← Фикх малики

Фикх малики · id 18606

الذب عن مذهب الإمام مالك

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (514 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقولك: وهذا على أصله خطأ، لأنه يقو: تتم عدتها من الأول، وتأتنف عدتها من الثاني: فهذا لم يقله مالك في كل امراة تعتد من زوجين، وهذا إنما يجري على غير هذا اللفظ في بعضهن. ومن ذلك المعتدة من الوفاة تتزوج في العدة، ويدخل بها فيفرق بينهما، [] الوفاة ائتنفت ثلاث حيض من الثاني، فتم لها أقصى الأجلين. وكذلك إن حملت من الثاني، تتربص الوضع فهو أقصى الأجلين. وإن كان تزوجت بعد وفاة الأول بأيام يسيرة، ودخلت ولم تحمل فإذا حاضت من يوم فراق الثاني ثلاث حيض تمت عدتها منه، فإن كان بقي من عدة الوفاة من الأول شيء فعليها التربص إلى تمامه. فهذا معنى عدة التي يجري فيها أقصى الأجلين، لا على ما غيرت بلسانك وخلطت في عبارتك، وهو إن شاء الله معنى ما جاء عن عمر في هذا فهذا معنى ما تأول مالك في قول عمر، ومعنى أصوله، التي بينها، وفروعه التي أفادها.

стр. 422

وإنك لجريء في قولك فيه: إنه ضعيف الرواية، وإن من ضعف الديانة أن تطعن في عقل إمام جليل مثل مالك، وفي فهمه، وما يجسر على مثل هذا إلا مثل هذا الرجل، في قلة تحفظه في منطقه، وما هان عليه في ذلك من ديانته، وبعد فهمه عن غامض علم سلفه، وتصغيره لما عظم أئمة المسلمين من قدر مالك وحظفه وفهمه وفقهه، واستخفا [فه] بالعظيم من الغمص على أئمة هذا الدين والله أسأل العصمة وأحمده على العاقبة.

стр. 423

باب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق ثلاثا، إنه يفرق بينهما. قال هذا المتحامل: وهذا يدل على إغفاله، لأن عقد النكاح ثابت ثم فرق بينهما بغير يقين، وهذا إنما طلق على صفة وهو لا يعلم أنه من غير أهل الجنة. قال: فإن كان إنما فرق بينهما لأنه علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا، وإن كان لأنه يجهل حاله، فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما.

стр. 424

وكذلك إن قال لزوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق، قال تطلق عليه ولا ينتظر، وقد تضع بعد ذلك، فيعلم أنها ممن لا طلاق عليه، وهذا فاسد. فالجاوب عن ذلك: ان قول مالك هذا هو قول ابن عمر وغيره من الصحابة ومن التابعين ما يكثر ذكرهم، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة قال الله سبحانه ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يقول من النوم، ثم ذكر سبحانه ما أوجب من الوضوء، وذلك لما يتوقع أن يكون كان في النوم من الحدث. وقول النبي ﵇ فيمن قام من نومه: إنه لا يدخل يده في إنائه حتى يغسلها، فهذا من هذا المعنى والله أعلم، لما عسى أن يكون أصاب يده أو وقعت عليه يده، والله أعلم. وقال الرسول ﵇ في تمرة وجدها، ولو أعلم أنها ليست من تمر الصدقة لأكلتها، فلما استراب أمرها تركها.

стр. 425

وكذلك من شك في بسط يده إلى مال أو فرج أو غيره، أن يكون لا يحل له فلا يقدم إلا على ما يوقن حلاله. والنوم في نفسه ليس بحدث يوجب الوضوء، وإنما يوجب الوضوء منه لما يتوقع أن يكون حدث في النوم من الحدث، فأوجب ذلك ريبا وشكا، ولزم بذلك الانتقال عن الريب، بائتناف الوضوء. ولا يجوز في الأصول أن يطأ فرجا لا يدري حين الوطء أحلال هو أم حرام. ويقال له: أرأيت شاتين، إحداهما ميتة والأخرى ذكية، لا يدريهما، أو امرأتين إحداهما أمه أو أخته، والأخرى زوجته أو أمته أليس لا يجوز له وطء واحدة منهما؟ إذ لعله يصادف المحرمة عليه. فإن قلت ذلك، فلا يبعد عليك أن يفرق بينه وبين زوجته بالشك، للذي حدث عليه فيها من الطلاق، وكذلك في أمته إذا شك في عتقها. فإن قلت: العتق والطلاق أمر حادث، قد يكون وقد لا يكون والمرأتان إحداهما أمه أو أخته بيقين، والشاتان، إحداهما ميتة بيقين. قيل لك: فلما كانت إحداهما محرمة بيقين، أرأيت إن تناول إحداهما، أعلى يقين هو من أنها المحرمة عليه؟ فلا تجد بدا من أن تقول: إنه لا يوقن منها بتحليل ولا تحريم.

