الاستدلال من باب القياس، الذي لا وحشة علينا من دفعك إياه. فلا يعدو الجزاء في قتل الصيد عمدا، أن يكون كفارة أو دية، وأي ذلك كان ففي قاتل النفس خطأ مثله. والدليل أن ما في قتل الصيد من الجزاء المذكور كفارة، قوله تعالى - في سياق الآية في التخيير – ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فجعل ما خيره فيه ينوب بعضه عن بعض، فالاسم الذي أعطاه [من] الكفارة يجب مثله لما ذكر معه، لأن بعضه بدل من بعض، والدية [] [عنها] فهو باسم الكفارة أولى. فإن قلت: إن قاتل النفس عليه دية وكفارة، والجزاء إنما هو كفارة [فقط]. قيل لك: الدية في النفس ليست عليه إنما هي على العاقلة، والذي عليه بينه وبين الله: الكفارة. والدية إنما جعلها الله للأولياء الذي ملكهم سلطان الدم، وجعلها على العاقلة تعظيما للدماء.

стр. 216

ولو أن القاتل للصيد قتله، والصيد مملوك لرجل، لكان عليه الكفارة لله، وعليه قيمته لربه، فأخذ الذي له الملك قيمة الصيد، كما أخذ الولي الدية وبقي التكفير على القاتل في الوجهين. ومن عجائب الأمور معارضة وقعت لهذا الرجل، وذلك قوله: ويلزم من قال هذا أن يحكم فيمن قتل مؤمنا خطأ، بما يحكم به فيمن قتله متعمدا، كما ساوي بينهما في قاتل الصيد. وهذا مما يخجل قائله، ولو دري ما يقول/ وهو لأحد بعد النصوص أن يخرج عنها؟ وهل لهذا في الأرض قائل؟ وكيف ألزمت خصمك لما أن رد حكم ما لم يذكر الله سبحانه في خطإ قتل الصيد إلى ما ذكر في عمده، بدليل استدل به، فألزمته، بذلك أن يغير نصا نصه الله في قتل النفس خطأ، فيدعه ويرده إلى ما نص من العمد، وأنت تقر بأنك لا تدعى في قتل الصيد خطا نصا، كما ألزمته أن يدعى في قتل النفس خطأ نصا، ويرده إلى قياس على نص، وهذا لا يجري على لسان عالم، ولا يخطر ببال ذي فهم حاضر. والكلام الذي يشبه كلام العلماء في رد حكم قتل الصيد إلى قتل النفس، على ما قتل، أن يقول قائل: أراد ما لم يذكر الله فيه نصا من قتل الصيد خطأ إلى ما نص عليه من قتل النفس خطأ، في أن هذا يكفر وهذا يكفر، كان هذا كلاما يشبه كلام العلماء وهذا الذي قاله مالك، واستدل في إيجابه قول من سبقه من الفقهاء من الصحابة والتابعين، وبهم اقتدى في ذلك. فهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.

стр. 217

قال الزهري - وكان من أعلم الناس بسنة ماضية - جاء القرآن بالجزاء على العامد في قتل الصيد، وجاءت السنن بالجزاء في المخطيء. وهو قول نافع بن عبد الحارث والنخعي والحسن وعطاء وطاووس وعكرمة وعروة بن الزبير والحكم والزهري وسعيد بن جبير، على أنه اختلف عنه فيه، وهذا اصح. وقاله مجاهد في الناسي لحرمه متعمدا لقتله، وقاله مالك وعبد العزيز في قاتل الخطإ فيمن أخذا ذلك عنه من التابعين. وقاله سفيان فيمن ذكرنا وممن لم نذكر من الكوفيين، وقاله الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي.

стр. 218

وإن كان هذا الرجل وسم كتابه بأن ما فيه [اختلف فيه مالك والشافعي، وهذا لا يخالفنا فيه الشافعي، وهو قاتل أكثر العلماء ومن ينتهي إليه في الفتيا من علماء الأمصار]. ورأيت الشافعي ذكر في مختصر المزني، في كتاب الأيمان، أنه إجماع، فقال: ودل إجماعهم أن الكفارة في قتل الصيد على العامد والمخطيء سواء على ان متعمد الكذب، في اليمن يكفرها، وإن كان قوله هذا غير مشتبه لما بيننا، من أن متعمد الكذب عليه الوعيد بقول النبي ﵇، والنهي في عامد الصيد تخفيف بالكفارة. وهذا الرجل يقنع بمذاهبه قناعة من لا يعد لمن خالفه وزنا، ومن استخف بالسلف خف وزنه وخفت مؤنثه.

