Полный текст (9 651 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.
стр. 6931
الحمالة؛ ولعله يريد: إذا حل أجل الدين, وأما إتيانهم به قبل الأجل فلا
فائدة فيه, وكذلك حميله يقال له ما قيل لورثة الحميل,
وإن مات حميل الحميل الذي تحمل بالمال فالحمالة عليه ثابتة, ولم يذكر
هاهنا أنه يؤخذ من تركته المال فيُقضى منه الذي له الدين دينه, أو
يوقف قدر ذلك؛ لأن الحميل بالمال وهو الميت إنما تحمل بالحميل بالوجه
فلم يجب عليه غرم, ولا طلب بوجه إن لم يحل الأجل.
والذي أرى في هذا أنه يلزمه الغرم على مذهب ابن القاسم في
الحميل بالمال يموت قبل محل الأجل فقد قال ابن القاسم: يلزمه الغرم,
ولم يتوجه أيضاً على الغريم
غرم ولا حل الأجل وكذلك حميل الحميل.
وعلى قول عبد الملك في موت الحميل بالمال يؤخذ المال فيوقف لأنه
يرجع, ولم يتوجه الآن عليه شيء, فكذلك يكون الحكم عنده, وفي حميل
الوجه المذكور.
стр. 6932
[الباب التاسع] في تأخير الطالب للحميل أو الغريم .
قال ابن القاسم: وإذا أخر الطالب الحميل بعد محل الحق, فذلك
تأخير للغريم إلا أن يحلف بالله ما كان ذلك مني تأخيراً للغريم, فيكون له
طلبه؛ لأنه لو وضع الحمالة كان له طلب الغريم
إن قال: وضعت الحمالة دون الحق, فإن نكل لزمه تأخيره,
ولو أخر الغريم كان ذلك تأخيراً للكفيل, ثم للكفيل ألا يرضى بذلك خوفاً
من إعدام الغريم, فإن لم يرض, خير الطالب, فإما برأ الحميل من حمالته
ويصح التأخير, وإلا لم يكن له ذلك إلا برضى الحميل.
قال ابن المواز: قيا لأشهب: فإن أبى الحميل؟ قال: ذلك له, ويقال
لصاحب الحق: إن أسقطت الحمالة صح تأخير الغريم, وإلا حلفت أنك لم
تُرِد إسقاطها, وتطلب دينك من الغريم حالاً.
قال ابن القاسم: فإن سكت الحميل وقد علم بذلك لزمته الحمالة, وإن لم يعلم
стр. 6933
حتى حل أجل التأخير, حلف الطالب ما أخره ليبرئ الحميل, وتثبت الحمالة.
قال ابن المواز عن أشهب: فإن نكل سقطت الحمالة.
قال أبو محمد: وقاله يحيى بن عمر.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: وإذا كان الغريم مليئاً فأخره
تأخيراً بيناً سقطت الحمالة, وإن أخره ولا شيء عنده, فلا حجة للكفيل
وله طلب الكفيل أو تركه.
وقول الغير: إذا كان الغريم مليئاً فأخره تأخيراً بيناً سقطت
الحمالة, وهو خلاف لابن القاسم: وقوله وإن أخره ولا شيء عنده فلا حجة للكفيل, وله طلبه, لا يخالفه فيه ابن القاسم, والله أعلم.
[مسألة: فيمن كان حميلاً عن رجل فمات فحلل الطالب الميت من الدين]
ابن المواز: قال أشهب عن مالك - فيمن باع سلعة وأخذ حميلاً
стр. 6934
وكتب عليهما أيهما شاء أخذ بحقه, فمات الغريم, فبيعت جميع تركته,
فاستوفى ثلثي حقه, ثم سأله الورثة أن يحلل الميت مما بقي, ففعل, فقال له
الحميل: لا شيء لك علي؛ لأنك قد حللت الذي تحملت لك به - قال
مالك: يحلف بالله ما وضع إلا للميت, ثم هو على حقه.
قال ابن المواز: فيها شيء, وقال في موضع آخر: فيها نظر.
وقال مالك فيمن كان له على رجل واحد حقان: حق بحمالة, وحق
بغير حمالة, فمات, فبيعت تركته, فلم تف بما عليه [٩/ب] , فسأله ورثته أن
يحلل الميت من بقية حقه, ففعل, ثم طلب الحميل قال: أرى أن يكون
الذي وصل إليه من مال الميت بين الحقين بالحصص ويحلف الله ما وضعت إلا
للميت, ثم يكون على الحميل حصته من ذلك الدين.
إنما يتوجه على الحميل العزم متى كان الحق ثابتاً على الغريم, فإذا
سقط عنه أو بعضه, سقط ذلك عن الحميل؛ كما لو أدى الغريم الحق
كله أو بعضه لسقط ذلك عن الحميل, فكذلك 'ذا أسقطه عنه رب الدين.
وما معنى هذا الإسقاط إذا كان يُطلب به الحميل؟ وهو إذا أغرم ذلك
стр. 6935
الحميل رجع الحميل بذلك على الغريم, أو على ورثته إن كان ميتاً فما
فائدة إسقاط ذلك عن الغريم وتحليله منه إذا كان يُطلب به
الحميل متى أعدم؟
[فرع: إذا غاب الغريم, فغرم الحميل لصاحب الحق, ثم قدم الغريم, فذكر أنه
دفع لصاحب الحق, وأقام البينة على ذلك]
وفي كتاب محمد: إذا غاب الغريم, فغرم الحميل لصاحب الحق, ثم قدم
الغريم, فذكر أنه دفع لصاحب الحق, وأقام البينة على ذلك, قال: يُنظر,
فإن كان الحميل دفع الحق قبل الغريم, وبعد أن حل الأجل,
فله الرجعة على الغريم؛ لأن دفعه كان بحق ويرجع
الغريم بما كان دفع على صاحب الحق,
وإن كان الغريم هو الدافع قبل الحميل, فلا تباعة للحميل عليه, ويرجع الحميل
على صاحب الحق بما كان دفع إليه, وإن جهل أمرهما لم يتبع الحميل إلا لمن
دفع إليه, إلا أن تكون له بينة أنه الدافع الأول, أو بقضاء من السلطان بعد
أن يحلف الغريم أنه كان الدافع قبل, فإن نكل حلف الحميل وأغرم
الغريم فإن نكلا جميعاً لم يكن للحميل على الغريم شيء.
