Полный текст (514 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قال: فقد دخل فيمن سمى الله من الفقراء، فلا يمنع إلا بنص أو اتفاق
قال: فإن قيل: لما كان لها أن تطالبه بالنفقة إذا أعطته صار ما أعطته إليها راجع، فكأنها لم تعط شيئا.
فنقض هو هذا فيما ظهر له بقول، نذكر معناه وندع منه ما شان كلامه به من الهذر وسوء المقابلة، التي لعله كان يوعب بمثلها عن أشكاله، وهذا فعله في كل باب، كأنه رجل ينطق عن ضغن شديد، أعوذ بالله مما زين له.
ومن حجته أن قال: هي لا تقضي عليه بالنفقة، إلا وقد ملك ما أعطته من الزكاة، فإذا صح مـ[ـا] فرض لها عليه، وأجزتها الزكاة، لزوال ملكها عن ما اعطته.
فيقال له: إنك لفي طرف بعيد عما قصد إليه مالك، وذلك أنه لا تختلف الأمة أن مخرج مال له من زكاة أو غيرها كولي للمساكين، وإذا كان ذلك فلا يجوز له أن يخرج ذلك إلا بالعدل مجتهدا، لا يميل به الهوي إلى تفضيل من لا يفضله إلا بحظ نفسه، إما لدفع نفقة عن نفسه، أو دفع مذمة، أو لرجاء ثناء، أو لغير ذلك، مما لا يصح مـ[ـعه] خالص النية، والله سبحانه لا يقبل، إلا ما اريد به وجهه، وإنما الأعمال بالنية.
فإن أبحت له أن يخر ذلك على ما ذكرنا من ما شوب نيته في ذلك من هذه الأمور، قدت أصلك على مفار [] مالك للماضين والباقين
стр. 247
وهذا إنما يجيب فيه بما ذكرنا من سلك منهجنا، وليس مما تجري به الأحكام - كما أومأت إليه – أنه [قد] وجب له الملك بالعطية، ثم قضى لها بعد ذلك بالنفقة.
ونحن نزعم لك أن القاضي يقضي لها برد ما أعطته من الصدقة، أو يقـ[ـضي] عليها أن ذلك لا يجزئها.
وإنما أمر بهذا من سألنا عن خلاص نيته فيما بينه وبين ربه، الذي يطالبه بخفيات نيته، كأنك غائب عن مطالـ[ـبة] الناس لصحة فرائضهم، والإشفاق من ما يشوب نياتهم، وقد كان عمر بن الخطاب يعطي عطاء بقبضته فأتاه ابنه ليعطيه، فقال: أخاف أن تتسع قبضتي لابني، فنادى بمن قد كان أعطاه قبل ذلك، فأمره بدفع ما أعطاه إلى ابنه، ثم أعطاه بعد ذلك قبضة، [فـ]ـتوقي منها، وخاف أن يشوب عمله أمر يحرج فيه، وكذلك نطالب صحة النية فيما كان لله سبحانه.
ونحن نسألك عن من ولي خراج مال الله، هل يسعه أن يعطي منه على اتباع الهوي فيمن تميل إليه نفسه، لقرابة أو دفع مغرم أو مذمة، أو غير ذلك [من] حظ نفسه، الذي يقيمه بمال الله؟ بل لا يسعه ذلك عند ذي دين [بل] يجتهد في أن يضع أمر الله موضعه.
فكذلك المرأة التي تعطي لزوجها الفقير الذي لا يجد ما ينفق عليها، أو يجد ما يقصر فيه عن الاتساع عليها فتعطيه عطية من مال الله من ورائها مرافقها، وإقامة منافعها، فإن أجزت لها القصد إلى هذا لتجوزن لغيرها [ذلك] وغيره، وتصير النيات في مقاصد العاملين سواء، على [تبايـ]ـنها واختلافها.
стр. 248
ونحن نعارضك بمثل ما عارضت فيمن يلزم الرجل النفقة عليه، فيقال لك: أرأيت من اعطي والده الفقير [من] زكاته، أو زوجته الفقيرة من زكاته، هل تمنعه من ذلك؟ فإن أبحته [فقد] سهلت سبيلا إلى دفع الزكاة عن المزكين، لأن ما عليهم [من] النفقات أكثر مما عليهم من الزكوات.
وما أعلم خلافا [أنه] لا يعطي الرجل زوجته من زكاته، وكذلك ذكر ابن المنذر، ,كذلك ينبغي في كل من تلزمه نفقته.
فإن قلت: لا يجوز أن يعطي زكاته لمن تلزمه نفقته، سئلت عما سألتنا عنه، ولزمك ما ألزمتنا فقيل لك: لم منعته أن يعطي فقيرا داخلا فيمن سماه من جملة الفقراء، وهو إذا أعطاه ملك الآخر ما يعطيه.
هذا، والزوجة – مع لزوم اسم الفقر لها – لا تزيل عنه عطيته لها ما يجب لها عليه من النفقة، فلم يمنع أن يعطيها من الزكاة فالعلة التي لها منعوه من أن يعطيها، منعناها بمثلها من عطيتها له، وكذلك في إعطائه لأبيه وولده الصغير.
ولا حجة لك [علي] أصلك، فإنه تلزمه، نفقته فيصير عطاؤه إياه يزيل عنه ما عليه من النفقة.
стр. 249
فيقال لك مثل ما قلت: إنه إنما زالت عن المعطي النفقة بعد ملك الآخذ لما اعطاه، فإنما صار غنيا به بعد المـ[ـلك]، لا قبله، فلما ثبت له الملك بعد العطاء، سقط عن المعطي نفقته.
فإن رجعت إلى أن تطالبه في أول عطائه بمقصده وأنه في د [فعه] العطية نافع لنفسه بعطيته، وأن عطيته لم تخرج من [أن] تكون منفعة له، فسم نفسك لمثل ذلك في الزوجة، وزن فهـ[ـمك] بهذا الميزان.
