← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

[الباب الثالث] في إنكاح الرجل ابنته البكر والثيب وابنه الصغير ومملوكيه ومن يلي عليه غائبًا أو حاضرًا وتزويج اليتيمة قبل البلوغ [فصل ١ - في تزويج البكر] قال الله حكايةً عن شعيبٍ ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] ولم يذكر مشورة. وزوَّج النبي ﷺ ابنتيه لعثمان ولم يستشرهما، وتزوج

стр. 3292

عائشة ﵂ وهي بنت سبع سنين، وقيل: بنت ست سنين ودخل بها بنت تسع. قال بعض البغداديين: ويستحب له استئذانها، لقوله ﷺ «شاوروا النساء في أبضاعهن»، ولأن ذلك أطيب لقلبها من غير ضررٍ يلحقه به. وقيل: إنه ربما كان بها عيبٌ لم يَعلم به ولو علمه لم يزوجها، فإذا استأذنها أعلمته به فَتَحَرَّز منه. وعنه في اَلمَعنَّسة روايتان: إحداهما: بقاء الإجبار عليها، والثانية: زواله. فوجه بقائه: اعتبارًا بغير المعنَّسة لِعلَّة البكارة، ووجه زواله: أن المعنى الموجب للإجبار في الصغيرة التي لم تعنَّس قِلَّة خبرتها بالأمور، وعدم معرفتها بمصالحها، وذلك منتفٍ في المعنَّسة لبروز وجهها ومعرفتها بمصالحها، فقام ذلك مقام الثيوبة في رفع الإجبار عنها.

стр. 3293

فصل: [٢ - في تزويج الثيب] وقال ﷺ : «الأيُّم أحقُّ بنفسها من وليَّها»، وروي: «الثيب» مُفسَّرًا. وقوله: «ليس للولي مع الثيب أمر». وقال ﷺ : «البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها». قال مالك: وذلك عندنا في البكر اليتيمة، وكذلك هو مفسرٌ في رواية ابن وحب: أن النبي ﷺ قال: «اليتيمة تُستأمر في نفسها، فإن

стр. 3294

سكتت / فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها». ابن وهب: وجاء عن عمر بن عبد العزيز وابن شهاب: أن الرسول ﷺ قال: «كل يتيمة تُستأمر في نفسها فما أنكرت لم يَجُز عليها، وما صمتت عنه وأقرَّت عليه جاز عليها وذلك إذنها». قال إسماعيل القاضي: الأيِّم التي لا زوج لها، بالغًا كانت أو غير بالغ، بكرًا كانت أو ثيبًا، ولو كان كما توهَّم قوم أنها الثيب خاصة لكانت الثيب أحقَّ بنفسها من وليها، والبكر ليست بأحقَّ بنفسها من وليها، ولكن الاستئمار إنما هو على الترغيب لا على الإيجاب، وإنما في الحديث معنيان: أحدهما: أن الأيامى

стр. 3295

أحق بأنفسهن، والمعنى الآخر: تعليم كيف تستأذن البكر منهن، وأن إذنها صماتها، لأنها تستحي أن تُجيب بلسانها. [فصل ٣ - فيمن له حق الإجبار في النكاح] ومن المدونة: قال مالك: وإذا ردَّت المرأة الرجال رجلاً بعد رجلٍ لم تجبر على النكاح، ولا يُجْبِرَ أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر، وفي ابنه الصغير، وفي أمته، وفي عبده، والولي في يتيمة -يريد الوصي. قال مالك: ولا يزوج البكر [اليتيمة] وليها وإن كانت سفيهةً إلا برضاها، للحديث. قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغيرة بأقلَّ من مهر مثلها جاز إن كان على وجه النظر، وقد أتت امرأةٌ مطلقةٌ إلى مالكٍ فقالت له: إن لي ابنةٌ في حجري موسرةً مرغوبًا فيها، وقد أُصَدِقتْ صداقًا كثيرًا، وأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخٍ له فقير؟ فقال لها مالك: إني لا أرى لكِ في هذا مُتكلَّمًا. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن نكاح الأب إياها جائزٌ إلا أن يأتي من ذلك ضررٌ فيُمْنَع. قال سحنون: الضرر في البدن من الجنون أو غير ذلك، فأما الفقر فلا، وتزويجه جائز.

стр. 3296

فصل [٤ - في تزويج الأب ابنته المطلقة أو التي مات عنها زوجها] قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فطلقها الزوج قبل البناء، أو مات عنها فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر. قال مالك: فإن بنى بها الزوج ثم طلقها أو مات عنها فهي أحق بنفسها. قال ابن القاسم: وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف عليها الضيعة والمواضع السوء، ويخاف عليها الفضيحة من نفسها وهواها فيكون للأب أو للولي أن يمنعها من ذلك. ومن كتاب الخلع قال: ولو رجعت هذه الثيب إلى الأب قبل بلوغها فله إنكاحها كالبكر، لأن النفقة ترجع على الأب لها. قال ابن المواز: ولأن الذي أثبت ولاية أبيها عليها الصغر والبكورية، فإذا سقط سبب البكورية بقي ولاية الصغر، فإذا ذهب الصغر انقطع بقية سبيله عليها، لأنها قد افْتُضَّتْ بنكاحٍ وبلغت المحيض. وكذلك عن ابن القاسم وأشهب: أن الأب يزوجها إذا رجعت إليه ثيبًا ما لم تحض. وقال سحنون: يزوجها بغير رضاها وإن حاضت. قال الشيخ: ووجه هذا: أنها صغيرة. مالك: للأب إجبارها على النكاح، فلا يزيله من يده بلوغها أصله البكر، ولأنها رجعت إليه وملك منها ما كان يملكه / قبل الدخول، وصارت كمن دخل بها، فلا يزيل ما بيده منها البلوغ، كالتي لم يُدْخَل بها.