стр. 6936
[الباب العاشر] في الحميل يدفع غير ما تحمل به, وفي اشترائه
للدين أو تبرئة الطالب من بعضه .
[(١) فصل دفع الحميل غير ما تحمل به]
قال ابن القاسم: ومن تكفل بمئة دينار هاشمية, فأداها دمشقية - وهي
دونها - برضى الطالب رجع بمثل ما أدى, ولو دفع فيها عرضاً أو طعاماً,
فالغريم مخير في دفع مثل الطعام أو قيمة العرض, أو ما لزمه من أصل الدين.
وقال في كتاب السلم: إن صالحك الكفيل بطعام, أو بما يقضي بمثله
لو يجز؛ لأن الغريم عليه بالخيار, إن شاء أعطاه مثله, أو الدين. ويجوز بما
يرجع إلى القيمة فيرجع من ذلك أو الدين
قال بعض الفقهاء: لم يذكر اختلافاً إذا دفع من الصنف
الذي على المديان أدنى منه أو أجود أن ذلك جائز؛ إذ لا شك أحد أن أحداً
لا يختار إلا دفع الأخف عليه.
فكأن الدافع على أن ذلك الذي يرجع إليه, فكان ذلك
بخلاف أن يدفع عرضاً أو طعاماً أو دراهم عن دنانير لاختلاف الأغراض فيه,
стр. 6937
فيصير الحميل أخرج شيئاً لا يدري ما يرجع إليه, فصار ذلك غرراً, فلم يجزه
تارة لهذا, وأجازه أخرى؛ لأن الدافع كأنه دخل على أن يرجع إليه الأقل مما دفع, أو
ما على المدفوع عنه, إذ هو الغالب من أمر الناس, والله أعلم.
قال في المدونة: ولو دفع ذهباً عن ورق لم يجز ذلك, ورجع الكفيل بما
أدى, وكان للطالب أصل دينه, والحميل به حميل, وهو بخلاف المأمور يدفع
خلاف ما أمر به من العين, وذلك مذكور في كتاب المديان وقد قال ابن
القاسم وغيره: إن المأمور والكفيل إذا دفع ذهباً عن ورق أو طعاماً أو
عرضاً أن الغريم أو الآمر مخير إن شاء دفع ما عليه أو ما دفع هذا عنه؛
لأنه [١٠/أ] تعدى فيما دفع وهذا أصل التنازع فيه كثير.
стр. 6938
ومن كتاب ابن المواز: ومن تحمل بدنانير, فدفع فيها إلى الطالب
دراهم؛ لغيبة الغريم أو عدمه, فأما قبل الأجل فلا يحل, وأما بعد الأجل
فجائز, ثم يخرج الغريم ما عليه من الدنانير فيشتري بها دراهم, فإن نقصت لم
يكن للحميل غيرها, وإن كانت أكثر لم يكن له الفضل, وهذا كله بعد
الأجل. وكان ابن القاسم يقول: الغريم مخير إن شاء دفع دراهم, وإن شاء
دنانير, ثم رجع, فقال: هذا حرام بين الحميل والغريم.
وقاله أشهب, وهو أحب إلينا.
[(٢)] فصل: [في شراء الحميل الدين أو تبرئة الطالب من بعضه]
قال ابن القاسم: ومن تكفل عن رجل بألف درهم ثم أخذ الكفيل
من الغريم سلعة على أن يدفع عنه الألف ثم أغرمها الطالب للغريم,
فللغريم الرجوع بالألف على الكفيل؛ لأنه باعه السلعة بها. ومن تكفل
لك بمئة حالة, فأبرأته من خمسين على أن يدفع إليك خمسين, فلا يرجع
هو إلا بما أدى, ولك أنت إتباع الغريم بالخمسين الأخرى؛ لأن
تلك البراءة براءة من الحمالة فقط,
وإن تكفل رجلان بألف فأخذ أحدهما من الآخر مئة على أن يدفع عنه
وعن نفسه جميع الألف, فإن حل الأجل والطالب حاضر يقبض
стр. 6939
مكانه جاز, وإن اغتزا نفعاً بسلف لتأجيل الدين أو لغيبة
الطالب أو لغير ذلك لم يجز.
قال غيره: فإن أخذ المئة على أمر جائز, ثم صالح الطالب على
خمسين, جاز ورد إلى صاحبه خمسة وسبعين, ثم رجعا على الغريم بخمسين
بينهما نصفين, وإن صالحه على خمسين ومئة جاز, ورد على صاحبه خمسة
وعشرين, ورجعا على الغريم بخمسين ومئة بينهما نصفين,
وإن صالحه على خمسمئة جاز, ورجعا على الغريم بما أديا عنه
стр. 6940
مخرج المئة بمئة والآخر بأربعمئة, فإن لقياه عديماً لم يكن للذي أدى
الأربعمئة أن يرجع على صاحبه بشيء ويتبعا جميعاً الغريم بما أديا عنه.
стр. 6941
[الباب الحادي عشر] في صلح الكفيل أو الغريم, وغُرم الكفيل ورجوعه .
قال في باب بعد هذا: ومن تكفل بطعام من سلم, أو قرض فلا
يجوز لك أن تصالح الكفيل, أو الغريم قبل الأجل على بعض الطعام
وتترك باقيه؛ لأنه ضع وتعجل, وأما إن حل الأجل جاز ذلك منهما
جميعاً, ويرجع الكفيل بما أدى, ولا يجوز لك قبل الأجل - إذا كان الطعام
من سلم - أن تصالح الكفيل أو الغريم على حنطة مثل كيل من حنطتك
إلا أنها أجود منها أو أدى, - ويدخله في الأجود حط عني الضمان وأزيدك,
وفي الأردى ضع وتعجل - ولا يجوز أن تصالح الكفيل بعد محل الأجل
على مثل الكيل أو الجنس أجود صفة أو أردى, ولا على أقل كيلاً وأجود
صفة, ويجوز أن تأخذ من الغريم بعد محل الأجل مثل الكيل أجود
стр. 6942
صفة, أو أردى؛ لأن ذلك بدل وتبرأ ذمته,
وفي الكفيل يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن المطلوب مخير, عليه إن شاء
أعطاه مثلما أدى أو ما كان عليه, وأما في القرض فجائز أن يأخذ من الكفيل
بعد حلول الأجل مثل المكيلة أجود صفة أو أردى.