وإذا كان الرجل لا يعطي زوجته الفقيرة من زكاته عند العلماء، وهي لا تنفق عليه، فإعطاؤها هي لزوجها الذي ينفق عليها أبعث في الاعتبار في أن لا يجوز ذلك، فكل ما دخل في [هذا] من العلل المانعة لعطية زوجها إياها فمثله، بل أكثر منه [يدخل فيه] [] لو نزلنا لك في ذلك عن باب الاستدلال والقياس إلى باب توقي الشبهاتن أما يحسن عندك توقي الشبهات، في تنظيف الفرائض، التي هي أعظم أمر الدين.
وقد أمر النبي ﵇ سودة أن تحتجب من أخيها في ظاهر.
стр. 250
الحكم لما خاف من خلاف ما ظهر [منه].
وحذر من الشبهات في حديث النعمان بن بشير وحمى باجتنابها حمى الله، وأخبر أن الراعي فيها يوشك أن يقع في الحرام.
وكأنك عن سنن العلماء – في توقي الأمور، والتحذير من الشبهات والحذر من الريب، بمعزل.
هذا والأدلة تدل على تأييد ما قال مالك من ذلك.
стр. 251
وأما قولك: فما تقول فيمن لك عليه دين وهو فقير، هل تعطيه من زكاتك؟ فإن قلت: لا، تركت النص، وإن قلت: أعطيه، قيل لك: [فاجعـ]ـل له القيام عليه في دينه إذا كان أعطاه إياها لا لهذه العلة، ولا ليرجع عليه بدينه في الذي أعطاه، فإن قال: له مطالبته، ولا يكون بما يأخذ منه كالمخرج زكاته إلى نفسه، فكذلك الزوجة.
فجوابنا لك في هذا: [أني أراك] شرطت في هذا الرجل أنه لم يعتقد في حين إعطائه الزكاة لغريمه لعلة دينه، ول ليقوم فيه بدينه عليه، فهذا صحيح إذا كان هذا اعتقاده ثم حدثت له نية بعد ذلك في القيام بدينه، فلم لم تشترط في الزوجة هذا الشرط، من أنها لم تقصد في الزوج أثرة للزوجية ولا لما يصل منه إليها من مرافقها.
وبعد، فإن الزوجة لا تشبه الغريم في هذا، لأن النفقة التي تجب لها إنما تجب [للز] وجة لا في الذمة، والغريم دينه في الذمة، فاعتقاده فيما يصدق به من الزكاة على
стр. 252
غريمه الا يطالبه [] غريمه أبين [] ما طلبها في الوجد لا تعدوه، فقد أقامت بعطيتها في حين عطيتـ[ـه] الوجد الذي به تقوم نفقتها، كما مال لأبيه في حين عطيته له غناه عنه، فما لزم في هذا لزوم في هذا.
وحتى لو أعطت زوجها، ونوت [أن] تزيل عنه طلبها عنه بالنفقة في تلك العطية، التي أقامت بها وجده، لم يكن لها عليه في ذلك الوجد شيء، ولا في الذمة.
وإن طالبته في ذلك الوجد فقد رجعت عن ما نوت، وأوجبت على نفسها، وكذ [لك] قال أشهب: إن لم يرجع ذلك إليها في مرافقها ونفقتها فذلك جـ[ـائز] والغريم ذمته عامرة وذمة الزوج خالية من النفقة في عـ[ـدمه]، فتامل مخارج الأصول، ولا تجمع بين ما في الوجد وما في الـ[ـذمة].
أرأيت لو عارضك معارض في قولك: إذا كان أعطاه لا يريد بالعـ[ـطاء الرجوع] عليه فيه بدينه، فقال لك: أرأيت إن اعتقد ذلك، ثم قام علـ[ـي] الغريم، فقضى له بأخذ ما بيده من ذلك، وهو كفاف دينه [ألاا] تخلو ذمة الغريم عندك ويغرم المعطي الزكاة ثانية، على مـ[ـا] يظهر من لحن قولك؟
стр. 253
فإن قال لك: ولم تأمرني بإخراجها ثانية، وأنت قد أخليت علي ذمة الغريم؟ فإذا وصل نفع ذلك إلى الـ[ـغريم] حتى خلت به ذمته، ألا يجزني إخراجها، وأنا إنما نويت أن أطالبـ[ـه] بما أعطيته؟ فأبطل على عطيتي، بأن تجعل الكفارة، لا تجزني، ولا تبطـ[ـل] علي ما في ذمة الغريم بأخذي منه لما أعطيته.
فإن قلت: إن ذمة الغريم بظاهر [] دعواك بما ذكرته فأبطل بها براءة الغريم، قال لك: فإذا انتهى الأمر إلى براءة ذمة الغريم، فقد حصل من عطية ارتفق بها المعطي، ولم يحصل لي ما أردت أن أنفع به نفسي، فألا جعلت الزكاة تجزيني لزوال ديني عن الغريم، فبماذا كنت تنفصل منه؟
والزوجة إذا أقرت بهذا [وأبـ]ـطلت عطيتها في الزكاة، لم يكن لها في الذمة شيء يبطل عليها، فهذا [مـ]ـما ذكرنا لك أن بين الزوجة والغريم فرق، في أكثر معاني ما ناظرناك فيه.
فارفق في تأملك، وعود نفسك أن تظن بها التقصير عن فهم الراسخين من السلف المتقدمين فإن ذلك يثنيك عن الإعجاب بنفسك، والتقصير بسلفك، والله المستعان.
стр. 254
باب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبد
أنكر هذا الرجل على مالك في هذه المسألة قوله، إلا أنه لم يحكه على وجهه، وذكر في بعضها ما لم يقله، وجهل الأصل الذي بني عليه مالك قوله هذا، ولم يدر أيضا ما روى عن مالك في هذا الأصل من اختلاف القول.
ويسط من لسانه ما عبر به عن قلة تحفظه وضيق علمه، وزعم أن قول مالك في هذا خلاف حكم الكتاب والسنة بغير دليل.
وليس جهله بموقع ذلك من الكتاب والسنة والدليل بحجة.
стр. 255
فذكر هذا الرجل أن مالكًا قال: من مات وعليه مائة دينار دين، وليس له إلا عبد يساوي مائة دينار، فرفع الغريم أو الوصي إلى الحاكم فأمره ببيعه، فباعه بمائه دينار، ليأخذ الغريم حقه فقبض الوصي الثمن ليدفعه إلى الغريم فهلك من يديه، ثم استحق العبد أن المبتاع يرجع على الغريم، الذي بيع العبد من أجله.
