Полный текст (9 651 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وقد استاك الرسول ﷺ مرارًا وهو صائم. وقال: ((خير خصال الصائم السواك))، وكان يفعله ويداوم عليه.
قال مالك: وأكره السواك بالعود الرطب؛ لأن له طعمًا وحرارة ينجلب بذلك البلغم.
م ولا ينقطع ذلك منه بعد فراغه من سواكه فيتقى أن يبتلع ريقه وطعمه في فيه. ابن حبيب: ولو مج ما يجتمع في فيه فلا شيء عليه، وهو في النافلة أخف، ويكره للجاهل الذي لا يحسن إلقاءه، وإن وصل ذلك إلى حلقه فليقض في الواجب ولا يكفر، وقد كان عروة بن الزبير يستاك بالسواك الرطب وهو صائم.
стр. 1122
[باب - ٦ -] ما جاء في الصوم والفطر في السفر ومن أفطر لعذر ثم زال عذره
[فصل - ١ - في حكم الصوم في السفر]
قال الله تعالى: ﴿ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ يعني بالقضاء فالفطر في السفر رخصة من الله تعالى، فمن شاء أخذ بها، ومن شاء أخذ بالعزيمة.
قال مالك ﵀: ومن سافر سفرًا مباحًا يقصر في مثله الصلاة فإن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ لأن الرسول ﷺ صام في السفر وأفطر. وقال ر جل للنبي ﷺ : أجد لي قوة على الصيام، فقال له النبي ﷺ : ((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)). وقال في غزوة حنين /: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)). وقال أنس بن مالك: كانوا يرون الصيام أفضل.
стр. 1123
قال عبد الوهاب: والفرق بينه وبين الفطر أنه إذا صام فقد أتى بالعبادة في وقتها وبرئت ذمته منها، وإذا أفطر فهي متعلقة بذمته، وأداء العبادة في وقتها أفضل من تأخيرها، فلذلك استحب مالك الصوم في السفر.
ومن المدونة قال مالك: الصوم في السفر لمن قوي عليه أحب إلي. وقاله أشهب. قال: وذلك أنه في حرمة الشهر، والمفطر فيه يكفر، ولا يكفر في قضائه، فحرمة قضائه دون حرمته، فكذلك أجره فيه يرجى أن يكون أكثر من قضائه، كما أن الخطيئة فيه أعظم، وقاله مالك، وكل واسع، وقال ابن حبيب: الصوم له أفضل، إلا في الجهاد، فإن الفطر فيه أفضل؛ ليتقوى على العدو، كما أن فطر / يوم عرفة للحاج أفضل.
م وقول الرسول ﷺ في غزوة حنين: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)) يدل على خلاف ما استحب. ابن حبيب قال: وقد استحب كثير من السلف الفطر في السفر، وهو أشبه بتيسير الدين؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾.
стр. 1124
وكان ابن عمر يفطر / في السفر على شدته، وهو آخر فعل النبي ﷺ عام الفتح.
قال مالك في المختصر وغيره: إنما يفطر في سفر الإقصار، في ثمانية وأربعين ميلاً وما قاربها. قال: وإن قدم بلدًا فنوى أن يقيم بها اليوم واليومين فليفطر حتى ينوي إقامة أربعة أيام فيلزمه الصوم، كما يلزمه الإتمام.
[فصل - ٢ - في زمن الفطر لمن أراد السفر]
ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في السفر صائما في رمضان ثم أفطر لعذر من عطش أو مرض فليقض فقط، وروى أشهب: أن النبي ﷺ أفطر بالكديد من عطش أصاب الناس.
قال مالك: وإن تعمد الفطر لغير عذر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان في
стр. 1125
سعة أن يفطر أو يصوم، فلما صام / لم يكن له أن يخرج منه إلا لعذر. وقال المخزومي وابن كنانة: لا يكفر. وقال أشهب: إن تأول له الفطر؛ لأن الله تعالى قد وضع عنه الصيام. وقال ابن القاسم في العتبية: إن مالكًا والليث قالا في من بيت الصوم في السفر ثم أفطر متأولا بأكل أو جماع: أن عليه الكفارة.
ومن المدونة قال مالك وأشهب: وإن أفطر متأولا بعد دخوله الحضر فليكفر، ولا يعذر أحد في هذا.
قال مالك: وإن أصبح في حضره صائمًا في رمضان وهو يريد سفرًا فلا يفطر ذلك اليوم قبل خروجه، ولا أحب له أن يفطر بعد خروجه، فإن أفطر بعد أن سافر لزمه القضاء بلا كفارة؛ لأنه كان من أهل الصوم، فخرج مسافرًا فصار من أهل الفطر، فمن ها هنا سقطت عنه الكفارة. وقال المخزومي وابن كنانة: عليه القضاء والكفارة؛ لأن الصوم وجب عليه في الحضر. قال مالك في المختصر: وإن أفطر قبل خروجه فعليه الكفارة. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أكل قبل
стр. 1126
خروجه ثم خرج لسفره فلا كفارة عليه؛ لأنه متأول. وقاله ابن الماجشون في المجموعة، قال: وقد فعله أنس بن مالك. قال ابن الماجشون: إلا أن يكسل عن السفر في يومه فلا بد من الكفارة. وقال أشهب: لا يكفر خرج أو لم يخرج؛ لأنه غير منتهك.
