Полный текст (514 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وهؤلاء الأئمة قد شهدوا في مالك بما علموه من نهاية العلم وسعته وصحة رويته وحسن استنباطه، وتمامه في الفقه والحديث، وهم بحيث هم من الإمامة والديانة، وقد شهدت أنت فيه بتقصير العلم، فضح نفسك معهم بموضع استحقاقك من قبول القول يعذر ذلك عليك وييسر، والله المستعان.
فصل آخر
قال أبو محمد عبد الله [بن أبي] زيد: ورأيت هذا الرجل يؤثر في التعريف بذكر مالك أن يقول: [قال الحـ]ـجازي، فلعمري إن مالكا والشافعي لحجازيان، إلا أنه يذكر الشافعي [بما أشـ]ـتهر به من التعريف، فيقول: قال الشافعي.
والأغلب مما يذكر العلماء به مالكا اسمه أو كنيته، وليس التعريف بالبلدان آثر في العلماء [و] غيرهم من [الأسماء]، وما لإيثار ذلك دون اسمه وما عرف به مدخل في التشريف، والله أعلم بخابئة قلبه فيما أراد بذلك فيجازيه به.
ولو أخذ [في] طريق تشريفه بذكر البلد لسماه من ذلك بما تأول ابن عيينة وابن جريج [وابـ]ـن مهدي وغيرهم أن رسول الله ﷺ سماه به، فقال: عالم المدينة، ليس [على ظهر] الدنيا أعلم منه، يضرب الناس إليه آباط الإبل كما تقدم [ذكرناه] إياه.
فلو قال: عالم المدينة أو عالم أهل المدينة، كما كان يقول وكيع والأوزاعي وحماد وغيرهم، لكان قد سلك مسلك الناصحين لله ورسوله في تشريف أئمة دينه.
стр. 72
وإن كان هذا الرجل نفث بضغن ونطق بتسفيه للقول وغمص على القائل فالله مجازيه بنيته، أسأل الله ألا يجعل في صدورنا غلا لأئمة المسلمين، ولا لإخواننا المؤمنين المتقدمين والمتأخرين.
ورأيت هذا الرجل فيما يذكر يترامي ترامي من لا يشفق من زلل، ولا تعترض عليه شبهة [ولا يعتـ]ـقد إلا أن معه النص المحكم الذي رده معاندة ومخالفة [فشأنه] إن أعاب قولا أطنب، وإن ذكر مخالفه أسهب، ولو نظر بعين [] سليم من الحمية لأشفق أن يكون من وراء نظره من الأئمة [وقوله ذو] نظر حديد وقول شديد ممن لا شك أنه أنفذ بصيرة وأوسع علما وأبين تأويلا وأهدى طريقا وأقل تكلفا، وقد قال بعض من تقدم.
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم.
стр. 73
باب مسألة الرضاع بعد الحولين
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: بدأ هذا الرجل فيما أنكر على مالك بمسألة الرضاع بعد الحولين وأنكر رواية ابن القاسم عن مالك أنه يحرم [ما] قارب الحولين، كالشهر والشهرين.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [قال: فـ]ـلا غاية بعد المأمور به تجيز التحديد إلا بنص، [و] [قول] مالك [هذا الذي
стр. 74
جاء] الكتاب بخلافه والـ[ـسنة] يدل على إغفال مالك، والأمة مباينة [] إلى ما هـ[] إلى هـ[] هذه الآية [] كأنه يرى أنها أبين منـ[] فيما ظهر له والله المستعان.
فيقال له [لما قال الله] سبحانه: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ دل أن من لم يرد أن يتمها أن الحد له دون لك إذا شاء، فجعل ذلك مصروفا إلى اجتهاد ابوي الولد؛ بقدر ما يريان من احتماله والنظر بالمصلحة له، بقوله: ﴿فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فخرج هذا التحديد أن يشبه بما وقع فيه التحديد من صوم الظهار وعدد النساء ونحو ذلك، مما لم يجعل فيه لأحد نظرا باجتهاد، تارة ينقص وتارة يزيد.
هذا وقد أبيح للأبوين الزيادة على الحولين كما أبيح لهما النقصان؛ على ما ذكرنا من قول الله سبحانه ﴿فإن ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فقد جعل سبحانه الفصال حدا وإن كان قبل الحولين، كما ذكر من تحديد الحولين.
أرأيت إن فصلته أمه عن الثدي قبل الحولين تريد به تمام الفصال، ثم بدا لها فأرضعته في الوقت أو بعد ساعة أو ساعتين؛ أو أرضعته حينئذ أجنبية؟
стр. 75
[فإن قلت]: لا يحرم، أحلت وانفردت، حتى يتبين الفصال أو يقو [ي، وإن قلـ]ـت: بل يحرم إذا كان بالقرب، هكذا صرت إلى الزيادة على ما حد الله من الفصال بالاجتهاد، وذلك لما ظهر أن هذا التحديد ان مخرجه اجتهاد الأبوين، والفصال حد، والحولين حد، ولا فرق بين الزيادة بالاجتهاد عليهما مما قاربهما.
فإن قلت: فلم وقع منك الاجتهاد بزيادة شهر أو شهرين على الحولين؟ قلت: لغير وجه، منها أنه لما كان للأبوين النقصان من الحولين بالاجتهاد، فكذلك يزاد عليهما بالاجتهاد، ولا يصلح أن تكثر الزيادة شهورا كثيرة، فيصير الأغلب من قوام بدنه، الطعام دون اللبن، كما زيد على الفصال بالاجتهاد، وقد قال النبي ﵇: فإنما الرضاعة من المجاعة.
