Полный текст (514 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
باب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعا
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الرجل يطلق زوجته واحدة، ثم يرتجعها في سفره في العدة وهي لا تعلم، حتى حلت وتزوجت، أن الأول أحق بها إن قدم، ما لم يدخل بها الثاني.
واحتج هذا الرجل بقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، قال: فأباح امرأة لرجل، وهي زوجة لغيره، وهو يقول: إن نكاح الثاني باطل، فكيف تحل بالدخول.
قال: وكذلك زعم مالك في الوليين يزوجان امرأة واحدا بعد واحد بإذنها، أن نكاح الأول صحيح ونكاح الثاني غير منعقد ولا جائز، وأن الثاني غير زوج، وإن مات الأول قبل بناء الثاني ورثته وورثها إن ماتت.
стр. 457
قال: ثم ناقض، فقال: إن دخل الثاني قبل الأول، فالثاني الداخل بزوجة غيره أولى بها، فصار دخوله بزوجة غيره موجبا أنها له زوجة، وحرمها على الأول بغير طلاق، فأباح محظورا بغير دليل ولا سنة ولا اتفاق.
وذكر حديثا عن ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي موسى أن وليين أنكح أحدهما عبيد الله أولا، وأنكح الآخر بعده جارا له، فجامعها الثاني، فقضى بها لعبيد الله.
فالجواب عن ذلك، أن ما قال مالك من ذلك فالأصول تدل عليه، من الكتاب والسنة والإجماع.
وقد حرف هذا الرجل قول مالك، وبدله إلى ما تتم له به المناقضة التي تمناها في قول مالك، وليس لكل واحد ما تمنى، وكان حكمه في الديانة أن لا يحرف قول الرجل، ولا يرد عليه ما لم يقل.
فمما ما حرف فيه وحكى ما ليس بقوله قوله: إن نكاح الثاني غير منعقد، ولا جائز، وأنه ليس بزوج، وأن الثاني إذا دخل بزوجة غيره أولى بها، فهذا تعد، وتحريف في القول وحكاية ما لم يقله مالك.
وليس يقطع في الثاني بفساد حتى يعلم آخر ذلك، لأن الزوج له أن يرتجع، والزوجة التي لم تعلم بالرجعة لها في إجماع المسلمين أن تتزوج، فلما لم يكن عليها أن تقيم أبدا، لإمكان أن يكون زوجها قد ارتجعها وكان [] إذ لم يعلم بها، فكان
стр. 458
كالحاكم يجتهد بما أبيح له، فيمضي ثم يتبين له أن غير ذلك هو الصواب فلا ينقض ما نفذ من قضائه.
وهو أيضا بمنزلة حاكم حكم بما تبين له من دلائل على غائب، فله أن يبيع عليه فيه ربعه، ولا يتوقف عن ذلك لإمكان أن يكون عند الغائب حجة، فبعد أن باع وقضى الدين قدم الغائب، وقد أبقاه على حجته في الدين، فأقام بينة بقضاء الدين، أن له الرجوع بالثمن، على المقضي له بالدين، ولا يرد بيع الدار، لوقوعه بأمر جائز.
وكذلك أمرأة المفقود يضرب لها الأجل، وتتزوج زوجا، ثم يأتي زوجها.
وكذلك امرأة النصراني يسلم، فتعتد وهو غائب، وتتزوج انه إن قدم زوجها وأقام بينة أنه أسلم قبلها، أو أسلم في العدة بعدها، فلا سبيل له إليها.
وقد اختلف قول مالك في هذه الثلاث مسائل، في امرأة المفقود، والتي لا تعلم بالرجعة، والتي تسلم ثم يسلم زوجها في عدتها وهو غائب ولا تعلم.
فقال: لا سبيل للاول إليها إذا تزوجت، وقال: هو أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وهذا في التي لم تعلم بالرجعة مروي عن عمر بالإسناد الجيد، من رواية
стр. 459
مالك وابن وهب وغيره.
وكذلك نكاح الوكيل أو الأب يزوج ابنته، ويزوجها رجل قد وكله الأب أيضا، فهذا لم يختلف قول مالك فيها، أن الأول أحق بها ما لم يدخل الثاني.
والأصل في هذا: أنه لما كان لكل واحد أن يفعل ما فعل فقد تساويا في أمرهما، فلا يكون أحدهما أولى بما فعل، إلا أن يزيد مرتبة على صاحبه، فإن تساويا في أنهما لم يدخلا كان الأول أزيد مرتبة منه، فيسبق فإن دخل الثاني كان الدخول أقوى من السبق إلى العقد.
ولا يجوز أن يقال: إن العقد الثاني كان فاسدًا، وهذا من العقود التي يكشف صحتها ما يظهر بعد ذلك، كالذي يتيمم، فلا يجوز أن يقال: إنه إن أصاب الماء قبل أن يدخل في الصلاة أن تيممه في حين ما تيمم باطل، إنما ظهر لنا بوجوده الماء الآن أن تيممه باطل، حتى إذا دخل في الصلاة قبل أن يجده، ووجده في الصلاة، ظهر لنا الآن أن تيممه صحيح.
стр. 460
وكذلك القاضي يحكم بما ذكرنا، ثم يظهر له خلاف ذلك على ما بينا.
وكذلك ما أتى من السنة، فيمن وجد بعيره في المغنم، أنه إن وجده قبل دخوله في المقسم، أخذه بغير ثمن، وإن وجده قد قسم لم يأخذه إلا بالثمن.
فلا يجوز أن يقال: لما كان له مالكا قبل القسم، فلا يزيل عنه القسم، وذلك أن للمشركين فيه شبهة ملك، بما دل عليه هذا الحديث والحديث الاخر: من أسلم على شيء فهو له، يريد: وإن كان أصله للمسلمين.
فهذه الغنيمة، لما كان لأهل الغنم أن يقسموا، ولا يترقبوا تمييز ما منه لمسلم او غيره، ثم افاتوا ذلك بالقسم الذي لهم فعله، لم يكن لمالكه إليه سبيل.
