Полный текст (9 651 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
قال الشيخ: فهذا يدل على أن للسيد حبس صداقها ويتركها بلا جهاز.
وقال في كتاب الرهن من المختلطة: لا يحبس السيد صداق أمته، ولمن يجهزها به كالحرة.
قال سحنون: وابن القاسم يرى أن للسيد انتزاع صداق أمته، ولست أقوله، وقد قال مالك: وليس للحرة أن تقضي منه الدين إلا الشيء اليسير.
وقيل: يحتمل أن يكون معنى ما في كتاب الرهن: أنه بوأها مع زوجها بيتاً فلزمه أن يجهزها بصداقها، وهاهنا لم تبوأ معه بيتاً، فليس على السيد أن يجهزها به فجاز له انتزاعه، والله أعلم.
وروي عن سحنون: أنه يترك لها منه ثلاثة دراهم، إذ ليس له أن يزوجها بلا صداق.
وروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم فيمن زوج أمته ففلس السيد قبل البناء فباعها عليه السلطان فاشتراها زوجها أن الصداق للبائع.
- قال الشيخ: يريد نصف الصداق، لانفساخ النكاح بشراء الزوج لها-
قال: ولا يرجع به الزوج، لأن السلطان هو الذي باعها، بخلاف بيع السيد.
قال الشيخ: وعاب ذلك أبو عمران وضعفه وقال: قد اختلف قول ابن القاسم في ذلك.
стр. 3502
وقد روى لنا الباجي مما أخرج في سماع عيسى أن لا شيء للبائع من الصداق، وبيعه وبيع السلطان سواء.
وقد تأول بعض الناس أن معنى قوله في رواية أبي زيد: ليس للزوج رجوع على سيد الأمة بالصداق- يريد: لا يرجع به في ثمن الأمة فيحاص به غرماء سيدها لأن النكاح إنما انفسخ بعد عقد البيع، فهو كدينٍ طرأ من معاملةٍ حدثت.
ومن النكاح: قال/ مالك: فإن اختارت هذه نفسها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده، فإن كان قد اشترطه بطل شرطه، لأن الفسخ جاء من قبله.
قال ابن القاسم: وأما التي زوجها سيدها بتفويضٍ ثم أعتقها قبل البناء، ثم فرض لها الزوج بعد العتق، واختارت المقام معه، فهذه يكون لها جميع ما فرض لها ولا سبيل للسيد عليه، إذ لم يكن ذلك بمالٍ لها فيشترطه، وإذ لو مات الزوج أو طلق قبل الفريضة لم يكن لها شيء، فلما رضي الزوج بالفريضة قبل البناء كان شيئاً تطوع به الزوج لم يكن وجب عليه في أصل النكاح.
قال مالك: ومن زوج أمته فله منعها من الزوج حتى يقبض صداقها.
стр. 3503
ابن وهب: وقال بكير وغيره: للسيد أخذ صداقها إلا قدر ما يستحل به فرجها، وله أن يضع من مهرها لزوجها بغير إذنها.
ابن شهاب: هو كمالها، وللسيد أخذه إذا احتاج إليه كما يأخذ مالها، وقد قال ﵊: "من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع".
فصل [٤ - في صداق المجوسية تسلم]
قال مالك: وإذا أسلم أحد الزوجين المجوسيين بعد البناء ففرق بينهما، فللمرأة صداقها المسمى كاملاً.
[فصل ٥ - في صداق المرتدة]
ابن القاسم: وكذلك المرتدة إذا بنى بها زوجها قبل أن تستتاب، فلها صداقها المسمى.
стр. 3504
[فصل ٦ - في صداق من اشترط في نكاحها
أن ما ولدت فهو حر]
قال: وكذلك من زوج أمته وشرط أن ما ولدت فهو حر، لم يقر هذا النكاح على حال، ويكون لها إن دخل بها المسمى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: وقيل: لها صداق المثل، وهو أقيس، وذلك أن الصداق وقع للبضع ولحرية الولد، وما يخص كل واحدٍ من ذلك مجهول، فهو كمن تزوج بصداقٍ مجهول، فوجب لذلك صداق المثل.
قال الشيخ: ووجه الأخرى: فلأن الصداق إنما وقع على البضع المتيقن، والولد أمر يكون أو لا يكون فلا حق له.
ابن المواز عن مالك: إن نكح على هذا فسخ قبل الدخول وبعده، سواء زوجها من حرٍ أو عبدٍ له أو لغيره، ويكون الولد حراً، وولاؤه لسيد الأمة الذي أعتقه.
ابن حبيب: ولو شرط أول ولدٍ تلده حراً، فإن عثر على ذلك قبل الولد فسخ قبل البناء وبعده، وإن لم ينظر فيه حتى ولدت عتق الولد، وثبت النكاح، إذ لم يبق فيه شرط.
стр. 3505
ابن المواز: ولو كانت اغتصبت فزوجها الغاصب من رجلٍ على أن ولدها منه حر، فولدت ثم استحقها سيدها، فليأخذها ولا حرية لهم.
- قال الشيخ: إذ لا ينعقد عليه ما شرط غيره في أمته-.
قال ابن القاسم في المستخرجة: وليس لأبيهم أن يعتقهم إلا أن يشاء السيد ولا للسيد أن يلزم ذلك الأب إذا أباه الأب.
قال يحيى بن عمر: وهو بخلاف ولد الذي تزوج الأمة على أنها حرة.
قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الأول شرط له حرية الولد غير مالكه، فلم يتم له شرطه، ومتزوج الغارة إنما تزوج حرةً في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، لا شرط فيه لأحدٍ، فوجبت بذلك حريته كولد المشتري للأمة تستحق بملك، لأنه إنما أولد أمته في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، فوجب بذلك حريته/ وبذلك قضى عمر بن الخطاب، وألزم الأب قيمتهم لمولى الأمة عبيداً يوم الحكم، إذ لا سبيل إلى رقهم، وهذا بيِّن فاعلمه.
стр. 3506
[فصل ٧ - في صداق الغارة]
ومن المدونة: ابن القاسم: والأمة تغر من نفسها فتتزوج: فإنها سترد ما فضل عن صداق مثلها وتأخذ صداق المثل، لأن ذلك حق لسيدها، فليس ما صنعت يبطل ما وجب على الزوج للسيد من حقه في وطئها، والحرة التي غرت من نفسها فتزوجت في عدتها يكون لها قدر ما يستحل به فرجها، لأنها هي الغارة فليس لها أن تجر إلى نفسها هذا الصداق بما غرت. والله أعلم.
