Полный текст (9 651 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
وفاء لديونه، أي لدين الباقين. يريد: إذا هلك ذلك بيد الورثة ببينة، أو كان مما لا يغاب عليه، وإلا فهم ضامنون.
[الفصل ٤ - إذا باع الورثة مال الميت وقضوا دينه وفضلت فضلة بأيدهم
ثم قدم غريم فإنه يتبع الورثة ولا يتبع الغرماء]
قال ابن القاسم: وإذا باع الورثة مال الميت وقضوا ديونه، وفضلت فضلة بأيديهم، ثم قدم غريم فإنما يتبع الورثة، ولا يتبع الغرماء إن كان في الفضلة تمام دينه، وجد الورثة أملياء أو عدماء، ومن وجد منهم ملياً أخذ مما صار بيده ما بينه وبين تمام حقه، ثم يرجع هذا الوارث على بقية الورثة بما يجب له، وإن لم يكن فيما فضل كفاف دين القادم أتبع الورثة بمثل الفضلة، وأتبع الغرماء ببقية منابته في الحصاص أن لو حضر. وتفسير ذلك: أن تكون التركة مئتين وخمسين، والدين ثلاث مئة، لثلاثة رجال، لكل منهم مئة، وأحدهم غائب لم يعلم به، فأخذ الحاضران مئتين، والورثة خمسين، ثم قدم الغائب فقد علمت أنه لو حضر لنابه في الحصاص ثلاثة وثمانون وثلث، فله خمسون منها في ذمة الورثة، وتبقى ثلاثة وثلاثون وثلث يرجع بها على الغريمين بينهما نصفين. ولو ذهب ما بيد الورثة ببينة بأمر من الله لرجع على الغريمين بثلاثة وثلاثين وثلث بينهما نصفين، كما ذكرنا، ثم إن طرأ للميت مال رجع الطارئ فيه يجمع ما بقي له، بالخمسين والسبعة عشر غير ثلث، ويرجع فيه كل واحد من الغريمين الأولين بسبعة عشر غير ثلث.
[الفصل ٥ - فيمن فلس فوجد له مال قضي منه غرماءه، وأوقف الباقي فهلك في
الإيقاف، أو سلم إلى المفلس فأتلفه، ثم طرأ غريم فعلى من يرجع؟]
ووقع في كتاب ابن حبيب: فيمن فلس فوجد له ألف ومائة، فأخذ غرماؤه الألف، وأوقفت المئة، فهلكت في الإيقاف، فهي منه، أوسلمت إليه فأتلفها، ثم طرأ غريم له
стр. 6757
مئتان، قال: إن تلفت في الإيقاف فهي من الطارئ، وإن أنفقها المفلس فهي في ذمته لا يرجع بشيء منها على الأولين.
وأما المئة الأخرى فيرجع بها عليهم في الوجهين على أن يحاصهم فيما قبضوا بجزء من أحد عشر.
م/: والصواب أن يحاصصهم بالمئتنين، كما لو كانت المئة الذاهبة حاضرة، فما وقع له على ذلك، وهو مئتان إلا سدس مئة، فيحسب عليه أنه قبض مئة، ويدفعون إليه خمسة أسداد مسة.
وعلى ما قال ابن حبيب: يدفعون له إحدى وتسعين إلا جزءاً من أحد عشر؛ لأنه لم يدخل المئة التي كانت أوقفت له بالحصاص، وذلك غلط.
وقال أصبغ: إنما يكون ما أوقف من الطارئين في الموت؛ لانقطاع ذمته، وأما من له ذمة قائمة فحق الطارئين في ذمته، ولا يحسب عليهم ما هلك، كما لو حضروا وأبوا القيام فهلك ما بيع لهم في الإيقاف لكان ضمالن ذلك ممن قام بتفليسه دون من أبى أن يقوم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كانت التركة كفاف دينها فقضاهما لرجع
стр. 6758
عليهما بحصاصه، وإن ألفاهما عديمين أتبع ذمتهما ولم يتبع من قضاهما من الورثة أو الوصي بشيء إن قضوهما ولم يعلموا بدينه. قالا: ويحاصص من قضى له في دينه بشاهد ويمين من قضي له بشاهدين.
فصل [٦ - في الورثة يبيعون التركة ويستهلكون ثمنها ثم تطرأ ديون على الميت]
وإذا باع الورثة التركة فأكلوا ذلك واستهلكوه ثم طرأت ديون على الميت، فإن كان الميت يعرف بالدين فباعوا مبادرة لم يجز بيعهم، وللغرماء انتزاع عروضهم من يد من هي بيده، ويتبع المشتري الورثة بالثمن.
قال في كتاب محمد: إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما نمى أو نقص بأيديهم يوم قبضوه فذلك لهم ويرجعون على الورثة بالثمن.
قال في المدونة: وإن لم يعرف الميت بالدين، وباعوا على ما يبيع الناس أتبع الغرماء الورثة بالثمن، كان فيه وفاء أو لم يكن، ولا تباعة على من ذلك المال بيده.
م/: يريد ما لم يحابوا، وإن كانوا عدماء أتبعهم دون المشتري.
ومنغير المدونة قال مالك: فيمن هلك وترك ألف دينار، وعليه مئتان دينار، فباع الورثة بعض التركة لأنفسهم، وقالوا: فيما ترك أكثر من دينه. فهلك ما
стр. 6759
بقي، أن بيعهم لا يجوز؛ لعلهم، وأنهم إنما باعوا لأنفسهم.
[الفصل ٧ - في الوصي يتجر بمال اليتامى ثم يطرأ غريم على الميت]
ومن العتبية قال ابن القاسم: فيمن ترك بنين صغاراً وأوصى بهم رجلاً، وترك ثلاثمئة دينار، فتجر لهم فيها الوصي فصارت ستمئة، ثم طرأ علىلميت دين ألف دينار أن الستمئة تؤدي كلها في الدين؛ لأنه لو أنفق عليهم المال لم يضمنوه، ولو أن الورثة كبار لا يولى عليهم فنجروا في التركة وربحوا فليس عليهم إلا رأس المال، لهم النماء وعليهم النقصان.
[مسألة: في ضياع دين الغريم بعد عزله من التركة]
ومن المدونة: وإذا عزل الورثة دين الغريم واقتسموا ما بقي ثم ضاع ما عزلوه لم يضمنه الغريم، ويرجع عليهم فيما قبضوه، ولو عزل القاضي، ثم قسم الباقي بين الورثة كان ضياع ذلك ممن أوقف له.
[الفصل ٨ - في هلاك مال المفلس في إيقافه من قبل الإمام]
ومن غير المدونة: وإذا أوقف الإمام مال مفلس ليقضيه غرماءه فهلك في مدة إيقافه، فروى أشهب عن مالك أن ذلك من المفلس، عيناً كان أو عرضاً.
وروى ابن القاسم عن مالك في العرض وشبهه أنه من المفلس، وأما العين فمن الغرماء، وبه قال ابن القاسم.
وروى ابن الماجشون عن مالك أن العين والعرض من الغرماء من حضر منهم أو غاب ومن علم أو لم يعلم العين بوزنه والعرض بقيمته، وشبهه بالثمن يهلك في
стр. 6760
المواضعة فيكون ممن تكون له الأمة، وبه قال.
م/: فوجه قول ابن القاسم: أن العرض لما كان للمفلس نماؤه كان عليه تواؤه، وأما العين لما لم يكن فيه نماء كان من الغرماء.
ووجه قول أشهب: أن الجميع كان في ذمة المفلس، فلا يزول عنها حتى يصل إلى الغرماء، وابن الماجشون فقد وجه قوله. والله الموفق للصواب.