وكذلك كل من له أن يفعل فعلا، فلا ينقض فعله إلا إلى ما هو أقوى منه
فالمطلقة لها أن تتزوج بعد العدة ولا تترقب، لما يظن انه قد ارتجعها، فلا يرد لها فعل أباحه لها ظاهر الكتاب والسنة، وذلك أن الزوج عقد رجعة مباحة له، وعقدت هي نكاحا مباحا لها، وزادت الدخول فكان فعلها أقوى ألا يرد لما زاد من أحكامه.
стр. 461
كما أن الجيش لما غنموا مال هذا الرجل وهم لا يعلمون، فملكوا ذلك بأمر جائز في الظاهر مباح، وقد سبق لربه ملك فيه، وهذا أقوي من ملك المشركين، ولهؤلاء فيه شبهة ملك، لشبهة ملك المشركين فلما كان لهم أن يفعلوا فيه، وبسطوا أيديهم في قسمه فقسموه، جعل النبي ﵇ قسمهم إياه يمنع صاحب الملك القديم منه، ويقوي الملك الثاني الذي كان ضعيفا وكان الملك الأول أقوى منه.
فكذلك ما يسبق به العقد ويتأخر بالأمر الجائز، فيرد الأمر فيه إلى من قوي سببه على ما شرحنا، لتساويهما في الإباحة، فأحقهما أقواهما سببا فيما أبيح لهما فيه أن يحكما وأن يفعلا، وعلى هذا دلت السنن والأصول، وهو قول الخلفاء التابعين.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى قال: أنا سحنون عن ابن وهب عن يونس عن أبي الزناد عن عمر.
وذكره ابن شهاب ومالك عن عمر، بمثل ما ذكرنا من قول مالك، في التي لا تبلغها الرجعة حتى تنكح.
стр. 462
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن الجهم، قال أنا محمد بن شاذان، قال أنا معلي قال نا عبد الله بن عمر، ونا عبد الكريم الجزري، عن سعيد أن عمر قال في رجل طلق امرأته، قم خرج في سفر، فأشهد على رجعتها ولم تعلم بذلك فتزوجت، قال: إن رجع قبل أن يدخل بها زوجها الآخر فهي امراته.
وروى مثله ابن وهب عن عمر، في الوليين يزوجان، وهو خبر ثابت.
وروى مثله عن معاوية، وقاله عطاء، نا أبو بكر قال نا يحيى قال: أنا سحنون، عن ابن وهب، قال أنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن ابن المسيب: ان السنة مضت في الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها الرجعة، حتى تحل فتنكح زوجا غيره، أنه ليس له من أمرها شيء، ولكنها من زوجها الآخر.
وقاله عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وقاله ابن شهاب، وهو قول عطاء ومكحول وربيعة ويحيى بن سعيد، وقاله مالك والليق، وقضى به شريح في التي لم تعلم بالرجعة، وقال جابر بن زيد، إذا دخل بها الثاني فلا شيء للأول [وإلا] [فهي للأول].
стр. 463
وقاله ابن الزبير والحسن بن علي.
وهذا كله بالأسانيد الجيدة، تركنا [هنا] إيعابها كراهية التطويل، إذ فيما ذكرت وفي بعضه مقنع، و [الله] المستعان على توفيقه.
ولم يذكر هذا الرجل في مسألته هذه اثرا صحيحا ولا شيئا عن أحد من السلف، إلا أنه ذكر عن أبي موسى في الوليين يزوجان فأعوزه أن يجد ذلك إلا عن رجل واحد، في غير المسألة التي احتج لها، فجعل ذلك أصلا، ثم قاس عليه التي لا تعلم بالرجعة فإن لم يرد ذلك قياسا عليه، فلا معنى لما ذكره عن أبي موسى في غير مسألته.
والذي ذهبنا إليه مروي ثابت عن ستة من الصحابة، ثلاثة من الخلفاء وعن عشرين من التابعين بالحرمين والعراقين والله المستعان.
стр. 464
باب قضاء ذات الزوج في مالها
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في ذات الزوج: إنه لا يجوز فعلها في مالها، من صدقة وعتق وهبة إلا قدر الثلث.
قال: فحذر غير محذور، وحد ما لم يحد الله ولا رسوله ولا اجتمت عليه الأمة، وجعل من لا يملك المال يحكم في مال غيره.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه﴾ وقول النبي ﵇: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام. وكل ذي مال أحق بماله.
стр. 465
فوجب بذلك ألا يحكم أحد في مال غيره، وجعل مالك للزوج رد عتقها، وهو يقول: يقطع إن سرق من مالها فجعله كأجنبي ثم جعل له رد ما أعتقت، وهو لا يجوز له عتقه، ولا المال له ثم أجاز هبتها لزوجها جميع مالها، فما الفرق، ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا سنة؟
قال: وإذا لم تحكم إلا في الثلث من يحكم في الثلثين، لا هي ولا زوجها ولا غيره، فيكون مال لا حاكم فيه، لا مالكه، ولا غيره.
ثم قال: إن تصدقت بجمع مالها فللزوج رد جميعه، فلم يجز هاهنا حكمها في الثلث [] [في غيره].
وقال: إن أصدقها صداقا فقام عليها الغرماء، فلا يقضي لهم فيهب شيء، وتشتري به الجهاز للدخول على زوجها، فمنع الحق من أهله، إذ هي ملية، تقضي دينها بالصداق الذي ملكته بأوجب واجب.
وقد امتنع النبي ﵇ من الصلاة على الذين عليه الدين، فكيف بمن يجد قضاءه ويمنع منه غرماءه، لشراء طيب وجهاز، فلما ضمن أبو قتادة الدين، صلى عليه النبي ﵇، فهذا يدل أن من ضمن عن رجل دينا أن المديان يبرأ منه لرب الدين.
