Полный текст (9 651 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
الرهان، وقد يحتج من لا يراه مسبوقاً أن هذه الأمور لا بد أن ينزل مثلها فلا يحسب مسبوقاً.
قال محمد: ولم أر بين الرماة اختلافاً أن السبق بالرمي يبدأ في رمي سهمه ثم يرميان سهماً بينهما حتى يفرغا من الرشق ثم يبدأ المسبوق كذلك في الرشق الثاني هكذا حتى يفرغ الرمي إلا أن يشترطوا غير ذلك، ولا بأس أن يناضله على أنه إن نضله أعتق عنه عبده، أو عتقه عن نفسه، أو على أن يعمل له عملاً معروفاً، أو على أن يتصدق بالسبق، أو يفي له الغرض، أو يشتري له حصراً يجلسون عليها، ولا بأس أن يتراهن حزب وحزب أو واحد واحد أو اثنان اثنان أو أكثر، ويدخلان بينهما محللاً، إن نضل المحلل أخذ من الحزبيين، وإن نضل أحد الحزبيين أخذ من الحزب الآخر، ولا بأس أن يخرج هذا ديناراً وهذا دينارين، أو هذا شاة وهذا بقرة، وبينهما محلل وقد طعن فيه طاعن في دينار ودينارين، وهو عندي جائز؛ لدخول المحلل بينهما، كما بدخوله جاز في دينار ودينار عنده، وفيما ذكرنا كفاية، وبالله التوفيق.
стр. 2347
فصل
وهذا باب في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى الصبر والنصر
روي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لخالد بن الوليد حين وجه إلى قتال أهل الردة احرص على الموت يوهب لك الحياة.
ووجه أبو مسلم قوماً إلى العدو فقال لهم: اشعروا قلوبكم الجرأة عليهم؛ فإنها سبب الظفر، وأكثر ذلك الضغائن؛ فإنها تخص على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
стр. 2348
وقالت الحكماء: على مقدار الصبر على المصائب تكون شجاعة النفس، واعلم أن عماد كل صناعة وثبات كل جماعة القيم العالم بالسياسة، المتحمل للرئاسة، فيجب أن يكون صاحب الجيش مطبوعاً في صناعته، شجاعاً في إقدامه، جباناً في تحرزه، صادقاً في نبته، مستيقظاً في حركته، ذكياً في بديهته رؤوفاً برعيته، فإذا اجتمع لمقدام الجيش ما ذكرناه تولد في فكره من أنواع الحيل ووجوه المكايد في حال يتصرف فيها من محاربة عدوه ما يكون مؤدياً إلى الظفر إن شاء الله فأقل هذه الصفات السياسة، [يريد: الرئاسة، يريد: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وحسن
стр. 2349
السياسة تولد الرئاسة، قدم الخوف على الرجاء، احذر العجل تأمن الزلل، تقحم الحرب تشجع القلب، الهزيمة تحل العزيمة، الحيل أبلغ من العمل، الرأي السديد أجرأ من الأثر الشديد، أظهر خلاف عزمك مورياً عنه ... أخف من جواسيس عدوك، شدة الصبر فاتحة النصر، توق مشاورة الجاهل، لا تشاور من تميل به رغبته أو رهبته، خل العدو حتى يزحف إليك، أو تصد الفرص حتى يقال أيضاً: التأخر بعد التمكن هزيمة، والتسرع في غير قوة تورث النكد، يسير النكث يكسر معظم العسكر، داو القلوب بما يقويها قدر زحفك وزحف العدو إليك، قدم أهل الظن، احذر العدو الباطن، احذر الإخلال بالمراكز، لا تجرنك ورطة سلمت منها على معاودة مثلها، احذر كيد الجواسيس، أطع الكبير يطعك الصغير، احذر كيد المستأمنة إليك، اعمل على أن كل من في عسكرك عين عليك، خالف الإعجاب تجد الصواب، ألطف الأمر قبل إرهان المكر، قدم أهل الشجاعة أمامك، لا تنس وضع الكمين عند اللقاء، احذر كمين عدوك، في هذه الحال لا ترض بأن تأخذ من عدوك مثل الذي تعطيه، قوة النفس في الحرب أبلغ من قوة البدن، كن في عسكرك مجهولاً عند لقاء العدو، لا تستصعب العدو فتقهر، لا تستهزئ بأوليائك فتهون على أعدائك، إن بخلت بالمال على أعوانك جدت به على أعدائك، لا تدع المقدمة المنكوبة تدخل العسكر إلا في ستر، لا تحارب بمن لا يخافك، لا تحارب بمن لا يرجوك، لا تحارب بمن لا يحتاج إليك، لا تبلغ في آثار المنهزمين، احذر التعرض للنهب إلا بعد الإبلاغ في النكاية، تفقد نفسك عند المواقعة، لا تهمل التعبئة عند المناوشة فإن فساد التعبئة من أعظم الخلل، بذل الأمان عند دفعك على العدو فرصة، احذر اختلاف أصحابك، استمل رؤساء
стр. 2350
عدوك، لا تجعل النهر وراءك عند الزحف، إذا حاربت عدوك فعده كفئا، بالغ في الهزيمة ثم تعرض للغنيمة، ومن خفر ضمانه بطل أمانه، أخر الحرب ما استطعت فإن النفقة فيها من النفوس، فإن لم يكن منها بد فاجعلها آخر النهار وليعظهم، وقد يلتقي الجمعات والموت فيهما فيقتل من ولي ويسلم من حمل.
