← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

غيره أخذ ما شهد به لنفسه بغير يمين إذا كان تافهاً، كما لو شهد رجلان في وصية أوصى لهما فيها بتافه لأخذ التافه بغير يمين. م/: لأنه أجاز شهادته لنفسه، كما أجاز شهادة الرجلين في الوصية التي أوصى لهما فيها بتافه؛ لأنه أجاز شهادة كل واحد لنفسه وشهادة صاحبه له، فصار كحق شهد فيه رجلان، وكذلك هذا أجاز شهادته لنفسه وشهادة الذي معه له، فصار كحق شهد فيه رجلان، وهذا أبين. قال بعض فقهاء القرويين: ويحتمل أن يريد يحيى بن سعيد إن كان وحده جازت شهادته لغيره مع يمينه ولم يأخذ هو شيئاً، وإن كان معه غيره أخذ الأجنبي بغير يمين؛ لأن حقه اجتمع عليه شاهدان، وأخذ الشاهد حقه بيمين؛ لأن شهادته لنفسه سقطت فبقي له شاهد واحد فيحلف معه ويأخذ، ويكون هذا مستقيماً إذا كان ما يشهد به لنفسه تافهاً؛ لأنها شهادة لم ترد من أجل التهمة، وإنما ردت من أجل السنة، فجاز أن يمضي بعضها، ويرد بعضها، كمن شهد على وصية فيها عتق ووصايا لقوم بمال. قال: فإن كان وحده لم يأخذ غيره ما شهد له به حتى يحلف، إلا أن يكون الذي شهد به الشاهد لنفسه كثيراً، فلا تقبل شهادته لا له ولا لغيره.

стр. 6582

ومن المدونة قال يحيى بن سعيد في قوم مسافرين من قبائل شتى، توفي أحدهم فأوصى لهم بوصية ولم يشهد على الوصية غيرهم، أن شهادة بعضهم لبعض في الوصية لا تجوز إلا أن يشهد لهم من ليس له في الوصية حق. فصل [٢ - فيمن شهد بما عليه فيه تهمة] قال ابن القاسم: وإن أقررت أن رجلاً دفع إليك ألف درهم وأنها لفلان، حلف فلان مع شهادتك واستحقها إن كان حاضراً، وإن كان غائباً لم تجز شهادتك له؛ لأنك تقر بشيء يبقى في يدك فتتهم. قال مالك: ولو أودعك رجل وديعة مالاً أو غيره، فشهدت عليه أنه تصدق بها على فلان، فإن كان فلان حاضراً جازت شهادتك لو، وإن كان غائباً لم تجز شهادتك له؛ لأنك تتهم ببقاء المال في يدك، وهذا إذا كانت غيبة تنتفع أنت في مثلها بالمال. قال في كتاب الوديعة: وإن ادعى المودع أنك أمرته أن يدفعها لفلان ففعل وأنكرت أنت ذلك، فهو ضامن إلا أن تقوم له بينة أنك أمرته، وإن بعثت إلى رجل بمال فقال: تصدقت به علي، وصدقه الرسول، وأنت منكر للصدقة، فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه، ويكون المال صدقة عليه. قيل لمالك: كيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه.

стр. 6583

قال سحنون في المجموعة: ومعنى المسألة إذا كان المال حاضراً والمأمور والمتصدق عليه حاضرين، فإن كان قد استهلك المال وأنفقه لم تجز شهادة الرسول. قال ابن المواز: وخالفه أشهب، وقول مالك أحب إلي؛ لأن الرسول لم يتعد بالدفع؛ لإقرار الآمر أنه أمره بالدفع. ولو قال الآمر: لم آمرك بالدفع إليه، ولكن لتتصدق بها، أو لتكون عندك لحلف وغرم ذلك الرسول، ورجع بها على من دفعها إليه. قال ابن المواز في الرسولين للرجل يزوجانه أو يشتريان له جارية، فلا تجوز شهادتهما على ذلك وإن حضر المرسل. م/: يريد: وجحد المشهود عليه. قال ابن المواز: وأحب إلينا إن كانا هما عقدا النكاح له لم تجز شهادتهما، وإن ولي عقده غيرهما جازت شهادتهما. قال ابن القاسم: وإن بعثت مع رجلين مالاً يدفعانه إلى رجل وقال: لا تشهدا عليه غيركما ففعلا ثم أنكر القابض، فلا تجوز شهادتهما عليه؛ لدفعهما عن أنفسهما معرة التهمة، ولا يضمنان؛ لأنهما بذلك مأموران. وقاله أصبغ.

стр. 6584

فصل [٣ - فيمن جر إلى نفسه نفعاً بشهادته] ومن كتاب ابن المواز: ومن أوصى لرجل بعبده، ولرجلين بثلث ماله، وشهدا أنه الموصي له بالعبد قتل الموصي، لم تجز شهادتهما؛ إذ لهما فيه منفعة، ولو لم يوص إلا بمقدار ثلثه إذا جمع مع العبد جازت شهادتهما؛ لارتفاع الحصاص. وقال ابن المواز: شهادتهما جائزة بكل حال؛ إذ لابد من الحصاص إما لهما وإما للورثة. م/: وهذا إذا كانا فقيهين عالمين أن الحصاص لابد منه إما له أو للورثة، وإن كانا يظنان أن الحصاص يسقط عنهما لسقوط محاصة القاتل، فلا تجوز شهادتهما. قال ابن المواز: وكذلك من أوصى له بعبده مبدأ، وبوصايا لقوم، فشهد الموصي لهم أن الموصي له بالعبد قتل الموصي، جازت شهادتهم؛ إذ لا نفع لهم بها؛ لأن الورثة يقومون مقام المبدأ. م/: وهذه مثل الأولى، والله الموفق.