منع أن يصالح الكفيل بعد حلول الأجل على محمولة أدنى من
المحمولة التي له أو أجود منها.
قال بعض الفقهاء: والقياس أن ذلك جائز كدنانير يعطيها هاشمية
عن دمشقية, أو دمشقية عن هاشمية؛ إذ لا شك أنه لا يرجع إلا بالأقل؛
ولا اختلاف أغراض فيها, وهو إنما يعطي ذلك عن [١٠/أ]
الذي عليه الدين, فإن كان يدخل ذلك طعام جيد برديء ليس يداً بيد,
стр. 6943
قيل: هذه العلة موجودة في الدمشقية من الهاشمية وهو قد أجاز ذلك في
الدنانير, وأما بيع الطعام قبل أن يستوفى فإنما يدخل فيما كان صنفاً آخر,
وهذا إنما هو القضاء.
وإذا كان الغالب من أمر المطلوب إنما يدفع الأدنى فلم لم يكن
كأن الحميل أسلف المطلوب طعاماً على أن يأخذ مثله أو أدنى منه فيجوز؟
وفي كتاب محمد: ومن تحمل بعبد, أو حيوان, أو عرض -
قال العتبية: أو طعام - فأداه الحميل من عنده رجع في ذلك كله
بمثله؛ لأنه سلف قاله ابن القاسم وأشهب وغيرهم
من أصحاب مالك.
стр. 6944
قال ابن القاسم: وإن كلفه الحميل شراءه بثمن فله الرجوع بمثل الثمن
وقال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن تحمل بعبد
أو عرض أو حيوان أو غيره مما لا يكال ولا يوزن, فأداه من عنده رجع بقيمته.
والصواب بمثله كما قال في كتاب محمد؛ لأنه
سلف من الكفيل للغريم.
قال ابن حبيب: وإن اشتراه ليقضيه رجع بالثمن كان أقل من قيمة ما تحمل به أو
أكثر, وأما ما يكال أو يوزن فيرجع فيما أدى من عنده بالمثل وفيما اشتراه بالثمن.
فحكي عن بعض القرويين أنه قال: إنما وجب للكفيل أن
يرجع بالثمن فيما كُلف شراءه؛ لأن الغريم قد علم أن الكفيل إذا طولب
بما تحمل به فلم يكن عنده, أنه يُكلف شراءه؛ فكأنه دخل معه على أن يغرم
له ما غرم من ذلك قال: ولو تحمل عنه بغير إذنه لوجب أن يطالبه بالأقل
من الثمن الذي اشترى به أو من نفس ما عليه.
стр. 6945
لأن من حجته أن يقول: أنا ممن يجب على التأخير في عسرتي فلا
أدفع إلا ما علي, وقد يشتريه اليوم بأضعاف ثمنه ويكون يوم اشترى
يساوي عشر الثمن الذي اشتراه به؛ فلذلك كان له أن يعطيه ما عليه وإن
أعطاه الثمن الذي اشتراه به لم يظلمه؛ فلهذا كان له أن يعطيه الأقل مما اشتراه
به أو ما عليه, وأما إذا أدى من عنده فهذا بين أنه يرجع بمثله؛ يريد: في
العروض وغيرها بخلاف ما ذكر ابن حبيب.
[(١)] فصل [في غرم الحميل وفيما يرجع به على الغريم]
ومن كتاب ابن المواز: ومن تحمل بثمن طعام فأداه فله أن يأخذ من الغريم
فيه طعاماً إذا رضيا كان من صنفه أو من غير صنفه أو أكثر من كيله.
قال ابن القاسم: وكذلك لو تطوع رجل بقضاء الثمن عنه جاز أن
يأخذ منه ما يأخذ الكفيل, وهما بخلاف البائع وبخلاف من أحاله البائع
بالثمن؛ لأن المحال بمنزلة المحيل. وكذلك عنه في العتبية.
ابن المواز: ومن تكفل بطعام من بيع, فدفع إليه الغريم دنانير
ليشتري بها طعاما ويقضيه عنه, فقضى عنه طعاماً من عنده, وأخذ الثمن, فإن
стр. 6946
لم يعلمه فبلغه فرضي فذلك جائز؛ لأنه سلف رضي له فيه بثمن؛ ولو كان
ذلك بأمر الغريم لم يجز؛ لأنه بيع يجب أن يقبضه الغريم من الحميل
قبل أن يقضيه عنه, فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
قال أبو زيد ابن القاسم في العتبية: ولا يحل للذي له
القمح أن يقبضه من الضامن حتى يكتاله الذي عليه الحق ويقبضه هو منه,
وأحب إلي أن يوكل المطلوب بالقمح من يقبضه من الضامن, ثم يقضيه
عنه, وإن وكل الضامن بذلك فأرجو أن يكون خفيفاً وضعفه, قال في
رواية عيسى: ولعله يجوز, وما يجوز إلا زحفاً.
стр. 6947
[الباب الثاني عشر] في الكفالة بالدرك, وكيف إن
شرط خلاص السلعة, والحمالة بمعين أو كتابة .
[(١) فصل في الكفالة بالدرك وكيف إن اشرط خلاص السلعة في الدرك]
[١١/أ] قال ابن القاسم: ومن اشترى من رجل جارية أو داراً أو غيرها
فتكفل له رجل بما أدركه في ذلك من درك, جاز ذلك, ولزمه الثمن حين
الدرك في غيبة البائع أو عدمه. ولو شرط المشتري خلاص السلعة لم تجز
الكفالة, ولم تلزمه؛
وقال غيره: تلزمه وهو أدخل المشتري في غرم ماله, فعليه الأقل
من قيمة السلعة يوم تستحق أو الثمن الذي أدى, إلا أن يكون الغريم مليئاً
حاضراً, فيبرأ.