стр. 426

فيقال لك: وكذلك التي شك في طلاقها، إن تناولها لم يدر حيئنذ أهي محرمة عليه بطلاق قد وقع أم غير محرمة فاتفق الحال في قيام الشك. وشيء آخر: أنه بعد شكه في طلاقها، لا يقدر أن يقول: أنا موقن أنها غير مطلقة، وقد كان قبل شكه يوقن أنها غير مطلقة، فلا يحتج بأن النكاح بيقين فإن ذلك اليقين قد أقررت أنه قد قدح فيخ الشك، وأن اسمها الذي كان لا يشك فيه أنها زوجته بيقين لا يقدر أن يسميها به، إلا أن يقول: إنها زوجتي على شك فصار الشك الحادث كالشك في الأصول. فلو شك في امرأة أنها أمه أو أجنبية، أكان له أن يتزوجها؟ أو شك في شاة هل ذكاها أو لم يذكها، أكان يأكلها؟ ويقال له: أرأيت من له امرأتان، فطلق واحدة ثلاثا ثم نسيها، فلم يدر أيتهما هي، ونكاح كل واحدة صحيح بيقين؟ فإن قلت: يفارقهما، رجعت عن قولك إلى قولنا، ولا أعلم خلافا في هذه أنه يفارقهما. وإن قلت: يطؤهما، كنت مقرا أنه يطأ امرأة محرمة عليه بيقين في علم الله، ويلزمك [] امرأتين إحداهما [أخته]، وقلتين إحداهما نجسة.

стр. 427

وكذلك يلزمك في قلتين من ماء، أيقن أن إحداهما صب فيها مقدار من الخمر، فغيرها، أو لم يغيرها، وصب في الأخرى شراب حلال، غيرها أو لم يغيرها، ولا يعلم التي وقع الخمر فيها منهما، أيجوز له شربهما لأن أصلهما كان حلالا، ثم حدث الشك، فلا ينتقل من اليقين الأول - على أصلك – إلا بيقين؟ فهذا ما يؤديك إليه قود قولك. وكذلك يلزمك في زوجتين له، أرضعت واحدة منهما امرأة له طفلة، هو من ذلك على يقين ثم لم يدر من هي منهما فواحدة من أمهات نسائه يقينا، أفتجوز له المقام عليهما؟ وهذا يؤديك إلى أكل الميتة وما ذكرنا من الخمر والفروج المحرمة بيقين، فتأمل برفق في تأملك. ولا فرق بين قوله: طلقت هذه أو هذه وبين قوله: لا أدري طلقت امرأتي، أو لم أطلقها، لأن كل واحدة من المرأتين لا يدري أيضا أطلقها أو لم يطلقها. ويقال له: أرأيت إن كانت له زوجة، وهو موقن أنها زوجته حلالا، ثم حدث عليه شك في أنها أمه أو أخته، من نسب أو رضاع، أيقيم علها بعد ذلك؟ وهذا كله تشهد الأصول لصحته، لأن التحريم يحتاط فيه، ويكون غالبا على التحليل، ويقع التحريم بأقل الأمور، ولا يقع التحليل إلا بأكثرها. ألا ترى لو طلق بعض امرأته حرمت عليه بذلك، وكذلك إن طلق بعض

стр. 428

طلقة تامة، تعتد منها، وتحرم بذلك، ولو تزوج بعضها لم تحل له بذلك. ولا تحل التي قال الله فيها: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، إلا بالغاية من العقد والوطء، وقوله سبحانه ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء﴾ فالتحريم بذلك بالعقد، وهو أقل ما لزمه الاسم فالتحريم آكد وأغلب. وهذه المسألة التي ذكر آكد في إيجاب ذلك، والله أعلم، لأن الحالف لم يدخل عليه الشك بغير قصد منه لذلك، بل هو قاصد إلى إدخال الشك على نفسه في حين يمينه، بقوله: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق، وهذا قاصد إلى الدخول في الشك. والعجب من قول هذا الرجل وهذا إنما طلق على صفة. وهذا منه حيرة، والمطلق على صفة إنما هو امر يستقبل كونه، يقول: إن فعلت كذا وكذا أو كان كذا فأنت طالق، وذلك الفعل والأمر مستقبل كونه، قد يكون وقد لا يكون. وهذا إنما حلف على حاله في وقت يمينه، هل هو من أهل الجنة، أم من غيرهم، وإنما حلف على أمر قد كان، وسبق فيه علم الله أنه من أهلها، أو غيرها

стр. 429

فليس هذا من الطلاق على صفة، يجب الطلاق بكون تلك الصفة، فهذا تمثيل من لا يدري ما يقول. ثم تكلم بكلام سأل عنه وجعله من إلزام المناظرة، ما يحسن أن يجري على لسان من ألسنة الجهال ولا الصبيان وذلك قوله: فإن كان وإنما فرق بينهما لأنه قد علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا. وهذا كيف خطر بباله، أن يكون إنما فرق مالك بينهما لأنه علم أن الزوج من أهل النار، وما يشبه هذا إلا التلاعب ممن ذهنه وعقله حاضر، ومن غاب منه هذان سقط خطابه. وكذلك قوله: وإن كان لأنه يجعل حالهما فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما، فهذا ايضا عجيب، وما علينا من زوجين – في ظاهر الأحكام – ليس بينهما حادثة تغير من امرهما شيئا، ولا توجب بينهما شكا، ما معنى التفريق بينهما بجهل حالهما؟ وما هذه الحال التي جهلناها منهما؟ فإن كان يعني لعل أحدهما من أهل النار، قيل له: ولعل لآخر كذلك، ﴿وكل حال﴾ دخلت في أحدهما [فلعل] الآخر مثله، وما هذا مما نحن فيه من اليمين والشك فيما أوجبت تلك اليمين من الطلاق، والاعتلال على هذا وهن شديد. وقوله: وكذلك القائل زوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق.

стр. 430

وهذا مختلف فيه في مذاهب مالك، والتحريم فيه ألوى للشك في التربص بها إلى اختبارها ولعل أحدهما يموت، فكيف يتوارثان بالشك ومع ذلك فلا يشبه المسألة الأولى، لأنه لها حال، يرتقب كشفه، والأول لا يرتقب منه كشف حال، وهو أبين وأقوى من هذا، والله المستعان على توفيقه.