стр. 3507
[الباب التاسع]
ما جاء في نكاح التفويض
[فصل ١ - في جواز نكاح التفويض
وما يجب به الصداق فيه]
وقد أذن الله سبحانه في نكاح التفويض بقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
قال مالك: فنكاح التفويض جائز، وهو أن يقولوا: قد انكحناك، ولا يسمون صداقاً، فهو بالخيار إن شاء دفع مهر مثلها ودخل، وإن شاء فارق ولم يلزمه غير المتعة، وهذه سنة نكاح التفويض، فإن بنى بها فلها صداق مثلها وليس كصداق أختها، أو ذات رحم، ولكن مثلها في مالها وجمالها وشبابها وحالها في زمانها.
ابن القاسم: وقد تكون واحدة لها مال وجمال وشطاط، وأختها لا مال لها ولا جمال فليس صداقهما عند الناس، وتشاح الناس فيهما سواء.
стр. 3508
قال الشيخ: وقد قال الرسول ﷺ : "تتزوج المرأة لمالها وجمالها ودينها"، فدل أن الاعتبار بهذا دون غيره.
قال مالك: وينظر في هذا إلى ناحية الرجل أيضاً، فقد يزوج فقير لقرابته، وأجنبي لماله، فليس صداقها عند هذين سواء، فيخفف عن القريب ويكمل على الأجنبي صداق المثل.
قال مالك: ولا يجب صداق المثل في نكاح التفويض إلا بالبناء، إذ لو مات الزوج قبل البناء التسمية لم يكن لها صداق ولا متعة ولها الميراث.
قيل لمالك في كتاب ابن المواز: فما جاء عن ابن مسعودٍ فيمن تزوج امرأةً فهلك عنها قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل عليها، فأقام ابن مسعودٍ شهراً ينظر فيها، ثم قال: أرى لها صداق مثلها؟
فقال: ليس عليه العمل، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت: أن لها الميراث ولا صداق لها.
قال مالك: وبيان ذلك في كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فإذا طلقها فلم يكن لها فيه شيء، فكذلك إذا مات عنها لم يكن لها شيء.
стр. 3509
[فصل ٢ - في ما تستحقه المرأة إن نكحت بتفويض]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا طلق قبل البناء وقبل أن يتراضيا على صداق لم يكن لها غير المتعة.
ابن حبيب: ولا ينبغي أن يبني في التفويض ولا يخلو بها حتى يقدم ربع دينار فأكثر، فإن مسها ثم طلقها لزمه صداق المثل.
ومن المدونة: وإذا أرادت الزوجة أن يفرض لها قبل البناء لم يكن له أن يدخل حتى يفرض لها صداق المثل إلا أن ترضى منه بدون ذلك، فإن لم ترض إلا بصداقٍ مثلها كان ذلك عليه، فإن شاء أتم لها صداق مثلها أو طلق.
قال مالك: وإن فرض لها بعد العقدة فريضة أقل من صداق مثلها فرضيت بها، أو فرض لها صداق المثل فأكثر ثم طلقها قبل البناء كان لها نصف ما سمى، وإن مات الزوج كان لها جميع ما سمى، وإن ماتت هي كان ذلك عليه.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن تزوج بتفويضٍ فبعث إلى أهلها بشيءٍ فسخطوه، فقال: فإن لها صداق مثلها، ثم إن طلق ولم يدخل فإن لها نصف صداق المثل.
ومن كتاب محمد: قال ربيعة فيمن فوض إليه فبعث ثياباً ومتاعاً فأدخلت عليه، ثم ماتت فليس لهم إلا ما أرسل إليها.
وقال يحيى بن سعيد: إذا كان الأب قد قبله وأدخلها.
стр. 3510
ابن المواز: وإذا نكح على أن لها نقد عشرين ديناراً، أو على أنه مفوض إليه في بقية مهرها، ثم لم يرضوا بما فرض لها ولا بما زاد لأنه أقل من صداق مثلها حتى فارق فله أخذ العشرين ولا يلزمه شيء، وليمتعها، وكذلك لو تزوجها على تفويضٍ وعلى مالٍ دفعه إلى أبيها خاصة، ثم طلق قبل البناء فعليه المتعة، ويأخذ من الأب كل ما أعطاه.
[فصل - في المريض ينكح بتفويض ثم يموت، أو تموت المرأة]
ومن المدونة: قيل لمالك: فالرجل المفوض إليه يمرض فيفرض وهو مريض؟
فقال: لا فريضة لها إن مات من مرضه ذلك، لأنها وصية لوارث إلا أن بطأها في مرضه فيجوز ذلك ويكون لها ما سمى من رأس ماله، إلا أن يكون ذلك أكثر من صداق المثل فيرد إلى صداق المثل.
قال الشيخ: يريد لأنها وصية لوارث، لأن عقده كان في الصحة فهي وارثة.
قال ابن المواز: قال مالك: إلا أن تكون ذمية لا ترثه فتكون لها الزيادة في ثلثه.
قال ابن المواز: ولو سمى للذمية أو للأمة في مرضه ولم يبن بها فذلك كله لها في ثلثه تحاص به أهل الوصايا.
وقال عبد الملك: لا شيء لهذه، لأنه لم يسم لها إلا على المصاب.
قال ابن المواز: ولا يعجبنا ذلك.
قال أصبغ: وإن سمى للحرة المسلمة في مرضه، ثم ماتت هي، ثم صح هو بعدها لزمته التسمية لورثتها.
стр. 3511
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
وقال ابن المواز: لا يعجبني قول أصبغ.
[فصل - في رضى الولي بما يفرض للمرأة وعدم ضاه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا زوج الثيب وليها، ثم فرض لها الزوج أقل من صداق مثلها فرضيت هي بذلك ولم يرض الولي لزمها ذلك، لأن الرضى في ذلك لها، فلا قول لوليها.
قال: وإذا زوج البكر أبوها بتفويضٍ ثم فرض لها الزوج بعد ذلك أقل من صداق مثلها فرضيت، لم يكن لها ذلك إلا أن يرضى الأب بذلك فيجوز ولا ينظر إلى رضاها مع الأب.
وإن زوجها غير الأب فرضيت بأقل من صداق مثلها لم يجز ذلك لها ولا للزوج، لأنه لا قضاء لها في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف أنها مصلحة في مالها.
ولا يجوز لأحدٍ أن يعفو عن شيءٍ من صداقها لا وصي ولا غيره إلا الأب وحده.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك نظراً لها فيجوز إذا رضيت مثل أن يعسر الزوج فيسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق، ويرى أن مثله رغبةً لها فيجوز ذلك، وما كان على غير هذا لم يجز وإن أجازه الولي.