وروي أن عمر ﵁ سأل عمرو بن معدي كرب عن الحرب فقال: الحرب مر المذاق فإذا كشفت عن ساق من وقف فيها عرف، ومن هرب منها تلف، وهي كما قال القائل:
الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل
стр. 2351
وحكي أن الأحنف بن قيس نظر إلى سيف مع رجل فأخذه فهزه ثم قال لصاحبه: إن سيفك لجيد لولا قصر فيه، فقال الرجل: يطيل قصره خطوة، فقال: يا ابن أخي المشي إلى الصين أسهل من تلك الخطوة.
تم كتاب الجهاد الثاني من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم].
стр. 2352
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم وسليما
كتاب الأيمان والنذور
في النذور والأيمان بالحج والعمرة ونذر المشي في ذلك وفي غيره
وفي الاستثناء في المشي وغيره
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فلزم بذلك كل ما عقد من أعمال البر في يمين أو غيرها.
وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.
وقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
وقال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
وأمر بطرح ما ليس بطاعة الله.
стр. 2353
وأمر الذي نذر أن يمشي القهقري إلى الكعبة أن يمشي لوجهه.
واللذين نذرا أن يمشيا في قران أن يحلا قرانهما.
وقال ﵇: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد -فذكر مسجده والمسجد الحرام ومسجد إيلياء-».
قال مالك ﵀: فمن أوجب على نفسه المشي إلى الكعبة في نذر أو يمين حنث بها فعليه الوفاء به، وقال ابن عمر وغيره.
قال ابن المواز: ولا كفارة في ذلك لقول رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فيلطع» ولم يجعل فيه كفارة؛ والحج والعمرة من الطاعات، فمن قال: فيه كفارة فقد خالف ما أمره الرسول ﷺ به.
стр. 2354
ومن المدونة قال مالك ﵀: فمن قال: علي المشي إلى مكة أو إلى بيت الله أو قال: إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة إلى بيت الله فحنث؛ لزم المشي إلى مكة إلى شاء في حجة أو عمرة، وإحرامه في ذلك من ميقاته لا من موضعه.
قال: وقوله: أنا أحج إلى بيت الله، أو فعلي حجة، أو لله علي حجة؛ سواء ويلزمه الحج.
ابن المواز: إن شاء راكباً أو ماشياً إذا لم يقل علي المشي.
ومن المدونة قال مالك: وإن أكثر من النذور بالمشي إلى مكة ما لا يبلغه عمره؛ فلا يجزيه إلا أن يمشي ما قدر عليه من الزمان، ويتقرب إلى الله بما استطاع من خير.
قال بعض فقهائنا: فإن عجز هذا فركب فلا يرجع ثانية لأجل ركوبه وعليه الهدي لذلك ورجوعه إنما يكون لباقي نذره فأعلمه.
[قال أبو إسحاق: وما لم يبلغه عمره أو عجزت عنه مقدرته ساقط عنه.
وقوله يتقرب إلى الله تعالى بما استطاع إليه من الخير ندب؛ لأن من أوجب على نفسه ما قدرة له عليه سقط عنه.
قال]: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إن كلمت فلاناً، فكلمه؛ فعليه المشي إلى مكة، وله أن يجعله في حجة أو عمرة، فإن جعله في عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا
стр. 2355
والمروة، فإن ركب بعد سعيه وقبل أن يحلق فلا شيء عليه، وإن جعله في حجة مشى حتى يقضي طواف الإفاضة، فإذا قضاه فله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى وفي رمي الجمار بمنى.
ابن المواز: وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: آخر النسك الطواف بالبيت.
وقال ابن حبيب: إذا عجل طواف الإفاضة فلا يركب في رجوعه إلى منى ولا في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه.
ومن المدونة قال مالك: وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى فلا يركب في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه، كما له إذا وصل إلى المدينة أو المناهل ماشياً أن يركب في حوائجه، أو تذكر في طريقه وهو سائر حاجة نسيها فليرجع وراءها راكباً.
قال أبو محمد: وإنما يعني ابن القاسم بقوله في الأم: وأنا لا أرى به بأساً: يريد في حوائجه لا في الجمار.
стр. 2356
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو مشى في حجه كله وركب في الإفاضة فقط لم يعد ثانية وأهدى؛ لأن مالكاً قال: إذا مرض في طريقه فركب الأميال أو البريد أو اليوم -ابن المواز قال مالك-: أو اليومين ومشى البقية لم يعد ثانية وأهدى.
ومن المدونة قال مالك: ولو مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ثم خرج إلى عرفات وشهد المناسك والإفاضة راكباً رجع قافلاً راكباً فركب ما مشى ومشى ما ركب.
م: لأنه ركب يوم التروية ويوم عرفة وأيام الرمي وفي الإفاضة وهذا كثير.
ولأن ركوبه وقع في مواضع أعمال الحج فهو أشد من مشى في الطريق اليوم واليومين فلذلك أوجب الرجوع عليه.
قال ابن المواز: قال مالك: ويهدي أحب إلي من غير إيجاب، ولم يره في الهدي مثل من عجز في الطريق.
стр. 2357
م: يريد عجزاً يوجب عليه فيه العودة أم لا؟
قال ابن القاسم: لأن بعض الناس لم يوجب عليهم العودة في المشي إذا بلغ مكة وطاف ورأى أن مشيه قد تم وأرخص له في الركوب إلى عرفة فلذلك عندي لم يوجب عليه مالك الهدي.