стр. 219

وجرت لهذا الرجل معارضة ثانية تشبه التلاعب، فقال: [لو] تجاسر قائل فقال: توجب الكفارة في قاتل الصيد خطأ ولا توجبها في قاتله متعمدا، قياسا على العمد في النفس. فأنت أيها الرجل المتجاسر، الذي جسرت أن تعارض العلماء بهذا اللعب، أن تقول: لو أن رجلا جرد خلاف نص الكتاب، ما كانت حجتكم عليه، فكأنه قام عندك ما قال مالك في هذا – الذي اتبع فيه فقهاء الصحابة وهؤلاء الأئمة من التابعين – مقام من تجاسر على رد نص القرآن بلا تأويل ولا سلف. لقد عبرت بكلامك هذا عن موقفك وموقفهم عندك، وهل على وجه الأرض مسلم يتجرأ على رد النص في قاتل الصيد عمدا؟ وإنك لتتجاسر، إذ جعلت قول أئمة السلف كقول من رد النص مجردا، وهذا غمص شديد. ومن رد النص – وهو عالم بالنص، غير مغلوب على عقله – مرق من الدين، وهذه المعارة - مع ما فيها من التلاعب، لا معنى لها من كل باب، لأن قاتل النفس عمدا عليه القتل، وهذا لا يريد أن يوجب عليه بتعمد قتل الصيد شيئا، وما يجب من قود النفس للأولياء ولهم العفو عنه، والذي يجب على المتعمد، في الصيد لله ، لا خروج منه فكأنك رجل قلت: لو ان رجلا تجاهل أو تحامق أو مرق من الدين، ما حجتكم عليه؟ ومثل هذا أيدينا اقرب إليه من السنتا، حتى يتوب أو يعذر بعذر.

стр. 220

وإنما يجب أن تقول: القاتل يوجب، في قتل الصيد عمدا ما نص الله عليه، وتجعل في قتله خطأ – الذي لم يذكره الله – كفارة، مثل ما جعل في قتل النفس خطأ كفارة ودية لأهله، فإن كان للصيد مالك أخذ ربه قيمته، كما يأخذ الأولياء دية الخطإ في النفس. فهذا يشبه كلام العلماء والمستدلين لا كلام المتلاعبين، قال زيد بن ثابت: ما كنت لا عبابة فإياك أن تلعب بدينك، وهذا قول وفر الأئمة من الصحابة والتابعين. ولم يذكر هذا الرجل فيما تقلد هذا عن السلف قولا، ونحن نذكر ما قيل في ذلك، من ما لا يتعلق بمثله. فقد روى عن ابن عباس بإسناد ضعيف، ولنا عن ابن عباس خلافه بجيد الإسناد، نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي، نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية عن علي - يعني ابن أبي طلحة – عن ابن عباس قال: من قتل شيئا من الصيد خطا – وهو محرم، حكم عليه فيه كلما قتله. أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن الجهم، نا الأنصاري نا عبد الله يعني ابن أبي شيبة – نا حفص عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، في صبي أصاب حماما من حمام الحرم، قال: اذبح عن ابنك شاة. ولا خلاف بين الناس أن عمد الصبي يجري مجري الخطإ، وهذا إسناد لا يشك في صحته.

стр. 221

وأما ما روى عن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطإ شيئا، فقيل: إن معناه: لا نرى فيه شيئا بنص القرآن، ولكن فيه بالدليل، وقد روينا ذلك عه. أنا محمد بن عثما نا محمد بن الجهم، نا الأنصاري نا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: إنما جعل الجزاء في العمد، ولكن غلظ عليهم في الخطإ كي يتقوا. وذكر بعض الناس، عن جابر الجعفي عن عطاء وطاووس ومجاهد: لا شيء على المخطيء، ممن لا يعبأ بروايته، ولنا عنهم خلافه. أنا أحمد بن إبراهيم بن حامد، أنا إسماعيل القاضي، نا أبو بكر - يعني أبي شيبة – نا وكيع، عن سلمة بن محرز، قال أغلقت بابي بمكة، ثم فتحته فإذا طائران قد ماتا، فسألت طاووسا، فقال: اذبح شاتين، فهذا خلاف ما روي عن طاووس في الخطإ. نا إبراهيم بن محمد بن المنذر نا لأبي نا نا ابن أبي بكر، عن ابن جريج قال/: قلت، لعطاء، ومن قتله خطأ يغرم، [كما يجب] الغرم على من قتله متعمدا؟ قال: نعم، وتعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن.

стр. 222

قال إسحاق عن معمر عن الزهري، يحكم عليه في العمد والخطإ، قال/ نا محمد بن الصباح، نا الوليد، عن ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار، رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطإ، فأخبرك أنه قول الماضين من السلف. قال بكر بن العلاء: ولم يتعلق أحد بترك ذلك في الخطإ، إلا بعض أهل القرن الرابع، وهذا نحو قول عمرو بن دينار. نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا سحنون، نا ابن وهب، أنا إبراهيم بن نشيط، عن ابن أبي حسين النوفلي، عن عطاء أنه قال: يغرم في الخطإ والعمد، مضت بذلك السنن. وعن عمرو بن شعيب وابن قسيط مثله، قال: وأخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: زعموا أن الكفارة في الخطإ سنة، وكفارة العمد في القرآن، وما ذكرنا من قوله: رأيت جميع الناس على ذلك. وقال مالك: الأمر المجتمع الذي لا اختلاف فيه ان من أصاب الصيد خطأ حكم عليه.

