Полный текст (9 651 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
الإجارة، حتى يشترطا أنها إن ماتت أو باعها أخلف مكانها غيرها. وقال سحنون وابن حبيب: والحكم يوجب له ذلك، ويستغنى عن الشرط.
قال ابن حبيب: والأمر على الجواز حتى يشترط تصريحًا إن ماتت أو بيعت، فليس عليه أن يرعى له غيرها فتفسد الإجارة؛ ولأن الغرض في رعاية الغنم العدد لا الأعيان، وقد تقدم هذا في أول الكتاب.
[فصل: ٣ - الأجير يرعى غنمًا بأعيانها فتتوالد أو يزاد فيها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا استؤجر على رعاية غنم بأعيانها وشرط ربها أن ما مات منها أخلفه فتوالدت الغنم حُمِلا في رعاية الولد على عرف الناس، فإن لم تكن لهم سنة لم تلزمه رعايتها.
قال أبو بكر اللباد: وعلى ربها أن يأتي براعي يرعى معه للتفرقة.
[فصل: ٤ - هل لأجير الغنم أن يأتي بمن يرعى مكانه؟ وهل له أن
يسقي من ألبانها؟]
قال ابن القاسم: وليس للراعي أن يأتي بعبده أو بغير يرعى مكانه، ولو رضى بذلك رب الغنم: لم يجز. م: لأنه فسخ دين في دين.
قال مالك: ومن مرَّ براعٍ، لم يعجبني أن يستسقيه لبنًا.
стр. 5847
فصل [: ٥ - ما جاء في تضمين الرعاة]
[المسألة الأولى: الراعي لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط]
قال مالك: ولا ضمان على الرعاة إلا فيما رعوا فتعدوا فيه، أو فرطوا في جمع ما رعوا من الغنم والدواب لناس شتى أو لرجل واحد. ابن حبيب: وقال ابن الماجشون وقال ابن المسيب والأوزاعي ومكحول والحسن: يضمن الراعي المشترك، ولا يضمن من يرعى لرجل واحد خاصة.
م: رأوا الراعي المشترك كالصانع؛ لأنه أجير مشترك.
[المسألة الثانية: هل يضمن الراعي ما سُرق أو هرب؟]
ومن المدونة قال مالك: ولا يضمن الراعي ما سرق، إلا أن تشهد بينة أنه ضَيَّع أو فَرَّط. قال أبو الزناد: وإلا لم تلزمه اليمين.
стр. 5848
ومن كتاب ابن سحنون وسأل حبيب سحنونًا عن الراعي يرعى للجزارين لهذا شاة ولهذا شاتين فهربت من الذود شاة فطلبها قليلاً ثم رجع إلى الذود وتركها، فقيل له لِمَ رجعت وتركتها؟، قال خفت الضيعة على الذود، هل هذا تفريط؟ قال: ليس هذا بتفريط، ولا ضمان عليه.
[المسألة الثالثة: هل يضمن الراعي ما ضاع وهو نائم، أو انتحر؟]
قال ابن حبيب: ولا يضمن إن نام فضاعت الغنم، وإن كان نومه نهارًا في أيام النوم إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر، ويجر إلى الضيعة فيضمن، أو يكون بموضع مخوف.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: ولا ضمان على العبد الراعي إلا أن ينتحر شيئًا فيضمنه.
م: ويجب أن يضمن على قول ابن القاسم في ذمته، وعلى قول سحنون تكون جناية في رقته كاختلافهما إذا تعدى على الوديعة فأتلفها.
قال أبو الزناد: وإن استراعى بغير إذن سيده فانتحر، أو باع: فليس على سيده ولا في رقبة العبد شيء من ذلك.
стр. 5849
[المسألة الرابعة: اشتراط الضمان على الرعي]
قال مالك: وإذا اشترط على الراعي الضمان: فسدت الإجارة، ولا ضمان عليه فيما هلك منها، وله أجر مثله بغير ضمان.
قال ابن القاسم: ناف ذلك على التسمية أو نقص، وقال غيره: إن كان ذلك أكثر من التسمية: لم يزد عليها. قال: ومحال أن تكون أكثر.
قال ابن القاسم: وكذلك إن اشترطوا على الراعي أنه إن لم يأت بسمة ما مات منها ضمن. فلا يضمن وإن لم يأت بها، وله أجر مثله ممن لا ضمان عليه.
[المسألة الخامسة: هل ما ذبحه الراعي خشية الموت يضمنه؟]
وإذا خاف الراعي الموت على الشاة فذبحها لم يضمن، ويُصدَّقُ إذا جاء بها مذبوحة. وقال غيره: يضمن ما انتحر. ابن حبيب: وقال ابن كنانه وأصبغ، كقول مالك أنه لا يضمن. قال: ولا يصدق على مثله مستعير البقرة يدعي ذلك فيها.
стр. 5850
[المسألة السادسة: هل الراعي مصدق فيما ادعى هلاكه أو سرقته؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: والراعي مصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها ثم سرقت صدق. وقال غيره: بالذبح ضمن.
[المسألة السابعة: في تعدي الراعي]
قال ابن القاسم: وإن أنزى الراعي على الإبل والرمك والبقر والغنم بغير أذن أهلها ضمن.
وقال غيره لا يضمن.
قال ابن القاسم: وإن شرط عليه الرعاية بموضع فرعى في غيره ضمن قيمتها يوم تعدى كالتعدي في الدابة، وله الأجر إلى يوم تعديه.
وقال في الأكرية: وكل شيء صنعه الراعي مما لا يجوز له فعله، فأصاب الغنم من فعله عيب فهو ضامن، فإن صنع ما يجوز له أن يفعله، مثل أن يضربها كضرب الرعاة ففعل، فعيبت الغنم: فلا ضمان عليه.
стр. 5851
قال ابن حبيب: إذا رمى شاة أو بقرة ففقأ عينها، أو كسرها: ضمن ما نقصها، وإن أبطلها ضمن قيمتها تعمد أو لم يتعمد، وكذلك إن رمى كما ترمي الرعاة الغنم فحدث عن ذلك ما لم يرده، فإنه يضمن.
م: وهذا خلاف لمالك.