م وتحصيل اختلافهم أن المسألة على أربعة أوجه: أصبح صائمًا في السفر ثم أفطر، أو أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر فأفطر، أو أفطر ثم سافر، أو أفطر ولم يسافر، ففي كل وجه قولان: قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر. وروي عن مالك في مسافر أصبح في السفر صائمًا فجهده الصوم فمد يده إلى الطعام ليأكل ثم ذكر أنه لا ماء معه فترك، قال: أحب إلي أن يقضي. قال أبو محمد: وأعرف رواية أخرى أنه لا قضاء عليه، وهو جل قوله؛ لأن النية لا توجب شيئًا حتى يقارنها عمل، وكذلك في غير الصوم حتى يدخل في عمل أو قول بنية.
[فصل - ٣ - في المسافر يعلم أنه يدخل بيته نهارصا أيصوم أو يفطر؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن علم في رمضان أنه يدخل / بيته من سفره أول النهار فليصبح صائمًا، وفعله عمر بن الخطاب ﵁ وابن عمر. قال
стр. 1127
ابن عمر: من شاء صام ومن شاء أفطر.
قال مالك: فإن أصبح ينوي الإفطار ثم دخل بيته قبل طلوع الشمس فنوى الصوم لم يجزئه، وعليه قضاؤه وله أن يأكل في بقية / يومه، ويطأ امرأته إن وجدها قد طهرت، أبو محمد: قال بعض أصحابنا: فإن كانت نصرانية وهي طاهرة في يومها فليس له وطؤها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم. قال ابن القرطي: وكذلك إن وجدها قد طهرت من يومها فلا يطأها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم.
قال بعض فقهائنا: إنما يجوز وطؤها إذا كانت كما طهرت، كما لو كانت مسلمة، وأما إن كانت طاهرة قبل قدومه فلا يطأها؛ لأنها متعدية.
[فصل - ٤ - في من أفطر في رمضان لعذر ثم زال هل يلزمه الإمساك بقية النهار؟]
قال ابن حبيب: ومن أفاق من إغماء أصابه نهارًا أو امرأة طهرت من حيض أو حاضت فلا / يؤمروا بالكف عن الأكل. قال: وأما إن أفطر من عطش أصابه فشرب فزال عطشه فلا يفطر بعد ذلك، فإن أفطر لم يكفر؛ لأنه كالمريض. وقال ابن سحنون عن أبيه: له أن يتمادى مفطرًا ويطأ ويأكل، وعاب قول من قال: لا يفعل.
م وقول ابن حبيب هنا كقوله في المضطر لا يأكل من الميتة إلا ما يقيم به رمقه. وقول مالك: إنه يشبع منها ويتزود، فإن احتاج إليها، وإلا طرحها.
стр. 1128
قال عبد الوهاب: من أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه فذلك على ضربين: فإن كان عذرًا يبيح له الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان لم يلزمه أن يمسك بقية يومه، كالحائض والمريض والمسافر، وإن كان عذرًا إنما ساغ له الفطر لعدم العلم بأنه من رمضان ثم علم أو تسحر بعد الفجر ولم يعلم أو أكل سهوًا وشبه ذلك فإن زوال العذر يوجب الإمساك.
قال مالك في المجموعة: ومن أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه من عطش شديد أو مرض ثم تلذذ بإصابة أهله بعد ذلك فأخاف عليه الكفارة. قال عبد الملك: إن بدا بإصابة أهله كفر، وإن بدأ بأكل وشرب لم يكفر، وإن أصاب أهله بعد ذلك.
[فصل - ٥ - في من صام في سفر تطوعًا فأفطر هل عليه قضاء؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في الحضر صائما متطوعًا ثم سافر / فأفطر أو صام في السفر متطوعًا ثم أفطر، فإن كان من عذر فلا قضاء عليه، وإلا فليقض.
قال في المجموعة: ومن نذر صوم الاثنين والخميس فسافر فإن لم تكن له
стр. 1129
نية فليصمها، فإن شق عليه فليفطر ويقض.
في المختصر: ومن سافر في شهري ظهاره فأفطر فليبتد، بخلاف المريض. وقال في كتاب الظهار: إن سافر فيهما فمرض فأخاف أن يكون السفر هيج عليه مرضه، ولو أيقنت أن ذلك لغير حر أو برد أهاجه السفر لأجزأه أن يبني، ولكني أخاف، وبالله التوفيق.
стр. 1130
[باب - ٧ -] في صوم يوم الشك ويوم الفطر والأضحى وفطر المتطوع والتباس الشهور
[فصل في حكم صيام يوم الشك]
روى أشهب عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)). وروى ابن القاسم: عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)). ونهى ﵇ عن صيام يوم الشك.
قال مالك: ولا ينبغي أن يصام اليوم الذي من آخر شعبان الذي يشك فيه أنه من رمضان، يريد احتياطًا، ويجوز تطوعًا. قال في الواضحة: ومن
стр. 1131
صامه حوطة ثم علم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى ما أفاق لذلك، وكذلك إن صام يوم واحد وثلاثين خوفًا أن يكون أول يوم من صيامه لم يكن من رمضان فليفطر إذ لا يجوز له صوم يوم الفطر.
قال عبد الوهاب: وقال بعض أصحابنا /: ويكره أن يصام تطوعًا، فوجه قول مالك: "إنه يصام تطوعًا" لقوله ﵇: ((إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم فليصمه))؛ ولأنه يوم يحكم له بأنه من شعبان فيصح صومه، أصله إذا وافق / صوما كان يصومه.