стр. 223

فأين المذهب عن هذا من قول هؤلاء الأئمة: إنه قول السلف، وإنه السنة وإنه المجتمع عليه، وقد تقدم ذكرنا لمن حضرنا ذكره، ممن قاله من الصحابة والتابعين وذلك كله بالأسانيد الحسنة وأكره التطويل. فأما عمر وعثمان وابن عمر ونافع بن عبد الحارث، فمما أنا أحمد بن إبراهيم أنا إسماعيل القاضي، نا أبو بكر – يعني ابن أبي شيبة – نا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد ابن أبي يحيى، عن صالح بن المهدي أن أباه أخبره قال: حججت مع عثمان، فرقد في بيت، فوقعت حمامة في كوة على فراشه، فأطرتها، فوقعت في كوة أخرى، فخرجت حية فقتلتها، فلما استيقظ [عثمان] أخبرته فقال: أد عنك شاة، قلت: إنما أطرتها من أجلك، قال: [وعني] شاة، مختصر. قال: ونا نصر بن علي، نا أبو أحمد نا عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عبد الله بن كثير الداري، قال حدثني طلحة بن أبي حفصة أن عمر دخل عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث، فقال إني قلت في هذا البيت، فوقع على واقف آخر، فقتله ضرحان أخذ بحلقه، فوجدت في نفسي أني أطرته من

стр. 224

موضع كان عليه آمنا، إلى موضع كان فيه حتفه، فاحكما علي، فقالا، حكمنا عليك بعناق ثنية عفراء، فأمر بها عمر، مختصر. قال: نا إبراهيم بن حمزة، نا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر، عن أبيه عن جده قال: كنت مع ابي بمكة، فأوطأ بعيري حمامة من حمام مكة، قال: فدعا أبي بكبش فذبح عني. والأحاديث بهذا كثيرة عن سلف، الصحابة والتابعين، ولم يحصل مع هذا الرجل في هذا الباب أثر، ذكره هو عن صاحب ولا تابع، غير الجرأة بلسانه، فيما انتهي فيه قول السلف إلى خلاف قوله، والله المستعان. ومن تعلقه في هذا الباب من الشاذ بشيء لم يذكره، هو، وهو قوله: إن من عاد ثانية إلى قتل الصيد متعمدا، فلا كفارة عليه، يتأول: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾.

стр. 225

والذي قيل في هذا: عفا الله عما سلف في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه بالكفارة، قال عطاء: فينتقم الله منه وعليه الكفارة. أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم حكم عليه فيه كلما قتله. نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا ابي نا موسى بن هارون نا ابن أبي شيبة، نا وكيع عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء [قال: ﴿عفا الله عما] سلف﴾ عن ما كان في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه وعليه الكفارة. ونا إسحاق عن عبد الرازق، عن هشام عن الحسن مثله. قال إسحاق: والظاهر أن معنى قوله – والله أعلم – ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ أي: من عاد بعد ما سلف قبل التحريم، ليس من عاد بعد ما قيل بعد التحريم، وذلك من قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ عند ذكره لما أوجب عليه والله أعلم.

стр. 226

ويحتمل الانتقام بشيء يصيبه به، والكفارة عليه، ولا يزل الكفارة تأول النص بتأويل لا يتبين وجهه. وهذا قول أهل المدينة ومالك وعبد العزيز وأصحابها، والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم، وما بعد هذا إلا الشذوذ، وفيما ذكرنا وفي بعضه كفاية.

стр. 227

باب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازا ومما أنكر هذا الرجل، قولا حكي أنه قول مالك، وفي المرأة توكل رجلا غير وليها على عقد نكاحها ففعل أنه لا يجوز، إلا أن يجيزه وليها. وكذلك، العبد يتزوج بغير إذن سيده، لا يجوز إلا أن يجيزه السيد. وأن المرأة الدنيئة أو الفقيرة، إذا تزوجت بغير ولي، فنكاحهما جميعا جائز.

стр. 228

قال: ففرق بين الغنية والفقيرة في الحكم، بلا دليل، من كتاب ولا سنة ولا إجماع. قال: وزعم أن التي زوجها غير الولي، إن قال الولي: لا يجيزه، فزعم مالك أنه نكاح لا يثبت ولا يجوز وأن لهذه المرأة أن تنكح غيره، إذا عقد نكاحها غير وليها، وزعم أن هذا الذي تزوجها فلم يجز له نكاحها، أنه إن طلقها ثلاثا، أن ذلك لازم، ولا تحل له إلا بعد زوج، وإن مات أحدهما قبل أن تتزوج هذه المرأة، أنهما يتوارثان، وكذلك إن افتدت منه هي كان له، وهو لم يجعله لها زوجا، ولا هي له بزوجة. فمرة جعله مقام الازواج، فجعل بينهما الميراث والطلاق والخلع، وهي في حال ثان عنده غير زوجة، إذ لم يجز نكاحها، وأباح لها أن تتزوج غيره، لأنها عنده غير زوجة.