стр. 466
وقال مالك: لا يبرأ المضمون عنه بذلك، ولا يؤخذ به الضامن إلا في عدم الغريم أو موته، ولو كانت ذمته مشغولة ما صلى عليه الرسول ﵇ بعد أن امتنع.
فالجواب عن ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم﴾ فدل بقوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أن المراد الزوج، فإذا كان بظاهر القرآن هو قيما على زوجته وواليا عليها، وجب أن يكون له في المال معنى خص به، ولا يزيل قيامه عليها بهذا العموم إلا بدليل يقوم.
وقام الدليل من كتاب الله وسنة نبية ﵇ ان للزوج في مال المرأة معنى، يجب له معه القيام بحفظه [وقيامه] عليها، وذلك أنه زيد عليه في الصداق من أجله إذ لو نكحها على تفويض، وبني بها وكانت ذات مال، ان صداق مثلها اكثر من صداق مثلها لو كانت فقيرة، ولو حتى أتلفت مالها قبل النكاح، لم تأخذ في صداق مثلها عشر ما يأخذ في ملائها.
فدل ذلك أن ما زيد على الزوج من الصداق لسبب مالها، أن تلك الزيادة عليه لسبب مالها، لمعنى أن في المال الذي لها، فوجب علينا أن نستدل على ذلك المعنى، لما رأينا [] منها لم يبق إلا أن له جماله ببقائه عندهما لما له في ذلك من تعجل نفعه بذلك، من جمال ذلك عليه، ومن جاء عواقبه ومن غير ذلك.
стр. 467
فجعلنا له أن يمنعها ما يزيل ذلك عنه، مما يتلف به المال أو يجحف به ويزيل أكثره، [و] قوانا على ما تأولنا في ذلك من كتاب الله، ما قاله رسول الله ﷺ ، رواه أبو هريرة: تنكح المرأة لمالها وجمالها، فجعل للمال ما جعل للجمال، الذي به يستمتع فكان له أيضا معنى في المال يستدل عليه، وعلى ما أشار النبي ﵇ إليه، وكذلك قوله ﵇ لتلك المرأة، اتي تزوجت بنعلين/ أرضيت من نفسك ومالك بهذين النعلين.
نا به عبد الله بن سعيد الحداد، قال نا أبو عمران موسى بن الحسن البغدادي قال: نا عاصم بن علي بن عاصم قال: نا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت رجلا على نعلين، فرفعت إلى النبي ﵇، فقال: [أ] رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم: فأجازه.
قال شعبة: فكان في نفسي من الحديث شيء فلقيته فسألته أيضا فحدثني، فقال لها: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم، قال رأيت ذلك، قال: وأنا أرى ذلك.
стр. 468
فقرن النفس مع المال في عوض الصداق فذلك يدلك أن له في المال معنى، كما له في البدن معنى التمتع به، فنظرنا سبب ما وجب له في المال بذلك، فلم نجد غير هذا المعنى، فأقمنا ظاهر الكتاب والسنة فيما وجدنا قيام ذلك فيه لئلا يتعطل ذلك، وأخرجنا من ظاهر ذلك ما أجمع الناس على إخراجه من تمليك الزوج لمالها حقيقة الملك، وكذلك أخرجنا من ذلك ما أجمعوا عليه أنه ليس له منعها من إتلاف اليسير الذي لا يجحف بالمال من الثلث فأقل، وما وقع فيه الاختلاف أصرفناه إلى ما أقمنا، به ظاهر الكتاب والسنة، وهكذا يجب علينا، وإلا أبطلنا المعاني بأسرها.
وإقامة الأمر إلى ما يستعمل به ما أمكننا استعما [له] من الكتاب والسنة أولى بنا. وهذا وقد روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن المرأة لا تحكم في مالها إلا بإذن زوجها.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا ابو مسلم قال نا ابو عمر الضرير، قال نا حماد عن داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلىى الله عليه وسلم قال: لا يجوز لامرأة في مالها أمر، إذا ملك زوجها عصمتها.
стр. 469
ورواه حماد بن سلمة وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي ﵇.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال نا سحنون، عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه أبيه سمع عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما رجل ملك عقدة امرأة تزوجها، فليس لها أن تعطي شيئا من مالها إلا بإذن زوجها ".
قال: وأنا سليمان بن أيوب عن عطاء بن دينار وغيره.
وقاله طاووس وربيعة وعمر بن عبد العزيز وغيره من التابعين.
قال: وأنا يزيد بن عياض، عن عمر بن عبد العززي عن رسول الله ﷺ مثله، وأنا مخرمة، عن أبيه، عن ابن المسيب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثله.
وأنا يونس عن ابن شهاب قال: أدركت أهل العلم يقولون: ليس للمرأة أن تعطي من مالها عطاء ذا بال إلا بإذن زوجها.
стр. 470
وهذا الذ [ي نص] ابن شهاب أنه الذي سمع العلماء بالمدينة يقولونه، رواه ابن الماجشون بإسناده له عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يجوز لامرأة أن تقضي في مال ذي بال إلا بإذن زوجها.
والحديث الذي تقدم ذكرنا له لا يخالف هذا، ومعنى الأول في الشيء الكثير الذي يجحف المال، بدليل ما أجمع الناس عليه أن فعلها في القليل جائز، فخرج ذلك مما جاء في الحديث ودل عليه القرآن.
نا [انب] وهب، عن شمر بن نمير، عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: يجوز للمرأة ما أعطت من مالها والديها في غير سرف، إذا احتاجا إلى ذلك، فمنعها من السرف.
وعلي هذا جاءت الأحاديث كثيرا عن السلف.
وكانت [صفية] بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر – وهي بنت ستين سنة – لا تعتق رقبتها حتى تستأذن زوجها.
نا به أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، نا سحنون، عن ابن وهب، عن الليث، عن نافع.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ما يقرب من هذا.
стр. 471
ويكثر علينا تقصي ما روي عن السلف في هذا.