ففي حكاية ما حكـ[ـاه] استحالة وخطأ.
فمن ذلك قوله: فرفع الوصي أو الغريم إلى الحاكم، فأ [مره] ببيع العبد، فلم يذكر ما الذي رفع هذا الرافع إلى الحاكم.
وقبله فأمـ[ـره]، بعد أن ذكر رجلين، فاحتمل أن يريد فأمر الوصي أو الغريم، وكـ[ـيف] يأمر الغريم ببيع العبد لنفسه، فلم يبين من المأمور، وليس قو [له] فقبض الوصي الثمن: بدليل على أنه المأمور بالبيع.
ثم لم يذكر [أنه] بقي بيد الوصي بعد قبضه إياه، وليس ثم إلا غريم واحد قد ثبت دينه، ولم يذكر للمسألة وجه ما تثبت عليه.
وإنما ق [ل] مالك في المفلس أو الميت، يأمر السلطان ببيع ماله، ليجمعه لقيام غرمائه، ويجعله بيد أمين من وصي أو غيره، ليتكامل جميعه، وليـ[ـجتمع] غرماؤه، فيقسمه عليهم، أو يتحاصون فيه إن ضاق عن دينهم، ولولا أنـ[ـه] يوقفه لهم بيد الأمين أو الوصي ليتكامل، ولاجتماع الغرماء ما [كان] [في] نفاقه بيد الأمين معنى، ولكان ذلك ظلم من الحاكم، [فلو] باع الوصي تركة الميت دون السلطان لقضاء
стр. 256
دينه قبل قيام الطالب للدين فضاع الثمن بيده، ثم استحق ما باع لم يضمن الوصي شيئا، ولا للمشتري ها هنا رجوع على الغريم، في قول مالك وقول غـ[ـيره]، لأن ذلك لم يبع عن إذنهم وقيامهم، وإنما العلة التي أوجبت قول مالك في رجوع المشتري على الغريم أو الغرماء هـ[ـي] في رواية ابن القاسم أن الغرماء إذا قاموا عند [السلطان] بدين لهم على مفلس أو ميت، نظر لهم في ماله، فحاطه وباعه وقسم ذلك بينهم، فإذا كان السلطان لهم يبيع، والثمن المقبوض في ذلك فلهم قبضه أمينه من وصي أو غيره، إذا كان عن أمر الحاكم وبعد طلبهم لذلك، فصار القابض للثمن، كوكيل للغرماء على قبض الثمن، إذ لم يبق فيه إلا قسمته بين غرمائه ودفعه إليهم.
وكذلك إن كان غريما واحدا، [بـ] بأن تبين للقاضي أنه لا طالب لدين غيره، عجل له قبضه.
فإذا لم يبق في الثمن المقبوض إلا دفعه إلى الغرماء، أو قيمته بعد تكامله، لم يبق للغريم الذي عليه الدين في بقاء الثمن سبب يخصه، وإنما إنفاقه لسبب الغرماء خاصة، وليس ذلك عن سبب للغريم، ولا ائتمار منه.
стр. 257
فإذا كان قبض الأمين لهم لا للغريم، كانت يده كأيديهم، وكان أشبه شيء بالوكيل لهم، لأن ذلك الذي طلبوا معه، ورغبوا فيه.
فبهذا السبب صاروا ضامنين بقبض الأمين؛ لأن يده في القبض كأيديهم، أو كيد وكيلهم، فلما ضمنوا ذلك بقبض الأمين له وجب الرجوع في الاستحقاق عليهم.
فهذا استنباط مالك [من] قول الكتاب والسنة.
فما الذي ضاق عليك من هذه السعة، وخفي عليك من هذا الأمر البين، وما أدري هل تقدر أن سلفك يتكلمون في دين الله عن سعة علم وحسن استخراج ولطيف استنباط أو يخبطون العشواء كخبطك، ام على الحدس أو الهوي يتكلمون، أو لغير معنى يتنازعون؟ ولقد نظرت إليهم بعين قذية، وبصيرة عمية.
وهذا الذي ذكرنا اختيار ابن القاسم وروايته عن مالك.
وأما أشهب فروى عن مالك أن ضمان المال في الإنفاق من الغريم المديان كـ[ـان] عينا أو عرضا، ولا ضمان على غرمائه فيه، حتى تقبضه أيديهم.
стр. 258
ولابن الماجشون رواية أخرىن وهذا الرجل غير خبير بأقاويل مالك ومـ[ـخارج] قوله.
ورأيت كلام هذا الرجل – على كثرته – خاليا من صحة المعاني والإ [نصاف] عامر من الغمص وقبيح المقابلة.
فمن ذلك أنه قال: لو كان قولا يستحي من خلا [فه] الكتاب والسنة والإجماع، كان هذا القول.
وهذا كلام من لم يخش مـ[ـن] كلامه، واستخفه بما لا يستخف به أهل الديانة.
وإنك لجريء في منطقتك بمثل هذا في مثل مالك، ومحله عند صدر السلف محله من سعة العـ[ـلم] في الفقه والحديث والخشية لله فيما يقول.
ثم لم تعد كلام مالك يقوم [في] اختلاف، إذ زعمت أنه خالف الإجماع في قوله هذا، وهذا كله [مما]، لا مدخل لنا للانتصار منك فيه بالكلام، والانتصار في مثل هـ[ـذا] إلى الحكام.
ثم قال: أرأيت الطالب، أظالم متعد، فيما طلب؟ وهل فـ[ـعل] الحاكم ما يجوز له فعله؟ وهل الوصي ظالم في البيع وقبض الثمن؟ و [مثل] هذا.
стр. 259
والجواب عليه – على خروجه من المعنى الذي نحن فيه -: وما معنى ذ [كرك]: هل طالب الطالبب ما ليس له؟ أو هل حكم الحاكم بما يجوز له؟ أفتظن [أن] تعدي الحاكم يوجب الضمان على الطالب فيما قبض الأمين؟ أو تجـ[ـعل] الطالب فيما يطلب يـ[ـضمن عن الأمين] ما لم يقبض؟
كلامه ها [هنا] يحسن السكوت عنه.
