Полный текст (9 651 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
فصل
قال مالك: ولا يرث أحد إلا بيقين.
قال ابن القاسم: وإذا ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها وهو أبو الولد ماتت قبله، وقال أخو المرأة ماتت بعده؛ فإن لم يعلم أولهما موتاً، لم ترث المرأة الولد ولا الولد المرأة ويرث كل واحد منهما أحياء ورثته.
قال: ولا يرث الموتى بعضهم من بعض، إذا لم يعرف أولهما موتاً.
قال: وإذا أعتقت أمة تحت حر؛ فمات زوجها فقالت: أعقت قبل موته، وكذلك قال سيدها، وقال ورثة الزوج بل أعتقت بعد موته فلا يرث منه شيئاً لأنه ميراث بالشك ولا يرث أحداً إلا بيقين.
قال: وإذا مات المولى ومعتقه وجهل أولهما موتاً؛ لم يتوارثا، وميراث المولى الأسفل لأقرب الناس من سيده من الذكور، ولا يرث [المولى الأسفل] المولى الأعلى على حال علم الموت أو جهل.
وإذا مات المتوارثان بقتل أو بغرق أو بهدم ولا يدرى أولها موتاً؛ فلا يتوارثا، ويرث كل واحد منهما ورثته الأحياء.
стр. 3257
قال مالك وسمعت ربيعة وغيره ممن أدركت من أهل العلم: لم يتوارث من قتل يوم الجمل وأهل الحرة وأهل صفين وأهل قديد؛ فلم يورث بعضهم من بعض؛ لأنهم لا يدرى من قتل قبل صاحبه.
قال ابن شفاعة: روي خارجة بن زيد بن ثابت قال: أمرني أبو بكر الصديق حين قتل أهل اليمامة أورث الأحياء من الأموات، ولا أورث الأموات بعضهم من بعض، وقاله زيد بن ثابت.
قال خارجه: وقسمت ميراث أهل الحرة فورثت الحي من الميت وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذٍ متواجدون ولم يعب أحد منهم ذلك علي.
وقال ابن اللباد الفارض وروى علي بن أبي طالب وغيره أنه ورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم ولم يورث ميتاً مما خرج من يده لصاحبه ويرث ذلك أحياء ورثته.
م: وبيان ذلك أن يهلك أخوان ويتركا أخاً لهما، وأما فعلى قول الجماعة للأم الثلث مما ترك كل واحد منهما وما بقي لأخيهما الحي.
وعلى قول علي: يُحيي أحدهما ويميت الآخر؛ فيكون لأمه السدس وما بقي للأخوين فتصح فريته من اثنى عشر: للأم اثنان ولكل أخ خمسة، فتوقف خمسة الميت، ثم يمات الذي أوقف خمسته ويحيا الآخر؛ فتصح أيضاً فريضته من اثني عشر؛ للأم اثنان وللحي
стр. 3258
خمسة وللميت خمسة فيصير في يد الأم اثنان من تركة كل واحد، وفي يد الأخ خمسة من تركة كل واحد وفي يد كل واحد من الميتين خمسة من تركة صاحبه، ثم يماتا جميعاً ميتة واحدة فيكونا قد تركا أخاً وأماً؛ فللأم الثلث وللأخ ما بقي وفي يد كل واحد خمسة لا تنقسم على ثلاثة فتضرب الاثنا عشر التي كانت فريضة كل واحد في ثلثه يكون ستة وثلاثين ففي يد الأم اثنان من تركة كل واحد في ثلثه تكون بستة وفي يد الحي من تركة كل واحد خمسة في ثلاثة بخمسة عشر وفي يد كل واحد من الميتين خمسة في ثلاثة بخمسة عشر أيضاً فلأمه ثلثها خمسة، ولأخيه الحي ما بقي عشرة.
فجميع ما يصير للأم اثنان وعشرون من اثنين وسبعين، وللأخ الحي خمسون، والحجة لمالك: أنا قد تيقنا أن الحي وارثه اليوم وشككنا في الميت؛ هل هو وارثه؟ فالموقن بميراثه أنه أولى، وإذ قد يمكن يكون ماتا جميعاً معاً، فإن نحن ورّثنا بعضهم من بعض فقد ورّثنا من لا ميراث له ومنعنا من له الميراث.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين؛ مسلماً ونصرانياً كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه وأقاما على ذلك بينة مسلمين فتكافأت في العدالة أو لم
стр. 3259
تكن لهما بينة؛ فالمال ينقسم بينهما كمالٍ تداعياه، وإن كان قد صلى هذا المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين؛ فليس الصلاة بشهادة ولو لم يأتيا ببينة وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك وابنه النصراني أحق بميراثه حتى يثبت المسلم أنه مات مسلماً.
قال غيره: إلا أن يقيما جميعاً البينة وتتكافأ فأقضي بالمال للمسلم.
قال في كتاب الشهادة بعد أن يحلف على دعوى النصراني.
م: وحكى عن بعض شيوخنا: إذا دفن في مقابل المسلمين وصلي عليه والكافر حاضر لا ينكر كان ذلك قطعاً لدعواه، وكذلك لو مضى به إلى مقبرة المشركين ودفن فيها، والمسلم حاضر لا ينكر لكان ذلك قطعاً لدعواه، وذلك منصوص للمتقدمين.