وهذا - مع شهرته وتأكده في سلف الأمة من صاحب وتابع – الذي قال هذا الرجل فيه: إنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة وهذا من التنطع، والله المستعان على اتباع سبيل المتقدمين.
وقوله: تقطع يده إن سرق مالها، ورأى هذا خلافا لقوله: إنه يمنعها فيه الحوادث، وأن هذه مناقضة.
وهذا أمر غاب عنه، لأنا لم نقل: إنه مالك لماله منعها من إتلافه، فلما أراد أن يتملك مالها بالسرقة قطعناه، لسرقته ما غيره مالك له وإنما له فيه سلطان المنع من إتلافه، ليبقى بيدها لما قام دليلنا به.
وقد يمنع المريض من الحكم في ثلثي المال وارثه، ولو سرقه الوارث في مرض المريض لقطع، فما الذي استبعد من هذا؟
وقوله: فمن يحكم بالثلثين؟ فيقال له: ومن يحكم في الثلثين من مال المريض؟ لا هو ولا ورثته ولا غيرهم.
وهذا إدخال غافل، والمرأة والمريض يحكمان في الثلثين في ملكهما لما ينميه ولا
стр. 472
يتلفه، كما أن المديان يحكم في ماله لما ينميه، ولا يجوز عندنا أن يتلفه والدين محيط بماله.
وقوله: بم أجاز هبتها لزوجها جميع مالها؟ فما الفرق، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة؟
وقد دللناه على ما غاب عنه من الكتب والسنة، وأما الفرق بين الزوج وغيره، فإن منعنا للزوجة من إتلاف مالها من أجل الزوج، فإذا كانت الهبة له، زالت العلة التي كان لها المنع.
وإنما تكون مناقضة لو منعناها الحوادث من مالها لأن لها زوج، لا لأن للزوج حجة في ذلك ومنفعة له حق القيام بها، كما كان للورثة منع المريض من إتلاف ماله وإعطائه لغيرهم أو أن يخص به أحدهم، فحتى لو أعطاهم أنفسهم ماله كله بينهم سواء وهم بنون ذكر أو إخوة لجاز ذلك.
وكذلك لو أوصى بماله لوارثه وهو وارث واحد، أو لورثته على حسب مواريثهم.
وكذلك الزوج الذي كان له المنع هو الموهوب، لم يبق لأحد حجة، ونحن فلم نمنعها من مالها أن تتلفه لأن لها زوج، وإنما قلنا: للزوج منعها من ذلك، لمعنى هو له
стр. 473
في ذلك المنع، فإذا زال منعه زالت العلة، التي لها منعناها، وكذلك قال من قال قولنا من السلف.
أنا محمد بن محمد قال: أنا يحيى بن عمر قال: أنا سحنون، عن ابن وهب، عن رجال من أهل العلم، عن الأوزاعي، عن عمر بن عبد العزيز كتب في المرأة تعطي لزوجها العطية والصدقة: إن كان عن طيب نفس منها، فهو مما أحل الله أن يأكله هنيئا مريئا، وإن كان عن استكراه أو ضرار أو تخويف، فليرد عليها ما أعطته.
وقاله يحيى بن سعيد وأبو الزناد وابن شهاب وربيعة وغيره.
وأما قوله عن مالك: إن تصدقت بجميع مالها فللزوج رد جميعه، فلم يجز ثلثا، ولا غيره، فقد اختلف أصحابنا في هذه المسألة.
فقال المغيرة وغيره: يجوز منه الثلث، وقال مالك وغيره: يبطل جميعه، وهو قول محتمل للنظر، لأن تجاوزها في الكثير عمل بالضرر، الذي لا يباج لها، وفما جرى على وجه الضرر أبطلنا جميعه، وما جرى على الإصلاح نفذ إذا لم يكن ذلك مجحفا بالمال، الذي للزوج الحجة في بقائه.
стр. 474
وشيء آخر: أنَّا متى رددنا فعلها لما يتبين لنا من الضرر، كان لها أن تأتنف فعل ما أراد [ت] مما لا يرد من فعلها، والمريض إذا جاوز الثلث، وفات بنفسه، فقام الورثة برد ذلك، لم يكن للميت من يأتنف له الوصية بالثلث، أو غير ذلك مما كان هو يأتنف لو رد عليه فعله قبل فوات نفسه.
فليس ردنا لما زاد على الثلث من فعل الميت كردنا لفعل المرأة؛ لأن هذه قادرة على ائتناف ما أرادت، والميت يفوت ذلك منه، فلم يتساو هذا.
وأما قوله: إذا قام الغرماء عليها لم يقض لهم بأخذ الصداق في دينهم، وتشتري به الجهاز أولا، فهذا قد دلت عليه الأصول، لأن الصداق قد تعارف الناس أنه إنما يدفع إليها لتصرفه فيما يتجملان به ويستمتعان به، فكأنه كالأمر المشترط، لأنه عرف قائم، فقضاؤه في دينها يمنع الزوج مما عليه بذل الصداق، ولو علم أنه إنما يصدقها لتصرفه في دينها، وتأتيه فقيرة، ما بذل لها ما بذل، وهذا ظاهر في التعارف.
وقد ذكرنا في باب الرجوع بنصف الصداق في الطلاق ما دل على كثر من معاني الخلاف في هذا الباب، وإن كان إنما بذل الصداق لأمر، فله القيام به والرفع لكل ما منع منه والله أعلم.
وليس لها أن تقطع عنه ما عليه أعطي الصداق كما لا تمنعه ما اشترط.
وقوله في امتناع النبي ﵇ من الصلاة على المديان، حتى ضمن عنه أبو قتادة، فقد قيل: إنه منسوخ بقوله ﵇: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلي.
стр. 475
وهو قول ابن شهاب، قال: وكل من مات وعلي دَيْنٌ فدينه على الأمير، وهو ظالم إذا لم يقض عنه.
وقوله: إن بضمان الكفيل، برئت ذمة الميت، ولولا ذلك ما صلى عليه النبي ﵇ بعد امتناعه، [] لأنه لو مات مليا، والطالب على ثقة من قبض ماله، [أو قبض كثيره إذا لم] []، والله أعلم.
