Полный текст (9 651 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
[الباب الثاني عشر]
جمع القول في حضانة الولد
[فصل ١ - في حضانة الأم لولدها]
روى أن رسول الله ﷺ قضى للأم بالحضانة على الأب وقال لها: «أنتِ أحقُ به ما لم تنكحي» , وقضى به أبو بكر وعمر ﵄, وقضى أبو بكر على عمر أن أُمَّ الأم إذا نكحت الأمُّ أحقُ منه في حضانة ولده, وكانت كل مَنْ هي أقرب رَحماً بالأم من النساء فذلك لها بعد الأم, ولأن المراعاة في ذلك حفظ الولد والإشفاق عليه والقيام بمصالحه ومراعاة أموره؛ والأم أقوم بذلك من الأب ومن كل أحد.
واختُلف عن مالك هل هذا حقً للأم أم للولد عليها؟
فإذا قلنا: إنه حقً للأم فلقوله ﷺ : «أنتِ أحقُ له ما لم تنكحي» , ولأنها يلحقها ضررٌ بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحَنَّ عليه وأرفق به. وإذا قلنا: أنه حقٌ للولد, فلأن الغرض حفظ الصبي ومراعاته ومصلحته
стр. 3782
دون مراعاة الأم, ألا ترى أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه, وكذلك إذا غاب الولد غيبة استقرار.
ومن المدونة: قال مالك: ويُترك الغلام في حضانة الأم حتى يحتلم ثم يذهب حيث شاء, وللأب أن يتعاهد عند أمِّهم ويؤدبهم ويبعثهم إلى الكُتَّاب, ولا يبيتون إلا عندها إلا أن تتزوج الأم والولد صغير يرضع أو فوق ذلك فإنه ينزع منها إذا دخل بها زوجها لا قبل ذلك, ثم لا يرد إليها إذا طلقت أو مات زوجها, ولا حق لها فيه إذا سلمته مرة.
وقال عبد الوهاب: يرد إليها لزوال المانع.
قال الشيخ: وما في المدونة أصوب كزوال نفقته عن الأب بالبلوغ ثم إن مرض لم ترجع إليه, وكالثيب ترجع إليه بعد أن دخل بها/ زوجها, لأن الحضانة والنفقة إذا سقطت مرة لم تعد, وإنما تجب باستصحاب الوجوب, وقد قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوجت الأم أو الجدة فلم يؤخذ الولد منها حتى فارقها الزوج فلا ينزع منهما بخلاف أن لو أخذ منهما.
قال مالك: ولو ردتهم استقالاً من غير نكاحٍ ثم بدا لها فليس لها أخذهم إلا أن تأتي بعُذرٍ له وجهٌ.
قال في رواية أشهب: مثل أن تكون مَرِضت أو انقطع لبنُها, وإلا فليس ذلك لها.
стр. 3783
قال مالك: وإذا بقي الولد مع أبيه والأم مُتَنَحيَّةٌ عنه فلما مات الأب أرادت أخذه فليس ذلك لها لاستصحاب الحال.
فهذا يؤيده ما قلناه, وبالله التوفيق.
ومن العتبية: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهرٍ أو سبعةً ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي, فقالت: والله ما عَلِمْتُ بهذا, فقال: الشأن في هذا قريب, فقد تجهل السنة.
وسئل عمن فارق امرأته ولها منها بنتً فطرحتها إليه ولحقت بأهلها فتأيَّمت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت, لا تَعُرضُ لابنتها ولا تريدها حتى ماتت, فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها؟
فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها, قد تركوها ورفضوها, وإن كان ليس لذلك إلا يسير فأرى لها أخذها.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: واختلف شيوخنا إذا تزوجت الأم تزويجاً فاسداً لا يقرَّان عليه, ودخل بها الزوج ونزع منها الولد, ثم علم بفساد النكاح ففسخ, فقال بعضهم: يرجع إليها الولد, وقال غيره: لا يرجع, وهو أصوب, وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
стр. 3784
وقال بعض شيوخنا: إذا كان للولد وليَّان, وهما في القُعْدُدِ سواء, فسافر أحدهما ليس له الرحلة بالولد, والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه, وكذلك إن لم يكن لها أم, ولأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى.
أبو محمد: قال ابن القاسم: فإن نكحت الأم أحدهما لم ينزع منها إذا كان ذلك أرفق به.
قال أصبغ: إلا أن يخاف عليه عندها ضيعةً وجفوةً فيكون الولي الآخر أولى وأحق به.
قال مالك: ومن تزج امرأة, ومعها بنتٌ صغيرٌ قد بها بها, ودخل بها وهي معها, ثم قال: أخرجيها عني, فليس له ذلك.
[فصل ٢ - في أخذ الأب أو وصية الولد ممن يحضنه]
ومن المدونة: قال مالك: وتُترك الجارية في حضانة الأم في الطلاق والموت حتى تبلغ النكاح ولا يخاف عليها, فإذا بلغت وخِيف عليها نُظِر, فإن كانت الأم في حِرْزٍ وتحصينٍ فهي أحق بها أبداً حتى تنكح وإن بلغت أربعين سنة, وإن لم تكن الأم في حرزٍ وتحصينٍ في موضعها, أو كانت غير مَرضيَّةٍ في نفسها أو نكحت فدخلت, فأب أخذها منها, وكذلك للأولياء وللوصي أخذ الولد بذلك إذا أخذ إلى أمانةٍ وتحصين.
قال ابن المواز: قال مالك: ووصي الأب كالأب في أخذ الولد إذا نكحت وليس له جدةً ولا خالة.
стр. 3785
قال: وللعم والجد أخذ الصبية إذا نكحت أمها, وأما الوصي فليس بينه وبينها مَحْرمٌ مع زوج أمها أحب إلي, لأنه ذو محرمٍ منها إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أحق.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: الوصي كالأب في الولد إلا في نكاح البكر قبل البلوغ.
قال أصبغ: وإن تزوجت الأم فالوصي أحق بالولد جواري كنَّ أو غِلماناً -وإن حضن الأبكار- وهو أحق من الأخ والعم وابن العم إن كان رَضيَّا, وإذا انتقل الوصي من البلد فله أن يرتحل بهن جواري كن أو غلماناً, وليس لإخواتهم/ وأعمامهم وجدودهم منعه.
أشهب: وسئل مالك عمن أوصى بابنته إلى وليًّ فتركها مع عمتها إلى أن بلغت الجارية أو كادت أن تبلغ, ثم تزوجت العمة فطلبتها الجدة أم أمها وأرادت أخذها, فأرادت الجارية أن تكون مع عمتها, ورضي بذلك الولي, قال: أرى أن تترك مع عمتها إذا أحبت الجارية ورضي بذلك الولي, ولا تأخذها الجدة.