стр. 431

باب في امرأة المفقود قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل، ما حكى عن مالك في امرأة المفقود، فقال: قال الحجازي، إن الواجب عنده أن تتربص بنفسها أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة.

стр. 432

فأوجب غير واجب لأن الله سبحانه لم يجعل عدة أربع سنين، لا على مطلقة ولا على متوفي عنها، فلم نجد الله سبحانه أوجب ما أوجب مالك من أربع سنن ثم أربعة أشهر وعشرا، وهي ذات بعل بيقين، فلا يزول، يقين بشك، ولا يباح فرجها بالشك. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ في الذي يخيل له – وهو يصلي – أنه أحدث – فلا ينصرف حتى يسمع صوتا بأذنه، أو يجد ريحا بأنفه، فلم ينقله من يقين الطهارة إلا بيقين الحدث. قال هذا الجريء، فإن قلت: قلدت في ذلك عمر بن الخطاب قيل لك، وإذا كان قول عمر مخالفا لظاهر الكتاب لم يلزمنا استعماله، كيف وقد خالفه علي بن أبي طالب فقال: لا تنكح حتى يأتيها الخبر بيقين موت زوجها؟ فإذا تنازعا رجعنا إلى كتاب الله تعالى فالكتاب والسنة أوجبا ألا يباح ألا بموت أو طلاق، ثم قال: بعد ان يحكم لها بالعدة والنكاح، فإنه لا يورث مال المفقود لزوجته تلك ولا غيرها حتى يأتي بيقين موته فحكم فيها بحكم الموتى وفي ماله بحكم الأحياء فخالف ظاهر الكتاب والسنة واتفاق الأمة.

стр. 433

فلو تجاسر متجاسر فقال: نحكم فيه في ماله بحكم الموتى، وفي زوجته بحكم الأحياء، وهذا تناقض وما لايتصرف في وهم ولا نظر. فجوابنا عن ذلك أن ما قاله مالك من ذلك، إنما اتبع فيه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين ما لا أحصىى وأدلة الكتاب تدل على صحته والسنة والاعتبار. وهذا رجل قليل العلم، كثير الجرأة لا يهاب أن يتجرأ بلسانه على أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم سرج البلاد وائمة العباد فمن ذا يعذره في قوله: إذا كان قول عمر مخالفا لظاهر كتاب الله لم يلزمنا؟ وما علمت أن أحدا من اهل السنة تجاسر على أن صاحبا لرسول الله خالف ظاهر كتاب الله. وهذا الرجل يقول: إن ما ذهبت إليه من ظاهر القرآن في كل شيء لا يحتمل غير ما ذهبت إليه. فقد جرد القول فيمن يدع قوله من الصحابة انهم يخالفون ظاهر القرآن بما لا يحتمل إلا خلاف القرآن، وهذا لا عذر له فيه وأعوذ بالله مما يسير إليه. وعمر إنه حكم في المفقود برأي المهاجرين والأنصار، وهو المرء الموفق الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه، كما قال الرسول ﵇.

стр. 434

وبعد فلم يحك قول مالك على وجهه، بقوله: قال مالك: إن الواجب عنده أن تتريض بنفسها أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة. ولم يقل مالك: إن واجبا على كل امرأة فقدت زوجها ما ذكر إنما ذلك لمن لم تصبر وطلبت حقها في نفي الضرر في انتظاره فإنه يضرب السلطان لها أجل أربع سنين ثم تعتد. وقوله: لأن الله سبحانه لم يجعل أربع سنين عدة، لا على المطلقة ولا متوفي عنها، وهذا لم يقله مالك ولا قاله عمر: أن أربع سنين إنما هي عدة، وإنما أجل لها عمر اجل أربع سنين – والله أعلم – لاحتمال أن تأتي بولد، فطالب بها أقصى ما تقيم المرأة حاملا، وليكون ذلك أبلغ في الإعذار للغائب ولها، في نفي الضرر اللاحق لها بغيبته عنها، ثم تعتد بعد ذلك عدة الوفاة، إذ الغالب عليها فيه عدة الوفاة، وإن احتمل أن يكون حيا. وقول هذا الرجل / هي ذات بعل بيقين، فلا يزول يقين بشك، واحتجاجه بأن النبي ﷺ قال في الذي يخيل إليه في الصلاة انه أحدث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. وهذا لا يشبه ما نحن فيه، لأن ما قضي به لزوجة المفقود لم يجعل على أنه ليس يجيء حينئذ، فنكون قد حكمنا بالشك، إذ لعلنا لم نصادف موته، ولكن لما لحقها ضرر غيبته ونفي ذلك عنها.

стр. 435

فكانت على إحدى منزلتين: إما ميت زالت عصمته، أو حي يجب لها أن تزول عن عصمته للضرر، كما أزيلت عصمة العنين للضرر اللاحق بها، ومن لا يجد ما ينفق، والمولي، ثم أخذ فيها بأحوط الأمرين في الأجل والعدة، فليس هذا شبيها بما مثله به من الشك. وحجته لعلي بن أبي طالب أنه قال: لا تنكح حتى يأتيها الخبر اليقين، ثم لم يذكر له إسنادا، وهذا غير ثابت عن علي، ولنا عن علي خلافه.

стр. 436

أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم، قال أنا يوسف بن الضحاك، قال أنا أبو سلمة قال: أنا حماد، عن قتادة عن خلاس أن عليا، قال في امرأة المفقود، تربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، فإذا جاء المفقود خير بين امرأته أو الصداق. وهذا نحو ما روي عن عمر، ولم يذكر في [حديثه] عدة ولا دخل [بها]، و [روى] عن عمر، فشهرتها كافية لنا عن ذكر الإسناد من رواية مالك وابن وهب وغيره. ورواه عن عمر ستة نفر من أصحابه، وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعن عثمان. قال محمد بن الجهم، أنا بشر بن آدم، قال نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس وابن عمر قال: تتربص امرأة المفقود أربع سنين.