стр. 6585

[الباب التاسع] فيمن سمع رجلاً ينص شهادته، أو سمع طلاقاً، أو قذفا هل يشهد به، وفي الشهادة على الخط . [الفصل ١ - فيمن سمع رجلاً ينص شهادته أو سمع طلاقاً أو قذفاً هل يشهد به؟] قال ابن القاسم: ومن سمع رجلاً يذكر شهادته أن لفلان على فلان كذا، أو يقول: سمعت فلاناً يقذف فلاناً، أو يطلق زوجته، فلا يشهد على شهادته حتى يقول له: اشهد على شهادتي. وفي كتاب ابن المواز: وإن سمع قوماً يقولون لقوم: اشهدوا على شهادتنا أن لفلان على فلان كذا، فلا يشهد على شهادتهم حتى يقولوا له: اشهد على شهادتنا. ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب في رجلين سمعا رجلاً يذكر أن عنده شهادة في كذا فلا ينقلان عنه، وإن نقلا لم يقبل. قال أشهب: وليس بضيق أن يرفع ذلك إلى الإمام. وقد قيل: لا يرفعهما خوفاً أن يغلط فيقضي بها، ولو أشهده لزمه أن يشهد، وإن كان وحده. ومن المدونة قال مالك: ومن سمع رجلاً يطلق زوجته، أو يقذف رجلاً، فليشهد بذلك، وإن لم يشهده، وعليه أن يخبر بذلك من له الشهادة. ويشهد في الحدود بما يسمع

стр. 6586

إن كان معه غيره. م/: خوفاً أن يقول له المقذوف: كذبت لم يقذفني بكذا إنما عرضت أنت بقذفي فيحده. قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً يقول قبل ذلك فيمن مر برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما كلامهما، ولم يشهداه، ثم يطلب أحدهما تلك الشهادة. قال: لا يشهد له. قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله إلى آخره فليشهد، وإلا فلا؛ إذ قد يكون قبله أو بعده كلام يبطله. وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: فيمن سمع رجلين يتنازعان في أصل فأقر أحدهما للآخر ولم يشهده. قال: لا يشهد إلا أن يكون قذفا فليشهد إن سمعه مع غيره. قال أشهب: هذه رواية فيها وهم، وليشهد بما سمع من إقرار أو غصب أو حد، ولا يكتمها فإن علم من هي له فليعلمه. فصل [٢ - الشهادة على الخط] ومن كتاب ابن سحنون وغيره قال مالك وأصحابه: الشهادة جائزة على خط المقر، وقد أجمعوا أن الخط رسم يدرك بحاسة البصر، ووجدنا البصر يميز بين الخطين والشخصين مع جواز اشتباه ذلك، فلما جوزها في الشخص مع جواز الاشتباه فيه جازت على

стр. 6587

الخط. قال مالك في العتبية وغيرها فيمن كتب على نفسه ذكر حق، وكتب في أسفله بخطه؛ فهلك الشهود، ثم جحد، فشهد رجلان أن ذلك خطه، أن ذلك يجوز عليه، كإقراره. ولا يمين على المشهود له مع شهادة الشاهدين على خط المقر. قال عيسى عن ابن القاسم وذكر ابن المواز: ولو شهد على خطه رجل حلف الطالب واستحق. وقال أشهب عن مالك في امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها فشهد على خطه رجلان أن ذلك ينفعها. ابن المواز: أما الشهادة على خط المقر فلم يختلف فيها قول مالك، وأما على خط الشاهد فما علمت من حكم به، كما لو سمعا الشاهد ينص شهادته، لم يجز أن ينقلاها حتى يقول لهما: اشهدا علي بذلك. قال: والذي آخذ به أنه لا تجوز الشهادة على الخط إلا من كتب شهادته على نفسه فهو كإقراره. م/ وفرق بعض القرويين بينهما بأن قال: الشاهد لا يكتب شهادته إلا بعد أن يتحققها مع علمه بأنها ستنقل عنه، وهي مثل الذي يشهد عند القاضي، ثم يعزل القاضي

стр. 6588

ويموت الشاهد فيشهد قوم على شهادته، فأجاز ذلك في المدونة، وهو نحو الشهادة على خطه، ومثله لو أشهد الشاهد قوماً على شهادته، وآخرون يسمعون ولم يشهدهم، واحتيج إلى شهادة من لم يشهده ممن سمعه لكان الأشبه أيضاً أن تجوز، وإنما خيف في شهادة السماع أن يكون حاكي شهادته في حديث يحدث به لم يحققها إذ ليس حديثه موضع إحكام، وقد يكون لو دعي إلى أن يضعها في كتاب، أو يشهد بها عند القاضي لتوقف في بعضها فلذلك لم تجز الشهادة عليه. وقال عبد الملك: تجوز شهادتهما على معرفة خط الشاهدين في كتاب، ويقضي بذلك، وقال مثله سحنون. قال: ويجوز أن يشهد على الوكالة في ذلك الحق. والله الموفق.

стр. 6589

[الباب العاشر] في شهادة السماع في الولاء وشهادة من يتهم برجوعه إليه من القرابة [الفصل ١ - في شهادة السماع في الولاء والنسب] قال مالك: وإذا شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى فلان هذا، ولا يعلمان له وارثاً غيره، أو شهد شاهد واحد على البت أنه مولاه أعتقه، ولا يعلم له وارثاً غيره، استؤني بالمال، فإن لم يأت من يستحقه غيره قضي له به مع يمينه، ولا يجر بذلك الولاء. وقال أشهب: يجر ولاءه بشهادة السماع. قال ابن المواز: اختلف قول مالك في شهادة السماع في الولاء والنسب. وذهب أصبغ في ذلك إلى أنه يؤخذ بذلك المال، ولا يثبت له به نسب ولا ولاء. قال ابن القاسم نحوه ولا يعجبنا هذا، وأكثر قول مالك وابن القاسم أنه يقضي له بالسماع بالنسب والولاء. م/: هكذا نقلها أبو محمد في كتاب الأقضية لابن المواز. قال أصبغ: لا تجوز شهادة السماع في الولاء والنسب، ولكن يأخذ بذلك المال مع يمينه، ولا يثبت له ولاء. قال ابن المواز: ولم يعجبنا قول أصبغ. وإنما شبهه بقول ابن القاسم في الشاهد الواحد في الولاء والنسب إن لم يأت أحد

стр. 6590

بأحق منه أحلفه، ودفع إليه المال، ولم يثبت له نسب ولا ولاء؛ لأن الشاهد صار على المال وحده. قال ابن المواز: صواب كما لو شهد له أحد في وصية فيها عتق، ووصايا لقوم بأعيانهم فإنها تجوز للقوم مع أيمانهم وتسقط في العتق، وكذلك هذا شهادته تجوز لهم في المال دون الولاء، وأما شهادة السماع في الولاء فهي جائزة. قال مالك وابن القاسم: إنها تجوز في الولاء والنسب والحبس والصدقة. قال ابن المواز: وأما من يموت بغير بلده فتشهد بينة على السماع أنه مولى فلان، ولا يشهدون على العتق، فهذا لا تجوز فيه شهادة السماع. وقد قال ابن القاسم: سئل مالك عن رجل أصله من المدينة فمات بالمغرب، فيشهد أهل المغرب على السماع على الولاء، ولا يشهدون على العتق؟ فقال مالك: لا تجوز في هذا إلا شهادة قاطعة، وأرى أن يستأني بالمال، فإن لم يوجد له أحد أخذه المشهود له بالسماع مع يمينه. قال ابن القاسم: وهو أحب إلي. قال ابن المواز: وليس من يموت في بلده مثل من يموت في غير بلده. وقال أشهب في المجموعة في شاهدين على السماع في الولاء أنه مولى فلان لا يعلمون له وارثاً، فلا يعجل فيه، فإن لم يأت أحد بعد التأني رأيت له الولاء والمال وله ولاء ولده ومواليه، وإن كان إنما يشهد له على ذلك شاهد واحد على علم نفسه، فإنه لا