وقد مات عمر وغيره من أكابر الصحابة عن دين عليهم ولهم وفاء به، فأظهر المعاني أنه لما قام صلى كان من الدين على ثقة أنه يقضى عنه، كما لو مات مليا، فصلى عليه ﵇، لما تأكد من إمكان قضاء دينه.
والدليل على ذلك: أنه لو دخلت ذمته من الدَّين الأول لكانت عامرة بِدَين أبي قتادة أيضا، فقد حصل أن عليه دينا، لأن لأبي قتادة طَلَبَه بما يؤدي عنه، وليس في الحديث أن ذلك هبة ولا صلة، وإنما فيه الضمان، ومن ادعى براءة الذمة بالضمان، أو أن أبا قتادة تصدق بذلك، ادعى ظنًا لا تقوم به حجة، وأسأل الله توفيقه برحمته.
وإن قال: إن أبا قتادة رضي بالقضاء عنه على علم بأنه لا يجد في تركته وفاء، فإن لم يكن هبة وصدقة فهو على طيب نفس من تأخيره عليه، لرجاء ما يقضي عنه آخر ذلك، أو بشيءٍ يرجى.
стр. 476
قيل له: فإن كانت ذمته مشغولة بدَين أبي قتادة بطلت علتك: أن النبي ﵇ لم يصل عليه إلا وهو خالي الذمة، وإذا صلى عليه النبي ﵇ مع عمارة ذمته، كان ذلك دليلا أن التوقف عن الصلاة لفقد قضاء الدين، فلما صار في أمن من قضائه بالضمان صلى عليه، وكذلك لو كان مليا لم يتوقف علـ[ـيه] السلام من الصلاة عليه، والله أعلم، فبطلت العلة التي ظننت أن الضمان يبريء الذمة.
وإن قلت: ذلك صدقة من أبي قتادة، لم يحصل معك غير الدعوى التي لا يجوز أن تدعيها بالظن، وهذا من التمني، والله المستعان على توفيقه.
стр. 477
في التظاهر من الأمة
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، فيمن ظاهر من أمته: أنه يلزمه، وحكى أن مالكا قال: وإن آلى من أمته لا يلزمه.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن لقوله سبحانه: و ﴿الذين يظهرون منكم من نسائهم﴾ الآية، وقال: ﴿للذين يولون من نسائهم﴾ الآية، وقال: ﴿وإن عزموا الطلق﴾.
стр. 478
فأوجب أن الظهار والطلاق لا يكونان إلا من الأزواج دون الإماء، بقوله: ﴿من نسائهم﴾ والنساء المقصود إليهن في هذا الأزواج دون ملك اليمين، ولم يوجب علينا ظهارا، ولا إيلاء فيما ملكت أيماننا.
فقال مالك: لا يلزمه الإيلاء من أمته، فلم تكن الأمة عنده من نسائنا، ثم نقض ذلك فقال: يلزمه الظهار منها، والآيتان في الظهار والإيلاء، قال الله سبحانه في كل آية: ﴿من نسائهم﴾ ففرق بين ما لا يفترق في خبر ولا نظر، ولا أتى به خبر، وظاهر الآية: إنما وجب الظهار فيما وجب فيه الإيلاء ولم يوجبه إلا في الأزواج، فقائل هذا مغفل، غير سالك طريق النظر.
أرأيت لو جسر غيره، فقال: يلزمه الإيلا في أمته ولا يلزمه فيها ظهار، هل الحجة عليه إلا كهي على مالك؟ ولم يفرق بين ما فرقت كتاب ولا سنة ولا اتفاق.
وإذا كان الاختلاف في ذلك، فظاهر القرآن يدل على أن المراد النساء اللاتي يظاهر منهن أزواجهن، وكذلك الإيلاء.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الرجل غافل فيما حكى عن مالك في هذا وفيما أنكر، وذلك أن مالكا يقول: إن ظاهر من امته لزمه الظهار، ولم يقل: إن من آلى من أمته إلا يطأها ان اليمين لا تلزمه، وإنما لا يلزمه ضرب الأجل لأمته، لأنه ليس لها حق في الوطء إذا امتنع منه.
стр. 479
والزوجة لها ذلك حق من حقوقها، وهذا في ظاهر القرآن أن كلمة الإيلاء إنما هي اليمين، وإجماع الأمة أن الأمة لا طلب لها على السيد في الوطء، حلف أو لم يحلف.
وأظن هذا الرجل ظن أن ضرب الأجل هو الإيلاء، وهذا بعد شديد، وإنما الإيلاء اليمين التألي ألا يفعل الوطء.
قال النبي ﵇ في الذي باع التمر فأصاب المبتاع فيه ما وضع به من الثمن، فحلف ألا يضع عن المشتري شيئا، فقال ﵇: " تأتي ألا يفعل خيرا "، أتيت بالمعنى.
قال النابغة:
وآليت لا آتيك إن جئت مجرمًا ... ولا أبتغي جارا سواك مجاورا
قال أهل اللغة: ﴿للذين يولون من نسائهم﴾ أي: يحلفون، يقول: آليت أولي، إذا حلف ألا يجامعها، والاسم الأَلِيَّة، قال جرير:
ولا خير في قول عليه أَلِيَّةٌ ... ولا في يمين عُقدت بالمآثم
стр. 480
وأظن هذا الرجل لم يعلم أن الإيلاء اليمين، وإذا كان الإيلاء اليمين فكيف يحكي عن مالك، أنه قال: إذا آلى في أمته أنه لا يلزمه الإيلاء؟
فهذا قول غير محصل، وإنما لا يلزمه عند مالك ما يجب في الإيلاء للزوجة من ضرب الأجل، لحقها في طلب الوطء. ولا خلاف أنه لا حق للأمة في الوطء، فيضرب لها في يمين السيد على ذلك أجل. فإن كان هو يقول: إذا آلى ألا يطأ أمته، إنه لا إيلاء عليه، يعني لا يمين عليه تلزمه، فقد خرج من أقاويل العلماء.