قال الشيخ: يدل قوله هذا أن الأم إذا كانت وصيةً تزوجت أن الولد لا ينزع منها, لأن العمة لما كانت إذا تزوجت ورضيت الصبية الولي بكونها مع عمتها؛ لم يضر التزويج وكانت أولى من جدتها لأمها, فالأم أحرى أن لا ينزع الولد منها إذا رضيت, إذ لها الولاية والحضانة, ولا يضرها التزويج كما لم يضر العمة, والله أعلم.
ويحتمل إنما كانت العمة أولى لترك الجدة حضانتها أولاً كالأم إذا تركت حضانتها للأب ثم مات فليس لها أخذهم.
стр. 3786
ومن المدونة: قال مالك: وكل من له الحضانة من أب أو رحم أو عصبة ليس لها كفاية, ولا موضعه يحرز ولا يؤمن في نفسه, فلا حضانة له, والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد, وينظر السلطان في ذلك للولد بالذي هو أكفى وأحرز, فربَّ والد يضيع ولده, ويدخل عليهم رجالاً يشربون فينزعون منه.
ويترك الولد في الحضانة عند غير الأم إلى حدً ما يترك عند الأم.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وإذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه ولا تضمهم مع أمهم.
ومن العتبية: قال أشهب: ولا يكلف الأب مع النفقة على الولد النفقة على الجدة أو الأم ولا أجر حضانتها إذا أبى ذلك, وإنما عليه نفقة الولد خاصة وإن قامت عليهم وحضنتهم إلا أن يصالحها على شيء يرضاه.
قال مالك: وإذا قال الأب: ما عندي ما أنفق على الولد, والولد ابنةً بنت أربع سنين قال: ولكن أرسليها إليَّ تأكل معي, قال مالك: يُنظر؛ فإن كان ما ذكر أمرًا معروفاً قيل للأم: أرسليها تأكل مع أبيها وتأتيك بالليل, وإن خيف أن يضر بالأم وهو واحد فليس له ذلك.
فصل [٣ - في حضانة غير الأم]
والأم أحق بحضانة الولد في الوفاة والطلاق حتى يبلغوا ما وصفنا, فإن ماتت الأم أو نكحت فدخلت فالحضانة لمن هي أقعد بالأم إذا كانت ذا محرم من الصبيان فالجدة للأم أحق وإن قعدت بعد الأم, ثم الخالة.
стр. 3787
ابن المواز: وخاله الخالة كالخالة.
وروى عن مالك: أن الأب أولى من الخالة.
قال أصبغ: وليس هذا بشيء, وقوله المعروف أن الخالة أحق.
ومن المدونة: قال مالك: ثم الجدة للأب ثم الأب, والأب أولى من الأخوات والعمات وبنات الأخ, فإن لم يكن الأب فالأخت ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ.
قال مالك في كتاب محمد: فإن لم تكن بنت أخٍ فالأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العصبة, قال في المدونة: وهم الأولياء, ومن هؤلاء الأولياء الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ومولى النعمة, لأنه وارث, والمولى عتاقة, وليس من يسلم على يديه بمولَىَّ ولا ينتسب إليه وإن ولاَّه, وإذا تزوجت الأم ولها أولادٌ صغارٌ وجدتهم لأمهم في بلدٍ ثانٍ وخالتهم معهم حاضرةً؛ فالخالة أحق, وإذا كان الولد ليس لهم جدةً من قِبَلِ أمهم, أو لهم جدةً لأمًّ لها زوجٌ أجنبيٌ فالحضانة لمن هي أقعد بالأم على ما ذكرنا.
قال عبد الوهاب: وإنما قُدِّمت قرابات الأم على قرابات الأب في الحضانة كما قدمت الأم على الأب, وإنما قدمت الجدة على الخالة لأنها أقرب وهي والدة, ولذلك قدمت أم الأب على العمة لأنها والدة.
стр. 3788
واختلف إذا انتقلت الحضانة عن جهة الأم أيهما أقرب الأب أو قرابته من النساء؟ فإذا قلنا: إن الأب أولى فلأن به يدلون والأصل أولى, وإذا قلنا: إنهن أولى فلأنهن بالصبي أرفق وألطف به تَأتَّياً في مصلحة, ولا يمكن ذلك للأب, لأن ذلك لا يليه الرجال وإنما يليه لهم النساء.
ابن وهب: إن كان للجدة أم الأم زوج فلا حق لها في الحضانة.
ومن المدونة: قال مالك: وكل من خرج من بلده, متنقلاً لسكنى بلدٍ آخر غير بلد الأم, من أبٍ أو أحدٍ من أولياء الولد الذين ذكرنا؛ فله الرحلة بالولد إذا كان الولد معه في كفاية, تزوجت الأم أم لا, ويقال لها: اتبعي ولدك إن شئت أو دعيه.
قال: وأما من خرج من الأولياء لسفرٍ من غير سكنى فليس له الرحلة بالولد الذين ذكرنا.
قال ابن زمنين: كان بعض شيوخنا المقتدى لهم يفتون أن ليس للأب أن يرتحل بالولد لسكنى بلدٍ آخر حتى يثبت عند الحاكم [بالبلد] الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن البلد الذي رحل إليه, وخالفهم بعض أصحابنا وقال: إنه إذا أراد الرحيل أخذ ولده ساعة يرتحل. وعلى هذا القول يدل لفظ الكتاب.
стр. 3789
وقد أعاب القول الآخر بعض العلماء وقال: أرأيت إن أراد الرحلة إلى العراق أيمضي إليها فيوطن, ويشهد هناك ثم يرجع ويأخذ ولده. وليس هذا بشيء؟
ومن المدونة: قال مالك: وليس للأم أن تنقل الولد من الموضع الذي فيه والدهم أو أولياؤهم إلا ما قَرُبَ كالبريد ونحوه حتى يبلغ الأب أو الأولياء خبرهم.
قال ابن القاسم: ثم لها أن تقيم هناك.
قال في العتبية: وإن كان مسكن الأب بالإسكندرية فأرادت الأم لما طلقها أن تنقلهم إلى الفُسْطَاط وبينهما ثلاثة أيام؟
قال: ليس لها ذلك.
وسئل عمن كانت يسكن معها زوجها بمكانه, ثم هلك زوجها وله منها ابنه بنت ثمان سنين وللمتوفي إخوةً فأرادت الأم أن تنتقل بها إلى أخوتها إلى المسكن الذي كانت تسكنه قبل أن تتزوج هذا؛ وبينهما مرحلتان, وأبى ذلك عمومة الجارية.
قال مالك: ليس للأم أن تخرجها من عند ولاتها.