قال بعض فقهائنا: ولو شهد إحدى البنتين: إنا رأيناه يصلي في المسجد، وقالت الأخرى: إن رأيناه يؤدي الجزية؛ فإن لم تؤرخ البينتان قضي بالمال للمسلم؛ فأنا نقول: يكون أن يكون كان كافراً فأسلم فيكون المال للمسلم خاصة في هذا الوجه، ويمكن أن يكون ارتد بعد إسلامه فلا شيء للمسلم ولا للكافر، فحصل الكافر في الوجهين لا شيء له، والمسلم [يكون تارة له وتارة لا يكون له، فجعلنا للمسلم إذ لا منازع له.
م: ويحتمل أن يكون له النصف وللمسلمين النصف لأن المال] تارة يكون له وتارة يكون للمسلمين فوجب قسمه على ذلك والله أعلم.
стр. 3260
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه المبسوط: يشبه أن يكون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم: أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي، وتشهد بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى توفي؛ وكان الأب لا يعرف حاله هل هو على الإسلام أم على النصرانية؛ فإذا كان هكذا فإن الشهادتين قد دفعت إحداهما الأخرى وكان كمن لم يشهدا، وأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصراني فأسلم وشهدت بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى مات فإن البينة بينة المسلم لأنها قد أثبتت أن إسلام الميت قد حدث بعد أن كان نصرانياً وبينة النصراني تزعم أنه لم يسلم؛ فالشهادة شهادة من أثبت أن شيئاً قد كان، ولا يلتفت إلى من شهد أن ذلك لم يكن، إذ قد يمكن أن يكون ولم يعلموا.
م: ولو ترك معهما ولداً صغيراً لا يعقل ولم يقيما بينة فليعطيا للصغير نصف المال ويأخذ كل واحد منهما ربعاً ربعاً لأن كل واحد منهما يدعي أن المال بينة وبين الصغير فلا شيء للآخر فيه وأنه لا يستحق منه شيئاً إلا وللصغير مثله فوجب على كل واحد أن يعطيه نصف ما يصح له لو لم يكن الصغير فيصير له نصف المال، وكذلك لو كان مع الكبير ابن ثالث كبير يهودي يدعي أن الأب مات على دينه فليقسم المال بينهم أثلاثاً؛
стр. 3261
فإن كان معهم أخ صغير فيعطيه كل واحد نصف ما بيده فيصبح له نصف المال وللكبار سدساً سدساً لأن كل واحد يدعي أن له نصف المال وصفه للصغير فقد سلموا للصغير نصفه وتداعو في النصف الباقي فيقسم بينهم أثلاثاً.
قال أصبغ: ويجبر الصغير على الإسلام.
قال سحنون وإن مات الصبي قبل البلوغ عن مال حلفوا واقتسموا ماله.
قال أبو إسحاق ولو كانت معهما أخت صغيرة لم تكن إلا مسلمة، [وأعطاها المسلم ثلث ما في يده؛ لأنه يقول: ما صار في يد أخي النصراني ظلم ظلمت أنا وأخي به وكذلك النصراني يعطيها أيضاً ثلث ما في يده إذا كان في دينهم أن ميراث الأبناء مثل نصف ميراث الذكر؛ لأنه يقول: هي نصرانية على ديني يجب أن نكون قد ظلمنا المسلم فيما أخذ منا فجاء بحقه علينا جميعاً].
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقام بينة أنه ابن فلان الميت، أو أنه مولاه أعتقه، لا يعلمون له وارثاً غيره، قضيت له بميراثه ولم آخذ منه كفيلاً بالمال، فإن أتى بعد ذلك غيره يدعي الولاء في المولى وجاء ببينة سمعت حجته وقضيت بأعدل البينتين.
قال سحنون في كتاب ابنه فإنه استويا في العدالة فالمال بينهما نصفان.
стр. 3262
م: وهي كمسألة من ورث رجلاً بولاء يدعيه، وأقام آخر بينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثله؛ ويدخلها الخلاف الذي دخل تلك.
قال سحنون ولو أتى أحدهما ببينة على إقراره بالولاء وآخر بينة أنه أعتقه كان الذي شهدت له البينة بالعتق أولى [بميراثه ونحوه في المدونة].
ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أقام بينة في دار أنها لأبيه وقد ترك أبوه ورثة سواه غياباً؛ فإنه يمكّن من الخصومة في الدار، فإن استحق حقاً لم يقبض له إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي له، إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغياب يقرون بها للمحكوم عليه بأمر جهله هذا المدعي، فإذا قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم ناجزاً، فإن قدموا قبل القضاء وبعد أن عجز الأول عن منافعه كانوا على حجتهم إن كانت لهم حجة غير ما أتى بها الأول.
قال أشهب ينزع الحق كله من يده فيعطي لهذا حقه، ويوقف حق الغائب له.
وكذلك كتب مالك إلى ابن غانم، ورواه أشهب وابن نافع عن مالك.
стр. 3263
فصل
قال ابن القاسم قال مالك: وإذا هالك ابن الملاعنة وترك مالاً ولا وارث له غير مولى أمه كان ميراثه له.
م: وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت.
قال مالك: وإن ترك أمه كان لها الثلث ولمواليها ما بقي.
م: هذا مذهب زيد وعروة بن الزبير وابن المسيب ومالك والشافعي وكان علي بن أبي طالب يقول: إذا كان له ذو أسهم من ذوي رحمه فبقية المال ردٌ عليه.
وكان ابن مسعود يجعل عصبة أمه فإن لم تكن فعصبته عصبة أمه.
وعن ابن عباس وابن عمر ونحوه.