стр. 6761
[الباب الثالث]
في قضاء المريض بعض غرمائه وإقراره بدين أو بقبضه
أو يوصي بتأخيره وفي رهن المديان وفي قضائه وبيعه وإقرار بعض
الورثة بدين وتأخير أحد الشريكين للغريم بحصته
[الفصل ١ - في قضاء المريض بعض غرمائه وإقراره بدين أو بقبضه]
قال مالك ﵀: وإذا مرض رجل -قال أصبغ- مرضا مخوفا، وعليه دين فليس له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض؛ لأن قضاءه الساعة على وجه التأليج، فإذا فعل لم يجز ذلك إذا كان الدين يستغرق ماله.
وقال غيره: المريض لم يحجر عليه في التجارة. وهو كالصحيح في تجارته وفي إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه.
م/: يريد: فكذلك قضاؤه جائز. وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال إسماعيل القاضي: لا يجوز قضاؤه إلا أن يكون عنده كفاف الدين فأكثر.
ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز إقرار المريض لبعض الورثة بدين؛ لأنه كوصية
стр. 6762
لوارث، وأما إن أقر لزوجته بدين أو مهر فإن لم يعرف منه إليها انقطاع وناحية، ولعل له ولداً من غيرها فذلك جائز، وإن عرف بانقطاع إليها ومودة فيها وقد كان بينه وبين ولده تفاقم، ولعل له منها ولداً صغيراً فلا يجوز إقراره.
قيل لابن القاسم: أفغيرها من الورثة بهذه المنزلة فيمن له منه انقطاع أو بعد؟
قال: لا. وإنما رأى ذلك مالك في الزوجة؛ لأنه لا يتهم أحد إذا لم يكن له منها ولد، ولم يعرف بانقطاع مودة إليها أن يقر إليها بماله عن ولده.
قال مالك في غير المدونة: وكذلك الزوجة إذا أقرت يقبض الرهن من زوجها في مرضها لا يجوز، إلا أن يكون لها ولد من غيره، وكان بينها وبين زوجها تفاقم فيجوز.
قال في المدونة: وأما إن ورثة إخوته أو بنوه فلا يجوز إقراره لبعضهم.
م/: قال بعض أصحابنا: والفرق بين الزوجين وبين غيرهما من سائر الورثة أن الورثة في الظنة أقوى؛ لأن سببهم باق غير منقطع، وسبب الزوجين منقطع بالموت والطلاق، والله أعلم.
قال بعض فقهاء القرويين: لا فرق بين إقرار أحد الزوجين لصاحبه، ولا بين
стр. 6763
إقراره لسائر الورثة.
[الفصل ٢ - في إقرار الأب في مرضه لولده العاق على البار]
قال: وقد ذكر الاختلاف في كتاب محمد في إقرار الأب في مرضه لولده العاق على البار، فأجازه مرة ولم يجزه أخرى، ولم يذكر خلافاً في إقراره لأحدهم إذا تساووا عنده في الدرجة، وذكر في شهادته لبعضهم على بعض إذا تساووا عنده اختلافاً، وكذلك ينبغي أن يكون في إقراره لبعضهم في مرضه مع تساويهم في الدرجة؛ إذ لا يتهم في هذا الإقرار. وقد اختلف في إقراره لبعض العصبة إذ ترك بنات وعصبة فأجيز؛ لأن الذي يخرجه عن بعض العصبة مثله يخرج عن ابنته فلا يتهم، وقيل: لا يجوز. والأشبه أن إقرار المريض إنما منع لإيثاره من يقر له، فإذا ظهر أنه لا تهمة عليه فيمن آثره على من بقي جاز إقراره.
م/: وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال: وأصل هذا قيام التهمة فيمن يقر له، فهي العمدة في ذلك. قال: إلا أن يكون لمنيتهم عليه دليل على تصديق الميت في إقراره. كما قال: في الأخت التي كانت اقتضته، وكولده الصغير الذي كان يعرف له ميراثاً ورثة فيقر له أبوه في مرضه أن هذه الدار، وهذه الدابة، أو هذا العبد كان اشتراه له بما ورثه، وأن له عندي من ماله كذا، فإن كان ما يذكر صدق لعلمنا بأصل ذلك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ترك ابنته وعصبة يرثونه بقرابة أو ولاء فأقر لهم
стр. 6764
بمال فذلك جائز، ولا يتهم أن يقر إلى العصبة دون الابنة، وأصل هذا قيام التهمة، فإذا لم يتهم بمن يقر إليه دون من يرث معه جاز إقراره، فهذا أصل ذلك. ومن أقر في مرضه بدين لصديق ملاطف أو لزوجته، وعليه دين ببينة يغترق ماله فلا يقبل قوله، وإن لم يكن عليه دين جاز إقراره للصديق الملاطف إن ورثه ولده.
قال سحنون: وإن ورثه كلالة لم يجز إقراره له بثلث ولا غيره، وتجوز الوصية له في الثلث ورثه ولد أو كلالة.
قال ابن القاسم: ويجوز إقرار المريض يقبض الدين إلا من وارث، أو ممن يتهم بتأليج إليه، وكذلك لا يجوز إقرار الزوجة يقبض مهر مؤجل من زوجها في مرضها. وإذا أوصى المريض بتأخير دين له على رجل قد حل، ولا يحمله الثلث، أو هو جميع ماله خير الورثة بين التأخير أو القطع له بثلث جميع التركة، كما لو أوصى له بمائة دينار يعمل بها سنة، ولا مال له غيرها فلم يجزه الورثة أنه يقطع له بثلثها.
وفي كتاب التفليس شيء من إقرار المريض.
فصل [٣ - في رهن المديان وبيعه وشرائه]
قال مالك: ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء.
وقد كان روي عن مالك خلاف هذا، وقاله عبد العزيز: إن الغرماء يدخلون معه،
стр. 6765
وليس ذلك بشيء، والقول الذي سمعت أنا منه عليه جماعة الناس، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، سواء قام بقية غرمائه بإثر ذلك، أو تأخر قيامهم، إذا كان يبيع ويتاجر الناس، فبيعه وقضاؤه ورهنه جائز.
م/: لم يختلف قوله في بيعه وشرائه أنه جائز، وإنما اختلف قوله في رهنه في ابتداء بيع ابتاعه، وقضائه لدين تقرر في ذمته، والصواب أنه جائز لأنه ليس بمتعمد، والغرماء عاملوه على أنه يبيع ويشتري ويقضي.
ابن حبيب: قال ابن القاسم: وكذلك لو فطن المقتضي باستغراقه، وبادر الغرماء، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تساووا كلهم في تفليسه، ولم يرفعوه ثم جاء بعضهم إليه فقضاه، فهذا يدخلون معه.
وقال أصبغ: لا يدخلون معه، وبه أقول.
قال ابن ميسر: إقراره ما دام قائم الوجه منبسط اليد في ماله جائز، واستحسن إذا قرب من تفليسه، وخاف قيام الغرماء فأقر لمن يتهم عليه من ولد أو والد، فأنا أبطل إقراره، واراه تأليجاً، وأما إقراره لأجنبي فجائز.
وفي كتاب التفليس شيء من هذا.
стр. 6766
[الفصل ٤ - في إقرار المديان بدين لمن يتهم عليه]
ومن كتاب المديان قال مالك: ومن كان عليه دين لأجنبي ببينة يغترق ماله فلا يجوز إقراره بدين لصديق ملاطف، أو لزوجة، أو لغيرهما أو ورثته.
وقال مالك: فيمن عليه دين يغترق ماله فأقر لاخت له بدين فلا شيء لها، إلا أن تكون لها بينة على أصل الدين، أو تقيم بينة أنها كانت تقتضيه في حياته فذلك لها.
قال سحنون: يعني فيلزمه إقراره لها.