ابن حبيب: وكذلك الرجل يضرب زوجته، والمعلم يضرب الصبي على وجه الأدب فيكون عن ذلك ما لم يرده، فإنه يعقل ذلك، ولو كان أجنبيًا كان فيه القود، وإنما لا يضمن ما حدث عن رميته مثل أن تنزو الشاة لرميته، أو تحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر، أو تنطح صخرة فتنكسر، فلا يضمن هذا، بخلاف ما تؤثر الرمية نفسها. وهذا إذا رمى كما يرمى الرعاة، فإن رمى متعينًا ضمن كيف ما عطبت بسبب رميته ويصير كأجنبي، قال: ويدل أنه يضمن ما أصابت رميته أنه لو رمى صيدًا فأخطأه فأصاب شاة فعطبت لضمنها.
م: ويظهر لي أن الفرق بينهما أن الرعاة لا تستقيم لهم الرعاية إلا بذلك؛ إذ لو ذهب إلى رد كل شاة تخرج من الغنم أو تتأخر عنها بنفسه لتعذر ذلك عليه ولم يستطعه، فكان ذلك من شأن الرعاة، وجرت به عادتهم، وصار لهم ذلك عرفًا فهم كالمأذونين لهم فيه.
стр. 5852
وأما رميهم الصيد فتصيب الشاة فهذا ليس هم مضطرين إليه، ولا هو من مصالح الغنم كالأول فافترقا، ومما يضعف قول ابن حبيب تفرقته بين ما أصاب الرمية أو تولد عنها ألا ترى أن المحرم إذا رمى صيدًا فنزى لرميته فيقع في مهواة فيهلك انه يَدِيه كما لو أصابته الرمية، فإن قيل: إن الراعي مأذون له في مثل هذا، والمحرم منهي عن ذلك قيل: هو يشبه أن لو رمى ظبيًا يظنه سبعًا فنزى في رميته فوقع في مهواة فمات، فإنه يضمن جزاءه، فإن قيل: قتل الخطأ والعمد في قتل الصيد سواء. قيل: والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، فدل ذلك أن لا فرق بين ما أصاب برميته أو ما حدث عنها، وإنما لم يضمن الراعي؛ لأنه مضطر إلى ذلك فكأنه مأذون له فيه.
وبالله التوفيق.
стр. 5853
[الباب العاشر]
جامع القول في إجارة الظِئْر
[فصل: ١ - الأصل في استئجار الظئر وحكمه]
قال الله تعالى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقال تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. قال مالك: لا بأس بإجارة الظئر على رضاع الصبي حولاً أو حولين بكذا، وكذلك إن شرطت عليهم طعامها وكسوتها فهو جائز. ابن حبيب: وذلك معروف على قدرها وهيئتها، وقدر أبي الصبي في غناه وفقره.
م: ولا يدخل ذلك طعام بطعام إلى أجل؛ لأن النهي إنما ورد في الأطعمة التي جرت عادات الناس أن يقتاتونها ويأتدمونها، وأما الرضاع فقد جرى العمل على جوازه في مثل هذا ولا خلاف فيه؛ ولأن اللبن الذي يرضعه الصبي لا قدر له من
стр. 5854
الثمن، وإنما أكثر الإجارة لقيامها بالصبي، وتكلفها جميع مؤنته، فكان اللبن في جنب ذلك لا قدر له.
[فصل: ٢ - الظئر هل لزوجها وطؤها ويسافر بها؟]
ومن المدونة قال مالك: وليس لزوجها وطئها إن أجرت نفسها بإذنه، وإن كان بغير إذنه فله أن يفسخ إجارتها.
ابن حبيب وقال أصبغ: لا يمنع الوطء إلا أن يشترطوا ذلك عليه، وإلا لم يمنع إلا أن يتبين ضرر ذلك على الصبي فيمنع؛ لأن النبي ﵊ إنما قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة» ولم ينه عنها.
قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم أحب إليَّ، اشترط ذلك أو لم يشترط، ألا ترى أن الزوج لا يكون موليًا باليمين بتركه الوطء.
стр. 5855
قال محمد بن عبد الحكم: وكذلك إن أراد الزوج أن يسافر بها فإن، أَجَّرت نفسها بإذنه لم يكن له ذلك، وإن كان بغير إذنه فله ذلك وتفسخ الإجارة.
[فصل: ٣ - الظئر ترضع الطفل حيث اشترط وما يلزمها غير الإرضاع]
ومن المدونة قال: وترضعه حيث اشترطوا، فإن لم يكن شرط فشأن الرضاع عن الأبوين، إلا امرأة لا يرضع مثلها عند الناس، أو يكون الأب وضيعًا لا يرضع مثلها عند مثله فذلك لها، وإنما ينظر في هذا إلى أفعال الناس.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن مات زوج الظئر فإنها تبيت في منزلها بالليل، وتنفسخ الإجارة إن طلبوا ذلك، وإن رضوا بمصير الصبي إلى منزلها ثبتت الإجارة.
ومن المدونة قال: ويحملون فيما يحتاج الصبي من المؤونة في غسل خَرقه، وحميمه، ودَهنه، ودق ريحانه وطيبه على ما تعارفه الناس.
стр. 5856
قال ابن حبيب: وإن لم يكن عرف فليس عليها غير الرضاع فقط، إلا أن يشترط ذلك. قال أبو محمد: وقال محمد بن عبد الحكم: على الظئر المستأجرة أن تغسل خَرق الصبي ولحافه وما يحتاج إليه، وتدق ريحانه، وتقوم من أمره بما تقوم به الأم، وتوضئه إن احتاج إلى ذلك، وتحمله إلى الطبيب إن احتاج إلى ذلك، وأما ما ترقد فيه الظئر من لحاف وفراش فذلك على ما تعارفه الناس، فإن لم يكن عرف فذلك عليها، وكون على الأب لحاف الصبي ودثاره وما يرقد فيه.
[فصل: ٤ - الظئر تحمل فيخشى منه على الصبي]
ومن المدونة: وإذا حملت الظئر، فخيف على الصبي: فلهم فسخ الإجارة، ولا يلزمها أن تأتي بغيرها ترضعه؛ لأنها إنما اكتريت على رضاعة بعينها، وإن سافر الأبوان فليس لها أخذ الصبي، إلا أن يدفعا إلى الظئر جميع الأجر.