стр. 3297

ومن النكاح قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وليس لأبيه منعه. قال ابن القاسم: إلا أن يخاف من ناحيته سفهًا فله منعه. [فصل ٥ - في تزويج الأب ابنته التي زنت والتي زوجت تزويجًا حرامًا] قال: وإن زنت البكر فحُدَّت أو لم تُحَد فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر. وإن زوجها تزويجًا حرامًا ثم بنى بها الزوج وجامعها ثم طلقها أو مات عنها بالقرب لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر؛ لأنه نكاحٌ يُلحق فيه الولد، ويُدرأ فيه الحد. قال مالك: وتعتد منه في بيت زوجها الذي كانت تسكن فيه. قال ابن القاسم: فجعل العدة فيه كالعدة في النكاح الحلال، فهذا يدلُّك أنه خلاف الزنا في تزويج الأب إياها. قال عبد الوهاب: لأنه رفع الإجبار بالثيوبة هو لزوال الحياء والانقباض الذي يكون في البكر، وهذا منتفٍ في المزنيِّ بها أو المغصوبة؛ لأن الحياء يغلب عليها أشدُّ من غلبته على البكر، لقبيح ما رَكِبَتْه أو رُكِبَ منها، وللعار الذي لحقها ويزهد في مثلها، فوجب بقاء الإجبار عليها؛ ولأن ذلك لما لم يرفع عنها ولاية المال فكذلك لا يرفع إجبار النكاح.

стр. 3298

قال الشيخ: وليس ما يرفع إجبار النكاح يرفع ولاية المال. وقال ابن حارثٍ الأندلسي: إن محمد بن عبد الحكم قال: لا يزوجها أبوها إلا برضاها كالثيب. قال عبد الوهاب: وألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزنيِّ بها الحياء فإذا تكرر منها الزنا فقد ارتفع حياؤها وزالت علة الإجبار ولم يكن لأبيها أن يزوجها إلا برضاها، فالتزمتُ ذلك للمُخَالف وبالله التوفيق.

стр. 3299

[فصل ٦ - في تزويج الأب من فارقها زوجها بعد إقامتها معه وقبل المسيس] ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فدخل بها، ثم فارقها قبل أن يمسها، فإن طالت إقامتها مع زوجها وشهدت مشاهد النساء فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، وأرى السنة طول إقامة، وإن كان أمرًا قريبًا فله أن يزوجها. قال ابن القاسم في المستخرجة: وإن فارقها بعد ستة أشهرٍ فليؤامرها الأب إن زوجها، فإن لم يؤامرها فالنكاح جائز. قال مالك: وإن فارقها بعد شهرين فلا يؤامرها. قال عبد الوهاب: إنما ذلك؛ لأن عودتها إلى الأب إذا كان عن قُرْبٍ فكأنها على الحال التي كانت عليها عنده من الحياء وقلة خبرتها بالأمور، وقلة معرفتها بمصالحها، فهي كالتي لم يدخل بها، وإذا طال أمرها طُولاً تَخْبَرَ به مواضع حظوظها، وتعرف مصالحها، وبرز وجهها فقد صارت كالثيب، فانقطع الإجبار عنها. قال: وفي حدَّ الطول روايتان: إحداهما: سنة، والأخرى: لا حدَّ فيه أكثر من العُرف. فوجه السنة: أنها مدة جُعِلَتْ في الشرع حَدَّاً لأمور منها العنَّة، وفي

стр. 3300

الأدواء الثلاثة في عَهْدَة الرقيق، وانقطاع الشُّفْعَة بعد العام، فكذلك ها هنا. ووجه نفي التحديد أن كلَّ أمرٍ احتيج فيه إلى اختبارٍ وتَعَرُّفِ حالٍ ولم يرد فيه توقيفٌ بتحديد مدةٍ وجب الرجوع فيه إلى العرف. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن زوجها أبوها وهي بكرٌ فدخل بها زوجها ثم مات عنها، أو طلقها فقالت الجارية: / ما جامعني، وقد كان الزوج أقر بجماعها، فإن كانت إقامته معها أمرًا قريبًا جاز إنكاح الأب عليها؛ لأنها تقول: أنا بكر، وتُقِرُّ بأن صُنْعَ الأب جائزٌ عليها، ولا يضرها ما قال الزوج من وطئه إياها، وإن طالت إقامتها معه فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، أقرَّت بالوطء أو لم تُقِر.

стр. 3301

فصل: [٧ - في سكوت البكر والثيب عند استئذانهما في النكاح] قال مالك: وإذا قال للبكر وليها: إني مزوجكِ من فلان، فسكتت فذلك رضىَّ منها. قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضى. قال مالك: وإذا سكتت فذهب الولي فزوجها من ذلك الرجل، ثم أنكرت، لزمها النكاح، ولم ينفعها إنكارها بعد سكوتها. قال لاشيخ: لقوله ﷺ : «فإن سكتت فهو إذنها». قال مالك: وأما الثيب إذا قال لها أبوها أو ليها: إني مزوجك من فلان، فسكتت، فلا يكون سكوتها إذنًا ولا رضىَّ إلا أن تتكلم وتستخلف الولي على إنكاحها. قال عبد الوهاب: وإنما خُصَّت البكر بالصمات لقوله ﵊ في البكر: «إذنها صماتها»؛ ولأن الحياء يغلب عليها لئلا تَتْسَبَ متى نطقت إلى الشهوة والميل إلى الرجال فيكون ذلك مُزَهِّدًا فيها، وأما الثيب فلقوله صلى الله