стр. 3790
فصل [٤ - في حضانة الذمية والمجوسية]
ومن المدونة: وللذمية إذا طلقت أو المجوسية يسلم زوجها وتأبى هي الإسلام -فيفرق بينهما- من الحضانة ما للمسلمة إن كانت في حرزٍ وتُمنع أن تغذَّيهم بخمرٍ أو بخنزيرٍ, فإذا خيف أن تفعل بهم ذلك ضُمَّتُ إلى ناسٍ من المسلمين ولا ينزع منها إلا أن تبلغ الجارية وتكون عندها في غير حرز.
وروى ابن وهب: أن لا حق للنصرانية في حضانتهم, لأن المسلمة لو أثنى عليها ثناء سوءٍ أو كانت تطوف لنزعوا منها فكيف بهذه؟
وقال ابن المواز: الحضانة لها واجبة, وكذلك الجدة النصرانية.
[فصل ٥ - في حضانة الأم وأم الولد]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أعتق ولد الأمة وزوجها حرً فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها إلا أن تباع بها إلى غير بلد الأب فالأب أحق به, أو يريد الأب انتقالاً إلى غير بلد الأم فله أخذه وليس العبد في انتقاله بولده كالحر, والأم أحق بهم كانت أمةً أو حرةً؛ لأن العبد لا قَرار له ولا مسكن.
قال ابن القاسم في النوادر: وأرى في الاستحسان إن كان العبد التاجر له الكفاية أن يكون أحق بولده إذا تزوجت أمه وأما العبد المخَارَج فلا.
стр. 3791
ومن المدونة: ولأم الولد تعتق ما للحرة من الحضانة.
ابن المواز: وقال ابن وهب في أم الولد تعتق: لا حضانة لها في الولد وإنما ذلك للحرة يطلقها الزوج.
فصل [٦ - في التفريق بين الأمة الحاضنة وولدها]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا بيعت أمةً مسلمةً أو كافرةً لم يفرق بينهما وبين ولدها, وبيع معها إلا أن يستغنى الولد عنها في أكله وشربه ومنامه وقيامه, وحد ذلك إذا بلغ الأثَغَار ما لم يعجل به, جواري كن أو غِلماناً, بخلاف حضانة الحرة.
وقال الليث: حدُّ ذلك أن ينفع نفسه ويستغني عن أمه, فوق عشر سنين ونحو ذلك.
قال مالك: ويفرق بين الولد الصغير وبين أبيه وجده وجداته لأمه أو لأبيه في البيع متى شاء سيده, وإنما ذلك في الأم خاصة.
قال الشيخ: وفي كتاب "التجارة بأرض الحرب" إيعاب هذا.
стр. 3792
[الباب الثالث عشر]
جامع من يلزم الرجل النفقة عليه
[فصل ١ - في النفقة على المطلقة من أجل الولد]
قال الله سبحانه في النفقة على المطلقات من أجل الولد: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] , وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] , فهذا إيجاب نفقة الولد, ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] , وقول الرسول ﷺ : «تقول لك امرأتك: أنفق عليَّ أو طلقني, ويقول لك عبدك: أنفق علي أو بعني, ويقول لك ولدك: إلى من تكلني» , فبين أن النفقة تلزم لكل واحدٍ ممن ذُكِر, وأنه يحتج بما ذكره, ولا خلاف في ذلك.
وقال الله تعالى في النفقة على الزوجات في العصمة وما أوجب عليهن من الرضاع: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
стр. 3793
قال زيد بن أسلم: لا تلقيه له وهو لا يجد من يُرضعه منها وهي تريد رضاعه وعلى الوارث مثل ذلك.
قال غيره: وقوله تبارك اسمه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣] معطوفٌ على قوله: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:٢٣٣] , وذلك أولى في اللسان من أن يكون معطوفاً على ذكر النفقة للزوجات.
وذكر ابن القاسم عن مالك: أن الآية منسوخة.
[فصل ٢ - فيمن لا نفقة لها]
وقال الله سبحانه في الزوجات: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧].
قال عبد الوهاب: وقال النبي ﷺ : «تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني» , ولأن الزوجية عقدٌ على منافع, والنفقة في مقابلة تلك المنافع, وهي واجبةٌ للزوجة بالعقد والتمكين والاستمتاع.
стр. 3794
ولا نفقة على الزوج غير البالغ, لأنه لا يتأتىَّ منه الاستمتاع الذي يُعَاوض عليه لصغره, ولا للصغيرة التي لا يوطأ مثلها, لأن الاستمتاع غير مُتأتً منها, وإن كانت تطيق الوطء لزمته النفقة عليها, لأنها كالبالغ ولا نفقة لناشزٍ لما بينَّا أنها في مقابلة الاستمتاع والتمكين منه, فإذا عُدِمَ لم تجب.
وقال أبو عمران: اختلف في الناشز على زوجها هل لها النفقة؟ فعند ابن المواز وهو لمالكٍ وأراد لابن القاسم وقاله سحنون: إن لها النفقة.
وقال البغداديون من أصحابنا: لا نفقة لناشز, لأنها منعته الوطء الذي هو عوض النفقة, واعتلوا بإيجاب النفقة على الزوج إذا ادعى إلى البناء, وأن ذلك لا يلزمه إذا لم يمكن من البناء.
قال أبو عمران: فأنا أستحسن في هذا الزمان أن يقال لها: إما أن ترجعي إلى بيتك وتحاكمي زوجك وتناصفيه وإلا فلا نفقة لك, لتعذر الأحكام والإنصاف في هذا الوقت, فيكون قول البغداديين في هذا حسناً, ويكون الأمر على ما قاله الآخرون إذا كان الزوج على محاكمتها فلم يفعل, فيؤمر بالنفقة حتى إذا لم تمكنه المحاكمة ولم يتمكَّن/ له حاكمٌ يُنْصِف, ولم تُجبه هي إلى الإنصاف فاستحسن أن لا نفقة لها.
وكذلك الهاربة إلى موضعٍ معلومٍ هي مثل الناشز, وأما إلى موضعٍ مجهولٍ فلا نفقة لها.
стр. 3795
[فصل ٣ - في النفقة على الولد]
قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: إذا لم يكن للأب ما ينفق منه على ولده إلا دار, فإن كان فيها فَضْلٌ وإلا فلا نفقة عليه.
قال بعض أصحابنا: وليس هو كمن أعتق شركاً له في عبدٍ ولكن لزمته كفارة, لأن الله تعالى قال في الكفارات: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة:١٩٦] وهذا واجد, وقال في العتق: "فإن لم يكن له مال", وهذا له مال, فلذلك وجب البيع عليهما وإن كان لا فضل في الدار, وأما النفقة على الولد فإنما هي مواساة, وإنما يواسي من له مال وكان غنياً, وإذا لم يكن في داره فضلٌ فهو فقيرٌ, ألا ترى أنه يأخذ الزكاة كما يأخذها الفقراء فلم تتوجَّه عليه نفقةٌ لهذا, والله أعلم.