стр. 437

وقد روي عن عثمان وعن ابن الزبير نحو ما روي عن علي. وهذا الرجل لم يذكر إسنادا عن علي، ونحن نذكر ما روي عن علي مما لم يثبت. فروى عباد بن عبد الله عن علي في امرأة المفقود، لا تتزوج وهي امرأته، قال أهل الحديث، وعباد هذا غير معروف لا تثبت روايته. وروى نحوه الحكم عن علي، قالوا: وهذا مرسل عن علي، ويحتمل إن لو ثبت أنها لا تتزوج وهي امرأة، إذا لم يحكم بتأجيلها حاكم، على ما روي عنه، مما تقدم ذكرنا له. وذكر ابن الجهم أن محمد بن كعب روى عن علي نحو رواية خلاس، وعن سهبة الشيبانية عن علي وعثمان نحوه، ويكثر علينا أن نذكر من قال ذلك من التابعين.

стр. 438

فهؤلاء ستة من الصحابة، منهم ثلاثة من الخلفاء، جرى ذلك منهم مجري الأقضية ثم لم يرو عن احد من الصحابة خلاف ذلك، برواية تصح، فيما قال أهل الحديث فأين المذهب عن هذا؟ وبه قال ابن حنبل، على علمه بما ثبت من الأحاديث عن الصحابة في ذلك، وتمييزه لصحيح الرواية. ولو روى عن علي من طريق تصح، لكان ما روي عنه من خلافه يوهن ذلك، فكيف لأحد أن يتعلق بقول لا سلف له فيه يصح قوله، ثم يتجاسر فيجعل قولهم خلاف كتاب الله. وهذا قول من لم يتحفظ في دينه، ولا تحرج في تعزير سلفه، وأعوذ بالله من الكلام على الحمية في الدين. وقوله: لما اختلفوا رجعنا إلى كتاب الله، فالكتاب والسنة أوجبا ألا تباح إلا لموت أو طلاق. فنحن نقول له: لو لم يكن غير ما ذكرنا من أنه المحفوظ عن الصحابة وهم القائمون، بالكتاب والسنة، لكان فيه كفاية، ومع ذلك ففي الكتاب والسنة دليل عليه.

стр. 439

من ذلك المولي يفرق بينهما للضرر وإن كره الزوج وأبي الطلاق، ومن ذلك المتلاعنان وحكم الكتاب والسنة بالفراق بينهما، ومن ذلك العنين حكم فيه الصحابة، وكذلك في العيوب بالمرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، وكذلك من لم يجد النفقة، فما الذي بعد عليه أن يفرق بين هذين للضرر اللاحق؟ والعجب قوله: فخالف ظاهر كتاب الله والسنة واتفاق الأمة، وهذا يحسن عند حكايته السكوت وتسقط مناظرة من انتهى إلى مثل هذا من دعوى الباطل. فهذا رجل يدعى الإجماع فيما لا يصح عن الصحابة فيه إلا خلاف قوله، وهذه عظيمة، وما لا يعذر فيه بعذر. ثم قال: وفرق بين ماله وزوجته، فجعل ماله لا يورث، وقد حكم في زوجته بحكم الموتى. فهذا منه حيرة، ومن قال له: إن مالكا حكم في المفقود أنه ميت؟ إنما فرق بينه وبين زوجته للضرر اللاحق بها وعمل في تربصها على آكد الأحوال، ولم يحكم وبوفاته، وحكم فيما قامت الضرورة فيه، ولم تقف بنا ضرورة في توريث ورثته لماله، فأبقيناه

стр. 440

حتى يصح موته، وهذا فلا خلاف بين الأمة في ماله أنه موقوف، إلى صحة موته، وإلى أقصى عمره في قولنا. والعجب في قول هذا الرجل ما يشبه اللعب من قوله: فلو تجاسر متجاسر فحكم في ماله بحكم الموتى وفي زوجته بحكم الأحياء، وكيف يجري هذا في الإسلام أن ينطق في دين الله ناطق بخلاف إجماع الأمة، فيعني بقوله أو يلتفت إليه بنقض؟ فجعل هذا الرجل من قال بخلاف الإجماع كقول مالك، الذي قاله ستة من الصحابة لا يعلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا من الجرأة والستخفاف بالعظيم، حتى لو كان بين الصحابة فيه اختلاف ما شابه ما أجمعت الأمة عليه. فهذا وجه ما عمل عليه مالك مما اتبع فيه قضية سراج اهل الجنة، ومن وافقه من صحابة رسول الله ﷺ ، وما أيد ذلك من الدلائل، وأسأل الله التوفيق برحمته.