[فصل: ٥ - هل تنفسخ الإجارة بفوات المقصود منها]
قال مالك: وتنفسخ الإجارة بموت الصبي، ولها بحساب ما أرضعته. ابن القاسم: وإن أراد والد الصبي أن يواجرها ترضع غير ابنه، أو يأتي بصبي سوى ابنه ترضعه، ويعطيها جميع أجرها: لم يكن له ذلك، ولا لها إن طلبته. قال ابن المواز: وكذلك في الرائض إذا مات الفرس. ابن ميسر: وكذلك معلم الكتاب إذا مات
стр. 5857
الصبي لتفاوت اختلاف مؤنهم، واختلف في من استوجر على حصاد زرع فهلك الزرع قبل الحصاد، فقيل: يحصد له زرعًا غيره. وقيل: تنفسخ الإجارة؛ لاختلاف الزرع، فإن كان أجره بنصفه وقد طاب فيضمن الأجير نصف قيمة الزرع.
م: لأنه ثمن إجارته، وهلاكه منه بعد عقد الإجارة كالشراء له، فكذلك وجب عليه رد قيمته.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وقد قال مالك في من اكترى دابة ليركبها بنفسه: ليس له أن يكريها من غيره، وإن كان في مثل حاله وخفته؛ لأنه قد يجد من هو مثله في الأمانة والحال والخفة ولا يكون مثله في الرفق، وكذلك الظئر ليس عليها أن ترضع غير ما استؤجرت على رضاعة. قال سحنون: ليست مثلها.
م: والجواب صحيح، وإنما أنكر عليه سحنون التمثيل؛ لأنه يقول في الدابة: إذا مات الراكب أكريت من مثله، وفي الصبي إذا مات انفسخت الإجارة؛ لأن الرضاع والمؤونة تختلف اختلافًا بينًا والركوب متقارب فافترقا.
стр. 5858
[فصل: ٦ - الشريفة تواجر نفسها للرضاع]
قال ابن القاسم: وإذا وأجرت الشريفة نفسها لرضاع صبي: لزمها ذلك، وإن لم يقض على مثلها برضاع ولدها؛ لأنها ألزمت ذلك نفسها، كما لو شاءت رضاع ولدها لم تمنع.
[فصل: ٧ - الظئر تمرض مرضًا لا تقدر معه على الإرضاع]
وإذا مرضت الظئر مرضًا لا تقدر معه على رضاع: فسخت الإجارة، ولو صحت في بقية المدة جُبرت على الرضاع بقيمتها، ولها من الأجر بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع قدر ما مرضت. قال غيره: إلا أن يكون الكراء فسخ بينهم فلا يعود.
قال ابن القاسم: وإذا تمادى مرضها حتى انقضى وقت الإجارة فلا تعود إلى رضاع.
قال محمد بن عبد الحكم: ولو تكفَّلت الظئر بوجه رجل فغاب، وقام عليها رب الدين فلا تحبس له؛ لأن الحمالة تطوع منها، وليس لها أن تتطوع بما يفسخ إجارتها، فإذا انقضى وقت الإجارة طولبت.
стр. 5859
م: كلما صنعته الظئر أو والد الصبي مما تنفسخ به الإجارة فليس له ذلك إلا بالطوع من الأخر، وكلما نزل به من أمر الله تعالى، مما لا صنع لهما فيه، فهذا يفسخ الإجارة، وإن كره الآخر.
[فصل: ٨ - الظئر تؤاجر على إرضاع صبيين فيموت أحدهما،
والظئران تؤاجران على إرضاع صبي فتموت واحدة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو واجرها على رضاع صبيين حولين، فمات أحدهما بعد حول، ووضع عنه قدر ما ينوبه، وذلك ربع الإجارة، إلا أن يختلف ذلك رخص الكراء أو غلائه باختلاف الأزمنة من شتاء وصيف، وصبي صغير وكبير فيحسب ذلك، ثم لها أن ترضع مع الباقي غيره بإجارة. وقال سحنون: تفسخ الإجارة؛ إذ لا يحاط بذلك.
قال ابن القاسم: ولو واجرها على رضاع صبي، لم يكن لها أن ترضع معه غيره. ومن واجر ظئرين، فماتت واحدة فللباقية ألا ترضع وحدها، قال سحنون: تنفسخ الإجارة؛ لاختلاف من يأتي بها مكان الميتة.
стр. 5860
قال ابن القاسم: وكذلك الأجيرين في رعاية غنم يموت أحدهما فله ألا يرعى وحده حتى يأتيه رب الغنم بمن يرعى معه عوضًا عن الميت.
قال: وإن واجر ظئرًا. ثم واجر أخرى تطوعًا فماتت الثانية، فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن يرضع مع الثانية.
[فصل: ٩ - الأب الموسر يستأجر ظئرًا ثم يموت فهل أجرتها باقي
المدة في ماله أم من مال الولد؟]
قال: وإن هلك الأب: فحصة باقي المدة من الأجر في مال الولد، قدمه الأب أو لم يقدمه، ويرجع بحصة باقي المدة إن قدمه الأب ميراثًا؛ لأن ذلك نفقة للصبي قدمها الأب لم تكن تلزمه إلا ما دام حيًا، فإذا مات، انقطع عنه ما كان يلزمه من أجر الرضاع، وليس ذلك عطية وجبت، إذ لو مات الصبي لم تورث عنه، وكان ذلك للأب خاصة دون أمه، ففارق معنى الضمان في الذي يقول لرجل: اعمل لفلان عملاً، أو بعه سلعتك والثمن لك على، فالثمن في ذمة الضامن إن مات، ولا طلب على المبتاع، ولا على الذي عمل له.
стр. 5861
م: والفرق بينهما: أن أجر الرضاع أمر يلزم الأب فأنما قدمه وهو يظن أن الصبي يحي، وأن ذلك لازم له، فلما مات الصبي بان أن ذلك لم يكن يلزمه، فوجب أن يرجع فيه. والذي قال: بع من فلان سلعتك والثمن لك عليَّ، هو متطوع بذلك ولم يكن يلزمه، فلما تطوع به وضمن للبائع ثمن سلعته لزمه ما تطوع به، ولم تكن له حجة.