قال مالك: ويلزم الأب المليء نفقة ولده الصغير الفقير, قال: وإذا أخذ الولد من له الحضانة فعلى الأب نفقتهم وكسوتهم وسكناهم ما بقوا في الحضانة, ويخدمهم إن احتاجوا إلى ذلك وكان الأب مليئاً, ولحاضِنَتهم قبض نفقتهم, وإن كان الأب عديماً فهم من فقراء المسلمين, ولا يجبر أحدً على نفقتهم ولا الأم وإن كانت موسرةً, إلا الأب وحده إذا قَدِر.
стр. 3796
وقال ابن القاسم في الدمياطية فمين طلق امرأته وله منها ولدٌ وهو مليءٌ فعليه أن يخدم الولد, والسكنى عليه وعليها.
وقال يحيى بن عمر: يريد على الجماجم.
وقال أيضاً ابن القاسم: ليس عليه للولد إلا النفقة, وليس عليه أن يكتري لهما.
وقد تقدم من العتبية, وهو في كتاب محمد: أن ليس عليه للولد إلا النفقة ولا يكلف نفقة للجدة ولا للأم إلا أجر حضانتهما.
ومن المدونة: قال: وتلزمه نفقة الذكور حتى يحتلموا, والإناث حتى يدخل بهن أزوجهن.
-قال الشيخ: لعجزهن عن التكسب, بخلاف الذكور-.
قال مالك: إلا أن يكون للصبي كسبٌ يستغنى به, أو له مالٌ فينفق عليه منه.
وإن طلقت الجارية بعد البناء أو مات زوجها فلا نفقة لها على الأب وإن كانت فقيرة.
قال الشيخ: وذلك لما قلنا: إن النفقة إنما تجب باستصحاب الوجوب, فإذا سقطت مرةً فلا تعود.
ومن المدونة: قال مالك: وإن طلقت قبل البناء فهي على نفقتها, قال: وعليه نفقة من بلغ من ولده, أعمى, أو مجنوناً, أو ذا زمانةٍ لا حِرَاك له.
стр. 3797
- قال الشيخ: لأن ذلك يمنع التكسب, فإن صحوا سقطت ثم لا تعود إن عاد ذلك, لأن نفقتهم إنما تجب باستصحاب الوجوب-.
قال مالك: وإن بلغوا أصحاء ثم أثابهم ذلك بعد خروجهم من ولاية الأب فلا نفقة لهم عليه.
ابن المواز: قال مالك: ولو بنى بالبكر زوجها وهي زَمِنَةٌ, ثم فارقها فالنفقة باقيةً على الأب كالصغيرة تطلق بعد البناء وقبل المحيض, واختلف في نفقة هذه بعد المحيض.
وقال ابن وهب في الولد يبلغ أعمى أو مبتلىً أو مكسوراً: فلا نفقة على أبيه وعلى كل محتلمٍ نفقة نفسه.
قال الشيخ: وقول مالك أولى لما بينَّاه, وإنما كان البلوغ في الذكور حداً لأنه قد بلغ حد التكسب والقيام لنفسه, فإذا بلغ زَمِنَاً فلم يبلغ بعد حد التكسب, فهو على امره حتى يبلغه ويطيقه.
فصل [٤ - في إنفاق الأب على الولد وله مال في يد أبيه]
ابن المواز: قال مالك: وإذا أنفق الأب على الولد من عنده وللولد مال عين بيد الأب أو غيره فله الرجوع فيه, فإن مات الأب قبل أخذه فأراد الورثة الرجوع عليه بالنفقة مذ كان له مال, فإن كان مال الولد عيناً وهو يمكنه أخذه فلم يفعل لم يكن للورثة الرجوع عليه وإن كتبه عليه الأب إلا أن يوصي به, وذلك أن من/
стр. 3798
شأن الآباء أن ينفقوا على الأبناء وإن كانت لهم أموال, وأما إن كان مال الولد عروضاً أو حيواناً فللورثة محاسبة الابن بذلك إذا كتبه.
قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يقول في مرضه: لا تحاسبوه, فذلك جائزً نافذ, ولا تكون وصيةً لوارث, لأنه شيءً فَعَله في صحته.
ابن المواز: وروى لمالكٍ أيضاً أنه قال: يحاسبوه إن كان المال عروضاً, ولم يذكر كتبه أو لم يكتبه, ويحسب كل وقتٍ بسعره.
وقال ابن القاسم: إن كان مال الولد عيناً لم يحاسبوا وإن كان عروضاً حوسبوا, ولعله لم يمكنه البيع حتى مات.
وقال أشهب: أرى أن يحاسب في العين والعرض وإن أوصى أن لا يحاسب.
فصل [٥ - في النفقة على الأبوين الفقيرين]
ومن المدونة: قال ربيعة: والنفقة على الأبوين الفقيرين مما يراه المسلمون, لقول الله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦].
قال الشيخ: وقول الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].
стр. 3799
قال مالك: فيلزم الولد المليء نفقة أبوية الفقيرين, كانا مسلمين أو كافرين والولد صغيرً أو كبيرً, ذكرً أو أنثى, كانت البنت متزوجة أم لا وإن كَرِهَ زوج الابنة, وكذلك من مالٍ يوهب للولد أو يُتصَدَّق به عليه.
قال عبد الوهاب: وإنما قل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] , وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] , قال: وسواءً كان الأب صحيحاً, أو مريضاً, أو زَمِنَاً, وأمرهما أوكد من الولد.
[فصل ٦ - في النفقة على زوجة الأب وعلى خادمه
وخادم الزوجة]
ومن المدونة: قال مالك: ويُنفِق على امرأةٍ واحدةٍ لأبيه لا أكثر وإن لم تكن أُمُّه.
قال الشيخ: وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: اختلف إذا كان للأب امرأتان, إحداهما أم الولد وهي فقيرة, والأخرى أجنبية, فقيل: تلزمه نفقتهما, فأمَّه لأنها فقيرة ولو فارقها الأب لزمه نفقتها, والأخرى فلأنها لو كانت وحدها لزمته لها النفقة.
وقيل: لا نفقة عليه لزوجة أبيه الأخرى.
стр. 3800
قال الشيخ: وهذا أشبه بظاهر الكتاب إذ ليس عليه أن ينفق له إلا على امرأةٍ واحدة, فإذا كانت أًمُّه تقوم بالأب وموافقته فليس عليه أن ينفق على الأخرى كما ليس عليه أن ينفق على امرأتين.