ثم قال: فإذ لم يتعد واحد منهم، فلم زعمت أن المال إذا تلف من يد الوصي بغير جنايته واستحق العبد، أن المبتاع يرجع على الوصي بالثمن، ثم يرجع به الوصي على الغريم الطالب.
فالذي حكاه من هذا ليس بقول مالك. والذي عندنا من قول مالك: أن المشتري [إنما] يرجع على الغريم، وكذلك حكى هذا الإنسان أول الباب، [ثـ]ـم نسي ذلك بعد سطور يسيرة، فحكى خلافه: أن يرجع على الوصي، فلا هو تحفظ ان يحكي عن مالك ما لم يقل، ولا تحفظ من اختلاف لفظ نفسه، كأنه لا يلقي بالا لما ينطق به.
ثم أخذ يحتج لبراءة الوصي، فأتعب نفسه فيما لم يقله مالك.
ثم قال: أرأيت إن ابرأ الغريم الميت، ثم قبض الوراث، الحصة من يد الوصي إذ صارت له، ثم ضاعت من يده ثم استحق العبد على من يرجع المشترى؟ قال: فإن قال على الوارث ولا يرجع الوارث على الغريم، ترك قوله.
стр. 260
وهذا من هذا الرجل غفلة غامرة، فإن أراد أنه لما جعل الرجوع على الوارث هنا هنا دون الوصي، ترك قوله، لأن الوصي ضامن، فهذا القول قد عرفناه أنه ليس بقول مالك.
وإن أراد أنه ترك قوله في الرجوع على الغريم، فهذا جهل شديد، إذ جعل قبض الوارث لنسه مثل قبض الأمين لغيره، فالوارث يا هذا إنمـ[ـا] قبض المائة لنفسه، كما حكيت أنت في قولك لأنها صارت ملكا له، فمن قبض شيئا على أنه ملكه، كيف لا يضمنه؟ وكيف ساويته بمن قبض شيئا على أنه فيه قبض الأمين
وإن [أراد] [أنه ترك قوله] إذ لم يجعل الوارث يرجع بها على الغريم، الذي أبرأ الميت، قيل له إنما أرجع مالك المشترى على الغريم، إذ لم تكن المائة في ضمان أحد، فكانت أولىل أن تكون في ضمان من بيعت له السلعة، إذ لم يكن في إيقاف ملـ[ـكه] نفع للغريم المطلوب، ونفع ذلك للطالب وعن أدلة كان ذلك.
فتأول مالك في رواية ابن القاسم تضمينه إياها، إذ جعل يد الأمين كيد [هـ] فلما تركها الغريم للميت، صار قبض ذلك الوارث لها على أنها بـ[ـراءة] للميت، وصار ضامنا حين قبض بنفسه.
فكيف يطالب المشترى أحدا بـ[ـأنها] تركة قائمة، ولم تكن الهبة للوارث، وإنما ترك ما كان له للميت، فصـ[ـار] الوارث قابضا لنفسه، فضمن فإذا وجب ضمان الوارث إياها، لم يجـ[ـب] أن يضمنها الغريم ثانية.
стр. 261
فإن قال: فإن أداها الوارث لم [لا] رجع بها على الغريم الطالب.
قيل له: لأنه عن نفسه أداها فـ[ـلم] يرجع بما أدى عن نفسه على غيره، وقد صارت بترك الغر [يم] إياها تركة للميت، قبضها وارثه، ثم ردها على المبتاع، فقـ[ـد]، حصلت الهبة تامة من الغريم للميت، إذ بقيت ذمته بريئة [من] الدين بعد ذلك كله، فصارت الجائحة على الوارث لما يطرأ [على] التركة.
ثم أخذ هذا الرجل في معنى ما تقدم له في هذا البا [ب] من سفاهة القول، فقال: وهذه مقالة جورها مكشوف، وتعدي قائلها ظاهر، ولو أن فطنا استلطف الحيلة أن [يجد] جورة وتعديا لم يأت بجور أعظم من هذا.
وهذا من الكلام لا يتصرف بمن قاله إلا متحامل إلى ما يعذر فيه بعذره، ليس له فيه لما ركبه من هذا السب والثلب قصد اعتقا [د] وتحامل أو متكلم نطق بحمية كحمية الجاهل وغضب الحا [ئر] ومن قام في احد هذين المقامين فقد خفت مؤنته، وصد [ف] مـ[ـن] نفسه، فاستفرغ الجهد في خفضها، واستوفر الحظ من [فسا] دها.
ولو كان كل من خالف في العلم قول صاحبه جاز أن يسمى [فـ]ـيه جائرا متعديا، لكانت المناظرة سبابا والديانة تلاعبا، [ولا] يجب اسم الجور والتعدي إلا لمتعدي خلاف الحق، ولا [يجو] ز أن يسمى لهذا مجتهدا متأولا، ولا مدخل للتعدي والجور [في تـ]ـأويل أو غلط بعد اجتهاده.
ولا يتصرف كلام هذا الرجل [إلا] إلى صريح السب وركوب المحذور، الذي يحسبه هينا، وهو [عـ]ـند الله عظيم، وما يجب على هذا الرجل في ثلب العلماء [الأقـ]ـوم به الحكام.
стр. 262
وأسأل الله السلامة من اشتغالنا بمعارضة مثل هذا الرجل، على ما ترى من كشف حاله، وما [ركـ]ـب من المحذور في مقاله، وإلى الله نرغب في توفيقه.
ثم ذكر [هـ]ـذا الرجل نحو رواية أشهب عن مالك التي ذكرناها، فزعم [أن] هذا قوله، والله المستعان، وكل لمالك، وكل ذلك محتمل [للـ]ـنظر، وسائغ في التأويل، على ما بينا ..
ثم قال فيما ذكر من قوله: [إن] باع الوصي، وقبض الثمن، واستهلك من يديه، ولا يرجع المشتري على ذمة الميت، أو تركته.