ولو فرض الزوج صداق المثل لزم ذلك المرأة والولي ولا قول لمن أباه منهما.
قال مالك: / وإن فرض الزوج بعد عقده النكاح قبل المسيس أو بعده ما رضيت به المرأة وهي ممن يجوز أمرها، أو رضي به الولي وهي بكر والولي ممن
стр. 3512
يجوز أمره عليها، وهو الأب في ابنته البكر فذلك جائز، ويكون صداقها هذا الذي تراضيا عليه، ولا يكون لها صداق المثل.
قال غيره: إلا أن يدخل بها فلا تنقص المولى عليها بأبٍ أو وصي من صداق مثلها.
قال الشيخ: وقول الغير ليس بخلافٍ لابن القاسم، وقول ابن القاسم: فلو فرض لها الزوج بعد عقده النكاح قبل المسيس أو بعده، عائد على الثيب خاصة، ألا ترى أنه قال: أو رضي به الولي، وهو الأب في ابنته البكر، فقد بين أو المولى عليها بكر، فلا تكون بكر ممسوسة، فإنما أراد إذا فرض الزوج ما رضيت له الثيب قبل الدخول فيكون ذلك من صداقها وإن كان أقل من صداق المثل.
قال الشيخ: وقد كان بعض مشايخنا يقول: معنى قول ابن القاسم إذا فرض الزوج أكثر من صداق المثل، ويرى أن قوله: قبل المسيس أو بعده، عائد على الثيب والبكر، وما ذكرته أبين، وهو الذي أراد ابن القاسم وإن كان المعنى واحداً، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان ولي البكر ممن لا يجوز أمره عليها فلا يجوز رضاه لأقل من صداق مثلها، ولا يجوز ما وضعت للزوج بعد الطلاق قبل البناء من النصف الذي وجب لها، وإنما يجوز ذلك للأب وحده.
وقد قيل: إذا رضيت بأقل من صداق مثلها أو وضعت للزوج ما وجب لها بعد الطلاق جاز ذلك، إذ لا يولى عليها، وإنما لا يجوز ذلك لمن يولى عليها بوصي، وطرحه سحنون.
стр. 3513
[الباب العاشر]
في نكاح الموهوبة أو بغير صداق
[فصل - في نكاح الموهوبة]
وقد منع الله سبحانه من النكاح بغير صداق فقال في النساء: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وخص الله رسوله ﵊ بالموهوبة بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قيل لابن القاسم: فلم أجزت نكاح التفويض ولم تجز الهبة إذا لم يسموا مع الهبة صداقاً؟
قال: إنما الهبة عندنا كأنه قال: قد زوجتكها بلا صداق، فهذا لا يصلح ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
قال سحنون: وقد كان يقول: يفسخ وإن دخل.
ابن المواز: وقاله أشهب وابن واهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
قال أصبغ: لأن فساده في البضع.
قال أشهب: ويكون لها إذا فسخ بعد البناء ثلاثة دراهم، وقال ابن وهب وأصبغ: لها صداق المثل.
стр. 3514
وقال ابن القاسم وعبد الملك: لا يفسخ إذا دخل، ويكون لها صداق المثل، وروي عن مالك.
ومن المدونة: ابن وهب عن يونس أنه سأل ابن شهابٍ عن امرأةٍ وهبت نفسها لرجل؟
فقال: لا تحل هذه الهبة، لأن الله تعالى إنما خص بها نبيه دون المؤمنين، فإن أصابها فعليهما العقوبة، ولها الصداق من أجل ما يرى بهما من الجهالة، ويفرق بينهما.
وقال ربيعة: يفرق بينهما وتقاضى وهبت نفسها أو وهبها أهلها فمسها.
وفي بابٍ بعد هذا قال ابن القاسم عن مالك: ومن وهب ابنته وهي صغيرة لرجلٍ لم يجز ذلك، ولا تحل الهبة لأحدٍ بعد النبي ﵊ إلا أن تكون هبته إياها ليس على نكاحٍ، إنما وهبها له ليحضنها ويكفلها، فلا بأس بذلك ولا قول لأمها إن فعل ذلك لحاجةٍ أو فاقة.
قال في المستخرجة عن مالك: إذا كان ذا محرمٍ وإلا فلا.
стр. 3515
ومن المدونة: ابن القاسم: فإن وهبها له بصداقٍ مسمى وأراد بالهبة وجه النكاح جاز ذلك، وقد قال مالك فيمن وهب سلعته لرجلٍ على أن يعطيه شيئاً مسمى أن ذلك بيع جائز، فأرى الهبة بالصداق مثل البيع، وإنما يكره من ذلك الهبة بلا صداق.
[فصل - في النكاح بغير صداق]
قيل لابن القاسم: فإن قالوا: قد أنكحناك فلانة بلا صداق؟
قال: إن دخل بها ثبت النكاح وكان لها صداق مثلها، فإن لم يدخل بها فرق بينهما، وهذا الذي استحسن، وقد بلغني ذلك عن مالك، وقد قيل: يفسخ قبل البناء وبعده.
стр. 3516
[الباب الحادي عشر]
في نكاح التحكيم
[فصل ١ - في جواز نكاح التحكيم]
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على حكمه أو على حكمها أو على حكم فلانٍ جاز النكاح، فإن وقع الرضى بالحكم فيه قبل البناء وإلا فرق بينهما ولا شيء لها، ويلزم المرأة النكاح إن فرض لها الزوج قبل البناء صداق المثل كالتفويض وقد كنت أكره هذا النكاح حتى بلغني أن مالكاً أجازه على ما فسرت لك، وأخذت به وتركت رأيي فيه.
قال سحنون: وقال غيره ما قال عبد الرحمن أول قوله: لا يجوز ويفسخ ما لم يفت بالدخول، لأنه خرج عن حد ما أرخص فيه من التفويض.
ابن المواز: وقال عبد الملك: أما على حكمها فالنكاح يفسخ ما لم يدخل، وأما على حكمه فهو كالتفويض الجائز.
قال الشيخ: فوجه الإجازة في الوجهين: اعتباراً بنكاح التفويض، ووجه الفسخ فيهما: فلأن التفويض رخصة، فلا يقاس عليها، ووجه التفرقة:
стр. 3517
فلأن التفويض في فرض الصداق إنما هو للزوج، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فإذا رد الفرض إلى الزوجة لم يجز، لأنه خلاف النص.
[فصل ٢ - في الصداق في نكاح التحكيم]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن بنى بها في نكاح التحكيم قضي لها بصداق المثل وثبت النكاح.