وقال بعض فقهاء القرويين: وإذا قدرنا أن الأب دفع ما هو واجب عليه من رضاع الولد لم يكن ذلك هبة منه لوجوبه عليه، إلا أن عقد الإجارة في الظئر يجب أن تكون لازمة للأب وإن مات؛ إذ هو العاقد لذلك فهو المطلوب بثمنها سواء نقد ذلك أو لم ينقده، ويصير على هذا إنما أعطى للابن اللبن الذي ظن أنه لازم له، فلما مات سقط عند بقيته كما سقطت عنه نفقته، فيجب على هذا أن يكون الرضاع هو الموروث عن الأب، وإذا كان الرضاع هو الموروث، لم يكن أن يأتي كل وارث بصبي يرضعه، وإذا لم يكن هذا: فسخ الكراء، وكان حينئذٍ الكراء هو الموروث.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إذا نقد الأب أجر مدة الرضاع، ثم مات الأب قبلها فما بقي للصبي، إلا أن يموت الصبي قبل ذلك فيكون ما بقي بين ورثة الأب أو للأب إن كان حيًا.
م: وهذا استحسان، ووجهه: كأن الأب لما نقد الإجارة إنما نقد ذلك للصبي إن حيي؛ لأن ذلك يلزمه فإنما نقد له ما يلزمه، فإن مات فقد بان أن ذلك لم يكن
стр. 5862
يلزمه، فوجب أن يرجع إليه أو إلى ورثته، وكضمانه صداق ابنه البالغ ودفعه إياه عنه، ثم يطلق الابن قبل البناء: أن نصف الصداق يرجع للأب؛ لأنه إنما دفعه وهو يظن أن ذلك يلزمه فموت هذا الابن كطلاق هذه.
م قال بعض فقهاء القرويين: وكذلك قال أشهب: يكون الصبي أحق به إن نقده الأب، وهذا تفريق ضعيف؛ لأن الكراء قد انعقد في حياة الأب فهو المطلوب بثمنه سواء نقده الأب أو لم ينقده ويجب على هذا أن لو مات الأب لكان موروثًا عنه، وأشهب يقول: إن مات الابن لا يكون موروثًا عنه، وإن مات الأب كان للابن. وشبَّه ذلك بالمُخَدّم حياته، إن مات المُخدِّم رجع إلى المُخدِّم، وإن مات المخدم بقى في يد المُخَدِّم حياته. قال: وإنما ينبغي أن تكون هبة للابن ما كان يبقى، ولا يلزمه إن فعله مثل أن يستأجر له معلمًا فيما لا يلزمه أن يعلم، فيكون ذلك للابن إن مات الأب؛ لأنه قد وهبه الإجارة وحازها الابن بتعليم المعلم إياه، وذلك بخلاف تعليم ما يلزمه فذلك كأجرة الرضاع. قال: وانظر إذ مات الأب وقد استأجر لابنه ظئرًا -على مذهب ابن القاسم- فرأى وصي الصبي أن يشتري جملة الرضاع خلا نصيب الولد، فينبغي أن يكون ذلك له؛ إذ تَرْكُ شرائه يؤدي إلى فسخ الإجارة.
стр. 5863
[فصل: ١٠ - هل تنفسخ إجارة الظئر التي لم تأخذ
أجرتها بوفاة الأب الذي لم يدع مالاً؟]
ومن المدونة وإن مات الأب، ولم يدع مالاً، ولم تأخذ الظئر من إجارتها شيئًا: فلها فسخ الإجارة، ولو تطوع رجل بأدائها: لم تفسخ، يريد ولو قبضت أجرتها ثم مات الأب ولم يدع شيئًا، لم يكن للورثة أن يفسخوا الإجارة، ويأخذوا منها حصة باقي المدة، ولكن يتبعون الصبي بما ينوبهم من أجرة باقي المدة.
م: وهذا أيضًا استحسان وتوسط بين القولين.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: ولو لم تقبض شيئًا حتى مات الأب، فحصة ما مضى في ذمة الأب، ولا طلب فيه على الصبي، ولو أرضعته باقي المدة: لم تتبعه بشيء، وكذلك لو قالت: أنا أرضعته باقي المدة على أن أتبعه: فهي متطوعة، كمن أنفق على يتيم لا مال له، وأشهد أنه يتبعه إن طرأ له مال فذلك غير لازم له، وهذا على وجه الحسبة.
[فصل: ١١ - الرجل يواجر أمة أو أخته أو ذات رحمه على رضاع ولده]
ولا بأس أن يواجر الرجل أمه أو أخته أو ذات رحمه على رضاع ولده، أو يواجر زوجته أو خادمها على رضاع ولده من زوجة له أخرى.
стр. 5864
[فصل: ١٢ - استرضاع الفاجرة والكافرة والحمقى]
واتقى مالك استرضاع الفاجرة ولم يره حرامًا. ابن حبيب: وكره استرضاع الكافرة، والحمقى، والمأبونة لما في الرضاع من الطباع.
[فصل: ١٣ - أجرة رضاع اللقيط ومن لا مال له]
قال في المدونة: وأجرة رضاع اللقيط، ومن لا مال له على بيت المال، وكثير من هذا المعنى في الرضاع.
стр. 5865
[الباب الحادي عشر]
في ضمان الأجير لما أفسد أو كسر وضمان الحارس في الحمام
[فصل: ١ - ضمان الأجير لما أفسد أو كسر]
[وتحته مسائل]
[المسألة الأولى: هل يضمن حامل الطعام والدهن إذا هلك بالعثار؟]
قال مالك ﵀: ومن استأجرته يحمل لك دهنًا أو طعامًا، فحمله فعثر به فاهراق: لم يضمن؛ لأنه أجير، والأجير لا يضمن إلا أن يتعدى.
وإن أكذبته في ذلك وقلت له: لم تعثر، ولم يذهب لك شيء، فهو ضامن في الطعام والإدام.
[المسألة الثانية: هلي يضمن حامل الأمتعة؟]
وأما في البز والعروض إذا حملها: فالقول قوله، إلا أن يأتي بما يدل على كذبه.
стр. 5866
قال ابن وهب عن مالك: ومن حمل على دابته شيئًا بكراء فانقطع حبل من أحبله فسقط ذلك وانكسر، أو ربضت الدابة فانكسر، أو زاحمت شيئًا، فإن عرف أنه غرر في رباطه أو، أخرق في سوق دابته حتى زاحمت، أو عرف أن دابته ربوض: فهو ضامن، وإن لم يعرف من ذلك شيء لم يضمن، وفي كتاب الأكرية إيعاب هذا.