فقوله: استهلك من يديه، عبارة قبيحة [بـ]ـل، قوله: استهلك من يديه، إشارة إلى أن مستهلكا استهلكه، [و] ذلك المستهلك كان أولى بالضمان، فلم يذكر ذلك، ولو قال: فهلك [في] يديه كان أشبه، ومثل هذه الاستحالات تشوب كلامه كثيرا [بسـ]ـبب استقصـ[ـائه] [] [والله] [المستعان].
стр. 263
في وطء الأب أمة ابنه
وأنكر هذا الرجل قول مالك في الأب يطأ أمة ابنه: أنه لا يحد، وزعم أن هذا خلاف ظاهر القرآن، وسأل عن الفرق بين من وطيء أمة ابنه [وبين] واطيء أمة والده أو زوجته؟
فالجواب عن ذلك: أن الأب له في و [لده] وفي ماله معنى من الملك، ليس لغيره، وقد خص فيه بخواص، وهـ[ـو] وماله من مواهب الله له، قال الله سبحانه: ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ وقال تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ فقال ابن عباس: ﴿وما كسب﴾ قالك ولد [خ مما كسب].
стр. 264
وقاله محمد بن سيرين وعطاء والحسن ومجاهد وغيرهم قال عطاء: فلا [بأس] أن يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء ما لم يضره.
وقد جعل الرسول الولد ومال الولد من كسب الرجل، وأن له أن يأكل من ذلك. نا أبو بكر بن محمد، نا زيدان بن إسماعيل الواسطي، نا أبو همام وليد بن شجا [ع]، نا أبو معاوية نا الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده [من] كسبه.
قال: أنا أبو همام، نا محمد بن فضيل، نا مغيرة عن الزهـ[ـري] عن عائشة في قوله سبحانه: كلوا من طيبات ما كسبتم، قالت: ولد الرجل من أطيب
стр. 265
كسبه.
أبو همام نا قبيصة نا سفيان عن ليث عن [مجاهد] ماله وما كسب، قال: ولده. أنا أبو سعيد بن محمد الأعرابي: نا [أبو] داود السجستاني، نا عبد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة المعنى، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة عن الحكم عن عما [رة] بن عمير، عن أمه، عن عائشة عن النبي ﵇ أنه قال: ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم.
أنا ابن الأعرابي نا أبو داود، نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي ﵇ فقال: يارسول الله إن لي مالا وولدا، وإن والدي يحتاج مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم.
стр. 266
نا أحمد بن إبراهيم بن حماد، أنا إسماعيل القاضي، نا محمد بن المثني، نا يحي بن سعيد، عن ابن عون، قال: قلت للحسن: يأخذ الرجل من مال ولده؟ قال نعم.
وقاله مسروق، وغيره، والحديث بمثل هذا يكثر لو تقصيناه.
فلما كان الأب له من ولده هذه الخاصة التي ليست لغيره، لم يساو بغيره، في إقامة الحد عليه، فيما يملك ولده لهذه الشبهة، وقد قال الرسول ﵇، ادرؤوا الحدود بالشبهات. ولا شبهة أعظم من هذه الخواص التي خص بها الأب في ولده
стр. 267
وقد غلظ عمر عليه الدية، ولم يقتله فيما يقتل فيه غيره من الأجنبيين.
والولد داخل في ولاية الأب، لا يحتاج في ذلك إلى رأي إمام وغيره.
ومن خواصه أنه يزوج ابنته وابنه قبل بلوغهما، وأنه يعتصر ما وهب لهما بالسنة الثابتة.
ولا خلاف أنه يبيع متاع ولده الصغير من نفسه، ويشتري متاعه لنفسه، وغير شيء مما ينفرد به الأب ولا يلام في الولد.
стр. 268
وقد ذكرنا قول النبي ﵇: أنت ومالك لأبيك، ورواه جابر بن عبد الله أيضا مع عبد الله بن عـ[ـمرو] []ـلا بـ[]، نا المنكدر بن محمد عن أبيه، عن جابر عن رسول الله ﵇.
ولم يجمع الناس على إبطال معاني هذا الحديث كلها، وأجمعوا على رفع حكم بعض معانيه، فما خرج بإجماع أخرجناه، وما أختلفوا فيه من بقية معانيه كنا به متعلقين حتى يجمعوا على رفع المعاني كلها فيه.
стр. 269
فنحن ندرأ به الحد في الزني والسرقة، ولا توجب للأب تمليك ما بيده في كل وجه، لإجماع الناس على رفع هذا المعنى.
ونحن ببقية معاني هذا الحديث متمسكون على أنه محتمل أن يراد به دراءة الحدود خاصة، والله أعلم بذلك
وهذا والاختلاف ف دراءة الحد عن الوالد في ذلك شاذ لا اتباع له، والذي قال مالك من ذلك هو قول كل أئمة أهل المدينة، وقول أهل العراقين والشافعي، والمشهور من علماء الأمصار، المرجوع إلى قولهم.
قال محمد بن الجهنم، هو قول الصحابة والعلماء وفيه من الأحاديث عن الصحابة والتابعين بالأسانيد المرضية ما يكثر على ذكرهان وكرهت التكثير بذلك، وشهرة هذا تنويه عن تسطيره، وقد رويناه عن أبي بكر الصديق وابن عباس وجابر وأنس بن مالك.
قال ابن الجهم،: وهو قول الكافة من التابعينن ولا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم.
وإن من غرائب الأعاجيب أن يكون قولا هذا حاله من تطابق جمهور الماضين والباقين عليه، وهذا الرجل يتجرأ فيطلق فيه أنه خلاف القرآن، وإن مؤنة من انتهت جرأته إلى هذا لخفيفة.
стр. 270
أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا [أحمد] بن فرح، نا إبراهيم بن عبد الله، نا أبو معاوية، نا عبد الرحمن، عن إسحاق القرشي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله، قال: جاء رجل إلى عمر، بأبيه فقال: إن لهذا على ألف درهم، وليس معي مال، فأخذ يدا ابنه، فوضعها في يده، ثم قال هذا وماله من هبة الله لك، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، ونحوه عن ابن عباس.