م/: وقيل: إن إقرار هذا البيان بدين لمن يتهم عليه جائز؛ إذ لا تهمه عليه في ذلك؛ لأن ما يبقى من الدين لبقية الغرماء إذا حاصهم هذا، وهو باق في ذمته، بخلاف المريض، ولما كان المريض ينقطع ذمته لم يجز قضاؤه لبعض غرمائه، ولا إقراره لمن يتهم عليه؛ لأنه يضر بذلك غيره، ومن أحاط الدين بماله إنما يضر بنفسه، والمأذون والشريك في إقرارهما لمن يتهمان عليه كالمريض، لأن ذلك يؤول إلى إضرار غيرهما.
[الفصل ٥ - في إقرار بعض الورثة بدين على مورثهم]
ومن المدونة قال مالك: وإن هلك رجل وترك ولدين ومئتي دينار فأقر أحدهما أن لفلان على أبيه مئة، وأنكر الآخر، فإن كان هذا المقر عدلاً حلف معه المقر له وأخذ المئة وإن أبى أن يحلف رجع على المقر بنصف المئة التي في يديه؛ لأنه إنما يلزمه إقراره في حصته دون حصة أخيه، وإن كان المقر سفيهاً لم تقبل شهادته في هذا، ولا يؤخذ من ماله
стр. 6767
شيء.
أبو محمد: وقد قيل شهادة السفيه في غير تلف ماله جائزة إن كان عدلاً، وفي ذلك اختلاف. م/: وعند أشهب يعطيه المقر جميع المئة التي بيده؛ إذ لا يصح له أن يرث شيئاً إلا بعد أن يؤدي الدين، وجعل ما أخذ أخوه كالجائحة على المال، وكذلك يقول: إذا أشهد أن أباها أعتق هذا العبد، وهو الثلث، وشهد أجنبيان أن أباهما أوصى بالثالث لفلان، والعبد يرغب في ولائه فسقطت شهادتهما فيه، وأخرج الثلث أن ذلك كجائحة طرأت على المال، ويعتق عليهما ثلث العبد.
قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان من الورثة بذلك قضى بهما إن كانا عدلين.
[الفصل ٦ - فيمن أقر أن لفلان عليه بضعة عشر درهماً واختلفا في مقدار البضع]
ومن أقر أن لفلان عليه بضعة عشر درهماً -والبضع عند مالك ما بين ثلاثة إلى تسعة- قال: فإن اختلفا في البضع لم يقض له إلا بثلاثة -يريد: زائدة على العشرة- إلا أن يزيد المقر عليها.
م/: يريد: ويحلف المقر في زيادة ما ادعاه المقر له من البضع.
م/: وهذا هو الصواب إذا حققنا دعواهما، وإن شكا جميعاً كم ذلك؟ فقيل: لا
стр. 6768
يلزم ذمة المقر إلا ثلاثة عشرة، وذلك أن ذمته بريئة، ولا تعمر بالشك. وهو قول أشهب. وقيل: يقسم الزايد على ثلاثة عشر إلى تسعة عشر بينهما نصفين، فيكون له على هذا الستة عشر؛ لأن كل شيء أشكل الأمر فيه فقد نوجب قسمه، كرجلين أيديهما على شيء، فيقسم بينهما إذا تنازعا فيه، فأما إذا شك أحدهما وتحقق الآخر، فالقول قول من تحقق، واختلف في يمينه.
فصل [٧ - في أحد الشريكين يأخذ حصته من المدين، وفي أحد الورثة يصالح
بحصته مدين وليه]
وإذا كان لرجلين دين على رجل فأخره أحدهما بحصته لزمه ذلك، فإن أعدم الغريم وقد اقتضى الآخر حصته فلا رجوع لصاحبه عليه، فأما صلح أحدهما للغريم على شيء من حقه فقد جرى مستوعباً في كتاب الصلح، وإن ادعى ورثة على رجل بدين لوليهم، وكانت بينهما خلطة فصالح أحد الورثة في حصته في على إقرار، أو إنكار على عين، أو عرض، فلبقية الورثة الدخول معه فيه، وتمام هذا في الصلح والكفالة.
[الفصل ٨ -]
فيمن بعث بصلة لرجل فمات قبل وصولها
قال ابن القاسم ﵀: ومن قال لرجل: لا شيء له عنده ادفع إلى فلان مائة درهم سلة مني لهن فمات الآمر قبل دفع المأمور إياها، فإن كان قد أشهد على ذلك فهي نافذة، وإن لم يشهد فهي رد.
وكذلك قال مالك فيمن بعث بهدية إلى رجل فمات الباعث قبل وصولها إلى الموهوب، أنه إن كان أشهد على ذلك حين بعث بها فهي للذي بعثت إليه، وكذلك من تصدق
стр. 6769
على رجل بدين له على آخر، فإن كان أشهد له، ثم مات المعطي قبل أن يقبض فذلك الدين للمتصدق به عليه. ومن ذلك أيضاً من ساق عن ناكح صدقاً فمات السائق قبل قبض الزوجة الصداق، أن ذلك الصداق لازم للميت، يؤخذ به من رأس ماله.
وقال غيره: إن مات الذي وصل الرجل بالصلة قبل قبض الموصول إياها حتى يصير بالقبض ديناً على الواصل فلا شيء للمعطي.
م/: قال بعض الفقهاء: وقول ابن القاسم أبين، وذلك أن الواصل لما التزم له المأمور، وأشهد الواصل أنه وصل بها فلاناً صار ذلك كدين له على من أسلفه، أحال به الموصول عليه، فصار ذلك أيضاً كدين للموصول على المسلف من حوالة أحيل بها عليه فلا يضر فيها موت من مات منهما.
أما الواهب؛ فلأنه انتقلت هبته منه على المسلف، فصار ذلك كقبض الهبة، فلا يضر موته، وأما المسلف؛ فلأنه قد أحيل، وليس بواهب، فلا يضر موته، ويؤخذ ذلك منه من تركته، وكما لو نهب إنساناً هبة فبعتها له برضاه من آخر قبل أن يقبضها، ثم مات الواهب لصحت الهبة؛ لتعلق حق المشتري بها، وهو غير محتاج إلى حيازة؛ لكونه مشترياً، وكذلك حمل الصداق من هذا المعنى؛ لأن الحامل لا يشك أنه واهب للزوج، إلا أن حق الحامل وإن مات، واختلف في حمله بعد عقده النكاح، فقيل: الموت يبطله، وكذا يجب في الحمالة إذا كانت بعد العقد فمات الحميل، والأولى ما قدمناه، وزدت زيادة فيه من لفظي والله الموفق للصواب.
стр. 6770
[الباب الرابع]
في المأمور يدفع خلاف ما أمر به، وفيمن عجل ديناً عليه
[الفصل ١ - في المأمور يدفع خلاف ما أمر به]
قال ابن القاسم: وإذا أمرت من لك عليه دراهم قد حلت يدفعها إلى من استقرضكها فأعطاه بها دنانير برضاه فذلك جائز، وليس لك منعه، واستحب لك اتباع الآخذ بدراهم. والقول فيه عن مالك مختلف. ولو قبض فيها عرضاً لم تتبعه إلا بدراهم؛ لأنك إنما أسلفته دراهم فباعها هو قبل قبضها بدنانير، أو عرض، وليس لك منعه. وإن استقرضك دنانير فأمرت من لك عليه دنانير فأمرت من لك عليه دنانير أن يدفعها إليه، وله هو على المستقرض دراهم، فأراد هو مقاصته بها جاز إن حلا، وإن أمرت رجلاً يقضي عنك ألف درهم فدفع فيها دنانير، أو عرضا، أو طعاماً فإنما يتبعك بمثل ما أمرته به؛ لأنه سلف منه لك.
وقد ذكر فيه اختلاف عن مالك، وأنه لا يربح في السلف.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: اختلف قول مالك فيه ثلاث مرات إذا أمره أن يدفع دنانير فدفع دراهم.