ومن المدونة قال مالك ولا يرثه خاله ولا ابن خاله ولا أجده لأمه، وإن ترك أمه مع أخ لأمه فلأمه الثلث وللأخ السدس وإن ترك معها أخوين لأم فصاعداً فلها السدس وللأخوين فصاعداً الثلث بينهم سواء حظ الانثى والذكر فيه سواء لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
стр. 3264
قال مالك: وما بقي فلموالي أمه إن كانت مولاه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ولو كان له ولد ذكر أو ولد ولد كان لأمه السدس، وما بقي لوالده أو لولد ولده الذكور.
وقال ابن القاسم: وإن ترك ابن الملاعنة موالي أعتقهم كان ولاؤهم لذكور ولده، أو لذكور آبائهم وإن لم يكونوا فليس لأمه ولا لأخيه لأمه ولا لخاله ولا لجده لأمه من ولاء مواليه شيء وولاؤهم لموالي أمه إن كانت معتقه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين.
قال عروة بن الزبير وغيره: وكذلك ولد الزنا في جميع ما ذكرنا.
فصل
قال مالك ومن ارتد ولحق بدار الحرب؛ وقف ماله حتى يعلم أنه مات، فإن رجع إلى الإسلام كان أحق به، وإن مات على ردته كان ماله للمسلمين ولا يرثه المسلمون ولا النصارى، وقاله علي بن أبي طالب ﵁ وغيره.
وذكر بعض القُرَّاض، ولم أروه: أن مذهب علي وابن مسعود أن ميراث المرتد لورثته من المسلم، وبه قال ابن المسيب وعطاء والشعبي والأوزاعي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أن رجلاً أعتق عبداً له ثم ارتد السيد فمات العبد المعتق عن مال وسيده في حال ردته ورثه أولى الناس بالمرتد من ورثته المسلمين ممن يرث الولاء عنه ثم إن أسلم لم يرجع بذلك عليهم وكذلك من مات له من ولد وغيره فليرثهم ورثته المسلمون ولا يرجع عليهم أيضاً وإن أسلم لأنه إنما ينظر في هذا إلى الميراث يوم
стр. 3265
وقع فيجب لأهله يوم يموت الميت.
قال مالك وإذا ارتد الأسير لم يقسم ميراثه حتى يعلم موته، فإن عُلم أنه ارتد طائعاً أولم يعلم طائعاً أو مكرهاً؛ بانت منه زوجته، وإن عُلم أنه ارتد مكرهاً؛ لم تبن منه زوجته.
قال ابن القاسم في غير المدونة وميراث المرتد لورثته.
وقال غيره: لبيت المال.
فصل
قال ابن القاسم ولا يتوارث أهل الملل.
وروى ابن وهب أن النبي ﵇ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شتى».
وفي كتاب محمد لمالك: من أقر أن أباه كان يعبد الشمس وكان أبوه مظهراً لإسلام؛ أنه يرث أباه، واحتج بالمنافقين الذين كانوا في زمن النبي ﵇ فورثهم ورثتهم لما بقوى على ما أظهروا من الإسلام.
стр. 3266
واختلف في ميراث الزنديق: إذا أنكر الزندقة وقد شهد عليه بها:
فقيل إنه يورث على ما أظهر، وأما لو أقر بذلك وتمادى على الكفر الذي كان أسره لوجب ألا يورث.
قال أبو إسحاق: والأشبه في الذي مات على الزندقة وورثته يعلمون بذلك ألا يورث؛ لأنه كافر، وقد ثبت أن المسلم لا يرث الكافر والمنافقون الذين في زمن النبي ﵇ لم يستعمل النبي ﵇ فيهم علمه ليبين ذلك لمن بعده ألا يحكم الحاكم بعلمه وإلا فقد علم النبي ﵇ ذلك منهم، ولأنه أراد دخول الناس في الإسلام فقال: «لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، فقد يرد في ذلك إلى النفير عنه ﵇.
وأما من شهد عليه بالكفر وهو ينكره وكان مظهراً للإسلام فيُقتل حداً ويورث لإنكاره الكفر ويصلى عليه والله أعلم بسريرته، ولم تقبل توبته بخلاف المرتد لأنه شيء أخفاه فأشبه الزنا والسرقة والمرتد أظهر ما اعتقد فاستتيب كما تقبل توبة المحارب المظهر للحرابة.
ومن العتبية عن مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان فأسلمت الأم والولدان، فمات أحد الولدين. قال: فللأم السدس لأن الميت ترك أمه وهي أخته وترك أخاه فتعاد نفسها بنفسها؛ فكأنه ترك أخاً وأختاً حجبا الأم عن الثلث.
قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر وذلك أن من أسلم من المجوس إنما يتوارثون بأقرب القرابتين؛ فإذا تزوجها أبوها ولدت ولدين فهما ولداها وهما أخواها فنسبتها في ميراث أحدهما بالأمومة أولى، فإذا كانت هي أمه سقط أن تكون أختاً له، وإذا سقط كونها أختاً أخذت ثلث ما ترك لأنه ترك أمه وأخاه فكيف حسبها أماً أختاً في حال واحده فحجبها عن ميراث الثلث بنفسها أن جعلها أختاً للميتة وللباقي فصارت أماً أختاً في حالة واحدة
стр. 3267
ولم يسقط حكم الأمومة فيكون كأنه ترك أخته وأخاه، وكان يجب أيضاً أن يكون لها الثلث مع اخيها الذي هو ابنها؛ لأنها مع أخ واحد؛ فإن قدرتها أنها أما منفردة كان لها الثلث؛ لأنها مع أخ واحد وإن قدرتها أنها أختاً منفردة كان لها الثلث؛ لأن الميت ترك أخته وأخاه وهو فقد قدرها أماً أختاً في حال واحدة فصارت كأنها أختاً أخرى تركها مع أمه وأخيه فلذلك جعل لها السدس.