стр. 229

قال: فهذا اختلاط وغفلة وتناقض، لا يخفي على ذي عقل، فإما أن يلزمها حكم الزوجاتا فيلزمها ما يلزمهن، أو بحكم الأجنبيات فلا يجعل بينهما ميراثا ولا طلاقا. فإن كانت عنده زوجة، فكيف أباح لها ان تتزوج غيره؟ وإن لم تكن زوجة فلم ألزمها طلاقه؟ وهذا مخالف لظاهر الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الأمة. وذكر عنه في العبد يتزوج بغير إذن سيده مثل هذا سواء، وأنه إن لم يجز السيد نكاحه، أنه نكاح لا ينعقد ثم إن طلقها العبد بعد أن أبي السيد أن يجيز النكاح ورده، أن طلاقه واقع عليها. قال: فكيف يقع على امرأة طلاق من غير زوجها، وفرجها حينئذ مباح لغيره. وهذا مبلغ كلام هذا الرجل في هذا الفصل، وفي هذا الباب من اختلاط هذا الرجل عجب عجاب، وهذا رجل ينكر قبل أن يفكر ويحكي قبل أن يثبت ويحرف الكلم، ويقول خصه ما لم يقل. فإن كان قاصدا لذلك فقد عظمت نازلته، وإن كان ذلك عن غيية وغفلة، فقد تكلف ما لا يصلح لمثله أن يتكلفه، وإذا اجتمع التقصير مع الحمية عظمت الزلة، وأعوذ بالله من الخذلان.

стр. 230

فأما ما زعم أن مالكا يقول: إذا رد ذلك الولي، وأبي أن يجيزه، أن طلاق الزوج بعد ذلك يقع عليها، وهذا لم يقله مالك، لأن الولي لما لم يجيزه ورده [] فسخا [لأنه] عقد ذلك [] لا أن الولي ملك الفراق فلا طلاق للزوج فيها، إلا ان يطلقها قبل رد الولي لذلك. وزعم أن مالكا، يقول: إنهما بعد ردا لولي يتوارثان، ويكون له ما افتدت به منه، وهذا كله باطل، وإنما هذا كله قبل رد الولي للنكاح، إلا في الخلع، فإنه قد اختلف قوله فيه، إن خالعته قبل ردا لولي للنكاح، فقال: إن ما أخذ منها له، وروي عنه أن الزوج يرد ذلك، وقاله أكثر أصحابه. وقال هذا الرجل: إن مالكا قال: إن هذه المرأة التي زوجها غير ولي إن لها أن تتزوج غيره، وإن طلاق الأول يقع عليها. فهذا أيضا باطل، وإنما أباح لها مالك أن تتزوج غيره بعد رد الولي ذلك وفسخه، أو فسخ السلطان، وبعد الاستبراء بثلاث حيض عدة أيضا، إن كان دخل بها، وهي في تلك الحال - أعني بعد الرد والفسخ - لا يقع عليها طلاقه. وما نسب إلى مالك من وقوع الطلاق فيها بعد رد الولي النكاح، وفسخه تقول تقوله على مالك، وهذا الفعل منه أشبه بما نسب إلى غيره من الاختلاط، وما لا يرضي به ذو عقل، وخلاف الكتاب والسنة والتناقض والغفلة، إن سلم من القصد. وأما قوله: فإن كانت عنده زوجة، فلم أباح لها ان تتزوج غيره، وإن كانت غير زوجة، فلم ألزمها طلاقه؟

стр. 231

فهذا من قولك يدل أنك فهمت عن مالك أنه اباح لها ان تتزوج غيره في الحين الذي الزمها طلاق الأول فيه، وهذا لم يقله مالك، وليس علينا رد هذا بأكثر من نفيه، ولكنها عند مالك في نكاح شبهة تلحق منه الأنساب، وتدرأ فيه الحدود [] [فلم] يأذن لها أن تتزوج حتى يفسخ هذا النكاح، يفسخ الولي أو السلطان، أو برضى الزوج، وهو لو رفع إلى قاض، يرى غير قو [لنا فـ]ـحكم بإجازته، لم نفسخ حكمه نحن ولا هذا المنكر علينا. فيقال [له]: ما هي عندك؟ أبمقام الأجنبيات كما ذكرت أم بمقام الزوجات؟ فإن كانت كالأجنبيات، فلم لم تفسخ حكم من قضى بإجازته، وجعلت بينهما الميراث والطلاق بعد الحكم بغير إحداث نكاح، والحاكم إنما أبقي النكاح الأول، ولم يجدد لهما عقدا؟ وإن كانت عندك بمقام الزوجات حتى يفسخ النكاح، فكذلك قال مالك، فما الذي أنكرت [من ذلك]. ويلزمك إذا كانت مقام الأجنبيات توجب عليهما الحد [و] تنفي نسب الولد منهما. فإذا أقمت لها شبهة من عقود [الـ]ـنكاح، درأت بها الحد وألحقت بها الولد، وأجزت حكم الحاكم [بإ] جازته. فلم لا توجب هذه الشبهة عندك حكم الطلاق بينهما، [و] تحتاط على من