فقال مرة: يرجع بالدراهم. وقال مرة: هو بالخيار إن شاء دفع دراهم وإن شاء دفع دنانير، ثم رجع عن ذلك كله، وقال: بل يرجع بالدنانير.
قال ابن القاسم وهو أحب إلى.
م/: وعلى قوله: لا يربح في السلف، إذا كان المدفوع عرضاً ينبغي أن يرجع المأمور على الآمر بالأقل من قيمة العرض، أو الدرهم التي أمره بها، قاله غير واحد من
стр. 6771
شيوخنا.
قال ابن المواز: وأما في أقل من دينار لو أمرته أن يدفع عنك نصف دينار فدفع عنك دراهم فبها يرجع؛ لأن ذلك الأمر إنما يقع على الورق.
وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أنه يخير أن يدفع ما دفع من الدراهم أو نصف دينار بصرف يوم يدفع إليه، يريد مالك: أنه يقضيه الأقل.
قال ابن القاسم: ثم رجع مالك ومن تبعه إلى ما ذكرناه، وأما لو دفع فيها طعاماً، أو عرضاً كان له على الأمر نصف دينار ما بلغ من ذلك، وكذلك لو دفع في ذلك ديناراً فصرفه الطالب فأخذ نصفه ورد نصفه إلى المأمور رجع المأمور بنصف ديناره بالغاً ما بلغ.
فصل [٢ - فيمن سأل رجلاً أن يقضي عنه فلاناً ألف درهم فوعده بذلك ثم
مات الآمر قبل القضاء]
ومن المدونة: ومن سأل رجلاً يقضي عنه فلاناً ألف درهم فأنعم له بذلك فمات الآمر قبل القضاء. قال أبو محمد: يريد: مات الآمر عديماً. قال ابن القاسم: فإن كان الطالب رب الدين اقتعد من المأمور على وعد ورضيا بذلك، وانصرفا عليه لزمه الغرم، وهذه حمالة. ومن أمر رجلاً يدفع لفلان ألف درهم قال: عني، أو لم يقل، ففعل، ثم قال الآمر: كانت لي ديناً على المأمور فأنكر المأمور، وقال: بل أسلفته إياها فإن القول قول المأمور.
стр. 6772
فصل [٣ - فيمن عجل قضاء دينه قبل أن يحل أجله]
قال مالك: وإذا كان لك على رجل دين دنانير أو دراهم إلى أجل فعجلها لك قبل الأجل جبرت على أخذها كانت من بيع أو قرض، ولو كان دينك عرضاً أو طعاماً أو حيواناً مع قرض فعجله لك قبل الأجل جبرت على أخذه. وإن كان ذلك من بيع لم يجبر على أخذه.
م/: قال ابن القاسم: إلا في الموت والفلس فإنه يجبر على أخذها؛ لأنها تصير كالحالة.
ابن المواز: قال مالك: ومن كان له على رجل حق فجاء ببعضه، فقال: لا أقبل إلا كله، فأرى أن يجبر على أخذ ما جاء به.
وقال ابن القاسم: إن كان الذي عليه الدين معسراً أجبر هذا على أخذ ما جاء به، وإن كان الغريم موسراً لم يجبر رب الحق على أخذ ما جاء به، وجبر الغريم على دفع الحق كله، والله الموفق.
стр. 6773
[الباب الخامس]
فيمن ضمن عن ميت ديناً أو أداه عن حي بغير أمره، وفي
الوكيل، أو الوصي يقر بقبض الدين، أو ينكر، أو يدفعه بغير بينة
[الفصل ١ - فيمن ضمن عن ميت ديناً أو أداه عن حي بغير أمره]
قال ابن القاسم: ومن مات وعليه دين فتبرع رجل فضمن دينه فذلك لازم له، ولا رجوع له عن ذلك، فإن كان للميت مال رجع فيه بما ودى إن قال: إنما وديت لأرجع في ماله، وإن لم يكن له مال، والضامن بذلك عالم، فإنه لا يرجع في مال إن بان للميت؛ لأنه بمعنى الحسنة، ومن ضمن لرجل ماله على ميت ثم بدا له فقد لزمه؛ لأن المعروف كله إذا أشهد به الرجل على نفسه لزمه عند مالك، ومن ودى عن رجل ديناً عليه بغير أمره أو دفع عنه مهراً لزوجته جاز ذلك إن فعله رفقاً بالمطلوب.
وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته أو أراد سجنه لعدمه؛ لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إن اشتريت ديناً عليه تعنيتاً له لم يجز البيع، ورد إن علم بهذا.
[الفصل ٢ - في شراء الدين بقصد ضرر الغريم]
م/: واختلف شيوخنا من المتأخرين إن كان مشتري الدين قاصداً بشرائه ضرر الغريم، والبائع غير عالم يقصده، فقال بعضهم: يفسخ البيع مثل تواطئهما جميعاً، وشبهه بالسلف يقصد بسلفه النفع، والقابض للسلف لا علم عنده، وكبيع من تلزمه الجمعة ممن لا تلزمه.
стр. 6774
وقال غيره: وإذا لم يعلم البائع بقصد المشتري الضرر لم يفسخ عليه صفقته، ويباع الدين على المشتري فيرتفع الضرر عن الذي عليه الدين.
م/: وهذا القول أبين، وإنما يفسد البيع بقصد البائع الضرر كما يفسد السلف بقصد المسلف النفع لنفسه، لا بقصد المستسلف، وأما بيع يوم الجمعة فإنما يفسد للوقت المنهي عنه، فأنت إن بعته في الوقت المنهي عنه فسد على المبتاع الذي تلزمه الجمعة، ودخل في المحذور، ولا يدخل ذلك في بيعك على المبتاع القاصد للضرر فافترقا، وظاهر الكتاب يدل على الأول.
فصل [٣ - في الوكيل أوالوصي يقر يقبض الدين أو ينكر أو يدفعه بغير بينة]
قال مالك: ومن وكل رجلاً يقبض ديناً له على رجل فقال: قبضته وضاع مني. أو قال: برئ إلى من المال، وقال الرجل: دفعته إليه، لم يبرأ الدافع إلا أن يقيم بينة أنه دفعه إليه، أو يأتي الوكيل بالمال، إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه، أو وصياً فهو مصدق، بخلاف وكيل مخصوص، فإن قال الوصي: قبضت من غرماء الميت ما عليهم لم يكن لليتامى إن بلغوا رشداً اتباعهم، وذلك يلزمهم، وكذلك إن قال: قبضته وضاع مني صدق وبرئ.
م/: لأنه هو المتولي لأمورهم، وسواء كان الميت ولي معاملتهم أو الوصي، وأما إن لم يقل هذا إلا بعد رشد اليتامى. فذكر في كتاب محمد أنه يكون شاهداً لهم يحلفون مع شهادته.
стр. 6775
وفي المدونة: في إقرار الشريك بعد موت شريكه أن هذا المتاع رهن عند فلان أنه شاهد مع أنه لو لم تجز شهادته غرم بسبب ضمانه عن شريكه.
ومن المدونة قال ابن هرمز: فإن ادعى الغرماء أنهم دفعوا المال إلى الوصي فأنكر ذلك الوصي حلف، فإن نكل ضمن.
م/: يريد: بعد رد اليمين على الغريم. وأما مالك فضمنه بنكوله في اليسير، وتوقف في الكثير.
قال ابن القاسم: ورأيي على رأي ابن هرمز أنه يضمن في القليل والكثير.
وإنما توقف مالك في الكثير خوفاً من أن تبطل أموال اليتامى، وخوفاً من أن يضمن الوصي وهو أمين لهم، فقال: لا أدري، وإذا قضي الوصي غرماء الميت بغير بينة فأنكروا ضمن إن لم يأت بالبينة؛ لأنه قد فرط، والله الموفق.