ومن الواضحة: روى ابن حبيب عن ابن القاسم فيمن تزوجها على حكمها فلم يرضها فلا يلزمها الرضى بصداق المثل إذا لم يبن بها، وقاله أشهب.
وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: أن ذلك كالتفويض للزوج، إن فرض لها صداق المثل لزمها، وإلا فرق بينهما، وروى أيضاً عن ابن القاسم، والأول أحب إلينا.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم وأشهب على ما رواه ابن حبيب: فلأنها اشترطت أن يكون الحكم لها، فلا يلزمها الرضا بحكم غيرها، ولأن تعليقها الرضى بحكمها احترازاً من أن تلزم لما لم ترض له، فلو كان ذلك يلزمها ما نفعها اشتراطها.
ووجه قول ابن عبد الحكم وأصبغ، وهي رواية المدونة: قياساً على نكاح التفويض.
стр. 3518
قال أو محمد وغيره: وإذا تزوجها على حكمها ففرضت للزوج صداق المثل لم يلزم الزوج ذلك إلى أن يرضى، بخلاف الزوج يفرض لها صداق المثل، هذه يلزمها ذلك كواهب السلعة إذا أعطي قيمتها لزمه، وليس يلزم الموهوب غرم قيمتها إلا برضاه أو فوتها عنده.
قال الشيخ: وأما إن تزوجها على حكم فلان، ففرض فلان صداق المثل فينبغي أن يلزمها، لأنهم قد جعلاه حكماً، ففرضه صداق المثل عدل من الحكم.
وقد حكي عن أبي الحسن في قوله: إذا تزوجها على حكم فلان، معنى قوله: إذا رضي الزوج بذلك، إنما ذلك إذا فرض لها فلان أكثر من صداق مثلها، فأما إذا فرض لها فلان صداق المثل فلا كلام له.
قال الشيخ: وهذا لا يختلف فيه.
стр. 3519
[الباب الثاني عشر]
[فصل ١ - في الدعوى في الصداق]
قال ابن القاسم: أصل القضاء في تداعي الزوجين في الصداق قول النبي ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار"، وفي حديثٍ آخر: "فالقول قول البائع، ويتحالفان ويتفاسخان"، والتداعي كله يرجع إلى قوله ﵊: "البينة على المدعي وعلى من أنكر اليمين"، وقوله: "شاهداك أو يمينه".
стр. 3520
ابن القاسم: فإذا اختلف الزوجان في الصداق قبل البناء عن غير موتٍ ولا طلاق، فادعت المرأة أكثر مما أقر له الزوج، ونسي الشهود تسمية الصداق قال مالك: فالقول قول المرأة- يريد مع يمينها.
قل ابن القاسم: لأنها بائعة لنفسها.
قال مالك: ويخير الزوج في إتمام ما ادعت، وإلا حلف وسقط عنه ما ادعت وفسخ النكاح، ولا صداق لها.
قال مالك: وإن اختلفا في هذا بعد البناء، فالقول قول الزوج مع يمينه.
قال ابن القاسم: لأنها أمكنته من نفسها فصارت مدعية، وهو مقر لها بدين، فالقول قوله مع يمينه.
ابن المواز: قال مالك: ولا يقبل قول المرأة بعد البناء: أنها لم تقبض صداقها ويصدق الزوج مع يمينه.
وكذلك من قبض رهنه وقال: قضيتك الحق، فهو مصدق مع يمينه وقبضه الرهن كالشاهد، لأنه الغالب والعرف بين الناس، وقاله مالك وأصحابه.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإذا تحمل للمرأة رجل بالصداق فطلبته به بعد البناء، وزعم الزوج والحميل أنها قبضته قبل البناء، قال: يحلف الحميل ويصدق.
قال سحنون: ولو أخذت بالصداق رهناً ثم بنى فهو كالحميل، ويتم له الدخول، وهو كالإبراء، ويأخذ رهنه.
стр. 3521
ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغرى على صداق أختها الكبرى، فادعى الأب أنه مئتان، وقال الزوج: إنه مائة، فالقول قول الزوج، ويحلف، فإن نكل حلفت الجارية وقضي لها.
ابن المواز: وهذا بعد البناء، وأما قبل البناء فليتحالفا ويفسخ النكاح، والأيمان بين الأب والزوج.
ويبدأ الأب باليمين فإن حلف لزم الزوج إلا أن يحلف فيبرأ ويفسخ، كالوكيل في البيع ويحلف دون رب السلعة وهي لم تفت، لأن رب السلعة لم يلِ شيئاً، وكذلك الجارية لم تعلم، ولو علمت ما كان لها فيه حكم ولو كانت ثيباً حتى لا يتم الأمر إلا بها وعلمها وحضورها، فاليمين عليها، وقاله أصبغ.
ومن المدونة: وإن اختلفا في قلة الصداق وكثرته بعد الطلاق وقبل البناء فهي طالبة له، فعليها البينة، وهو مدعى عليه، فالقول قوله فيما يقر به مع يمينه.
قال: فإن نكل حلفت المرأة وأخذت ما تدعيه، لأن مالكاً قال: إذا ماتت الزوجة قبل البناء فادعى ورثتها تسمية صداق، وادعى الزوج تفويضاً فالقول قوله مع يمينه، وله الميراث، وعلى ورثة المرأة البينة على ما ادعوا من التسمية.
وفي كتاب محمد: ومن زوج ابنه الصغير من ابنة رجلٍ صغير، فمات الصبي، فطلب أبو الصبية المهر، فقال أبو الصبي: لم أسم مهراً، وأن ذلك كان منك على الصلة لابني، قال محمد: لا يصدق، ولها ما ادعى أبوها إن كان صداق مثلها.
قال مالك: ليس لها إلا الميراث، [قال محمد]: إذا حلف أبوه.
стр. 3522
قال أبو محمد: وذكرها في كتاب الشهادات، ولم يذكر قول محمد: إن لها ما ادعى أبوها.
قال مالك: وإن كان لها شاهد على تسمية المهر أخر ذلك حتى تبلغ الجارية فتخلف وتأخذ.
ابن المواز: بعد يمين أبيه الآن، وهذا بخلاف مبايعته لها، ويقيم شاهداً فيحلف الأب معه، لأنه إن لم يحلف ها هنا لزمه غرم ما نكل عنه، لأنه أتلفه، إذ لم يتوثق، ولأنه لا يبيع إلا بثمنٍ معلوم وبينة، والنكاح على التفويض يجوز فلم يتعد، وإنما عليه أن يشهد في أصل النكاح لا في تسمية الصداق.