стр. 441

باب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام، وقال قد بين الله في كتابه تحريم ما أراد تحريمه، وقال: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾، وقال: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم﴾ الآية، وقال: ﴿قال

стр. 442

أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا﴾، فما سكت الله عنه فهو عفو ورحمة، ولم يكل التحريم والتحليل إلى خلقه. وزعم الحجازي أن من قال: كل ما أحل الله علي حرام، أنه لا يحرم عليه، إلا زوجته. ولا يكونا لحرام حراما إلا بتحريم الله له، فليس لأحد أن يحرم ما أحل الله له، كما ليس له أن يحل ما حرم الله عليه. ولا فرق بين الزوجة وغيرها، ولو كان للخلق أن يحرموا ويحللوا، لم يكن لله على خلقه شريعه، وإذا كان لهم أن يحرموا ما أحبوا، [ويحللوا ما أحبوا لم يكن لله دين] [] [لامرأته أنت] [] أنه لو قال: ما حرم علي حلال أنه لا يحل له، فكذلك في تحريمه ما أحل له، لا يحرم عليه. ومن حرم الزوجة فلا دليل له من كتاب الله ولا سنة ولا إجماعن وما من دقيقة ولا جليلة إلا وبيانها في كتاب الله سبحانه. وكرر هذا الرجل من الكلام وأطال اللفظ في قلة المعاني، وكان كلامه كلام رجل يرى الدعوى حجة وقذع اللسان إفلاجا.

стр. 443

واحتج علينا بآيات أنزلها الله في المشركين، الذين يحرمون ما لم يحرم الله عليهم من السوائب وغيرها، وفيمن ألحد في دينه من بني إسرائيل، الذين حرموا ما لم يأذن الله به، وبدلوا ما عندهم من كتاب الله. فاحتج بهذا على من حرم بدلائل كتاب الله فيما لا نص فيه، من الصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين، فأين حبس عن هذا الرجل عقله وفهمه؟ فالذي قال مالك من ذلك، هو قول علي بن أبي طالب وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وغيره، ومن التابعين ما يكثر علينا ذكرهم، وكتاب الله يدل على صحته.

стр. 444

وذلك أن الله سبحانه لما ذكر الطلاق الذي حل به عقد النكاح، وحرم به الزوجة بعد أن حلت، سماه بغير اسم فسماه طلاقا وفراقا وسراحا، وسمى فراقهما بعطية فدية، فدل أن المقصود المعنى المفهوم في ذلك، مما يؤدي اللفظ إليه. فكل ما جرى من اللفظ الذي يتشابه ويتفق فيه المعنى المقصود وجب له حكم المنصوص عليه من اللفظ، فقوله لزوجته أنت علي حرام، كأنه كشف وتفسير لما يوجبه لفظ الطلاق ولفظ السراح والفراق. فلم يكن اختلف هذه [الألفاظ] يوجب غير معنى واحد، وهو أن تحرم بذلك، وإذا كانت هذه الألفاظ إنما تحتها التحريم [كان لفظ] [التحـ]ـريم الذي كنى عنه بهذه الألفاظ أقوي في إيجابه، والله اعلم. ونحن نطالب العلل والمعنى وأنت في أصولك تطالب اللفظ ولا تراعي العلل، فهذا فرق بيننا وبينك

стр. 445

أرأيت من قال لامرأته: أنت خلية أو برية أو مبتوتة أهذه الألفاظ في كتاب الله؟ فإن أعطيتها معنى ما ذكر في كتاب الله، فلا تمنع من ذلك في مثل الحرام. والعجب من قولك، ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، كما لا يحلل ما حرم الله، فأين وجدت أيها الرجل في كتاب الله امرأة قال لها زوجها، أنت علي حرام، أنها له حلال؟ وإنما هي له حلال بكتاب الله قبل هذا القول، فإذا قال هذا، فلا يعذر أحد أن يقول: إن في النص أنها له حلال، ولا يختلف الصحابة في النص. وكذلك قولك: وإذا كان للخلق أن يحرموا ما أحبوا ويحللوا ما احبوا لم يكن لله دين فإنك لمفتون متجاسر وكيف يظن، أن الصحابة وعلماء الأمة إنما يحرمون ما أحبوا؟ وكيف لهم أن يحبوا ما لم يأذن به الله؟ أو يتقدموا بين يدي الله ورسوله؟ وكأنهم عندك على الهوى نطقوا، وعلى ما اشتهوا في الديانة تكلموا، ولو رماك أنت أحد بهذا لأخرت نفسك عن هذا المقام الذي قاموا عندك فيه فما أعظم ما ابتليت به. ثم تقول: ومن حرم الزوجة فلا دليل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع. ولقد رضيت لنفسك بما لا يرضى به من يتدين بالإنصاف، أفيعجز عاجز – ممن يستحل ما استحللت – أن يقول: من حللها أولى أن يقال له هذا؟ والدعوى أضعف سلاح الخصم.

стр. 446

وقد دللنا على صحة تأويل مالك من كتاب الله وقد قام ما فهم من الفدية والخلع بين الزوجين والقصد للفراق بذلك مقام الطلاق وإن لم يلفظ به، بسنة رسول الله ﷺ ، وإن كان تأويلك في الخلع أنه فسخ بغير طلاق، فقد دللنا على أن ذلك طلاق عند ذكرنا لمسألة الخلع. ولا خلاف أن الكناية بالطلاق توجب ما يوجب الصريح منه إذا أريد به ذلك، وإذا كان قوله: قد فارقتك- يريد الطلاق، - طلاقا، فكذلك خليتك وسرحتك وحرمتك وأبنتك وبتتك. وإذا قال: انت حرام أو حرمتك – يريد الطلاق، لا نجد بدا بإلزام ذلك له، لأنه يشبه ألفاظ الطلاق المنصوصة، مع ما أيده من نية الطلاق، فذكلك لو قاله ولا نية له، كما لو قال: فارقتك، ولا نية له، أو: سرحتك، ولا نية له. وإذا حرمت بقوله: فارقتك، فكذلك ذلك فراقا بقوله ذلك، من غير فراق تقدم، فكذلك قوله: حرمتك، ترحم بقوله ذلك، من غير تحريم تقدم. وهذا كالنص مع ما أيده من الدليل الواضح، ولله الحمد، وهو قول أئمة من الصحابة.