[المسألة الثالث: هل يضمن أجير الخدمة ما أتلفه؟]
قال ومن استأجرته يخدمك في بيتك شهرًا فكسر آنية من بيتك، أو قدورًا، أو أمرته أن يخيط لك ثوبًا فأفسده أو تلف: لم يضمن إلا أن يتعدى؛ لأنك لم تسلم إليه شيئًا يغيب عليه، ولا ائتمنته على شيء، وحكم الأجير غير حكم الصَّناع.
وكذلك أجير الخدمة لا يضمن ما أفسد من طحين، أو اهراق من لبن، أو ماء أو نبيذ، أو وطئ عليه فكسره من قلال أو قصاع، أو أحرقه من ثيابهم،
стр. 5867
أو خبز لهم فأحرق. وقال غيره: ما عثر عليه أو وطئ فهي جناية، وأما ما سقط من يده أو عثر به لم يضمن.
فصل [٢ - صاحب الحمَّام وجميع الحراس والرعاة هل يضمنون؟]
[المسألة الأولى: هل يضمن حارس الحمام الثياب؟]
قال مالك: ومن جلس يحفظ ثياب من يدخل الحَمَّام، فصاع منه شيء: لم يضمن؛ لأنه بمنزلة الأجير.
وقال في العتبية: وقد أمرت صاحب السوق أن يُضَمِّن أصحاب الحمَّامات ثياب الناس [فيضمنونها] أو يأتوا بمن يحرسها. م: ورأيت في بعض الخوارج مثله عن ابن عبد الحكم، وزاد فيه: ولا ضمان على من يحرسها، وإن سعيد بن المسيِّب، ومكحولاً وغيرهما يُضَمِّنون حارس ثياب من يدخل الحمام، وحارس الفندق والراعي، ولم ير ذلك مالك.
стр. 5868
[المسألة الثانية: المُسْتَأجر على حراسة هل يضمن؟]
قال ابن المواز: قال مالك: ومن استؤجر يحرس بيتًا فينام فيُسْرَق ما فيه: فلا يضمن، وإن غاب عليه، وله جميع الأجر، وكذلك حارس النَّخل. قال ابن المواز: لا يضمن جميع الحراس إلا أن يتعدوا، كان ما يحرسونه مما يغاب عليه أم لا، طعامًا أو غيره، وكذلك من يعطي متاعًا يبيعه، فيضيع أو يضيع ثمنه إلا أن هذا لا أجر له ولا ضمان عليه.
وفي العتبية، قال مالك في من بُعث معه بخادم [يبلغه] موضع كذا بأجر مسمى فنام في الطريق [فأبق] أو [مات]: فإن [أبق] حوسب من إجارته، وإن [مات] فله الإجارة كلها.
قال ابن القاسم: الموت والإباق واحد وله الإجارة كلها، ويستعمله في مثل ذلك حتى يتم أو يبلغ، وقال ابن وهب: له من الإجارة حيث ما بلغ فقط.
стр. 5869
[الباب الثاني عشر]
في الإجارة والجعل في البناء والحفر
[فصل: ١ - الإجارة على البناء]
[المسألة الأولى: المستأجر على بناء الدار عليه الآلة والماء على
مقتضى العادة]
قال ابن القاسم: ومن واجرته على بناء دار فالأداة والفؤوس والقفاف والماء والدلاء على من تعارف الناس أنه عليه، وكذلك حثيان التراب على حافر القبر، ونقش الرحى وشبهه فإن لم تكن لهم سنة فآلة البناء على رب الدار، ونقش الرحى على ربه.
стр. 5870
[المسألة الثانية: ومن واجرته على بناء حائط ثم
انهدم فله بحساب ما بنى]
ومن واجرته على بنا حائط، ووصفته له، فبنى نصفه ثم انهدم فله بحساب ما بنى من أجره؛ لأنك قابض لكل ما بنى، وليس عليه بناؤه ثانية، كان الآجر والطين من عندك أو من عنده. وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضمونًا وعليه في المضمون تمام العمل. م: هكذا في الأمهات، ونقلها أبو محمد، قال غيره: هذا في عمل رجل بعينه، وعليه في المضمون تمامًا العمل.
م: فعلى ما في الأمهات، قول الغير خلاف لابن القاسم في الرجل المعين، وعلى نقل أبي محمد، قول الغير كله وفاق، وقال سحنون: أَردُ مسألة الحائط إلى مسألة القبر.
стр. 5871
م: وقال بعض فقهاء القرويين: ويحتمل أن يكون ابن القاسم أراد أن صاحب الحائط يبني القدر الذي انهدم، ويبني له البنَّاء تمام البِناء، ولا تنفسخ الإجارة فيما بقي إذا أمكن أن يبنى الذي انهدم له، أو يجد موضعًا مثله يبنيه له البنّاء، إلا أن يتعذر ذلك فتنفسخ بقية الإجارة، كما قال أشهب: إذا استأجره على أن يحصد له شيئًا من الأرض فهلكت: أن الكراء لا ينفسخ، وإن كان ابن القاسم قال فيها: أن الكراء ينفسخ، وأما ما كان على طريق الجعل، مثل البئر يحفرها له، ومثل القبر فيما لا يملك من الأرض، فينهدم قبل تمامه، فلا يلزم الجاعل شيئًا إلا أن ينهدم بعد تمامه.
[فصل: ٢ - الإجارة على الحفر]
[المسألة الأولى: من واجرته على حفر بئر فحفر نصفها ثم انهدمت]
قال ابن القاسم: ولو واجرته على حفر بئر من صفتها كذا وكذا، فحفر نصفها ثم انهدمت فله بحساب ما عمل، ولو انهدمت بعد فراغها: أخذ جميع الأجر، حفرها في ملكك أو في غير ملكك.
م: لأنها إجارة، والإجارة تجوز في ملكك، أو في غير ملكك من الفلوات، إلا أن تكون بمعنى الجعل، تجعل له دراهم معلومة على أن يحفر لك بئرًا من صفتها كذا
стр. 5872
وكذا، فحفر نصفها ثم انهدمت، فإن انهدمت في هذا قبل إسلامها إليك فلا شيء له، وإسلامها إليك فرغه من حفرها.