قيل لابن المواز: فلم لم يقطع المشي إذا انتهى إلى البيت وهو إنما أوجب على نفسه المشي إلى البيت؟ قال: لأنه جعله في حج.
وقد قال الله ﵎ في البدن: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وليس لها محل في الحج إلى بمنى.
[قال محمد: واجب لمن عليه المشي وهو صرورة أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج، ويمشي بعد قضاء حجة، وإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في عمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضة.
وقال مالك: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره، وقد] قال عمر: آخر النسك الطواف بالبيت.
стр. 2358
ومن المدونة قال مالك: ويمشي الحالف من حيث حلف إلى أن ينوي موضعاً يمشي منه فله نيته وإن لم يحرك بذلك لسانه.
قال ابن المواز: فلو حلف بمصر وحنث بالمدينة؛ فليرجع إلى مصر حتى يمشي منها، ومن حلف بالمشي إلى مكة وهو بمكة فحنث فليخرج حتى يمشي من الحل؛ فأنه لا يحرم أحد بعمرة ويحل منها في الحرم فإن جهل فأحرم من مكة فليخرج راكباً ثم يرجع من الحل ماشياً.
قال: وكذلك لو نوى أن يحرم ساعة فحنث؛ فلا بد أن يخرج وغن كان الإحرام قد لزمه.
وروي عن مالك هذا الحالف إن حالف في غير المسجد الحرام فليمش إلى البيت من موضع حلف فإن حلف في المسجد فهذا يخرج إلى الحل.
قال عبد الملك: وإذا حلف وهو في مسجد بلده أو في موضع منه فحنث؛ فليمش من تلك المدينة من حيث شاء منها ويجزئه.
قال ابن المواز: وإذا حنث بغير البلد الذي حلف فيه وهو ممن لا يقدر على المشي فليرجع إلى ذلك البلد ثم يمشي منها ما قدر ثم يركب ويهدي.
стр. 2359
قال أصبغ: إن كان قريباً ليس عليه فيه كبير مشقة رجع وإلا مشى من حيث حنث وأهدى.
م: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عمن حلف بالمشي إلى مكة وهو بصقلية فحنث هل يمشي من أقرب بر إليها من الإسكندرية لأن عادتهم في السير إلى الحج إنما هو منها؟
فقال: إنما عليه أن يمشي من الإسكندرية؛ لأنه الغالب من فعلهم إذا أرادوا الحج إنما ينزلون بالإسكندرية، وأما بر إفريقية فإنما يأتون إليه على باب التجارة.
وقال أبو عمران: بل يلزمه المشي من بر إفريقية؛ لأنه أقرب بر إليها.
стр. 2360
م: وهذا أبين لأن عادات [الناس بذلك يمشون من بر إفريقية إلا أن تكون له نية فيحمل على نيته، أو لا تكون له نية فيحمل على عادات] الحالفين.
ومن المدونة قال ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: من نذر مشياً من بلد فليحرم من ميقاته الذي وقت له لا من موضع نذره.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن قال إن كلمت فلاناً فأنا محرم بحجة أو بعمرة.؟
قال: أما الحجة فإن حنث قبل أشهر الحج لم يلزمه أن يحرم بها حتى تأتي أشهر الحج إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث فيلزمه ذلك وإن كان في غير أشهر الحج. وأما العمرة: فعليه أن يحرم بها وقت حنثه إلا أن لا يجد صحابه فليؤخر حتى يجد فيحرم حينئذ.
وقال سحنون: يحرم؛ وإن لم يجد صحابه أقام على إحرامه.
стр. 2361
وحكي عن أبي محمد أنه قال: العمرة لا وقت لها؛ فلذلك وجب أن يحرم بها وقت حنثه، والحج له زمان وهي الأشهر؛ فمتى حنث قبلها لم ينبغ له أن يحرم بالحج حتى تدخل الأشهر، وهذا إذا كان يصل من بلده إلى مكة [في أشهر الحج، فأما إن كان لا يصل من بلده إلى مكة] حتى يخرج أشهر الحج؛ فإن هذا يلزمه الإحرام من وقت حنثه.
م: يريد: يلزمه الإحرام من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج. وحكي لنا عن أبي الحسن ابن القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم.
стр. 2362
م: وقول أبي محمد أولى، لأن معنى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرماً، على ذلك يحمل قوله وعليه يدل لفظه.
وفي كتاب ابن المواز ما يؤيده.
قال فيه في موضع: يحرم في أشهر الحج. وقال في موضع آخر: يحرم في أوان الحج؛ فهذا يدل على صحة تأويل أبي محمد، والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإحرامه في ذلك بحج أو بعمرة من موضعه لا من ميقاته إلا أن ينويه؛ فله نيته.
م: بخلاف من قال: علي المشي إلى مكة فهذا يحرم من ميقاته جعل مشيه في حج أو عمرة.
قال مالك: وإن قال: أنا محرم يوم أكلم فلاناً فإنه يوم يكلمه يحرم.
قال: وقوله: يوم أفعل كذا فأنا أحرم بحجة، كقوله فأنا محرم بحجة.
قال سحنون: قوله: فيأنا محرم؛ يوجب عليه الإحرام من حين حنث، وقوله: فأنا أحرم؛ لا يكون محرماً حتى يحرم ويقال له: أحرم.
وقال إبراهيم والشعبي: إن قال: إن فعل كذا فهو محرم بحجة؛ فليحرم إن شاء من عامه، أو متى ما تيسر عليه. وإن قال: يوم إن أفعل؛ ففعل فهو يومئذ محرم.