стр. 6948
فوجه قول ابن القاسم: أن المعاملة إذا وقعت فاسدة
بين المتبايعين فما سميا من الثمن الذي تحمل به الحميل غير
لازم, فيسقط عنه؛ لسقوطه في أصل الشراء.
ووجه قول غيره: أن الحميل لما أخرج من يد المشتري ماله وجب
عليه غرمه لحجته؛ إذ لو لم يتحمل له به ما ابتاع منه, فإن
كانت قيمة السلعة أقل لم يلزمه إلا ذلك؛ إذ لو لم يستحق لم
يكن على الحميل شيء, فإذا غرم له قيمتها في الاستحقاق لم
تكن له حجة؛ كما لو استهلكا له.
وروي مثل ذلك عن ابن القاسم أيضاً. قال ابن القاسم: ولو شرط
المبتاع على البائع خلاص السلعة في الدرك, وأخذ منه بذلك كفيلاً بطل
البيع والكفالة؛ كمن باع ما ليس له شرط وخلاصه؛ ولولا أن الناس كتبوا
ذلك في وثائق الأشرية لا يريدون به الخلاص ولكن تشديداً في التوثيق
لنقضت به البيع , ولو عقدوا البيع على اشتراطه فسد البيع.
стр. 6949
[(٢) فصل: [في الحمالة بمعين]
وما ابتعت من شيء بعينه لم يجز أن تأخذ به كفيلاً كان حاضراً أو غائباً, على
صفة قريب الغيبة أو بعيدها؛ كما لا يجوز للبائع ضمان مثله إن هلك.
[٣] فصل: في الحمالة بكتابة المكاتب]
ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب, قال ابن القاسم: وأما إن عجل
عتق عبده على مال جازت الكفالة بذلك - عند مالك, يريد: لأنه
في الذمة - وكذلك من قال لرجل: عجل عتق مكاتبك وأنا بباقي كتابته
كفيل, جاز, وله الرجوع وبذلك على المكاتب.
стр. 6950
[الباب الثالث عشر] في الحمالة بنفع أو جُعل, وما يفسد من شروطها أو يصلح .
قال مالك في كتاب محمد: لا خير في الحمالة بجعل
قال ابن القاسم: فإن ترك - وكان يعلم صاحب الحق - سقطت الحمالة,
ورد الجعل, وإن لم يكن يعلمه فالحمالة لازمة للحميل, ورد الجعل على
كل حال, وقاله أصبغ, وكل حمالة وقعت على حرام فيما بين البائع
والمشتري في أول أمرهما أو بعده فالحمالة ساقطة عن الحميل, علم
صاحب الحق أو الذي عليه الحق, أو الحميل بمكروه ذلك أو
جهلوه, وذلك مفسوخ على كل حال.
стр. 6951
وقال أصبغ: وكل حملة وقعت في حرام بين الحميل وبين الذي عليه الحق
ولم يعلم بذلك صاحب الحق فالحمالة لازمة للحميل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن له دين على رجل إلى
أجل فأخذ منه الأجل حميلاً أو رهناً على أن يوفيه حقه إلى الأجل أو إلى
دونه, فذلك جائز؛ لأنه زيادة توثيق.
فإنما يجوز إلى دون الأجل إذا كان الحق مما له تعجيله, وأما
إذا كان عرضاً أو حيواناً من بيع فلا يجوز؛ لأنه: حط عني الضمان وأزيدك
توثيقاً
قال: وكذلك إن حل الأجل فأخره على أن يأخذ منه حميلاً
أو رهناً جاز؛ لأنه ملك قبض دينه [١١/ب] مكانه, فتأخيره به كابتداء
سلف على حميل أو رهن. قال: وإن لم يحل الأجل فأخره به
إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لم يجز؛ لأنه سلف بنفع.
стр. 6952
قال غيره: ولا يلزم الحميل شيء, ولا يكون الرهن به رهناً, وإن قبض في
فلس الغريم أو موته.
أراه إنما قال ذلك لأن الرهن لم يكن في أصل الدين, ولو كان في
أصل الدين لكان المرتهن أحق به من الغرماء حتى يستوفي حقه وإن كان
فاسداً. وقد قال مالك في كتاب الرهن - فيمن أقرض أو باع سلعة
بثمن إلى أجل وأخذ بذلك رهناً على أنه إن لم يفتكه منه إلى الأجل فالرهن له
بدينه-: إن ذلك لا يجوز, وينقض الرهن, ولا ينتظر به الأجل, وله أن
يحبس الرهن حتى يأخذ حقه وهو أحق به من الغرماء.
وقال في كتاب محمد في مسألة الكتاب: إن مات الغريم أو فلس
قبل الأجل الأول , لم يلزم رهن ولا حمالة, وإن مات أو فلس بعد الأجل,
ثبت الرهن, وبطلت الحمالة.
وهذا على قول أشهب الذي يجيز الرهن, بجعل, وكأنه رآه
قبل الأجل لم يصح له جعل؛ إذ لم يؤخره بعدما بطل الرهن, وبعد الأجل
صح له الجعل بالتأخير فثبت الرهن, والله أعلم.
ويحتمل إنما بطل الرهن قبل الأجل؛ لأنه رهن فاسداً ولم يدخله
به في تأخير فهو قبل الأجل كلا رهن فوجب فسخه, وبعد الأجل أدخله
стр. 6953
به في التأخير فصار كالرهن في أصل العقد, وهذا أشبه.
وقال غيرنا وعلى قول غيره, وما روى ابن القاسم في غير
المدونة: فالحمالة ثابتة بعد الجل؛ لأنه كالمخرج من يده شيئاً, لإمكان
أن يكون قادراً حين الأجل على أن يأخذ منه فصار الحميل أوجب تأخيره,
فأشبه الإخراج من يده, وأما الرهن فرهن إذا دخل في الأجل الثاني.