قال ابن القاسم: وإذا تظالم أهل الذمة في مواريثهم لم أعرض لهم إلا أن يرضوا بحكم أهل الإسلام فأحكم بينهم فيه، وإن أبوا ذلك ردوا إلى أهل دينهم.
وقال مالك: إذا كانوا نصارى كلهم ورضوا بحكم الإسلام [حكم بينهم به، وإن كانوا مسلمين ونصارى لم يردوا إلى حكم النصارى، وحكم بينهم بحكم الإسلام، ولم ينقلوا عن موارثهم، يريد: أسلم أحدهم بعد موت المورث فصار حكم بين مسلم وكافر.
وفي رواية يحيى: يحكم بينهم بحكم دينهم والمعني واحد.
وروى ابن وهب: أن مسلمين ونصارى اختصموا إلى عمر بن عبد العزيز في مورث فقسم بينهم على فرائض الإسلام، وكتب إلى عامل بلدهم إن جاءوك فاحكم بينهم على فرائض الإسلام وإن أبوا فردهم إلى أهل دينهم.
وقال النبي ﵇: «كل ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل ميراث أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام».
стр. 3268
قال مالك: معناه في غير الكتابين: من مجوس وزنج وغيرهم، وأما لو مات نصرانياً ثم أسلم وارثه قبل أن يقسم ماله فإن يقسم على قسم النصارى وإن مات مسلم وله ورثة نصارى فأسلم وارثه له قبل أن يقسم ماله فلا يرثه وإنما يرثه من كان مسلماً يوم مات.
وقال ابن نافع وغيره من كبار أهل المدينة: الحديث عام في الكتابيين وغيرهم من أهل الكفر.
قال ربيعة: ولو مات مسلم ثم تنصر ولده بعده قبل قسم ماله لقتل إن كان قد بلغ الحلم وجعل ميراثه في بيت المال لأنه قد وجب له.
فصل
قال مالك: وهذا مات العبد النصراني عن مال فسيده أحق بماله.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا ارتد العبد أو المكاتب فقتل على ردته فسيده أحق بماله؛ لا أنه يستحقه بالملك لا بالتوارث.
ابن المواز وكذلك لو أسلم عبد
لمجوسي أو لكتابي ثم مات قبل أن يباع عليه لورثة سيده الكافر بالرق.
ومن المدونة قال مالك: [ومن ورث من] عبده النصراني ثمن خمر أو [خنزير فلا بأس بذلك وإن ورث منه خمراً أهراقها]، أو خنازير سرحهم.
стр. 3269
قال سحنون: بل يقتلهم.
وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمر ورث عبداً له نصرانياً كان يبيع الخمر ويعمل بالربا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس الذي عمل في دينه بالذي يحرم علي ميراثه.
فصل
قال مالك ومن مات وترك ابنين فأقر أحدهما بأخت فليعطها خمس ما في يده ولا تحلف مع الأخ المقر لها؛ لأنه شهد، ولا يحلف في النسب مع شاهد واحد.
م: وبيان ذلك أن تعمل المسألة على الإنكار فتكون من اثنين وعلى الإقرار فتكون من خمسة فتضرب اثنين في خمسة فتكون عشرة فإذا قسمتها على الإنكار كان لكل أخ خمسة وإذا قسمتها على الإقرار كان لكل أخ أربعة، فيستفضل المقر واحدٌ وهو خمس ما بيده.
[ومن العتبية: وإن أقر أحد الابنين بأخ لهما فإنه يعطيه ثلث ما في يديه ثم إن مات بعد ذلك المقر له قال: يرثانه جميعاً؛ المقر له والمنكر له، وهو بمنزلة رجل قال: أخي مات وترك ألفاً وهو أخوك أيضاً فإن الألف بينهما.
قال يحيى بن عمر: وأرى أن يأخذ المقر له بدءاً من تركه مثل ما كان أعطاه ثم يكون ما بقي بينهما نصفين].
ومن المدونة قال مالك: وإن أقر أحد الابنين بزوجة لأبيه أعطاها ثُمن ما في يديه.
стр. 3270
م: لأن أصلها في الإنكار من اثنتين وفي الإقرار من ثمانية فتصح من ستة عشر فتقسمها على الإنكار فيكون لكل ابن ثمانية وتقسمها على الإقرار للزوجة الثُمن ولكل ابن سبعة فيفضل للمقر واحد وهو ثمن ما في يديه فيعطيه للزوجة.
ومن المدونة قال مالك: وإن هلكت امرأة وتركت زوجها وأختها فأقر الزوج بأخ لها وأنكرت الأخت فلا شيء على الزوج؛ لأنه إنما أقر لها بشيء في يد الأخت، فلا شيء له يعني ولو أقر بأخت للميتة لأعطاها سبع ما في يديه؛ لأن أصل الفريضة في الإنكار من اثنين وفي الإقرار من سبعة فتضرب اثنين في سبعة تكن أربعة عشر، فتقسم على الإنكار؛ تكون للزوج سبعة وتقسم على الإقرار تصح للزوج ستة، فيفضل له واحد وهو سبع ما في يديه.