стр. 6776
[الباب السادس]
في أحكام المولى عليه والسفيه وما يستوجب به الرشد أو الحجر
[الفصل ١ - متى يخرج المولى عليه والمحجور عليه من الولاية والحجر؟]
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] فشرط الرشد مع البلوغ.
قال مالك: فلا يخرج المولى عليه باب أو وصي من الولاية وإن حاضت الجارية، وتزوجت، واحتلم الغلام، أو خضب بالحناء فلا يدفع إليه ماله إلا برشد الحال.
وقاله ابن العباس.
قال بعض البغداديين: ولا يزول الحجر عن الصغيرة حتى تبلغ وتتزوج ويدخل بها زوجها، وتكون مصلحة لمالها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الحجر ينفك عنها بمجرد البلوغ وإيناس الرشد من غير حاجة إلى زوج.
والدليل لقول مالك: أن من شأن الأبكار الاستتار، وقلة التصرف، والبيع والشراء؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يرغب فيهن الأزواج، وإذا لم تخبر الرجال والمعاملات لم تعرف إصلاح المال ووجوه الغبن فكان الحجر عليها مستصحباً حتى إذا دخل بها الزوج، وعرفت الرجال والمعاملات، وعرف ضبطها للمال زال الحجر عنها. وهذا الفرق بينها وبين
стр. 6777
الغلام.
[الفصل ٢ - حكم أفعال من ليس له ولي ولا وصي ولم يتقدم عليه حجر]
م/: قال غيره: وأما من مات أبوه ولم يوص به لأحد، ولا جعله القاضي في ولاء فبلغ، وحاضت الجارية فباعا واشتريا، أو وهبا، فاختلف في ذلك.
فذهب ابن القاسم إلى أن أفعاله لا تجوز إلا بعد ثبات رشده، ولا فرق عنده بين من تقدم عليه حجر أم لا؛ لأن العلة الموجبة لرد أفعاله كونه غير ناظر لنفسه، ومتلفاً لماله، فمتى وجدت وجب رد أفعاله، كالصغير والمجنون.
وقال أكثر أصحاب مالك: إن لم يتقدم عليه حجر فأفعاله جائزة حتى يحجر عليه.
[الفصل ٣ - في حكم أفعال المولى عليه]
ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز للمولى عليه بيع، ولا عتق، ولا هبة، ولا صدقة، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن، واستحب له إمضاؤه، ولا أجبره عليه. وأما ما ليس له فيه إلا المتعة ففعله فيه جائز، فيجوز طلاقه زوجته، وعتقه أم ولده.
وأما النكاح فلا، إلا بإذن وليه، وما وهب له من مال فإنه يدخل في الحجر، وكذلك إن تجر فربح.
ولا يجوز شراؤه أيضاً إلا ما لا بد له منه في عيشه، مثل الدرهم يبتاع به خبزاً، أو لحماً، أو بقلا، أو نحو ذلك فإنه جائز أن يشتري ذلك لنفسه؛ لأنه يسير، وهو يدفع إليه نفقته فيشتري بها ما يصلح له.
قال: وللرجل منع أم الولد من التجارة في مالها، كما له انتزاعه. وليس له منع زوجته من التجارة، وله منعها من الخروج.
стр. 6778
قال مالك: وإذا عقل الصبي التجارة فأذن له أبوه أو وصيه أن يتجر لم يجز ذلك الإذن؛ لأنه مولى عليه.
قال: ولو دفع الوصي إلى المولى عليه بعد الحلم بعض المال ليختبره به فلحقه فيه دين لم يلزمه الدين فيما دفع إليه، ولا فيما أبقى بيده، ولا في ذمته؛ لأنه لم يخرج من الولاية بذلك.
قال ابن القاسم: وهو بخلاف العبد يأذن له سيده في التجارة؛ لأن العبد لم يمنع لسفه منه، وإنما منع من البيع والنكاح وغيره؛ لأن ملكه بيد غيره، فإذا أذن له جاز. والصبي والسفيه ليس ملكه بيد أحد، فليس الإذن له مزيلاً للسفه.
وقال غيره في اليتيم المختبر بالمال: يلحقه ما أدان فيه خاصة.
م/: فوجه قول مالك: أن هذا الإذن لم يخرجه من الولاية، إنما هو لاختبار حاله، فهو كالمولى عليه يعامل.
قال أبو الحسن بن القابسي: وإنما ينبغي أن يبايع فيه بالنقد، فمن بايعه بغير النقد فهو الذي لا يكونه له في المال الذي في يد المولى عليه شيء، إلا أن يكون في يديه أكثر مما دفع إليه وليه، فيكون حق الذي داينه في الزائد إذا كان الزائد في معاملته إياه.
م/: ووجه قول غيره: إن إذن وليه له في هذه التجارة يقتضي تعلق دين من يداينه عليه فيها؛ لأنه على ذلك داينه، وهو مطلق اليد فيها كالرشد.
قال ابن القاسم: ولو دفع أجنبي إلى محجور عليه من يتيم أو عبد مالاً ليتجرا فيه
стр. 6779
فما لحقهما من دين كان في ذلك المال خاصة، بخلاف دفع الموصي، ولا يلزم ذمتها، ولا ذمة الدافع شيء.
قال في الوصايا الثاني: إذا أمر الولي الصبي أن يتجر جاز، فإن خرج في تجارة من موضع إلى موضع فأذن الولي لم يكن به بأس.
[الفصل ٤ - في الوصي يدفع للصبي مالاً يختبره به]
قال أبو محمد: وللوصي أن يدفع للصبي مالاً يختبره به، ولا يضمن الوصي ما نقص منه.
قال ابن حبيب: وإذا دفع الوصي مالا ليتيمه ليستخبره به، ثم أنكر ذلك اليتيم، فالوصي مصدق فيما دفع إليه، ويضم ذلك إلى ما أنفق عليه إذا علم أن اليتيم كان يتجر.
قال ابن المواز: لم يختلف أصحاب مالك في الصغير إذا بلغ أنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه الرشد.
ولا يصلح قول أهل العراق: أنه لا يحكم له بمال حتى يبلغ حمساً وعشرين سنة، ويجوز عندهم قبل ذلك بيعه وشراؤه وعتقه، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن.
[الفصل ٥ - في الحجر على السفيه الكبير لا أب له ولا وصي]
قال: واختلف في الكبير السفيه لا أب له ولا وصي، هل يحجر عليه أم لا؟
فقال أشهب: لا أرى ذلك إلا في البين أمره في تبذير ماله، ومن لا يحكم إمساكه.
وقال ابن القاسم: يحجر على من لو كان له وصي لم يقض له بأخذ ماله ممن لم يتبين رشده. ويترع القضاي ماله ويجعل من يلي عليه، وكذلك من دفع إليه وصية ماله ثم
стр. 6780
ظهر منه غير الرشد أن له أن يحجر عليه ثانية.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يحجر عليه إن كان كبيراً ولو كان مبذراً لماله. والدليل لمالك ﵀: أن الحجر على الكبير المبذر لماله مروي عن عثمان، وعلي، والزبير، وابنه، وعائشة رضوان الله عن الجميع، ولا مخالف لهم.
ولأن كل من في منعه من ماله إصلاح له، وفي تركه معه إتلافه وخوف الفقر عليه أن الحجر واجب عليه، وأصله الصغير؛ ولأن البلوغ لا يمنع الحجر مع تبذير المال وإضاعته أصله إذا بلغ مبذراً.
وقد شرط الله تعالى مع البلوغ الرشد وهذا بالغ غير رشيد.
م/: ووجه قول أشهب: أنه قد انتقل إلى حال الرشد بالبلوغ وإيناس الرشد منه فلا ينتقل عن هذا إلا بظهور السفه البين عليه.