стр. 447

أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى عن سحنون بن سعيد قال: أنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا كان يقول في قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام: إنها ثلاث. قال سحنون: ونا به ابن وهب، عن أنس بن عياض. أنا أبو بكر قال: أنا يوسف بن يحيى قال: أنا عبد الملك بن حبيب قال: أنا مطرف بن عبد الله، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عمر بن دلاف. وفي الموطإ في غير هذا الحديث: عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه، أن عليا قال: الحرام والبتة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. أنا أبو بكر قال: انا يحيى قال: أنا سحنون عن ابن وهب قال: أنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة مثله في الحرام. قال ابن وهب: أنا عبد الله بن عمر ومالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول في الخلية والبرية: البتة.

стр. 448

وقاله في الحرام من الصحابة من ذكرنا ومن لم نذكر، ومن التابعين عدد كثير، ومن تابعيهم منهم الحسن والحكيم وربيعة وابن شهاب وابن [] [وكثير مـ]ـمن يكثر علينا ذكرهم. والعجب في تجاسر هذا الرجل على رد أقاويل الصحابة، حيث لم يحك ما تقلد عن أحد منهم، ولا يجد عن أحد من الصحابة أنه قال في القائل لامرأته: أنت علي حرام، إنه لا شيء عليه. وإن كان قد روي فيه اختلاف عن بعض الصحابة، فلا يجد عن احد منه أنه لا شيء على قائل ذلك، حتى لا يلزمونه شيئا من طلاق واحدة، ولا أكثر منها، ولا ظهار، ولا كمقام يمين، بشيء من ذلك ولا بغيره، فلا يجد ذلك عن صاحب، وفيما قال العلماء العالمون بما اختلف فيه الصحابة. وإنما هذا يحكي عن رجل من التابعين، الله أعلم بصحة ذلك عنه، على كثرة من خالفه من التابعين. ولا أعلم من فقهاء الأمصار من يرى أن يتقلد قولا، لا يحفظ فيه عن أحد من الصحابة إلا خلافه. ومن تقلد مثل هذا القول الذي رغب عنه صدر الأمة انبغي له أن يستحي من ذكره، فضلا عن أن يطلق فيه هذا الإطلاق على من خالفه.

стр. 449

وكأنه رجل يرى أن له أن يقول بما لم يسبقه إليه سلف، وهذا لا يراه العلماء، وإنما يجسر على مثل هذا الخوارج. وإذا كان لنا أن نختار من أقاويل الصحابة بما يظهر لنا من الدلائل، فإن القول الذي أخذنا به من قول الصحابة قد ذكرنا ما تظاهر من الدلائل عليه. ومن قال: وهي واحدة، أو قال هي ما نوى من الطلاق أو قال: ظهارا، لم يعط الكلمة حقيقتها، لأنها لا تحرم بالواحدة، ولا بالظهار ولا بدون الثلاث. ومن قال: ييمن، فلم يحلف القائل بذلك على فعل، وقد أجمعوا أن من حلف بالطلاق أن ذلك لا تكفره كفارة، وهذا أشبه بصريح الطلاق أو بمكني الطلاق منه باليمين بالله، فلما كانت الأدلة تدفع هذا، ولم يكن لقول هذا الرجل الذي تقلد سلف من الصحابة سقطت المناظرة عليه، إلا أنا مع ذلك قد تكلفنا رده، وذلك في صدر المسألة على [إبطال] ذلك من ناحية الاعتبار وما دل عليه الكتاب والسنة و [].

стр. 450

باب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناء قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المرأة تشتري بالصداق طيبا وشوارا، ثم يطلقها الزوج قبل البناء: أنه ليس له إلا نصف ما اشترته من شوار وطيب. قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفوان أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾. قال: وهو الزوج فلا يجب أن ترد غير المفروض، كان دنانير أو دراهم، فأسقط عنـ[ـها] واجبا بلا كتاب ولا سنة ولا اتفاق.

стр. 451

قال: فهو في ذلك مغفل بَيِّنُ الإغفال، ولا يعدو المفروض ما دفع إليها أو ما اشترت، فإن قال: ما اشتريت كابر، وإن قال: ما دفع ترك قوله. فالجواب عن ذلك: أنه ليس بخلاف ظاهر كتاب الله ولا سنة رسوله، بل في الكتاب والسنة دليل ذلك. وذلك أن علي الزوجة أن تتجهز بالصداق، كما فعل الرسول ﷺ بصداق فاطمة بغير إذنها، فكأنه أمر عليها، ولما كانت لذلك أخذته كانت كالمأمورة بذلك، فلا حجة للزوج في إنكار ذلك بعد الطلاق، لما كان له فيه من الإذن وصار له فيه بالطلاق من الشركة. وهو ايضا فله سلطان في تحصين مالها، وهو في ذلك قيم عليها، قال الله سبحانه: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فالرجل بما فضله الله وبما أنفق من ماله عليها، وهذا على ظاهره إلا أن يخرج شيء عن ذلك بإجماع أو دليل. ولما رد الله إليه نصف الصداق بالطلاق، دل ذلك أن ما يشتري له فيه معنى يخصه، وقد اشترت به ما اشترت، لأنها لذلك أخذته وهي مأمورة بذلك، وكان ذلك كإذنه لها فيه. وقد دل القرآن أن إذنه في ذلك إذن لما جعل له نصفه بالطلاق وقد دل على ذلك فعل الرسول ﵇، وما جرى من عرف المسلمين. وللزوج سلطان في منعه إياها من تلاف ما لها، الذي هو جمال له ولها، وله