نا بشر بن موسىن نا أحمد بن الوليد، نا الحباب بن فضالة بن هرمز الحنفي قال: قلت لأنس بن مالك: جارية لأبي وأنا شاب أعزب، احتجت إليها، قال هي عليك حرام، قال قلت جارية لي لم تخلط بمال ابي غلبني عليها، قال هي له حلال، قلت فماذا؟ قال أنت من كسبه، أنت ومالك له حلال وماله عليك حرام، إلا ما طابت به نفسه.
وهذا يكثر علينا ذكره فلا جد في أحاديث السلف أن عليه الحد، وإن اختلفوا في ألفاظ ما اجتمعوا منه على معنى إسقاط الحدود فيه فذلك القصد الذي قصدنا اجتماعهم فيه، وإن اختلفوا في بقية معاني ذلك.
وقد استدل غير واحد من العلماء- في هذا المعني بقوله سبحانه: ﴿ولا على أنفسكم وأن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ابائكم﴾ إلى آخر الاية، قالوا: فلم يذكر في ذلك بيوت الأبناء، وهو أقرب المذكورين قالوا: وإنما لم يفرده بالذكر، لأنه دخل تحت قوله: ﴿أن تأكلوا من بيوتكم﴾ فجعل بيت ولده كبيته، وماله كماله وذكر غيره من الأقارب.
فهذه من الخواص التي انفرد بها الأبوان والله أعلم.
стр. 271
وأقل ما يوجب هذا كله الشبهة الموجبة لدرء الحدود التي تدرأ بالشبهات فهذه أكثر الشبهات.
وشيء آخر: ان الأب لما تأول [ملك يمين] الابن، فقد حرمها عليه، فوجبت عليه، [قيمتها] وذلك مزيد في شبهة ملكه، ونحن نحرم بشبهة الملك كما نحرم لشبهـ[ـة] النكاح على الآباء والأبناء إلا ان التحريم بالشبهة بالملك أقوى في الأصول
وأما قول هذا الرجل: كيف لا يحد وقد وطيء ما لا يحل له وطؤه، من ملك غيره؟
فيقال له: للشبهة التي دخلت في ذلك الملك، على ما ذكرنا أرأيت من وطيء أمة له فيها شرك أليس قد وطيء ما لم يملكه كمال الملك، وهو عليه حرام،
وقوله: إذا كانت للابن ملكا فلم سمى الاب زانيا.
فيقال: له ومن اقر لك انه يلزمه اسم الزني، ولكنه وطء شبهة.
أرأيت الوطء في النكاح الفاسد او البيع الفاسد، أزنى هو؟ إن كان الأمر لا يتعدي عندك إلا حلال صريح، أو حرام صريح، فما الاسم في وطء النكاح الفاسد والملك الفاسد؟ هل هو زنا عندك؟
ونحن نفرد الشبهات باسم الشبهة كما أفرد النبي ﵇ لها اسما، ونأمر باجتنابها حماية لحمي الله.
стр. 272
وقد ألحق النبي ﵇ الولد بعبد بن زمعة، وقال لسودة: احتجبي منه، لما رأى من شبهه بعتبة، وهذا من توقي الشبهات فتعليق اسم الشبهة في الوطء الذي ذكرنا، يكشف لك ما سألت عنه من قولك: هل ذلك ملك للابن أو للأب أو لهما؟
فهذا السؤال يكشفه لك ما يلزمك من الجواب في الوطء المشتبه كله، من نكاح أو بيع او شركة فتأمل، ولا تحمل الكلام في العمل محمل كلام أهل الجدل، فإن الأصول في العلم ليس هذه مجاريها.
وكذلك الأمة المشتركة توقف للاستبراء برضا المتبايعين فيطؤها أحدهما، هل يحد؟ وهل وطيء عندك ما هو له ملك، أو للآخر أو لهما؟
وكذلك واطيء [أمـ]ـة ببيع فاسد، أو الوراث يطأ أمة من التركة، والدين محيط بمال [الميـ]ـت، هل وطيء ما ملك، فلا يباع للغرماء؟ أو وطيء ما لم يملك فينبغي ان يحد؟ وهذا من الشبهات.
فلا تتحامل في علم الشرائع بلسان أهل [الجد] ل الذين أقاموا معاني الديانة بأهوائهم، والتعلق بابتاع [السلـ]ـف في معانيهم أولى بك.
وكذلك من اباح أمته لرجل، فوطئها، [فإن] ذلك شبهة من التمليك أوجبت على الوطيء القيمة ولم نحده [عليـ]ـه بالشبهة، ولا ترد الأمة إلى ربها، فتصير كعارية
стр. 273
الفروج، وبأول [الـ]ـتحريم دخلت في ضمانه، وعليه القيمة، وهذا يحلق بما تقدم، ذكرنا [له] من الشبهات والله أعلم.
والأصول شاهدة لما قال مالك، في وطء [الأ] ب على ما ذكرنا، وهو قول الأئمة، والفقهاء من كل مصر.
وإن من [شـ]ـرد عن هذه الجملة لفي وحشة، لا يجد لها أنسا بمثل من ذكرنا [وباللـ]ـه التوفيق.
стр. 274
باب في قتل الزنديق
أنكر هذا [الـ]ـرجل قول مالك في الزنديق، إذا قامت عليه بينة أنه يسر الكفر: إ [نه] يقتل، ولا تقبل توبته.
واحتج بقول الله سبحانه ﴿قل للذين كفرو [إن] ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله: إن الذين ﴿كفروا [ثم] أمنوا ثم كفروا﴾ وأعاب قول مالك، إذ قال: إنه يقتل ولا تقبل توبته.
стр. 275
[لأنـ]ـه على ما أظهر من التوبة عهدناه، فلم ينتقل عندنا إلى حال يعرف أنه انتقل إليها، واقتدي في ذلك بعلي بن ابي طالب، وابن عباس وغيرهما في الزنديق، وبما ثبت ايضا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة في الساحر، وبما دلت عليه الأصول من الكتاب والسنة مع كثرة من قال ذلك من التابعين وغيرهم.