وذلك عندي ما لم يدع أبوها التسمية مع الشاهد، فإن ادعى هذا فقد ضيع في التوثق، فإن شاءت بعد أن تكبر أن تلزم ذلك أباها، فيكون لأبيها أن يحلف، ويأخذ من تركة الصبي، وإلا غرم أبوها من ماله، فإن شاءت أن تترك أباها وتحلف مع شاهدها وتأخذ ذلك من مال زوجها لمنزلة ما لو مات أبوها، أو كان معدماً، فإذا حلفت فالصداق على أبي الصبي إلا أن يكون للصبي يوم العقد مال فلا شيء على أبيه.
قال ابن حبيب في اختلاف الزوجين قبل البناء: تحلف الثيب، وإن كانت بكراً حلف الأب، ثم للزوج الرضى بذلك، أو يحلف ويفسخ النكاح، كان اختلافه في قلة الصداق أو كثرته أو في نوعه، وأما بعد البناء فيحلف الزوج، ويبقيا زوجين إن اختلفا في العدد، فإن كان في النوع تحالفا، وردت الزوجة إلى صداق المثل، إلا أن يرضى هو بما ذكرت أو ذكر الأب في البكر.
وإنما كان يحلف الأب في صداق البكر، لأنه كوكيلٍ مفوض إليه، وهو وليه دونها، ولم يكن لها فيه رأي ولا أمر، وكذلك قال ابن المواز: يحلف الأب في البكر.
стр. 3523
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران إذا اختلف الزوجان في الصداق قبل البناء فتحالفا، ثم أراد الزوج إتمام النكاح بما قالته المرأة، أو أرادت ذلك المرأة بما قاله الزوج قبل الفسخ: أن النكاح تام كالبيع، ويجري ذلك على الاختلاف الذي في البيع قال: وقد نص على ذلك المغيرة: أنه إذا رضي أحدهما بما ذكرناه تم النكاح.
أبو عمران: يراعى في اختلافهما إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر لما لا يشبه.
وقيل: لا يراعى ذلك، كما اختلف في ذلك في البيوع.
قال سحنون في كتاب ابنه فيمن تزوج امرأةً فادعى أنه تزوجها على أمها وهي عالمة بها، وقالت المرأة: بل على أبي، وهو مالك لأبويها، وحفظت البينة العقد، ولم تحفظ على أيهما عقد.
قال سحنون: الشهادة ساقطة، فإن لم يدخل بها تحالفا وفسخ النكاح، ويلزمه عتق الأم، لأنه أقر أنها حرة، وكذلك إذا نكلا، وإن كان قد دخل بها حلف أيضاً، وعتقت عليه الأم بإقراره، فإن نكل حلفت المرأة وعتق الأب بقولها، وعتقت عليه الأم بإقراره.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب إذا اختلفا في نوع الصداق بعد البناء أنهما يتحالفان ويكون لها/ صداق المثل.
стр. 3524
فصل [٢ - في الدعوى في دفع الصداق]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال الزوج بعد البناء: قد دفعت الصداق، وأنكرت الزوجة فالقول قوله، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها.
- قال الشيخ: وإنما ذلك لأن العرف عندهم ألا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق-.
قال مالك: وليس يكتب الناس في الصداقات براءات، ومن نكح على نقدٍ ومؤجل فادعى بعد البناء أنه دفع المؤجل، وأكذبته الزوجة، فإن بنى بها بعد الأجل صدق.
- قال الشيخ: لأن الأجل حل قبل دخوله فصار كمن تزوج بنقد، والعرف فيه ألا يدخل حتى يدفعه، ولأن الزوجة قد أمكنته من نفسها، فلذلك كان القول قوله-.
قال مالك: وإن بنى بها قبل الأجل فالقول قولها، كان المؤجل دنانير أو حيواناً مضموناً مع الأيمان فيما ذكرنا.
قال الشيخ: لأنه دخل والصداق متقرر في ذمته فلا يلزمه إلا البينة بدفعه، وكذلك المهر الحال بالبناء القول قول المرأة أنها لم تقبضه، وكان الزوج دخل قبل حلوله، لأنه لا يجب إلا بعد الدخول.
قال بعض أصحابنا: وكذلك إن تزوجها بصداقٍ حال، وكتبا به كتاباً، فدخل الزوج، وادعت المرأة أنه لم يدفع إليها شيئاً من صداقها، وقامت عليه البينة بذكر الحق أن القول قوله، لأن العرف جارٍ بأخذ ذكر الحق منها بعد قبض حقها وأنها لا تستلمه إلا إذا استوفته، فلذلك كان القول قولها.
ومن كتاب محمد: قال مالك: وإذا ادعت المرأة بعد دخولها أنه بقي لها من صداقها خادم، أو غير ذلك وقال الزوج: قد دفعته، فيحلف الزوج ويبرأ، وليس يكتب الناس في الصدقات البراءات.
стр. 3525
قال ابن المواز: لا يقبل قولها، وما يدخل النساء إلا بعد القبض، وذلك هو المعروف والغالب، إلا الخاص، وإنما يحمل الأمر على الغلب، والدخول كالشهادة، فإذا حلف برئ إلا ما لم يحل منه إلا بعد دخوله، وكذلك الرهن إذا قبض المرتهن رهنه ثم قال: قد قضيتك ولم يصل إلي الرهن إلا بقضائي إياك حقك، فيحلف ويبرأ، وكان قبضه للرهن كالشاهد، ولأنه الغالب من عمل الناس، وهذا كله قول مالكٍ وأصحابه.
قال بعض أصحابنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عمن تزوج امرأةً وادعى أن وليها شرط في عقد النكاح لوليته شروطاً وعطايا سماها، وأنكر الولي أن يكون شرط ذلك، فطالبه باليمين على ذلك فنكل، هل يحلف الزوج ويجب ذلك لها؟ وكيف يحلف في شيءٍ يستحقه غيره؟
فقال: الذي عندي لأنه إذا نكل الولي حلف الزوج، ويرجع إلى صداق المثل ويرجع بما زادت التسمية على صداق المثل على وليها، وتأخذ هي الصداق كاملاً مثل الولي يقر بالعيوب في وليته، أنها تأخذ الصداق كاملاًـ، ويرجع الزوج على من غره، فكذلك هذا.
قال الشيخ: والذي أرى إذا نكل الولي حلف الزوج واستحق ما شرط على الولي يكون ذلك للزوجة، لأنه هو ولي معاملته، فهو كالوكيل يدعي في معاملته شيئاً لموكله، فتجب اليمين على المدعي عليه فينكل، أن الوكيل يحلف ويستحق لك لمن وكله.