стр. 6591

يقضي له في ذلك بميراث ولا ولاء، ولا يحلف مع شاهده. وقال سحنون مثله. م/: وقاله الغير في كتاب الولاء. قال بعض شيوخنا القرويين: إنما لم يقض له ابن القاسم في شهادة السماع بالولاء مع المال؛ لأن شهادة السماع في غير البلد يحتمل أن يستفيض ذلك عن رجل واحد، وأما في البلد فتبعد استفاضة ذلك عن رجل واحد، ويقضي في ذلك بالمال والولاء، وذكر أن هذا في كتاب ابن المواز. م/: والذي في كتاب ابن المواز ما قدمنا، فحمل هذا في المدونة على أنه مات بغير البلد ليتفق فيه قول ابن القاسم، وهو تخريج حسن، والله أعلم بما أراد. ومن كتاب الشهادات قال ابن القاسم: وأما إن شهد شاهد واحد على السماع لم يقض له بالمال وإن حلف؛ لأن السماع نقل شهادة، ولا تجوز شهادة واحد على شهادة غيره. قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان أن هذا الميت مولى فلان لا يعلمون له وارثاً غيره لم تتم هذه الشهادة على الولاء حتى يقولوا إنه أعتق أو أعتق أباه، ولا يعلمون له وارثاً غيره، أو يشهدوا على إقرار الميت أن هذا مولاه، أو على شهادة بينة أن هذا مولاه.

стр. 6592

قال أشهب في كتاب الولاء: إن قدر على البينة لم يقض بها حتى يكشفوا عن ذلك، وإن لم يقدر عليهم حتى ماتوا قضى له بالمال وبالولاء. م/: وقول أشهب هذا وفاق لابن القاسم، والحجة في ذلك، وإيعاب هذه المسألة في كتاب الولاء. فصل [٢ - شهادة من يتهم برجوع الولاء له] قال ابن القاسم: وإن شهد لرجل أعماله أن فلاناً الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدع المولى ولداً ولا موالي، وإنما ترك مالاً جازت الشهادة؛ لارتفاع التهمة. وإن ترك ولداً أو موالي يتهمون على جر ولائهم يوماً ما لتعددهم لم تجز. وقد قال مالك في ابني عم شهدا لابن عمهما على عتق، أنهما إن كانا يتهمان؛ لقربهما منه في جر الولاء لم يجز ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهم منه جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهم يوماً ما.

стр. 6593

[الباب الحادي عشر] في شهادة السماع في الأحباس والصدقات والمواريث وغير ذلك [الفصل ١ - الشهادة على السماع فيما قدم عهده من الأحباس وغيرها] ولما لم يكن سبيل إلى وجود البينات على أصول الأشياء عند تقادم الأزمنة، وانقطاع البينة، كانت شهادة السماع في ذلك قاطعة. قال مالك ﵀: والشهادة على السماع في الأحباس جائزة لطول زمانها يشهدون أنا لم نزل نسمع، -قال محمد من الثقات- أن هذه الدار حبس تحاز بحوز الأحباس، وإن لم ينقلوا عن بينة معينين إلا قولهم سمعنا وبلغنا، ولو نقلوا عن قوم عدول معينين أشهدوهم لم تكن سماعاً، وكانت شهادة. قال مالك: وليس عندنا أحد ممن يشهد على أحباس النبي ﷺ وأصحابه إلا على السماع. وسئل مالك عن قوم شهدوا على السماع في حبس على قوم، وأنه يعرف أن من مات منهم لا تدخل في نصيبه زوجته، وتهلك ابنة الميت، فلا يدخل فيه ولدها ولا زوجها.

стр. 6594

فقال: أراه حبساً تاماً، وإن لم يشهدوا على أصل الحبس. قال ابن القاسم: ولو لم يذكروا ذلك كله، وذكروا من السماع ما يستدل به فذلك جائز. قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون ومطرف: تجوز شهادة السماع فيما قدم عهده من الأشرية والحيازات والصدقات وكذا الأحباس والنسب والولاء وشبه ذلك، فيجوز ذلك مع يمين الآخذ، وكلما كثر فيها الشهود كان أحب إلينا، ولو لم يكن إلا شاهدان عدلان جاز، ويقولان: إنا سمعنا سماعاً فاشياً. وقاله مالك. قال مالك في المجموعة: ولم يشهد في صدقة عمر وطلحة إلا رجلان في صدقة كل واحد منهما. قال مطرف وابن الماجشون: وتجوز شهادة السماع في الخمس عشرة سنة ونحوها؛ لتقاصر أعمار الناس. وقاله أصبغ. وكذلك فيما طال زمانه إذا حملها أهل العدل عن أهل العدل. ووجه ذلك أن يقولوا: سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل أن دار فلان لفلان الغائب،

стр. 6595

أو أن فلاناً اشتراها من فلان، وهي حبس. ومن المجموعة قال ابن القاسم: وإذا شهد رجلان على السماع، وفي القبيلة مئة رجل من أشباههم وأسنانهم لا يعرفون شيئاً من ذلك، فلا تقبل شهادتهم إلا بأمر يفشو، ويكون عليه أكثر من اثنين. وأما إن شهد شيخان كبيران، وقد باد جيلهما أنهما سمعا أنها حبس، فذلك جائز، ويكون على المساكين إن لم يسم أحداً. ومن المدونة قال مالك: ومن قامت دار في يديه خمسين سنة أو ستين سنة، وقدم رجل كان غائباً فادعاها، وثبت الأصل له، وأقام بينة أنها لأبيه أو جده، وثبتت المواريث حتى صارت له، وقال الذي في يديه الدار، اشتريتها من قوم قد انقرضوا وانقرضت البينة، وأتى ببينة يشهدون على السماع، فالذي ينفعه من ذلك أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن الذي في يديه الدار، أو واحد من آبائه ابتاعها من القادم، أو من أحد من آبائه، أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا فذلك يقطع حق القادم منها. قال مالك: وهاهنا دور تعرف لمن أصلها بالمدينة قد تداولتها الأملاك، فشهادة السماع على مثل هذا جائزة. قال ابن القاسم: وإن أتى الذي في يده الدار ببينة يشهدون أن هذا الذي في يده