стр. 2363
فصل
قال مالك: ومن لزمه المشي إلى مكة فخرج ماشياً فعجز في مشيه فليركب فيما عجز فإذا استراح نزل، وعرف أماكن ركوبه من الأرض، ثم يعود ثانية فيمشى أماكن ركوبه، ولا يجزيه أن يمشي عدة أيام ركوبه، إذ قد يركب موضع ركوبه أولاً، وليس عليه في رجوعه ثانية، وإن كان قوياً أن يمشي الطريق كله ولكني يمشي ما ركب فقط ويريق دماً، وقاله ابن عمر وابن عباس، قال ابن عباس: وهديه بدنة.
قال ابن المواز: فإن مشي الطريق كله في عودته فلا هدي عليه؛ لأنه لم يعرف مشيه.
стр. 2364
قال: وهذا إذا لم يكثر ركوبه، فأما من كثر ذلك منه فكان يمشي عقبة ويركب عقبة؛ فليرجع ويمشي الطريق كله ولا هدي عليه، قاله مالك.
قال مالك: وأما من ركب يوماً أو ليلة -قال في موضع آخر- أو يومين ومشي باقي ذلك؛ لم يرجع وليهد، فإن لم يجد صام عشرة أيام، [وليس كمن جعل فركب في المناسك؛ يرجع قابلاً حتى يمشي ما ركب ولا يلزمه هدي إلا أن يشاء، وقد تقدم هذا.
قال مالك: ومن وجب عليه مشي فمشى حتى بلغ المدينة فأقام بها شهراً ثم خرج ماشياً في عمرة حتى دخل مكة فطاف وسعى فقد فرغ من مشيه ولا شيء عليه.
م:] وإنما لزمه الهدي بخلاف من عجز في موضع المناسك؛ لأن هذا لم يوجب عليه العودة فجبر بعض مشيه بالهدي، والذي مشي في المناسك أوجب عليه العودة لمشيه في مواضع الحج، وخفف عليه في الهدي؛ لأن بعض الناس رأى: أن مشيه إذا بلغ مكة قد تم فلم يجمع عليه مالك مع العودة الهدي إيجاباً.
стр. 2365
وقال ابن حبيب: من مشى في نذر لزمه فركب في بعض الطريق من غير ضرورة ولا ضعف يقتضي ذلك؛ فهذا يبتدأ في المشي بخلاف ذي العذر وجعله كمفطر في صوم متتابع، وحكاه عن بعض أصحاب مالك.
م: وهذا خلاف ظاهر المدونة ولا فرق على مذهب ظاهر المدونة بين من ركب لعذر أو لغير عذر. وقد قال في كتاب محمد: من جهل فركب في المناسك فليرجع يمشي ما ركب، والجاهل عندنا كالعامد، وليس ذلك كصيام التتابع؛ لأنه لو لم يصل تتابع المشي ولكن كسر في كل منهل أياماً لا أجزأه ذلك المشي بإجماع.
قال ابن حبيب: ولا يرجع في ركوبه اليوم فأقل منه، ويرجع في أكثر منه.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: وإذا عجز فركب ثم رجع ثانية فلم يتم مشيه في المرة الثانية لم يعد ثالثة وأهراق دماً.
قال ابن المواز: وهدي واحد يجزيه في ذلك كله.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى؛ كانت حجة أو عمرة.
стр. 2366
قال ابن حبيب: وهديه بدنة؛ فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام متى شاء، ولو أهدى في هذا شاة وهو واجد لبدنه أجزأه.
ومن المدونة قال: ولو علم أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين لضعفه أو بعده بلده، أو كان شيخاً زمناً [أو امرأة ضعيفة أو مريضاً أيس] من البرء فلا بد أن يخرج أول مرة ولو راكباً ويمشي ولو نصف ميل، ثم يركب ويهدي ولا شيء عليه بعد ذلك وإذا رجا المريض إفاقة يقدر بعدها على أن يمشي تربص للإفاقة إلا أن يعلم أنه غير قادر في إفاقته أن يمشي فهو بمنزلة الشيخ الكبير يمشي ما أطاق ثم يركب ويهدي.
قال ابن القاسم: والمشي على الرجال والنساء فيما ذكرنا سواء.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن عليه مشي فأصاب طريقاً أخصر من طريق فليختصر.
قال مالك: ولمن حنث من الأندلس أن يركب البحار للحجاز؛ لأنه لابد له من ذلك.
стр. 2367
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل مشيه في عمرة فعجز وركب فله أن يجعل الثانية في حج أو عمرة.
قال فيه وفي كتاب ابن المواز: وكذلك لو جعل مشيه الأول في حج فعجز فله أن يجعل مشيه الثاني في عمرة.
قال فيه وفي المدونة: لا تبال وإن خالف المشي الأول.
قال أبو محمد: لعله يريد إذا لم يكن ركوبه أولاً في حجته في المناسك بمنى وعرفة والمزدلفة.
وأما لو كان ركوبه في هذه الأماكن في حجته الأولى كيف ينبغي أن يجعل الثانية في عمرة وهو لا يصل أن يمشي ما ركب، وقد ذكر عن سحنون أنه قال: ليس له أن يجعل المشي الثاني في عمرة؛ لأن عمل العمرة أقصر من عمل الحج يريد وإن كان مشيه في غير المناسك.