ومنها وجه آخر على رواية عبد الملك عن مالك، فإنه روى عنه أن زيادة قدر الشهر ونحوه يحرم، فوجه ذلك أنه لما قال الله تعالى: ﴿كاملين﴾ دل أنه يقع عليهما اسم حولين وهما ناقصان، فاحتمل قوله: ﴿كاملين﴾ كمال الشهور على أكمل الأعداد، ووجدنا الأمة تسمي شهرا تاما إذا كان ثلاثين يوما، وتسميه ناقصا إذا كان تسعا وعشرين فما يبعد ان يكون للسنة في الرضاع اسم الكمال أتم الأعداد،
стр. 76
ووجدنا السنة الشمسية تزيد على القمرية أحد عشر يومًا، فذلك في الحولين نيف وعشرون يومًا، وهذا نحو شهر، وكذلك روى عبد الملك عن مالك زيادة الشهر ونحوه يحرم، لاحتمال هذا التأويل والله أعلم.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك زيادة الأيام اليسيرة.
وإذا ساغ الاحتمال فيه فلا يبعد أن يحتاج فيه بأبعد الاحتمالات؛ لأن دفع الشبهة بالتحريم أولى من إباحة التحليل مع احتمال غيره؛ لأن من ترك سلم بيقين، ومن واقع مع الشك لم يأمن، والتحيم آكد في الأصول من التحليل فيما جرى فيه تحريم.
ألا ترى أن الله سبحانه حرم ما نكح الآباء والأبناء، فحرمنا بأقل ما لزم اسم نكاح، وهو العقـ[ـد]؛ وإن لم يقع الوقاع، وأحل المبتوتة بعد أن تنكح زوجا غيـ[ـره]، فأبان الرسول ﵇ ألا تتم هذه الإباحة إلا بالأ [كمل] وهو العقد والوطء.
هذا وقد اختلف في ذكر الله سبحانه للحو [لين]، فقال القائلون [بالتحريم]
стр. 77
برضاعة الكبير، هذا من باب التعـ[] الـ[] بمراتب [] في رضاعة الكبير، إنما الرضاعة [من المجاعة] [وعن علي]: لا رضاع بعد فصال.
واحتجوا برضاعة [سالم] مولى أبي حذيفة: ودفعناهم بالرواية أن ذلك خاص في سالم، وبغير ذلك، فكيف جاز لك أيها الرجل أن تقول: إن الأمة مباينة لقول مالك؟
стр. 78
هذا وكثير منهم يقول بأكثر من ذلك، منهم من يقول حولين شهرين، ومنهم من يزيد على الشهرين، والنعمان يقول حولين ونصفا، وغير واحد من الناس يقولون برضاعة الكبير، فادعيت أن الأمة مباينة لمالك فيما زاد على الحولين؟ وفي ذلك من الاختلاف ما لا يخفى على أكثر من يطلب العلم، وقالت عائشة في رضاع الكبير ما قالت، وخالفها سائر أزواج النبي ﷺ ، وقلن: إن ذلك كان خاصا في سالم وحده.
وكيف أنكرت على مالك أن احتاط بالتحريم بباب من التأويل، له به شاهد في الأصول والاعتبار؟ ولم تنكر على الشافعي إذ أحل وأباح باستكراه من التأويل بعيد
стр. 79
من الظاهر والاعتبار، واستعمل لذلك حديث خمس رضعات، ونحن ومن تعلقت بمذهبه غير قائلين به، لأنه منسوب إلى القرآن، والقرآن غير مختلف فيه.
ثم تأول الشافعي الرضعات، فلم يجعلها بالاحتياط مصات وجرعات، وجعلها أوقاتا فسيحة وأزمنة متراخية، فقال: ما دام الصبي في حجر أمه يرضع ويزيل فيه الثدي ويعاودها [و] لو أقام من اول النهار إلى نصفه فهي رضعة واحدة، ثم يفعل مثل ذلك في يوم ثان وثالث ورابع، ثم لا يحرم ذلك شيئا، ولا تكون التي أرضعته له بذلك أما، ولا هو لها ابنا، وتحل له بنكاح، ولا روى هذا عن سلف، وهذا كله غير قولك، ثم لم تنكره كما أنكرت على مالك.
[] فما كان أولى بك أيها الرجل في الـ[]ـد المستكره لهذا، أم ما أخذته على مالك من ما قصد به قصد الا [جتهاد] في حماية المحارم دون إباحتها، وتأويل الشافعي على بعده في إباحتها، دون الاحتياط بالتوقف عنها.
والكلام في علل حديث خمس رضعات واضطرابه كثير، لم نقصد إليه، إذ لا تخالفنا أنت فيه، وتركت أن تنكر قول مالك في التحريم بالمصة، وصاحبك لا يحرم إلا بثلاث مصات، كأنك تقدر أن ما ذكرت أقوى في نكير ما أنكرت، وما من ذلك شي يتم لك فيه النكير على تقديرك بحمد الله.
والقائل: إنه لا يحرم إلا ثلاث، لا يرجع بهذا التقدير إلى نص، وحديث ابن الزبير ليس فيه إلا الثلاث تحرم، وللشافعي أن يقول لك: إذا كان قليله لا يحرم فذلك لا يحرم حتى ينتهي إلى الخمس، ويقول: لعل ذلك حين كان رضاع العشر، وقد نسخ
стр. 80
[] فما كان أولى بك أيها الرجل في الـ[]ـد المستكره لهذا، أم ما أخذته على مالك من ما قصد به قصد الا [جتهاد] في حماية المحارم دون إباحتها، وتأويل الشافعي على بعده في إباحتها، دون الاحتياط بالتوقف عنها.