стр. 6596

الدار، أو أحداً من آبائه ابتاعها، ولا يدرون ممن، لم ينفعه ذلك، ولو أقام بينة يشهدون على السماع أن أباه ابتاعها ممن ذكرنا منذ خمس سنين ونحوها، لم ينفعه ذلك، ولا يقبل في مثل هذا القرب إلا ببينة تقطع على الشراء، وإنما تجوز شهادة السماع فيما كثر من السنين وتطاول من الزمان، وإن كان المبتاع حياً؛ لأن شراءه ربما تقادم حتى تمضي له أربعون سنة أو أكثر، فإن لم يأت الحائز ببينة تشهد على علم الشراء في قريب الزمان، على السماع في بعيده، قضى بها للقادم الذي استحقها. [الفصل ٢ - فيمن أقر أنه تسلف من رجل ميت مالاً وقضاه] وقد قال مالك فيمن أقر أنه كان تسلف من فلان الميت مالاً وقضاه إياه: فإن كان يذكر من ذلك حديثاً لم يطل زمانه، لم ينفعه قوله: قضيته، وغرم لورثته، إلا أن؟؟؟ بينة قاطعة على القضاء. وإن طال زمان ذلك حلف المقر وبرئ، -فهذا يدلك على مسألتك في شهادة السماع، إلا أن يكون المقر ذلك على وجه الشكر، يقول جزى الله فلاناً عنا خيراً أسلفني وقضيته، فلا يلزمه في هذا شيء مما أقر به قرب الزمان بعد. م/ يريد: وكذلك إن ذكر ذلك على معنى الذم. م/: وقيل: إن كان ذلك على معنى الذم مثل أن يقول: أساء معاملتي، وضيق على

стр. 6597

حتى قضيته، فإنه يغرم. ولا وجه للفرق بين المدح والذم، والصواب أنهما سواء. قال بعض فقهاء القرويين: إذا قال بعد موته: كان أسلفني قبل موته بعشر سنين، أو ما أشبه ذلك مالاً، وقضيته إياه بقرب ما أسلفني، فالقول قوله؛ لأن الميت لو كان حياً فطال الأمر هكذا، لكان القول قول هذا في الرد؛ إذ الغالب أن المسلف لا يمكن في العادة أن يؤخره إلى مثل هذا الأمد كالبياعات. وأما إذا قال: أسلفني قبل موته بسنة أو سنتين ونحوهما مما يمكن في العادة أن يؤخر السلف إلى مثله، وجب عليه الغرم؛ لأن الميت لو كان حياً فقال: لم أقبضه لحلف وأخذ، وأما قوله: إذا كان على وجه الشكر فالقول قوله قرب أو بعد، فكيف يكون هذا مقراً بعمارة ذمته مدعياً للقضاء! فإذا قيل: لأن ذلك لم يعلم إلا من قوله. قيل: فيلزم هذا، وإن كان غير معنى الشكر، ويجب أن كل من أقر بدين وادعى قضاءه أن القول قوله بيمينه، وهذا لا يقول به أصحابنا. م/: ووجه قول مالك عندي أنه لم يحمله على وجه الإقرار، وإنما حمله على وجه الشكر، ولم يقصد به الإقرار فلذلك لم يغرمه، والله أعلم. ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة السماع في مثل الخمس عشرة سنة، ولا يجوز هذا إلا على القطع. ورواه عن مالك. وقد تقدم أن مطرفاً وابن الماجشون أجازاها في الخمس عشرة سنة؛ لتقاصر أعمار

стр. 6598

الناس. قال ابن المواز: ولا تجوز شهادة السماع لمدعي دار بيد غيره وقد حازها عليه، وإنما تجوز لمن الدار في يديه إذا أثبت الذي يدعيها البينة أنها لأبيه أو جده أو من هو وارثه، ويكون قد أقامت الدار في يد حائزها سنين، فينقطع في مثلها العلم، ولا يجد من يشهد له إلا على السماع أنا لم نزل نسمع من العدول أن الذي في يده الدار أو أحداً من آبائه ابتاعها من القادم، أو من أحد ممن ورثها القادم عنه، فذلك يقطع حق القادم. وأما لو شهدوا أنا سمعنا ممن يقول أو ممن يشهد، أن هذه الدار لجد الحائز بشراء من جد هذا القادم فيها، إلا أنا لا نعرف الذين سمعناهم لم ينفع شيء من ذلك. قال ابن القاسم في المجموعة: فيمن غاب عن دار أو أرض، فدخلها رجل في غيبته، فسكنها زماناً، ثم مات فورثت عنه، ثم أتى الغائب فاستحقها فهو أولى بها، ولا يلتفت إلى ما كان يسمع من الميت فيها فيما يذكر أنه اشتراها. يريد: لأنه قد عرف أصل حيازته لها، وأما إذا لم يعلم أصل الحيازة لها فالحيازة تنفعه. وفي باب الحيازة إيعاب هذا.

стр. 6599

فصل [٣ - شهادة السماع في الأمر الفاشي كالنكاح والموت] ومن العتبية قيل لسحنون: أيشهد في النكاح على السماع؟ فقال: جل أصحابنا يقولون في النكاح: إذا انتشر خبره في الجيران أن فلاناً تزوج فلانة، وسمع الدفاف فله أن يشهد أن فلانة امرأة فلان. وكذلك في الموت يسمع النياحة ويشهد الجنازة أو لا يشهدها، إلا أن القول كثر بذلك من الناس أنا شهدنا جنازة فلان فليشهد فيه أن فلاناً مات، وإن لم يحضر الموت. وكذلك النسب يسمع الناس يقولون: إن فلاناً ابن فلان، ويكثر القول بذلك، فليشهد على نسبه. وكذلك القاضي يولى القضاء، ولا يحضر ولايته إلا بما سمع من الناس، وربما رآه يقضي بين الناس فليشهد أنه كان قاضياً. وقال أصبغ عن ابن القاسم في التي تفتدي من زوجها، ثم يشهد لها قوم بالسماع أن زوجها كان يضربها، فذلك جائز بالسماع من أهله ومن الجيران وشبه ذلك من الأمر الفاشي. قيل: أفيجزئ في هذا شاهد واحد على السماع البين، والأمر المعروف؟ قال: عسى به أن يجوز، وأرى أن يجوز. قيل: أيحلف مع ذلك؟ قال: لا. قيل: فيشهد لها شاهد على البتات بالضرر أتحلف معه؟ قال: كيف يعرف ذلك؟ قال: يقول: سمعته واستبان لي. قال: إن كان هذا يكون فعسى به، وانظر فيه.