ووجه الكراهية: وهو قول محمد بن سلمة والشافعي: أنه ﷺ نهى عن صيام يوم الشك فعم؛ ولأن عمار بن ياسر امتنع أن يصومه، وقال: من صام هذا اليوم فقد عصا أبا القاسم ﷺ . ووجه قوله أيضًا: إنه لا يصام احتياطًا. وأبو حنيفة يجيزه قوله ﵇: ((فإن غم عليكم فأكملوا
стр. 1132
العدة))، ولم يقل: صومه / حوطة.
ومن المدونة قال مالك: ومن صامه حوطه أو تطوعًا ثم ثبت أنه من رمضان فليقضه. قال مالك: ومن أصبح فيه ينوي الفطر ولا يعلم أن يومه ذلك من رمضان ثم علم أول النهار أو آخره قبل أن يأكل أو يشرب أو بعد ما أكل أو شرب فليكف عن الأكل بقية يومه ويقضيه، ثم إن أكل بعد علمه بذلك لزمه القضاء بلا كفارة، إلا أن يأكله منتهكًا لحرمته عالمًا بما على متعمد الفطر فيه فليكفر.
[فصل - ٢ - في من صام يوم العيد ثم أفطر: لعلمه النهي هل يقضيه؟ وفي قضاء التطوع]
قال مالك: ومن أصبح يوم الفطر أو يوم الأضحى صائمًا ثم علم أنه لا يجوز صومهما؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك فأفطر، فلا قضاء عليه.
قال ابن القاسمك وأما من صام يومًا غيرهما متطوعًا فأفطر فعليه القضاء في قول مالك، وروى ابن وهب أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي إليهما طعام فأفطرتا عليه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((أقضيا يومًا مكانه)).
стр. 1133
قال مالك: ولا ينبغي أن يفطر من صام متطوعًا، إلا لضرورة، وبلغني أن عبد الله بن عمر قال: من صام متطوعًا ثم أفطر من غير ضرورة فذلك الذي يلعب بصومه.
قال في العتبية: وأن حسين بن رستم حضر صنيعًا عن رجل له شرف فأراده على الفطر وألح عليه وصيامه تطوع فأبى وقال: أكره أن أخلف الله ما وعدته.
ابن حبيب: وإن حلف عليه رجل بالطلاق أو العتق فليحنثه، ولا يفطر، إلا أن يكون لذلك وجه، وإن عزم عليه أبواه فأحب إلي أن يطعيهما وإن لم يحلفا إذا كان رأفة منهما لإدامة صومه.
ومن / المدونة قال ابن القاسم: ومن أصبح صائمًا ينوي به قضاء يوم عليه من رمضان، ثم ذكر أول النهار أنه قد كان قضاه، فلا يجوز له أن يفطر. أبو محمد: يريد فإن أفطره فعليه قضاؤه. قال: وقال أشهب: لا أحب
стр. 1134
له أن يفطر، فإن أفطر فلا قضاء عليه، وهو كمن شك في الظهر فأخذ يصلي، ثم ذكر أنه قد صلى فلينصرف على شفع أحب إلي، فإن قطع فلا شيء عليه.
م ولمالك نحوه، وهو أصوب؛ لأن هذا اليوم إنما التزمه ظنًا منه أنه عليه، فإن أفطره لم يقضه، كما قال في الصلاة، وفي العتبية: لو ذكر العصر فلما صلى منها ركعة ذكر أنه صلاها، قال: يشفعها بأخرى، وليس كمن قصد النفل بعد العصر، ومثله. ذكر ابن حبيب عن مالك قال: وإن ذكر قبل أن يركع قطع، ولو كانت غير العصر لتنفل على إحرامه ركعتين. ومن المجموعة: ابن نافع عن مالك في المفطر متعمدًا في التطوع: فليس لكفه عن الطعام بعد ذلك وجه، وقد أساء ويقضي. قال ابن وهب عن مالك في الرجل تأمره أمه بالفطر: فإن كان ممن يسرد الصوم أو يكثر فليطعها، وقد فعل ذلك رجال من أهل العلم بأمهاتهم.
стр. 1135
فصل / - ٣ - [في التباس شهر رمضان بغيره]
ومن المدونة وإذا التبست الشهور على أسير أو تاجر أو غيره في أرض العدو فصام شهرًا ينوي به رمضان، فإن كان قبله لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه. أبو محمد: وإن لم يدر أصام قبله أو بعده فذلك يجزئه حتى ينكشف له أنه صام قبله، وقاله أشهب وعبد الملك وسحنون. وقال ابن القاسم: يعيد؛ إذ لا يزول فرض بغير يقين. وقول أشهب: أبين؛ لأنه قد صار فرضه. الاجتهاد، وهو قد اجتهد وصام فهو على الحق حتى ينكشف خلافه، أصله من اجتهد في يوم غيم وصلى فلم يدر أصلى قيل الوقت أو بعده.
قال: ولو صام ثلاثة أعوام شعبان فليعد الشهر الأول ثم كل شعبان بعده قضاء عما قبله. أبو محمد يريد بقوله: يعيد الشهر الأول، أي يلغي شعبان الأول، ويكون الثاني قضاء عن رمضان الأول، وشعبان الثالث قضاء عن رمضان الثاني، ويبقى عليه رمضان الثالث فيقضيه. وقيل: يقضي جميع الشهور لاختلاف نيته في ذلك؛ لأن شعبان الثاني لم ينوه لرمضان الأول، وشعبان الثالث لم ينوه لرمضان الثاني. قال ابن أبي / زمنين: وهذا
стр. 1136
القول هو الصواب عند أهل النظر، ولو صام شوالاً سنين قضى يومًا واحدًا من كل شهر، وهو يوم الفطر. قال ابن عبد الحكم: ولو كان شوال هو الذي صامه ثلاثين يومًا ورمضان تسعة وعشرين فلا قضاء / عليه؛ إذ ليس عليه إلا عدة ما أفطر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو صام شهرًا تطوعًا أو لنذره فإذا هو رمضان ولم يعلم لم يجزئه عن رمضان ولا لنذره، وعليه قضاؤهما.