م: وهذا باب واسع أوعبه إن شاء الله في كتاب الفرائض.
تم رُزمَةُ العبيد بحمد الله وحسن عونه وتأييده وتسديده ويتلوها إن شاء الله كتاب النكاح الأول.
стр. 3271
[الباب الأول]
في الحضِّ على النكاح، والخِطْبة فيه
[فصل ١: في الحضِّ على النكاح وذكر حكمه]
والنكاح مندوبٌ إليه لقول الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
стр. 3272
وقول النبي ﷺ : «تناكحوا تناسلوا»، وقوله ﷺ : «تزوجوا فإني مُكاثرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»،
стр. 3273
وليس بواجب، وهو مذهب مالك ﵀ خلافًا لداود في الحُرَّة، والدليل لمالك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فقد خيرنا تعالى في النكاح أو ملك اليمين، وليس في الواجب تخيير، واعتبارًا بنكاح الأمة، ولأنه عقد معاوضةٍ فلم يجب ابتداءً بالشرع كعقد
стр. 3274
البيع.
وقال بعض البغداديين: النكاح في الجملة مندوبٌ إليه، وربما تعيَّن فرضه إذا خاف العنت ولم يجد ما يتسرَّى به، وهو قادرٌ على النفقة والمهر، وربما كُرهَ له ذلك وهو أن يكون غير محتاجٍ إليه وهو قليل المال والكسب فَيَغُرُّ المرأة ويَضُّرها.
قال ابن حبيب: وحضَّ النبي ﷺ على نكاح الأبكار وقال «فإنهن أطيب أفواهًا وأنتَق أرحامًا وأطيب أخلاقًا».
стр. 3275
قال ابن حبيب: انتق أرحامًا: أقبلُ للولد.
ورغَّب في نكاح الولود، وفي حديثٍ آخر: «الولود الودود العوود».
قال ابن حبيب: ويستحب أن يُستنجَب الخال، وقد يُتَّقى رضاع الفاجرة فكيف بهذا!
وقد قال ﷺ : «تُنكح المرأة لمالها ولجمالها ولحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك».
стр. 3276
وأمر أن تُنْكَحَ في الأكفاء، وقد قال عمر ﵁: لا يزوج الرجل وليَّته للقبيح الذميم ولا للشيخ الكبير.
ابن المواز: قيل لمالكٍ: فما جاء عن عمر: لا تزوجوهن إلا الأكفاء، وأنه فَّرق بين رجلٍ وامرأةٍ كان قد زُوِّجها وهو غير كفءٍ؟
قال: قد جاء عنه غير هذا، قوله: دين الرجل حَسبُه، وكرمُه تقواه، ومروءته خُلقُه، فليس الشرف والحسب إلا في الإسلام والتقوى.
стр. 3277
[فصل ٢ - في الخطبة في النكاح]
قال ابن المواز: واستحب أهل العلم الخطبة في عقد النكاح.
قال مالك: وهي من العمل القديم، وما نرى لأحدٍ تركها، وما قلَّ منها فهو أفضل.
قال محمد بن إبراهيم: وقد خطب عروة بن الزبير إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة، فقال: يا نافع ادع عبيد الله وسالمًا ابنيه، فلما أتياه قال: إن
стр. 3278
عروة خطب إليَّ أختكما وإني أزوجه إياها بما جعل الله تعالى للمسلمات على المسلمين من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وأن يستحلَّها بما تستحلُّ به المسلمة، / قالا: كذلك يا عروة؟ قال: نعم، قال: فقد زوجناكها على بركة الله .
стр. 3279
[الباب الثاني]
في نكاح الشغار وما يتعلق به
[فصل ١ - في حكم نكاح الشغار وبيان معناه]
ونهى الرسول ﷺ عن نكاح الشغار، وقال: «لا شغار في الإسلام».
قال مالك: وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
والشغار خلوُّ العقد من المهر، يقال: بلدٌ شاغرٌ، أي خَالٍ، ويقال: شَغَر الكلب إذا رفع رِجلَه ليبول.
стр. 3280
ولا يحل عقد الشغار بإجماع، فإذا وقع فسخ قبل وبعد الدخول، وروي عنه ثبوته بعد الدخول وإنما لم يَختلف قوله في المدونة في الشغار بخلاف إذا تزوجها على أن لا صداق إذا اختلف قوله؛ لأن الموهوبة إنما فسد الأمر فيها إذا لم يسم لها صداقًا، فإذا فات الأمر بالدخول فقد استوجبت المهر بالمسيس فلا معنى للفسخ على أحد قوليه، والشغار ليس كذلك.
وقال بعض المحققين: إنما اختلف قوله في فسخ الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي، هل يقتضي فساد المنهي عنه بعد أن يقع؟ وأما المنع منه ابتداءً فليس فيه خلاف.
стр. 3281
قال عبد الوهاب: ونكاح الشغار فاسدٌ لنهيه ﷺ عنه، ولأنه مَلَّك بُضْعَ ابنته بصداقٍ لا تملكه، وذلك يوجب فساد العقد؛ لأن المهر يجب أن يكون ملكًا للمنكوحة.
ومن المدونة: قال مالك فيمن قال لرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، أو: زوجني أمتك على أن أزوجك أمتي، ولا مهر بيننا: فذلك شغارٌ يفسخ أبدًا وإن ولدت الأولاد ورضياه، فللمدخول بها صداق المثل، ولا شيء لغير المدخول بها.
قال مالك: والشغار بين العبيد كالشغار بين الأحرار.
قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويقع به الطلاق والموارثة قبل الفسخ لاختلاف الناس في إجازته أو فسخه.
قال سحنون: والذي عليه أكثر رواة مالكٍ أن كلَّ عقدٍ كانا مغلوبين على فسخه فالفسخ فيه ليس بطلاقٍ، ولا ميراث فيه، وقد ثبت من نهي النبي ﷺ في الشغار ما لا يُحتَاج فيه إلى حُجة.
стр. 3282
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا من القرويين: روى عن علي بن زياد عن مالك: أن نكاح الشغار إذا دخلا ثبت النكاح، وكان لهما صداق المثل.
قال الفقيه أبو الحسن بن القايسي: إنما اختلف قول مالك في ذلك لاختلاف الناس في تأويل الشغار.
قيل: وكيف اختلاف الناس فيه وهو في حديث ابن عمر مفسَّرًا أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق؟
فقال: المتفق عليه من لفظ الحديث إلى قوله: «إن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار» وباقي الحديث إنما يحملونه على أنه من تفسير نافع، ولو كان عن النبي ﷺ ما اختلف فيه.
стр. 3283
وذكر عن أبي عمران أنه قال: إنما اختلف الناس في الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي هل يقتضي فساد المنهيَّ عنه بعد أن يقع أم لا، وأما المنع منه ابتداءً فما اختلف فيه.
قال: وتفسير الشغار في رواية ابن عمر إنما هو من تفسير نافع عن ابن عمر ومعنى الشغار لأنهم رفعوا الصداق، من قولهم: بلدٌ شَاغِرٌ، إذا ارتفع سلطانه، وقولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله للبول.
[فصل ٢ - في تسمية الصداق في نكاح الشغار وما يترتب على ذلك]
قال مالك: وإن قال الرجل لرجل: زوجني/ ابنتك بمئة على ابن أزوجك ابنتي بمئة، أو قال: بخمسين، فلا خير فيه، وهو من وجه الشغار.
стр. 3284
قال ابن القاسم: ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لكل واحدةٍ الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وليس هذا بصريح الشغار لدخول الصداق فيه إلا أن بعض الصداق لا يجوز فصار كمن نكح بمئة درهمٍ وبخمرٍ، أو بمئة نقدًا ومئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لهما صداق المثل إلا أن يكون أقل من المئة النقد فلا يُنقَض من المئة شيئًا.
وقال في غير المدونة: أو يكون أكثر من المئتين فلا يزاد.
قال ابن حبيب: قاله ابن القاسم.
وقال ابن الماحشون: لهما ذلك، , وإن زاد على المئتين، ورواه مُطْرَف عن مالك.
قال الشيخ: فوجه هذا: فلأنها صفقةٌ جمعت حلالاً وحرامًا ففسد جميعهما، فوجب أن يكون فيها صداق المثل ما بلغ إذا فاتت كالقيمة في البيع الفاسد.
стр. 3285
ووجه قول ابن القاسم: أن النكاح لما كان طريقه المكارمة والبيع طريقه المكايسة لم يجر مجراه في جميع وجوهه، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوجها على وَصِيفٍ أو شاةٍ ولا يصف ذلك ولا يضرب له أجلا، ويكون عليه الوَسَط من ذلك حالَّاً، ويجوز أن يتزوجها على عّرَضٍ موصوف، ولا يضرب له أجلاً، ويكون حالَّاً، ولا يجوز مثل هذا في البيوع.
فإذا ثبت ذلك وجب إذا كان صداقها أكثر من مئتين لم يزد عليها، لأنها رضين بالمئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإذا أعطيت هذا لم تُظلَم.
وقد قال أصبغ: إنها إذا تركت المئة للغرر أو رضي الزوج أن يعجِّلها، وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وهذا لا يجوز في البيع، وبالله التوفيق.
قال ابن حبيب: ولو تزوجها بمئةٍ نقدًا ومئةٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ومئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ فلم يفسخ حتى دخل بها فلها صداق المثل، فإن كان أقل من المئتين فلها مائتان، مئةٌ منها إلى أجلها، وإن كان أزيد من مئتين فالزائد على المئتين حالٌ مع المئة الحالة، ومئةً إلى أجلها، واختلف في الزائد على ثلاثمئة.
فقال ابن المواز: لا يزاد على ثلاثمئة، وقال ابن الماجشون ومُطرف: تزاد بالغًا ما بلغ نقدًا إلا المؤجل المعروف.
стр. 3286
قال الشيخ: كان يجب إذا كان فاسدًا عندهما أن يكون فيه صداق المثل حالاً كله بالغًا ما بلغ لا يكون فيه تأخير كالبيوع، فيكون قول ابن القاسم في هذا أولى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: حكي عن أبي سعيد ابن أخي هشام: إنما يقوم صداق المثل على أن فيه مئة إلى سنة.
قال ابن حبيب: وسواءٌ فيما ذكرنا من أول المسألة كان بعضه مؤخرًا إلى غير أجلٍ، أو إلى موتٍ، أو فراقٍ، أو إلى ميسرةٍ، أو إلى أن تطلبه المرأة به وهو الآن ملئٌ أو معدمٌ، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن القاسم في قوله: إلى ميسرةٍ أو إلى أن تطلبه المرأة به، إن كان يومئذ مليئًا فجائزٌ، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية: إذا تزوجها إلى ميسرةٍ، فإن كان يومئذٍ مليئًا فالنكاح جائزٌ، وليؤخَّر بقدر ما يُرى من التوسعة على مثله، وإن كان يومئذٍ مُعْدَمًا فُسِخ، إلا أن يبنى فيثبت، ولها صداق المثل.