وأما قول الشيخ: يحلف الزوج ويرجع إلى صداق المثل، أرأيت إذا كان/ صداق المثل أكثر من التسمية أيزاد عليه لدعواه أو يهب دعواه باطلاً، هذا ليس بشيء.
стр. 3526
ومن المدونة: قال مالك: وإذا مات فادعت امرأة بعد موته أنها لم تقبض صداقها فلا شيء قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها.
قال ابن القاسم: وكذلك إن مات الزوجان فتداعيا ورثتهما في دفع الصداق فلا قول لورثة المدخول بها، وإن لم يدخل بها صدق ورثتها، وإن قال ورثة الزوج في المدخول بها: قد دفعه لها، أو قالوا: لا علم لنا، فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثة المرأة أن ورثة الزوج قد علموا أن الزوج لم يدفع الصداق، حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفع الصداق، ولا يمين على من كان منهم غائباً، أو من يعلم أنه لا علم عنده.
فصل [٣ - في دعوى الزوج أن المهر فيه سر وعلانية]
ومن كتاب محمد: وإذا ادعى الزوج أنهم أسروا من المهر دون ما أعلنوه، لم يصدق إلا ببينةٍ أو شاهدٍ يحلف معه، فإن شهدت بذلك بينة، فقال الولي: كان ذلك كلاماً سراً وقد صرنا إلى غيره بعده وزوجناه عليه، وقال الزوج: بل هو الأمر الأول، والثاني سمعة، قال: أحب إلي أن لو أشهدوا حين سموا المهر القليل أن هذا الذي أنكحوه به، وإنما سمي في العلانية غيره، فإن لم يكن هذا وأشكل الأمر فالقول قول الزوج مع يمينه حتى يعلم من السبب ما يعلم به أن الأول قد انقطع، وأن على الثاني وقع النكاح، وكذلك لو كان ذلك من الثيب بغير علم الولي.
ابن المواز: ولا يكون ذلك من أبيها إلا برضاها.
قال مالك في البكر: ذلك إلى الأب دونها، فإن لم يكن أب فليس ذلك
стр. 3527
لها تاماً إلا بإذن وليها مع رضاها، وقاله الليث.
قال ابن حبيب: ولا يضر الشاهدين على السر أن تقع شهادتهما على العلانية، لأنهما يقولان: على هذا أشهدنا أن يكون سراً كذا وفي العلانية كذا للسمعة، ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه.
وقد تقدم القول في مسألة من وهب ابنته بجميع وجوهها فأغنى عن إعادتها.
стр. 3528
[الباب الثالث عشر]
في صداق النكاح الفاسد وطلاقه وميراثه
قال ابن القاسم: كل ما فسد من النكاح لصداقه كالنكاح بالآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها ففسخ قبل البناء فلا صداق فيه ولا متعة، وكذلك إن لم يفسخ حتى طلقها قبل البناء ولا متعة لها عليه، ويلزم فيه الطلاق، فلو طلقها فيه ثلاثاً لم تحل له إلا بعد زوج، ولو مات أحدهما قبل البناء أو بعده توارثا، لأنه نكاح قد اختلف العلماء في فسخه وثباته، وكذلك كل ما يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، والتي تتزوج بغير ولي مثل ذلك، لأن مالكاً وقف في فسخه بعد البناء.
قال سحنون: وقد كان قال لي: كل نكاحٍ كانا مغلوبين على فسخه فهو فسخ بغير طلاق، ولا ميراث فيه، ويرد فيه الخلع، وترجع عليه الزوجة بما أخذ منها، لأنه لا يأخذ مالها إلا بما يجوز به إرساله من يده، وهو لم يرسل من يده إلا ما هي أملك به منه، وقد بينا اختلاف قوله في هذا النكاح الأول.
وإذا تزوج العبد والمكاتب بغير إذن سيدهما فالسيد مخير في إجازته أو فسخه فإن فسخه بعد الدخول أخذ منها/ جميع المهر ويترك لها ربع دينار، فإن عتق اتبعته بالصداق إن غرها بأنه حر، إلا أن يفسخه عنه السيد قبل العتق، فإن عتق قبل أن يعلم السيد بتزويجه ثبت النكاح.
قال: وللمكاتب تزويج أمته على ابتغاء الفضل، ويلي العقد غيره.
وقد تقدم جميع هذا في الكتاب.
стр. 3529
[الباب الرابع عشر]
في نكاح المريض والمريضة
[فصل ١ - في حكم نكاح المريض والمريضة]
قال أبو محمد وغيره: ولما منع الرسول ﵊ المريض من الحكم في ثلثي ماله الموروث بما ينقص ورثته منه كان ممنوعاً أن يدخل عليهم وارثاً، أو يخرج منهم وارثاً.
قال غيره: فإن قيل: فيلزم على هذا ألا يستلحق ولداً.
قيل له: ليس استلحاقه بإدخال وارث، وإنما هذا إخباره عن وارثٍ متقدم على حال المرض لزمه الإقرار له، وغرضه في مسألتنا أن يثبت له زوجة تزوجها في الصحة، فيلزم وترث، ولا يكون في ذلك إدخال وارثٍ على ورثته.
قال مالك: ولا يجوز نكاح المريض أو المريضة، ويفسخ قبل البناء وبعده.
ابن القاسم: فإن تزوجها ودخل با وهي مريضة ثم ماتت كان لها الصداق ولا يرثها، فإن صحت ثبت النكاح، وقاله مالك: وهو أحب قوليه إلي، وقد
стр. 3530
كان يقول مرة: يفسخ، ثم عرضته عليه فقال: امحه، والذي أرى إذا صحا أن يثبت النكاح، دخلا أو لم يدخلا، ولها المسمى.
قال الشيخ: قال بعض البغداديين: وهذا مبني على أصل فساده، هل هو في عقده، أو لحق الورثة؟
فإذا قلنا: إنه في العقد لم يصح الثبوت عليه، وإن قلنا: إنه لحق الورثة، صح بعد زوال المرض لزوال حقوقهم منه كنكاح العبد بغير إذن سيده، وهذا اعتلال عبد الملك.
قال الشيخ: وقال ابن القاسم في نكاح المحرم: أنه يفسخ وإن حل من إحرامه، والفرق بينه نكاح المريض إذا صح: أن نكاح المحرم إنما يفسخ لعلةٍ في نفسه وهو الإحرام، وقد حرمه النبي ﵊، ونكاح المريض إنما حرم لعلةٍ في غيره، وهو إن دخل على الورثة وارثاً، فإذا ارتفعت العلة لم يكن للورثة حجة في فسخ النكاح.
فإن قيل: ينبغي أن يمنع المريض من الوطء لئلا يدخل على الورثة زيادة وارثٍ كما منع من التزويج.