قال ابن المواز [قال ابن القاسم]: لو قال له قبل الأجل:
أسلفني مئة أخرى, وخذ رهناً بالمئتين إلى شهر بعد الأجل, لم يجز,
ويرد المئة السلف, ويأخذ رهنه, ويرد الدين إلى أجله, وكذلك لو لم يزده في
الأجل شيئاً؛ وهو سلف جر منفعة.
قيل: فإن لم يعثر على ذلك حتى مات الراهن, أو فلس, وقام الغرماء؟
قال: ما سمعت فيها إلا ما خاض فيه أصحابنا:
أن يكون نصف الرهن رهناً بالمئة الآخرة, ويرد نصفه إلى الغرماء.
стр. 6954
وقال ابن المواز: بل الرهن كله رهن بالمئة الآخرة؛ لأنه يسببها.
وهو مذهب المدونة.
قال ابن المواز: ولو كانت المئة الآخرة بحمالة لسقطت عن المئتين؛ لأنه
لا تثبت حمالة في معاملة فاسدة, ولا يثبت فيه تأخير, ولا سلف.
قال: ومن حل دينه فقال له رجل: ضع لغريمك منه كذا وكذا, وأنا
حميل لك بباقيه إلى أجل كذا, فذلك جائز؛ لأنه لو شاء تعجله فكأنه أسلفه
وحطه, وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم ورووه
عن مالك: واختلفت رواية أشهب فيه عنه: فكرهه, وأجازه, وإجازته
أبين؛ لأنه 'ذا جاز أن يؤخر بحميل جاز أن يحطه, ويؤخره.
قال ابن وهب: وأجاز ابن أبي سلمة إذا حل الأجل أن يعطيك
стр. 6955
غريمك بدينك رهناً وتؤخره؛ لأنه ليس لك في تأخيره منفعة- لأنك لو
شئت قمت عليه فيبيع لك هذا الرهن - إلا أن يكون غريمك قد تبين فلسفه فلا
يجوز؛ لأنك إذا قمت عليه قد يقع لك في الحصاص بعض حقك؛ فأخرته
على أن تستبد بالرهن أو يضمن لك الحميل أكثر مما يقع لك في الحصاص,
فهو سلف جر منفعة.
قال ابن القاسم: ولو قال للطالب: هب فلاناً ديناراً - غير الغريم
- وأنا حميل لك بدينك, لم يجز؛ وهي كحمالة بجعل.
قال مالك: وإذا حل أجل الدين فقال له: أسلفني مالاً آخر وأخرني
على أن أرهنك بهما رهناً أو أعطيك حميلاً, فذلك جائز. [١٢/أ]
وقد قيل: ذلك جائز إلا أن يكون تبين عدم الغريم.
قال ابن المواز: وهو عندي جائز وإن تبين عدمه إن كان الرهن لنفسه.
يريد: لأنه لو شاء باعه عليه فقبض منه دينه, فلا منفعة له في تأخيره.
стр. 6956
قال ابن المواز: ما لم يكن عليه دين محيط, فلا يجوز تأخيره بالدين الأول
بذلك الرهن أسلفه الآن شيئاً أو لم يسلفه؛ لأنه يزداد بما أخر منفعة.
يريد: لأنه لو قام عليه الآن لحوصص فيما أراد أن يرهنه وأخذه
ليختص بالرهن.
قال ابن المواز: وأما تأخيره بحميل فجائز ما لم يسلفه سلفاً ثانياً.
وإنما يجوز إذا لم يكن عليه دين محيط لغيرك أو كان عديماً لا شيء له
أصلاً, وأما إن كان عليه دين محيط لو قمت عليه الآن لنابك في
الحصاص أقل من دينك, يجوز تأخيره بحميل؛ لأنه سلف جر نفعاً.
قال ابن المواز: ولو كان عديماً لا دين عليه لغيرك أو عليه دين لغيرك
ولا شيء له أصلاً, لأجزت لك تأخيره بحميل ما لم يكن معه سلف آخر
لأنك لو أردت القيام عليه بأخذ دينك لم تقدر لفلسه فقد وجب
стр. 6957
عليك تأخيره على ما أحببت أو كرهت حين لا تجد شيئاً تأخذه منه,
فكأنك تطوعت بالحميل بلا منفعة استجلبتها.
وقوله: أو عليه دين لغيرك. ليس في أصل كتاب محمد, وهو في
النوادر وهو جيد.
قال أشهب: ومن لك عليه عشرة دنانير سلفاً, فبعت منه بيعاً على أن
يعطيك بالعشرة الدنانير السلف رهناً, فذلك جائز, واو كانت العشرة
الأولى من بيع فأسلفته عشرة أخرى على أن يرهنك بالعشرة الأولى رهنا لم
يجز؛ لأنه سلف بنفع, فلا خير في أن يسلفه ويشترط منفعة, ولا بأس
أن يبيع ويشترط منفعة.
قال ابن المواز: ولم يُجزه ابن القاسم في الوجهين؛ لأنه إذا باعه
واشترط رهنا بسلف له عليه كان رهنا بجعل, وذلك لا يحل.
لأنه باع منه السلعة بعشرة وهي تسوى اثني عشر على
стр. 6958
أن يعطيه رهناّ أو حميلاً بالسلف, فصار كالحطيطة من الدين على أن يعطيه
فيه حميلاً أو رهناً, فلا يجوز عند أبن القاسم ويجوز عند أشهب
قال محمد: ولم ير أشهب بالرهن بجعل بأساً؛ لأن الجُعل فيه إنما يصل إلى
غريمه نفسه, فهو كالوضيعة له من حقه بعد أن حل على أن يرهنه, والجعل
في الحمالة للحميل فهو لغير غريمه, فلا يحل يريد ولو كان
الجعل لغريمه لجاز.
قال: وكذلك لو كان الرهن لغير غريمه بجعل من الغريم لم يجز,
وينتقض الرهن إن علم رب الحق,
وإن لم يعلم ثبت الرهن, وسقط الجعل.
