Полный текст (9 651 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
فصل
قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إلا أن يبدو لي وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ فعليه المشي ولا ينفعه استثناؤه.
يريد: إلا أن يضمن يمينه بفعل فينفعه.
قوله: إلا أن يبدو لي. يريد: إلا أن يبدو لي في الفعل، وكذلك هذا في يمينه بالطلاق والعتاق.
[ولو قال: أنت طالق إن شئت فكان ذلك كله له جائز، إلا أن هذا لم يقع طلاقاً وإنما تقدير قوله: إن شئت فأنت طالق وهو لم يشأ بعد، فأشبه بع، فأشبه قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء؛ لأوجب عليه الطلاق، وكان مثل قوله: إلا أن يبدو لي لأنه أوقع طلاقاً وأبقى لنفسه رده متى أراد، وذلك لا يصح ولو على الطلاق والمشي بفعل يصح استثناؤه في الفعل].
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: هذا الذي حكاه ابن القاسم أن مالكاً قال: الاستثناء في المشي إنما هو أن يقول: علي المشي إلا أن يشاء الله، ولا يشبه هذا قوله: علي المشي إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك.
стр. 2382
م: واستحسن ذلك بعض فقهائنا وقال: وأما قوله: إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ إلا كقوله إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يرى فلان، فرد ذلك إلى نفسه كرده إلى فلان، فكما لا يرزمه إذا لم يشاء فلان فكذلك لا يلزمه إذا لم يشأ هو.
стр. 2383
قال مالك: ولا ثنيا في طلاق ولا عتاق ولا صدقة ولا مشي. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء فلان؛ فلا شيء عليه حتى يشاء فلان، وكذلك هذا في الطلاق والعتاق.
[قال أبو إسحاق: لأن هذا أمر لا يحكم عليه به فالقول قوله فيما يدعي أنه أراده.
واختلف لو حلف به في حق أو وثيقة:
فقيل: القول قوله أيضاً بكل حال؛ لأنه لا يقضى عليه.
وقيل: لا ينتفع بنيته التي يدعيها إذا كان في حق أو وثيقة، وإن كان لا يقضى عليه بالمشي؛ لأن يمين من حلف على هذا في حق أو وثيقة إنما يكون على نية المحلوف له، ولا على نية الحالف، وهو مذهب أصبغ؛ لأن المحلوف له قصد الاستئناف منه وأن يضيق عليه، فإذا قصد الحالف ما يسقط يمينه لم يلتفت إلى قصد على مذهب هذا القول؛ لأنه قد طاع فإعطاء الوثيقة، وما ذكره ليس بوثيقة للذي له الدين.
واختلف أيضاً: لو كانت يمينه في حق أو وثيقة بطلاق أو عتق:
فقيل: ينوى فيه.
وقيل: لا ينوى.
والقياس لعمري في هذا: لا ينوى؛ لأن يمينه في حق، أو وثيقة، كشهادة البينة عليه بظواهر ألفاظ يدعي ما يسقطها فلا يقبل منه].
стр. 2384
فصل
قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله ينوي مسجداً من المساجد؛ فله نيته، وإن لم تكن له نية فعليه المشي إلى مكة.
قال ابن القاسم: وإن قال: علي المشي ولم يقل إلى بيت الله؛ فإن نوى مكة مشى إليها وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه.
وقال أشهب: عليه المشي
قال مالك: ومن حلف بالمشي إلى مسجد الرسول أو مسجد بيت المقدس فحنث فليأتها راكباً، وإنما يمشي من قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى.
قال إسماعيل القاضي: لأن الرجل إذا قال: علي المشي إلى بيت الله؛ فظاهر قوله يدل على أنه أوجب على نفسه الحج ماشياً أو العمرة، وإن لم يكن له نية في أحدهما بعينه فقد أوجب على نفسه أن يأتي البيت محرماً، والإحرام لا يكون إلا بأحدهما فله أي ذلك أحب؛ إن شاء كان مشيه في حج وإن شاء في عمرة، والمشي والركوب في الحج والعمرة طاعة، فإذا أوجب المرء على نفسه أحدهما لزمه ذلك، فإذا جعل الرجل على نفسه المشي إلى بيت المقدس أو مسجد المدينة؛ لزمه أن يأتي ذلك إن شاء راكباً وإن شاء راجلاً، ولم يلزمه المشي؛ لأن المبتغى في مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس الصلاة فيهما؛ لما في ذلك الفضل على سائر مساجد البلدان إلى مسجد مكة، ولولا ذلك ما لزمه إتيانهما؛ فألزمناه ما جعل
стр. 2385
على نفسه من فضيلة الصلاة التي هي طاعة، ولم يلزمه المشي إذ لا طاعة فيه.
ولو جعل على نفسه المشي إلى مسجد مكة يريد الصلاة فيه دون الإحرام؛ لكان كذلك، ويركب إن شاء.
ومن المدونة قال مالك: ولو قال له علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة إلى بيت المقدس؛ فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول ومسجد بيت المقدس، وإن لم ينو الصلاة فيهما؛ فليأتهما راكباً ولا هدي عليه، وكأنه لما سماها قال: لله علي أن أصلي فيهما.
وابن وهي يرى أن يأتيهما ماشياً.
وقال غيره: إن كان بينه وبين الأميال اليسيرة؛ فليأتهما ماشياً والمشي -ضعيف، وقاله أصبغ.