стр. 6600

قال أصبغ: هو جائز وإن لم يكن معه غيره، وكان سماعاً قاطعاً وإلا حلفت معه، إن كان سماعه فاشياً منتشراً وإن كان غير قاطع، ويرد ما أخذ منها؛ لأنه مال فتحلف مع شاهدها. والفراق قد مضى بغير ذلك. وقاله ابن القاسم بعد ذلك أنها تحلف مع شاهدها، ويرد عليها ما أخذ منها، وهو مثل الحقوق، وبالله التوفيق. انتهى كتاب الشهادات الأول بحمد الله وحسن عونه ويتلوه كتاب الشهادات الثاني.

стр. 6601

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه كتاب الشهادة الثاني [الباب الأول] جامع القول في الإيمان والنكول عنها [الفصل ١ - فيمن تجب عليه اليمين] روى أن النبي ﷺ قال: «على المدعي البينة»، ولا خلاف في ذلك. وقال ﵇: «وعلى المدعى عليه اليمين»، وقال في حديث ثالث: «بينتك أو يمينه» وروي أنه ﵇ رد اليمين على الطالب في الحقوق، وردها شريح

стр. 6602

والشعبي. وفي حديث القسامة دليل أنه لا يقضي بالنكول دون اليمين، وقد وافقنا في هذا مخالفنا، ولا فرق بينه وبين سائر الدعاوي، ومن ذلك رد اليمين في اللعان. وفي كتاب ابن سحنون، قال سحنون: قال مالك وأصحابه: لا يجب الحق بنكول المدعى عليه عن اليمين حتى يرد اليمين على المدعي فيحلف، ولم يختلف في ذلك أهل المدينة، وبه حكم أئمتهم. [الفصل ٢ - في اليمين مع الشاهد] ومن المدونة قال مالك: ومن أقام شاهداً على رجل أنه تكفل له بما له على فلان، حلف مع شاهده واستحق الكفالة قبله؛ لأن الكفالة بالمال إنما هي مال مثل الجرح الذي لا قصاص فيه، إنما هو مال. قال: ويحاص من قضى له في دينه بشاهد ويمين مع من قضى له بشاهدين. قال مالك: وإذا أقام الطالب شاهداً وأبى أن يحلف معه فله يمين المطلوب، فإن نكل المطلوب غرم ولا يرد اليمين على الطالب؛ لأنه هو ردها. وفي كتاب الديات: إذا أقام شاهداً، وأبى أن يحلف معه، ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أن يحلف، فليس ذلك له.

стр. 6603

وفي كتاب ابن سحنون والمجموعة: ولو رد اليمين على المطلوب فحلف وبرئ ثم أقام الطالب شاهدين بعد ذلك قضي له بهما. قال ابن المواز: ولو كان إنما أصاب شاهداً آخر فليؤتنف الحكم له، ولا يضم إلى الأول، وإنما له أن يحلف معه، أو يرد اليمين ثانية؛ لأن اليمين الأولى إنما أسقط بها المطلوب الشاهد الأول. وقال أحمد بن ميسر: ولا ترد اليمين على المطلوب ثانية؛ لأنه قد حلف عليه مرة. وقال سحنون عن ابن القاسم وابن كنانة أنه إذا وجد شاهداً آخر فلا يحلف معه؛ لأنه ترك موضع حقه بالنكول. قال ابن المواز: ولو كان إنما أقام شاهداً واحداً فيما لا يحلف معه من عتق أو طلاق أو حد فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهداً آخر فإنه يضمه إلى الأول، ويقضي بهما؛ لأنه منع أولاً من اليمين فلم يكن له نكول يسقط به شاهده، وهو كصغير أقام شاهداً فحلف مطلوبه وأخر، ثم وجد شاهداً آخر، فإنه يحكم بهما. قال ابن سحنون: قال ابن كنانة عن مالك: وكذا من أقام شاهداً بحق عند القاضي وكان ممن لا يرى الحكم بالشاهد واليمين، فلم يحكم له بشيء، ثم وجد بعد شاهداً آخر، فإنه يقضي له بحقه، ونحوه في كتاب الأقضية. [الفصل ٣ - في المطلوب يحلف ثم يجد الطالب بينة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان بينه وبين رجل خلطة فادعى عليه بحق له واستحلفه فإن حلف برئ، وإن نكل لم يقض عليه الإمام للطالب حتى يرد اليمين عليه، فإن جهل المطلوب أن يسأله ردها فعليه أن يعلمه بذلك، ولا يقضي حتى يردها، فإن نكل

стр. 6604

الطالب فلا شيء له، وإذا حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها قضى له بها. قال ابن الماجشون في الواضحة: كانت يوم حلفه حاضرة أو غائبة بعد أن يحلف بالله العظيم أن ما علم بها. ومن المدونة: وإن استحلفه عالماً ببينته تاركاً لها، وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له، وإن قدمت بينته. وكذلك عن مالك في كتاب ابن سحنون. وروى عنه ابن وهب أن عمر بن الخطاب اختصم إليه يهودي يدعي على مسلم، فدعاه بالبينة، فقال: ما تحضرني اليوم بينة، فأحلف له المطلوب، ثم جاءه المدعي بعد ذلك بالبينة، فقضى له بها. وقال: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة. وقاله شريح ومكحول والليث. م/ واستحسن بعض فقهائنا القرويين إن كان أمر البينة يطول عند القضاة، ويشتد على الخصم ذلك، أن له أن يحلف خصمه، لعله ينكل فيستغني عن التكلف في ذلك، فإن حلف له كان له القيام ببينته، كما إذا كانت بينته غائبة بعيدة الغيبة، أن له أن يقوم بها إذا

стр. 6605

قدمت بعد أن حلف خصمه. وقال مالك فيه وفي العتبية من رواية أشهب فيمن قضى ديناً عليه، وأشهد بينة على القضاء، ثم طولب به، فقال: قد دفعته إليك بشهادة فلان، فأحلف فحلف له، وأراد أن يقيم البينة أنه قضاه، قال: ذلك له، ويسمع منه قال ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك: فإذا حلفه وبينته حاضرة، وهو عالم بها، فله القيام بها بعد ذلك. وقاله أشهب في غير كتاب. ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: ولو حلف المطلوب فنكل، فردت اليمين على المدعي، فحلف وأخذ، ثم وجد المدعى عليه بينة تشهد ببراءته من ذلك الحق فليقم بها، ويبرأ ويرجع إلى ما أخذ منه فيأخذه، ولو أن المدعي حين ردت عليه اليمين نكل، فلم يقض له بشيء لنكوله، ثم وجد بينة على دعواه، فإنه يأخذ ببينته. قال أصبغ: وهذا الذي لا أعرف غيره من قول أصحابنا. وقال به ابن حبيب، وهو أشبه بقول عمر بن الخطاب: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة. قال مطرف وابن الماجشون: ولو حلف المطلوب فحلف وبرئ، ثم وجد المدعي شاهداً فلا يحلف معه، ولا يقضي له هاهنا إلا بشاهدين؛ لأنه لا يسقط يميناً قد درئ بها حق، بيمينه مع شاهده، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.