محمد: وقال أشهب: لا ينظر إلى سفيه في دينهع إذا كان لا يخدع في ماله.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: في المولى عليه يؤنس منه بعد البلوغ حسن النظر في ماله إلا أنه يشرب الخمر وغيره من المسكر، فلا يحكم له بأخذ ماله إلا بالرشد في الحال وفي المال.
قالا: ولا يرد لشرب الخمر في الولاية بعد أن خرج منها.
стр. 6781
وقول ابن كنانة وغيره من المدنيين لا يرشد حتى يكون رشيداً في ماله وحاله.
وقال ابن القاسم وأصبغ: إذا كان يحسن النظر في ماله خرج من الولاية، وإن شرب الخمر. وبقول المدنيين أقول. وقد قاله الحسن البصري. وهو قول الشافعي.
م/: والصواب ما قاله ابن القاسم.
والدليل على ذلك: أن الحجر إنما هو لإضاعة المال وتبذيره ولخوف الفقر على صاحبه، وفسقه لا يقدح في تبذير ماله إذا كان مصلحاً لماله، ألا ترى أنه يستدام الحجر على الكبير إذا كان مبذراً لماله كما يستدام ذلك على الصغير.
وقد اتفقا أن الفسق لو طرأ على الكبير لم يحجر عليه بسببه، فكذلك إذا بلغ وهو موجود فيه، والله أعلم.
وقال أصبغ: ولا يخرج المولى عليه من الولاية ولا البكر المعنسة إلا بشهادة عدلين بحسن نظرهما في المال، ويكون مع ذلك أمراً فاشياً، وإلا لم تنفع شهادتهما في قبض أموالهما، ولكن يحكم لهما في إنفاذ ما أعتقا أو باعا وقبضا فيه.
قال أصبغ في السفيه المولى عليه، أو الصغير، أو البكر: يبيبع أحدهم الجارية فتحمل من مشتريها أو من زوج زوجها إياه المشتري وهي في ملكه، أو يكون حيواناً فتناتج فلترد تلك الدواب ونتاجها والأمة إن كان ولدها من زوج رد معها، وإن كان من المشتري فعليه الأكثر من قيمتها من يوم ابتاعها أو اليوم، ويسقط الثمن الأول عن المولى عليه إلا أن يكون قائماً، أو دخل في مصلحة لابد منها. وأما العتق فيرد.
قال ابن كنانة: وما أقر به المولى عليه من دين عند موته فهو في ثلثه مبدأ.
стр. 6782
واستحسنه أصبغ: ما لم يكثر جداً وإن وسعه الثلث.
قال ابن الماجشون: ومن باع من مولى عليه، وأخذ حميلاً بالثمن فرد ذلك السلطان وأسقط الثمن عن المولى عليه، فإن جهل البائع والحميل حاله لزمته الحمالة؛ لأنه أدخل البائع فيما لو شاء كشفه، وإن دخل في ذلك والبائع يعلم سقط الحمالة عن الحميل، علم أو لم يعلم.
م/: لأن البائع هو الذي أتلف مال نفسه.
ولو قال قائل: لا تسقط الحمالة عن الحميل إذا علم بولائه، وإن علم البائع لكان صواباً؛ لأن الحميل قد أدخل البائع في إتلاف ماله، فكأنه قال له بايعه بما طرأ عليك منه فأنا ضامن له؛ ولأن معروف صنعه معه فوجب أن يلزمه. والله أعلم.
ومن العتبية قال عيسى: ولو أقرضت المولى عليه مالاً، أو أسلمته إليه في سلعة فاشترى بها أمة فأحبلها فهي له أم ولد، وليس لك أخذها من مالك، وترد إليه أنت السلعة إن قبضتها. وإذا ابتاع السفيه. -م/: يريد غير المولى عليه- أمة فأولدها فالترد الأمة على بائعها، ويرد هو الثمن، ولا شيء له من قيمة الولد، وولد السفيه حر.
فصل [٦ - أفعال السفيه قبل الولاية عليه]
ومن العتبية قال عيسى: في السفيه يبيع قبل أن يولى عليه فبيعه جائز، حتى يولى عليه، وقاله جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم.
قال: بيعه وقضاؤه لا يجوز؛ لأنه لم يزل في ولاية منذ كان؛ لأن السلطان ولي من لا ولي له، فهو في ولايته حتى يولي عليه ولياً يقوم بأمره.
стр. 6783
وقال عنه سحنون: بيعه مفسوخ وإن طال الزمان فيه إن كان مشهوراً بالسفه، ولا شيء للمشتري من الثمن كالمولى عليه، وإن لم يعرف بخير ولا بشر، ولا بتبذير إلا أنه يشرب الخمر، وربما أحسن النظر في ماله ففعله هذا جائز إذا لم يول عليه.
وقال سحنون: أفعال السفيه جائزة حتى يحجر عليه.
م/: وقول ابن القاسم: في الكبير البين السفه أحسن، وحجته أقطع من أنه لم يزل في ولاية السلطان.
وقد قال ابن حبيب ومطرف وابن الماجشون: إنه إن كان قد بلغ سفيهاً فأفعاله مردودة؛ لأنه لم يزل في ولاية السلطان، وليس ترك السلطان ما يلزمه من التولية عليه يخرجه من ولايته.
قالا: وأما من خرج من الولاية بالبلوغ وإيناس الرشد وحسن النظر في أمره، وتمادى حتى باع وخالط، ثم حدث به حال سفه، فباع فيها أيضاً وخالط، ثم رفع أمره فهذا بيعه كله نافذ إلا أن يكون بيع سفه، وخديعة، يبيع ما يسوى ألف دينار بمئة فهذا يرد بيعه، ولا يتبع بالثمن إن أفسده، وإن كان بيعاً متقارباً وفيه غبن متقارب فهذا نافذ.
م/: وهذا ينحو إلى قول ابن القاسم ويؤيده إن شاء الله.
فصل [٧ - أفعال المولى عليه والبكر والصغير يطلع عليها الولي بعد موتهم]
قال ابن حبيب: سألت مطرفاً وابن الماجشون عن البكر، أو الصغير، أو المولى عليه يبيع أحدهم، أو يهب، أو يعتق فلا يطلع على ذلك وليه إلا بعد موته أيرد ذلك من فعله كما يرد لو كان حياً؟ فقالا نعم، لم يزل ذلك مردوداً منذ فعله فموته لا يجيزه، وذلك
стр. 6784
كتاب الرجوع عن الشهادات
[الباب الأول]
في الرجوع عن الشهادات وما يلزم الراجع عن شهادته
[الفصل ١ - من أغرم رجلاً شيئاً بشهادة أخطأ فيها كان عليه غرم خطئه]
روى المغيرة عن أبي ذؤيب أن الرسول ﷺ قال في شاهد شهد ثم رجع عن شهادته بعد أن حكم بها ﷺ فقال ﵇: «تمشي شهادته الأولى لأهلها وهي الشهادة والآخرة باطلة». وأخذ بذلك مالك وغيره.
قال ابن المواز: لم يحفظ أصحاب مالك عنه في أن يغرم الشاهد جواباً، إلا أن جميع أصحابه يرون أن يغرم ما أتلف بشهادته إذا أقر بتعمد الزور، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة.
قال سحنون: وروى ابن وهب عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رجلين شهدا عنده على رجل أنه سرق، فقطعت يده، ثم أتيا بآخر فقالا: كنا وهمنا وهذا هو، فأبطل شهادتهما على الآخر، وأغرمهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما قطعه
стр. 6785
شيئاً، وأما من أحرز ماله ونماه وهو فاسق في حاله غير مبذر لماله فلا يحجز عليه، وإن كان له مال عند وصي قبضه. ويحجر على البالغ السفيه في ماله وإن كان شيخاً.
[مسألة: فيمن يتولى الحجر]
قال مالك: ولا يتولى الحجر إلا القاضي.
قيل لابن القاسم: فصاحب الشرطة.
قال: القاضي أحب إلي.