ومن المدونة قال مالك: ولو نذر الصلاة في غير هذه الثلاثة مساجد لم يكن عليه أن يأتيه مثل قوله: علي المشي إلى مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة فأصلي فيه أربع
стр. 2386
.................................
стр. 2387
ركعات؛ فليصل بموضعه أربع ركعات ولا يأتيه لقول الرسول ﵇: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد فذكر مسجده ومسجد إلياء والمسجد الحرام).
قال ابن المواز: وقد قيل: إلا أن يكون ذلك المسجد قريباً منه مثل الأميال اليسيرة فليأته ماشياً، يصلي فيه كما جعل على نفسه، والمشي في ذلك ضعيف.
وقال ابن حبيب: إن كان المسجد الذي نذر أن يأتيه ماشياً: معه في موضع، ومثل مسجد جمعته، أو مسجده الذي يصلي فيه الصلوات؛ فيلزمه أن يمشي إليه ويصلي فيه ما
стр. 2388
نذر وقاله مالك، وألزم ابن عباس من جعل على نفسه مشياً إلى قباء وهو بالمدينة: أن يمشي إليه.
стр. 2389
قال ابن حبيب: لأن النبي ﵇ كان يأتيه ماشياً وراكباً ويصلي فيه وهو على ثلاث أميال من المدينة.
ومن المدونة قال مالك: ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرب بإتيانه إلى الله سبحانه كعسقلان والإسكندرية لزمه ذلك فيه وإن كان من أهل مكة والمدين'.
فصل
قال ابن القاسم: لا يلزم المشي في قول مالك إلا لمن قال: علي المشي إلى مكة أو بيت الله أو المسجد الحرام والكعبة.
стр. 2390
قال ابن القاسم: أو الحجر الأسود أو الركن، وأما غير ذلك كقوله: إلى الصفا والمروة أو منى أو عرفات أو المزدلفة أو ذي طوى أو الحرم أو إلى غير ذلك من جبال الحرم فلا يلزمه شيء.
م: وإنما لزم المشي من قال: إلى مكة، أو إلى المسجد الحرام؛ لأن ذلك يحتوي على البيت، والبيت لا يؤتى إليه إلا في حج أو عمرة، والمشي والإتيان في ذلك طاعة؛ وإنما لم يلزمه ذلك إذا قال: إلى الحرم؛ فإن كان ذلك يحتوي على البيت كما تحتوي عليه مكة؛ لأن الذي يقول: إلى مكة؛ جرت مقاصد الناس فيه أنهم يريدون بمكة: البيت، وإذا لم تكن له نية حمل أمره على قصد الناس ولو نرى بيوت مكة؛ لم يلزمه شيء إلا أن تكون يمينه على وجه التوثقة، فلا يجزيه النية حتى يسمي بيوت مكة؛ لأن يمينه على نية من استحلفه، وأما إذا قال: علي المشي إلى الحرم؛ فلا مقصد فيه للناس ولا عادة. فإذا لم تكن له نية؛ أعطي اللفظ حقه في اللغة: فيحمل على أوائل الحرم؛ لأنه أقل ما يتناوله
стр. 2391
الاسم؛ ولأن إلى للانتهاء عندهم؛ فلا يلزمه الإتيان إليه لقوله ﵇: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد) وليس الحرم من ذلك ولا جباله إلا أن ينوي ما في الحرم من البيت فيلزمه، فهذا فرق ما بين ذلك عند ابن القاسم والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن قال علي المشي إلى الحجر أو إلى الحطيم أو زمزم؛ لم يلزمه ذلك عند ابن القاسم، ويلزمه عند أصبغ.
قال أبو محمد: إن قال: إلى الحطيم؛ لزمه ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة.
يريد: وكذلك الحجر الأسود.
قال أبو محمد: لاتصاله بالبيت، وأما إلى زمزم فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: إذا سمي من مكة موضعاً خارجاً من المسجد؛ فلا شيء عليه إلا أن يقول: مكة فيها، وهذا أصح ما روي لنا عن ابن القاسم.
وقال أصبغ: كل ما سمي من الحرم أو من مواضع مكة فإنه يلزمه.
стр. 2392
ابن حبيب: ولا يلزمه في خارج الحرم خلا عرفات فإنه يلزمه فيها وإن كانت في الحل.
وقال أشهب: وإن قال علي المشي إلى الصفا والمروة أو ذي طوى أو عرفة فذلك عليه، إلا ينوي الموضع المسمى بعينه فلا شيء عليه.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: إن كلمت فلاناً فعلي أن أسير أو أذهب أو أنطلق أو آتي أو أركب إلى مكة فلا شيء عليه إلا أن ينوي أن يأتيها حاجاً أو معتمراً فليأتها راكباً إلا أن ينوي ماشياً.
وقال أيضاً ابن القاسم: من قال علي الركوب إلى مكة فذلك عليه.
قال في كتاب ابن المواز: ولا يأتيها إلا في حج أو عمرة. محمد وقال أشهب: ولا أرى أن يأتيهما ماشياً؛ لأنه يخفف عن نفسه بترك الركوب نفقة وجبت عليه لله في طاعة.
م: قيل: فإن مشى على قول أشهب ولم يقم راحلة يركب؟
فحكي عن بعض شيوخنا: أنه يخرج قدر ما كان ينفقه في ركوبه فيجعله في هدايا.
стр. 2393
وقال غيره: يدفع ذلك المقدار لمن ينفقه في الحج حسبما كان ينفقه هو فيه والله أعلم.