стр. 6606

ومن المدونة قال مالك: وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قدمت بينتي قمت بها، نظر الإمام في ذلك، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة، وخاف تطاول الأمر وذهاب الغريم، أحلفه له، وكان له القيام ببينته إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.

стр. 6607

[الباب الثاني] ما يوجب الإيمان من خلطة أو ظنة أو غيرها [الفصل ١ - إيجاب اليمين بالخلطة] قال مالك: ولا يلزم المدعى عليه يمين حتى يكون بينه وبين المدعي خلطة. وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز، وقاله السبعة من فقهاء التابعين. قال سحنون: حدثني ابن نافع عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، إذا كان بينهما خلطة». قال سحنون: ولا تجب اليمين عندنا إلا بخلطة، أو يكون المدعي مريضاً؛ لأنه أقرب ما يكون إلى الصدق، أو يكون المدعى عليه متهماً غير مأمون فيما ادعى عليه، فإن اليمين تعلق بالمتهم، وتكون مثل الخلطة. واحتج بقول مالك في التي ادعت أن فلاناً استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك، نظر فيه الإمام؛ لأن التهمة توجب ما توجب الخلطة. قال أصبغ: خمسة عليهم الإيمان بلا خلطة، الصانع، والمتهم بالسرقة،

стр. 6608

والرجل يقول عند موته أن لي عند فلان ديناً، والرجل يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل وإن كان المدعى عليه عدلاً، وكذلك من ادعى عليه رجل غريب نزل في مدينة أنه استودعه مالاً. فصل [٢ - في الخلطة التي توجب اليمين] ومن العتبية قال أصبغ: قيل لابن القاسم: ما الخلطة التي توجب اليمين؟ قال: يسالفه ويبايعه ويشتري منه مراراً، فإن تقابضا في ذلك الثمن والسلعة وتفاصلا قبل التفرق فهي خلطة، فأما إن اشترى منه مرة ثم يأتي فيبيعه، فليس له بذلك يمين حتى يبايعه مراراً. وقاله سحنون. قال: ولا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بينهما، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بعض لم يكن ذلك خلطة حتى يقع البيع بينهما. قال: وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والأنس والحديث، فليس هذا كله خلطة توجب اليمين في الدعوى. قال يحيى بن عمر: وأما الصناع فعليهم اليمين لمن ادعى عليهم في صناعتهم، وإن لم يأت بخلطة؛ لأنهم منصوبون للناس. قال ابن المواز: ومن ادعى على رجل بحق، فأنكر أن يكون جرت بينهما مخالطة، ولا بينة له على الخلطة. قال: لا يمين له عليه حتى يقر بمخالطته، أو يقيم المدعى بينة بمخالطته، وكذلك إن ادعى عليه كفالة، فلا يحلفه إن لم يكن بينهما مخالطة. قال: وإن أقام المدعي بالخطلة شاهداً حلف المدعي، وثبتت الخلطة، ثم يحلف حينئذ المدعى عليه. وقال ابن كنانة في المجموعة: شهادة رجل واحد وامرأة واحدة توجب اليمين أنه خليطه. وروى ابن القاسم عن مالك فيمن أقام شهوداً عدولاً على رجل بحق، فأقام

стр. 6609

الرجل بينة أنهم معادون له، فسقطت شهادتهم، فهم كمن لم يشهدوا، وكأنه رأى أن لا يحلف، وكذلك عنه في العتبية. وقال سحنون فيها: لا يحلف. ومن سماع عيسى قال مالك: كل من شهد فردت شهادته؛ لأنه متهم أو غير عدل، فلا يمين على المشهود عليه. قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل يحلف. قال ابن المواز: إذا سقطت الدعوى بسقوط البينة فلا يمين له عليه. قال أشهب: وكذلك في سائر البينات إذا كذب بعضهم بعضاً، واستووا في العدالة، وإذا كانت بينهما خلطة فانقطعت، لم يحلف إلا بخلطة مؤتنفة. قال ابن حبيب: تفسير الخلطة أن تشهد له بينة أنه كانت بينهما مخالطة وملابسة في حق لا يعلمون له انقضاء. [الفصل ٣ - ما يراعى فيه الخلطة] م/: واختلف فقهاؤنا المتأخرون فيما يراعى فيه الخلطة فقال بعض مشايخنا، وحكاه عن ابن مناس، وقاله غير واحد من القرويين إنما تراعى الخلطة فيما يتعلق بالذمم من الحقوق والأشياء المستهلكة، وأما الأشياء المعينة يقع التداعي فيها بينهما فاليمين واجبة في ذلك من غير خلطة، وعلى هذا جرت مسائل المدونة أنه لم يراع في الأشياء المعينة

стр. 6610

خلطة، من ذلك مسألة كتاب الشفعة إذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع، قال: يتحالفان. ومن كتاب السرقة: إذا ادعى السارق شراء الشيء الذي سرقه، قال: يحلف له ربه أنه ما باع، وكذلك في كتاب القذف إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها من ربها قال يحلف له السيد، ولم يذكر في ذلك كله خلطة. ووجه ذلك أن الحديث ورد مجملاً "على المدعى عليه اليمين" فحكم العلماء بالخلطة في الأشياء المتعلقة بالذمة استحساناً، وإبقاء ما سواه على أصله؛ لظاهر الحديث في إيجاب اليمين على المدعى عليه، والله أعلم. قال بعض مشايخنا من أهل بلدنا: لا تجب اليمين إلا بخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، إلا في مثل أن يعرض الرجل سلعته في السوق للبيع، فيأتي رجل فيقول له: قد بعتها مني. فمثل هذا تجب له يمينه من غير خلطة؛ لأنه عرضها لما ادعى عليه فيه، فصارت تهمة توجب عليه اليمين. م/: وهذا القول أشبه بالمذهب لما رواه علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة» فهو على عمومه في المعين وفي غير المعين.