وقد قال مالك في الأجير على حفر قبر: إن انهدم قبل فراغه فلا شيء له، وإن انهدم بعد فراغه فله الأجر. قال ابن القاسم: وهذه الإجارة فيما لا يملك من الأرضين.
م: يريد أنه جعل. قال ابن المواز: ولا يكون الجعل في شيء إذا أراد المجعول له ترك العمل بعد أن شرع فيه يبقى من عمله شيئ ينتفع به الجاعل.
وقال أبو محمد: وهذا أبين. فرق بينه وبين الإجارة.
قال ابن المواز: فأما البناء والحفر فيما يملك من الأرضين، فلا تجوز فيه إلا الإجارة، فإن انهدم ذلك قبل تمام، كان على الأجير أن يعمل له قدر ما بقي له من ذلك فيما يشبه ذلك من حفر أو بناء، وليس عليه أن يعيده له، أو قال له: احفر لي بئرًا في موضع كذا، فيما لا يملك من الأرضين: جاز فيه الجعل؛ لأنه إن ترك لم ينتفع الجاعل بما عمل فيه، وليس له شيء إن انهدم قبل تمامه، ولو تركها بعد أن حفر بعضها فواجر الجاعل غيره، أو جعل لأحد جعلاً فأتمها، كان للأول بقدر ما
стр. 5873
انتفع به الآخر من عمله. قال ابن القاسم: بالاجتهاد فقد يصادف الأول أرضًا رخوة أو صلبة، ويصادف الثاني خلافها. وقال مالك في العتبية.
قال عيسى: قال ابن القاسم: ويعطى الثاني جعله كاملاً وعلى رب البئر للأول قدر ما انتفع به من عمله كان أقل من جعل الأول أو أكثر.
وقال أشهب عن مالك: إذا جعل له على حفر قبر فانهار قبل تمامه، فليحفر لهم ثانيًا، وإن انهار بعد تمامه فلا شيء عليه، وله جعله كاملاً؛ لأنه قد فرغ من عمله وبرئ منه، فإن شاؤا عجلوا بميَّتهم أو أَخْرُوه.
[المسألة الثانية: الإجارة على حفر بئر يصف موضعها وعمقها]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالإجارة على حفر بئر بموضع كذا عمقها كذا وقد خبرا الأرض، وإن لم يخبراها لم يجز.
قال يحي بن يحي عن ابن القاسم: إن عرفا الأرض يلين أو شدة أو جهلاها جميعًا: جاز، وإن علم ذلك أحدهما وجهله الآخر: لم يجز الجعل فيه.
стр. 5874
[المسألة الثالثة: الإجارة على حفر بئر بحيث يخرج الماء]
ومن المدونة قال أبو الزناد: وعلى حافر البئر إخراج الماء. قال ربيعة: إنما ذلك في أرض متقاربة في خروج الماء، وأما المختلفة فمذارعة أحب إليَّ.
م: حفر المختلفة بالأيام أجوز.
[المسألة الرابعة: إذا حفر القبر شقًا فقلت أردته لحدًا حملا على العادة]
قال ابن القاسم: ومن واجرته على حفر قبر فحفره شقًا فقلت له: ما أردته إلا لحدًا حملته على سنة الناس.
[المسألة الخامسة: مواجرة رجلين على حفر بئر فحفرا بعضها ثم
مرض أحدهما فَأَتَمَّها الآخر فالأجر بينهما]
قال ابن القاسم: وإن وأجرت رجلين على حفر بئر بكذا، فحفرا بعضها، ثم مرض أحدهما فَاَتَّمها الآخر، فالأجر بينهما، ويقال للمريض: أرض الحافر من حقك، فإن أبى: لم يقض عليه، والحافر متطوع له.
стр. 5875
وقال سحنون في غير المدونة: هو متطوع لرب البئر لا للمريض، ووجه بعض القرويين قول ابن القاسم قال: لمَّا لم يكونا شريكين يلزم أحدهما ما عجز عنه صاحبه، صار على كل واحد حفر حصته فلما حفر أحدهما ما يجب على صاحبه، لم يلزم صاحبه أن يعطيه فيه أجرًا كمن خاط ثوب رجل، أو حرث أرضه متعمدًا فلا شيء له. قال: ووجه قول سحنون: كأنه رأى أن بمرض الآخر تنفسخ الإجارة؛ لأنه أمر لا يمكن التراخي فيه، كموت الدابة في السفر، فإذا كان الفسخ واجبًا بمرضه وإن لم يحكم به حاكمًا للضرورة صار الحافر متطوعًا لرب لابئر، ولو كانا شريكين لم يكن متطوعًا لرب البئر ولا لشريكه؛ إذ عليه أن يعمل ما على صاحبه من الحفر إذا مرض صاحبه.
стр. 5876
[الباب الثالث عشر]
في دفع إجارة الأجير والصُّناع والتداعي في ذلك أو غيره
[فصل: ١ - هل للصناع والأجراء منع ما عملوا حتى يأخذوا أجرهم؟]
قال مالك: وللصَّناع منع ما عملوا حتى يقبضوا أجرهم، وهم أحق به في الموت والفلس، وكذلك حامل الطعام والمتاع على رأسه أو على دابته أو في سفينته.
[فصل: ٢ - إذا أراد الصُّناع أو الأُجراء تعجيل الأجرة]
قال مالك: وإذا أراد الصناع أو الأجراء تعجيل الأجر قبل الفراغ، وامتنع رب العمل: حملوا على المتعارف بين الناس فيه، فإن لم تكن لهم سنة: لم يُقض لهم إلا بعد فراغ أعمالهم، وأما في الأكربة في دار، أو راحلة، أو في إجارة بيع السلعة ونحوه: فبقدر ما مضى، وليس للخياط إذا خاط نصف الثوب أخذ نصف الأجرة حتى يتم العمل؛ إذ لم يأخذه على ذلك.
стр. 5877
م: ولأنه لو خاطه كله ثم ضاع الثوب ببينة لم يكن له أجر عند ابن القاسم، فكذلك إذا خاط بعضه.
فصل [: ٣ - رب المتاع يدعي أنه عمله بغير أجر والصانع ينكره]
وإذا ادعى رب المتاع أن الصانع عمله له باطلاً، وقال الصانع: بل بأجر كذا، صدق الصانع فيما يشبه من الأجر، وإلا رد إلى أجر مثله.
وقال غيره: يحلف الصانع ويأخذ الأقل مما أدعى أو من أجر مثله.