قال عنه عيسي: ولو ادعت امرأةٌ على زوجها أنه تزوجها بمئةٍ نقدًا أو مئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ، وذلك قبل البناء لم يقبل في الفسخ شهادة واحدٍ مع يمينها إذا أنكر الزوج، وإن أقامت بذلك شاهدين فسخ وبطل الصداق، ولو أقامت الشاهد بعد البناء حلفت وأخذت / الأكثر من المئة النقد أو صداق المثل.
стр. 3287
ابن حبيب: وقال أصبغ: لها أن تحلف مع شاهدها قبل البناء؛ لأن الفسخ لا يجب بذلك مكانه حتى يخير الزوج في تعجيل ذلك كله، فإن أبي خُيِّرت الزوجة في أن تترك المؤخر، وإن أبت فسخ النكاح.
ولو ادعت أنه تزوجها بجنينٍ أو بآبقٍ أو بثمرٍ لم يبد صلاحه لم تحلف مع شاهدها، لأن هذا فسخٌ لا خيار للزوج فيه.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في رجلين عقد كل واحدٍ منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلسٍ واحدٍ -يريد بصداقٍ معلوم- قال: هو جائزٌ إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر، فإن فهم ذلك لم يجز وكان من الشغار لدخول الصداق فيه.
قال: وإنما فُرِّق بين وجه الشغار ومِن الشغار بخلاف وجه الدَّين بالدَّين الذي جُعِل كالدَّين بالدَّين؛ لأن وجه الدَّين بالدَّين يوجد فيه الربا كما يوجد في نفس الدَّين بالدَّين، والشغار حقيقته البُضْع بالبُضْع فلا صداق يدخل في ذلك، ووجه الشغار الصداق يدخل فيه، فإن كان قُرِنَ إلى ذلك البُضْع بالبُضْع فلا يبلغ مبلغ نفس الشغار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما من خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ بطل الحرام وجاز منه الحلال، ولم يكن للزوج غير ذلك، وإن خالعها على حرامٍ كله مثل الخمر والخنزير والربا فالخلع جائز، ولا شيء للزوج من ذلك، ولا يَتبع المرأة بشيءٍ منه.
قال الشيخ: والفرق بين النكاح والخلع في هذا هو أن النكاح لا يجوز إلا بعوض، فيجب أن يفسد بفساده، والخلع يجوز بغير عوض فلم يكن لعوضه تأثيرٌ في فساده.
стр. 3288
ومن المدونة: وإن خالعها على ثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو عبدٍ آبقٍ، أو جنينٍ في بطن أمُّه، أو بعيرٍ شاردٍ جاز ذلك.
وقال ابن القاسم: وإن قال له: زوجني ابنتك بمئةٍ على أن أزوجك ابنتي بلا مهر، ففعلا، ووقع النكاح على هذا ودخل كل واحدٍ منهما بامرأته، فنكاح التي سمي لها المهر ثابت، ويكون لها مهر مثلها، ويفسخ نكاح التي لم يسم لها صداق، ودخل بها أو لم يدخل بها.
قال الشيخ: يريد: أن نكاحها قبل البناء يفسخ ولا صداق لها، وإن دخلا فسخ نكاح التي لم يسم لها صداقًا، وأخذت مهر مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها، وأخذت الأكثر من التسمية أو صداق المثل.
قال عبد الوهاب: لا خلاف أعلم أن الصداق لا يجوز أن يكون غررًا، أو مجهولاً، أو مما لا يصلح تملُّكه، ولكن الخلاف في النكاح إذا وقع على صداقٍ هذه صفته، هل يصح ويبطل الصداق أو لا يصح أصلاً؟
فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن العقد يبطل، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده، والأخرى: أنه إن أُدْرِكَ قبل البناء فسخ، وإن أُدْرِكَ بعد الدخول لم يفسخ.
واختلفت عبارة أصحابنا في معنى الفسخ قبل الدخول، فظاهر قول متقدميهم وجوب الفسخ على معنى الردع، لئلا يُقْدِمُوا عليه، لا على أن العقد وقع فاسدًا ثم صحَّ بالدخول، أو أن الدخول أجاز الإقرار على عقدٍ فاسدٍ على ما اعترض به علينا أغبياء المخالفين، وألزمونا على ذلك أن الدخول يجب أن يصحَّح كلَّ عقدٍ فاسد، كالمتعة والشغار ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وغير ذلك.
وذلك كله غير لازمٍ لنا، ولا مفهومٌ / من قولنا، وإنما مراد أصحابنا وجوب الفسخ على طريقة العقوبة لهم والردع عما فعلاه، لئلا يعودوا إلى مثله.
стр. 3289
ولا معنى لقول من قال: إنه ليس في هذا ردع ولا عقوبة لهما، لأنهما إذا فسخ [نكاحهما] عقداه في الحال، لأن فائدة الفسخ أنه يعد طلاقًا، فإذا نكحها عادت عنده على اثنتين، وهذه فائدة صحيحة.
قال الشيخ: ولأنها واحدة بائنة تملك الزوجة بها نفسها، فقد لا تشاء نكاحه، أو تشاء بأضعاف الصداق الأول، وفي ذلك ردع بين.