قال في العتبية: ولو صام شهرًا لنذر عليه فإذا هو رمضان ولم يعلم به لم يجزئه لرمضان ولا لنذره.
م لأنه لم ينو به رمضان، ولا يصح فيه صوم غيره.
стр. 1137
[باب - ٨ -] في صيام الجنب والحائض والمغمى عليه والمجنون والصبيان
[فصل - ١ - في حكم صيام من أصبح جنبًا. وأدلة ذلك]
روى ابن وهب عن عائشة أن الرسول ﷺ واقع أهله ليلاً ثم نام فلم يغتسل حتى أصبح فاغتسل وصلى، ثم صام يومه ذلك. وروى مالك في الموطأ عن عائشة ﵂ وأم سلمة زوجي النبي ﷺ أنهما قالتا: إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم. وكان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فأخبر بقول عائشة وأم سلمة هذا، فقال: لا علم لي، إنما أخبرنيه مخبر.
قال مالك: قالت عائشة: وأن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ : ((وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم فأغتسل وأصوم ذلك اليوم))، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله
стр. 1138
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)).
ومن المدونة قال مالك ﵀: ولا بأس أن يصبح الرجل جنبًا في رمضان.
م يريد بالإصباح طلوع الفجر.
قال أشهب: ولم يختلف العلماء في صيام الجنب أنه يجزئه، وهو كمن صام على غير وضوء. قال: ولو أقام جنبًا بقية نهاره لم يفسد / صومه ولا قضاء عليه.
قال عبد الوهاب: ومن احتلم في نهار رمضان لم يفسد ذلك صومه، ولا قضاء عليه؛ لما روي ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر الاحتلام، وللإجماع على أن المراعاة في ذلك سبب يكون من المفطر، والاحتلام ليس من سببه. وأما الحيض والنفاس فلا / خلاف أنه يفسد الصوم، ويجب قضاؤه. وقد قالت عائشة ﵂: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
стр. 1139
والفرق بينهما لحوق المشقة في قضاء الصلاة لتكررها والصوم لا يتكرر.
[فصل - ٢ - في أحكام الحائض في رمضان]
ومن المدونة قال مالك: وإن حاضت امرأة أو طهرت في رمضان أول النهار أو آخره فلتفطر بقية يومها، وكذلك إن رأت الطهر بعد الفجر. وأنكر في المجموعة ما قيل عن الأوزاعي: إن لم تكن أكلت فلتتم صيام ذلك اليوم، قال: ولقد احتمل عظيمًا من أفتى بهذا قال: وإن كان لرجلاً صالحًا، ولكنكم كلفتموه فتكلف. ومن المدونة قال: وأما إن رأته قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر وأجزأها صومها. وقاله ابن القاسم وأشهب وعبد الملك في المجموعة. قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن سلمة: لا يجزئها. ودليلنا: أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها إلا التطهير، كالجنب.
ومن المدونة قال مالك: وإن استيقظت بعد الفجر فشكت أطهرت قبل الفجر أو بعده؟ فلتصم يومها ذلك، وتقضيه إذ لا يزول فرض بغير يقين، فأمرها بالقضاء خوفًا أن يكون طهرها بعد الفجر، وأمرها بالصوم خوفًا أن
стр. 1140
يكون طهرها قبل الفجر.
قال عبد الملك في المجموعة: وإن طهرت قبل الفجر فأخذت في الطهر حين رأته بغير توان فلم تتم إلا بعد الفجر فهي فيه كالحائض.
م والظاهر من المذهب ألا يراعى فراغها من الغسل في الصوم، بخلاف الصلاة، والفرق بينها أن الصلاة لا تصح إلا بغسل فلذلك قدر لها الوقت بعد فراغها منه مجتهدة، والصوم يصح بغير غسل فلا / يحتاج إلى تقدير الفراغ منه، بل بارتفاع الحيض يصير حكمها حكم الجنب. والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإذا رأت المرأة في ثوبها دم حيض في رمضان لا تدري متى أصابها وصلت كذلك أيامًا فلتطهر وتقضي يومًا واحدًا من الصوم، وتعيد الصلاة من أحدث لبسة لبسته، هذا إن كانت تنزعه، وإن كانت لا تنزعه فتعيد الصلاة من أول ما لبسته.
قال مالك في المختصر: وإذا رأت الحامل الدم فلتفطر ما لم يطل بها الدم، ولا تفطر إذا رأت الماء الأبيض.
стр. 1141
فصل - ٣ - [في أحكام المغمى عليه في رمضان]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه ليلا في رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق إلا عند المساء أو بعد ما أضحى لم يجزئه صوم ذلك اليوم ويقضيه.
م إنما قال ذلك؛ لأن الإغماء معنى ينافي التكليف فخرج من وجد به أن يكون من أهل النية، فإذا أفاق وجب عليه قضاء ما أغمي عليه فيه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن لا قضاء عليه.
دليلنا أن الإغماء مرض منعه الصوم، فوجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد / صومه فلزمه قضاؤه عند زواله، كالحيض.
قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض من مضى من أهل العلم أنه قال: من أغمي عليه قبل الفجر فلم يفق إلا بعده لم يجزئه صومه، وهو بخلاف النائم؛ لأنه لو نام قبل الفجر فانتبه عند الغروب أجزأه صومه، ولو كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزئه صومه.
стр. 1142
م والفرق بينهما أن النوم أمر لازم لنا، فلو لم يجز الصوم إلا من كان منتبهًا قبل الفجر إلى ما بعده لأدى ذلك إلى الحرج، والله تعالى رفعه عنا، والإغماء غير ملازم، وإنما هو أمر طارئ فافترقا؛ ولأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصح له نية، والنائم مكلف؛ لأنه لو نبه لانتبه.
قال ابن/ القاسم: وإذا أفاق المغمى عليه بعد أيام لم يجزئه صوم يوم إفاقته؛ لأنه لم يبيت الصوم.
قال مالك: وإن أغمي عليه بعد أن/ أصبح ونيته الصوم فأفاق نصف النهار أو أغمي عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه صوم ذلك اليوم. قال: وإن أغمي عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزئه صومه؛ لأنه أغمي عليه قبل طلوع الشمس أكثر النهار. وقال أشهب:
стр. 1143
هذا استحسان، ولو اجتزأ به ما عنف. وقال ابن نافع في غير المدونة: يجزئه صومه. قال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون.
م وهو أصوب.
قال ابن الماجشون: والإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، إنما ذلك إذا تقدمه مرض أو كان بإثره متصلاً، وأما ما قل من الإغماء ولم يكن لمرض فهو كسكر أو نوم، فلو طلع عليه الفجر وهو كذلك ثم تجلى عنه أنه يجزئه صومه. وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينظر في ذلك إلى المرض، وكذلك قال ابن القاسم وأشهب.
م وهو أصوب؛ لأنه خرج من حد التكليف.
وقال محمد بن عبد الحكم: القليل من الإغماء والكثير سواء، وعليه القضاء وإن كان بعد العصر.
م إنما يفسد صومه عدم النية فإذا صحت نيته لم يفسد صومه ولو
стр. 1144
أغمي عليه نهاره كله، كمريض في نهار رمضان لم يأكل ولم يشرب فإنه يجزئه صومه.
ووجه قول ابن عبد الحكم: أن الإغماء معنى يمنع إنعقاد الصوم فيه، فوجب أن لا يفترق قليله من كثيرة أصله الحيض.
فصل -٤ - [في أحكام المجنون في الصوم]
ومن المدونة قال مالك: ومن بلغ وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق فليقض صوم تلك السنين، ولا يقض الصلاة، كالحائض، ولم يختلف فيها.
م وأيضًا فإن الله تعالى إنما خاطب بالصلاة ذوي العقول، فقال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ والإيمان هو الإخلاص، فلما كان المجنون لا يفهم الإخلاص فكأنه غير مخاطب بالصلاة، وأما الصيام فوجب عليه قضاؤه؛ لأنه كالمريض. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وكذلك/ القول في المغمى عليه، وهما بخلاف النائم؛ لأن النائم يستطاع إنباهه في وقت الصلاة فتوجه عليه الخطاب، ولا يستطاع إزالة الجنون والإغماء فانتفى عنهما التكليف في تلك الحال. وقال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما يقضي الصوم في مثل خمس سنين ونحوها، فأما عشر أو خمس عشر فلا قضاء عليه، وذكره عن مالك.
стр. 1145
وقاله أصبغ.
م ورواية ابن القاسم أعدل. ورواية ابن حبيب استحسان.
فصل -٥ - [في وقت وجوب الصوم على الصغير]
ومن المدونة قال مالك: ولا يؤمر الصبيان بالصيام حتى تحيض الجارية ويحتلم الغلام، بخلاف الصلاة.
م وفي رواية ابن وهب: يجب عليهم إذا بلغوا، وهو معنى رواية ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يجب عليهم إلا بالبلوغ، ويستحب لهم بالطاقة عليه.
م والفرق بين الصيام والصلاة أن الصيام لا كبير تعليم فيه، إنما هو الإمساك واجتناب النساء، والصلاة تحتاج إلى علوم فأمروا بها قبل البلوغ حتى لا يأتي الاحتلام إلا وهو قد تعلم فرائضها وسننها وجميع أوقاتها، هذا من طريق المعنى، وأما من طريق السنة فإن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فذكر الصبي حتى يحتلم، فكان الأصل أن لا يؤمر بشيء حتى يتوجه عليه الفرض، فخرج الأمر بالصلاة من ذلك بالسنة، وهو قوله ﵇: ((مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).
стр. 1146
وبقي ما سواه على أصله/.
قال ابن حبيب: وكان عروة بن الزبير يأمر/ بنيه بالصلاة إذا عقلوا، وبالصيام إذا أطاقوا. قال ابن الماجشون: يلزمهم إذا أطاقوه، ويؤمروا بقضاء ما أفطروا بعد الطاقة، إلا ما كان من غلبة أو عجزت عنه طاقتهم.
م ووجه هذا: أن الصوم فرض على الأعيان فوجب على الصبيان إذا أطاقوه أصله الصلاة.