وإن قال: تلزمه اليمين، ولا يضرب فيه أجل، فهو ما قلنا. وإن قال: إن الإيلاء المذكور في القرآن إنما عُنِي به الزوجاتُ في سياق الآية.
قلنا: هو كذلك، بدليل آخر الآية، بقوله سبحانه: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾، فدل أن أول نص الآية في الزوجات، ولكن كلمة الإيلاء في اللغة هي اليمين، على ما بينا.
فإن قال: فلم لا قلت في الظهار: إنما عني به الزوجات، بظاهر قوله: ﴿يظاهرون من نسائهم﴾ كما قال في الإيلاء: ﴿يولون من نسائهم﴾ فكان ذلك الحكم في ضرب الأجل مقصورا على الزوجات، دون ملك اليمين؟
стр. 481
قلت: لا يلزمني هذا، لأن في آخر الآية في الإيلاء ما كشف أن المراد بالحكم الزوجات، بقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾، ولا طلاق في ملك اليمين، وآية الظهار على عمومها، كما كانت آية أمهات النساء والربائب من النساء.
فلما كان قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ عامة في أمهات الزوجات وأمهات السراري، وكذلك قوله في الربائب: ﴿من نسائكم التي دخلتم بهن﴾ فكانت بنت السرية محرمة بهذا العموم، فكذلك آية الظهار.
ومعنى آخر أن الكفارة في الظهار جعلت لما قالوا من الزور والمنكر فلا يبالي قالوا ذلك في الزوجة أو الأمة.
ألا ترى أن الكفارة عندك في اليمين على ترك الوطء في الزوجة والأمة واجبة، فلما تساوت الأمة والزوجة في إيجاب كفارة يمين الإيلاء، فألا ساويت بنيهما في إيجاب الكفارة في الظهار، وأخرجت الأمة من الأجل في الإيلاء للدليل الذي قلنا: إنه لا حق لها في الوطء، وهذا بيان إلا أن يكابر مكابر.
وهذا الرجل لا يقول برد ما ذكر إلى ما لم يذكر، فكيف رد حكم الظهار إلى ما
стр. 482
ظهر له من البيان في الإيلاء؟
فإن كان لأنها يمين ويمين، فليساو بينهما فيما ذكرنا، مع ما يلزمه من نقض أصوله، وذلك أنه يلزمه أن يجعل الكفارة بالعتق في الظهار رقبة مؤمنة، كما ذكرت ﴿مؤمنة﴾ في كفارة القتل، إذ هي كفارة وكفارة، ففسرت هذه، وأجملت هذه، وهذا خلاف أصلك.
والعجب في قولك: لأن الله سبحانه قال في كل آية: ﴿من نسائهم﴾ ثم فرق مالك بين ذلك.
وقد أريناه أن مالكا ساوي بينهما فيما يمكن فيه التساوي، وإنما فرق بينهما فيما لا يمكن التساوي فيه كما بينا.
وكيف لم تلزم نفسك مثل هذا في شهادة العبد، فتقول كما قلنا، لما قال الله: ﴿وأشهداو ذوي عدل منكم﴾ ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ أن المخاطبين ها هنا الأحرار، كما قال الله في الآية الأخرى: ﴿وأنكحوا الأيامى
стр. 483
منكم﴾، فكان المخاطبين في ذلك الأحرار، لقوله: ﴿والصالحين من عبادكم﴾، يقول: عبيدكم.
فلما تساوى قوله في هذه الآية: ﴿منكم﴾ وفي هذه الآية: ﴿منكم﴾ كان ما كَنَّى في إحداهما يكشفه ما ذكر في الأخرى، كما كان [] قوله في آية الإيلاء: ﴿من نسائهم﴾، وعقب بذكر الطلاق دالا على أن قوله في آية الظهار: ﴿من نسائهم﴾ إنهن الزوجات.
فهذا يلزمك، مع ما فيه من نقض أصولك، وآية التحريم في أمهات النساء والربائب أبين أن تكشف كل ريب.
هذا على أن الأمة والحرة في إيجاب اليمين في الوطء سواء، أن اليمين لازمة، فتأمل معاني ما تقول قبل القول.
ومن أخرج آية الظهار من العموم إلى الخصوص بغير دليل خُصِم. ولا يجوز أن يقال: لما كان ضرب الأجل في الإيلاء للحرائر، دل ذلك أن آية الظهار يراد بها الحرائر.
стр. 484
لأنا إنما اعتبرنا في آخر الآية ما بين أن ذلك للزوجات بذكر الطلاق، وليس في آية الظهار ذكر الطلاق، ولا ما يدل على ان المراد الزوجات، والإيلاء أصل والظهار أصل، فردُّ ذلك إلى آية الإيلاء لا يلزم، ولأن ما في آية الإيلاء مما خصصت به الزوجة إنما هو ضربُ الأجل، وأما اليمين فلازمة في الحرة والأمة.
هذا مع أن هذا الرجل لا يقول بالقياس، فكان الغلط عليه في ذلك أَبْيَنَ.
وجائز أن تأتي العبادة بالظهار في الإماء والإيلاء بضرب الأجل للحرائر، فلا في معاني القياس يصحّ هذا ولا فيما تقلد من نفي القياس، فما الذي حسن عنده من هذا؟ وهذا أبين من أن يشكل ولله الحمد.
وقوله: وإنما أوجب الله الظهار فيما وجب فيه الإيلاء، وفرق مالك بينهما، وقائل هذا مغفل غير سالك طريق النظر.