ولو كان له عليه عشرة إلى شهر, فقال: أعطيني حميلاً وأنا أضع عنك
درهمين وآخذ ثمانية عند الشهر. فلم يجز ذلك ابن القاسم.
لأن ذلك كالحمالة بالجعل؛ لأن الحميل إن لم يأخذ الدرهمين فكأنه قال
للذي له الدين: هبها للذي عليه الدين, فكأنه لم يرض أن يتحمل له إلا
стр. 6959
بجعل يأخذه الذي عليه الدين, كما لو قال له: لا أتحمل لك إلا أن تهب
لفلان ديناراً.
قال أشهب: إذا حط عنه على أن يعطيه حميلاً أو رهناً إلى أجل إن ذلك
جائز قال أصبغ: ولو قال له: خذ مني دينارين وأعطني حميلاً إلى أجل لجاز
ذلك كما لو حطها عنه من دينه.
قال بعض الفقهاء: الأشبه ما قال [١٢/ب] ابن القاسم؛ لأنهم لم
يختلفوا أن لو كان الذي عليه الدين سأل أن يتحمل عنه بجعل أن ذلك لا
يجوز, فإن كان الذي له الدين هو الذي يعطى الجعل لمن يتحمل له, فكذلك
ينبغي ألا يجوز إذا حط عن الذي عليه الدين على أن يعطيه حميلاً,
فالحميل وإن لم يأخذ جعلاً فقد أخذ الجعل من سأله أن يتحمل عنه؛ وهو
الذي عليه الدين, فصار الحميل كالواهب للذي عليه الدين بما أعطي من
جُعل, ومع أن ذلك غرر أيضاً؛ لأن رب المال يحط من ماله لأمر يمكن أن
يحتاج إليه لعُسر الغريم, ويمكن ألا يحتاج إليه ليسره.
وأما 'ذا حل الأجل فأعطاه حميلاً على أن يضع عنه, فهذا جائز؛ إذ لا
غرض له في هذا - يريد: إذا كان الغريم موسراً- وأما إن كان معدماً
стр. 6960
فينبغي ألا يجوز على مذهب ابن القاسم؛ لأن الغريم إذا لم يقدر على الأخذ
منه صار كدين لم يحل, فيجري فيه الاختلاف على ما ذكرنا.
وقد ذكر في كتاب محمد عن أشهب: أن روايته اختلفت في
الحال, فأراه يريد: إذا كان الذي عليه الدين معسراً, فيصير على هذا
وافق ابن القاسم في إحدى روايتيه.
وأما إذا أعطاه حميلاً بعد حلول الأجل, ولم يضع عنه شيئاً على أن يؤخره
وكان موسراً فهذا جائز, وإن كان معسراً اعتبرت: فإن أخره أمداً يمكن أن
يوسر قبله لم يجز ذلك, ويصير بمنزلة من أعطاه حميلاً قبل الأجل على أن
يؤخره إلى بعده, وذلك وإن كان يسره إلى شهر فكأن الدين لم يحل
إلا إلى الشهر, فإن أعطاه حميلاً على أن يؤخره
شهرين, صار قد دفع ما لا يلزمه من
стр. 6961
الحميل لمكان تأخيره إياه بعد يسره شهراً آخر.
وإن كان إنما أعطاه حميلاً إلى شهر وهو الذي يوسر إليه,
فهذا جائز كمن أعطي حميلاً قبل الأجل.
وحكم العسر كحكم ما لم من الأجل, إلا أن يكون معه سلف, فلا
يحل؛ لأنه إن كان يسره إلى شهر, فالحكم يوجب تأخيره إليه بلا حميل؛
فكأنه قال له: أنا أعطيك حميلا لا يلزمني, أن تسلفني كذا فصار سلفاً
جر نفعاً وهو زيادة التوثيق.
وقد زدت في هذا الكلام من لفظي ما يتم به الكلام عندي.
قيل لمحمد: لم لا تجيز كراء الشيء لرهنه, وأنت تجيز كراء الحلي
والمتاع للبس؟ قال: ليس من اكترى متاعاً ليرهنه كمن اكترى حلياً أو متاعاً
ليلبسه؛ لأن الرهن كلما مطل المديان بالدين ازداد صاحب الرهن في الرهن
كراء؛ فكأن رب الحق أخره بزيادة يعطيها لغيره.
قلت: فلو أكراه إلى أجل؟ قال: الأجل في الكراء للبس جائز,
ولا يجوز إلا به, ولا يجوز الرهن إلى أجل ولا يكون رهناً؛ لأنه إذا انقضى
стр. 6962
ذلك الأجلُ بَقِيَ الحقُّ بلا رَهْنٍ, فَيبْطُلُ مِنْ أَوَّلِهِ, وإنْ فلَّسَ أو مات الغَرِيمُ قبلَ الأجلِ دَخَلَ فيه الغرماءُ.
وقال البرقي عن أشهبَ -فيمن ارتهنَ رهناً في بيعٍ فاسدٍ, وفاتت السلعةُ-: إنَّ الرهنَ رهنٌ بالأقلِّ من القيمةِ أو الثمنِ, وقال في دافعِ دنانيرَ في دراهمَ إلى أجلٍ وأخذَ بذلك رهناً أن الرهنَ رهنٌ بالأقلِّ, وإنْ كان حميلاً فالحمالةُ باطلةٌ, وابن القاسم يُبْطِلُ الرهنَ والحميلَ.
ابن المواز: قال ابنُ القاسم: ومَنْ باع سلعةً وأخذ حميلاً على أنه إنْ مَاتَ الحميلُ -يريد: قبل الأجلِ- فلا تِباعةَ في تَرِكَتِهِ, وإن مات البائعُ قبل ذلك الأجلِ فلا حمالةَ له على الحميلِ ولا لورثَتِهِ. فقال: هذا بَيْعٌ
стр. 6963
حرامٌ لا يجوزُ [١٣/أ] , والحمالةُ ساقطةٌ, وعلى المشترِي في فَوْتِ السَّلْعةِ القيمةُ.