م: قال بعض فقهائنا: إن قيل: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه يلزمه ما دخل فيه مثل إذا نذره فلم فرق بين ذلك في هذه المسألة؟
قال: قال بعض القرويين: إنما فرق بين ذلك لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرة فجعل مشيه في حج وعمرة ورجع من أجل عجزه وركوبه فرجوعه إنما هو لوفاء النذر لا لأجل الحج والعمرة؛ فلذلك جاز أن يجعل الثاني خلاف الأول إذا كان ركوبه في غير المناسك،
стр. 2368
وإذا نذر ذلك في حج أو عمرة فإنما رجوعه من أجل نذره فوجب أن لا يجعله خلاف الأول.
م: كأنه يقول: الأول نذر مشياً فرجع لوفائه، والثاني نذر حجاً مشياً فرجع لوفائه.
م: وإنما افترق ذلك لافتراق السؤال، وأما سؤاله: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه مثل إذا نذره؛ فليس الأمر كما قال، وهذه المسألة تدل على خلافه؛ لأنه لو نوى مشياً في حج فله أن يجعله في عمرة، وقد قال ابن المواز: من أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه مشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذرٍ نذره.
م: وكذلك من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً، فله أن يصلها جالساً، أو نوى أن يقرأ فيها سورة كذا؛ فله أن يقرأ فيها غيرها، وإنما يلزم من هذا كله ما نذره نذراً على نفسه.
стр. 2369
ولأبي عمران الفاسي نحو ذلك.
وإنما افترقت المسألة الأولى لافتراق السؤال فأعلمه.
ومن المدونة قال مالك إلا أن يكون نذر المشي الأول في حج فلا يجعل الثاني في عمرة، أو نذر الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حج.
وقال ابن حبيب: إذا نذر المشي الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حجة؛ لأنه زاد ولم ير ذلك.
ابن القاسم: وأجازه غيره من أصحاب مالك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس له أن يجعل مشيه الأول ولا الثاني في فريضة عند مالك.
قال مالك: وإن جعل مشيه في عمرة فحل منها فله أن يحج الفريضة من مكة.
قال ابن القاسم: ويكون متمتعاً إن كانت عمرته في أشهر الحج ولو قرن، يريد بالعمرة المشي الذي عليه وبالحج فريضة، لم يجزه من الفرض وعليه دم القران.
قال ابن حبيب: ويجزيه ذلك عن مشيه الذي وجب عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم وقد قال مالك: فيمن نذر مشياً فحج ماشياً وهو صرورة ينوي بذلك نذره وفريضته؛ إنها تجزيه لنذره لا لفريضته وعليه قضاء الفريضة قابلاً.
стр. 2370
ابن المواز: وهذا إذا لم ينو بنذره حين نذره حجاً ولا عمرة وأما إن كانت يمينه بحجة فحنث فمشى في حج نوى به فرضه ونذره فهذا لا يجزيه عن واحد منها؛ لأن هذا ممن لم يكن يجزيه أو يحرم عن نذره بعمرة.
ولو مشى عن نذره في حج ففاته الحج لم يجزه إذا حل منها بعمرة عن مشيه، ولا بد أن يستأنف الحج عن مشيه من قابل، فكذلك إذا أشرك بينهما لم يجزه عن واحدة منهما؛ لأن كل واحدة قد نقصت عما وجبت عليه حين جعل لكل واحدة نصف حجة، وإما إذا لم ينو لنذره حين نذره حجاً ولا عمرة فمشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها نذره وفرضه فهذه التي قال فيها مالك: تجزيه لنذره. ويقضي الفريضة؛ لأنه نقض الفريضة لما جعل بعضها لنذره ولا تجزي فريضة غير تامة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وذلك يجزيه لنذره، وإن لم تكن حجة النذر تامة، كما قال مالك فيمن أحرم لنذره بحجة ففاته الحج أن ذلك يجزيه لنذره إذا طاف وسعى وحلق، وإن كان أحرم له بحجة فلم تتم فكذلك لا يضره في نذره معه من مشاركة فريضته التي ألزمناه فيها القضاء، ولم يختلف في قضاء الفريضة وحدها قول مالك وأصحابه إلا عبد الملك فإنه روى لنا عن مالك: أنه يعيدها جميعاً استحساناً، وقال أصبغ.
قال عبد الملك وقال المغيرة: تجزيه عن الفريضة ويعيد النذر وبه أقول.
стр. 2371
قال ابن المواز: والصواب قول مالك.
وكان حجة عبد الملك فيه قياساً على من طاف بالصبي ينوي عن نفسه وعن الصبي؛ أنه يجزيه عن نفسه ولا يجزيه عن الصبي.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه يجزي عن الصبي ويعيد عن نفسه وهو الصواب؛ لأن الطواف عن الصبي تطوع لا يضره نقصه وعن الكبير واجب فلا بد من تمامه.
قال: ولو أن رجلاً حمل رجلاً فطاع به طوافاً واحداً عنه وعن الرجل؛ لم يجزه عن واحد منهما كان المحمول صحياً أو مريضاً.
قيل لابن المواز: فالاعتكاف لا يكون إلا بصوم كما لا يكون المشي إلا في حج أو عمرة وأنت تجيز الاعتكاف وغيره في رمضان من الصيام الواجب، فلم لا تجيز المشي الذي نذر في الحج الواجب؟
قال: لأن الاعتكاف الذي يعتكفه في صوم واجب لم ينذره كما نذر المشي؛ وإنما يلزمه بالنية والدخول فيه، ولو نذر اعتكافاً لم يجز له اعتكافه في رمضان، ولا في صيام واجب من ظهار أو قتل نفس؛ لأن من نذر اعتكافاً فقد نذر صيامه فلا يجوز أن يقضيه في صيام واجب ويبطلان جميعاً كمن نذر مشياً بحج أو بعمرة لم يجزه أن يشرك معه فريضة.