стр. 452

الاستمتاع منه بما جرت به العادة والعرف، مما قامت به السنة وتعارفه المسلمون. وكذلك ما تعارفه المسلمون أن على المرأة أن تشتري بصداقها أو بما يصلح منه ما يصلحها، من طيب وكسوة وفرش. ولما فعل ذلك رسول الله ﷺ بصداق فاطمة، وهو ثمن درع علي التي أتى بها إلى رسول الله ﷺ ، فأمر أن يشتري منه طيب وكسوة وما يفترشان فامتثل الناس ما فعل رسول الله ﷺ ، ولم يشاور رسول الله ﵇ في ذلك فاطمة. فدل ذلك أن ذلك أمر لابد منه، وأن على ذلك مجاري النكاح، وأنه مع ذلك من المكارمة التي جرت عليها معانى النكاح، ولم يجر على المكايسة، لما أجاز الله سبحانه من نكاح التفويض في الصداق. وقد تعارف المسلمون في كل بلد من بلدانهم أن تشتري بالصداق أو ما قبضت منه شوارا وطيبا، والعرف القائم كالأمر اللازم. فلو تزوج رجل امراة بألف دينار، فرفعتها وأتته في درع وخمار، لأنكر هذا عامة الناس وخاصتهم. والعرف بين الناس في الأصول أمر يلزمونه في غير شيء، ألا ترى أن في الصداق نفسه، أنا نلزمهم في التفويض فيه عرف ذلك البلد منه وعادتهم فيه وإن كان

стр. 453

ببلد آخر يكون ذلك – فيمن هو في مثل حال تلك المرأة – أكثر من ذلك أو أقل وصنف سواه. وكذلك يؤخذ بالعادة والعرف في الأكرية، في مقدار السير وسرعته وجلسائه، ومواضع نزول المسافر من []، وفي كنس مرحاض الدار وقمامتها، وفي زيادة ولد للساكن، وزيادة رقبـ[ـة]، وفي غير ذلك كثير، والله سبحانه يقول: ﴿خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. وإذا كان عليها أن تشتري بذلك ما جرى عرف الناس به، كان ذلك كالأمر والإذن لها، ولا يجوز أن يؤذن لها في شراء شيء ثم يطالب إذا طلق بغيره، لأن شراء ذلك له كان وبسببه وعن إذنه، وهو إن لم يطـ[ـلق] فله جماله والاستمتاع منه، بما جرت العادة بالاستمتاع به. فإن قيل: كيف تكون هي مالكة، وهو حاكم عليها، فيما هي له مالـ[ـكة]؟ فيمنعها من إتلافه، ويحول بينها وبين الإجحاف به، ويشاركها في الاستمتاع ببعضه؟ قلت: الكتاب والسنة دلا على ذلك، لأن الله سبحا [نه] لما أجاز نكاح التفويض في الصداق فأجمعوا أن امرأة لو تزوجت بتفويض ولها جمال ومال، وأخرى تزوجت

стр. 454

كذلك، ولها جمال ولا مال [لها] ثم دخل بهما، أن على زوج ذات المال من صداق مثلها أكثر مما عليه للتي لا مال لها. فمن حجة زوجها أن يقول: إن كان مالها وصداقها لا مـ[ـدخل لـ]ـي فيه ولا نفع لي به، ولا لي أن اقوم ببقائه في ملكها، ليكون لي جما [لا] ورجاء عواقبه، ولا أتمتع به، وليس في شيء من مالها لي سبب نفع بوجه، ولا بسبب، فزيادتكم علي في الصداق ومن أجله، لم؟ وهذا ظلم تظلموني [به]؟ فليس تكون حجته حجة، على ماذهب إليه من خالفنا، وقد قال الرسو [ل] ﵇ للتي تزوجت بنعلين، أرضيت من نفسك ومالك بهذيـ[ـن] النعلين؟ وقال: تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولدينها فعليكم بذوا [ت] الدين. وأجمعوا أنه لا يملك ذلك ملكا تاما، فلم يبق إلا ما تعارفه النا [س].

стр. 455

جعله قد قام مقام الغفلة، لأنه قال بأثر هذا: فهو في ذلك مغفل بين الإغفال. فهذا ما أدته إليه يقظته وانتباهه، وإن يقظة أدت صاحبها إلى أن مالكا مغفل لتزيد على النوم في التمثيل، وما بنا حاجة إلى رد هذه إلا لحكايته. وذوو الألباب من أئمة الأعصار يعلمون نهاية مالك في اليقظة والنباهة والحفظ ولطيف الفهم والاستخراج [ولهـ]ـذا، امتدت له هذه الإمامة التي لا يدفعه عنها مخالف ولا موالف، وما غير هذا إلا من باب التلاعب، ونعوذ بالله من اللعب في دينه.

стр. 456

باب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعا قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الرجل يطلق زوجته واحدة، ثم يرتجعها في سفره في العدة وهي لا تعلم، حتى حلت وتزوجت، أن الأول أحق بها إن قدم، ما لم يدخل بها الثاني. واحتج هذا الرجل بقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، قال: فأباح امرأة لرجل، وهي زوجة لغيره، وهو يقول: إن نكاح الثاني باطل، فكيف تحل بالدخول. قال: وكذلك زعم مالك في الوليين يزوجان امرأة واحدا بعد واحد بإذنها، أن نكاح الأول صحيح ونكاح الثاني غير منعقد ولا جائز، وأن الثاني غير زوج، وإن مات الأول قبل بناء الثاني ورثته وورثها إن ماتت.