قال أَصْبَغُ: أَجَابَ على غير تأمُّلٍ, وهذا عندي جائزٌ, والشَّرْطُ ثابتٌ؛ لأنه ليس هو بَيْنَ البائعِ والمبتاعِ وهو شرطٌ بينه وبينَ الحميلِ, كما لو تحمَّل على هذا من غير بَيْعٍ؛ وكذلك لو تحمَّل بمهْرٍ على أنه إنْ دخل فالحمالةُ له ثابتةٌ, وإنْ مات أو طَلَّقَ قبل البناء فلا حمالةَ لع عليه, فذلك جائزٌ, وإنما يَفْسُدُ لو شرط المشترِي أنه إنْ مات بائعٌ أو مبتاعٌ قبل الأجل فالثمن هدرٌ, ولا تِباعة به فهذا بيعٌ فاسدٌ.
قال ابنُ المواز: وأرى قولَ ابْنِ القاسِم إنْ كان ذلك شَرْطَهُ مع البيعِ على المشتري فالبيعُ فاسدٌ, والحمالةُ ساقطةٌ؛ لأنَّ ثمنَ السلعةِ مع حميلٍ أو رهنٍ أكثرُ منه بلا رهن ولا حميلٍ فقد تخاطرا, وإنْ شرط ذلك في سلفٍ غير بَيْعٍ كان ذلك جائزاً.
قال ابنُ حبيب: ومَنْ باع سلعةً مِنْ ثلاثةٍ على أَنَّ بعضَهم حميلٌ ببعضٍ, فإن لم يكونُوا شركاءَ في غيرها, فذلك جائزٌ, ولم يزلْ هذا من بُيُوع الناسِ, وما عملتُ مَنْ أنكره, وإنما لا يجوزُ أن يقول: تحمَّل عَنِّي في شيء على أنْ أَتَحَمَّلَ عنك في شيءٍ آخرَ.
стр. 6964
[الباب الرابع عشر] في الحميل يَدَّعِي أنه وافاه بغريمِه, وما تجبُ
فيه الحمالة ودعوى ورثةِ أحدِ الحملاءِ أنَّ وليَّهُم دَفَعَ المال .
[(١) فصل: في الحميل يدَّعي أنه وافاه بغريمه, وما تجبُ فيه الحمالة.]
[المسألة الأولى: فيمن قال لرجل إن لم أوافك بغريمك غداً فأنا ضامن لما عليه]
قال ابن القاسم: ومَنْ قال لرجلٍ: إنْ لَمْ أُوَافِكَ بغريمِكَ غداً فأنا ضامنٌ لما عليه. فمضى الغدُ وادَّعى الحميلُ أنه وافاه به, فالبيِّنَةُ عليه وإلا غَرِمَ إلا أن يُوَافِيَه به الآن قبل الحكمِ عليه, فيبرأُ مِنَ المالِ.
وكذلك يقول غيرُه من الرُّواَةِ.
[المسألة الثانية: فيما تجب فيه الحمالة]
قال ابنُ القاسم: ومَنْ كان بَيْنَهُ وبَيْنَ رجُلٍ خُلْطَةٌ في معاملةٍ,
стр. 6965
فادَّعى عليه حقَّاً لم يجِبْ له عليه كَفِيلٌ بوجْهِه حتى يَثْبُتَ حقُّه, وقال غيرُه: إذا ثَبَتَتِ الخلطةُ بينهما فله عليه كفيلٌ بنفسه لِيُوقِعَ البَيِّنَةَ على عَيْنِه.
م: يعني غيره: إذا لم يكن المدعَّى عليه معروفاً مشهوراً فللطالب عليه كفيلٌ بوجهه ليوقع البينةَ على عَيْنِه, وأما لو كان المطلوب معروفاً مشهوراً فليس للطالب عليه كفيلٌ بوجْهِه؛ لأنا نسمع البينةَ عليه في غيبتِه, وكذلك معنى قولِ ابْنِ القاسِمِ, والله أعلم.
قال ابنُ القاسم: وإنْ سأله وكيلاً بالخصومةِ حتى يُقيمَ البيِّنَةَ عند
стр. 6966
القاضِي لم يَلْزَمِ المطلوبَ ذلك, إلا أن يشاءَ؛ لأنَّا نسمعُ البينةَ في غيبةِ المطلوبِ, وإنْ سأله كَفِيلاً بالحقِّ حتى يقيمَ البيِّنةَ لم يكن له ذلك, إلا أن يُقِيمَ شاهداً, فله أَخْذُ الكفِيل, وإلّا فلَا, إلا أنْ يَدَّعِيَ بينةً قريبةً يُحْضِرُها مِنْ السُّوقِ أو مِنْ بعضِ القبائلِ فليوقِفِ القاضِي المطلوبَ عنده لمجيء البيِّنةِ, فإنْ جاء بِها وإلا خلّى سبيلَه, ومَنْ قُضي له بِرَبعٍ أو غيره أنه وارثه فلا يُؤْخَذُ بذلك من الْمُقْضَى له كفيلٌ, وهذا جَوْرٌ ممن فعله مِنَ القضاة, وكذلك مَنِ استحقَّ دَيْناً قِبَلَ غائبٍ وله رِباَعٌ أو عُروضٌ حاضرةٌ, فإنّ القاضِيَ يبيعُها ويؤَدّي دَيْنَهُ, ولا يؤخذُ مِنَ الْمْقَضى له بذلك كفيلٌ.
[٢] فصل: [في دعوة ورثةِ أحدِ الحملاء أنَّ وليَّهُمْ دفع المال]
وإذا اشْترى ثلاثةُ رجالٍ سلعة [١٣/ب] منِ رجل وتحمَّل بعضُهم ببعضٍ في الثمن على أن يأخذ البائعُ أيَّهُمْ شاء بحقه, فمات أحدُهُم, فادَّعى ورثةُ الميتِ أنَّ الميتَ دفع الثمنَ إلى البائعِ, وأقاموا شاهداً, أنهم يحلفون معه,
стр. 6967
ويبرأُ وليُّهُم, ويرجِعُون على الشريكْين بما ينوبهُما, فإن نَكل الورثةُ, لم يحلفِ الشريكَان لأنهم يغْرَمُونَ, إلا أن يقولَا: نحن أمرناه ووكَّلناه بالدفعِ عَنْهُ وعَنَّا ودَفعْنَا ذلك إليه وإنما هو حقٌّ علينا والشاهدُ لنا, فيحلفُون, ويبرأُونَ.