والكلام في علل حديث خمس رضعات واضطرابه كثير، لم نقصد إليه، إذ لا تخالفنا أنت فيه، وتركت أن تنكر قول مالك في التحريم بالمصة، وصاحبك لا يحرم إلا بثلاث مصات، كأنك تقدر أن ما ذكرت أقوى في نكير ما أنكرت، وما من ذلك شيء يتم لك فيه النكير على تفديرك بحمد لله.
والقائل: إنه لا يحرم إلا ثلاث؛ لا يرجع بهذا التقدير إلى نص، وحديث ابن الزبير ليس فيه إلا الثلاث تحرم، وللشافعي أن يقول لك: إذا كان قليله لا يحرم فذلك لا يحرم حتى ينتهي إلى الخمس، ويقول: لعل ذلك حين كان رضاع العشر، وقد نسخ
стр. 81
ذلك، ويقول: في ذلك جواب عن مسألة، ليس على الاقتصار على ما ذكر، أو سؤال للكبير في رضاعته.
وبعد ذلك، فلنا ما ندفع ذلك كله، وذلك أن ابن الزبير لم يسمع ذلك من رسول الله ﷺ ، وإنما رواه عن عائشة عن النبي ﵇، وإن كان قد روى عن ابن الزبير عن رسول الله ﷺ في بعض الروايات، فقد روينا مبينا أنه عن عائشة رواه، وبعض الصحابة روى عن بعض، و [بعيد] أن يقول: قال رسول الله، [سيما] ابن الزبير في صغره.
стр. 82
نا الحسن بن بدر قال: نا [النسائي] قال: أنا زياد بن أيوب عن ابن [علية] عن أيوب عن ابن أبي مليكة [عن عبد الله] قال النبي ﵇: لا تحرم المصة ولا المصتان.
ونا محمد بن عثمان الأندلسي، عن محمد بن الجهم المالكي قال: نا [إبراهيم الحربي نا محمد بن عبد الملك]، قال [نا عبد الرزاق] [قال: نا ابن جريج قال] نا هشام [بن عروة عن عروة] عن عبد الله بن الزبير عن عائشة مثله.
فدل أن مدار الأمر كله على عائشة، وهذا هو مستخرج مما عندنا من خبر " خمس رضعات" وذلك قد جامعنا مخالفنا على تركه، [ولغير] علة، قال أهل الحديث: ومن رواه عن ابن أبي مليكة عن أبي هريرة فهو غلط، وأصحا ابن أبي مليكة كلهم
стр. 83
يرويه عنه عن ابن الزبير عن عائشة، فمداره عليها على ما عندها من الخمس، والله أعلم.
وقد روي من طريق أم الفصل ابنة الزبير، وذلك على ما عندهم منه عن عائشة والله أعلم. وقد روى ابن وهب في كتابه عن ام الفضل خلاف ذلك: أنه يحرم المصة والمصتان.
وروى ابن الزبير عن عائشة لا يحرم إلا سبع، نا الحسن بن بدر قال: نا النسائي قال: نا يزيد بن سنان قال: نا معاذ بن هشام، قال: نا أبي عن قتادة عن أبي الخليل عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: إنما يحرم من الرضاعة سبع مرات، وهذا مما يدل على تضعيف حديث المصتين.
стр. 84
فلما كثر من هذا الاضطراب ما ذكرنا؛ واحتمل ما تعلق به كل فريق؛ كان التمسك بظاهر القرآن أولى وأقرب إلى الاحتياط، حتى يأتي ما لا شك فيه ولا معارض له.
فأبقينا عن عموم القرآن بقليل الرضاع وكثيره لقوله سبحانه: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ وأجمعوا أن المصة الواحدة رضاع، وبظاهر قول النبي ﵇: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقال لعائشة في أفلح: (إنه عمك فليلج عليك)، وهذا رضاع قديم ولا توقيت فيه.
وكذلك قوله ﵇ في ابنة حمزة: إنها ابنة أخي من الرضاعة، ولا توقيت في شيء منه.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا أبو عمران موسى بن الحسن قال: نا مسلم بن إبراهيم قال: نا همام بن يحيى قال: نا قتادة، عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي ﵇ ذكرت له ابنة حمزة، فقال النبي ﵇: (لا تحل لي، فإن حمزة أخي من الرضاعة).
стр. 85
وأمر في سالم فقال: (أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة).
وهو –وإن كان عندنا خاصا فيه– لم يرتفع فيه، واجب توقيتة الرضعات، فلم يأمر فيه ﵇ بتوقيت في حديث عائشة، وهذا كله دلائل تكشف قوة ما ذهب إليه مالك من التحريم بقليل الرضاع.
وقد روينا في كتاب البخاري أن عقبة بن الحارث الليثي قال للنبي ﵇، وقد تزوج امرأة فقال له: إن امرأة قالت إنها أرضعتنا وهي كاذبة فقال له ﵇: كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك.
وهذا من أدل دليل على أنه لا توقيت في الرضاع حين أمر به في التوقي، فكيف لو ثبت ذلك ببينة تامة، ولو كان لا يحرم بقليله لم يأمر فيه بتوقي ذلك، وهو لو ثبت لم يحرم عنده، وهذا كله يدل على ما ذهب إليه مالك مع ظاهر الكتاب وما هو أقرب إلى الاحتياط، والله أعلم، وإياه نسأل التوفيق.
стр. 86
باب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشد
قال عبد الله بن أبي زيد: وأنكر هذا الرجل على مالك في هذه المسألة في البكر التي تولي: أنها لا يجوز قضاؤها في مالها، حتى تبلغ، وتنكح ويدخل بها ويؤنس منها الرشد مع ذلك.