стр. 3302

عليه وسلم: «الثيب تُعْرِبُ عن نفسها»؛ ولأن الثيب قد زال عنها الحياء ببروز وجهها ومعرفتها بما يُرادَ منها. قال: وينبغي أن تعلم البكر إذا صمتت أن ذلك إذنٌ منها احتياطًا لجواز أن تظن أن ذلك ليس بإذن، وليس ذلك بشرطٍ في صحة الإذن. ومن المدونة: قال مالك: وليست المشورة بلازمةٍ للأب في الأبكار، وروى ابن وهب أن النبي ﵊ زوج عثمان ابنتيه ولم يستشرهما. قال مالك: وبلغني أن القاسم بن محمد وسالمًا كانا يُنَكِحَان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن. قال مالك: وذلك الأمر عندنا في الأبكار.

стр. 3303

فصل: [٨ - في تزويج الأخر أخته بغير أمرها] قال ابن القاسم: ومن زوج أخته البكر أو الثيب بغير أمرها فبلغها ذلك فرضيت، فبلغني أن مالكًا قال مرة: إن كانت بغير البلد أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز، وإن قَرَبَ جاز. قال سحنون في المستخرجة: إن كانت عن البلد غائبةً مثل البَرِيد واليوم وشبهه، والقُلْزُم من مصر وبينهما يومان فهو قريبٌ إذا أرسل إليها في فور ذلك فأجازت، فأما مثل الإسكندرية وأسوان فلا يجوز وإن أجازت، وقاله أصبغ. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وسألنا مالكًا ونزلت بالمدينة في رجلٍ زوَّج أخته فقالت حين بلغها: ما وكَّلت ولا أرضى، ثم كَلَّمَتَ في ذلك فرضيت؟ فقال لا يجوز هذا النكاح، ولا يُقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا.

стр. 3304

قال في كتاب ابن المواز: إذا علمت فأنكرت، ثم أجازت لم يجز النكاح ولم يُقَرَّا عليه. قيل لمالك: فإن قالت حين بلغها: ما وكَّلته ولم أرض، ثم أقرت بعد ذلك بوكالته، وبأنها كانت راضيةً وهي وكَّلته؟ فقال مالك: لا يجوز ولا يثبت إلا بنكاحٍ جديدٍ. [فصل ٩ - في تزويج الأب ابنه الكبير وابنته الثيب وهما غائبان] ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنه الكبير المنقطع عنه أو ابنته الثيب وهما غائبان، فرضيا بفعل أبيهما لم يجز النكاح؛ لأنهما لو ماتا لا يتوارثان. قيل لابن المواز: فيفسخ النكاح قبل أن يعلما؟ قال: إن كان ذلك عن قُرْبٍ لم يفسخ حتى يعلما فيجيزا أو يَرَدَّا، وإن كان على بُعدٍ فُسِخَ مكانه إذا علم أنه أُفْتِيْتَ عليهما بغير علمهما. قال ابن المواز: وأحب إلينا في الابن الكبير البائن [عنه] ألا يفسخ بعد البناء إذا رضي حين بلغه، وقال ابن القاسم. وقال أيضًا أصبغ: إنما يؤمران قبل البناء بالفسخ بغير حكمٍ للاختلاف فيه -يريد: في البعيد الغيبة.

стр. 3305

قال ابن القاسم: قال مالك: فأما إذا قال الخاطب: هو أمرني بذلك، أو هي أمرتني، ثم قال المتزوج منهما الحاضر: لا حاجة لي بنكاح من إذا قدم كان عليَّ بالخيار، لم يكن ذلك له حتى يقدم الغائب، فإن أقر لزمه، وإن أنكر لم يقبل منه إنكاره بتوكيله مَنْ زوَّجه حتى يحلف أنه ما أمره ولا بعثه، وإذا حلف سقط عنه النكاح. قال الشيخ: ظاهره أنه إن نكل لزمه النكاح. وذكر ابن حبيب: إنه إن لم يحلف لم يلزمه النكاح بنكوله. وذكر عن غير واحدٍ من أصحاب مالك: أنه لا يمين في ذلك. ابن المواز: قيل: فإن أقر الرسول بعد العقد بأن ذلك بغير أمر الغائب؟ قال: إذا كان ذلك بعد النكاح لم يقبل قوله حتى يثبت ذلك بأمرٍ لاشك فيه، أو يقدم الغائب فيحلف. [فصل ١٠ - في تزويج اليتيمة قبل البلوغ] ومن المدونة: قال مالك: ولا تتزوج اليتيمة التي مُولَّي عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن رسول الله ﷺ أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة.

стр. 3306

قال ابن المواز: وكذلك وصيُّ أبيها لا يزوجها حتى تبلغ ويشاورهما. قال: ولو رضيت في الصغر فزوجت ما كان ذلك تزويجًا، ويفسخ إلا أن يتقادم ذلك بعد الدخول فيُقرَّا عليه. -قال الشيخ: يريد وإن كرهت-. قال ابن القاسم: فإذا لم يدخل فإنه يفسخ أبدًا وإن طال ورضيت. وسئل عن التي بنى بها وقد ولدت؟ فقال: مُنذْ كم بنى بها؟ قال: منذ ثمانية عشر شهرًا. قال: أرى أن يفسخ. قيل: فاليتيمة تبلغ حد الوطء وهي محتاجةٌ فتخطَب وتبلغ النكاح؟ قال: لا يزوجها وصيٌّ ولا وليٌّ حتى تبلغ المحيض. قيل لابن القاسم: فإن قاربت وأَشعَرت؟ قال: إذا جرت عليها المَواسِي وشارفت الحيض فَلْيُنْكِحْها وصيها برضاها فإن لم يكن وصيها فوليها برضاها، وقاله أصبغ، ثم رجع أصبغ، فأباه حتى تبلغ سنَّاً لا يبلغه أحدٌ إلا حاض، فإن زوَّجت قبل ذلك فسخ. قال ابن المواز: وأحب إلي ألا يفسخ إذا زوجت بعد الإشعار. وقد سئل مالك عن صبيةٍ من الأعراب صغيرةٍ محتاجةٍ تطوف وتَسأل، ولَّت أُمُّها رجلاً فزوجها في غنى؟ قال مالك: بِنتُ كم هِي؟ قيل له: بنت عشر سنين.