قال ابن حبيب: وإذا بلغ الغلام والجارية جبرا على الصوم/ أطاقاه أو لم يطيقاه، وإن تأخر الاحتلام والحيض فإذا بلغا خمس عشرة سنة من المولد، فإن جهل المولد فإذا انبتا، فإن لم ينبتا حملا على التقدير والتحري، إلا أن يطيقا دون ذلك. قال أبو محمد: المعروف من قول مالك وأكثر أصحابه: أنه إذا فقد الحيض والاحتلام والإنبات رفعا إلى سن لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبعة عشرة سنة إلي ثماني عشرة سنة أكثره، وما روي أن النبي ﷺ أجاز ابن عمر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فليس فيه حجة؛ لأنه ﷺ لم يسأله
стр. 1147
ولا غيره عن مولده، وإنما نظر فمن أطاق القتال بمرأى العين أجازه. والذي جاء في الحديث ((انظروا إلى مؤتزره فمن جرت عليه المواسي فاضربوا عنقه))، هو أولى، والبلوغ أقصى ذلك، إلا أن ما يكون عليه من حد وقتل فيتهم أن لا يقر بالاحتلام فيعمل فيه بالإنبات، وما كان من شيء بينه وبين الله قيل له: إن بلغت لزمك هكذا. قال يحيى بن عمر: وهو قول حسن، وقال بعض أصحابنا: إذا احتلمت المرأة ولم تحض فهو بلوغ أيضًا.
ومن المجموعة: قال أشهب: ومن أسلم قبل الفجر فليصم ذلك اليوم، وإن أسلم بعد الفجر فله أن يأكل ذلك اليوم ويشرب.
стр. 1148
[باب -٩ -] في من أفطر ناسيًا أو متأولاً أو مكرهًا
[فص -١ - في حكم من أفطر في رمضان ناسيًا]
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، وقال الرسول ﵇: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، يريد في فرع المأثم.
قال مالك: فمن أكل أو شرب أو جامع في رمضان ناسيًا فعليه القضاء فقط.
م لأن الكفارة إنما وضعت لرفع المأثم، وهذا لا إثم عليه؛ لأنه لم يتعمد ذلك فسقطت عنه الكفارة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء على الآكل ناسيًا، وقد تقدمت الحجة في ذلك في باب السحور. ووافقونا في الواطئ أن عليه القضاء.
وقال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل: عليه/ القضاء والكفارة. ودليله قوله ﷺ للذي قال له: ((وطئت في رمضان أعتق رقبة))، ولم يقل إني وطئت عمدًا؛ ولأنه مكلف جامع في رمضان فوجبت عليه الكفارة أصله العامد؛ ولأنه لو جامع في رمضان عامدًا لزمته الكفارة، فكذلك لو وطئ ناسيًا.
стр. 1149
دليله: الحج. ودليلنا قوله ﷺ : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولأن المتعمد تجب عليه الكفارة، كالآكل عامدًا، فوجب أن لا يكون على الناسي كفارة، كالآكل ساهيًا، فإذا ثبت ذلك؛ لما رووه من الحديث، فمحمول أنه وطئ عمدًا، وعلم النبي ﷺ منه ذلك. وأما اجتجاجهم بالحج فالحج سهوه وعمده سواء، والصوم بخلافه، دليله الأكل فيه أن عمده مخالف لسهوه.
قال/ ابن الماجشون: وأما من طلع عليه الفجر وهو يطأ، ولم يعلم، ثم تبين له أنه وطئ بعد طلوع الفجر فلا كفارة عليه، بخلاف العامد؛ لأنه كان على أصل حتى يتبين له الفجر، وكذلك من ظن أن الشمس قد غربت فوطئ ثم ظهرت؛ لأنه مأمور بتعجيل الفطر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظن الذي وطئ أو أكل ناسيًا أن ذلك يفسد صومه فتعمد الأكل ثانية فعليه القضاء بلا كفارة. وقد قال مالك في امرأة رأت الطهر ولم تغتسل/ حتى أصبحت فظنت أن لا صوم لمن لم
стр. 1150
يغتسل قبل الفجر فأكلت، وفي مسافر قدم إلى أهله ليلاً فظن أن أن لم يدخل نهارًا قبل المساء أن صومه لا يجزئه، وله أن يفطر فأفطر، وفي عبد بعثه سيده يرعى له غنمًا على مسيرة ميلين أو ثلاثة أميال فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة.
م لأن الكفارة إنما هي على منتهك حرمة الشهر، وهؤلاء غير منتهكين له. وقال ابن الماجشون والمغيرة في المجموعة: إن من أفطر ساهيًا، ثم أكل بعد ذلك أو وطئ متأولا فليكفر. وقال عنه ابن حبيب: أما إذا وطئ متأولا فلابد من الكفارة، وإن أكل ثانية متأولا لم يكفر.
م فوجه ما في المجموعة: أن فطره ناسيًا لا يبطل صومه؛ لأن صومه منعقد والنسيان محمول عنه فتأويل الفساد فيه تأويل بعيد، ووجه التفرقة بين الأكل والجماع، فلأن عبد الملك لا يعذره/ في الجماع ناسيًا، فجماعه متأولا أحرى.
م والقياس أن يعذر في الوجهين؛ لأنه غير منتهك، وقد عذره ابن القاسم في أبعد من هذا. قال في من احتجم فتأول أنه قد أفطر فأفطر: إنه
стр. 1151
يعذر، وعذر أشهب الذي رأى هلال رمضان وحده ثم أفطر، وتأويل هذين أبعد من تأويل من أكل ناسيًا ثم أكل أو جامع متأولا.