وتلا قول الله تبارك اسمه: [﴿ولا توتوا] السفهاء أموالكم﴾ إلى قوله: ﴿وابتلوا [اليتامى] حتى إذا بلغوا النكاح فإن انستم [منهم] رشدا فادفعوا إليهم [أموالهم]﴾ [] غيرهم.
ثم قال: وقال الحجازي في ذلك قولا مخالفا لظاهر الكتاب، أن الإناث في ذلك تخالف الذكور، وألا يدفع إليهن - وإن بلغن وأنس منهن الرشد - حتى ينكحن
стр. 87
ويدخل بهن أزواجهن، ولو عنست وصارت عجوزا لم تقبضه، ولم تحكم فيه ببيع ولا هبة ولا صدقة ولا معروف، كانت في ولاية أبيها أو وصيها.
وهذا الرجل لم ير معنى قول مالك، إذ عبر عنه بغير معناه، لأنه قدر أن مالكا إنما فرق بين الذكور والإناث أن هذه أنثى وهذا ذكر.
والعلة عند مالك الرشد في الذكر والأنثى، إلا أن رشاد الأنثى لا يوصل إلى تمام اختباره إلا ببروز وجهها واستمكان الاختبار لها.
والمعنى عند مالك في قول الله سبحانه ﴿فإن انستم منهم رشدا﴾ بعد ذكر الله سبحانه بلوغهم النكاح فإناس الرشد هو أن يحس ذلك منهم، بالاختبار في صلاح الحال وحسن النظر في المال.
أنا أحمد بن إبراهيم عن القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال: نا محمد بن عبيد قال: نا محمد بن نور، عن معمر، عن الحسن وقتادة ﴿وابتلوا اليتامى﴾ قالا: اختبروا اليتامي، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.
نا أبو الوليد، قال نا شريك، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فإن انستم منهم رشدًا﴾ قال: اليتيم يدفع إليه ماله إذا أدرك بحلم وعقل ووقار.
стр. 88
نا هدبة قال: نا مبارك عن الحسن ﴿فإن أنستم منهم رشدا﴾ قال: رشدا في دينهم وإصلاحا في أموالهم.
نا علي بن عبد الله قال: نا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، عن ابن عباس فيما كتب إلى نجدة في اليتيم متى ينقضي يتمه؟ قال: إذا كان يأخذ لنفسه من صالح، ما يأخذ الناس، ويعطي منها من صالح ما يعطي [الناس فقـ]ـد ذهب [عنه اليـ]ـتم.
قال عبد الله: ولما كان منعهم من المال صيانة له، لم يبح لهم إلا بحال يؤمن معها على المال المصون بالحجر، ولا يكن ذلك إلا بالاختبار كما ذكرنا عن ابن عباس والحسن وغيرهما، فلا يقع الاختبار إلا بكون المخالطة والمداخلة، وما يتكرر من ذلك، حتى ينتهي إلى يقينه.
فلما كان الذكور يتصرفون وينتهون بالمخالطة للناس والتصرف معهم ومراعاة الأمور، إلى ما يبلغون به فهم المضار في المال، والمنافع واسابب التطلب والاحتيال في حفظه وتثميره، وفهم ما يجر إلى نقصه وفساده، كان الرشاد لذلك منهم معلوما، يدركه
стр. 89
من يكثر مخالطتهم واختباره لهم في الأمور التي تتكرر، والشهادة بذلك ممكنة غير مظنونة.
ثم رأينا العذراء في خدرها لا تصل من التصرف ومخالطة الناس ومعاينة الأسباب، ما تبلغ به من إدراك الأمور ما يبلغه الذكر البارز المتصرف، والحجاب الذي فيه لا تبلغ ذلك معه، ولا يبلغ منها أحد حقيقة اختبارها وحسن النظر والأسباب الدالة على صلاح المال الذي كان الحجر لصيانته.
فتربصنا بها إلى ظهر وجهها بالنكاح والبناء، لتصل هي ويوصل منها إلى منال أسباب الرشد المشترطة، ويسلك فيها الاختبار ببروز الوجه أكثر من ذ [ات الخدر] في سترها، ولا خـ[ـلاف] في [الرشد] بين الذكر [والأنثى]، لأن الرشد [منهما] [شرط]، و [لا] يؤنس إلا [] لهما [بالظهور] الذي هو سـ[ـبب] [] ويسكن منهما [] جلية من [] الحمية إن شاء الله.
стр. 90
وقد فرق النبي ﵇ بين الأنثى البكر في سترها وبين الثيب التي برزت، فجعل إذن التي في الستر في النكاح صماتها، وإذن الثيب كلامها مثل الذكر، فقرن التي برزت بحكم الذكر في الدفع عن نفسها والعقد بلفظها، وجعل التي في الستر ينعقد عليها الأمر بصماتها.
وهذا ونحن نقول ونستدل: أن الأب يزوجها وإن لم يشاورها، لأنه في رواية سفيان: البكر اليتيمة تستأمر في نفسها.
وهذا كله دليل أن التي في الستر لا تمكن هي من أورها، ولا يتمكن هي منها، حتى عذرت في هذا الستر والتخفر بالصمت، فجعل منها كالنطق، ولا يشك أحد أنها غير عاجزة عن الكلام، فعذرت فيه وصارت كالعاجزة عنه لغلبة الحياء عليها، فهي في غير ذلك أعذر، وعن ما هو فوق ذلك من معاناة الأمور أعجز.
стр. 91
وإذا كان الستر موجبًا للتخفر ورفع الانبساط وترك الكلام، كيف تصل هي أو يوصل منها مع قيام هذه الحال، إلى ما لا ينال إلا بالتبسط والظهور وضد هذه الحال، فتدرك هي بالحال الثانية، ما لم تكن تدركه، ويدرك منها مثل ذلك؟ وما وراء هذا إلا المكابرة.