م/: لأنه أمر مختلف فيه فيحتاج إلى نظر واجتهاد في حاله واختبار لأمره، فاحتيج في قطعه، وكونه بصفة من يحجر عليه إلى حكم الحاكم فيرتفع الخلاف.
[مسألة: إعلان الحجر على السفيه]
قال مالك: ومن أراد أن يحجر على ولده أتى به إلى الإمام فيحجر عليه، ويشهر ذلك في كل موضع يجتمع الناس فيه، كالمساجد، والأسواق، ويشهد على ذلك فمن باعه أو ابتاع منه بعد ذلك فهو مردود.
وفي كتاب المأذون شيء من ذكر الحجر على السفيه.
[مسألة: في حكم الحاكم بزوال الحجر عن المحجور عليه]
قال بعض البغداديين: ولا يزول الحجر عن محجور عليه بحكم أو بغير حكم إلا بحكم الحاكم؛ لأنه يحتاج إلى اختبار حاله وزوال ورود المعنى الذي حجر عليه لأجله.
تم كتاب المديان من الجامع لابن يونس بحمد الله
стр. 6786
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
كتاب التفليس
[الباب الأول]
في تفليس المديان وبيع ماله ومحاصة وغرمائه
[الفصل ١ - في تفليس المديان]
والقضاء إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس فإن الحاكم يحجر عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يحجر عليه ويؤخذ بقضاء الدين أو يحبسه حتى يبيع ويقضي.
م/: ودليلنا أن النبي ﷺ حجر على معاذ بن جبل وقال لغرمائه «خذوا ما معه وليس لكم غيره».
وروى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ألا إن أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال له سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح قد دين به فمن كان له عليه حق
стр. 6787
فليحضر فإنا نبيع ماله. ولا مخالف له.
قال مالك: فإذا قام رجل واحد بالمديان فله تفليسة كقيام الجماعة. ويبيع الإمام ما ظهر له من ماله فيوزعه بين غرمائه بالحصص، ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده أو اتهم.
[الفصل ٢ - ما يباع ومالا يباع من أمتعة المفلس]
والإمام يبيع عليه عروضه كلها وداره وخادمه وسرجه وسلاحه وخاتمه وغير ذلك إلا ما لابد له منه من ثياب جسده، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كان لهما قيمة، وإن لم تكن لهما قيمة فلا.
م/ قال محمد: قال مالك: ويباع عليه سريه وفرضه وسيفه ومصحفه، ولا تباع كتب العلم في دين الميت والوارث، وغيره فيها سواء ممن هو لها أهل، وغليه ذهب سحنون.
قال أبو محمد وغيره من أصحابنا: بيعت كتب ابن وهب بعد موته بثلاثمئة دينار وأصحابنا متوافرون فما أنكروا ذلك.
стр. 6788
ابن المواز: قال مالك: وليس لغرماء المفلس أن يؤاجروا أم ولده، ولهم أن يؤاجروا مدبره، ويبيعوا كتابة مكاتبه، ولا يجبروه على اعتصار ما وهب لولده أو نحله، ولا على شفعة له فيها منفعة وفضل، وكذلك شفعة الميت والورثة أولى منهم.
[الفصل ٣ - في قبول المفلس الصدقة والسلف والمعونة،
وفي المفلس يرث أباه الرقيق أو يوهب له]
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن تصدق عليه بدنانير يؤديها في دينه لم يجبر على قبولها، وكذلك لو بذل له سلفاً أو معونة إلى أجل فلا يجبر على قبول ذلك، وإذا ورث أباه فالدين أولى به، ولا يعتق إلا ما فضل منه عن الدين، وأما إن وهب له فهو يعتق عليه؛ لأنه لم يوهب له ليأخذه غرماؤه، وإنما اغتزى به العتق.
م/ إلا أن يوهب له، ولا يعلم الواهب أنه أبوه فهاهنا يباع في دينه؛ لأنه لم يغتز به العتق.
[الفصل ٤ - في بيع المفلس التي دبر ولدها الصغير]
قال أصبغ: ولو دبر ولد أمته الصغير ثم استدان وفلس فلا تباع الأمة؛ للتفرقة، ولكن تخارج، ويأخذ الغرماء خراجها في دينهم إلى مبلغ حد التفرقة، فتباع حينئذ، أو يباع منها بقدر باقي الدين إلا أن يموت السيد دون ذلك فتباع الأمة إن وفت بالدين، ويعتق
стр. 6789
ثلث المدبر. وإن كان في بعضها وفاء بالدين عتق من الصبي في باقيها وفي نفسه مبلغ الثلث من ذلك إن لم يدع غير ذلك، وإن كانت هي المدبرة دون الولد فالجواب سواء.
[مسألة: في النصراني يموت وعليه دين ولا يترك غير الخمر والخنازير]
قال سحنون في النصراني يموت، وعليه دين، ولا يترك غير خمر وخنازير، فلا تجبر ورثته على بيع ذلك، وليتربص الطالب بهم، فإذا باعوا ذلك وصار مالاً قام فيه، وقضى له به، وكذلك مركب لهم مرسى بساحلنا وفيها الخمر فلا يجبرهم الإمام على بيعه، وليجعل من يتحفظ بهم، فإن باعوها أخذ منهم العُشر.
[مسألة: في المفلس يقول: لا مال عندي وبيد امرأته خادم تدعي ملكيتها]
ابن سحنون وكتب شجرة إلى سحنون في الذي يقام عليه بالديون، ويقول: لا مال عندي. وبيد امرأته خادم تقول: هي لي. ويصدقها الزوج، ويقول الغرماء: بل هي له. فكتب إليه: إذا كانت هذه في حيازة المرأة، والزوج يقوم بأمرها فهي للزوج، ولا يقبل قوله بعد التفليس، وعلى المرأة البينة.
[مسألة: في الاستثناء في بيع ربع المفلس وعروضه وحيوانه]
ابن المواز قال مالك: ويستأنى في بيع ربع المفلس ويتسوف به الشهر والشهرين، وأما الحيوان والعروض فيتسوف بها يسيراً، والحيوان أسرع بيعاً.
قال مالك في موضع آخر وهو في المدونة: ومن شأن بيع السلطان عندنا أن يبيع بالخيار ثلاثة أيام. قال سحنون: يبيع بالخيار لعل زائداً يأتيه.
стр. 6790
[الفصل ٥ - فيما يترك للمفلس من ماله]
ومن المدونة قال مالك: ويترك للمفلس مايعيش به هو وأهله الأيام.
قال في العتبية وكتاب محمد وابن حبيب: ويترك له ما فيه نفقة له ولأهله وعياله قدر الشهر، وإن لم يوجد غيره ترك.
قال ابن حبيب: يعني بأهله زوجته وولده الصغار، ويترك له كسوة له ولأهله وفي زوجته شك. يريد مالك في كسوتها.
قال سحنون في العتبية: لا يترك له كسوة زوجته.
م/ إن كان قد كساها إياها قبل التفليس، وليس فيها فضل فلا ينزع عنها.
قال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يترك لزوجته كسوتها؛ لأن الغرماء إنما عاملوه على النفقة على نفسه وولده الصغار ونفقة زوجته وكسوتها، فيجب أن يترك ذلك لها.
[مسألة: في المفلس يبعث نفقة إلى أهله فيقوم غرماؤه بطلبها]
ومن كتاب ابن المواز: ومنبعث نفقة إلى أهله فقام غرماؤه فيها فلهم أخذها، فإن قال الرسول: أوصلتها إلى أهله صدق مع يمينه، وللغرماء أخذها من غياله إن قاموا بحدثان ذلك، فإن تراخى ذلك مدة ينفق في مثلها فلا شيء لهم كمفترق الذمة ينفق على أهله. ولو قاموا بحدثان ذلك فقال أهله: قضيناها ديناً في نفقة تقدمت أو كراء لم يصدقوا
стр. 6791
إلا أن يأتوا على ذلك بلطخ أو برهان.