ومن المدونة قال سحنون: وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجاً أو معتمراً، وبه أخذ ابن المواز.
م: والفرق عند ابن القاسم بين قوله: علي أن أسير أو آتي إلى مكة، وبين قوله: علي المشي إلى مكة؛ أنه إذا قال: علي المسير ونحوه إلى مكة؛ يحمل أنه أراد بيوت مكة إذا لم تكن له نية؛ لأنه لم تجر به عادة. وإذا قال: علي المشي إلى مكة لزمه؛ لأن هذا قد جاءت به السنة أن يحج أو يعتمر ولأن قصد الناس بذلك المشي إلى الكعبة، فيحمل على ذلك، ولو قال: علي أن أسير أو أذهب أو أنطلق إلى الكعبة لا ينبغي أن يلزمه أن يأتيها إن شاء ماشياً أو راكباً؛ ودليله من قال: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أنه يلزمه عند ابن القاسم أن يحج أو يعتمر؛ كقوله: علي أن آتي المسجد الحرام، أن ذلك يلزمه؛ لأنه قد قصد الإتيان إلى البيت فهو بخلاف قوله: إلى مكة لما قدمنا.
стр. 2394
م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين من قال: علي المشي إلى المسجد الحرام فيلزم المشي حاجاً أو معتمراً، وبين من قال: علي المشي إلى الحرم؛ لا يلزمه؛ والجميع يتضمن الكعبة؟
فقال: أما الذي يقول: علي المشي إلى الحرم فلو أخذ بمقتضى قوله لكان بوصوله إلى أوائل الحرم يسقط نذره فلم يكن في ذلك طاعة فيلزمه، وأما القائل: علي المشي إلى المسجد الحرام؛ فقد خصص الموضع الذي فيه فرض من فروض الحج والعمرة وهو الطواف والمسجد منصوب للطائفين والركع السجود وذلك كله طاعة فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن القائل: علي المشي إلى مسجد الرسول؛ أنه يلزمه أن يأتيه راكباً للصلاة فيه، ولو قال: علي المشي إلى المدينة؛ لم يلزمه أن يأتيها إلا أن ينوي الصلاة في مسجدها، وكذلك الحرم والمسجد الحرام، ولا يراعى أن ذلك يحتوي على البيت ويحدق بها، ولو روعي ذلك لروعي الحد المحدث بالحرم؛ لأن ذلك محدث بالكعبة.
وسئل أبو عمران الفاسي: لم اختلف قوله في الكتاب في ذاكر الركوب إلى مكة ولم يختلف قوله في الانطلاق والذهاب ونحوه؟
فقال: يحتمل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فذكر المشاة والركبان معاً فكان الركوب في اللفظ أخا المشي وجاز في
стр. 2395
المخاطبات، وكقولهم: حافياً ومنتعلاً؛ فقيس ناذر الركوب على ناذر المشي في هذا القول، ويحتمل إنما وجد له الاختلاف في الركوب منصوصاً فذكره وتدخل باقي الألفاظ الأخرى في الاختلاف، وقد ذكر عن ابن القاسم الخلاف في الجمع كقول أشهب.
م: وفي كلام ابن عمران طول اختصرته وبالله التوفيق، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
جامع ما يلزم من نذر أو يمين
في الهدي والصدق والنحر وغيره
وصلى الله على محمد
روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من قال لرجل أنا أهديك؛ فليهد شاة. وقاله عطاء.
قال ابن القاسم قال مالك: ومن قال لحر: إن فعلت كذا فأنا أهديك إلى بيت الله فحنث؛ فعليه هدي.
стр. 2396
وقد تقدم قول النخعي فيمن قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني؛ أنه يحجه ويهدي بدنة، وهو خلاف لقول مالك هذا.
ابن المواز قال أشهب: من نذر أن يهدي بدنة عوراء أو ما لا يجوز في الهدايا؛ فإن كان ذلك بعينه فليهده، وإن كان بغير عينه فيلهد ما يجوز؛ كمن نذر أن يهدي ابنه فإنه يهدي مكانه ما يجوز في الهدي.
قال ابن المواز: وكذلك الذي نذر أن يهدي [بدنة عوراء وهي بعينها أو ما لا يجوز أن يهدي] فليهد بقيمتها ما يجوز.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال عبد فلان أو داره أو شيء من ماله هدي إن فعلت كذا فحنث؛ فلا شيء عليه لأن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
وأما إن قال: داري أو عبدي هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فإنه يبيع ذلك ويهدي ثمنه.
م: والفرق بين من قال: أنا أهديك أو قال ذلك لعبد غيره وهو لا ملك له على واحد منهما هو أن الحر قد جرت فيه سنة قياساً على ما جاء في إبراهيم مع ولده ﵉، وقد روي أنه قال علي ﵁ فيمن قال لرجل: أنا أهديك؛ فليهد عنه شاة. وقال نحوه ابن عباس.
стр. 2397
ولم يكن عليه في عبد غيره شيء لقوله ﵇: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم) وأما في عبد نفسه فهو ملكه؛ فلما لم يصح أن يكون هدياً وصح أن يهدي عنه بثمنه جعلنا بذلك عوضاً وبالله التوفيق.
وفي الواضحة قال ربيعة: من جعل جاريته هدياً فإنه يهدي مكانها هدياً وقاله مالك والليث.