وهذا قد قاله أئمة أهل المدينة والاعتبار والشواهد تدل عليه، وقاله عمر بن عبد العزيز وأبو الزناد وعطاء ومجاهد، وربيعة وغيرهم، وهذا مشهور من قول التابعين بالمدينة، وقاله الشعبي وغيره من الكوفيين.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، قال: نا ابي قال: نا موسى بن هارون قال نا يحيى عن قيس، عن جابر، عن عامر الشعبي قال لا يدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج، وإن قرأت التوراة والإنجيل والزبور.
قال عبد الله: وأما قوله عن مالك، إنها وإن عنست فصارت عجوزا فلا يجوز صنيعها، فالمشهور من قوله وقول أصحابه، أنها إذا بلغت التعنيس وهي بكر جاز فعلها إن كانت مرشدة في الحال والمال، كانت في ولاية أب
стр. 92
أو وصي، هذه رواية أشهب وابن عبد الحكم وعبد الرحيم بن خالد ومطرف بن عبد الله وغيرهم عن مالك، حتى قال في رواية ابن عبد الحكم وغيره،: لا يزوجها حينئذ الأب إلا برضاها، وهو قول كثير من أصحابه وأصحاب أصحابه، غير أنهم اختلفوا في مقدار سنها في التعنيس.
وروى ابن القاسم: لا يجوز صنيعها وإن عنست عند أبيها، وروى ابن القاسم في رواية أخرى أنها إذا بلغت أعلى التعنيس وهي رشيدة جاز فعلها.
فيمكن أن معنى روايته الأولى أن تكون في ألو سن التعنيس، لاختلافهم في مقداره، وهذا سائغ في طلب غاية الأمر فيها.
وهذا الرجل لا يدري أقاويل مالك وراياته وأقاويل أصحابه، فإن كان وقع على شيء حكى له فمن ذلك أتى، وإن كان رأي ما في المدونة فقد ترك أن يحكي الرواية الأخرى فيها عن مالك، وهذه خيانة، وغاب عنه ما في غيرها من أقاويلهم.
فإن قال: فما الفرق بين التي عنست وغيرها؟
قيل له: لما طال بها الزمان كان في ذلك ما يقوم لها وفيها مقام الظهور، ولا يشك أحد أنها بالتعنيس أقرب إلى إدراك الأمور وتمييزها، ويؤذن ذلك ويؤدي منها إلى نحو
стр. 93
ما يتأدى بالظهور في صغر سنـ[ـها] وذلك أمر صرفه الله إلى اجتهادنا بقوله: ﴿انستم منهم رشدا﴾، فنبه أن نجتـ[ـهد] في إدراك الأحوال الموجبة لهذا الرشد منـ[ـهم] وصولنا إلى إدراك ذلك منهم بغير [شيء] كما أصرف إلينا أمر العدل، فلا ندركه إلا بالمخالطة والمداخلة وكثرة الاختبار وتأكد الأحوال الموجبة لهذا الاسم، وكذلك الرشد.
ولا يخفي على أحد أن ذات الخدر لا تبلغ من علم التصرف في المال، وعلم الضرر فيه والنفع من نماء ونقص، في السن الذي يبلغه فيه الذكر البارز المتصرف، هذا مع الأغلب ما في النساء الحياء والتحفز، وأنهن بالجملة أقل حيلة ونظرا، فإنما طالب مالك أحوال الرشد من الذكر أو من الأنثى حيث يتم وينتهي وما فرق بين ذكر ولا أنثى كما ظن هذا الرجل.
وأما قولك: لو قال قائل يدفع إلى الأنثى البكر إذا رشدت ولا يدفع إلى الذكور حتى يتزوجوا ويولد لهم.
فهذا من حجتك يبلغ إلى وجهين من الخطا، أحدهما: أنك أجزت أن يقول قائل خلاف الإجماع، وهذا لا يجوز، فأوهمت أن هذا جائز لقائل أن يتأوله فيقوله.
فإن كان لا يجوز أن يقوله أحد فقد سقط عليه الجواب وارتفعت فيه المعارضة، إلا أن يعني أن ما قال مالك كمثل هذا وخلاف الإجماع، وهذا إن قلته أكذبك، الاختلاف الفاشي والدلائل والشواهد، ولو كان مثل هذا ما جازت مناظرة قائله، وكان حكمه غير حكم المناظرة، وهذا تنطع في السؤال وما لا يجوز على كل وجه، وقد دللناك على علـ[ـة] الفرق بين الذكر والأنثى فيما افترقا فيه.
стр. 94
وأما الوجه الثاني مـ[ـن] الخطأ: أنك عبرت بهذه العبارة أن الرشد عند مالك يقع بالنكاح [لا] بإصلاح الحال والمال، بقولك: لو قال قائل: حـ[ـتى] يتزوج الذكور ويولد لهم، ولم تذكر الرشد فيهم مع ذكر النكاح والـ[ـولادة لهم] [] [] بلوغ النكاح والرشد، فلا تزول الولاية إلا بهما، و [قال ما] لك: إنهما إذا بلغا حد النكاح وهو البلوغ؛ أمرنا باختبارهما في رشد الحال.
فالذكر تأكد فيه وله وجه التصرف منه والاختبار متى نكح أو لم ينكح، والجارية لا تبلغ ذلك من نفسها ولا نبلغ نحن نهاية الخبرة فيها حتى يبرز وجهها، ولا بروز لها إلا بالنكاح، فلم يطالب مالك حلولها في النكاح، لأنه خصها بذلك دون الذكر، ولكن لأن به إمكان إدراكها للأمور، وإدراك الاختبار منا لها ببروز وجهها، أو يطول زمانها في سترها إلى التعنيس، وهذا بين ظاهر ولله الحمد.