ومن المدونة: ويُنفِق على خادم أبيه وعلى خادم زوجة أبيه, لأن خادم زوجة أبيه تخدمه, إذ على الابن إخدامه إن قدر.
[فصل ٧ - في النفقة على الأم]
قال مالك: وينفق على أُمِّه إن كان لها زوجً فقيرً, ولا ينفق على زوجها, ولا حجة للولد إن قال: يفارقها الزوج حتى أنفق عليها.
قال ابن حبيب: قال مطرف: إذا كانت الأم فقيرةً والولد صغار يتامى فالنفقة لها في مال الولد على قدر المواريث, على الذكر مثلا ما على الأنثى, لأن النفقة إنما وجبت في أموالهم لصغرهم.
وقال أصبغ: بل هي عليهم بالسواء في صِغرهم وكِبرهم. وبقول مطرف أقول.
قال أبو محمد: وفي كتاب أبي الفرج في الأب يكون له بنون: إنه إن كان كل واحدٍ منهم تلزمه النفقة على انفراده لزمتهم النفقة أجمعين بالسواء, وإن كان بعضهم لا يلزمه على انفراده شيءً فنفقته على باقيهم.
وكان ابن المواز أشار إلى أن على كل واحدٍ منهم بقدر يساره وجِدَتِه.
стр. 3801
قال الشيخ: وما في كتاب أبي الفرج أبين, وذلك كالحُمَلاء بدينٍ لرجل, وكل واحدٍ حميلً بصاحبه, فإنه إن لقي أحدهم أخذه بجميع الدين, وإن لقيهم جميعا أملياء أخذ كل واحدٍ بما ينوبه.
قال الشيخ: ووجه قول أصبغ: فلأن كل واحد لو انفرد لوجبت عليه النفقة كاملة, صغيراً أو كبيراً, ذكراً أو أنثى, فإذا اجتمعوا وزعت عليهم بالسواء وله وجهً في القياس.
ومن المدونة: قال مالك: وما أنفق على الوالدين من مال الولد فلا يُتبعان به إذا أيسر, وإن كان الأب أو الابن فقيراً لم يلزم أحدهما نفقة صاحبه, وينفق على من له خادم/ من الأبوين عليه وعليها, وكذلك إن كانت له دارٌ لا فضل في ثمنها فله النفقة كما يعطي من الزكاة, ويعدي على الغائب في بيع ماله للنفقة على من ذكرنا.
ومن أسلم وله بناتٌ قد حِضن فاخترن الكفر فعليه نفقتهن.
قال الشيخ: قال هاهنا: ينفق على خادم الأب, وقال: لا ينفق على خادم الولد, فيقال له: إما أنفقت أو بِعت. والفرق بينهما: أن الأب هو المحتاج للخادم إما للخدمة أو لوطء, فهي كالزوجة, والولد ليس به حاجةٌ إلى الخدمة, فإن كان الولد محتاجاً إلى الخدمة لزم الأب النفقة عليه وعلى خادمه, إذ عليه إخدامه, ولا فرق بينهما إذا اتفق السؤال.
стр. 3802
فصل [٨ - في النفقة على من رحلت مع زوجها]
قال مالك: وللزوج أن يظعن بزوجته من بلدٍ إلى بلدٍ وإن كرهت وينفق عليها, وإن قالت: حتى آخذ صداقي, نُظِر, فإن كان قد بنى بها فله الخروج بها وتتبعه به ديناً.
قال الشيخ: يريد في عدمه, وأما إن كان موسراً فلا تخرج حتى تأخذ صِداقها, وقاله أبو عمران.
قال مالك في العتبية: يُنظَر إلى صلاحه وإحسانه إليها, إذ ليس له أن يخرج بها ثم يطعهما شوط الحِيتَان.
فصل [٩ - في النفقة على الجد ونفقته على ولد ولده]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يلزم الجد نفقة ولد الولد كما لا تلزمهم نفقته.
قال عبد الوهاب: لأن النفقة على الأقارب لا تلزم انتقالاً وإنما تجب ابتداءً, ونفقة الجد كانت لازمةً للأب فلا تنتقل إلى ولده, وكذلك نفقة الولد كانت لازمةً للأب فلا تنتقل إلى الجد.
стр. 3803
فصل [١٠ - في النفقة على خادم زوجته
والنفقة على الأخ]
ومن المدونة: قال: ويلزم الزوج نفقة زوجته وخادمٌ واحدةً من خَدَمِها لا أكثر, قال: ولا تلزمه نفقة أخٍ ولا ذي رحمٍ منه.
فصل [١١ - في نفقة الأب على خادم ولده]
قال مالك: وإذا كان للبكر خادمٌ ورثتها عن أمها ولا بد لها ممن يخدمها فعلى الأب أن ينفق على الأبنة, ولا تلزمه نفقة خادمها.
قال ابن القاسم: ويقال للأب: إما أنفقت على الخادم أو بعتها.
قال سحنون: لا يلزمه لها ولا للخادم نفقة, لأنها مليئة.
وكذلك قال ابن المواز عن أشهب: أنه لا نفقة عليه لابنته, لأن لها خادماً, ويبيعها لينفق عليها, ويزكي زكاة الفطر عنها.
قال ابن المواز: وإن كان الولد لا بد له ممن يخدمه فعلى الأب أن ينفق ويزكي عن الولد والخادم ويجبر على ذلك, وإن كان الولد غنياً عن الخادم فلا شيء على الأب إلا أنه ينفق ويزكِّي ويكتب ذلك عليه, فإذا باع استوفى, وإلى هذا رجع ابن القاسم وأشهب.
стр. 3804
[الباب الرابع عشر]
ما جاء في الحكمين
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥].
وبعث عثمان بن عفان ﵁ ابن عباس ومعاوية ﵄ حكمين في قصة عقيل ابن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة.
وقال علي ﵁ للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما, وإن رأيتما أن تفَّرقا فرَّقتما.
وتفريقهما على وجه الحكم لا على وجه الوكالة خلافاً لأبي حنيفة والشافعي, لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] وذلك خطاب للأئمة والحكام دون الزوجين, ولأنه تعالى سمَّاهما حَكَمَين, وذلك يفيد تعلق الحكم بهما دون الوكالة.
стр. 3805
ومن المدونة: قال مالك: وأحسن ما سمعت من أهل العلم أنه يجوز أمر الحكمين عليهما.
قال: وبلغني أن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: إليهما أن يفرَّقا بينهما وأن يجمعا.