م: قال أبو محمد: لعله يريد أم ولده.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فعلي هدي فحنث؛ فإن نوى شيئاً فهو ما نوى، وإلا فعليه بدونة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت نفقته؛ رجوت أن تجزي عنه شاة، وكان مالك يزحف بالشاة كرهاً، وقال: البقر أقرب شيء إلى الإبل.
وقال مالك في كتاب الحج: من قال لله علي هدي فالشاة تجزيه.
م: قيل: الفرق بين المسألتين أن هذه يمين، والتي في كتاب الحج بغير يمين، فلذلك كانت أخف.
стр. 2398
وقيل: بل ذلك اختلاف قول، ولا فرق بين ما عقد بيمين أو كان نذراُ، وقد نقل أبو محمد هذه.
وإن قال: علي هدي، ثم ذكر الجواب؛ فدل أنه عنده سواء، وكذلك في كتاب محمد وهو الصواب.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: لله علي أن أهدي بدنة فلينحر بعيراً؛ لأن البدن من الإبل، فإن لم يجد بعيراً فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعاً من الغنم، [ولا يجزيه شراء بقرة حتى لا تبلغ نفقته ثم بدنة، فإن لم يجد ثمن بقرة فسبع من الغنم]، وقاله خارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وكثير من العلماء.
وقال ابن المسيب: إذا لم يجد بقرة فعشراً من الغنم، وكذلك في كتاب محمد.
стр. 2399
قال ابن القاسم في المدونة: فإن لم يجد الغنم لضيق وجده، فلا أعرف في هذا صوماً إلا أن يحب أن يصوم فليصم عشرة أيام، فإن أيسر يوماً ما كان عليه ما نذر.
ابن حبيب وقال مالك: إن لم يجد الغنم صام سبعين يوماً.
[وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إذا لم يجد الغنم صام سبعين يوماً] أو أطعم سبعين مسكيناً كل مسكين مدا، وإن وجد شاة أهداها وصام ستين يوماً.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك: فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها؛ لأن الصوم لا يجزيه إلا أن يشاء أن يصوم فإن أيسر يوماً أعتق فهذا مثله.
قال ابن المواز: إن شاء الله صام عشرة أيام.
م: وقد قيل: بل يصوم شهرين إذا لم يستطع على الرقبة ولم أروه.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال لله علي أن أنحر بدنة، أو قال لله علي هدي، فينحر ذلك بمكة أو بمنى يوم النحر، وقاله ابن عمر وابن عباس.
قال مالك: ومن قال: لله علي جزوراً أو أنحر جزوراً؛ فلينحرها بموضعه، ولو نوى موضعاً أو سماه فلا يخرجها إليه ولينحرها بموضعه الذي هو فيه.
стр. 2400
قال مالك: وكذلك لو نذرها لمساكين البصرة، أو مصر وهو بغيرها؛ فلينحرها بموضعها وليتصدق بها على مساكين من عنده، كانت الجزور بعينها أو بغير عينها، وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل من نذر أن يصلي بمصر مائة ركعة وهو من أهل المدينة أو غيرها أنه لا يصلي إلا بموضعه.
قال: وقد قال مالك مرة أخرى: إنه ينحرها حيث نوى، وقاله أشهب.
قال أشهب: وإن لم تكن له نية نحرها بموضعه.
قال ابن حبيب: وإن نذر أن ينحر الجزور بمكة كان عليه أن ينحرها بها وليس بها.
ابن المواز: وقد قال ابن عمر: من نذر جزوراً من الإبل أو البقر فإنه ينحرها حيث شاء.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: بعيري أو بقرتي أو شاتي هدي؛ فيبعث ذلك بعينه.
стр. 2401
وإن قال: داري أو عبدي أو دابتي أو شيء من مالي مما لا يهدى هو هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فليبعه، ويبعث بثمنه وبما أهدى من العين فيبتاع به هدياً.
قال ابن القاسم: فإن لم يبعه ويبعث به بعينه فلا يعجبني ذلك ويباع هناك فليشتر به هدياً، فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي وأدناه شاة أو فضل منه ما لا يبلغ ذلك، قال مالك: يبعثه إلى خزمة الكعبة ينفق عليها.
قال في كتاب محمد: فإن لم يحتج إليه الكعبة تصدف به.
وقال ابن القاسم في المدونة: أحب إلى أن يتصدق به حيث شاء؛ وذلك أن ابن عمر كان يكسو الكعبة بأجلة بدنة فلما كسيت تصدق بها.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يتصدق بها على أهل مكة خاصة.
قال ابن القاسم في المدونة: وأعظم ملك أن يشرك مع الحجبة في الخزانة أحد؛ لأنها ولاية من النبي ﷺ إذا دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة.
стр. 2402
وفي سماع ابن القاسم فيمن جعل شيئاً من ماله هدياً وهو مما لا يهدى: إن شاء باعه وأخرج ثمنه وإن شاء أخرج قيمته، وكذلك في كتاب محمد.
قال أبو محمد: ومن قولهم في الصدقة لا يحبسه ويخرج قيمته وذلك مكروه له، ويثبه أن يكون الفرق: أنه لا يقصد في هدي متاعه إلا إلى عوضه، وفي صدقة متاعه يحسن أن يتصدق بذلك بعينه، فكأنه تصدق به بعينه.
م: وحكي عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إذا تصدق الرجل بعرض تطوعاً لم يكن له حبسه ويتصدق بقيمته ولو حلف بذلك فحنث أجزأه إخراج قيمته.