قال سحنون: والكفن أولى من الدين، والمرتهن أولى بالرهن من الكفن.
فصل [٦ - في تعجيل بيع مال المفلس الحي الغائب لمن حضر من غرمائه ومفارقة
ذلك للمفلس الميت]
ومن المدونة قال ابن وهب: قال مالك: ومن قام بدين على غائب، ولعله كثير المداينة لغير من حضر، فأرى أن تباع عروضه لمن حضر ويقضى، وليس كالميت في الاستيناء؛ لاجتماع من يطرأ من غرمائه؛ لبقاء ذمة الميت، وجعله غيره كالميت، ويستأنى بأمره إن كان معروفاً بالدين.
م/: وظاهر حديث عمر تعجيل قسم مال المفلس بين غرمائه بعد إشهار ذلك. لقوله: إنا نقسم ماله بالغداة فمن كان له شيء فيأتنا.
وقال مالك: يستأنى بقسم مال الميت المعروف بالدين؛ لاجتماع بقية غرمائه، وكذلك إن مات في غيبته، وإن لم يعرف بالدين قضي لمن حضر، ولا ينتظر به.
стр. 6792
[الفصل ٧ - في الغائب يقوم به بعض غرمائه وليس فيما حصل
من ماله وفاء لدينه]
قال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن حبيب: في الغائب يقوم به بعض غرمائه، وليس فيما حصل من ماله وفاء، فإنه كان قريب الغيبة كالأيام اليسيرة فليكتب فيه ليكشف ملاؤه من عدمه، وأما في الغيبة البعيدة لا يعرف فيها ملاؤه من عدمه، ولا يدري أين هو فهو كالمفلس، ويحل المؤجل من دينه. ومن باع منه سلعة فوجدها فله أخذها، وأما إن عرف فيها بملاء فلا يفلس، ويقضي من حل دينه، ويبقى المؤجل، ولا يأخذ البائع سلعته.
ابن المواز: قال أشهب: ويفلس البعيد الغيبة، وإن عرف ملاؤه، وقال: أرأيت لو كان حضراً بمصر، وله بالأندلس مال لا يدري ما حدث عليه ألا يفلس؟
وبقول ابن القاسم: أخذ أصبغ استحساناً. قال: والقياس ما قال أشهب.
م/: قال بعض القرويين: لا فرق في الحقيقة بين السؤالين؛ لأن حضوره مع غيبة ماله لا يمنع تفليسه خوفاً أن يكون هلك ماله، وكذلك يخاف إن كان هو وماله غائبين إذ قد يكون ماله ذهب، أو يقال: عدم القدرة على أخذ بقية الغرماء حقوقهم يوجب تفليسه.
قال أصبغ: ويكتب تفليسه حيث هو، فيستتم ذلك عليه في الموضع الذي هو فيه.
قال: وفي قول أصبغ هذا نظر؛ لأن أشهب إنما فلسه وإن كان ملياً في غيبته؛ لإمكان تلف المال، فإذا وصل إليه فكيف يحل عليه المؤجل منه وهو مليء. أرأيت لو
стр. 6793
قدم بماله فأراد الذين لم يحل دينهم أن يأخذوا بقية ديونهم حالة، وآجالها لم تحل، وحاصصهم إنما كان للضرورة، فالأشبه أن ليس لهم ذلك.
وظاهر مذهب أصبغ أنهم يأخذون ذلك حالاً، وكأنه حكم قد مضى بحلول الديون، وعلى هذا لو فلس رجل وعليه ديون إلى أجل فحاص الغرماء فوقع لكل رجل نصف حقه ثم ورث مالاً أن للذين لم تحل ديونهم أن يأخذوها حالة، وإن كانت آجالهم لم تنقض؛ لأنه حكم مضى بحلول الدين، والأشبه في هذا أن تبقى بقية ما لم تحل من ديونهم إلى أجله؛ لأن السبب الذي من أجله حلت ديونهم إنما هو خلاء ذمته. وقد زالت العلة بملائة وعمارة ذمته.
فصل [٨ - من كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه ولم يقم
مع من قام فلا رجوع له على الغرماء]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه فلم يقم مع من قام فلا رجوع له على الغرماء، وذلك رضي منه ببقاء دينه في ذمة الغريم كقول مالك إذا علموا بعتقه وسكتوا عنه أنه لم يرد لهم العتق إذا قاموا بعد ذلك. وقيل: توقف لهم حقوقهم كالغياب إلا أن يتبين من الحاضر ترك لدينه في ذمة الغريم ورضى بما قبض غيره.
م/ وحكى بعض فقهائنا أنه قال: وهذا إذا كانوا حضوراً ببلده، ولم يشهدوا القسمة لماله، ولو حضروا القسمة وشاهدوها لم يكن لهم رجوع على من قبض من الغرماء بلا اختلاف من ابن القاسم وغيره.
стр. 6794
م/: وهو مأخوذ من قول غيره إلا أن يتبين من الحاضرين ترك لدينه في ذمة الغريم ورضي بما قبض غيره.
ابن المواز: قال مالك: وإذا لم يقم الباقون حتى داين آخرين فلمن لم يقم من الأولين تفليسه ومحاصة من داينه بعد التفليس.
م/: لأن الأولين الذي سكتوا ولم يقوموا لم يفلسوه قط فأشبه من كان عليه دين لم يفلس فيه فداين قوماً آخرين بعد أن افتقر ثم فلس، فالأولون والآخرون في هذا المال سواء، وكذلك الذين سكتوا عن فلسه.
وذكر ابن حبيب عن مطرف أنه قال: إذا فلس ثانية فلا يدخل في ذلك كل من له دين قبل التفليس الثاني كان ممن حاص في الأول أو لم يحاص.
م/: وهذا وفاق للمدونة فيمن حاصص لا فيمن لم يحاصص وأما من رضي بتفليسه معهم ثم رد إليه ما وقع له من الحصاص ثم داين قوماً آخرين ثم فلس ثانية فإنه يحاصصهم الراد بقدر ما رد إليه لأن ما رد إليه كابتداء معاملة ولا يضرب إلى بذلك.
стр. 6795
[الفصل ٩ - في قيام بعض غرماء الميت بإثبات ديونهم
وتأخر البعض الآخر في القيام]
ومن العتبية قال سحنون: فيمن مات وعليه لجماعة دين فأتى بعضهم إلى السلطان فأثبت دينه، فأمر ببيع مال الميت، وقسمه بينهم، ثم قام باقي غرمائه فلهم الدخول فيما أخذ الأولون، ولا يضرهم علمهم بموته، وأن ماله يباع لغرمائه، وأما لو كان مفلساً لم يكن لتاركي القيام الدخول على من قام فيما أخذ؛ لأن المفلس بقيت ذمته، والميت لم تبق له ذمة، وقد قال ابن القاسم عن مالك: لا يجوز أن تشتري ديناً على ميت؛ لأنه لا ذمة له يطالب بها، والمفلس له ذمة تتبع.
م/: وهذا وفاق للمدونة. وهو مأخوذ من قول ابن القاسم: ومن كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه فدل بذلك أن الميت بخلافه.
[مسألة: في الميت يقسم ورثته ماله ولرجل عليه دين
فلا يقوم به وهو حاضر لقسمتهم]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في الميت يقسم ورثته ماله ولرجل عليه دين فلا يقوم به وهو حاضر لقسمتهم لماله، ثم قام بعد ذلك فلا شيء له إلا أن يكون له عذر في تركه القيام، أو يكون لورثته سلطان يتقون به ونحو ذلك مما يعذر به، فهذا على حقه أبدا وإن طال القيام. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يبطل حق امرئ وإن قدم».
следующие страницы →