стр. 232

وإن كانت كالأجنبيات [عندك] لم يجز لك أن تجيز حكم من أجاز نكاحها، كما لو حكم حاكم [أن يبقى] رجلا مع امرأة أجنبية نكاح، لا يجيزه أحد من النكاح [الفاسد] [فافتر] قت بينها وبين الأجنبيات في أحكام كثيرة، فألزم نفسك [] [أحـ]ـكام هذا. وقال بعض أصحاب مالك ورواه عن مالك [في التي] تتزوج بعقد أجنبي: لا يقع عليها طلاق الزوج ويفسخ حكما بغير طلاق ولا يتوارثان، ولكن القول الأول أليق بالأصول والله أعلم، لأن شبهة ذلك النكاح قائمة، توجب أحكام [كثيرة]. وقد روي ذلك عن عائشة، حين زوجت بنت أخيها عبد الرحمن في غيبته، من المنذر ابن الزبير، ولم تل هي العقد، وإنما أمرت [من] يلي عقد النكاح، كذلك رواه ابن جريج وغيره، فلما قدم عبد الرحمن، قال: ما مثلي يفتات عليه مثل هذا؟ فكلم في ذلك، فأجاز ما صنعت، وبقيت على ذلك النكاح.

стр. 233

فهذا فعل عائشة وعبد الرحمن والمنذ [ر] بن الزبير، وكذلك قال مالك في أحد قوليه: إن أجازه الولي جاز، وإن رده فسخ، وهو خبر مشهور، رواه مالك وابن وهب، وغيره، مع ما روي عن عمر في إنكاح ذي الرأي من أهلها، وعن عثمان وعلي و [ابن] مسعود على ما ذكرنا بعد هذا، فهؤلاء سبعة من الصحابة. وما [روي] أن نكاحها باطل، محتمل أن يراد به: بإبطال الولي له [إلا] أنه قد اختلف عن الزهري فيه فأنكره في رواية ابن جريج عنه.

стр. 234

[وروى]: "لا نكاح إلا بولي، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". والأو [لياء] بعضهم أخص من بعض، ولكل واحد من الولاية نصيب. وإذا زوجها من له فيها ولاية الإيمان كان لمن هو أقرب منه ولاية [من] عصبة أو سلطان بتسليم ذلك أورده، ولأن الولي الذي عقد المرأة له فيها أقل الولاية وهي ولاية الإيمان، وولاية النسب أخص وأكمل، فله من الولاية نصيب، وغيره أعلى منه ولاية، وهذا [لا] يدخل فيما أنكرت على مالك من إنكاح الدنيئة والمسكينة والـ[ـمهملة] التي لا تعرف ولا لها عصبة يعرفون ولا موالي، وتكـ[ـون في موضع لا يـ]ـتناوله السلطان، فتوكل ذا الرأي من أهلها كما [] أو يتو [لى] هذا رجل من قبيلها، وإلا وكلت جيرتها أو غيرهم من المسلمين ليزوجها، فأجاز ذلك لها مالك في هذه الرواية، ورأي أن لهذا المسلم فيها ولاية الإيمان. وقد علمنا أن ما أمرنا به ألا نكاح إلا بولي، أن ذلك ليحصنها الأولياء أن تضع نفسها في دناءة وفيمن ليس لها بكفء.

стр. 235

وكذلك ينظر السلطان في ذوات الحال كنظر الأولياء، وهذه قد انتهت من الدناءة وسقوط الحال إلى ما لأقل أهل [الو] لأية فيها مقنع من النظر لها والعقد عليها، وهي ولاية الإيمان، [و] لا يتقى في هذه ما يتحرز منه الأولياء. وإذا طالبنا علل الأمر [و] النهي وضعنا كل شيء موضعه، ونحن فنقول بالعلل، وأنت [ر] أيت الظاهر، ففي هذا الأصل نناظرك، وهو أصل إذا تمسكت [به] ما [حسن] عليك. وأما قوله: فرق مالك بين غنية وفقيرة [بغيـ]ـر دليل، فقد أعلمناه وجه قوله، وقد فرق الله سبحانه بينهما في غير شيء أرأيت من تزوج غنية على تفويض، وفقيرة على تفويض، وهام في الجمال والنسب سواء، أليس يتفاوت صداق [كل منهـ]ـما، وكذلك تختلف العطايا بالإنفاق عليهما. وكذلك ما على الغني من النفقة أكثر مما على الفقير في كتاب الله، ولكل شيء من أقاويل مالك وجه غاب عنك.