والفقر بين ذلك: أن الحالف غير قاصد للقرية فلم يدخل في قول النبي ﵇: «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والمتطوع هو داخل في الحديث؛ لأنه قاصد للقربة به، والحديث إنما خرج في الفرس الذي حمل عليه عمر طوعاً فأمر ذلك مفترق.
م: والحالف أيضاً إنما قال: إن فعلت كذا فأنا أتصدق بكذا لله، فقد عقد على نفسه إن فعل ذلك القربة بصدقته فهما سواء والله أعلم.
стр. 2403
ومن المدونة قال مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فغنمي وإبلي أو بقري هدي فحنث فليبعثها من ذلك الموضع إن كانت تصل، وتقلد الإبل وتشعر، والبقر لا تصل من إفريقية إلا من مصر فإذا خاف على هذه الهدايا أن لا تبلغ لبعد سفر أو لغير ذلك باعها وابتاع بثمن الغنم غنماً وبثمن الإبل إبلاً وبثمن البقر بقراص، وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً؛ لأنها لما بيعت صارت كالعين، ولا أحب له أن يشتري به غنماً حتى يقصر عن ثمن بعير أو بقرة أو يشتري ذلك من مكة أو من موضع تصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخل بها الحرم.
قال: وإن نذر هدي بدنة غير معينة أجزأه شراؤها من مكة أو المدينة فيتوقف بعرفة ثم ينحرها بمنى، فإن لم يتوقف بعرفة أخرجت إلى الحل إن اشتريت في الحرم ثم نحرت بمكة، فإن لم يجد ثمنها فذلك دين عليه.
فصل
قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أهدي مالي، أو قال جميع مالي فحنث، أو نذر ذلك بلا يمين أجزأه أن يهدي الثلث من ماله، وقد قال النبي ﵇ لأبي لبابة حين انخلع من جميع ماله للذنب الذي أصابه يجزيك من ذلك الثلث.
стр. 2404
ومن العتبية قال عيسى عبن ابن القاسم فيمن قال: مالي هدي.
قال: يهدي ثلثه وينفق عليه حتى يبلغ من غير الثلث.
وقال: مالك فيمن وجبت عليه صدقة ثلث ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين: فيكر عليه من ماله، وكذلك إن قال: إبلي هدي فعليه أن يبلغها من ما له.
م: [وفيها قول آخر إذا قال: مالي هدي؛ أنه يهدي ثلثه وتكون النفقة من الثلث ولو قال: ثلثي هدي فهاهنا لا اختلاف أنه ينفق عليه من ماله حتى يبلغه].
م: الصواب ألا فرق بين ذلك، ووجه من أوجب النفقة على ذلك من ماله؛ لأن من أوجب على نفسه هدياً وجب عليه أن يبلغه من ماله، إذ لا يجوز أن يهدي بعضه ولا يشرك فيه، ووجه النفقة عليه من الثلث: فقياسها على الزكاة تجب عليه وليس بموضعه مساكين فينقلها إلى أقرب البلدان إليه؛ أن النفقة عليها منها قاله ابن حبيب.
ومن المدونة قال: مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فعبدي هدي ولا مال له غيره فحنث؛ فعليه أن يهدي عبده يبيعه ويهدي ثمنه، وكذلك إذا سمي شيئاً من ماله بعينه
стр. 2405
كقوله: داري أو دابتي أو ثوبي أو غيره هدي، أو حلف بذلك فحنث؛ أخرج ذلك فحنث كله وإن أحاط بماله كله، وكذلك إن قال: لله علي أن أهدي بعيري أو بقربي أو شاتي وهو جمع ماله فليهد جميع ما سمى، ولو قال: لله علي أن أهدي جميع مالي؛ أجزأه الثلث.
قال مالك: وإنما هذا كمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فلا شيء عليه، وإن سمى قبيلة أو امرأة بعينها لزمه ذلك.
م: وقال بعض المتأخرين من القرويين: من عم أو خص في الصدقة؛ أن الذي عين شيئاً من ماله فقد أبقى لنفسه شيئاً، ولو ثياب ظهره، أو ميراثاً لم يعلم به، والذي قال: مالي كله لم يبق لنفسه شيئاً وأدخل ثياب ظهره وما لا يعلمه من ماله، فكان ذلك من الحرج فوجب قصره على الثلث؛ لحديث أبي لبابة، ولولا ذلك لسقط عنه الجميع كما إذا عم في الطلاق أنه لا شيء عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: إن فعلت كذا فأنا أهدي عبدي هذا وجميع مالي فحنث؛ أدى العبد وثلث ما بقي، وكذلك هذا في الصدقة وفي سبيل الله.
قال مالك: ومن قال: مالي في المساكين صدقة أو في سبيل الله أو حلف بذلك فحنث؛ أجزأه من ذلك الثلث.
стр. 2406
وروى ابن وهب أن رجلاً تصدق في زمن الرسول ﷺ بجميع ماله فأجاز له منه النبي ﷺ الثلث.
وروي في كتاب محمد عن ابن عمر أنه يخرج ماله كله.
وعن ابن المسيب ثلث ماله، وقال ابن مالك.
وعن عائشة ﵁-كفارة يمين.
وعن عبد العزيز بن أبي سلمة زكاة ماله.
ومن المدونة قال مالك: وإن سمي شيئاً من ماله فقال: داري أو دابتي أو ثوبي صدقة أو في سبيل الله ولا مال له غير ما سمى فحنث؛ فليخرج كل ما سمي ولا يجزيه منه الثلث.