وقد قال الشافعي بشيء يقرب بعضه من قولنا: إن أمر الذكور في الاختبار مختلف في إدراك الشهادة على رشادهم فمنهم من تكثر مخالطته للناس في الشراء والبيع قبل البلوغ وبعده، ومنهم من لا يخالطهم بالمبايعة، فيكون اختباره أبعد. ثم اختبار المرأة في صلاح أمرها أبعد لقلـ[ـة] مخالطتها للناس.
стр. 95
فقد نحا الشافعي إلى تحو ما قلنا، إلا أنه قال: يختبر بالنساء وتجوز شهادتهن أو شاهد ويمين، والذي قال مالك أبين وأوضح، وهذا أمر يؤدي إلى غير شيء، وهي لا تصل ولا يوصل منها إلى ما يوجب حقيقة ذلك على ما بينا.
وأما احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فإن طبن لكن عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ فهذه غفلة غامرة، لأنك تخصص هذه الآية بآية الرشد، فنقول: فإن طبن به نفسا فلا يجوز ذلك حتى نأنس منهن رشدا، فإذا كان الرشد اول ذلك ففي إدراك الرشد اختلفنا ودللناك [انه] لا يتم من البكر، ويتأخر حتى تبرز [فتختبر] [] قلنا بالرشد [] و [ضعت هذه الآية] في غير موضعـ[ـها] فكأنك قلت: فإن [] حال [] قلت إن البكر رشيدة في حال لا يصل معها إلى الأحوال الموجبة للرشاد، ولو تاملت هذا وشبهه أمسكت عن كثير من قولك، وبالله التوفيق.
стр. 96
باب إقرار المريض لوارثه بدين
قال عبد الله: قال هذا الرجل/ إذا أقر المرض لبعض ورثته بدين وجب له ذلك دونهم، قل الدين أو كثر، كان عليه دين لغيره في الصحة ببينة أو لم يكن، وأنكر قول مالك: إن إقراره بدين لوارثه لا يجوز.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ قال: وهذا كإقراره للأجنبي، فلما لزم إقراره للأجنبي لزم إقراره للورارث هذا معنى كلامه.
وهذا كلام من لم يطالب في الكلام حقائق المعاني.
فأول دليل على رد قوله قول الله تعالى ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ فلما كان الوارث الذي سمى الله له ميراثه، لا يجوز أن يتسبب إلى الزيادة فيه بوصية ولا غيرها، لأن الله سبحانه شرط فيما ذكر من الوصية والدين أن يكون الميت
стр. 97
غير مضار، قال الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها او دين غير مضار﴾ فأخبر أن ما جرى من ذلك على الضرار غير مقبول، وهذا إنما يعلم بالأغلب من الدلائل والله أعلم.
وليس على أن الميت يعترف بأن ذلك منه ضرارا، هذا غير مشكل، ولكن ما جرى من ذلك مما تبين أنه فيه مضار بالدلائل، والأغلب من الأمور، والله أعلم.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر، قال: أنا أبي قال: نا علي بن عبد العزيز قال: نا أحمد بن يونس قال: [أنا زهير بن معاوية قال: نا] داود بن ابي هند قال: نا عكرمة عن ابن عباس كان يقول: الضرار في الوصية من الكبائر.
قال محمد بن المنذر: ونا زكرياء قال: نا محمد بن رافع قال: نا شبابة قال: نا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿غير مضار﴾ قال: في الميراث أهله.
فكل ما جرى من الضرار بأهل الميراث في إقرار أو وصية صرف ذلك إلى نفي الضرر.
стр. 98
ومن ذلك قول النبي ﷺ إن الله قد اعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، فجعلها - وإن كانت اسم وصية - زيادة في الميراث الذى سمى الله له، فأصرفها إلى المعنى المقصود.
ولو قال المريض: زيدوا وارثي في ميراثه، لم يشك أحد أن هذا باطل، فبين ﵇ أن الوصية له مثل ذلك، فكذلك كل ما صيره في مرضه، للوارث بمعنى غير الميراث، من وصية أو إقرار فهو أثرة له دلت السنة على منعه.
ونحن، فنقول بمعاني الأخبار وبعللها، وأنت لا تطالب العلل، وهذا أصل فرق بيننا وبينك في الفروع.
وكيف جاز في وهمك أن يمنع الرسول ﵇ الوارث من شيء، فتجيز له أنت أكثر منه في ذلك المعنى، الذي كان هو العلة في منعه لما منع.
стр. 99
ولو كانت الأمور على ما ظننت من مطالبة الاسم دون المعاني، لكان إذا وهب لوارثه في مرضه أو تصدق عليه أن ذلك جائز.
وكذلك امرأة وهبت لزوجها في مرضها مالها أجمع، وتقول إنما منع النبي ﷺ الوصية وهذا هبة، وتحتج أيضا في الزوج بقول الله : ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ فالهبة اسم، والوصية [اسم] وأنت [لا ترد اسما إلى آخر] عند الحكم ما ما وافقه في المعنى من الذكور، ولم يقع النهي إلا في الوصية.
فإن قلت: لما قال: إن الله قد أعطى كـ[ـل] ذي حق حقه، دل أن المعنى في ذلك منع الزيادة فيه بأي سبب أو لأ [حد]، ولا يعجز أحد أن يمنع من هبة أو وصية إلا جعلها إقرارا.
وكيف جا [ز] عندك أن تساوي بين إقراره في المرض لأجنبي ولوارث، والوصية لا تجوز لأحدهما، وهو الوارث، فكذلك الإقرار له، لأن العلة في وصيته له قائمة في الإقرار وهي التهمة بالزيادة في حقه.