ثم تحامل هذا الرجل فقال: إن مالكا إنما قال هذا برأيه واستحسانه، وإنه لم يسبقه إليه أحد علمته، وإنه خلاف ظاهر الكتاب وما ثبت من السنة، وما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﵇ والتابعون، في كلام من هذا، أقله يعظم على من عظم أمر الله.
وإن هذا الرجل في ا [دعا] ئه وحرج صدره وتقحمه فيما لا علم له به، واسترسال لسانه بالمنكر من القول، قد سلك مسلكا لم يسلكه إلا مجان أهل الكلام وسفاهة الأحلام، ممن يغمص على متقدمي السلف، من الفقهاء والمحدثين، ويقفون عنده موقف الغفلة، والمتحلقين ممن سبق مثل هذا إليه، فأشربه قلبه، فأقام عليه قد حجب عن الواضح، وجمح عن الناصح.
стр. 276
وكأن هذا الرجل لم يلق إماما له هدي العلماء، فيهتدي بهديه، ويتأدب بأدبه، فيمسك عنانه، ويملك لسانه عن أن يطلقه بالباطل في امور الدين وفي أئمته، أعوذ بالله من سوء القربي، والركون إلى الهوى، وكيد الله بالإملاء.
وكيف يجوز أن يقول: إن هذا خلاف إجماع الصحابة والتابعين؟ وإنه إنما هو رأي رآه مالك، لم يسبقه إليه احد، وهو قول السلف قبل مالك.
ودفع الباطل لا يضر من دفعه، ويعر قائله، ويكشف مستور حاله، وسنذكر من قال ذلك من السلف، وندل على صحة قول مالك من كتاب الله وسنة نبيه، وقول الصحابة والتابعين، والدلائل الواضحة من حجة العقل.
واحتج هذا الرجل، بأن النبي ﵇ أقر المنافقين على علم بهم.
ولو تدبر كلامه علم أن ما احتج [به] حجة عليه، لأنه اقر أن النبي ﵇ أقرهم – وهو بهم عالم – ونحن إن ظهر إلينا من أهل النفاق مثل ما علم الرسول قتلناهم، فلا حجة لك بالمنافقين لما خصهم النبي ﵇، به من تركهم، وأخبر بعلة ذلك، بقوله: " لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ".
стр. 277
وقد أمر الله سبحانه رسوله أن يجاهد الكفار والمنافقين، وقال سبحانه: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ إلى قوله: ﴿اخذوا وقتلوا تقتيلا﴾.
قال قتادة: فكان هذا حكم من أظهر نفاقة أن يقتل.
[نا] إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية عن علي – يعني ابن أبي طلحة – عن علي، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿لنغرينك بهم﴾ قال: لنسلطنك عليهم.
نا إبراهيم بن المنذر، نا أبي، نا النجار محمد بن علي نا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أن ناسا من المنافقين أرادوا أن يظهروا ما فيهم فنزلت فيهم: ﴿لين لم ينته المنافقون﴾ إلى آخر الآية.
قال: وأنا أبي [عن] محمد [] نا نصر، نا عبد ن نا روح، عن قتادة، فذكر نحوه، وقال: أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم، فأوعدوهم الله بهذه الاية فكتموا ذلك، واسروا ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ قال: إذا هم أظهروا [الـ]ـنفاق، ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ يقول: هكذا سنة الله فيهم، إذا اظهروا النفاق.
стр. 278
أنا محمد بن أحمد بن نا موسى بن عبد الرحمن نا يحيى بن محمد بن الـ[] لئن لم ينتهوا مما في قلوبهم من النفاق [] لنسلطنك عليهم إلى قوله: ﴿سنة الله في الذين﴾ أي من أظهر الشرك قتل، وقد أمر الله سبحانه رسوله بمجاهدة الكفار والمنافقين فهذه مجاهدة من أظهر نفاقه منهم، فأما من ستره فلم يؤمر فيهم بذلك.
وقد ذكر الرسول ﵇ العلة في تركه إياهم بعد علمه بسرائرهم فقال: أولئك الذين نهاني الله عنهم، وقال: لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وهذا امر خاص في الذين كانوا على عهده ﵇، لأن الناس بحدثان كفر، ولا يعلمون المؤمن من المنافق، إلا بما [ظهر] لهم، ولو قتلهم بعلمه دون ظهور الأمر عليهم، لكان فيه تشريدا للناس عن الإسلام، كما قال ﵇: لئلا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وقد روى جابر أن عبد الله بن أبي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأراد عمر قتله، فقال النبي ﵇: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فأخبر ﵇ علة تركه لقتلهم، ولم يقل: لأني قبلت ظاهر دعواهم.
стр. 279
وأنت في قبولك لظاهر الزنديق في بدي أمره او في توبته، لا تعلم طويته، والرسول إنما اقر بعد علمه فيهم، بخلاف ظاهرهم فلا حجة لك بهم، ولو ظهر ذلك منهم في حياة الرسول ظهروا ظاهرا كما قال قتادة والحسن لقتلهم ﵇.
وشيء آخر، أن الرسول ﵇ هو الذي كان يعلم نفاق قلوبهم، وهو لم يؤمر ان يحكم بباطن علمه، وإنما مجاري أخذ [هـ] ﵇ على الظاهر، لا على ما يعلم الله ورسوله من [الخفاء].
ولا خلاف أيضا أن لو علم الإمام من رجل ما يوجب التقل من كفر او غيره [وهو له] منكر أن لا يقيم ذلك عليه لعلمه.
وهل بلغك أن منافقا قامـ[ـت عـ]ـليه البينة عند الرسول أنه عرف بالكفر، فاستتابه وتركه، فلا حجة لكم بالمنافقين لهذه الدعوى.
[فإن قلت] [] منهم قائمة سئلت عن من ظهرنا على نفاقه اليوم، اتتركه كما ترك النبي ﵇ المنافقين، [أو] تقتله؟
стр. 280
فإن قلت: نستتيبه، خالفت، ما فعل النبي ﵇ في المنافقين، فإنه لم يستتبهم من شيء مما يعلم من طوياتهم.
وإن قلت: [أثبته] على ما علمنا من نفاقه، ولا نستتيبه ولا نقتله، خرت من قول العلماء.