стр. 6611

وكذلك ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا كله، والفقهاء السبعة، أنهم رأوا الخلطة بين المتداعين مجملاً من غير تفصيل. [الفصل ٤ - وجه مراعاة الخلطة] ومن طريق النظر أن الخلطة إنما جعلت للضرورة التي تلحق الناس بالإيمان؛ لأن الإقدام على اليمين يشق ويصعب على أهل المروءات والديانات، وذوي الأقدار من الرجال والنساء، وهي على النساء عندنا أشد حتى أن أكثر هؤلاء يبذل ما ادعى عليه فيه افتداء من يمينه. وقد فعله عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر افتديا من اليمين فيما ادعى عليهما، ولا شك في صدقهما وكذب من ادعى عليهما، فلو وجبت اليمين لمجرد الدعوى في المعينات من غير سبب يقارنها لأضر ذلك بالناس، لاسيما أهل المروءات والديانات، وتسلط عليهم بدعاويهم الدناءة. فإذا علم أن بينهما خلطة قويت الدعوى، ووجب قبولها، ولزمت اليمين. وعند أبي حنيفة والشافعي أن المدعي عليه يحلف على كل وجه. واحتجوا بقوله ﵇: «البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه» فعم،

стр. 6612

ولم يعتبروا مخالطة، وقالا: ولو أنا لم نقبل دعواه، ولم نوجب له اليمين إلا بعد الخلطة، لأدى ذلك إلى تضييع حقوق الناس، ولكلف كل من يريد معاملة مشقة الإشهاد. فالجواب أن القصد منه في الحديث إبانة من تكون البينة في جانبه، واليمين في حيزه. م/ وقد روينا نحن حديثاً مفسراً أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إذا كان بينهما خلطة، فهو يقضي على المجمل. وقاله علي بن أبي طالب، وهو إمام صاحب لا مخالف له. وقاله عمر بن عبد العزيز والسبعة من فقهاء التابعين. وأما ما ذكروه من تضييع حقوق الناس، وتكليف مشقة الإشهاد، فالمشقة التي تلحق المدعى عليه أشد؛ لذهاب ماله بالافتداء من اليمين، وهو لا يستطيع التحرز من الدعوى، كما يستطيع المدعي التحرز من ذهاب ماله بالإشهاد، وترك ما ندبه الله إليه من الإشهاد فوجب أن يغلظ عليه. م/: وبعض هذا الكلام لعبد الوهاب، وبالله التوفيق.

стр. 6613

[الفصل ٥ - مراعاة الخلطة في دعوى الكفالة والدين والغصب والاستكراه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ادعى قبل رجل كفالة، ولا خلطة بينهما، فلا يمين عليه. وقد قال مالك فيمن باع سلعة من رجلين، وقبض من أحدهما حصته، ثم لقي الآخر فقال له: قد دفعت إلى صاحبي ليدفع إليك، فسأل صاحبه فأنكر، فأراد يمينه، فلم ير مالك هذه خلطة توجب اليمين. قال بعض فقهاء القرويين: إنما لم يحلفه مالك؛ لأنه إنما قال له: إن الذي اشترى معك قال لي: إنه دفع إليك ما لي عليه لتوصله إلي؛ فهذا لا ينبغي أن يحلفه، ولو كان بينه وبينه خلطة؛ لأن ما ادعى عليه لم يثبت أن المشتري معه قاله، ولو ثبت أن المشتري قال ذلك لانبغى أن يحلفه، ولو لم تكن بينهما خلطة. وقد وقع في كتاب محمد أن هذه خلطة، ولم يحلفه لهذا المعنى الذي ذكرنا، وفي هذا الذي ذكر نظر؛ لأنه إذا لم يكن بينه وبين المشتري خلطة إلا هذا الشراء لم يكن للبائع منهما على هذا يمين. فقول المشتري معه أنه دفع إليه حصته من الثمن ليوصله إلى البائع منهما، كما لو ادعى عليه المشتري معه أنه دفع إليه حصته من الثمن ليوصله إلى البائع منهما؛ لأن شراءهما جميعاً هذه السلعة ليست بخلطة توجب بينهما اليمين في

стр. 6614

الدعاوى فانظر. قال: والمعتبر في دعوى الكفالة أن يكون بين مدعي الدين وبين من ادعى الكفالة خلطة، وإن لم تكن بين المدعي والمدعى عليه الدين خلطة؛ لأن الذي له الدين يقول: إنما وثقت بمبايعة من لا أعرف بكفالتك أنت فله عليه اليمين. ومن ادعى قبل رجل ديناً أو غصباً أو استهلاكاً في متاع، فإن عرف بمخالطته في معاملة، أو علمت تهمة فيما ادعى عليه من التعدي والغصب نظر فيه الإمام. فإما أحلفه، أو أخذ له كفيلاً حتى يأتي بالبينة، فإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له السلطان. وقد قال مالك في امرأة دعت أن فلاناً استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه نظر فيه الإمام.

стр. 6615

[الباب الثالث] جامع دعوى النكاح والطلاق والعتق والنسب والملك وغير ذلك [الفصل ١ - في دعوى النكاح] قال ابن القاسم: ومن ادعى نكاح امرأة وأنكرت، فلا يمين عليها، كما لو ادعت امرأة أن زوجها طلقها لم يكن عليه يمين. ولو أقام مدعي النكاح شاهداً لم يكن على المرأة يمين، ولا تحبس له، ولا يثبت النكاح إلا بشاهدين. قال بعض القرويين: وقد وقع في كتاب محمد أنها تحلف، ولم يذكر لو أقامت عليه شاهداً واحداً هل تحلف ويكون لها نصف الصداق؛ لأن إنكاره كالطلاق منه، وقد اختلف فيمن أقامت عليه شاهداً، أو أقام عليها شاهداً بعد الموت: فابن القاسم يقول: يحلف ويرث. وأشهب يقول: لا يصح الميراث إلا بعد ثبات النكاح، والنكاح لا يثبت إلا بشاهدين. قيل: إنما يحلف الزوج إذا لم يورث بقرابة أو ولاء، كالولاء إذا لم يكن له وارث بنسب أو ولاء غير هذا الذي أقام شاهداً. [الفصل ٢ - دعوى الطلاق] وأما إن ادعت المرأة أن زوجها طلقها لم يحلف الزوج، إلا أن تقيم المرأة شاهداً أو امرأتين ممن تجوز شهادتهم لها في الحقوق فليحلف الزوج. قال مالك: ويحال بينها وبينه حتى يحلف أو يطلق، فإن نكل طلقت عليه مكانها، واعتدت من يوم الطلاق.