стр. 3307

قال: إذا كانت هكذا في حاجةٍ مُلحَّةٍ تتكفَّف، / يُعرفُ ذلك منها، فلا بأس بذلك إذا رضيت، ولو كانت صغيرةً لم يجز. [فصل ١١ - في تزويج اليتيمة بعد البلوغ بغير أمرها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا بلغت اليتيمة فزوجها وليها بغير أمرها ثم أعلمها بالقرب فرضيت جاز، ولا يكون سكوتها ها هنا رضى. قال الشيخ: وإنما لم يجعل سكوتها ها هنا رضى لتعدِّيه في العقد عليها قبل إعلامها، فزال الحياء عنها الذي أوجب أن يكون صمتها رضى، والأول إنما عَقَدَ بعد إعلامها، فَجُعِلَ سكوتها رضىَّ كما جاء في الحديث. قال الشيخ: ولو زوجها بغير أمرها ثم أعلمها بذلك فسكتت، فأعلمها أن سكوتها وترك ردها له نطقًا يكون رضىَّ به، وأَشهد عليها بذلك، وكل ذلك هي ساكتة، لَعُدَّ ذلك منها رِضىَّ، ولا كلام لها بعد ذلك. والله أعلم. ابن المواز: قال أشهب عن مالكٍ في امرأةٍ زوَّجها أخوها، ثم مات

стр. 3308

الزوج قبل البناء، فقال ورثته: لم تكن هي رضيت، فقال: تُسأل هي الآن، فإن قالت كنت رضيت، فذلك لها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت بغير البلد، أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز وإن رضيت. قال سحنون: وهذا قول مالكٍ الذي عليه أصحابه. قال شُريح: تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن مَعَّضَت لم تُنكَح، وإن سكتت فهو إذنها. قال سليمان: معنى معَّضَت: عبَسَت وقَطَّبت.

стр. 3309

[الباب الرابع] في وضع الأب بعض الصداق، وفي دفعه إليه [فصل ١ - في وضع الأب بعض الصداق] قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قال مالك ﵀: فإذا زوج الأب ابنته البكر ثم طلقها الزوج قبل البناء فلأبيها أن يعفو عن نصف الصداق الذي لها، وكذلك فيما يُرَى موقعه من القرآن، له أن يعفو عنه، ولا يجوز ذلك لغيره من وصيٍّ أو غيره، فأما قبل الطلاق فلا يجوز للأب أن يضع من صداقها شيئًا. قال ابن القاسم: إلا أن يفعل ذلك الأب على وجه النظر، مثل أن يُعَسِر الزوج عن المهر فيخفِّف عنه ويَنَظِرَه فيجوز ذلك، فأما أن يضع عنه لغير طلاقٍ ولا وجه نظر لها فلا يجوز، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هي المرأة الثيب، وقال ذلك ابن عباس وربيعة وغيرهم.

стр. 3310

قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس للأب أن يعفو عن نصف الصداق، ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الأب، ولا يصلح حملها على الزوج، لأنه ليس بيده بعد الطلاق عُقدة إلا أن يضمر فيه: الذي كان بيده، وحملها على الأب غير محتاجٍ إلى ذلك، ولأن الأب وليٌّ يملك الإجبار فجاز له العفو عن صداقها، أصله السيد في أمته. فصل [٢ - في قبض ولي اليتيمة صداقها وفي دفع الصداق إلى الأب ثم ادعائه تلفه] ومن المدونة: قال: وإذا زوج البكرَ اليتيمة وليُّها بغير أمرها فقبض صداقها لم يجز قبضه عليها، إلا أن يكون وصيّا، فإن كان وصيَّاً جاز قبضه عليها، لأنه الناظر لها، ومالها في يديه، وإن بلغت حتى تنكح، ويُؤْنس مع ذلك / منها الرشد والإصلاح لنفسها في مالها. قال مالك: وإذا زوج الثيب أبوها ثم قبض صداقها بغير إذنها فادعى تلفه ضمنه الأب. قال ابن القاسم: وإنما ضمَّنه مالك لأنه كان متعديًا في قبض الصداق، إذ لم توكِّله ابنته على قبضه، وهذا كدينٍ لها على رجلٍ فقبضه الأب بغير أمرها، فلا يبرأ الغريم، والأب ضامن، ولها أن تتبع الغريم. قال ابن حبيب: إذا قبضه الأب بغير توكيلها على التقاضي ضمنه للزوج، وإن كان الأب رسولاً للزوج لم يضمن.