قال مالك: وإنما يبعثهما الإمام إذا قَبُحَ ما بين الزوجين حتى/ يُجْهَلَ حقيقة أمرهما, ولا يثبت ذلك بالبينات, فيبعث الإمام حينئذٍ حكماً من أهله وحكماً من أهلها من أهل العدل والنظر, فإن لم يكن في أهلها من يراه لذلك أهلاً, أو لا أهل لهما بعث من غير الأهلين, وإذا وجد من الأهلين كان أولى لعلمهما بالأمر فإن استطاعا الصلح أصلحا بينهما وإلا فرَّقا بينهما, ثم يجوز فراقهما دون الإمام.
قال: وللزوجين أن يرضيا ببعثهما دون الإمام, فإن جعلا ذلك إلى رجلٍ عدلٍ فحكم مضى ذلك عليهما, ولا يجوز في ذلك تحكيم عبدٍ أو صبيٍ أو مشركٍ أو سفيهٍ أو امرأةٍ ببعث الإمام أو ببعث الزوجين دونه أو من يليهما إن كانا في ولاية, لأن ذلك خارجً عمَّا أراد الله سبحانه من الإصلاح إلى الضرر, وهؤلاء لا يجوز منهم اثنان فكيف بواحد.
وقد قال ربيعة: لا يبعث الحكمين إلا السلطان فكيف يُجّاز تحكيم المرأة والعبد والصبي والنصراني والمسخوط.
ولو حكم الزوجان من ذكرنا أنه لا يحكم ففرق لم يمض ذلك ولا يكون ذلك طلاقا, لأن ذلك لم يكن على وجه تمليك الطلاق, ويدل على ذلك دخول الزوجة فيه بتحكميها, ولا مدخل للزوجة في تمليك الطلاق.
ابن المواز: أما المسخوطان وهما غير ذوي عدلٍ فيمضي ما حكما كما لو قضي بشهادتهما ثم تبين ذلك لم يُرد.
стр. 3806
ومن المدونة: وإذا كان أحد الزوجين أو كلاهما في ولايةٍ فذلك في بعث الحكمين إلى من يليهما دون العصبة.
قال مالك: وإذا حكما بالفراق كانت بائنةً, حكما بأخذ مالٍ أو بغير مال, قال: ولا يفرِّقا بأكثر من واحدة.
قال: فإن حكما بالفراق بغُرمٍ على المرأة لنفي الضرر عنها جاز, وإن حكما بغرمٍ على الزوج لم يجز.
قال ربيعة: إن كان الظلم منه فرَّقا بغير شيء, وإن كان منهما أعطى الزوج على الفراق بعض الصداق, فإن كان الظلم منها خاصة جاز ما أخذ له منها.
قال أبو عمران: قول ربيعة هذا إن كان الظلم منها أو منه أو منهما, وِفَاقً وليس بخلافٍ للمذهب إن تأوَّل أن بمعنى قوله: اضرَّ بها, أي في دعواها.
قال الشيخ: وظاهر قوله: أن معنى قوله: أضرَّ بها, وثبت ذلك عليه لا بدعواها, وكأنه أجاز للحكمين أن يأخذا له منهما إن كان الضرر منها, وقد قال بعض شيوخ أفريقية: لا يجوز أن يخالع/ الرجل زوجته على أن يأخذ منها إذا كان الضرر من قِبَلِ الزوجين جميعا, وهو منصوصٌ لمن تقدم من علمائنا.
قال: وليست كمسألة الحكمين إذا كان الضرر منهما جميعاً, لأن النظر هاهنا لغير الزوجين فيحكمان في ذلك بالاجتهاد, فإذا رأيا من النظر أن
стр. 3807
يعطى بعض شيءٍ من مالها على أن تخرج من عصمته جاز ذلك, وأما إذا ابتدأ هو الخلع بشيءٍ يأخذه فلا يجوز له ذلك وقبله شيءٌ من الضرر.
قال الشيخ: فدل قوله هذا أن الحكمين أن يعطيا الزوج شيئاً من مالها وإن كان الضرر من قِبَلِهمَا وعُرف ذلك وثبت, والله أعلم.
وقال في كتاب ابن المواز: وإذا نَزَعَ أحد الزوجين أو هما جميعاً قبل حكم الحكمين فذلك لمن نزع إلا أن يكون السلطان هو الباعث, أو يكون نزوع من نزع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم بينهما, فلا نزوع لمن نزع في هذا ويلزمه.
قال الشيخ: لعله يريد إذا نزع أحدهما في هذا, وأما لو نزعا جميعاً ورضيا بالاصطلاح والبقاء على الزوجية فينبغي ألا يفرَّق بينهما.
قال الشيخ: إن قيل: لم جاز الزوجين أن يحكَّما رجلاً واحداً ولم يجز في جزاء الصيد إلا رجلان وقد ورد النص أن يكونا حكمين في الوجهين؟
فالجواب عن ذلك: أن الحكمين في جزاء الصيد إنما هما لحق الله تعالى لا حق للمحكوم عليه فيهما, فوجب اتباع النص في ذلك, وأما الزوجان فالحكم في ذلك إليهما, لأنهما الخصمان ولهما أن يدفعا ذلك بالاصطلاح, فلما كان الأمر إليهما جاز أن يرضيا بحكمين أو بحَكَم واحدٍ أو يصطلحا على أنفسهما ولا يحتاجان إلى حَكَم, ولأنه لما جاز لهما أن يجعلاهما من غير الأهلين والنص إنما ورد أن يكونا من الأهلين دل أن الأمر إليهما, وأن لهما أن يجعلا رجلاً واحداً كسائر المتحاكمين, فالأمر في ذلك مفترق.
стр. 3808
قال ابن القاسم: فإن حكم أحدهما بالطلاق ولم يحكم الآخر, أو حكم أحدهما على مالٍ والآخر على غير مالٍ لم يلزم شيءٌ إلا باجتماعهما إلا أن ترضى الزوجة بالمال الذي قال أحدهما واجتمعا على الفراق فيلزم, وإن حكم أحدهم بواحدةٍ والآخر بائنتين, أو اجتمعا على واحدة, أو على الثلاث, أو حكما بلفظ ألبتة أو خليَّةٍ أو بريَّةٍ ونوى بها الحكمان ثلاثاً لم يلزم الزوج في ذلك كله إلا واحدةً بائنة, دخل بها أم لا, لأن ما زاد على الواحدة خارجٌ عن معنى الإصلاح.
وروى عن ابن القاسم أن الثلاث تلزم إن اجتمعا عليها, وقاله أصبغ على حديث زُبْرَاء.
ومن المدونة: وحكم التي لم يدخل بها في الحكمين حكم المدخول بها إلا أنهما لا يبطلان ما للزوج من الرجوع بنصف الصداق إن قبضته كما لا يفرِّقان على الأخذ منه, ولو حكما يأخذ الزوج منها جميع المهر على الفراق جاز ذلك.
قال أبو محمد: وأكثر ما في باب الحكمين يذكر أنه لعبد الملك إلا ما ذكرت لمالكٍ فيه.
والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل
تم كتاب الخلع بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وسلَّم تسليماً كثيراً.
стр. 3809
[الكتاب السابع]
كتاب طلاق السنة والعدة
[الباب الأول]
في طلاق السنة والطلاق ثلاثاً أو في الحيض
[فصل ١ - في أدلة طلاق السنة وصفته]
قال الله ﵎: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] , وقرأ ابن عمر ﵄: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ ِعِدَّتِهِنَّ﴾.
стр. 3810
فندب الله من أراد أن يطلق زوجته أن يوقع الطلاق في حالٍ تعتد فيه, وهو حال الطهر لا حال الحيض, وأن يكون رجعياً لئلا يندم فلا يمكنه التلاقي.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] فدلَّ بذلك أنه لا يجوز الطلاق في الحيض ولا الطلاق ثلاثاً, ودلَّنا الله أن من طلق/ ثلاثاً عاصٍ ولزمه ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] وهي الرجعة, فجعلها الله فائتةً لمن أوقع الطلاق الثلاث في كلمةٍ واحدة, وألزمه ما أوقع, ونهى الرسول ﵊ عنه إيقاع الثلاث في كلمة واحدة, وقد عاقب علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من طلق ألبته, وقد قال ابن عباس فيمن فعل: عصى الله فأندمه, وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا.
وقال ابن عمر: عصى الله وخالف السنة, وذهبت منه امرأته.
ونهي الرسول ﷺ عن الطلاق في الحيض, وقال في طلاق ابن عمر امرأته في الحيض: «مُرْهُ فليراجعها» - وإنما الرجعة بعد لزوم الطلاق «ثم ليمسكها» فدل على أن معنى الإمساك غير المراجعة.
стр. 3811
وقال القاضي عبد الوهاب: الطلاق في الحيض محرَّمٌ بالإجماع, ومن أوقعه فيه لزمه, خلافاً لمن قال: لا يلزمه, ودليلنا: قوله ﷺ لعمر في طلاق ابنه في الحيض: «مُرْهُ فليراجعها» , وفي حديث آخر أنه قال: أفتعتد بها؟ قال: نعم, وأن ابن عمر قال: يا رسول الله: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذا بانت منك وعصيت ربَّك».
وفي هذه الأخبار أدلةٌ أخَر على المراجعة, ولا تكون إلا مع نفوذ الطلاق ووقوعه.
والثاني قوله: أفتعتد بها؟ قال: «نعم» , وهذا نص.
وقول ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذا بنت منك وعصيت ربك» وهذا نص.
قال عبد الوهاب: لا خلاف أن من فرقَّ الثلاث أنها تلزمه, لقوله ﵎: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] إلى قوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].
стр. 3812
وكذلك عندنا أن من أوقعها في كلمةٍ فقد عصى ويلزمه, خلافاً لمن منع إيقاعه في كلمة, ودليلنا قوله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] إلى قوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] , فَنَدَبَنا إلى طلاق تُمَلك فيه الرجعة, لئلا نندم فلا يمكننا التلافي, وهذا يتضمن الوقوع.
وحديث ابن عمر: قلت: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذاً تبين منك وتكون معصية».
قال: وذهب الشافعي إلى أن إيقاع الثلاث في كلمةٍ مباح. ودليلنا عليه أنه عصيان: حديث ابن عمر هذا وما ندب الله إليه من الطلاق الرجعي, وقال : ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] , وروى محمود بن لبيد قال: أُجبر رسول الله ﷺ عن رجلٍ طلق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعاً فقام غضبان وقال: «يُلعبُ
стр. 3813
بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكُم» , ولأنه إجماع الصحابة, وروى عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعِمران بن حُصين ولا مخالف لهم فيه.
ومن المدونة: قال مالك: وطلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته طلقةً في طهرٍ لم يمسَّ فيه وإن كان في آخر ساعةٍ منه, ولا يُتبعُها ذلك طلاقاً ثم يمهلها حتى تنقضي عدتها برؤية أول دم الحيضة الثالثة في الحرة والثانية في الأمة, فيتم للحرة ثلاثة أطهار وللأمة طُهران, وهي الأقراء التي ذكر الله .
قال أبو محمد وغيره: وإنما قلنا: أن يطلقها في طهر لم يمس فيه, لأنه إذا مسها فيه لبَّس عليها العدة, فلم تدرِ بما تعتد أبالوضع أو بالأقراء, لأنها قد تحمل فتعتد بالوضع, أو لا تحمل فتعتد بالإقراء/ فكَرِهَ له أن يَدخل اللَّبْس عليها.
قال غيره: وفي حديث ابن عمران: «ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلَّق لها
стр. 3814
النساء».
قال بعض مُتَّبعي مالك: وإنما قلنا: أن الأقراء هي الأطهار خلافاً لأبي حنيفة في أنها الحِيض, لأن القرء مذكَّر, ولو عنى به الحَيْضَ لقال: ثلاث قُرُوء' والقُرْء جمع الرحم للدم, ولا يجمعه إلا في الطهر, ومنه: قَرَيْتُ الضيف, أي جمعته إليك.
قال الشاعر:
(ذِرَاعَي حُرةٍ أدماء بِكْر ... هَجانِ اللَّون لم تَقْرَأ جِنَينا)
قال عبد الوهاب: وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] الآية أدلةً على ذلك:
أحدها: أن القراء اسمٌ يقع على الطهر والحَيض, والمراد أحدهما, فيجب إذا قعدت المرأة ثلاثة قروءٍ أن يطلقَ عليها الاسم وتَبينُ منه.
стр. 3815
والثاني: أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء.
والثالث: أن جمعه بصيغة التذكير, لأن جمع المؤنث فيما دون العشرة بغير هاء, وذلك يفيد أن جمع قُروءٍ هو طُهْرٌ لا حَيْضَة.
والرابع: أن إطلاق الأوامر والإخبار عن الوجوب على الفور, ولا يمكن ذلك إلا على ما نقوله من أن يطلقها, فتعتد عُقَيب الطلاق, ولا يمكن ذلك في الحيض.
وقوله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] أي: في حالٍ يعتدن فيها, وعندهم أن حال الطهر ليست بحال عدة.
وقوله في حديث ابن عمر: «مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساء» , وهذا نص.
стр. 3816
[فصل ٢ - في الطلاق في طهر جامع فيه, وطلاق الثلاث]
ومن المدونة: وكره مالك مالك أن يطلقها في طهر قد جامع فيه, فإن فعل لزمه وتعتد بذلك الطهر وإن لم يبق منه إلا يومً واحد, ولا يؤمر برجعتها.