فلا تجعل المنافقين أصلا لاستتابتك للزنديق، فإن هذا غلط فاحش، لا خفاء به، وقد قال النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه.
نا به الحسن بن بدر، نا النسائي، نا قتيبة بن سعيد، نا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، قال، قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : من غير دينه فاقتلوه. وهذا عام.
فإن قيل: إن النبي ﵇ قال للمقداد – حين قتل الكافر- ألا شققت عن قلبه، بعد أن تشهد.
стр. 281
قيل: ذلك كان كفره ظاهرا، فرجع إلى أمر ظاهر.
ويقال له: أرأيت قول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، عام أم خاص، أم له معنى خلاف ظاهره؟
فإن قلت: معناه بعد الاستتابة، سئلت الدليل.
فإن قلت لقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. قيل لك: هذه الآية معناها ظاهر [] (فدل بذلك أنهم ينتقلون عن أمر ظاهر علمناه إلى امر ظاهر) [والأية] لا تطالب بالتكليف لأن ينتهوا عن ما في سرائرهم.
فدل ذلك أنهم ينتهون عما سلف مما ظاهرونا به، إلى ما سواه، مما نعلمه عنهم، والزنديق بخلاف ذلك.
هذا وقد اختلف الناس فيمن يعلم منه [الإيـ]ـمان فارتد مظهرا لردته، فقيل:
يقتل ولا يستتاب، وتأولوا أن [ذ] لك حده القتل والحد لا تزيله التو [بة] [كما أن حد الزنى] لا تزيله توبة الزاني عند الحد، وتأولوا هذه الاية ﴿قل للذين كفروا
стр. 282
إن ينتهـ[ـوا] يغفر لهم ما قد سلف﴾ ممن لم يتقدم لهم إيمان قط، وأما من آمن ثم كـ[ـفر] فلم يدخلوه في الاية.
وقد قال نحو هذا معاذ، وأشار به على [أبي] موسى في رجل ارتد، فقال: لا اقعد حتى يقتل فقتله أبو موسى، [وقد] تقلد ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال مالك في الاستتابة من ظاهر إلى ظاهر بقول الصديق في استبقائه من تاب من أهل الردة، وبقول عمر وعلي وعبد الله وغيرهم.
стр. 283
وقالت طائفة بقول عبد العزيز هذا، واتبعه على ذلك من المتأخرين سعيد بن محمد بن الحداد، وأنت لا تقول بذلك.
ولكن عجبت من تحامل هذا الرجل، في دعواه لإجماع الصحابة والتابعين على استتابة الزنديق، وهم لم يجمعوا على استتابة المرتد فضلا عن الزنديق، ولكن كلامه خرج عن حمية ونقص من العلـ[ـماء] شديد.
ويقال له: أرأيت الذي علمناه بالإيمان، ثم ظاهرنا بالكفر مرتدا، أليس إنما نستتيبه مما أظهر إلينا من الكفر، ليرجع إلى الإيمان الذ [ي] كان يظهر إلينا فلابد من: نعم.
فيقال له: فهذا الزنديق الذي ظاهرنا بالإيمان، ثم اطلع عليه رجلان أنه يسر الكفر، فهل نستتيبه مـ[ما] أظهر، أو مما يسره ويخفيه؟
فإن قلت: مما يسره، قيل لك: فكيف تطالبه بالانتقال عن سريرته ولا وصول لك إلى ذلك.
فإن قلت: أصل إلى ذلك بقوله: إني مؤمن في سريرتي وعلانيتي.
قيل لك: مازال قائل ذلك قبل ظهورك عليه وبعده، فما الذي تغير من حاله بعد شهادة البينة عليه بما يسر؟
أرأيت إن قال: كذبت البنية، وما أنا إلا مؤمن [في] السر والعلانية، أتجعل ذلك توبته وتبقيه على حاله، وتصير الـ[ـبينة] لا تغير منه معنى، ولا توجب عليه
стр. 284
حكما، فلما كانت التوبة مما يسر من الكفر لا يتوصل إليها معنى يساوي ما أسر، لم يكن لاستتابته وجه، وكان حده القتل، وكذلك فعل علي بن أبي طالب.
نا الحسن بن بدر نا النسائي، نا محمد بن المثنى، نا عبد الصمد، نا هشام، عن قتادة عن أنس، أن عليا، أتي بناس من الزط، يعبدون وثنا، فأحرقهم، فقال ابن عباس: إنما قال رسول الله ﵇: من بدل دينه فاقتلوه.
وهؤلاء إنما [ظهر] عليهم التستر بذلك، وإظهار الإيمان، فلذلك قال ابن عباس هذا في قبول توبة الزنديق وقتله، كالذي دل عليه الكتاب من قتل الساحر، لأنه كفر مستتر به، ويدل على ذلك، قول الله تعالى: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، وبقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاخرة من خلاق﴾ وبقوله ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ يقول: باعوا ومن خسر نفسه حتى لا يرى لها في الآخرة نجاة، فلا حظ له في الإيمان.
فلا تقبل توبة الساحر إذ لا يظهر على أمره، ولا يعرف ما تاب منه، وقد قال النبي ﵇: حد الساحر ضربة بالسيف، فسماه حدا، والحد لا توجب دفعه التوبة.
стр. 285
[نا] محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا ابو مسلم، نا سليمان بن داود، نا معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الخير أن النبي ﵇ قال: حد [السـ]ـاحر ضربة بالسيف.
قال ابن الجهم: ومن قال في إسماعيل بن مسلم في [حديثه] يضعف، فإن إسماعيل ثقة مأمون، ولا يدفع بهذا حديث تشهد [عـ]ـليه الأصول.
وحديث جندب مشهور من غير طريق، وروينا حديث [] [خبر] مشهور. [] إبراهيم [نا] أبي نا إسماعيل القاضي، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجزيري، عن ابي العلاء، أن النبي ﵇، ارتجز ذات ليلة، فقال: جندب وما جندب، والأقطع الخير، فسئل عن ذلك بعد أن أصبح، [فقال: أما] جندب
следующие страницы →