فهذا كلام رجل يشبه أن يكون غائبا عن الفهم في هذا القول، لأن قوله: إنما أوجب الله الظهار فيما أوجب فيه الإيلاء، إن أراد إلزام اليمين، فهو قول مالك: أن اليمين تلزمه في الأمة والحرة، في الظهار والإيلاء، وإن أراد ضرب الأجل فلم يوجب الله ذلك في الإيلاء الأمة، وإنما أوجبه فيما فيه الطلاق، ولا طلاق في الملك، فأين النص بأن ما ذكر الظهار إنما هو فيما يكون فيه الطلاق.؟
فدعواه للنص في ذلك باطل ودَعوى على الله، وإن كان ظنا فالظن لا يغني من الحق شيئا، وإن قياسا فذلك لا يجوز لما بينا انهما أصلان، وليس يتساويان فيما فيهما من المعاني، والقياس فباطل عنده، فلا وجه لما تعلق به هذا الرجل، وإلا ما كشف من غفلته وسوء رويته وخفة لسانه في ان مالكا عنده مغفل في هذا.
стр. 485
فهذا من طوام الحوادث، أن مالكا مغفل في يقظة هذا الرجل وفطنته، والله المستعان.
وقد كشفنا ما أدَّته إليه فطنته، التي تقرب من نوم أهل اليقظة، وما يرضى من له تحفظ بما رضي به هذا الرجل.
والعجب من قوله: ولو تجاسر متجاسر، فقال: يلزمه فيها الإيلاء، ولا يلزمه الظهار، فإن أراد اليمين، فنعم تلزمه فيها اليمين بإجماع، وإن أراد ضرب الأجل فلا قائل لذلك، وهو خلاف النص. وهذا الرجل يكثر من هذا أن يقول في مناظرته: لو قال أحد بكذا بخلاف النص، وخلاف الإجماع.
فهذا ما لا يناظر بمثله من سلك في العلم طريقا، وكيف يناظر من جرد رد النص والإجماع. وكيف يكون من قال بقول من أقاويل السلف، أنه كمن رد النص والإجماع، وإنا في عناء معن في تكلفنا لنقض مثل هذا التلاعب.
والذي قاله مالك من ذلك، هو قول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وغيره، ومن التابعين فيما حفظنا نحو ثلاثين رجلا، منهم السبعة الفقهاء من فقهاء تابعي أهل المدينة.
وهذا كله مروي من رواية ابن وهب وغيره.
стр. 486
ومن ذلك أيضا ما أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن أحمد المالكي قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا يزيد، عن حبيب، عن عمرو عن جابر قال: الظهار من الحرة والأمة سواء، [] [] [سويد]، بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مريم.
قال محمد بن أحمد: ونا محمد بن شاذان قال: نا معلي قال: نا ابن لهيعة قال: نا موس ابن أيوب، عن إياس بن عامر قال: سألت علي بن طالب، فقال: تحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم ما يحرم عليك من الحرائز.
وقاله عمار بن ياسر.
وما ذكر في ذلك عن ابن عباس فمختلف في صحته، واختلف فيه عن مجاهد وعن الشعبي.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى، قال: نا سحنون، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن سعيد وسالم، يفتدي من الأمة في الظهار كما يفتدي من الحرة.
وقاله سليمان بن يسار والحسن.
стр. 487
قال ابن وهب، عن سليمان بن يسار وعبد الله بن أبي سلمة والزهري والقاسم وسالم وغيرهم من السبعة الفقهاء من تابعي أهل المدينة وغيرهم.
وقاله عطاء ويحيى بن سعيد وطاووس وعكرمة، وجابر أراه ابن زيد، وغيره.
وقد ذكرنا ما أيد ذلك من الدلائل، مع من قال ذلك من السلف، وأسأل الله التوفيق برحمته.
стр. 488
باب في ظهار العبد وإيلائه
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في إيلاء العبد، فقال: إن قال: إن إيلاء العبد على النصف من إيلاء الحر، وإن عليه من كفارة الظهار مثل ما على الحر، ففرق بين ما لا يفترق، والله سبحانه لم يفرق بين العبد والحر في الإيلاء ولا في الظهار، وما كان الله بغافل.
فالجواب عن ذلك: أن العبد لما كان إيلاؤه يجر إلى الطلاق، وكان طلاقه عندنا على النصف من طلاق الحر، وكان الأجل في الإيلاء يقربه إلى الطلاق، فكان الأجل فيه على النصف من ذلك، كما كان طلاقه وحدوده والعِدَّة في الأمة.
ولما قال الله سبحانه: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
стр. 489
[و] كان العبد في حدوده على النصف من حدود الأحرار، كان كذلك [فيـ]ـما لحقه مما يشبه الحد، لأن حرمته أخفض من حرمة الحر، والطلاق [ممـ]ـا تصل إليه به المشقة والضرر في منع الوطء، الذي هو سبب الحد، فهو مخفوض الحرمة فيه كالحد.
وكذلك إيلاؤه، لأنه إلى الطلاق يجرّه، وتقريب الأجل فيه من دخول المشقة عليه، ومع أن الحدود والطلاق وأجل الإيلاء وعدة الأمة، أمر يكون الحكم فيه على العبد أو الأمة، وليس مما هو لهم، بل هو مما عليهم، كما كانت الحدود عليهم.
ويبعد أن يشبه ذلك بالأعمال التي هي لله عبادة في بدنه، كالصلاة والصوم، ومنها عبادة في كفارة يمينه بالله أو بظهار أو غيره، فهو في ذلك كالحرّ، لبعد اشتباه ذلك بالحدود، التي هي مشقة تناله في بدنه، والله أعلم، وأمر يُقام عليه لغيره، لقول الله سبحانه: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.فكل أمر يكون على الأرقاء، مما يشبه الحدود التي عليهم فهو على النصف مما على الحرّ، وما كان لهم مما يخصهم فهم والأحرار فيه سواء.
стр. 490
وكذلك ما كان من عمل أبدانهم، على ما دلّ عليه القياس على الأصول، من كتاب الله من الحدود في انخفاض حرمتهم فيها، وألزموا بإجماع مثل ما على الحرّ، من صوم وصلاة يقدر عليها، وكفارة يمين وكفارة صوم وظهار وقتل نفس.