-قال الشيخ: لأنه مطلقٌ للعدة فلم يوجد فيه التطويل كما وُجِد فيمن طلق في الحيض-
وكره أن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد, أو في كل طُهرٍ طلقه, فإن فعل لزمه.
قال أشهب: وقال ابن مسعود: إن أراد أن يطلق ثلاثاً فليطلقها في كل طهرٍ طلقة.
قال أشهب في غير المدونة: لا بأس به ما لم يرتجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية, فلا يسَعُه ذلك, لأنه يُطَوِّل العدة عليها ويضرُّ بها.
قال الشيخ: فوجه كراهة مالكٍ أن يطلقها في كل طهر طلقة: لأن ذلك ليس بطلاق السنة الذي أرشد الله إليه وهو الرجعي, لأنه بإيقاع الثالثة في الطهر الثالث لا يمكنه الارتجاع وهي في العدة, ولم تحل له إلا بعد زوجٍ فأشبه إيقاع الثلاث في كلمة.
стр. 3817
ووجه قول أشهب: أنه كان ممن يمكنه الارتجاع في الطهر الأول والثاني, ولأنه ليس في ذلك تطويلً فأشبه الطلاق الرجعي.
[فصل ٣ - في طلاق الحامل]
ومن المدونة: قال مالك: وطلاق السنة في الحامل أن يطلقها واحدةً متى شاء, وتحل بالوضع لآخر ولدٍ في بطنها, وله رجعتها ما لم تضع آخر ولدٍ في بطنها.
قال: ولا يطلقها ثلاثاً في مجلس واحدٍ أو في مجالس, فإن فعل لزمه.
قال ابن عمر لامرأة قالت له: إن زوجي طلقني ثلاثاً في كلمةٍ واحدة؟ قد بنتِ منه, ولا ميراث بينكما, وقد عصى ربَّه وخالف السنة.
[فصل ٤ - في طلاق الصغيرة والآيسة]
ومن المدونة: قال مالك: والتي لم تبلغ المحيض يطلقها واحدةً متى شاء للأهِلَّة أو لغير الأهلَّة, وعدتها ثلاثة أشهر, وكذلك التي يئست من المحيض.
قال ابن شهاب: وقد/ كان يُقال: يستقبل بطلاقها الأهلَّة فهو أَسَد.
стр. 3818
قال الشيخ: إذ قد يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً فتعتد به, وإذا طلقها لغير الأهلَّة كانت عدتها تسعين يوما, فالطلاق للأهلة أخفُّ عليها.
ومن المدونة: قال مالك: فإن طلقها قبل الهلال أو بعده اعتدت من حين طلقها ثلاثة أشهر, ثلاثين يوماً كل شهر.
[فصل ٥ - في طلاق المستحاضة]
قال مالك: ويطلق المستحاضة واحدةً متى شاء, وعدتها سنة.
قال ابن القاسم: كان في ذلك يطؤها أم لا.
قال الشيخ: يريد: لأنه ليس لها قرؤً يُعلم به براءة رحمها, فيُنهى عن وطئها لئلا يُدخل عليها اللبس في العدة.
قال: وله رجعتها ما لم تنقض السنة, فإذا مضت السنة حلَّت للأزواج إلا أن ترتاب -يريد: يحِسِّ البطن- فتقيم إلى زوال الريبة.
قال مالك: فإن كان لها قرؤ يعرف تَحَّراه فطلقها عنده واحدةً قبل أن يمس كغير المستحاضة.
قال في كتاب الاستبراء: ويكون ذلك لها قُرءاً , وتَحسب به إذا لم يشك النساء أنه دم حيض, وتحل به الأمة في البيع -يريد: أنه يطلقها إذا طهرت من الدم الذي تنكره وعادوها دم الاستحاضة, ولو طلقها في الدم الذي تنكره لجُبِرَ على الرجعة.
стр. 3819
قال مالك في كتاب ابن المواز: لا يبرؤها إلا السنة, لأن استحاضتها ريبة وإن رأت دماً تُنكِره.
قال: ولو طلقها في ذلك الدم لجبر على الرجعة.
قال بعض فقهائنا: جعلها تعتد بالسنة احتياطاً خوفاً أن لا يكون ذلك الدم دم حيضة, وجبره إذا طلق فيه على الرجعة احتياطاً أيضاً خوفاً أن يكون دم حيضة.
وفي النوادر: باقي كلام ابن المواز.
قال: وكل نكاحٍ يفسخ بعد البناء لحَرَامِه, أو كان مما يفسخ بطلاقٍ للاختلاف فيه, فإن ذلك كله يفسخ في الحيض, وتأخيره أعظم, وكل ما يفسخ قبل البناء لصداقة فإنه يفسخ في الحيض عند ابن القاسم وأشهب, وأما ما للولي إجازته أو فسخه فإن بنى فإنه لا يفرق فيه إلا في الطهر بطلقةٍ بائنةٍ, ويؤخَّر ذلك سيد العبد وولي السفيه حتى تطهر ثم يطلقها عليه بطلقةٍ بائنةٍ, ولو أعتق العبد ورشد السفية قبل الطلاق لم تطلَّق عليه.
стр. 3820
[فصل ٦ - في طلاق غير المدخول بها]
ومن المدونة: قال مالك: وله أن يطلقها قبل البناء واحدةً متى شاء وإن كانت حائضاً أو نفساء, إذ لا عدة عليها, ونهى عنه أشهب.
قال ابن المواز: وقول مالك أحبُّ إلينا.
قال عبد الوهاب: وإنما يطلق الصغيرة واليائسة من المحيض متى شاء لأن أوقاتها متساويةً بثلاثة أشهر, فيؤمَن فيهما ما يُخاف في الحائض والنفساء والطهر الذي قد مس فيه, إذ ليس في ذلك تطويل عدة ولا إلباس فجاز في كل وقت, وكذلك الحامل, لأن عدتها وضع الحمل, وكذلك المستحاضة, لأن عدتها سنة فلا تطويل في ذلك.
وفي طلاق غير المدخول بها حائضاً روايتان: الجواز والمنع, فوجه الجواز: أنه حالٌ لا يلحقها ضررً بالطلاق فيها, إذ لا عدة عليها, ففارقت المدخول بها.
ووجه المنع: فلأنه طلاقٌ في الحيض, وقد نُهِىَ عنه.
[فصل ٧ - في الطلاق في الحيض]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته وهي حائض/ أنت طالقٌ للسنة, أو قال: فإذا طهرت فأنت طالقٌ, لزمته مكانه طلقةً, وجبر على الرجعة ولو قال: ثلاثاً للسنة, وقعن به ساعتئذٍ كانت طاهراً أو حائضاً وبانت منه.
ابن وهب: وإن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض, فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك, فقال له: «مُرْه فليراجعها, ثم ليمسكها, حتى
следующие страницы →