ورد المعاني التي سكت عنها إلى معنى ما ذكر هو نفس ما نستدل نحن به من القياس، الذي فق بيننا وبينك وبين الماضين والباقين.
فإن قلت: لم جاز إقراره للوارث في الصحة جاز في المرض، ولا يجوز الوصية له في الصحة ولا في المرض.
стр. 100
قلت: إنما لم تجز الوصية له في الصحة، لأنه إنما قال: إذا مت فأعطوه كذا، فهو أمر لم ينفذه في الصحة، وهو من باب الزيادة في حق الوارث.
ولو كان كل ما جاز للوارث في الصحة جاز مثله في المرض، لكان تجوز له هبته في المرض كما يجوز في الصحة، فكما منعنا من هبته في المرض لتهمة الزيادة في الميراث، وإن أجرناها في الصحة لإنفاذها في وقت لا تقوم هذه التهمة فيه، كان كذلك يجوز إقراره، له في الصحة لدفع التهمة وتبطل في المرض لقيامها فيه.
وكذلك لو أقر لابنه بدين - وقد فلس - فإنا نبطله للتهمة فيه، وهو قول الشافعي، وإذا لم تكن تهمة جاز ذلك.
стр. 101
وقد حمى الرسول ﵇ الزيادة في حق الوارث، بما منع من الوصية له، فقد طرقت إلى ما حماه عليه [الصلاة] والسلام طريقة هي أقوى وصولا إلى ما منعه منه بالوصية، فلا يعجز أن يسميه إقرارا أو هبة، إن أجزت [له الإقرار] أجزت الهبة وركبت ما [نهى عنه النبي] ﵇، وإن لم تجزها ناقضت.
وقد قال النبي ﵇: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، قد ﵇ أنه لا يفعل المرء شيئا ليس منصوصا فيما نهي عنه، إلا أنه ذريعة إليه أو فيه من العلة ما فيه، وأنه يلزمه تركه، وهذا مما يدل على مطالبة العلل، وفيه دليل على القياس والتشبيه والتمثيل للمذكور، فكذلك لا يجوز أن يفعل ما يؤدي إلى ما يشبه ما نهي عنه من الوصية من هبة او إقرار.
ولئن جاز هذا ليجوزن له أن يشتري من ابنه، دارا تساوي عشرة دنانير بألف دينار، وهذا ظاهره بيع، وقد أحل الله البيع، فقد سهل السبيل إلى إباحة ما منع منه الرسول ﵇ بمثل هذا كثير.
стр. 102
ولو جاز هذا لجاز أن يصل إلى الوصية بأكثر من ثلثه بمعنى لا يجعله وصية، ولكن بيعا بمحاباة ضعفي الثلث، أو يتزوج امرأة بماله كله، وصداق مثلها ربع دينار، والنكاح في المرض عندك جائز.
وكذلك يصل إلى أن يورث ابنه ويمنع غرماءه - والدين محيط بماله - بأن يقر لابنه بأضعاف أضعاف ديونهم، حتى يصير إليه أكثر ماله، ولا يعجز الناس أن يغيروا الأشياء ويصلوا بذلك إلى المعاني التي منعوا منها.
واقتصارك على الأسماء دون المعاني [ناقص] عليك الأمر، وإن سلكت طريق السلف في [] لتهمة إيثاره فكذلك هو في المرض، لتهمة إيثاره، والشافـ[ـعي] يقول كقولنا: إن إقرار المفلس لا يجوز، لا له ولا لغيره.
стр. 103
أرأيت لم منع الرسول ﵇ القاتل من الميراث لذلك، إلا للتهمة في تغيير ما أذن له فيه، ثم صار الباب بابا واحدا فيمن يتهم أولا يتهم، وكذلك جرت الأصول في منع الذرائع.
وكذلك النهي عن الجمع بين مفترق والتفريق بين مجتمع خشية الصدقة، فإذا فعله بقرب الحول اتهم، ولم يقبل منه أنه فعل ذلك لغير الفرارـ، ومن تأول أن ذلك النهي بعد وقوف الساعي للأخذ أحال، لأن ذلك لا تستقيم به خلطة، وإنما الخلطة خلطة تستقرـ، وهذا خارج من المعنى المذكور في الحديث، وقوله: خشية الصدقة إنما هو ما يخشى مما لم ينزل بعد، وهذا بين.
ولا تحمي هذه الأمور إلا بالمساوة فيما بين المتهم وغيره، كما فعل الصديق في رد ما وهب في صحته ميراثا، حين لم يقبض قبل مرضه، وهو المرء غير المتهم على أثرة بعض، ورثته، ولكن لا تتم الحماية إلا بما صنع.
стр. 104
وكذلك نهى النبي ﵇ عمر عن شراء الفرس الذي تصدق به وظاهره بيع [وجعله] رجوعا في الصدقة وهو بيع.
ويتعلق بحو هذه شهادة الـ[ـرجل] على عدوه وشبه ذلك، فهي باطل، وجعل ذلك بابا واحد [سواء] من يتهم أو من لايتهم.
وقد أجمعوا على رد شهادة الرجل على عدوه وإن كان مقبولا على غيره، وهذا مما ذكرنا.
وقولك هل الوصية إقرار والإقرار وصية [فإن كان] الإقرار وصية [فلا تجز الإقرار في صحة ولا مرض] لوارث.
فيقال لك: [ليس الإقرار وصية، ونحن] إنما جعلناه إقرارا [لوارثه عند
стр. 105
عدم ما يبعد الظنة]، كما أجرنا الهبة الصحة لرفع ما يبطلها، وأبطلنا الإقرار عند موضع الظنة، كما تبطل الشهادة على عدوة بالظنة، وكما تبطل الهبة للوارث في المرض، وليست وصية.