стр. 6616

وروي عنه أنه يحبس أبداً حتى يحلف أو يطلق. وري عنه إذا طال سجنه دين وترك والطول سنة. وبه أخذ ابن القاسم. [الفصل ٣ - دعوى العتق] قال مالك: وإذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه فلا يمين له عليه، ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد إلا حلف سيده ولا امرأة إلا حلفت زوجها كل يوم. وإن أقام العبد شاهداً أو امرأتين ممن تقبلان في الحقوق مثل ألا تكونا من الأمهات والبنات والأخوات، أو ممن هو منها بظنه، فإنه لا يحلف العبد ولا المرأة، ولكن يحلف السيد والزوج، فإن نكل السيد عق العبد ثم رجع. فقال: يسجن أبداً حتى يحلف. ثم قال: إن طال سجنه دين وترك، والطول سنة كما قلنا في دعوى المرأة في الطلاق. ومن العتبية قال مالك في العبد أو الأمة يذكر أنه حر الأصل، ويذكر أن له بينة غائبة، فلا يقبل ذلك منه إلا أن يأتي بوجه يشبه الحق، مثل شاهد عدل، فليؤمر السيد أن يكف عن خدمة العبد، ووطء الأمة، إن كان مأموناً، وإلا جعلت بيد امرأة، ويضرب لها وللعبد أجل شهرين أو ثلاثة ليأتيا بمنافعهما، والنفقة على المشتري، ولا يردا على البائع بقولهما، ولا يلزمهما شيء من النفقة في استبراء ذلك. فإن صح ما قالا رجع بالثمن فقط على البائع.

стр. 6617

وسأله ابن غانم في العبد يدعي الحرية وأن له بينة بموضع كذا فطلب سيده منه حميلاً والعبد لا يجد ذلك. قال: إن جاء بلطخ أو شبهة أمكنه من الخروج ليأتي ببينة. قال في كتاب ابن حبيب: بعد أن يأخذ منه حميلاً لسيده، فإن لم يأت بحميل فاطرحه في السجن، ووكل من يقوم بأمره، واكتب أنت إلى الموضع الذي ذكر العبد أن فيه بينة، وهذا إذا ثبت للسيد ملكه إياه وحوز له، وإن لم يثبت ذلك حيل بينه وبينه؛ لإنكار العبد الرق. [الفصل ٤ - دعوى النسب] ومن المدونة: والأمة تدعي أن سيدها أولدها فهو كدعواها العتق لا يقبل منها إلا أن تقيم الأمة رجلين على إقرار السيد بالوطء، وامرأتين على الولادة، فتصير أم ولد، وثبت نسب ولدها إن كان هو معها، إلا أن يدعي السيد استبراء بعد الوطء. وإن أقامت شاهدين على إقرار السيد بالوطء وامرأة على الولادة أحلفته، وكذلك لو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة أحلفته كما يحلف في العتق. م/: قال بعض القرويين: وقيل: لا يحلف. قال في المدونة: ولو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء وامرأة على الولادة، فلا يمين على السيد. وقيل: يلزمه اليمين.

стр. 6618

م/: وقال بعض فقهاء القرويين: إنها إذا أتت بالولد، وأقامت على إقراره بالوطء امرأتين لم يحتج إلى إقامة امرأتين على الولادة؛ لأن البينة إذا شهدت بإقراره بالوطء صار كمن ثبت أنه وطئ، فإنه يكون القول قولها أنها ولدت هذا الولد. ولو أقامت رجلين على إقراره بالوطء وأتت بالولد لكان بينا أن يلحق به، وأما امرأتان على إقراره بالوطء فهو كإقراره عند رجل؛ لأن هذا ليس موضع ضرورة فتقبل شهادة المرأتين بغير يمين فانظر. قال: وإنما أحلفه مع امرأتين على الولادة لعدم الولد؛ لأنها تقول ولدته ومات. م/: إنما أحلفه في هذا إذا لم يثبت إقراره بالوطء إلا برجل، ولو ثبت برجلين لم يحلفه مع شهادة المرأتين على الولادة. قال: وقد وقع في ظاهر لفظ الكتاب خلاف ما تأولناه، وهو قوله: ويثبت نسب ولدها منه إن كان معها ولد، وهي قد أقامت رجلين على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة، وهذا أمر لا يجب عليه؛ إذ لو ثبتت الولادة لكان القول قولها. م/: ولم يذكر قوله: ويثبت نسبه منه إن كان معه ولد على سبيل الشرط، وإنما قال: تكون بشهادة الرجلين على الإقرار بالوطء والمرأتين على الولادة أم ولد إن كان معها ولد ثبت نسبه. وأما هي فإنها أم ولد كان معها ولد أو لم يكن. قال: ثم قال في الكتاب: إلا أن يدعي الاستبراء فهذا لا يمكن مع إنكاره الوطء إلا أن

стр. 6619

يكون معنى الكلام أنه لم ينكر الوطء دفعة، وإنما أنكر الوطء الكائن منه هذا الولد فلهذا وجه، وإذا حلف ثم وجدت المرأة شاهداً آخر ضمته إلى الشاهد الأول إن كان مقيماً على العدالة يوم شهد الثاني، وإن فسدت أحواله لم يلفق إلى الثاني؛ لأنه اليوم يقع الحكم فينظر في جرحته وعدالته. ومن المدونة قال مالك: ومن ادعى أن فلاناً والده أو ولده فأنكر فلا يمين له عليه. م/: معناه أن الولد كبير، ولو كان صغيراً لجاز استلحاقه إذا لم يعرف كذبه. [الفصل ٥ - دعوى الملك] قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل أنه عبده لم يحلفه، وإن جاء بشاهد حلف معه واسترقه. وقد قال مالك فيمن أعتق عبده، ثم قضي على السيد بدين تقدم على العتق بشاهد أن رب الدين يحلف مع شاهده ويرد العتق، وكذلك مدعي العبد يسترقه بالشاهد مع يمينه. قال مالك: ولو شهد رجلان على رجل أنه أمرهما أن يزوجاه أو يبتاعا له بيعاً وأنهما فعلاً وهو ينكر لم تجز شهادتهما؛ لأنهما خصمان، ولو أقر لهما بالوكالة وقال: لم تفعلا، وقالا: قد فعلنا لكان القول قولهما. ولو شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده،

стр. 6620

والعبد والسيد ينكران فالعبد حر، وليس له أن يرق نفسه. ولو رد القاضي شهادتهما عليه بجرحة أو غيرها، ثم اشتراه أحدهما فإنه يعتق عليه حين اشتراه. وجميع مسائل هذا الباب التي من المدونة قد تقدمت في كتاب العبيد، وكتاب النساء، وهناك زيادة فيها فأغنى عن إعادتها، وبالله التوفيق.
следующие страницы →