[فصل -٢ - في حكم من أفطر في رمضان متأولا]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يجعل الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا في امرأة قالت: اليوم حيضتي، وكان ذلك يوم حيضتها فأفطرت أول النهار ثم حاضت في آخره، والذي يأكل في رمضان أول النهار متعمدًا ثم يمرض في آخره مرضًا لا يقدر على الصوم معه، فقال: عليهما القضاء والكفارة. وقاله المخزومي. وقال ابن عبد الحكم: يعذر صاحب حمى الربع والحائض تقول اليوم حيضتي فتحيض بالتأويل.
م وهو أقيس، ووجه الأول أنهما تأولا أمرًا لم ينزل بعد بهما، وهو قد يكون أولا يكون، فأصلهم في مثل هذا أن لا حكم له.
قال ابن حبيب: كل متأول في الفطر فلا يكفر إلا في التأويل البعيد، مثل: أن يقول اليوم تأتيني الحمى أو تقول المرأة اليوم أحيض أو يحتجم أو يغتاب فيتأول أن له الفطر بذلك، فلا يعذر بهذا. وقال ابن القاسم في العتبية في من
стр. 1152
احتجم فتأول أن له الفطر فأكل فليس عليه إلا القضاء. قال أصبغ: هذا تأويل بعيد.
فصل -٣ - [في حكم الصائم يكره على الفطر بأكل أو شرب أو جماع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان فعليه القضاء بلا كفارة، وكذلك لو فعل به ذلك في نذر متتابع أو غير متتابع أو في صيام ظهار أو صيام كفارة القتل فعليه القضاء، ويصله بما كان من الصوم متتابعًا، وإن كان صومه تطوعًا فلا قضاء عليه عند مالك، ولو جومعت نائمة في نهار رمضان فعليها القضاء فقط؛ لأنه كالإكراه. قال ابن حبيب: ويكفان عن الأكل بقية يومهما، والكفارة عنهما على من فعل ذلك/ بهما.
стр. 1153
[باب -١٠ -] في صيام الحامل والمرضع والكبير والمريض وذات الزوج
[فصل -١ - في خلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ هل هي منسوخة أو للشيخ والشيخة]
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
قال مالك: كان أول الأمر أن من أراد أن يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا فعل، ثم نسخ ذلك بقوله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقيل: إنها لم تنسخ. وقال عكرمة: نزلت في الحبلى والمرضع والشيخ والشيخة. وكان ابن عباس يقرؤها ((وعلى الذين يطيقونه ولا يطيقونه)) ويقول: إنها في الشيخ والشيخة. قال ابن بكير: وهذا محال أن يطوق من لا يطيق؛ والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية. فكيف يقال: هذا لمن لا يطيق الصوم. فأما الحامل فلها حكم/ المريض، ولما أشكل أمر المرضع أن تكون داخلة في قوله
стр. 1154
تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. وأنها لم تنسخ عنها أو تكون داخلة في معنى المسافر والمريض؛ للضرورة التي تخشى على ولدها. جعل مالك عليها الأمرين القضاء والإطعام احتياطًا. وبالله التوفيق.
ابن حبيب: وروي عن ابن عمر وابن عباس وكثير من التابعين: أنهم قالوا في الحامل والمرضع والمستعطش يفطرون ويطعمون يريد مدًا لكل يوم مسكين. وقال القاسم وسالم: لا إطعام عليهم واجب. وكان أنس بن مالك: إذ كبر يفطر ويطعم مدًا لكل يوم.
قال ابن وهب عن مالك: لا إطعام على المستعطش. قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر أن يقضي فذلك عليه.
[فصل -٢ - في أحكام الحامل في رمضان]
ومن المدونة قال مالك ﵀: الحامل كالمريضة إن خافت إذا صامت أن تسقط فلتفطر فإذا صحت وقويت قضت ما أفطرت ولا إطعام
стр. 1155
عليها؛ لأنها مريضة. قلت: فلو كانت الحامل صحيحة فخافت إن صامت أن تطرح ولدها، قال: إذا خافت أن تسقط أفطرت؛ لأنها لو أسقطت كانت مريضة.
ابن وهب: وقد كان مالك يقول في الحامل تفطر وتطعم، ويذكر أن ابن عمر قاله. قال أشهب: وهو أحب إلي من غير إيجاب؛ لأنه فرض. وأما الصحيحة تخاف إن صامت أن تسقط ولدها فيستحب/ لها أن تطعم؛ لأنها في الحال صحيحة، وإنما يتوقع أمرًا يكون أو لا يكون، وهذا لا حكم له، فأما من أثقلت وصارت في حد المرض فهي كالمريضة، والمريضة لا إطعام عليها. قال ابن حبيب: إن خافت على نفسها فلتفطر ولا تطعم، وإن خافت على ولدها أطعمت مدًا لكل يوم، وإن أمنت في الوجهين فلا تفطر. وقال في المرضع: إذا أفطرت وأمكنها القضاء ففرطت حتى دخل
стр. 1156
رمضان آخر فلتطعم عن كل يوم مدين مدًا للرضاع ومدًا للتفريط.
[فصل -٣ - في أحكام المرضع والكبير في رمضان]
قال مالك: وأما المرضع إذا خافت على ولدها فإن قبل غيرها وقدرت أن تستأجر له أوله مال فلتستأجر وتصم، فإن لم يقبل غيرها أفطرت وقضت، وتطعم لكل يوم أفطرته مدًا لكل مسكين؛ لأنها صحيحة، والحامل مريضة.