стр. 3311

وأما الأب يقبض صداق ابنته البكر ثم يزعم أنه ضاع، فإن كان قبضه ببينة كان ضياعه من الابنة ولا شيء على الزوج ولا الأب، ويدخل الزوج بها، وإن قبضه بغير بينة لم يكن للزوج البناء إلا بدفع الصداق إليها ثانية، ولا شيء للزوج على الأب، وقاله ابن وهب وأشهب ونحوه لابن المواز. قال ابن القاسم في العتبية: إذا أقر الأب بقبضه وضاع منه ولا بينة للزوج على دفعه، أن الأب مصدق وضياعه منها، ولا شيء على الزوج. قال الشيخ: وهذا هو القياس، لأن الأب الذي له قبضه بغير توكيل عليه أقر بقبضه، فوجب أن يبرأ بذلك الزوج كوكيل البيع الذي له القبض بغير توكيل يقر بقبض الثمن ويدعي تلفه، أن ذلك يبرئ المشتري، فكذلك هذا، وكما لو باع لها سلعة وأقر بقبض ثمنها. ووجه الأولى: فلأن تصديق الأب لقبضه ودعواه تلفه ذريعة إلى إجازة نكاح بغير صداق، وكما لو وكلته الثيب على قبضه فيدعي قبضه وتلفه، أن الزوج لا يبرأ إلا ببينة أو لا ترى أن الأب إذا صمن الصداق لابنته ثم مات عديمًا فلا يدخل الزوج إلا بدفعه، فهذا كان أحرى أن يدخل بلا غرم، لأن الصداق في ذمة غيره، ولكن من حق الزوجة ألا تسلَّم سلعتها إلا بقبض ثمنها، وهذا القول أحوط، وهو جار على مذهب المدونة لما بينَّا. وبالله التوفيق.

стр. 3312

[الباب الخامس] في إنكاح الأولياء وتزويج ابنة الغائب أو العاضل [فصل ١ - في إنكاح الأولياء] قال أبو محمد: ولما خاطب الله سبحانه الأولياء فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] دلَّ أن لهم مع النساء إذنًا في أنفسهن. قال غيره: لأن هذه الآية نزلت في شأن مَعْقِلِ بن يَسار لما عَضَلَ أخته فنُهَي عن ذلك.

стр. 3313

وقال الرسول ﵊: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها فإن نكحت فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات- فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له». وقال عمر: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان. قال مالك: وذو الرأي من أهلها: الرجل من العصبة أو العشيرة أو الفخذ، وكذلك مولى النعمة إذا كان له الصلاح -يريد المنعم عليه بالعتق- وليس العبد والمرأة من الأولياء. قال الشيخ: ولما كانت المرأة لا تعقد على نفسها كان العقد على امرأةٍ غيرها أحرى أن لا يجوز، وقد قال الرسول ﵊: «لا تُنْكِحُ المرأة المرأة، ولا تُنْكِحُ المرأة نفسها». وروى ابن وهب أن النبي ﵊ قال: «لا يحلُّ النكاح إلا / بصداقٍ ووليٍّ وشهودٍ عدول». قال عبد الوهاب: وإنما كان الولي شرطًا في النكاح حياطةٌ للفروج لئلا تحمل المرأةَ شهوةَ النكاح إلى وضع نفسها في غير كُفءٍ، فتُلْحِقُ عارًا بأوليائها.

стр. 3314

قال: والولاية على ضربين: ولايةٌ عامةٌ وولايةٌ خاصةٌ، فالعامة ولاية الدين والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. والولاية الخاصة ولاية النسب أو الحكم، والولاية بالنسب مقدمةٌ على الولاية بالحكم. وإذا استخلفت المرأة أجنبيًا فزوَّجها مع القدرة على أحد الوليين، فقيل: إنه غير جائز، وقيل: إنه ماضٍ إذا تزوجت كُفْؤًا. فوجه الأولى: قوله ﵊: «فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له». فنفى بذلك أن تكون لغيره ولايةٌ مع وجوده، ولأن في إجازته ذريعةً إلى الفتيات على الأولياء وإسقاط حقهم. ووجه الثانية: أن الولاية الخاصة لا تسقط الولاية العامة جُملةً، وإنما لها مزيَّةٌ عليها في التقديم، فإذا حصل العقد بها على وجهٍ لو عقده الخاصُّ لجاز ولم يفسخ، اعتبارًا بتقديم بعض العصبة على بعض. ومن المدونة: قال مالك: وإذا اختلف الأولياء في إنكاح المرأة وهم في القُعْدَد سواء، نظر السلطان في ذلك، فإن كان بعضهم أَقْعَد من بعض فالأقعدُ أولى بإنكاحها، فالابن وابن الابن أولى بإنكاحها وبالصلاة عليها من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ وابن الأخ أولى بإنكاحها من الجد.

стр. 3315

وقال عبد الوهاب: إنما قلنا: إن الابن ولي، وأنه أولى من الأب لقوله ﵊ لِعُمر بن أبي سَلمة: «قُمْ فزوِّجْ أُمَّك»، ولأن الابن وابن الابن أقوى تعصيبًا في الميراث والولاء من الأب، وإنما قلنا: إن الأب أولى من الأخ للإجماع على ذلك، ولأنه أقوى تعصيبًا، ولا يرثون معه شيئًا. وإنما قلنا: أن الأخ وابن الأخ أولى من الجد خلافًا للشافعي، لأن تعصيبهم أقوى، لأنهم يُدْلون بالبنوة، والجد بالأبوة، لأن الأخ يقول: أنا ابن أبيها، والجد يقول: أنا أبو أبيها، وقد بينَّا أن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب. ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أليس هذا إذا فوَّضت إليهم فقالت: زوجوني، أو خطبت فرضيت، فاختلف الأولياء في إنكاحها وتشاحوا على ذلك؟ قال: نعم.