стр. 236

وقد روى أشهب عن مالك، أنه: لا يزو [جها] إلا السلطان إن كانت دنيئة أو غيرها، وكل قول من [له وجه] واحتمال في الأصول، وما القول الأول ببعيد من النظر [لـ]ـما ذكرنا؛ لأن في عقد النكاح بولي وجهان من الولاية، فولاية هي حق الله تعالى، لا يجوز تركها، وذلك ألا تزوج هـ[ـي] نفسها، بل غيرها من الرجال يزوجها، فإذا وليت هي عقد نكاح نفسها فسخ ذلك بكل حال بغير طلاق. وولاية أخرى [هي] حـ[ـق] للأولياء أن تطالع الولي بذلك، لما له فيها من التحصين. فإذا ولت غيره، فعقد، فلوليها النظر في ذلك، إلا أن النكاح قد عقد بولاية هي دون هذه الولاية، فلا تطلق عليه أنه غير نكاح. وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عمر وغيرهم من الصحابة [و] من التابعين بالمدينة وتابعيهم، وقاله ابن سيرين وقتادة.

стр. 237

فأما عمر، فروى مالك وابن وهب وغيره قوله: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان. فجعل ذا الرأي من قومها مقام الأوليـ[ـاء] من العصبة، وليس بعصبة لها، وأخبرك أن للولاية منازل، بعضها أخص من بعض، وبقدر حال المرأة. وقد علمنا علة نظر الأولياء لها، ليزوجها إلى الأكفاء، فالمسكينة والدنيئة ومن لا عصبة لها، كل أحد لها كفؤ، ونظر أقل الناس ولاية فيها لها كا [ف]، وهي ولاية الإيمان، وقول النبي ﵇ (لا نكاح إلا بولي)، فالأولياء في المرأة اسم جامع لأدنى الولاية وأعلاها، والابن عندنا أقرب من الأب، ولا خلاف أن الأب أقرب من الأخ، والأخ أقرب من ابن الأخ، وابن الأخ أقرب من العم، وهكذا أدنى العصبة أقرب من الموالي، والموالي أقرب من ذوي الرأي من أهلها. والسلطان ايضا له ولاية، وقد ذكر ولاية السلطا [ن في] حديث الزهري، فدل بذلك أن بعض الولاية أقرب [من] بعض، والمسلمون بعضهم [أولياء

стр. 238

بـ]ـعض، فهم يتوارثون [بهذا] [الولاء] [] [مـ]ـن لا وارث له، وكذلك يكون لهم به الولاية في النكاح فيمن لا ولي لها، ويبعد عليها تناول السلطان.

стр. 239

فهذا الذي د [لت عليه] الأصول. أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا معلي بن شاذان، نا وكيع عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، أن امرأة زوجها خالها، فأجاز ذلك علي بن أبي طالب. وهذا مثل ما قال مالك: أن للولي أن يجيز ذلك، والسلطان [فهـ]ـو ولي، وليس الخال بولي. قال معلي: ونا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا كان ولي المرأة مضارًا، [فـ]ـولت رجلا، فأنكحها، فنكاحها جائز. وكذلك روينا نحو هذا [عن] علي وعثمان وابن مسعود. قال: ونا هشيم، نا إسماعيل بن سالم [قال]: بلغني في المرأة إذا تزوجت ووليها غائب، ثم قدم، فإن تزوجت [في كـ]ـفاف، فالنكاح جائز، وإن تزوجت في غير كفاف، فالأمر إلى الولي، إن شاء أجاز وإن شاء رد.

стр. 240

وقال القاسم بن محمد في المرأة تتزوج بغير إذن وليها: إن أجازاه الولي جاز. قال: ونا ابن شاذان، نا معلي نا أبو عوانة، عن قتادة، في المرأة ليس [لـ]ـها ولي، قال: تولي أمرها رجلا من المسلمين. وأما العبد يتزوج بغير إذن سيده، فهو ممن يعقد على نفسه، فلذلك، إذا أجازه السيد جاز، بخالف الأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأنها لا تعقد على نفسها وإن أذن لها السيد في النكاح. وليست كالحرة تولي أجبيا يعقد عليها، فيجيزه الولي، فيجوز لأن الحرة لها ولاية الإذن في نفسها، فقد أذنت في ذلك، وإنما بقي نظر الولي، لئلا تضع نفسها في دناءة، فإذا رضيه مضى، ولا إذن للأمة في نفسها. وقد تجد في الأصول نكاح ينتظر به الرضا بالعيب، في المرأة وفي الرجل، فإما أن يرده من كرهه منهما، أو يرضى به فتبقي على العقد الأول، فلا يبعـ[ـد] مثل هذا في سيد العبد ولوي المرأة، ويلزمه في العبد مثل [ما] ألزمناه في الولي، في هذا الباب.