م: وذكر بعض أصحابنا: أن بعض الناس قال: إن قول ابن المواز: إذا نذر أن يمشي في حج بمشى ينوي فرضه ونذره، أنه لا يجزيه عن واحدة منها، خلاف قول ابن القاسم،
стр. 2372
وما جرى في كتاب الحج الأول من المختلطة في مسألة العبد يحرم بالحج فيحلله سيده ثم يعتقه؛ فبحجة ينوي القضاء وحجة الفريضة؛ أنه يجزيه للقضاء لا للفريضة، يدل على هذا خلاف ما قال ابن المواز:
م: وليس الأمر كما قال؛ لأن العبد لم ينذر حجة الأول ماشياً كما نذر الحر وإنما أحرم بحجة تطوع فهو كمن نذر مشياً فمشاه في حج ينوي بذلك فرضه ونذره؛ فهذه تجزيه عن نذره لا لفرضه، ولو نذر العبد أن يمشي في حج فمشى في حج ثم حلله السيد منه ثم عتق فمشى في حج ينوي به القضاء والفريضة؛ لوجب ألا يجزيه عن واحد منهما على قول ابن القاسم، والحر والعبد في هذا سواء.
وأما سحنون وغيره فلا يلزم العبد في ذلك قضاء.
стр. 2373
قال الشيخ: ويجب على قول سحنون هذا إذا حج العبد يعد عتقه ينوي بذلك القضاء والفريضة أنه يجزيه عن الفريضة؛ لأنه أشرك مع الفريضة ما لا يلزمه؛ كمن مشى عن غيره في فريضته؛ أن فريضته تجزيه.
وقد قال ابن المواز قال مالك: وأما من مشى عن غيره وجعلها حجة عن نفسه وهو صرورة أجزأ عنه حجة الفريضة ولم يضره ما مشى عن غيره؛ إلا يجوز أن يمشي أحد عن أحد.
قال ابن المواز: ومن أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه المشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذر نذره.
م: يلزم على هذا أن من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً أنه لا يلزمه وله أن يصليها جالساً وكذلك لو نوى أن يقرأ فيها أو في الفريضة سورة كذا؛ أن ذلك لا يلزمه وله أن يقرأ غيرها إلا أن ينذر ذلك كله فيلزمه، وكذلك من نوى أن يقرأ سورة فبدأ فيها فله أن لا يتمها، وكذلك من نوى جوار مسجد مثل جوار مكة لا يلزمه ولا اليوم الأول وإن دخل فيه بخلاف الاعتكاف والصلاة التي لا تتبعض.
قال ابن المواز: قال: فإن أوجب مشياً فعجز فركب فعليه أن يرجع حتى يمشي ما ركب في حجة أو عمرة وقاله عبد الملك.
стр. 2374
قال ابن المواز: وإن حلف بالمشي ولم ينو حجاً ولا عمرة فحنث؛ فخرج من بلده لحنثه خاصة ماشياً فلما بلغ الميقات أحرم بالحج عن فرضه خاصة فأتمه ماشياً؛ فإنه يجزيه لفرضه، ويرجع فيمشي لنذره من ميقاته الذي أحرم منه؛ كما لو بدا له فرجع من هناك إلى مصره أو غيره؛ فإنه يرجع راكباً ثم يمشي من الميقات الذي كان بلغ مشيه إليه.
قال ابن المواز: وأحب لمن عليه المشي وهو صرورة: أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج ويمشي بعد قضاء حجه فإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في العمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضته، وقاله مالك.
محمد: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالمشي فحنث فمشى في حج ففاته الحج؛ أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، ومشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ويقضي الحج قابلاً راكباً ويهدي لفوات الحج.
قال مالك في كتاب محمد وغيره: فإذا حج قابلاً فليس عليه أن يمشي من مكة إلى منى لأن مشيه قد صار في عمرة فقد قضاه.
محمد: وقال ابن القاسم: يمشي المناسك في قضائه قابلاً، وقال سحنون.
قال الشيخ: قال شيخنا القاضي أو الحسن: قول مالك أولى؛ لأنه لما فاته الحج رجع إلى عمل العمرة فكأنه فيها مشى، وإنما أوجب عليه الحج قابلاً؛ لأنه دخل فيه ففاته.
стр. 2375
وقد قال ابن القاسم: فيمن تعدى ميقاته وقد أحرم بحجة وفاته الحج؛ فلا دم عليه لتعدي الميقات لأنه عمله صار إلى عمرة.
م: أسقط الشيخ بعض احتجاج ابن القاسم وهو قوله: وإنما يقضي الحج قابلاً.
م: وكأن ابن القاسم إنما أسقط عنه الدم للوجهين، وظهر لي أن قول ابن القاسم وسحنون في مسألة النذور أصح؛ لأنه لما جعل مشيه في حج لزمه تمامه في حج كما جعل على نفسه، فلا فرق بينه وبين من جعل مشيه في حج فركب في المناسك فقد قال فيه: يحج قابلاً راكباً، ثم يخرج من مكة ماشياً حتى يقضي مناسكه ويفيض فهذه أمثلة.