стр. 3316

قال مالك: وإذا كان أولياء المرأة حضورًا كلهم وبعضهم أقعد من بعضٍ، منهم ولد الولد والوالد نفسه والأخ والجد والعم وغيرهم، فزوَّجها العم أو الأخ برضاها وهي ثيب وأنكر والدها وسائر الأولياء لم يُرَدْ النكاح، فليس للأب ها هنا قول، لأنها قد ملكت أمرها. قال مالك: وكذلك إن كانت بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي، ولها من الأولياء من ذكرنا فزوَّجها الأبعد برضاها وأنكر الأقعد، فالنكاح جائزٌ، وقد قال مالك: إن الرجل من الفخذ يزوج وإن كان ثَمَّ مَنْ هو أولى منه. قال ابن القاسم: وذو الرأي من أهلها يجوز إنكاحه إياها إذا كان له فضلٌ وصلاحٌ وإن كانت من العرب ولها من الأولياء من ذكرنا. وكذلك مولى النعمة يجوز أن يزوج ملاته من نفسه ويلي عقد نفسه، أو يزوجها من غيره برضاها، فيجوز / ذلك على الأقعد من أخ أو غيره، وهو من ذوي الرأي من أهلها إذا كان له الفضل والصلاح، وكانت المرأة ثيبًا، أو بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي. وقال عليٌّ عن مالكٍ في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثَمَّ أخوها لأبيها وأمها أن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الأخ الشقيق، فلا تُنْكَحُ حينئذٍ إلا برضاها، وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن يُنْكِحَ وثَمَّ مَنْ هو أولى منه، إذا لم يكونوا إخوة، وكان أخًا وعَمَّاً، أو عَمَّاً وابن عَم، ونحو هذا وهم حضورٌ.

стр. 3317

قال سحنون: وقال أكثر الرواة: لا يزوِّج وليٌّ وَثَمَّ مَنْ هو أولى منه حاضر، فإن فعل نظر السلطان في ذلك. وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد، إلا أن يطول مكثها عند الزوج، وتلد الأولاد، لأن العقد لم يخرج من أن وَلِيَهُ وَلِيٌّ، وهذا في ذات المنصب والقدر. وقال ابن المواز: وليس الخال من الأولياء. قال ابن وهب: وقاله مالك وغيره من العلماء. قال ابن حبيب: الأقرب امضاؤه، أو فسخه ما لم يبن. قال ابن حبيب عن مالك: وذلك ما لم يكن الولي الأقرب حاضرًا يعلم أن غيره عقد على وليته فلا يتكلم، فإن ذلك منه رضى. فصل [٢ - في تزويج ابنة الغائب] ومن المدونة: قال ابن القاسم وعلي بن زياد: قال مالك: من غاب عن ابنته البكر غيبة انقطاع كمن خرج إلى المغازي إلى مثل إفريقية

стр. 3318

والأندلس وطَنجَة فأقام بها، فرفعت أمرها إلى الإمام، فلينظر لها ويزوجها. قيل لابن القاسم: فهل للأولياء أن يزوجوها بغير أمر السلطان؟ قال: إنما سمعت مالكًا يقول: ترفع أمرها إلى السلطان. -قال ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: أن للإمام حينئذٍ أن يزوج - قال ابن القاسم: وأما إن خرج تاجرًا إلى مثل إفريقية ونحوها، ولم يُرِدْ المقام بتلك البلدة، فلا يزوجها ولي ولا سلطان وإن أرادته الابنة، لأن مالكًا لم يوسِّع أن تزوج ابنة الرجل [البكر] وهو غائبٌ إلا أن تكون غيبة منقطعة. قال عبد الوهاب: إذا غاب الأب غيبة انقطاع، فإن كانت حياته معلومة، ومكانه معروفًا، إلا أن استئذانه يتعذَّر، وهي بالغ، فقد اختلُف في جواز إنكاحها: فقال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه. وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها بوجه في حياة الأب. وقال ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز إنكاحها برضاها، وإن أجراها عليها لم يجز. فوجه قول مالك: أن طول غيبته ضرر بها، فهو كما لو عَضَلَها.

стр. 3319

ووجه قول عبد الملك: أنها ذات أبٍ غير عاضلٍ، فلا تُزوج عليه، ولا تسقط ولايته لغيبته كالقريب الغيبة فهو كالحاضر. ووجه قول ابن وهب: أن المراعي في ذلك دخول الضرر البين، وذلك موجود مع انقطاع النفقة، فيكون كالعَضَل. قال: واختلف فيمن ينكحها، فقيل: لا يزوجها إلا السلطان، وقيل: للأولياء أن يزوجوها برضاها. فوجه الأول: أن إنكاحها مع بقاء الأب هو لإزالة الضرر عنها كالعضل، فكان كالحكم على الأب، وذلك يختص بالسلطان. ووجه الثاني: أنها بكر جاز تزويج غير الأب إياها برضاها، فجاز ذلك لسائر الأولياء، أصله إذا مات. وأما إذا انقطع خبر الأب فلم تعلم حياته ولا موته جاز إنكاح الأولياء إياها برضاها. وقال عبد الملك: ليس ذلك لهم إلا بعد سنين / من يوم فُقِد. فوجه الأول: أن الظاهر من أمره الموت، فجاز إنكاحها، وأحسن أحوالها أن يُجْرَى مجرى العضل، فيجب إزالة الضرر عنها. ووجه قول عبد الملك: أنه أنزلها بمنزلة امرأة المفقود من حيث كان الضرر يلحقها بانتظاره، فوجب وقف ذلك على ضرب الأجل له كامرأة المفقود.