стр. 241

وهذا قول أكثر الفقهاء المتقدمين، قاله الحسنن وقاله مغيرة عن إبراهيم، وقاله ابن المسيب والشعبي، والحكم بن عتيبة، وعطاء وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد في عدد من تابعي أهل المدينة. قال يحيى بن سعيد: وهذا هو القول عندنا بالمدينة، وقال مالك: إنه الأمر عندهم، وأكره التكثير بالأسانيد، وهذا كله مشهور. ومن جعل أقاويل هؤلاء السلف لا يرضى بها عاقل، فهو أقرب إلى النقص في عقله ودينه، و [كيف] لقائل أن يقول: إن النكاح في هذا العبد وقع فاسدا، إنما يقال: إنه نكاح حتى يرد، لما للسيد فيه من النظر، فقام مقام ما ذكرنا من العيوب في النكاح، والله أعلم. قال عطاء: ليس هو [بزني] ولكنهما أخطا السنة، وقد بينا أن العبد بخلاف الأمة [في ذلك].

стр. 242

فإن احتج أحد بحديث يروي في العبد، عن النبي ﷺ : أيما عبد تزوج بغير إذن سيده، فهو عاهر، فليس يقوم بمثله حجة، وإنما رواه القاسم بن عبد الواحد، قالوا: وهو غير معروف، وقال: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ممن ليس بحجة عند أهل الحديث إذا انفرد.

стр. 243

ورواه مندل، فرفعه، ومندل [] غيره، وإنما رواه الأثبات موقوفا على ابن عمر، أنه جلد عبدا له الحد تزوج بغير إذنه، ويحتمل أن يكون أنكر عليه فعزره، فظن نافع أنه الحد، على أن هذا لا اتباع [له] أنه يحد حد الزني. أنا محمد بن عثمان، نا ابو بكر محمد بن أحمد المالكي، نا إسماعيل القاضي، نا إسحاق البرقاني، نا عبد الله يعني العمري، عن نافع عن ابن عمر: إذا نكح العبد بغير إذن سيده، ثم أذن له ثبت نكاحه، فهذا يدل على ما تأولناه في الرواية الأخرى. وقوله في رد السيد أو الولي: إنه يفسخ بطلاق، فقال: كيف يقع عليها طلاق غير زوجها. فهو في هذا [غائـ]ـب عن الأصول، التي تأكدت عندنا، ففيها إن شاء فليناظرنا.

стр. 244

وذلك أن السلطان يوقع الطلاق على المولي، إذا امتنع أن يفيء أو يفارق، وكذلك في امتناع العنين، ومن لا يجد نفقة، وفيمن به جنون أو جذام [أو] برص أن يفارق، وفي الحكمين، إذا امتنع الزوج من الفراق واللدد من قبله. ففي هذه الأصول فناظرنا إن رددتها وفي دون ما ذكرنا مقنع لمن أنصف وبالله توفيقنا.

стр. 245

في إعطاء المرأة لزوجها من زكاتها ومما أنكر هذا الرجل من قول مالك، قوله: إن المرأة لا تعطي من زكاتها لزوجها. وتلا هذا الرجل قول الله سبحانه [في] الزكاة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين.﴾ الآية.

стр. 246

قال: فقد دخل فيمن سمى الله من الفقراء، فلا يمنع إلا بنص أو اتفاق قال: فإن قيل: لما كان لها أن تطالبه بالنفقة إذا أعطته صار ما أعطته إليها راجع، فكأنها لم تعط شيئا. فنقض هو هذا فيما ظهر له بقول، نذكر معناه وندع منه ما شان كلامه به من الهذر وسوء المقابلة، التي لعله كان يوعب بمثلها عن أشكاله، وهذا فعله في كل باب، كأنه رجل ينطق عن ضغن شديد، أعوذ بالله مما زين له. ومن حجته أن قال: هي لا تقضي عليه بالنفقة، إلا وقد ملك ما أعطته من الزكاة، فإذا صح مـ[ـا] فرض لها عليه، وأجزتها الزكاة، لزوال ملكها عن ما اعطته. فيقال له: إنك لفي طرف بعيد عما قصد إليه مالك، وذلك أنه لا تختلف الأمة أن مخرج مال له من زكاة أو غيرها كولي للمساكين، وإذا كان ذلك فلا يجوز له أن يخرج ذلك إلا بالعدل مجتهدا، لا يميل به الهوي إلى تفضيل من لا يفضله إلا بحظ نفسه، إما لدفع نفقة عن نفسه، أو دفع مذمة، أو لرجاء ثناء، أو لغير ذلك، مما لا يصح مـ[ـعه] خالص النية، والله سبحانه لا يقبل، إلا ما اريد به وجهه، وإنما الأعمال بالنية. فإن أبحت له أن يخر ذلك على ما ذكرنا من ما شوب نيته في ذلك من هذه الأمور، قدت أصلك على مفار [] مالك للماضين والباقين