وقال ابن نافع: من تصدق بشيء بعينه وهو ماله كله أنه يخرج الثلث، وكذلك قال ابن وهب عن مالك إذا سمي أكثر من ثلث ماله اقتصر على الثلث.
стр. 2407
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال فرسي ومالي في سبيل الله؛ أخرج الفرس وثلث ما بقي من ماله، وإن قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه صدقة أو أكثر؛ فليخرج جميع ما سمى ما لم يقل مالي كله.
ومن الواضحة ولو قال: مالي كله صدقة إلا درهماً أن ذلك يلزمه وكذلك في جزء منه.
ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بصدقة ماله فحنث ثم حلف بصدقة ماله فحنث؛ فليخرج ثلث الأول ثم ثلث ما بقي، ثم قال: يخرج ثلثه مرة واحدة ويجزيه، وقاله ابن كنانة، وبالأول أخذ محمد وقاله أشهب.
قال مالك: ومن حلاف بصدقة ماله فحنث ونذر أداء ماله فعليه ثلثه يوم حلف، وإن نقص فثلثه يوم حنث، وإذا حنث ثم نموا ماله ثم حنث فيه يمين ثانية ثم نما ماله ثم حنث فيه يمين ثالثة ثم نما ماله؛ فليخرج ثلث ما معه الآن وهو ثلث الأول وثلث الزيادة ولو لم يزد ماله لم يخرج إلا ثلثاً واحداً، ولو حنث أولاً وماله مائة ثم حنث ثانية وماله ستون ثم حنث ثالثة وماله أربعوه؛ فليس عليه إلا ثلث المائة الأولى إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها فلا شيء عليه غير ما بيده إلا أن يذهب بإتلافه أو أكله فيلزمه ديناً، ولو تلف
стр. 2408
بعضه بغير سببه لم يضمنه وإن فرط في إخراجه؛ لأنه كالشريك. وقاله مالك في التلف وقاله أصبغ كله، وما نما بعد الحنث فلا شيء عليه فيه فرط أو لم يفرط.
قال ابن المواز: إذا حلف إن فعل أو لا أفعل؛ لم يضمن ما أكل أو أتلف قبل الحنث، ولو حلف لأفعلن أو إن لم أفعل فهو كتلفه بعد الحنث؛ يلزمه ما ذهب بسبب ولا يلزمه ما ذهب بغير سببه.
[من كتاب أبي إسحاق: من قال: إن كلمت فلاناً كل ما أكسب صدقة؛ فلا شيء عليه كعموم الطلاق، وإذا قال: ما أكسب إلى عشر سنين صدقة؛ لزمه إخراج جميع ما كسب في العشر سنين، وكذلك إن عين بلداً، وقيل يلزمه ثلث ما اكتسب، وقيل: لا شيء عليه فيما يكتسب سمى البلد أو ضرب أجلاً أو لم يسم].
ومن كتاب الهبات ومن قال: مالي صدقة أخرج ثلثه من عين ودين وعرض وثلث قيمة كتابة مكاتبيه؛ فإن عجزوا يوماً ما وكان في قيمة رقابهم فضل عن قيمة كتابتهم؛ أخرج ثلث الفضل ولا شيء عليه في أم ولده ولا يخرج ثلث قيمة هدي به إذ لا يملك بيعهم.
стр. 2409
قال سحنون: فيخرج ثلث قيمة خدمتهم، فإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرط أو لم يفرط.
وقال سحنون: إن فرط ضمن كالمفرط في الزكاة وغيرها أنه ضامن لما ذهب بتفريطه.
م: قال بعض فقهائنا: وأرى ابن القاسم إنما لم يضمنه في اليمين بالصدقة؛ لاختلاف الناس فيها، وقول من قال: فيها بكفاءة يمين أو غير ذلك فلذلك لم يجعلها كالزكاة ونحوها من الواجبات.
قال في كتاب الطلاق: فإن لم يكن له يوم حلف مال فلا شيء عليه فيما أفاد بعد ذلك.
ومن الحمالة: ولا يجوز لذات الزوج في مالها هبة ولا صدقة ولا معروفة إلا قدر الثلث، فإن تصدقت بأكثر من ذلك فلم يجزه الزوج؛ بطل جميعه، وجعله المغيرة كالوصية يجوز منه الثلث.
قال سحنون: وإن حلفت ذات الزوج بصدقة مالها كله فحنثت؛ فلتتصدق بثلثه وليس للزوج منعها من ذلك.
وقال أصبغ: له منعها من ذلك.
стр. 2410
م: فوجه قول سحنون: فلأن من تصدق بماله كله إنما يلزمه منه الثلث؛ فكأن الزوجة إنما تصدقت بالثلث.
ووجه قول أصبغ: فلأنها تصدقت بمالها كله، فللزوج رده جميعه كما لو تصدقت ثلثها.
قال ابن القاسم: وإن أعتقت ذات الزوج ثلث عبد لا تملك غير ذلك العبد؛ جاز ولا يعتق منه غير ذلك، ورواه عن مالك.
وروي عن أشهب وعبد الملك: أن الزوج يخير؛ فإما أجاز فيعتق جميعه، أو يرد فلا يعتق منه شيء.
م: وهذا أحسن؛ لأن الحكم يوجب عليها عتق جميعه؛ فكأنها قصدت ذلك، فللزوج إجازته أو رده.
ووجه الأول: فلأنا لما كانت مقصورة على اثلث؛ فكأنه هو الذي تملك منه فلم يعتق عليها غيره ولم يكن للزوج حجة؛ لأنها لم ت دخل عليه ضرراً كهبة ذلك وصدقته.