قيل: التزويج قد أدخل وارثاً حقيقة، والوطء قد يكون منه الولد وقد لا يكون، فوجب أن لا يمنع حق واجب لأمرٍ غير متيقن، هذا أصلهم، وكذلك العلة في المكتري وزوجته إلى الحج أنه لا يمتنع من الوطء لحجة احتمال أن تنفس فيجلس عليها، إذ ليس من كل وطء يكون الولد، فلا يترك حق واجب لأمرٍ يكون أو لا يكون.
стр. 3531
وقالوا في المخدمة: إنه لا يجوز لسيدها وطؤها، لأنه يبطل الحوز، فمنعوه الوطء لعلة حالةٍ متيقنة.
[فصل ٢ - في الصداق في نكاح المريض]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةً في مرضه ودخل بها فرق بينهما، وكان صداقها في ثلثه مبدءاً على الوصايا والعتق، ولا ترثه، وإن فسخ قبل البناء فلا صداق لها ولا ميراث.
قال في كتاب محمد: وإذا بنى المريض فلها المسمى في ثلثه- وإن زاد على صداق المثل- مبدءاً على الوصايا بالعتق الواجب وغيره، ويدخل فيما علم وفيما لم يعلم، ولا يبدأ عليه [إلا] المدبر في الصحة.
وله قول: إنه مبدأ على المدبر في الصحة، وليس بشيء.
قال سحنون في كتاب الإقرار: إذا كان المسمى أكثر من صداق المثل لم يكن/ لها إلا صداق المثل في قول ابن القاسم فيكون ذلك مبدءاً على الوصايا وعلى المدبر في الصحة، واختلف في الزائد، فقيل: يسقط، قال ابن القاسم، وقيل: تحاص به الوصايا.
стр. 3532
قال الشيخ: وهذا أيضاً بناءً على الميراث، فمن رأى أنهما لا يتوارثان رأى أن لها الزائد على صداق المثل، إذ ليس فيه أكثر من أن تكون وصيةً لغير وارث، ومن رأى أنها ترثه لم يعطها الزائد على صداق المثل، لأنه وصية لوارث.
واختلف في نكاحه الأمة والكافرة، فقال أبو مصعب: يجوز، لأنه لم يدخل وارثاً، وقال عبد الملك: لا يجوز، لأن الأمة قد تعتق، والكافرة قد تسلم قبل الموت فتصيران من أهل الميراث.
قال بعض البغداديين: وهذا القول أصح.
قال الشيخ: والأول أولى، لأنه أوقع النكاح في حالٍ لم يدخل به على الورثة ضرراً، لأنهما غير وارثين، وما يترقب من العتق أو الإسلام قد يكون أو لا يكون، فلا يمنع أمر واجب له لأمرٍ قد يكون أو لا يكون، هذا أصلهم.
قال الشيخ: وإذا فوض في نكاحه في مرضه فسمى لها ثم مات فلا شيء لها إلا أن يدخل لها فذلك في ثلثه وإن كان أضعاف صداق المثل مبدءا على الوصايا وكذلك لو نكح بتسمية.
стр. 3533
وقال أصبغ: يبدأ قدر صداق المثل والزائد تحاص به.
قال ابن المواز: وأحب إلى قول عبد الملك: أن لها صداق المثل مبدءاً، ويبطل ما زاد عليه- يريد في التفويض في المرض- لأن الواجب لها بالوطء صداق المثل، فما زاد فليس بوصية، لأنه لم يرد به الوصية، وأما التي تزوجها بتسميةٍ فبتلك التسمية رضيت فلها جميعه في الثلث، وهذا التفسير من غير رواية ابن أبي مطر عن ابن المواز.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال: أجمع أصحابنا أن صداق المريض لا يكون في رأس المال، قال: وذكر أبو الحسن عن المغيرة أنه قال: ذلك في رأس المال، ولا أدري أين رآه، وقد رأيت في كتاب المغيرة: أنه من الثلث، وجعل الشيخ أبو الحسن ربع دينار من رأس المال، فعلى هذا تحاص أهل الدين بالربع دينار.
قال بعض فقهائنا: وهو قول حسن، إذ لا يستباح البضع بأقل من ربع دينار، ويدل على صحته قوله في العبد يتزوج بغير إذن سيده ويدخل فيفسخه السيد: إنه يترك لها ربع دينار، فإذا لم يكن للسيد في ذلك حجة فالورثة والمديان أحرى أن لا تكون لهم حجة.
стр. 3534
[الباب الخامس عشر]
فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة فزعم أبوه أنه قد وطئها
ومن أدخلت عليه غير زوجته، وهل يبوأ من الأمة بيتاً
والحكم في الخنثى، ونكاحه امرأة زنى بها أو قذفها
[فصل ١ - فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة
فزعم أبوه أنه قد وطئها]
قال ابن القاسم: ومن اشترى جاريةً، أو أراد شراءها، أو خطب امرأةً فقال له أبوه: قد نكحت الحرة ووطئت الأمة بشراء، وأكذبه الابن، فلا يقبل قول الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح، فأرى له أن يتنزه عنها، ولو فعل لم أقض به عليه، وقد قال مالك: لا تجوز شهادة امرأةٍ واحدةٍ في الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف في الأهلين والمعارف والجيران، فأحب إلي أن لا ينكح، ويتورع.
قال ابن القاسم: فشهادة الولد في مسألتك مثل شهادة امرأةٍ في الرضاع، وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: قد أرضعت فلانة، فلما كبرت أراد الابن تزويجها، فلا يفعل، ولا تجوز شهادة امرأتين في الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف، فإذا كان كذلك رأيتها جائرة.
فصل [٢ - فيمن أدخلت عليه غير زوجته]
قال مالك: وإذا تزوج أخوان أختين فأخطئ بهما، فأدخل على كل واحدٍ منها زوجة أخيه فوطئها، ردت كل واحدةٍ إلى زوجها ولا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض.
стр. 3535
قال ابن القاسم: وعلى العالمة منها الحد ولا صداق لها.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال: لا نفقة لكل واحدةٍ في الاستبراء على زوجها، لأنه لم يدخل بها، ولا على الواطئ، لأنه غير زوجته، إلا أن يظهر حمل فترجع عليه بما أنفقت.
وأما من وطئ زوجة رجلٍ في ليلٍ يظن أنها زوجته ولم تحمل، فنفقتها في استبرائها على زوجها، كما لو مرضت فإنه ينفق عليها، قال: وسواء كان للتي أدخلت على غير زوجها مال أم لا، لا نفقة لها على أحدٍ منهما.