م: فوجه قول ابن القاسم: أن رب الثوب قد أقر أنه استعمل الصانع، وقال: بغير أجر، فقد ادعى أن الصانع وهب له عمله، والصانع يقول: بل بعته عملي، فكان القول قول الصانع؛ لأنهم إنما جلسوا يعملون بالأجر لا ليهبوا أعمالهم، فصار الصانع ادعى ما يشبه، ورب الثوب ادعى ما لا يشبه، وكمن قال: وهبتني هذا الثوب، وقال ربه: بل بعته منك. ووجه قول الغير لم يصدق واحدًا منهما؛ لأن رب الثوب ادعى الهبة والصانع مدع [ثمنًا] في ذمة رب الثوب، وهو يقول: ما اشتريت شيئًا، فكل واحد منهما مدع على صاحبه، فيحلفان جميعًا ثم تكون عليه
стр. 5878
القيمة يحلف الصانع ليكون له الأجر الذي ادعى، ويحلف رب الثوب ليسقط ما زاد على إجارة المثل. وقول ابن القاسم أبين.
[فصل: ٤ - رب المتاع يدعي الوديعة فيما صُنع والصانع ينكره]
وقال ابن القاسم: ومن ادعى على صانع أو صباغ فيما قد عمله أنه أودعه إياه، وقال الصانع: بل استعملتني فيه فالصانع مصدق؛ لأنهم لا يُشهدون في هذا، ولو جاز هذا لذهبت أعمالهم. وقال غيره: بل الصانع مُدَّع. وقاله ابن حبيب.
قال: وكذلك لو قال ربه: سرق مني، ويحلف ثم يأخذ ثوبه مصبوغًا أو مغسولاً بغير غرم، إلا أن ينقصه الصبغ ويفسده فربه مخير في أخذه أو تركه وأخذ قيمته، وإن [زاده] الصبغ فله أخذه بلا غرم.
فوجه قول ابن القاسم أن الصانع لما كان جلوسه للصنعة صار كأنه أتى بما يشبه والآخر بما لا يشبه، فكان القول قول الصانع إذا أتى بما يشبه من الأجر.
стр. 5879
ووجه قول غيره: أن الصانع مدَّع أنه باع منه صنعته، ورب الثوب يقول ما اشتريت منه شيئًا، فهو كمُدَّع عليه الشراء لثوب أو غيره، فوجب أن يكون القول قوله.
[فصل: ٥ - المصنوع له يدعي على الصانع فيما قد عمله أنه سرقه]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإن قال الصانع استعملتني هذا المتاع، وقال ربه بل سرق مني، تخالفا، ثم قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبي قيل للعامل ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله؛ لأن كل واحد منهما مُدَّع على صاحبه.
قال أبو محمد وغيره: يُحَلَّف أولاً صاحب الثوب أنه ما استعمله، ثم يقال للصانع ادفع إليه ثوبه وإلا فاحلف أنه استعملك، فإن حلف، قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبى قيل للصانع: أعطه قيمة ثوبه، فإن أبى كانا شريكين. وقال غير ابن القاسم: العامل مدَّع، ولا يكونان شريكين.
قال ابن القاسم: وكذلك إن ادعى أنَّ الصانع سرقه منه، إلا أنه هاهنا إن كان الصانع ممن لا يشار إليه بذلك، عوقب رب الثوب وإلا لم يعاقب.
стр. 5880
[مسألة: الرجل يقيم بينة في قميص بيد
أنها كانت ملحقةً له]
وكذلك إن قمت بينة في قميص بيد رجل/ أنها كانت ملحفة لك لم تأخذها إلا بغرم قيمة الخياطة, وإلا قضى بما ذكرنا في السرقة
وقاله مالك في يتيم باع ملحفة فتداولتها الأيدي بالبيع, وقد صَبَغَها أحدهم: فإنهم يترادون الربح, وفي بعض الكتب: الثمن فيما بينهم, ولا شيء على اليتيم من الثمن إلا أن يكون قائماً بيده فيرده, ويكون اليتيم والذي صبغها آخراً شريكين, هذا بقيمة الصبغ, وهذا بقيمة الملحفة بيضاء, وبيعه للملحفة كلابيع.
وقال بعض فقهاء القرويين: إذا قال رب الثوب: سرق مني, وقال الصائغ -وقد صبغه- بل استعملني: لا يتحالفان حتى يقال لصاحب الثوب ما تريد, فإن قال: أريد تضمين الصانع؟ قيل له: فاحلف أنك ما استعملته, فإن حلف, قيل للآخر احلف لقد استعملك لتبرأ من الضمان, ثم يقال لرب الثوب: ادفع إليه
стр. 5881
قيمة الصبغ؛ لأنه قد برئ من المسمى بيمينه أولاً, فإن أبى, قيل للآخر ادفع إليه قيمة ثوبه, فإن أبيا كانا شريكين, وإن قال صاحب الثوب أولاً: أريد أن آخذ ثوبي: نظر إلى قيمة الصَّبغ, فإن كانت مثل دعوى الصانع فأكثر, فلا أيمان بينهما؛ لأنه يقال لرب الثوب: هبك أن الأمر كما قلت: أنه سرق لك, وأردت أخذه, لم تقدر على أخذه إلا بدفع الإجارة التي قال الصانع, إذا كانت مثل الإجارة أو أقل, ولا يمين هاهنا. وإن كان ما ادعاه الصانع أكثر حلف المستحق وحده ليحط عن نفسه الزائد على قيمة الإجارة من التسمية التي ادعاها الصانع, فعلى هذا يصح الجواب في قوله سرق مني.
قال: وأما قوله سرقته أنت فهو مُدعٍ عليه أنه يضمن الثوب بتعديه, فاليمين عليها جميعاً بيَّن؛ ليوجب أحدهما الضمان ويبرأ منه الآخر.
[فصل: ٦ - اختلاف الصانع والمصنوع له في رد المتاع]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أقر الصَّانع بقبض متاع وقال: قد علمته ورددته: ضمن, إلا أن يقيم بينة برده.
قال ابن المواز: فإن لم يقم بينه حلف ربه, وأخذ قيمته بغير صنعته.
ولو قال مكتر/ ما يغاب عليه: قد رددته لصدق مع يمينه, كما يصدق في تلفه, أخذه ببينه, بخلاف العارية والقراض.