стр. 3320

قال ابن حبيب من قول مالكٍ في غيبة الولي أنه إن كان قريبًا كتب إليه الإمام، وإن سافر انتظره، فإن بعدت غيبته زوجها الإمام إلا في الأب، فلا يزوجها إلا أن تطول غيبته جدًا فيزوج الأيم، وأما البكر فلا إلا أن ينقطع بالسكنى في بلدٍ منقطع بعيد قد يُئِسَ من رجعته، وطال ثواه بها، كالعشرين والثلاثين سنة، فيزوجها السلطان ولا يفعل ذلك أحد من الأولياء، فإن زوجها وليٌّ لها بإذن السلطان في الغيبة البعيدة مضى النكاح، وإن جَهِل السلطان أو الولي فزوجها في الغيبة القريبة لم يجز، وفسخ إذا جاء الأب وإن ولدت الأولاد، وإن أجازه الأب لم يجز، وقال ابن القاسم. [فصل ٣ - في تزويج ابنة العاضل] ومن المدونة: وإذا رضيت ثيب بكفءٍ في دينه، وهو دونها في النسب والشرف وردَّه أبٌ أو ولي، زوَّجها من الإمام. ولقد سألنا مالكًا عن نكاح الموالي في العرب؟ فقال: لا بأس به. قال عبد الوهاب: والكفاءة المعتبرة عندنا هي الدين دون النسب، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي

стр. 3321

في أنها للنسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] , وقوله ﵊: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير» , فاعتبر الدين والأمانة دون النسب. وقوله: «تُنْكَحُ المرأة لدينا ومالها وجمالها, فعليك بذات الدين تربت يداك» , فأخبر عن أغراض النكاح, وأمر بذات الدين وجعله العمدة. قال الشيخ: قيل لابن المواز: ما تقول في الذي جاء عن عمر: لا تزوجوا النساء إلا الأكفاء, فأي امرأةٍ من قريشٍ تزوجت غير كفؤ لها فَرَّقَ عمر بينهما, وقال: لا تنكحوا ذوات الأحساب إلا من الأكفاء؟ قال: قد قال عمر غير هذا, قال: دين الرجل حسبه, وكرمه تقواه, ومروءته خلقه, فليس الحسب والشرف إلا في الإسلام والتقوى وما جاء عن الرسول ﷺ ليس لأحد معه حُجة.

стр. 3322

وروى ابن وهب أن الرسول ﵊ قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فانكحوه» , قالوا: يارسول الله: وإن كان أسود, فقال ﵊: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». وذكر ابن وهب أن بلالاً خطب بنتاً لبُكَير, فأباه أخوتها, وكانوا بدرييَّن, فأخبر بلال رسول الله ﷺ بذلك, فغضب رسول الله, فبلغهم الخبر, فأتوا أختهم فقالوا: مالقينا من غضب رسول الله من أجل بلال؟ فقالت: قد جعلت أمري لرسول الله ﷺ , فأنكحها رسول الله ﷺ بلالاً. ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فإن رضيت بعبد وهي امرأة ثيب من العرب, وأبى الأب أو الولي أن يزوجها منه, [أيزوجها منه السلطان أم لا]؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً إلا ماأخبرتك / من نكاح الموالي في العرب [٥٠/ب] ولقد قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولاة, فأعظَمَ ذلك إعظاماً

стр. 3323

شديداً, وقال: أهل الإسلام بعضهم لبعضٍ أكْفاء, لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وقال غيره: ليس الوليُّ بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثلِه, لأن للناس مناكح قد عُرِفَتُ لهم وعُرِفُوا بها. وقال المغيرة وسحنون: يفسخ. قال عبد الوهاب: وهذا هو الصواب, لأن الحرية من الكفاءة, ولأن العار يدخل على الأولياء بوضع وليَّتهم نفسها تحت عبد, فكان لهم منعُها. فصل [٤_متى يعدُّ الأب عاضلاً لابنته؟] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يكون الأب عاضلاً لابنته البكر البالغ في ردِّ لأول خاطبٍ أو خاطَبيْن حتى يتبيَّن ضرره, وإذا لم يُعْرف من الأب في ذلك ضرر لم يهجم السلطان على ابنته في إنكاحها, ولا حدَّ في ردِّ الأب عنها الواحد والاثنين إلا أن يعَرف ضرره وإعضاله لها, فإذا تبيَّن ذلك منه فأرادت الجارية

стр. 3324

النكاح قال له الإمام: إما أن تزوجها, وإما زوجناها عليك, لأن النبي ﵊ قال: «لا ضَرَرَ ولاضِرَار».

стр. 3325

[الباب السادس] في إنكاح الأوصياء [فصل ١_ في تزويج الوصي البالغة] قال مالك: وللوصي ووصي الوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كسره الولي, ولا نكاح للأولياء مع الوصي ووصي الوصي, وهما أولى من الأولياء. قال الشيخ: لأنها ولاية كان للأب على ابنته, فكان له نقلها إلى من شاء بعد وفاته, كولاية المال. قال مالك: ولو رضيت الجارية ووليها برجل والوصي ينكر فلا نكاح لها ولاهم إلا بالوصي, فإن هم اختلفوا نظر السلطان في ذلك. قال مالك: وإن زوجها الولي برضاها من رجل وقد حاضت, ولها وصي أو وصي وصي فلا يجوز نكاحه. قال ابن المواز: قال مالك: إذا زوجها أحد أوليائها برضاها كان للوصي أن ينقض نكاحها. ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي, ويشاور الولي.