قال ابن حبيب: فإن فرطت حتى دخل عليها رمضان آخر فتطعم عن كل يوم مدين مدًا للرضاع ومدًا للتفريط.
ومن المدونة روى ابن وهب: أن القاسم وسالماً قالا: من أدركه الكبر فضعف عن صوم رمضان فلا فدية عليه.
فصل -٤ - [في أحكام المريض في رمضان]
ومن المجموعة قال أشهب في مريض لو تكلف الصوم لقدر عليه أو الصلاة قائمًا لقدر إلا أنه بمشقة وتعب: فليفطر، ويصلي/ جالسًا، ودين الله يسر.
стр. 1157
قال مالك: رأيت ربيعة أفطر في رمضان لمرض به لو كان غيره لقلت: يقوى على الصوم، وإنما ذلك بقدر طاقة الناس.
قال أبو محمد: من قول أصحابنا: أن المريض إذا خاف إن صام يومًا أحدث عليه زيادة في علته أو ضررًا في بصره أو غيره من أعضائه فله أن يفطر.
وفي المجموعة: قال ابن وهب: سئل مالك عمن أصابه عطش شديد أيفطر؟ قال: الله أعلم بخلقه، وما أذن لهم فيه، ثم قال: قالت عائشة: لو نهى الناس عن حاجم لقال قائل: لو ذاقه.
[فصل -٥ - إذا علمت المرأة أن زوجها يحتاج إليها فلا تصوم تطوعًا إلا بإذنه]
ومن المدونة قال مالك: وإذا علمت المرأة أن زوجها يحتاج إليها فلا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وإن كان لا حاجة له فيها فلا بأس أن تصوم بغير إذنه.
ابن حبيب: وكذلك إن كان مسنًا لا ينشط فلا إذن له عليها. قال: وأم الولد والسرية كالزوجة. ومن السليمانية قلت: فإن استأذنته/ في الصوم، فقال لها: لا تصومي فإني احتاج إليك، فأصبحت صائمة، قال: له أن لا يقبل منها
стр. 1158
ويجامعها إن أراد، وكذلك لو دعاها إلى فراشه فقامت فأحرمت/ بالصلاة تريد أن تمنعه من ذلك فله أن لا يتركها، ويقطع عليها صلاتها ويضمها إلى نفسه.
стр. 1159
[باب -١١ -] في قضاء رمضان في العشر أو غيره. ومن فرط في قضائه أو مات وعليه صيامه فأوصى أن يطعم عنه وشيء من التبدأة في الوصايا
[فصل -١ - في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة أو في أيام التشريق]
واستحب عمر بن الخطاب ﵁ أن يقضي رمضان في عشر ذي الحجة، وقاله القاسم وسالم، وقالا: [نعم] ويقضيه يوم عاشوراء.
م وإنما استحبوا ذلك لفضلها، فإذا لم يمكنه التطوع قضى فيها الواجب.
قال مالك: ولا بأس أن يقضي رمضان في عشر ذي الحجة، ولا يقضي في أيام التشريق كلها. ولا يصام يوم الفطر ولا يوم النحر، وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فلا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي، ولا يصومهما من نذر ذا الحجة أو كان عليه صوم واجب، وأما اليوم الرابع فليصمه من نذره أو نذر ذا الحجة، ولا يصومه متطوعًا، ولا يقضي فيه رمضان، ولا يبتدئ فيه صيام واجب متتابع من ظهار أو قتل نفس أو غيره، إلا أن يكون قد صام قبل ذلك ثم مرض ثم صح في أيام النحر فلا يصمها، وليصم هذا اليوم الرابع يصله بصومه. وقال أشهب في غير المدونة: لا يصوم هذا اليوم الرابع أحد وإن نذره؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن صيام أيام منى فلا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي؛ يريد لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ
стр. 1160
إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. وأما يوم النحر فلا يصومه أحد.
[فصل -٢ - في حكم من ظاهر مرتين فصام شهرين ثم ذكر أنه نسي يومين لا تدري من أيهما]
قال ابن سحنون عن ابن القاسم في من صام لظهارين فوصل أربعة أشهر ثم ذكر يومين لا يدري من أي ظهار: فليصم يومين ويأت بشهرين، وفي كتاب ابن عبدوس وابن سحنون: قال عبد الملك: أقل ما يجزئه يوم يصله بالشهرين الآخرين، ثم يأتي بشهرين؛ لأن أكثر ما عليه أن يكون عليه يوم من آخر الكفارة الأولى ويوم من أول الثانية، ولو أفطر ثلاثة أيام متتابعة فليصل الآخرة بيومين، ثم يبتدئ كفارة، ولو وصل ثلاث كفارات، ثم ذكر يومين متصلين فليأت بيوم وكفارتين.
قال أبو محمد: على أصل ابن القاسم يأتي بيومين يصلهما بآخر كفارة، ويقضي كفارتين، وكذلك لو كانت كفارتين صام يومين في أحدهما، ثم كفارة واحدة، وقوله أولى؛ لأنه لا ينبغي أن يزول عن كفارة حتى يصلحها على أبعد الاجتماع فيها، كذاكر سجدة من ركعة لا يدري من أي ركعة هي أنه/ يصلحها بأعلى إمكانه ذلك فيها، فإن كان لابد له من أن يأتي بركعة واحدة. وقول أشهب: أن لا يجزئه بسجدة في رواية البرقي عنه.
فصل -٣ - [في أحكام التفريط في قضاء رمضان حتى يحل رمضان آخر]
وكفارة من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه/ رمضان آخر مد لكل
следующие страницы →