ولأنه لما جعل مشيه في حج ففاته لزمه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه [لزمه المشي فيما بقي عليه، كمن نذر اعتكاف رمضان فمرضه فوجب عليه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه] وجب عليه اعتكافه، بخلاف ما لو نذر اعتكاف شعبان فمرضه؛ هذا لا يجب عليه قضاؤه فلا يلزمه اعتكافه؛ فالمشي بمنزلة الاعتكاف وهذا بيّن.
стр. 2376
قال يحيى بن عمر عن ابن القاسم: في الرجل يجب عليه المشي فيمشي في حجة فيفسدها بالوطء بعرفة؛ فإنه يتم حجة ويقضي، ويعيد المشي من الميقات، ويركب ما قبله؛ لأن المشي الذي وقع له فيه الوطء يجزيه، ولا يعيده، وعليه هدي للفساد، وهدي لتبعيض المشي.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى حافياً راجلاً فلينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف.
ابن وهب: وقد رأى النبي ﷺ امرأة تمشي حافية ناشرة شعرها فاستتر منها بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: إنها نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها فقال ﵇: «فلتختمر ولتنتعل ولتمش».
стр. 2377
ونظر ﵇ في حج الوداع إلى رجلين نذراً أن يمشيا في قران، فقال لهما: «حلا قرانكما وامشيا إلى الكعبة وأوفيا نذركما».
ونظر ﵇ إلى رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة القهقري فقال: «مروه فليمش لوجهه».
قال ابن القاسم عن مالك: وإن قال إن فعلت كذا فأنا أحمل فلاناً إلى بيت الله تعالى فحنث؛ فإنه ينوي فإن أراد التعب بحمله على عنقه حج ماشياً وأهدى وليس عليه إن حج بالرجل، وإن لم ينو ذلك حج راكباً بالرجل معه ولا هدي عليه، فإن أبى الرجل أن يحج؛ حج الحالف وحده راكباً، ولا شيء عليه في الرجل.
قال علي عن مالك: وإن نوى إحجاجه من ماله فلا شيء عليه هو إلا إحجاج الرجل، فإن أبى الرجل الحج فلا حج على الحالف.
م: وقول علي هذا ليس بخلاف لابن القاسم؛ لأنه إذا نوى إحجاجه معه من ماله فقد بين أنه لم يجعل على نفسه حجة.
стр. 2378
م: قال بعض شيوخنا: وإذا قال: أنا أحمله وأراد التعب بذلك على عنقه؛ أمرنا أن يحج ماشياً ويهدي، فالهدي في هذا مستحب كقول مالك فيمن حلف أن يمشي إلى بيت الله حافياً راجلاً قال فيه: إن أهدى فحسن وإن لم يهد فلا شيء عليه.
قال في الكتاب: وإن لم يرد حمله على عنقه فليحج راكباً ويحج بالرجل معه ولا هدي عليه.
م: قال بعض فقهائنا: إنما يصح أن يكون عليه الحج بنفسه إن قصد ذلك، وإن لم تكن له نية في الحج بنفسه فليس عليه إحجاج الرجل.
م: وأنا أقول: إن لم تكن له نية؛ أنه يلزمه هذا الحج؛ لأن ظاهر لفظه أنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل على الحج يلزمه قوله في الكتاب: وقوله: أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أنا أحمله لا يريد على عنقه. وقول علي أنه أيضاً إن نوى إحجاجه من ماله فليس عليه إلا إحجاج الرجل.
стр. 2379
م: يدل قوله: إن لم ينو ذلك حج هو والرجل، وكذلك قول يحيى بن سعيد في التي قالت في جارية ابنها: إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله، فوطئها ابنها؛ أنها تحج وتحج بالجارية معها.
م: كأنهم حملوا قوله: أحمله؛ الذهاب معه، فإذا لم تكن له نية لزمه الذهاب أيضاً به والله أعلم.
قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أنا أحج بفلان إلى بيت الله؛ فإنه أوجب من قوله: أحمله لا يريد على عنقه، وحجه به طاعة فإن أبى الرجل الحج فلا شيء عليه فيه.
م: وحكي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: إنما قوله أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أحمله، في إلزامه هو [الحج؛ لأن قوله: أنا أحمل فلاناً يحتمل أن يحمله من ماله ولا يخرج هو، وقوله: أنا أحج بفلان لا يحتمل ذلك، والجواب فيها واحد].
ومن المدونة قال مالك: فيمن قال: أحمل هذا العمود أو هذه الطنفسة ماشياً أو غيره إلى مكة، طلب بذلك المشقة على نفسه؛ فيحج ماشياً، أو يعتمر غير حامل شيئاً ويهدي.
стр. 2380
ابن المواز قال مالك: فإن لم يقدر على المشي فركب لما عجز؛ فليس عليه غير هدي واحد وليس هذا من الأمور التي مضت فيها سنة.
قال: وإن كان ذلك الشيء مما يقوى على حمله؛ حج راكباً أو اعتمر ولا شيء عليه فيما ترك من الحمل وإن كان مليئاً.
ومن المدونة ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: في امرأة قالت في جارية ابنها إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله فوطئها الابن.
قال: تحج بها وتذبح ذبحاً؛ لأنها لا تستطيع حملها.
م: لعله يريد إذا لم تكن بها نية في حملها أو إحجاجها؛ فلذلك أوجب عليها ما يجب في الوجهين الإحجاج والهدي لحملها وهو خلاف ما تقدم لمالك.
وقال إبراهيم النخعي: من قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني فليحجه ويهدي بدنة. يريد: ولا يحج هو.
стр. 2381
فصل
قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إلا أن يبدو لي وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ فعليه المشي ولا ينفعه استثناؤه.