قال عبد الوهاب: وأما المتأخرون فإنهم قالوا: لما حققنا النظر علمنا أن ذلك استحباب من مالك واحتياط ليقع العقد صحيحًا بإجماع، ولإمكان أن يستأنف بصداق صحيح، فإذا وقع الدخول وفات بالوطء وجب فيه صداق صحيح وتقرر، فلا معنى [للفسخ] لزوال الصداق الذي كان الفسخ من أجله لوجوب صداق صحيح، كما لو تزوجها وبها أحد العيوب الأربعة، لكان له الرد، فلو زال ذلك قبل أن يرد لسقط حقه من الرد لزوال ما من أجله كان له أن يرد.
فأما من تزوج بصداق مغصوب فمن أصحابنا من فرق بينه وبين المجهول والغرر، لأن ذلك ممنوع لحق الآدمي، ولو أذن له لجاز، وهذه الأشياء ممنوعة لحق الله تعالى.
стр. 3290
ومن أصحابنا من ساوى بينهما وقال: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده كما يقول فيمن صلى في دارٍ مغصوبةٍ أنه يُعيد في الوقت لا بعده.
قال الشيخ: وقد قيل: لا يعيد في وقتٍ ولا غيره، وهو الصواب فيه، وفي أن لا يفسخ النكاح، وبالله التوفيق.
стр. 3291
[الباب الثالث]
في إنكاح الرجل ابنته البكر والثيب وابنه الصغير
ومملوكيه ومن يلي عليه غائبًا أو حاضرًا
وتزويج اليتيمة قبل البلوغ
[فصل ١ - في تزويج البكر]
قال الله حكايةً عن شعيبٍ ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] ولم يذكر مشورة.
وزوَّج النبي ﷺ ابنتيه لعثمان ولم يستشرهما، وتزوج
стр. 3292
عائشة ﵂ وهي بنت سبع سنين، وقيل: بنت ست سنين ودخل بها بنت تسع.
قال بعض البغداديين: ويستحب له استئذانها، لقوله ﷺ «شاوروا النساء في أبضاعهن»، ولأن ذلك أطيب لقلبها من غير ضررٍ يلحقه به.
وقيل: إنه ربما كان بها عيبٌ لم يَعلم به ولو علمه لم يزوجها، فإذا استأذنها أعلمته به فَتَحَرَّز منه.
وعنه في اَلمَعنَّسة روايتان: إحداهما: بقاء الإجبار عليها، والثانية: زواله.
فوجه بقائه: اعتبارًا بغير المعنَّسة لِعلَّة البكارة، ووجه زواله: أن المعنى الموجب للإجبار في الصغيرة التي لم تعنَّس قِلَّة خبرتها بالأمور، وعدم معرفتها بمصالحها، وذلك منتفٍ في المعنَّسة لبروز وجهها ومعرفتها بمصالحها، فقام ذلك مقام الثيوبة في رفع الإجبار عنها.
стр. 3293
فصل: [٢ - في تزويج الثيب]
وقال ﷺ : «الأيُّم أحقُّ بنفسها من وليَّها»، وروي: «الثيب» مُفسَّرًا.
وقوله: «ليس للولي مع الثيب أمر».
وقال ﷺ : «البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها».
قال مالك: وذلك عندنا في البكر اليتيمة، وكذلك هو مفسرٌ في رواية ابن وحب: أن النبي ﷺ قال: «اليتيمة تُستأمر في نفسها، فإن
стр. 3294
سكتت / فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها».
ابن وهب: وجاء عن عمر بن عبد العزيز وابن شهاب: أن الرسول ﷺ قال: «كل يتيمة تُستأمر في نفسها فما أنكرت لم يَجُز عليها، وما صمتت عنه وأقرَّت عليه جاز عليها وذلك إذنها».
قال إسماعيل القاضي: الأيِّم التي لا زوج لها، بالغًا كانت أو غير بالغ، بكرًا كانت أو ثيبًا، ولو كان كما توهَّم قوم أنها الثيب خاصة لكانت الثيب أحقَّ بنفسها من وليها، والبكر ليست بأحقَّ بنفسها من وليها، ولكن الاستئمار إنما هو على الترغيب لا على الإيجاب، وإنما في الحديث معنيان: أحدهما: أن الأيامى
стр. 3295
أحق بأنفسهن، والمعنى الآخر: تعليم كيف تستأذن البكر منهن، وأن إذنها صماتها، لأنها تستحي أن تُجيب بلسانها.
[فصل ٣ - فيمن له حق الإجبار في النكاح]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ردَّت المرأة الرجال رجلاً بعد رجلٍ لم تجبر على النكاح، ولا يُجْبِرَ أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر، وفي ابنه الصغير، وفي أمته، وفي عبده، والولي في يتيمة -يريد الوصي.
قال مالك: ولا يزوج البكر [اليتيمة] وليها وإن كانت سفيهةً إلا برضاها، للحديث.
قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغيرة بأقلَّ من مهر مثلها جاز إن كان على وجه النظر، وقد أتت امرأةٌ مطلقةٌ إلى مالكٍ فقالت له: إن لي ابنةٌ في حجري موسرةً مرغوبًا فيها، وقد أُصَدِقتْ صداقًا كثيرًا، وأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخٍ له فقير؟ فقال لها مالك: إني لا أرى لكِ في هذا مُتكلَّمًا.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن نكاح الأب إياها جائزٌ إلا أن يأتي من ذلك ضررٌ فيُمْنَع.
قال سحنون: الضرر في البدن من الجنون أو غير ذلك، فأما الفقر فلا، وتزويجه جائز.
следующие страницы →