والظهار ففيه صوم، فهو أشبه بما أجمعوا عليه، من إيجاب صوم رمضان وكفارة اليمين بالصوم، وما أعلم قائلا: إن صومه في الظهار دون صيام الحرّ.
واحتلف في أجل الإيلاء والمـ[ـفارقة] فلم يجز أن يشبهوا بالصوم، وهو أشبه بمعاني الطلاق، ورده إلى ما هو أقوى شبها به من الأصول أولى.
ولا وحشة علينا في أخذنا بالقـ[ـياس في] ذلك، وقد نضحنا بحمل من الكلام على القياس أول الكتاب.
وهو قول [عمر] بن الخطاب وابن مسعود وأبي الدرداء وغيرهم من التابعين كثير.
[نا محمد بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال: نا أبو الطاهر أحمد بن عمرو، عن ابن وهب قال: أنا عمرو بن الحارث والليث، عن أيوب بن موسى، عن طلحة بن عبيد الله ابن كريز أن عمر بن الخطاب قال: إيلاء العبد شهران.
стр. 491
قال: وأنا أبو يحيى بن سلمان الـ[]، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد [قال]: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: يقولي العبد بشهرين.
وقاله ابن شهاب والخعي وعدد من التابعين. وقاله مالك والليث.
стр. 492
باب في رضاع المرأة ولدها
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في رضاع المرأة ولدها: إنها ترضعه، إلا أن تكون لا ترضع مثلها، لشرف وغني فلا تجبر، الوضيعة على رضاعه.
واحتج هذا الإنسان بقول الله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، قال: وجعل الزوجة أجيرة للمولود، بقوله: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾ فأوجب أن يرضع الوالدات أولادهن فعم كل والدة.
стр. 493
ففرق مالك بين ما لا يفترق بدلائل من كتاب الله ولا سنة ولا اتفاق، وخالف ظاهر القرآن.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الرجل ذكر اثنين، فجعل حكمهما واحدا، وليس الأمر فيهما سواء فيما أدى إليه ظاهر القرآن، وما تأويل مالك بتأويل من سبقه في قول الله تعالى ذكره: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾.
فإنما ذكر الله سبحانه ذلك في آية الطلاق، فإنما تأخذ إجارة الرضاع المطلقة، قال الله سبحانه: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾، وجعل هذا الرجل أن من العصمة كذلك، وليس الأمر كذلك.
ولو كان الأمر على ما ذهب إليه، إنما ترضع بإجارة كانت في عصمته أو فارقها - وقاله بعض الناس - لكان للمرأة أن تأبيى الرضاع إذا كانت شريفة أو وضيعة، إذا كان يقبل الصبي غيرها، فأين يستقيم قوله: إن الله سبحانه أوجب أن ترضع الوالدات أولادهن، كانت شريفة أو وضيعة.
وقوله: وجعل الزوجة أجيرة للمولود، غلط إنما هو للمولود له لا على المولود، وهذا في الطلاق، إلا أن يكون الابن له مال، فذلك في ماله.
وأما قوله الله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين﴾ فهذه في التي عصمة الزوج، على ظاهر القرآن وأبين في التأويل، فعم كل والدة، وأوجب الرضاع عليها، ولم يذكر لها أجرا كما قال هذا الرجل، لأن الزوجة بعد في
стр. 494
نفقة الزوج، قال الله سبحانه في سياق الاية: ﴿وعلى المولولد له رزقهن وكسوتهن﴾، فأوجب على الزوج رزق الزوجة وكسوتها، وكان الرضاع عليها، إلا أن يخرجها من ذلك دليل، كما أخرج الأب من أن يلزمه في الطلاق أجر رضاعة الولد إذا كان الولد له مال بدليل، وذلك أن العذر الذي تعذر به الزوجة في عصمة الزوج يرفع الرضاع عنها، وذلك أن تكون مريضة أو قليلة اللبن، أو ممن يكربها ويشقق عليها الرضاع والسهر ومؤونة ذلك، وهي ممن لا محمل لها به ولا غلبة، من صغر سنة أو سقم بدن أو رفاهة يبلغ ذلك بها مبلغ المشقة الذي يعذر بمثلها.
وإذا عرف أن مثلها لا يقدر على الرضاع، ولا تتكلف مؤونة الصبيان، لموقع ذلك منها من رفاهة أو زمانة، كان لها عذر تخرج به عن اللواتي لا يبلغ ذلك منهن ما أيبلغ منها.
وذلك أن الله سبحانه يقول: ﴿وسعها لا تضار والدة بولدها﴾، وهذا من الضرر، أن يبلغ منها أن يخرج بها إلى تحمل ما يشق عليها وما ليس من شأنها ولا من معرفتها، وما لا تقوم مثلها بمثله، ولا يقـ[ـوم] مثلها على إمساك الصبيان وتعاهدهم، والقيام عليها، فلا تكلف ذلك؛ لأن ذلك من الضرر المرفوع.
стр. 495
والعرف الجاري في الناس مأخوذ به، مرجوع إليه في كثير من الأحكام، قال الله سبحانه: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وقال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾.
وأما إذا كانت تقدر على تحمل هذه الأمور، ومثلها لا يضعف عن ذلك وتقوم بذلك، ولا يشق عليها في عادة مثلها لذلك، وأنه من شأن مثلها، فلذلك عليها، إن شاءت فعلته بنفسها أو آجرت من تقوم فيه مقامها، وهذا مستدل عليه بما ذكرنا من معاني الكتاب، والله أعلم.
وقد تأول مجاهد في قوله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ أنها في المطلقة، ولها الأجر.
وذهب سفيان إلى أن الأجر عليه كانت في عصمته أو طلقها، وإلى نحو هذا أشار هذا الرجل. فقد أجمعوا أن المطلقة لها الأجر، فإذا كانت تأخذ الأجر فهي المخيرة في نفسها، وإذا كان من قولك: إن التي في عصمته كذلك تأخذ الأجر، فهي مخيرة في نفسها أيضا.
следующие страницы →