وذكر في بعض التعاليق: أن نفقة كل واحدةٍ على زوجها الحقيقي، والأول أصوب.
قال ابن القاسم: فإن قالت: لم أعلم وظننت أنكم زوجتموني منه، فلا صداق مثلها على الواطئ، ويرجع هو به على من غره.
قال مالك في الواضحة: فإن لم يغره منها أحد وإنما كان خطأ منهم، فصداق مثلها على الواطئ- يريد: ولا يرجع عليها بشيء- إذ ليست عالمة، والخطأ لازم لا يعذر به، وفي العمد الحد مع صداق المثل.
стр. 3536
ومن كتاب محمد وكتاب ابن سحنون: ومن زوج ابنته لرجلٍ فأدخل عليه أمته على أنها ابنته، فهذه تكون له بما تلد أم ولد، وعليه قيمتها يوم الوطء، حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه في الولد بمنزلة من أحل أمته لرجل، وتبقى ابنته زوجة له، ولو علم الواطئ أن التي أدخلت عليه غير زوجته ثم وطئها فهو سواء، ولا حد عليه.
وقال ابن حبيب: ومن أدخل أمته على زوج ابنته فوطئها درء عنه الحد، ولزمته القيمة، وتحد الأمة، إلا أن تدعي أن سيدها زوجها منه، ويعاقب السيد.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن طلب الدخول فأدخلت عليه جارية بكر بامرأته، وامرأته ثيب، وقيل له: لا تقربها الليلة، فحلف بعتق رقيقه لأوطئها الليلة، وهو يظنها امراته، فوطئها تلك الليلة واستمرت حاملاً، وعليه شرط لزوجته بعتق كل جاريةٍ يتخذها أم ولد وأمرها بيدها.
قال: يلحق به الولد ولا حد عليه ولا عليها، ويعتق عليه رقيقه، وليس عليه طلاق ولا تمليك لزوجته، وعليه بزوجته قيمة الولد إن لم تعلم زوجته بما صنع أهلها ولا تقوم عليه الجارية، ولا يرجع الزوج على الذي غره بقيمة الولد، ولا يكون أشد من المستحقة من يده تحمل فيؤدي قيمة الولد، ولا يرجع على الغاصب، ولو كان ذلك بعلم زوجته، لم ترجع بقيمة الولد، ولا تقوم عليه الجارية إلا أن يشاء هو ذلك.
قال الشيخ: هذا كلام جيد، وهو خير من كلام سحنون الذي ألزمه في الأمة القيمة وإن لم تحمل، وخير من كلام ابن حبيب الذي ألزم الأمة الحد، لأن الأمة في ذلك كالمكرهة، فيجب أن يسقط عنها الحد. والله أعلم.
стр. 3537
[فصل ٣ - في زوج الأمة هل يبوأ معها بيتاً؟]
ومن المدونة: من نكح أمةً فليس له أن تبوأ معه بيتاً، وتبقى في خدمة ساداتها، وليس للسادة منعه الوطء إذا أراده، ولا يتضرروا به، ويمنع هو من الضرر بهم، وللسيد بيعها، وليس للمبتاع منع زوجها منها، وإن بيعت بموضعٍ لا يصل إليها الزوج فله طلبها، والخصومة إن منع منها، ويتبعه البائع بمهرها أو بنصفه إن طلقها قبل البناء.
[فصل ٤ - في حكم الخنثى]
ومن المدونة: ابن القاسم: والحكم في الخنثى بمخرج البول، فإن كان يبول من ذكره فهو رجل، وإن كان يبول من فرجه فهو جارية، لأن النسل من المبال وفي الوطء/ فيكون ميراثه وشهادته وكل أمره على ذلك، وما اجترأنا على سؤال مالكٍ عنه.
قال الشيخ: وقيل: إن أول من حكم بذلك في الجاهلية عامر بن الظرب العدواني برأي جارية له راعية غنم، ثم حكم به علي بن أبي طالب في
стр. 3538
الإسلام بأن جعل الحكم للمبال.
وروى أيوب الأعور الفرضي في كتابه أن الرسول ﵊ سئل عن مولودٍ له قبل وذكر من أين يورث؟ فقال ﵊: "من حيث يبول"، وكذلك قال ﵁: إذا بال من ذكره ورث ميراث ذكر، وإن بال من فرجه ورث ميراث أنثى، فإن خرج منهما جميعاً فمن أيهما أسبق، وذلك قول جابر بن زيد وغيره من التابعين.
стр. 3539
قال أيوب: فإن خرج منهما جميعاً معاً فقال أبو يوسف وبعض أصحاب أبي حنيفة: ينظر من أيهما خرج أكثر فيكون الحكم له به.
قال الشيخ: قال شيخنا أبو بكر عتيق بن عبد الجبار: أنكر ذلك الشعبي فقال: أيوازن البول؟ أيكال البول؟ لا علم لي إذا بال منهما جميعاً، والأولى ما قالته الجماعة، لأن الأقل يتبع الأكثر في أكثر الأحكام، قال: فإن بال منهما جميعاً متكافئاً فهو مشكل في حال الصغر، ثم ينظر في كبره وبلوغه، فإن نبتت لحيته ولم ينبت له ثدي فهو رجل، لأن اللحية علامة التذكير، وإن لم تنبت له لحية وخرج له ثدي فهو امرأة، لأن الثدي يدل على الرحم وتربية الولد، فإن لم تنبت له لحية ولا ثدي أو نبتا جميعاً نظر، فإن حاضت من فرجها فهي امرأة، وإن احتلم من ذكره فهو رجل، وإن احتلم وحاض أو لم يكن من ذلك شيء فهو
стр. 3540
مشكل عند من تكلم في الخنثى إلا على قولةٍ شاذةٍ ذهب إليها بعض الناس أنه ينظر إلى عدد أضلاعه، قال: وذلك أن أضلاع الرجل أقل من أضلاع المرأة بضلع، أضلاع المرأة ثمانية عشر ضلعاً من كل جانب، وأضلاع الرجل ثمانية عشر ضلعاً في الجانب الأيمن، وفي الأيسر سبعة عشر ضلعاً، وذكر أن الله تعالى لما خلق آدم جعل له ثمانية عشر ضلعاً من كل جانب، ثم ألقى عليه النوم فنام فاستل من جانبه الأيسر ضلعاً فخلق منه حواء، فالمرأة تزيد ضلعاً على الرجل، وعند هذا القائل لا يكن مشكلاً في صغرٍ ولا كبر.
قال أيوب: وإليه كان يذهب الحسن البصري، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد، قال: والجماعة على خلافهما.
следующие страницы →