قال أبو محمد: معنى قولِ ابنِ القاسم: لا يمينَ على الشريكْين يعني: إذا ادَّعَيَا أَنَّ الميتَ دفع الثمن مِن مالِه, ويغرمان ما ينوبُهُما للبائعِ؛ وذلك أَنَّ المالَ على جميعِهِم في أنفسِهِم وهم حملاءُ بعضُهم عن بعضٍ, فلا يغرمان للورثةِ شيئاً منْ أجلِ قَوْلِهم: إن الميتَ دفع عنا الثلثْين؛ لأنهما يقولَانِ: الميتُ
стр. 6968
فرَّط إذ لم يشهد حين دفع ولم يدفع بحضرتِنا شيئاً, وإنما بلغنا ذلك عنه, فلا يلزمُنا للورثة شيءٌ بإقرارنا هذا -ولكن يغرمان للبائع حَسَب ما تقدَّم- ويغرمُ الورثةَ للبائعِ ما ينوبهم؛ لنكولهم بعد ردِّ اليمينِ على البائعِ أنه ما قبضَ مِنْ وليِّهِم شيئاً, وهذا إذا كان الميتُ مليئاً بما ينوبُهُم اليومَ, فإنْ كان عديماً اليوم لم يكن على الورثة شيءٌ وكان لهذيْن أن يحلفا مع الشاهدِ, وإنْ كان دعواهما: أنَّ الميت دفع الجميعَ من مالِه؛ ليبرآ من حمالة الثلثِ الذي الميتُ به عديمٌ, فإنْ حلفا غَرِما الثلثْين للورثةِ, وغرم الورثةُ للبائع ثلثَ الحقِّ مما قبضُوا من الشريكْين؛ لنكولِ الورثةِ.
وإنِ ادَّعَيَا أن الثمنَ من عندِهما حلفا لقد دفع ذلك وبرئَا, ورجعَ البائعُ على الورثةِ بالأقلِّ مما ورِثُوه أو مما ينوبُهم؛ لنكولِهم بعد أن يحلفَ البائعُ أنه ما قبض مِنْ وليِّهم شيئاً, وللشريكْين أن يَرْجِعَا عليهم فيقولَان لهم: نحنُ دفعنا جميعَ الثَّمَنِ للميِّتِ فإما أنْ تَحْلِفُوا على عِلْمِكم أَنَّا ما دفعنا إليه شَيْئاً, وتبرأوا, وإنْ نكلتم حَلَفْنَا لقد دفعنا
стр. 6969
الجميعَ وغرِمْتُمْ ثُلُثَ جميعِ الثمنِ لَنَا. وإنْ مَاتَ عدِيماً فلا شيءَ على الورثةِ؛ لأنهم لم يَرِثُوا شيئاً.
م: وتعقَّب بعضُ فقهاءِ القرويِّينَ كلامَ أبِي محمد هذا, فقال -في قوله: إذا كان الميتُ عديماً وادَّعيا أنَّ الميت دفع الجميعَ من مالهِ ليبرآ مِنْ حَمَالةِ الثلثِ الذي الميِّتُ به عديمٌ, فإن حَلفا غَرما الثلثْين للورثةِ وبرئا, وغرم الورثة ثلث الحقِّ للبائعِ مما قبضوا من الشريكْين قال -: فقولَه: يغرمان الثلثْين للورثةِ ليس بِبَيِّنٍ في القياس؛ وذلك أنَّ الورثة قد نكلوا, وإنما يحلف هذانِ ليَبْرَأَى من حمالةِ الثلثِ, فإذا حلفا, دفعا الثلثْين للذي له الدَّيْنُ, وحلف الغريمُ, واتَّبَع الورثةَ بالثلث, هذا يجبُ في القياسِ؛ لأنَّ أحداً لا يحلفُ ليستحقَّ غيرُه, فإذا جاز أن يحلف في الثلثْينِ فَيمْلِكُ ذلك الورثة, فلِمَ لَمْ تكن يمينهم قد بَرَّأتِ الورثةَ من الثلث أيضاً؟ الذي جَعَلَ هو: أنهم يغرمونه للغريمِ.
قال:-قال أبو محمد: فإنِ ادَّعيا أنَّ الثمنَ من عندِهما حلفا لقد دفعَ
стр. 6970
ذلك الميتُ وبرئَا, ورجع البائعُ على الورثةِ بما ينوبُهم لِنُكُولهم بعد أن يحلفَ البائعُ أنه ما قبضَ من وليِّهِم شَيْئاً, وللشريكْين أنْ يرجعا عليهم فيقولان لهم: نحن دفعنا جميعَ الثَّمَنِ إلى الميَّتِ, فإما أن تحلِفُوا على عِلْمِكم أنا ما دفعنا إليه شيئاً, وإن نكلتم حلفنا لقد دفعنا الجميعَ وغرمتم ثلثَ الثَّمنِ.
قال:-وفي هذا أيضاً نظرٌ؛ لأن الشريكْينِ [١٤/أ] لم يَثْبُتْ دفعُهما إلى الميت, وورثته قد نكلوا عن اليميِنِ, وما في يد الميتِ على مِلْكِه, فَيجِبُ أن يحلف الذي له الديْن ويأخذَ من جملتِهم إذا كان الميتُ مُوسِراً، ويحلفُ الورثَةُ للشريكَيْنِ أنَّا ما نعلم أنكم دفعتم إلى وَلِيِّنَا شَيْئاً إذا كانوا ممن يُمْكِنُ أن يَعْلَمُوا ذلك، وإن لم يترك شيئاً حلف الشريكَانِ مع الشاهد ليَبْرآ مِنْ حمالةِ الثلُثِ، ويغرِمانِ الثلثْين، ويحلفُ الذي له الدَّيْنُ، ويَتْبَع ذمةَ الميتِ متى طرأ له مالٌ.
следующие страницы →