قال ابن القاسم: وإن حنثت بعتقه أو أعتقته كله فرد الزوج عتقها إذ لا مال لها غيره ثم مات الزوج عنها أو طلقها؛ فإنه يعتق عليها الآن جميعه بغير قضاء.
стр. 2411
وفي النكاح والحمالة إيعاب هذا.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل عبده صدقة أو في سبيل الله في يمين فحنث ولا مال له غيره؛ ففي الصدقة يبيعه ويتصدق بثمنه، وفي السبيل يدفع ثمنه إلى من يغزو به من موضعه إن وجد، فإن لم يجد فليبعث بثمنه، وإن كان فرساً أو سلاحاً أو شيئاً من آلات الحرب جعله في السبيل في يمين فحنث أو في غير يمين، فليبعث ذلك بعينه، فإن لم يجد من يقبله منه ولا من بلغه له؛ فليبعث بثمنه فيجعل في مثل المبيع من كراع أو سلاح وغيره، بخلاف البقر الهدي تباع إذا لم تبلغ فيجوز أن يشتري بثمنها إبلاً لأن تلك كلها للأكل، وهذا تختلف منافعه وإن جعل جميع هذه الأشياء صدقة في يمين فحنث أو في غير يمين؛ باع ذلك وتصدق بثمنه، وكذلك إن جعله هدياً فليبعه ويهدي ثمنه.
قال مالك: ومن جعل مالاً أو غيره في سبيل الله فسبل الله كثيرة؛ ولكن إنما يعطى ذلك في مواضع الجهاد والرباط من السواحل والثغور، وليس جدة من ذلك، وإنما كان الخوف ونزل العدو بها مرة واحدة فلم يرها مثل السواحل التي هي مرابط.
стр. 2412
فصل
قال مالك: ومن قال مالي في رتاج الكعبة فلا شيء عليه؛ لا كفارة يمين ولا غيرها.
والرتاج: هو الباب.
وقد سئل عن ذلك عمر بن الخطاب فقال: لا حاجة للكعبة بأموالكم، ونحوه عن عائشة.
ومن غير المدونة ابن وهب: وقالت عائشة عليه كفارة يمين، وقاله مالك والليث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال مالي في الكعبة، أو في حطيمها، فلا شيء عليه؛ لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، والحطيم فيما قال لي بعض الحجبة: ما بين الباب إلى المقام.
قال ابن حبيب: الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام عليه يتحطم الناس.
قال أبو محمد: فعلى تفسير ابن حبيب أن ذلك كله حطيم الجدار من الكعبة والفضاء الذي بين البيت والمقام الآن.
стр. 2413
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال مالي في كسوة الكعبة أو طيبها دفع ثلث ماله إلى الحجبة لذلك.
فصل
وإن قال: أن أضرب بمالي حطيم الكعبة أو رتاجها فعليه حجة أو عمرة، ولا شيء عليه في ماله، وكذلك إذا قال: أنا أضرب بكذا وكذا الركن الأسود؛ فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إذا لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه.
قال ابن المواز: وإن أراد حملانه على ع نقه وكان يقوى على حمله فكذلك أيضاً يحج أو يعتمر راكباً ولا شيء عليه غيره، وإن كان ممكن لا يقوى على حمله مشى وأهدى.
قال ابن حبيب: إذا قال: أنا أضرب بكذا وذكر الشيء من ماله الركن الأسود أو الكعبة، وأراد حمله على عنقه؛ مشى إلى البيت في حج أو عمرة [وأهدى ولا يحمله ثم يدفع ما سمى] إن كان لا يبلغ ثمن هدي إلى خزنة الكعبة تصرفه في مصالحها، وقاله ابن القاسم.
стр. 2414
م: ومعنى قوله أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أني أسير به وأسافر به إلى الكعبة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي سافرتم، ومنه قولهم: ضرب المقارض بالمال؛ لأنه يسير بالمال، أو يضرب به في الأرض لابتغاء الرزق ولم يرد به ما عند الناس من الضرب بماله للكعبة؛ لأن ذلك استخفافاً من فاعله وغير ما أمر به من التعظيم لها.
فصل
ومن المدونة قال مالك: [ومن قال إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي فحنث فعليه كفارة يمين، وقاله ابن عباس، ثم رجع مالك] فقال: لا كفارة عليه ولا غيرها، إلا أن ينوي به وجه الهدي، ان يهدي ابنه لله فعليه الهدي.
قال ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعه منه، والذي سمعته منه: أنه لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال: عند مقام إبراهيم فليهد هدياً؛ لأن من قال: عند مقام إبراهيم قد أراد به الهدي.
قال ابن عباس: من نذر أن ينحر ابنه عند مقام إبراهيم؛ فليذبح كبشاً.
стр. 2415
وقال ابن عباس: فيمن جعل ابنه بدنة؛ فليهد ديته مائة من الإبل، ثم ندم بعد ذلك فقال: ليتني كنت أمرته أن يذبح كبشاً كما قال الله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
ابن المواز: وقال ابن عباس: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً يهديه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: أنا أنحر ولدي بين الصفا والمروة أو بمنى فعليه هدي.
وقد قال النبي ﵇ عند المروة: «هذا منحر، وكل طرق مكة وفجاجها منحر» ومنى عندي منحر. قال: ويلزمه من نحر أبويه ما يلزمه في نحر ولده.
ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك لو قال لأجنبي: أنا أنحرك عند مقام إبراهيم؛ فليهد عنه هدياً وابنه والأجنبي في ذلك سواء.
قال ابن المواز: ولو قال لعدة من ولده أو غيرهم أنا أنحركم عند مقام إبراهيم؛ كان عليه أن يهدي عن كل واحد هدياً، وقد قيل: هدي واحد عن جميعهم، والأول
стр. 2416
أحب إلينا وهو الحق والعلم، وقاله أصبغ، وكذلك الذي يقول لعبده: أنا أنحرك؛ عليه هدي. ولو قال: أنا له أهديك؛ فليبعث بثمنه أو بقيمته إلى مكة يشتري به هدياً.
م: قال بعض فقهائنا القرويين في قوله: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي، [إنما يكون فيه الهدي إذا ضمن ذلك بفعل فقال: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي]، فأما إن لم يقل ذلك وإنما قال: علي نحر ولدي، أو لله علي نحر ولدي فلا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية إلا أن يقصد به وجه القربة فيلزمه الهدي، قال وهكذا في كتاب الأبهري.
م: والأمر عندي سواء ضمن ذلك بفعل أو لم يضمنه، والصواب: أن لا شيء عليه إلا أن ينوي الهدي؛ لأن من قال: إن فعلت كذا فعلي أن أشرب الخمر، أو قال: لله علي أن أشرب الخمر؛ أنه سواء لا شيء عليه في ذلك، وقد قال ابن عباس في كتاب محمد: من نذر أن يذبح نفسه فليهد كبشاً.
стр. 2417
في اليمين الغموس واللغو وأوجه الاستثناء ونية الحالف
قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ثم ذكر الله تعالى الكفارة فدل أن غير اللغو فيما فيه الكفارة وهي اليمين بالله، وأن اللغو يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، وإنما الكفارة في اليمين المنعقدة واتفق أن اليمين بالله داخلة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وهو اليمين التي أمر أن يحلف بها.
قال الرسول ﵇: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
ومن المدونة قال مالك: والأيمان بالله أربعة أيمان: يمين غموس، ولغو يمين، فلا كفارة في هذا، ويمين الرجل: والله لا أفعلن، والله لا فعلت ففي هذين القولين الكفارة، فإن رأى الحنث أفضل له أحنث نفسه، والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، وهو أعظم من أن تكفره الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
стр. 2418
بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية، ولقوله ﵇: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار).
قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما قلنا لا كفارة في اليمين الغموس خلافاً للشافعي لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وهذه يمين غير منعقدة؛ لأن المنعقد ما أمكن حله إذا انعقد، ولأنها يمين لا يتأتى فيها البر ولا الحنث كاللغو، ولأن الكفارة معنى يرفع حكم اليمين في الفعل المستقبل فلم يتعلق بالحلف على الماضي أصله الاستثناء.
[قال في الذي حلف: لقد لقي فلاناً أمس وهو شاك حين يمينه ثم تحقق أنه لقيه؟
قال: قد يرو إن لم يتحقق مع ذلك أو علم أنه لم يلقه فقد اتهم وفيه نظر؛ لأن أصل يمينه على الشك لا يجوز له وهو معصية، فإذا كشف الغيب أن الأمر كان كما حلف لم يسلم من إثم الجرأة على اليمين في أمر لا يتحققه وقت يمينه].
ابن حبيب: وقال عمر بن الخطاب: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع.
ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة متعمداً، وهي من الكبائر، وليتب الحالف بها إلى الله سبحانه ويتقرب إلى الله بما قدر عليه من عتق أو صدقة أو صيام.
стр. 2419
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: والله ما لقيت فلاناً أمس هو لا يدري ألقيه أم لا ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف؛ بر، وقد خاطر وسلم، وإن كان خلاف ذلك أثم وكان كتعمد الكذب وهي أعظم من أن تكفر، وتلا ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ وقال هي اليمين الكاذبة.
قال ابن القاسم: ولغو اليمين ليس كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، وإنما اللغو عند مالك أن يحلف على أمر يوقنه ثم يتبين أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه كقوله: والله لقد لقيت فلاناً أمس، وذلك يقينه وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده، فهذا اللغو ولا شيء عليه. وقالته عائشة وابن عباس وكثير من التابعين.
ابن المواز قال ابن عباس ومجاهد: واللغو أن يحلف الرجل على أمر يرى أنه فيه صادق ولا يكون صادقاً.
стр. 2420
قال بعض البغداديين: وقالت عائشة: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو في مثل معنى هذا؛ لأنه لا يعني تعمد الكذب ولكن على ما يظنه.
م: يريد بالظن هاهنا اليقين وهذا يرجع إلى قول مالك وأما قولهم في الغموس هو أنه يحلف على أمر يظنه، يريد: وهو لا يوقنه، وقاله أبو محمد.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في قول الرجل لا والله، وبلى والله: فقال ابن القاسم عن مالك: ليس بلغو.
وقال إسماعيل ابن إسحاق وشيخنا أبو بكر وغيرهما: أنه من خير اللغو؛ لأنه لا يتأتى فيه البر ولا الحنث ولا يمكن الاحتراز منه.
ومن المدونة قال مالك: ولا لغو في طلاق ولا عتاق ولا مشي ولا صدقة ولا غيره، وإنما يكون اللغو والاستثناء والكفارة في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه أو صفاته أو نذر لا مخرج له، وكذلك العهد والميثاق.
следующие страницы →