стр. 5882
وقال أصبغ: الكراء والقراض والوديعة سواء يصدق في التلف وفي الرد, إلا أن يأخذه ببينة, فلا يصدق في الرد خاصة إلا ببينة.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: الصَّناع مصدقون في رد المتاع إلى أهله مع أيمانهم؛ إلا أن يأخذوه ببينة, فلا يبرؤا إلا ببينة.
[فصل: ٧ - رب السلعة يدعي دفع المتاع للصانع وهو ينكر ذلك]
ومن المدونة: وإن أدعى أحد على صانع أنه دفع إليه متاعاً فأنكر, لم يؤخذ إلا ببينة أن المتاع قد دفع إليه, وإلا حلف وبرئ.
[فصل: ٨ - الحجام يقلع ضرساً غير التي أمر بقلعها هل عليه شيء؟]
وإذا قلع الحجام ضرس رجل بأجر, فقال له: لم آمرك إلا بقلع الذي يليه, فلا شيء له عليه؛ لأنه علم به حين قلعه فتركه, وله أجره إلا أن يصدقه الحجام فلا يكون له أجر. يريد ويكون عليه العقل في الخطأ والقصاص في العمد. وقال غيره: الحجام مُدع. قال سحنون في غير المدونة -يريد في الأجر-. قال سحنون: كل
стр. 5883
واحد مدع على صاحبه فيتحالفان, ويكون للحجام أجر مثله ما لم يجاوز التسمية, يريد إنما يتحالفان إذا كانت التسمية أكثر من أجر مثله؛ لأن يمين الحجام ترفع عنه حكم العِداء, وتوجب له التسمية, ويمين الآخر ترفع ما زاد على أجر مثله, وإذا كانت التسمية كأجر المثل أو أقل, فلا معنى ليمين المقلوع ضرسه, إلا أن ينكل الحجام عن اليمين فيحلف الآخر ويسقط عنه الأجر. وقاله بعض شيوخنا, وهو أبين.
[فصل: ٩ - تعدى الصانع وغلطه]
ومن المدونة: قال ابن القسام: ومن لَتَّ سويقاً بسمن, وقال لربه: أمرتني أن ألتَّه بعشرة, وقال ربه: لم أمرك أن تلتَّه بشيء, قيل لصاحب السويق: إن شئت فاغرم له مثل ما قال, وخذ السويق ملتوتاً, فإن أبى, قيل للاتِ: أغرم له مثل سويقه غير ملتوت, وإلا فأسلمه إليه بلتاته ولا شيء لك, ولا يكونان شريكين في الطعام لوجود مثله.
قال أبو محمد: يحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم أنه لم يقر أنه دفعه إليه إيداعاً ولا لصنعة, إذ لم يقر بإسلامه, إليه ففارق/ الصانع الذي أقرَّ أنه حوَّزه إياه بإيداع, فيصدق الصانع, إذ الغالب منهم إنما يدفع إليهم للصنعة, فينبغي على هذا أن يقال لربه: إن شئت فادفع إليه أجره وخذ السويق ملتوتاً, أو فاحلف أنك لم
стр. 5884
تستعمله إياه, فإن حلف, قيل للات: ادفع إليه مثل سويقه, أو أسلمه إليه بلتاته كما قال ابن القاسم.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: إذا امتنع رب السويق أن يعطيه ما لتَّه به: قضي على اللَّات بمثل سويقه غير ملتوت.
م: وهذا وفاق لابن القاسم على تأويل أبي محمد؛ لأنه لابد من يمين رب السويق ويقضي له بمثل سويقه, فإن دفع إليه اللَّات سويقه ملتوتاً لم يجبر على أخذه إلا أن يشاء والله أعلم.
قال ابن المواز: وهذا غلط, واللَّات مصدق, ويحلف إن كان أسلم إليه السويق, فإن نكل: حلف ربه وأخذ منه مثل سويقه, وليس لربه أخذه بعينه, إلا أن يدفع إليه ثمن السمن, أو يشاء رب السمن أن يدفعه إليه بلتاته.
م: وهذا أيضاً على تأويل أبي محمد في المسألة لا يخالف ابن القاسم؛ لأن ابن المواز اشترط في جوابه إن كان رب السويق أسلمه إليه, وابن القاسم لم يذكر ذلك, فترجع الأقوال على هذا إلى قول واحد والله أعلم.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كان معنى المسألة أنه سرق مني وكان اللَّاتُ على قول صاحبه إنما لتَّه بوجه شُبَّهة, فكيف يقال لصاحبه: ادفع إليه الأجر وخذ السويق
стр. 5885
ملتوتاً, إذا كان له أن يضمن اللات مثله؟ لأنه أفاته كقطع الثوب, وذبح الشاة على قول أبي محمد. فيصير على هذا قد وجب له في ذمته سويق, فتركه ودفع معه درهماً, وأخذ سويقاً ملتوتاً, وهذا لا يحل, فإن قيل: إنما هذا على القول الذي يرى ألا يضمن المشتري بالقطع, كذلك لا يضمن باللَّتات, قيل كان الأمر هكذا منع من الشركة. وقال: إذا امتنع/ من دفع الأجر, وامتنع الأجير من دفع مثل السويق أمره أن يسلمه بلتاته, وهو متعد, ولم يجب عليه ضمان.
وقد وقع في كتاب محمد في من اشترى جديدة من رجل, وسمناً من آخر فخلطهما ثم فلس: أنهما يكونان أحق بذلك. قال: يكونان شريكين على قدر ما لكل واحد منهما, فعلى هذا, كان يجب أن يكونا شريكين.
[فصل: ١٠ - اختلاف الصانع والمصنوع له في الأجرة]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإن قال اللات: أمرتني أن ألتَّه بعشرة ففعلت, وقال ربه: بل أمرتك بخمسة وبها لنتَّته, فاللَّات مصدق مع يمينه إن أشبه أن يكون فيه سمن بعشرة؛ لأنه مدعي عليه الضمان, مقول مالك في الصَّباغ إذا صبغ الثوب بعشرة دراهم عصفراً, وقال لربه: بذلك أمرتني, وقال ربه: ما أمرتك أن تجعل فيه إلا بخمسة دراهم عصفراً: أن الصَّباغ مصدق مع يمينه, إن
следующие страницы →