стр. 247

وهذا إنما يجيب فيه بما ذكرنا من سلك منهجنا، وليس مما تجري به الأحكام - كما أومأت إليه – أنه [قد] وجب له الملك بالعطية، ثم قضى لها بعد ذلك بالنفقة. ونحن نزعم لك أن القاضي يقضي لها برد ما أعطته من الصدقة، أو يقـ[ـضي] عليها أن ذلك لا يجزئها. وإنما أمر بهذا من سألنا عن خلاص نيته فيما بينه وبين ربه، الذي يطالبه بخفيات نيته، كأنك غائب عن مطالـ[ـبة] الناس لصحة فرائضهم، والإشفاق من ما يشوب نياتهم، وقد كان عمر بن الخطاب يعطي عطاء بقبضته فأتاه ابنه ليعطيه، فقال: أخاف أن تتسع قبضتي لابني، فنادى بمن قد كان أعطاه قبل ذلك، فأمره بدفع ما أعطاه إلى ابنه، ثم أعطاه بعد ذلك قبضة، [فـ]ـتوقي منها، وخاف أن يشوب عمله أمر يحرج فيه، وكذلك نطالب صحة النية فيما كان لله سبحانه. ونحن نسألك عن من ولي خراج مال الله، هل يسعه أن يعطي منه على اتباع الهوي فيمن تميل إليه نفسه، لقرابة أو دفع مغرم أو مذمة، أو غير ذلك [من] حظ نفسه، الذي يقيمه بمال الله؟ بل لا يسعه ذلك عند ذي دين [بل] يجتهد في أن يضع أمر الله موضعه. فكذلك المرأة التي تعطي لزوجها الفقير الذي لا يجد ما ينفق عليها، أو يجد ما يقصر فيه عن الاتساع عليها فتعطيه عطية من مال الله من ورائها مرافقها، وإقامة منافعها، فإن أجزت لها القصد إلى هذا لتجوزن لغيرها [ذلك] وغيره، وتصير النيات في مقاصد العاملين سواء، على [تبايـ]ـنها واختلافها.

стр. 248

ونحن نعارضك بمثل ما عارضت فيمن يلزم الرجل النفقة عليه، فيقال لك: أرأيت من اعطي والده الفقير [من] زكاته، أو زوجته الفقيرة من زكاته، هل تمنعه من ذلك؟ فإن أبحته [فقد] سهلت سبيلا إلى دفع الزكاة عن المزكين، لأن ما عليهم [من] النفقات أكثر مما عليهم من الزكوات. وما أعلم خلافا [أنه] لا يعطي الرجل زوجته من زكاته، وكذلك ذكر ابن المنذر، ,كذلك ينبغي في كل من تلزمه نفقته. فإن قلت: لا يجوز أن يعطي زكاته لمن تلزمه نفقته، سئلت عما سألتنا عنه، ولزمك ما ألزمتنا فقيل لك: لم منعته أن يعطي فقيرا داخلا فيمن سماه من جملة الفقراء، وهو إذا أعطاه ملك الآخر ما يعطيه. هذا، والزوجة – مع لزوم اسم الفقر لها – لا تزيل عنه عطيته لها ما يجب لها عليه من النفقة، فلم يمنع أن يعطيها من الزكاة فالعلة التي لها منعوه من أن يعطيها، منعناها بمثلها من عطيتها له، وكذلك في إعطائه لأبيه وولده الصغير. ولا حجة لك [علي] أصلك، فإنه تلزمه، نفقته فيصير عطاؤه إياه يزيل عنه ما عليه من النفقة.

стр. 249

فيقال لك مثل ما قلت: إنه إنما زالت عن المعطي النفقة بعد ملك الآخذ لما اعطاه، فإنما صار غنيا به بعد المـ[ـلك]، لا قبله، فلما ثبت له الملك بعد العطاء، سقط عن المعطي نفقته. فإن رجعت إلى أن تطالبه في أول عطائه بمقصده وأنه في د [فعه] العطية نافع لنفسه بعطيته، وأن عطيته لم تخرج من [أن] تكون منفعة له، فسم نفسك لمثل ذلك في الزوجة، وزن فهـ[ـمك] بهذا الميزان. وإذا كان الرجل لا يعطي زوجته الفقيرة من زكاته عند العلماء، وهي لا تنفق عليه، فإعطاؤها هي لزوجها الذي ينفق عليها أبعث في الاعتبار في أن لا يجوز ذلك، فكل ما دخل في [هذا] من العلل المانعة لعطية زوجها إياها فمثله، بل أكثر منه [يدخل فيه] [] لو نزلنا لك في ذلك عن باب الاستدلال والقياس إلى باب توقي الشبهاتن أما يحسن عندك توقي الشبهات، في تنظيف الفرائض، التي هي أعظم أمر الدين. وقد أمر النبي ﵇ سودة أن تحتجب من أخيها في ظاهر.

стр. 250

الحكم لما خاف من خلاف ما ظهر [منه]. وحذر من الشبهات في حديث النعمان بن بشير وحمى باجتنابها حمى الله، وأخبر أن الراعي فيها يوشك أن يقع في الحرام. وكأنك عن سنن العلماء – في توقي الأمور، والتحذير من الشبهات والحذر من الريب، بمعزل. هذا والأدلة تدل على تأييد ما قال مالك من ذلك.
следующие страницы →