стр. 457

قال: ثم ناقض، فقال: إن دخل الثاني قبل الأول، فالثاني الداخل بزوجة غيره أولى بها، فصار دخوله بزوجة غيره موجبا أنها له زوجة، وحرمها على الأول بغير طلاق، فأباح محظورا بغير دليل ولا سنة ولا اتفاق. وذكر حديثا عن ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي موسى أن وليين أنكح أحدهما عبيد الله أولا، وأنكح الآخر بعده جارا له، فجامعها الثاني، فقضى بها لعبيد الله. فالجواب عن ذلك، أن ما قال مالك من ذلك فالأصول تدل عليه، من الكتاب والسنة والإجماع. وقد حرف هذا الرجل قول مالك، وبدله إلى ما تتم له به المناقضة التي تمناها في قول مالك، وليس لكل واحد ما تمنى، وكان حكمه في الديانة أن لا يحرف قول الرجل، ولا يرد عليه ما لم يقل. فمما ما حرف فيه وحكى ما ليس بقوله قوله: إن نكاح الثاني غير منعقد، ولا جائز، وأنه ليس بزوج، وأن الثاني إذا دخل بزوجة غيره أولى بها، فهذا تعد، وتحريف في القول وحكاية ما لم يقله مالك. وليس يقطع في الثاني بفساد حتى يعلم آخر ذلك، لأن الزوج له أن يرتجع، والزوجة التي لم تعلم بالرجعة لها في إجماع المسلمين أن تتزوج، فلما لم يكن عليها أن تقيم أبدا، لإمكان أن يكون زوجها قد ارتجعها وكان [] إذ لم يعلم بها، فكان

стр. 458

كالحاكم يجتهد بما أبيح له، فيمضي ثم يتبين له أن غير ذلك هو الصواب فلا ينقض ما نفذ من قضائه. وهو أيضا بمنزلة حاكم حكم بما تبين له من دلائل على غائب، فله أن يبيع عليه فيه ربعه، ولا يتوقف عن ذلك لإمكان أن يكون عند الغائب حجة، فبعد أن باع وقضى الدين قدم الغائب، وقد أبقاه على حجته في الدين، فأقام بينة بقضاء الدين، أن له الرجوع بالثمن، على المقضي له بالدين، ولا يرد بيع الدار، لوقوعه بأمر جائز. وكذلك أمرأة المفقود يضرب لها الأجل، وتتزوج زوجا، ثم يأتي زوجها. وكذلك امرأة النصراني يسلم، فتعتد وهو غائب، وتتزوج انه إن قدم زوجها وأقام بينة أنه أسلم قبلها، أو أسلم في العدة بعدها، فلا سبيل له إليها. وقد اختلف قول مالك في هذه الثلاث مسائل، في امرأة المفقود، والتي لا تعلم بالرجعة، والتي تسلم ثم يسلم زوجها في عدتها وهو غائب ولا تعلم. فقال: لا سبيل للاول إليها إذا تزوجت، وقال: هو أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وهذا في التي لم تعلم بالرجعة مروي عن عمر بالإسناد الجيد، من رواية

стр. 459

مالك وابن وهب وغيره. وكذلك نكاح الوكيل أو الأب يزوج ابنته، ويزوجها رجل قد وكله الأب أيضا، فهذا لم يختلف قول مالك فيها، أن الأول أحق بها ما لم يدخل الثاني. والأصل في هذا: أنه لما كان لكل واحد أن يفعل ما فعل فقد تساويا في أمرهما، فلا يكون أحدهما أولى بما فعل، إلا أن يزيد مرتبة على صاحبه، فإن تساويا في أنهما لم يدخلا كان الأول أزيد مرتبة منه، فيسبق فإن دخل الثاني كان الدخول أقوى من السبق إلى العقد. ولا يجوز أن يقال: إن العقد الثاني كان فاسدًا، وهذا من العقود التي يكشف صحتها ما يظهر بعد ذلك، كالذي يتيمم، فلا يجوز أن يقال: إنه إن أصاب الماء قبل أن يدخل في الصلاة أن تيممه في حين ما تيمم باطل، إنما ظهر لنا بوجوده الماء الآن أن تيممه باطل، حتى إذا دخل في الصلاة قبل أن يجده، ووجده في الصلاة، ظهر لنا الآن أن تيممه صحيح.

стр. 460

وكذلك القاضي يحكم بما ذكرنا، ثم يظهر له خلاف ذلك على ما بينا. وكذلك ما أتى من السنة، فيمن وجد بعيره في المغنم، أنه إن وجده قبل دخوله في المقسم، أخذه بغير ثمن، وإن وجده قد قسم لم يأخذه إلا بالثمن. فلا يجوز أن يقال: لما كان له مالكا قبل القسم، فلا يزيل عنه القسم، وذلك أن للمشركين فيه شبهة ملك، بما دل عليه هذا الحديث والحديث الاخر: من أسلم على شيء فهو له، يريد: وإن كان أصله للمسلمين. فهذه الغنيمة، لما كان لأهل الغنم أن يقسموا، ولا يترقبوا تمييز ما منه لمسلم او غيره، ثم افاتوا ذلك بالقسم الذي لهم فعله، لم يكن لمالكه إليه سبيل. وكذلك كل من له أن يفعل فعلا، فلا ينقض فعله إلا إلى ما هو أقوى منه فالمطلقة لها أن تتزوج بعد العدة ولا تترقب، لما يظن انه قد ارتجعها، فلا يرد لها فعل أباحه لها ظاهر الكتاب والسنة، وذلك أن الزوج عقد رجعة مباحة له، وعقدت هي نكاحا مباحا لها، وزادت الدخول فكان فعلها أقوى ألا يرد لما زاد من أحكامه.
следующие страницы →