فإن لم تجزها قيل لك مثل ما قلت: الهبة وصية أو غير وصية؟ فإن كانت وصية فلا تجزها للوارث في صحة ولا مرض، وإن كانت غير وصية فأجزها في المرض، فإن أجزتها للوارث في المرض قدت اصلك بهدم الأصول، وإنه ليلزمك أن تجيزهـ[ـبة] المريض لماله كله، لأن النبي ﵇ إنما منع سعدا من الوصية بأكـ[ـثر] من الثلث، والهبة غير الوصية، وأنت تطالب اللفظ دون المعنى.
ويلزمك أن تقول: إن قالت: كنت وهبت لابني في صحتي جميع مالي أنه يلزمه، إن لم تراع الحيازة التي راعاها الصديق، وجعل بقاءها إلى حين المرض تهمة يبطلها، وكذلك لو قال على أصلك: كنت [أعتقت] [جميع عبيدي أو] كنت تصدقت بجميع مالي.
وتكريرك لقولك: أرأيت الإقرار وصية؟ فإن كان وصية فلا يجوز في الصحة.
стр. 106
فقد فرقنا لك بينهما ودللناك على موضع تساوي العلل واختلافها، فتأمـ[ـل].
ويلزمك من السؤال في محاباة البيع في المرض للوارث والهبة له مـ[ـثل] سؤالك هل ذلك وصية أو بيع أو هبة، وقد تقدم هذا.
أرأيت [نهي] النبي ﵇ أن يباع الدينار بالدينارين، إن طالبت الأ [لفاظ دون] المعاني إن قال [خذ هبة] مني هذا الدينار، وأعطني دينارين [] منه [] اللفظ [] إلى الزيا [دة] [] فرقت [] المعاني التي [] اللفظ [] [] الظن حجة.
стр. 107
ويقال لك: هل البيع [هبة أو ليس هبة] فإن قلت: لا، قيل لك: فأجز ما سمياه هبة ولا تحكم له بحكم البيع.
وإن قلت: وإن لم تكن الهبة بيعا حكمت لها بحكم ما ذكر معهما، للظنة في إحداهما [لـ]ـلهبة في غير موضعها، قيل لك فألا قلت ذلك في الإقرار؟ وإن لم يكن وصية، فهو في موضع لا وجه لصرف الإقرار فيه إلا إلى ما نهي عنه من الوصية، وقد دللناك على قوة أحكام التهم في الأصول.
وقد قال الشافعي في المختصر الكبير، إذا أقر المريض لغير وارث ثم صار وارثا بطل إقراره، ولو أقر لوارث فلم يمت حتى حدث وارث حجبه فإقراره جائز، وقال أيضا: لا يجوز إقرار المفلس لابنه ولا لغيره، وهذا نحو قول مالك.
وهذا مما ذكرنا: أن هذا الرجل سمي كتابه " كتاب البيان عن مسائل اختلف فيها مالك والشافعي، وهما متفقان في بعضها، وقد طالب الشافعي التهم في هذا وفي
стр. 108
شهادة الابن والأب، وإن كان يأبى من ذلك في غيره من بيوع الآجال وغيرها، فما اوفقنا فيه حجة لنا عليه فيما [خالفنا] فيه من ذلك.
ورأيت من ينسب إلى صاحبك إجازة هبة [المريض لماله] كله، وما أعلم لهذا قائلا من سلف ولا خلف، [] اجتمع كل من يحفظ عنه العلم أن الهبة في المرض مثـ[ـل الوصية إنما تجوز في] الثلث.
وكذلك يلزم هذا الرجل ما ألزمناه من إجازة الهبة لوارثه، وكذلك يلزمه أن يخص عتق النبي ﵇ لثلث العبيد الذين أعتقهم الرجل الذي لا مال له غيرهم؛ أن
стр. 109
يخص بذلك العتق خاصة، وهذا كله من تلقي أمور الله ورسوله ﵇ بغير ما تلقاها السلف من المعاني، ورفع كثير من فائدة الخطاب المشتمل على المعاني إلى ما يغير ذلك، وهذا يؤدي إلى أمر يضيق عند التأمل وتتفاحش عواقبه أسأل الله السلا [مة] من كل فتنة وقولنا في إقرار المريض قول كثير من فقهاء [التابعين] [بالمدينة] والعراقيين وغيرهم، وقاله الشافعي.
وممن قال ذلك من رواية ابن وهب وغيره: يحيى بن سعيد والقاسم وسالم وغيرهم من تابعي المدينةن وقالها لنخعي وشريح وابن أذيتة والحكم وأبو هاشم، وقاله سفيان الـ[ـثوري] وأحمد بن حنبل وأهل العراق وقاله الحسن بن صالح، إلا في إقراره للز [وجة] بالصداق، فيجوز.
стр. 110
وما نسب إلى النخعي والحكم أنه قولهما، و [لم] يذكر إسنادا، وعندنا عنهما خلافه من رواية ابن وهب، وغيره.
ورو [ي] وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم، وسفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم قـ[ـال]: إذا أقر المريض لوارثه بدين لم يجز إلا ببنية.
وقد أبطل النبي عـ[ـليه] السلام شهادة الظنين، ودخل في ذلك ذو العداوة وشهادة الا [بن] والأب عند جملة من ينتهي إلى قوله من علماء الأمصار، وقد [ذكرنا] ذلك في باب آخر، فكذلك إذا اعترضت الظنة في الإقرار [لم] يجـ[ـز، و] كذلك إقراره لابنه في تفليسه.
следующие страницы →