يريد: إلا أن يضمن يمينه بفعل فينفعه.
قوله: إلا أن يبدو لي. يريد: إلا أن يبدو لي في الفعل، وكذلك هذا في يمينه بالطلاق والعتاق.
[ولو قال: أنت طالق إن شئت فكان ذلك كله له جائز، إلا أن هذا لم يقع طلاقاً وإنما تقدير قوله: إن شئت فأنت طالق وهو لم يشأ بعد، فأشبه بع، فأشبه قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء؛ لأوجب عليه الطلاق، وكان مثل قوله: إلا أن يبدو لي لأنه أوقع طلاقاً وأبقى لنفسه رده متى أراد، وذلك لا يصح ولو على الطلاق والمشي بفعل يصح استثناؤه في الفعل].
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: هذا الذي حكاه ابن القاسم أن مالكاً قال: الاستثناء في المشي إنما هو أن يقول: علي المشي إلا أن يشاء الله، ولا يشبه هذا قوله: علي المشي إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك.
стр. 2382
م: واستحسن ذلك بعض فقهائنا وقال: وأما قوله: إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ إلا كقوله إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يرى فلان، فرد ذلك إلى نفسه كرده إلى فلان، فكما لا يرزمه إذا لم يشاء فلان فكذلك لا يلزمه إذا لم يشأ هو.
стр. 2383
قال مالك: ولا ثنيا في طلاق ولا عتاق ولا صدقة ولا مشي. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء فلان؛ فلا شيء عليه حتى يشاء فلان، وكذلك هذا في الطلاق والعتاق.
[قال أبو إسحاق: لأن هذا أمر لا يحكم عليه به فالقول قوله فيما يدعي أنه أراده.
واختلف لو حلف به في حق أو وثيقة:
فقيل: القول قوله أيضاً بكل حال؛ لأنه لا يقضى عليه.
وقيل: لا ينتفع بنيته التي يدعيها إذا كان في حق أو وثيقة، وإن كان لا يقضى عليه بالمشي؛ لأن يمين من حلف على هذا في حق أو وثيقة إنما يكون على نية المحلوف له، ولا على نية الحالف، وهو مذهب أصبغ؛ لأن المحلوف له قصد الاستئناف منه وأن يضيق عليه، فإذا قصد الحالف ما يسقط يمينه لم يلتفت إلى قصد على مذهب هذا القول؛ لأنه قد طاع فإعطاء الوثيقة، وما ذكره ليس بوثيقة للذي له الدين.
واختلف أيضاً: لو كانت يمينه في حق أو وثيقة بطلاق أو عتق:
فقيل: ينوى فيه.
وقيل: لا ينوى.
والقياس لعمري في هذا: لا ينوى؛ لأن يمينه في حق، أو وثيقة، كشهادة البينة عليه بظواهر ألفاظ يدعي ما يسقطها فلا يقبل منه].
стр. 2384
فصل
قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله ينوي مسجداً من المساجد؛ فله نيته، وإن لم تكن له نية فعليه المشي إلى مكة.
قال ابن القاسم: وإن قال: علي المشي ولم يقل إلى بيت الله؛ فإن نوى مكة مشى إليها وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه.
وقال أشهب: عليه المشي
قال مالك: ومن حلف بالمشي إلى مسجد الرسول أو مسجد بيت المقدس فحنث فليأتها راكباً، وإنما يمشي من قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى.
قال إسماعيل القاضي: لأن الرجل إذا قال: علي المشي إلى بيت الله؛ فظاهر قوله يدل على أنه أوجب على نفسه الحج ماشياً أو العمرة، وإن لم يكن له نية في أحدهما بعينه فقد أوجب على نفسه أن يأتي البيت محرماً، والإحرام لا يكون إلا بأحدهما فله أي ذلك أحب؛ إن شاء كان مشيه في حج وإن شاء في عمرة، والمشي والركوب في الحج والعمرة طاعة، فإذا أوجب المرء على نفسه أحدهما لزمه ذلك، فإذا جعل الرجل على نفسه المشي إلى بيت المقدس أو مسجد المدينة؛ لزمه أن يأتي ذلك إن شاء راكباً وإن شاء راجلاً، ولم يلزمه المشي؛ لأن المبتغى في مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس الصلاة فيهما؛ لما في ذلك الفضل على سائر مساجد البلدان إلى مسجد مكة، ولولا ذلك ما لزمه إتيانهما؛ فألزمناه ما جعل
стр. 2385
على نفسه من فضيلة الصلاة التي هي طاعة، ولم يلزمه المشي إذ لا طاعة فيه.
ولو جعل على نفسه المشي إلى مسجد مكة يريد الصلاة فيه دون الإحرام؛ لكان كذلك، ويركب إن شاء.
ومن المدونة قال مالك: ولو قال له علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة إلى بيت المقدس؛ فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول ومسجد بيت المقدس، وإن لم ينو الصلاة فيهما؛ فليأتهما راكباً ولا هدي عليه، وكأنه لما سماها قال: لله علي أن أصلي فيهما.
وابن وهي يرى أن يأتيهما ماشياً.
وقال غيره: إن كان بينه وبين الأميال اليسيرة؛ فليأتهما ماشياً والمشي -ضعيف، وقاله أصبغ.
ومن المدونة قال مالك: ولو نذر الصلاة في غير هذه الثلاثة مساجد لم يكن عليه أن يأتيه مثل قوله: علي المشي إلى مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة فأصلي فيه أربع
следующие страницы →