стр. 3326

قال: والوصي العدل مثل الأب. قال ابن القاسم: ووصي الوصي في البكر وإن بَعُدَ كالوصي. قال مالك: ويزوج الثيب الولي برضاها وإن كره الوصي, وإن زوجها الوصي أيضاً برضاها جاز وإن كره الولي, وليس هو كالأجنبي فيها. قال ابن المواز: قال أشهب: وإنما الوصي في الثيب كالأب في الثيب. فصل [٢_ في تزويج الوصي الصغيرة] ومن المدونة: قال مالك: وليس لأحدٍ أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصيٍّ أو وليٍّ إلا الأب وحده, لأن النبي ﵊ أمر باستئذان اليتيمة, ولاإذن إلا للبالغة. قال في كتاب ابن المواز والواضحة: وإذا قال الأب للوصي: زوِّج ابنتي فلاناً, أو ممن ترضاه, أو قال: زوِّجها فقط, فهذه يزوجها الوصي قبل البلوغ, وله إكراهها على ذلك بعد البلوغ كالأب. وإن قال: فلان وصيٌّ فقط, أو قال: وصيٌّ على بُضْعِ بناتي, أو على تزويجهن, فلا يزوجهن هذا حتى يبلغن ويرضين. ابن المواز: قال أصبغ: ولو كان الذي أمره الأب بتزويجه لها رجلاً فاسقاً سكِّيراً لم يجز ذلك عليها, ولا يجوز ذلك للأب لو فعله بها, وكان للسلطان أن

стр. 3327

يرد نكاحه عليها, لأنه من الضرر, وقد نهى النبي ﵊ عن الضرر. وكما لو دعت هي إلى تزويج مثل هذا لم يجز أن تُجاب إليه. قيل: فلو أوصى إليه فقال له /: زوِّج ابنتي من فلا بعد عشر سنين [أو بعد أن تبلغ] أو قال له: ممن ترضاه؟ قال: ذلك جائز لازم إذا فرض لها صداق مثلها, وليس لها ولا للوصي أن يأبيا ذلك إذا طلب ذلك من سمَّاه الأب, ويحكم له بذلك, إلا أن يكون لها في ذلك حجة, مثل أن يكون يوم أمره الأب بتزويجه مأموناً مرضيَّاً حسن الحال, ثم خرج بعده إلى الفسق والدَّعارة والتلصُّص, فيبطِل الحاكم عنها وصية الأب فيه سواءً أحبته أو كرهته. قيل: فلو كانت حجتها أن قالت: إن هذا الرجل يوم أمر أبي بإنكاحي منه خلوٌّ من النساء, وهو الآن قد تزوج بعده, أو قالت: اتخذ السراري, فلست أُدْخِلُ عليَّ الضرر؟ قال: ليس هذا مما ترد به النكاح عن نفسها, والأمر لها لازم. قال الشيخ: وقع في بعض روايات المدونة فيمن قال: إن مت من مَرضي فقد زوجتُ ابنتي من ابن أخي. قال فيها سحنون: إنما يجوز ذلك إذا قبل النكاح ابن الأخ بِقُرْبِ ذلك ولم يتباعد.

стр. 3328

قال الشيخ: وهذه بخلاف مسألة أصبغ, لأن هذا زوَّج ابنته بعد, وأنما بقي إعلام الزوج ورضاه, فلذلك اشترط إن قَبِلَ بالقرب, وأما الآخر فإنما أوصاه أن يعقد ذلك الوصي إن رضي الزوج, فلذلك جاز بعد الطول وهذا بيِّن. وفي بعض حواشي الكتاب: إذا قال في صحته: إذا مت فقد زوجت ابنتي فلانةً من فلانٍ ابن أخي, أنه لا يجوز هذا عند ابن القاسم, وبه قال أصبغ وابن المواز, لأنه نكاح إلى أجل, كما لو قال: إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان, وأشهب يجيز هذا. قال أصبغ: وإن في المرض لَمَغّمَزاً أيضا ولكن أهل العلم متفقون على إجازته وهو من أمر الناس ومن وصايا المسلمين في أمراضهم. [فصل ٣_في تزويج الأب أو الوصي الطفل الصغير] ومن المدونة: قال مالك: وأما الطفل الصغير فلأبيه أو وصيه أن يزوجه قبل بلوغه, وليس ذلك لغيرهما من الأولياء, ووصي الوصي في ذلك كالوصي. قال: ولأن للطفل أن يطلِّق إذا بلغ وليس ذلك للطفلة.

стр. 3329

فصل [٤ - في استخلاف الأم من يزوج ابنتها] قال مالك: وللأب أو للولي أن يستخلف من يزوج, وليس للأم أن تستخلف من يزوج ابنتها البالغ اليتيمة, إلا أن تكون الأم وصية, فإن كانت الأم وصية عليها أو على صَبَيَّة غير ابنتها فهي أحقُّ بعقد النكاح من الأولياء, غير أنها لا تلي هي عقد نكاحها, ولكن توكِّل بذلك رجلاً بعد بلوغ الصبيَّة ورضاها, فأما قبل بلوغها فلا.

стр. 3330

[الباب السابع] في المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الأول منهما ووليَّ المعتقة, والاولي يرضى بغير كفءٍ ثم لا يرضى به في نكاح ثان [فصل ١_في المرأة يتزوجها رجلان ولا يُعلم الأول منهما] قال مالك: وإذا وكَّلت المرأة كلَّ واحدٍ من ولييها يزوجها فزوَّجها هذا من رجلٍ وهذا من رجلٍ أخر, فالنكاح لأوَّلهِما إذا عُرَفَ الأول, إلا أن يدخل بها الأخر فهو أحقُّ [بها] وكذلك قضى عمر ﵁. قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: تردُّ للأول على كل حال, ودليلنا: أنه إجماع الصحابة, روي عن ذلك عمر والحسن بن علي
следующие страницы →